الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

ويلاحظ ان فكرة هذا الاتجاه عن السببية تختلف عن فكرة الاتجاه الاول الذي حصر التاءثير على الاشياء باللّه من دون‏سواه.

فعلى الرغم من ان اتجاه الحق الذاتي يرى ان ما يقوله الاول ممكن تبعا للقدرة الالهية غير المتناهية، الا انه مع ذلك‏اعترض عليه باعتباره يتنافى مع العدل وغرض التكليف، وهو انه لا بد من ان يكون للغير تاءثير كي يتصحح الفعل البشري‏وما يستحقه من الثواب والعقاب طبقا لمنطق الحق الذاتي. وهو يطلق على هذا التاءثير باحداث الفعل، كاءن يكون مصدر هذاالاحداث هو اللّه، او الانسان بما احدثه اللّه فيه من قدرة. وبهذا يتصحح تكليفه وما يستحقه من جزاء. وهو في هذا المجال‏لا ينكر ان يكون هناك نوع من تاءثير الاشياء بعضها على بعضها الاخر طبقا لمنطق التوليد والاعتماد، وذلك بما اودعه اللّهفيها من قوى وخواص، وانه لو شاء لما كان لها هذا التاءثير او التوليد البتة، بل جعل ذلك من الامور التي تتصحح بها معرفة‏المعجزة واثبات النبوة، حيث لا تعرف المعجزة باءنها معجزة ما لم تكن خارقة للعادة((21))، ومن ذلك خرقها لخواص الاشياءالتي هي عليها، اي مبطلة لعلاقة التاءثير بين السبب والمسبب. وهذا كله مما لا يقره الاتجاه الاول، وذلك لان الفعل عنده‏محصور باللّه، وانه لا تاءثير للاشياء ولا توليد للمسببات، كما انه ليس هناك من قوى فاعلة، بل كل حالة اقترانية بين‏شيئين هي نتاج فعل اللّه، فلا عرض حادث الا واللّه خالقه وفاعله، وذلك اتساقا مع البداهة الاولية لحق الملكية، الى‏الدرجة التي ذهب فيها بعض لصحاب هذا المنطق الى اعتبار الاعتقاد بتاءثير الاشياء بعضها على بعضها الاخر يعد كفراوبدعة، ومن ذلك ما قام به السنوسي في ;ژرس‏ز÷المقدمات;ژرس‏ز÷ بتاءويل قوله تعالى: [اللّه الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في‏السماء كيف يشاء]، حيث نفى ان يكون هناك تاءثير للرياح على الغيوم، باعتباره يتضمن اثبات العلل الوسيطة، معتبرا مثل‏هذا الاعتقاد اصل الكفر والبدعة((22)). وبالتالي فان عموم اتجاه حق الملكية يختلف رايه في السببية عن اتجاه الحق الذاتي،حيث ان الاقتران السببي بين الظواهر العرضية في الطبيعة هو لدى الاول مجرد اقتران من دون ان يتضمن التاءثير من قبل‏العلاقة الاقترانية، في حين انه لدى الاخير يتضمن هذا التاءثير، وهو ان احدى الظاهرتين العرضيتين تؤثر على الاخرى‏بقدرة اللّه، وذلك طبقا لمنطق التوليد والاعتماد.

مع هذا، فهناك من اصحاب منطق الحق الذاتي من قدم تصورا آخر يقترب بعض الشي من التصور الفلسفي الوجودي. وقدنقل الاشعري في ;ژرس‏ز÷مقالات الاسلاميين;ژرس‏ز÷ عن المعتزلة باءنهم اختلفوا في السبب: هل هو موجب للمسبب او لا على قولين؟حيث ذهب اكثر المعتزلة المثبتين للتولد باءن الاسباب موجبة لمسبباتها، وهو قول الفلاسفة. ومن ذلك ما جاء عن معمر بن‏عباد السلمي (المتوفى سنة 220ه) انه راى ان‏الاعراض في الاجسام المادية هي من اختراعات الاجسام بحسب ;ژرس‏ز÷الطبع;ژرس‏ز÷،كالنار التي تحدث الاحراق، والشمس التي تحدث الحرارة، والقمر الذي يحدث التلوين. كذلك ذهب الجاحظ الى اثبات‏الطبائع للاجسام، حيث اثبت لها افعالامخصوصة مثلما هو راي الفلاسفة((23)). وعلى هذه الشاكلة ذهب ابو القاسم البلخي‏الذي ايده الشيخ المفيد من الامامية، حيث قال ضمن عنوان: ;ژرس‏ز÷القول في الثقيل: هل يصح وقوفه في الهواء الرقيق بغير علاقة‏ولا عماد;ژرس‏ز÷: غاقول: ان ذلك محال لا يصح ولا يثبت، والقول به مؤد الى اجتماع المضادات. وهذا مذهب ابي القاسم البلخي‏وجماعة من المعتزلة واكثر الاوائل، وخالفهم فيه البصريون من المعتزلة، وقد حكي انه لم يخالف فيه احد من المعتزلة الاالجبائي وابنه واتباعهماف. كما قال المفيد تحت عنوان: ;ژرس‏ز÷القول في الجسم: هل يصح ان يتحرك بغير دافع;ژرس‏ز÷:

غاقول انه لوصح ذلك باءن توجد فيه الحركة اختراعا كما يزعم المخالف، لصح وقوف جبل ابي قبيس في الهواء باءن يخترع فيه السكون‏من غير دعامة ولا علاقة. ولو صح ذلك لصح ان يعتمد الحجر الصلب الثقيل على الزجاج الرقيق، وهما بحالهما، فلا ينكسرالزجاج، وتخلل النار اجزاء القطن، وهما على حالهما، فلا تحرقه. وهذا كله تجاهل يؤدي الى كل محال فاسد;ژرس‏ز÷((24)).

وعلى العموم يلاحظ ان اصحاب منطق الحق الذاتي منقسمون على انفسهم في الراي بين من قد يكون متاءثرا براي‏الفلاسفة، وان كان الاختلاف بين الفريقين كبيرا، وبين الراي الذي نافسوا فيه ما هو عليه منطق حق الملكية. وقد يكون‏تصنيف المعتزلة الى بصريين وبغداديين له شي من العلاقة بهذا الانقسام. لكن مثلما كان بعض المعتزلة متاءثرابفكرة الفلاسفة‏عن السببية او العلية، فان الاشاعرة بدورها كانت قريبة من التصور العرفاني في فهمه لكرامات الاولياء× بناء على فكرة‏العادة والخلق المباشر المستمر وانه لا فاعل في الوجود غير اللّه. وهو امر يجعلنا امام تصورات عديدة مختلفة عن‏السببية.

ويترتب على هذه المقالة الخلاف الخاص بالمعرفة قاطبة، حيث ان الاشاعرة ترى انه لا مؤثر في الوجود الا اللّه، وبالتالي‏فان حدوث العلم عقيب النظر هو حدوث قائم على العادة، اي تجري عادة اللّه باءن يحدث العلم عقيب النظر، فالمؤثر في‏وجود العلم هو اللّه تعالى، وقد ادعى الاشعري ان هذا الحدوث انما يجري بلا وجوب منه تعالى ولا عليه، مع ان القول‏بالوجود من غير وجوب يعني عند بعضهم انه ترجيح بلا مرجح. في حين يتم حصول العلم بعد النظر عند المعتزلة بالتوليد،حيث ان الناظر يخلق النظر فيتولد منه فعل آخر من غير صنع اللّه عقيبه، كحالة حركة المفتاح عند حركة اليد. وهو موقف‏يخالف موقف الفلاسفة الذين اعتبروا حصول العلم بعد النظر جاء بالاعداد، فالنظر الذهني هو من العلة المعدة وليس علة‏حقيقية، حيث اذا تم استعداد الذهن لقبول العلم بهذا الاعداد فانه تفيض عليه النتيجة من مبدا الفيض وجوبا. لكن لدى‏الفخر الرازي ان حصول العلم عقيب النظر يتم بالوجوب تبعا للعادة، اي انه جرت عادته تعالى بايجاب وجود العلم واحالة‏عدمه، وذلك بخلاف ما عليه الاشعري الذي لا يقول بالوجوب اصلا. وعلى راي الفخر الرازي: انه لا دخل للنظر في هذاالايجاب، اذ ان العلم والنظر كلاهما معلولان للّه واجبان به، وذلك على خلاف الفلاسفة، حيث لديه ان حصول العلم، وان لم‏يكن واجبا ابتداء، فانه ليس متاءثرا بالنظر، اذ لا قدرة للعبد في التاءثير((25)).

لكن نقل عن الفخر الرازي، ومثله عن الباقلاني والجويني، انهم راوا ان ما يعقب النظر من المعرفة ليس بعادة، بل لزوم‏ضروري، فاللّه يخلق النظر ومنه يلزم عنه العلم بالضرورة((26)). كما يلاحظ ان الباقلاني يقسم العلم الى علمين: علم نظرواستدلال، وعلم اضطرار وضرورة. فالضروري ما لزم نفوس الخلق لزوما لا يمكنهم دفعه والشك في معلومه، نحو العلم بماادركته الحواس الخمس، وما ابتدا في النفس من الضرورات. والعلوم الضرورية لها ست طرق، خمس منها من طريق‏الحواس الخمس. اما الطريق السادس فهو العلم المبتدئ في النفس، نحو علم الانسان بوجود نفسه وما يحدث فيها من‏اللذة والالم والغم وما الى ذلك، وكذا العلم باءن الضدين لا يجتمعان وان الاجسام لا تخلو من الاجتماع والافتراق، وكذا كل‏معلوم باءوائل العقول، وكذا العلم باءن الثمر لا يكون الا من شجر او نحل.. وكل ما هو مقتضى العادات((27)).

وعلى ما يبدو، فان الباقلاني يجعل العلوم العادية ضمن المعارف الضرورية، وان كان ذلك لا يمنع كونها من فعل اللّه، ولوشاء لمنع ان تترتب النتيجة عن المقدمة في مثل هذه المعارف الضرورية، وذلك اذا ما عددنا النتائج مخلوقة بفعل اللّه،وليست متولدة عن مقدماتها نفسها، كما هو مقتضى منطق حق الملكية. فمذهب الاشاعرة في حصول العلم يتفق ومبداهاباءن لا فاعل الا اللّه، الشي نفسه بخصوص الاتفاق مع نظرية الكسب. الامر الذي يتسق والبداهة الاولية لهذا المنطق، حيث‏ان اللّه يفعل ما يشاء، ومن فعله هو هذا الذي يتم بعنوان العادة الالهية.

لكن مع هذا فان الاشاعرة لا تنفي وجود جملة من المعارف العقلية التي تدخل فيها المحالات. فالغزالي في ;ژرس‏ز÷تهافت‏الفلاسفة;ژرس‏ز÷ راى ان هناك عددامن القضايا المعرفية المحالة، والمحال عنده غير مقدور عليه، وهو عبارة عن اثبات الشي مع‏نفيه، او اثبات الاخص مع نفي الاعم، او اثبات الاثنين مع نفي الواحد، وكل ما لا يرجع الى ذلك ليس بمحال، وما ليس‏بمحال هو مقدور. فمثلا ان الجمع بين السواد والبياض محال، لانا نفهم من اثبات صورة السواد في المحل نفي ماهية‏البياض ووجود السواد، فاذا صار نفي البياض مفهوما من اثبات السواد، كان اثبات البياض مع نفيه محالا. كذلك لا يجوزكون الشخص الواحد في مكانين، لانا نفهم من كونه في البيت عدم كونه في غير البيت. وكذا نفهم من الارادة عند الشي هي‏طلب فيه ادراك، فان فرض طلب من دون ادراك فهذا يعني انه لم تكن هناك ارادة عند الشي. وايضا ان الجماد يستحيل ان‏يخلق فيه العلم، لانا نفهم من الجماد ما لا يدرك، فان خلق فيه الادراك كانت تسميته جمادا بالمعنى الذي فهمناه محالا.كذلك فان مصير الشي شيئا آخر غير معقول، لان السواد اذا انقلب كدرة مثلا، فالسواد ان كان معدوما فهو لم ينقلب، ولكن‏يضاف اليه غيره، وان بقي السواد والكدرة معدومة فهو لم ينقلب ايضا، بل بقي على ما هو عليه. واذا قلنا: ان الدم انقلب‏منيا، اردنا به ان المادة بعينها خلعت صورة ولبست صورة اخرى، حيث هناك مادة مشتركة تعاقبت عليها الصورتان.

واذاقلنا: ان الماء انقلب هواء بالتسخين، وكذا العصا انقلبت ثعبانا، والتراب حيوانا، فمعناه ان المادة المشتركة خلعت صورة‏ولبست اخرى. لكن ليس بين العرض والجوهر مادة مشتركة، ولا بين السواد والكدرة، ولا بين سائر الاجناس، لذا فان‏الانقلاب فيها من المحالات((28)).

ومن جملة المستحيلات عند الغزالي ما هو مستحيل على اللّه تعالى× كالمكان والجهة والصورة واليد الجارحة والعين‏الجارحة وامكان الانتقال والاستقرار، وقد اوجب فيها التاءويل حسب الدليل العقلي، في حين ان امور الاخرة مما وعد به‏اللّه قد راى انها ليست من المحالات على قدرته، وتوجب اجراءها على ظاهر الكلام وفحواه الصريح((29)).

على ان نفي الاشاعرة لعلاقة الضرورة، وكذا التاءثير بين الاسباب والمسببات في الطبيعة، عرضها الى الكثير من النقد والتهم.فمن تهمة نفي الاساس الذي تقوم عليه علوم الطبيعة، الى تهمة السفسطة ونكران الاصل العقلي، ومن ثم الى الوقوع في‏التناقض، وذلك حيث انها تثبت المساءلة الالهية باعتمادها عليه((30)).

والواقع ان الاشاعرة تلتقي مع دافيد هيوم واغلب رواد المنطق التجريبي الحديث في مساءلة نكران الضرورة في علاقة‏السببية الخاصة، وهي لا تفضي بالضرورة الى بطلان المعرفة العلمية.

كما ان هذا الالتقاء بين الاشاعرة واصحاب المنطق‏التجريبي لا يلغي مورد الاختلاف بينهما بخصوص مبدا السببية العامة، وهو المبدا القائل: ان الحادثة لا بد لها من سبب،حيث ان الاشاعرة تسلم بهذا المبدا بخلاف اصحاب ذلك المنطق، بدلالة انها تستدل على المساءلة الالهية عبر مبدا استحالة‏الترجيح من غير مرجح، ما يعني استحالة وجود حادثة ما من غير سبب.

وبعبارة اخرى، هناك نوعان للسببية، احدهماعبارة عن السببية العامة، وهي موضع الخلاف بين الاشاعرة والتجريبيين، اما الاخرى فهي السببية الخاصة التي تحددماهية السبب بعينه، كما لو عددنا الحرارة هي سبب تمدد الحديد لا غيرها. فهذه العلاقة هي بنظر الفريقين الانفي الذكر، لاتتضمن الضرورة، بل هي مجرد تتابع اقتراني تفسرها العادة.

ولا شك في ان نفي الضرورة في هذه العلاقة لا يؤثر على‏اثبات المساءلة الالهية، بخلاف العلاقة الاولى التي تعود الى مبدا السببية العامة كما هو واضح.

كما تعرضت الاشاعرة الى تهم كثيرة، منها انها عدت من المذاهب اللاعقلية. فهناك من راى ان اعتماد الاشاعرة على جعل‏التشريع الخاص بقضايا الحسن والقبح بيد الخطاب الديني، يردها الى المذاهب اللاعقلية، فبعضهم اعتقد باءنها عطلت العقل‏حتى في المجال العقدي، بل واتهمها باءنها اتجهت الى القضاء عليه مطلقا((31)). كما ان صاحب كتاب ;ژرس‏ز÷فلسفة الفكر الديني;ژرس‏ز÷راى ان علم الكلام الاشعري يجعل من الواجب الرجوع الى الخطاب الديني من حيث الاصل والاساس، ويشمل هذا الامرحتى موارد استخدام النظر العقلي((32)).

وجاء عن دي بور ان الاشعري لا يعد النظر العقلي المستقل عن الوحي سبيلا الى‏معرفة الشؤون الالهية، انما العقل يستطيع ان يدرك وجود اللّه، لكن العقل آلة للادراك فقط، اما الاصل الوحيد لمعرفة اللّهفهو الوحي ((33)). ولا شك في ان هذه الاعتقادات لم تتدارك كون المذهب الاشعري قد تاءسس تبعا للفكرة العقلية الخاصة‏بحق الملكية قبل اي اعتبار آخر، وهو وان حدد مجال العقل في قضايا الحسن والقبح، الا ان ذلك لم يحدد النشاط العقلي‏في الكثير من قضايا العقل النظري، ومنها تلك التي لها علاقة باثبات المساءلة الالهية، وهي على راس القضايا الاعتقادية.كذلك فان هذا المذهب قد شهد تطورا في حدود ممارسته للنشاط العقلي، بما في ذلك التنظير الذي يجعل العقل حاكماعلى نص الخطاب، حيث ذهب المتاءخرون الى القانون الكلي للمعارض العقلي الذي تعرض فيه مسائل النص على العقل‏لينظر فيها ان كانت تقبل او يجرى عليها التاءويل.

ثانيا:

من تجليات التضاد بين البداهتين الاوليين في الدائرة العقلية× تلك التي تتعلق بعالم الفقه والتشريع. فالاعتبارات المختلفة‏للبداهتين تفتح بابا من التعارض حول طريقة الاجتهاد في القضايا الفقهية وتشريع الاحكام. اذ بحسب اعتبارات الحق‏الذاتي ينبغي ان يكون الاجتهاد قائما في الاساس على العقل من دون التوقف عند حدود الخطاب الديني، وذلك في جميع‏القضايا التي يقبل ادراكها من الحقوق والمصالح والمفاسد. اما بحسب اعتبارات حق الملكية فلا مجال للاجتهاد العقلي الابحدود ما يسمح به الخطاب الديني.

فمثلا انه لا مجال للاجتهاد في ما لا نص فيه من القضايا، وانه لا مجال للاستعانة‏بالقياس وغيره، الا بالحدود التي يكشف عنها الخطاب الديني. ورغم ان واقع التشريع الفقهي لم يلتزم حرفيا بهذه‏الانعكاسات المنطقية الناتجة عن البداهتين الاوليين× وذلك لاعتبارات مختلفة، الا انه مع ذلك هناك مؤشرات للتعارض‏المتسق بين المذاهب التشريعية يمكن عدها مستلهمة من انعكاسات التضاد بين الاصلين المولدين.

فقد سبق ان عرفنا كيف ذهب المعتزلة والزيدية والامامية الاصولية الى الاعتقاد باءن العقل يدرك جملة من الواجبات التي‏تسبق احكام الخطاب الديني، مثل وجوب رد الوديعة وشكر المنعم ووجوب النظر ومعرفة الخالق وما الى ذلك، الامر الذي‏يناقض ما لجاءت اليه الاشاعرة. فهذا الخلاف يتاءسس على تعارض الاعتبارات بين الاصلين المولدين لهما. وقد انعكس‏الامر على الصعيد الفقهي، اذ كان المتكلمون وبعض الفقهاء يعطون للعقل صلاحيات الكشف عن الحكم، فاءقرت بعض‏المذاهب عددا من القواعد الاصولية الفقهية التي يستعان بها عند عدم وجدان النص، مثل قاعدة البراءة الاصلية التي تسندعادة الى القاعدة العقلية ;ژرس‏ز÷قبح العقاب بلا بيان;ژرس‏ز÷، وكذا مسائل الحسن والقبح العقليين ونفي الضرر المحتمل وما اليها.

وعلى‏خلاف هذه القواعد والمسائل، هناك قاعدة التوقف والاشتغال ومساءلة الحسن والقبح الشرعيين، وجميعها يعارض القواعدالاولى. واذا كانت القواعد الاولى تتسق ومنطق الحق الذاتي، فان اغلب القواعد الاخيرة هي مما يتسق ومنطق حق‏الملكية.

لكن من حيث الواقع الفقهي نجد تجاوزات لدى بعض اصحاب كلا المنطقين بما لا يتفق مع ما يلجاء اليه من البداهة الاولية‏او الاصل المولد. فالغزالي، مثلا، وهو القائل بمنطق حق الملكية، يعتقد بالبراءة العقلية قبل التشريع او ورود السمع((34))، وهوموقف يناقض الاصل المولد للمسلك الذي يتبناه. وكذا فان الفقيه المعاصر السيد محمد باقر الصدر وعددا من اصوليي‏الامامية يعتقدون بقاعدة اشتغال الذمة من الناحية العقلية لكل ما هو محتمل لولا تسامح التشريع الديني، وهو موقف‏يناقض بدوره قاعدة قبح العقاب بلا بيان، ومن ثم فهو يناقض البداهة الاولية للحق الذاتي والتي تشترط ضرورة الاعلام‏كما عرفنا.

والمعلوم ان الاعتماد على العقل في قضايا الفقه التي لم يرد فيها نص هي خاصة المذهب الامامي الذي لم يرتض الاخذبموارد الراي الظني الشائعة لدى الاتجاه السني، مثل القياس والمصالح المرسلة والاستحسان وغيرها من المصادر الظنية.لذلك فان المتقدمين من المذهب الامامي راوا انه ما لم يتم الحصول على الحجة الشرعية بالنص، فان مل الامر هوالرجوع الى الحكم العقلي، وذلك تعويلا على الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، اذ تنص قاعدة الحسن العقلية باءن;ژرس‏ز÷كل ما يحسن فعله عقلا يحسن فعله شرعاف((35))، استنادا الى البداهة الاولية للحق الذاتي. ويقف الشريف المرتضى على‏راس قدماء الامامية الذين دافعوا عن هذا المسلك في اصالة التشريع العقلي للقضايا الفقهية. فقد صرح، وهو في صدداستدلاله على عدم جواز العمل بخبر الاحاد، باءنه اذا لم يكن هناك دليل شرعي في المساءلة فانه يتوجب العمل بما يقتضيه‏الحكم العقلي((36)). وقال في هذا الصدد: ;ژرس‏ز÷قد ثبت ان المنافع التي لا ضرر فيها عاجلا ولا آجلا في اصل العقل مباحة;ژرس‏ز÷. وقدطبق هذا الحكم العقلي على مورد نكاح المتعة، مستفيدافي ذلك من الكشف الواقعي الذي يفيد عدم وجود الضرر في هذاالمورد. ذلك انه يقول: ;ژرس‏ز÷ان ساءلت الدلالة على انتفاء الضرر عن هذا النكاح الذي فيه انتفاع لا محالة، قلت:

الضرر العاجل‏يعرف بالعادات والامارات المشيرة اليها، ويعلم فقد ذلك، والضرر الاجل انما هو العقاب، وذلك تابع للقبح، ولو كانت هذه‏المنفعة قبيحة مستحق بها العقاب لدل اللّه تعالى على ذلك، لوجوب اعلامه المكلف ما هذه سبيله;ژرس‏ز÷((37)).

واتبعه في هذاالمقال ابن ادريس في سرائره((38)). كما استفاد المرتضى من كشف الواقع لصالح الحكم العقلي، وذلك في مورد ادخال‏الضرر على البهائم، فقال: غاعلم ان ادخال الضرر على البهائم، المؤذية لنا منها وغير المؤذية، لا يحسن الا باذن سمعي، الاان يكون ذلك الضرر يسيرا، او النفع المتكفل به لها عظيما، فيحسن من طريق العقل. فان كثيرا من الناس اجازوا ركوب‏البهائم عقلا من غير افتقار الى سمع;ژرس‏ز÷. ثم قال:

غواذا تكفلنا لها بما تحتاج اليه من غذاء وديار ومصلحة ربما كانت لها فائدة‏لولا تكفلنا جاز ان ندخل عليها ضرر الركوب، لانه يسير في جنب ما نتحمله من منافعهاف((39)).

لكن هذا الاتساق لا نجده لدى جميع من ينتمي الى منطق الحق الذاتي، ومن ذلك ان الكثير من معتزلة بغداد والامامية‏الاثني عشرية راوا ان الحكم العقلي المستقل، سواء قبل ورود النص ام بغض النظر عنه، يدل على الحظر في قضايا فقه‏الانتفاع بالاشياء. فقد انشطر العلماء الى ثلاثة اتجاهات:

احدها يقول بالحظر ما لم يدل على ذلك نص من الخطاب الديني،واليه ذهب كثير من البغداديين وطائفة من الامامية وجماعة من الفقهاء. وآخر يقول بالاباحة، وهو مذهب اكثر المتكلمين‏من البصريين وكثير من الفقهاء، وهو الذي اختاره الشريف المرتضى من الامامية. اما الاتجاه الثالث فبنى على الوقف حتى‏يرد سمع من النص الديني، وهو الذي ذهب اليه الطوسي في ;ژرس‏ز÷عدة الاصول;ژرس‏ز÷((40))، حيث صرح باءن القضايا التي لم يرد في‏شاءنها نص انما طريقها العقل((41))، وهي بحكم هذا الاخير تكون على الوقف، ولا يمنع ذلك ما قد يدل عليه النص من‏الحظر او الاباحة، بل ما يقدره العقل من الوقف لا يتنافى مع ما جاء به النص من الاباحة غبل عندنا الامر على ذلك واليه‏نذهب، وعلى هذا سقطت المعارضة بالايات;ژرس‏ز÷((42))، وهو المذهب الذي كان ينصره شيخه ابو عبد اللّه المفيد((43))، والذي هواقرب ما يكون الى منطق حق الملكية، وذلك بخلاف ما انتهى اليه استاذه الشريف المرتضى من ان حكم العقل في الانتفاع‏من الاشياء هو الاباحة لا الحظر ولا الوقف.

ومع ان الاصوليين من الامامية كانوا يتصورون ان بوسع العقل ان يحكم على القضايا التي ليس لها شاهد من نص، سواءكان الحكم جاريا وفق البراءة الاصلية ام بحسب الاشتغال والاحتياط، الاان المتاءخرين منهم - منذ الوحيد البهبهاني - ادركوا ان هذه القواعد عبارة عن وظائف عقلية عملية لا تحدد حقيقة الحكم الشرعي، بل تعمل على افراغ الذمة وابرائهافحسب، وقد اطلق عليها ;ژرس‏ز÷الاصول العملية;ژرس‏ز÷((44)).

وبالتالي فقد اصبحت القضية العقلية المستقلة هي تلك التي تندرج فقط‏ضمن ما يعرف بالحسن والقبح، او الملازمة بين ما يحكم به العقل وما يحكم به الشرع. ويتفرع عن هذه القضية القاعدة التي‏تقر قبح العقاب بلا بيان، والتي اعتمد عليها اغلب الاصوليين، حيث لا يعقل ان يعاقب اللّه المكلف على شي لا يعلمه، وان‏هذه القاعدة راكزة في الوجدان العقلائي، حيث ان الناس لا يؤاخذون بعضهم الا في حدود ما في طاقتهم من العلم، وبغيرذلك يكون العقاب قبيحا. الامر الذي يتسق ومنطق الحق الذاتي.

واذا عدنا الى الاتجاهات الثلاثة السابقة نجد انها تتعارض في ادلتها العقلية. ورغم ان هناك اتساقابين منطق الحق الذاتي‏وقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فان السجال الذي دار بين هذه الاتجاهات لم يكن معنيا بهذه النقطة الجوهرية. فمن النقاط‏التي سجلها المذهب القائل بالوقف والحظر ازاء الانتفاع بالاشياء ما لم يرد في ذلك نص، هو انه قد ثبت في العقول ان‏الاقدام على ما لا ياءمن المكلف كونه قبيحا هو مثل اقدامه على ما يعلم بقبحه، وذلك ضمن قاعدة دفع الضرر المعلوم‏والمظنون عن النفس. في حين اجاب المذهب القائل بالحلية باءن المكلف يمكن ان ياءمن من قبح الانتفاع بالاشياء لان هذاالقبح لا يكون الا من حيث ان فيها مفسدة، واذا كان فيها مفسدة وجب على المولى تعالى اعلام المكلف بها، والا قبح‏التكليف، فما لم يعلمه بها لدل على ان الانتفاع حسن لا قبيح، الامر الذي يلزم عنه الاباحة. لكن قيل في الجواب عن ذلك:انه لا يمتنع ان تتعلق المصلحة بشك المكلف والمفسدة باعلامه جهة الفعل على التفصيل، لذا يقبح الاعلام، وتكون‏المصلحة في الوقف والشك في الحكم((45)).

على ان ما اجاب به اصحاب القول بالحلية ليس صحيحا، وبه ينسحب الرد الذي قدمه القائلون بالوقف، ذلك ان عدم اعلام‏المولى للمكلف بمفسدة الشي المتردد حوله لا يستنتج منه الحسن ولا القبح، بل ما يعنيه هو عدم جواز المؤاخذة على فعل‏الانتفاع به عقلا ونصا. فالعقل هنا لا يشرع الحكم في الشي ان كان حلالا او حراما، حسنا او قبيحا، بل يشرع فقط في‏ابراء الذمة كما ذهب الى ذلك البهبهاني واتباعه المتاءخرون. وهذا يعني ان الاقدام على القبيح من دون العلم بقبحه ليس‏قبيحا، وبالتالي فمن الناحية التكليفية لا يلزم عنه الحظر والاحتياط.

فبحسب منطق الحق الذاتي ان من الواجبات التي‏تتعلق بالمكلف اعلام المكلفين، اذ لا مانع منه، بما في ذلك الاعلام بالوقف والحظر والاحتياط، ودونه يسقط التكليف.وسبب ذلك هو ان عدم الاعلام يجعل المكلف مخلا بواجبه، مثلما يلاحظ في الشاهد الدال على الغائب، فالسيد لا يعاقب‏العبد على عدم اتيانه بشي ما لم يعلمه بذلك، والامر يصدق في الغائب ايضا، رغم ان الاشياء تظل على حالها بما تتضمنه‏من مصلحة ومفسدة، او حسن وقبح، فكل ذلك لا يفي ببلوغ التكليف ما لم يشترط فيه الاعلام.

هذا اذا كنا نفكر ضمن دائرة الحق الذاتي، اما اذا كنا نفكر ضمن اعتبارات حق الملكية فالامر يختلف. لذلك نجد التناقض‏واضحا لدى من ينتمي الى دائرة الحق الذاتي وهو يقول بالحظر والاحتياط، وكاءنه يجمع بين الاعتبارات المتناقضة لدى‏كل من الحق الذاتي وحق الملكية. ومن ذلك ما تبناه المفكر الصدر من مسلك اطلق عليه ;ژرس‏ز÷حق الطاعة;ژرس‏ز÷، حيث ذهب الى‏الاتجاه نفسه القائل بالحظر والاحتياط ضمن الاتجاهات الثلاثة السابقة. وقد استدل بمثل ما استدل به اتجاه الحظر القديم،حيث عول على الحظر باعتبار انه لا يجوز استخدام ما هو عائد الى ملكية الغير الا باذنه، وذلك مثل علمنا بقبح التصرف‏في ما لا نملكه في الشاهد((46)). كما استدل بدليل آخر سبق ان عول عليه القدماء ممن ذهب الى الحظر والوقف، وهو عدم‏الامان من الوقوع في الضرر لاي شي جديد يراد منه الانتفاع، حيث ان التحرز من المضار واجب في العقول، واذا كان ذلك‏واجبا لم يحسن الاقدام عليه، كاءن يحتمل ان يكون الشي المنتفع به ضارا لا نافعا، حيث لا يعلم ان كان سما - مثلا - اوغذاء. وقد ناقش القدماء من الاتجاه، آنف الذكر، اولئك الذين عولوا على التجربة في تمييز النافع من الضار، وذلك من‏خلال العرض على الحيوانات، فمنعوا هكذا تجربة وعدوها غير كافية لتحصيل العلم، وذلك لان من الاشياء ما ينفع‏الحيوان ويكون له غذاء، مع انه قد يكون للانسان سما ، فمثلا، ان الظب ياءكل شحم الحنظل ويتغذى به، في حين لو اكله‏الانسان لهلك في الحال، وكذا تاءكل النعامة النار وتستمرئها((47))، ولو اكل ابن آدم ذلك لهلك في الحال، وايضا فان الفاءرة‏تاءكل البيش وتعيش عليه((48))، ورائحة ذلك تقتل الانسان((49)).

والواقع ان مسلك المفكر الصدر في حق الطاعة، وقبله مسلك القائلين بالحظر وفق الملكية، انما يتجه نحو الجهة التي عليهاالاشاعرة في تبنيها منطق حق الملكية. فعلى الرغم من انه يعترف بمبدا الحسن والقبح العقليين، الا انه يستبعد في الوقت‏نفسه قاعدة قبح العقاب بلا بيان، لكنه لا يعزل العقل بذلك عن التشريع طالما انه يفتي بلزوم الاحتياط واعطاء الطاعة حقها،وذلك بخلاف ما افضت اليه الاشاعرة من ابطال العقل في التشريع بمنطق العقل نفسه. على ان التسويغ الموظف لدى الصدرفي بعض اقسامه يشابه التسويغ المستخدم لدى الاشاعرة، وهو ان للّه ملكية مطلقة تفترض حق الطاعة التامة، حتى في‏موارد المحتملات والموهومات.

فالاشاعرة يجعلون الحق مطلقا للّه ويتوقفون عن التشريع في الاحكام عقلا ما لم تاءذن‏بذلك البيانات الشرعية الصادرة عن المالك المطلق. وقريب من ذلك فعل الصدر، ذلك انه اقر من حيث الواقع العرفي بصدق‏قاعدة قبح العقاب بلا بيان حسب النظرة العقلائية، الا انه راى وجود الفارق بين الشاهد والغائب، وهو ان اللّه مالك حقيقي،مثلما انه منعم حقيقي، وذلك يجعل من مولويته مولوية حقيقية تختلف عما هو حاصل في الشاهد الخاص بالواقع العرفي،وهذا ما يعطيه الحق في معاقبة المكلف لعدم احترازه في الامر، وان لم يرد عنه البيان، فللمالك الحقيقي مطلق الحق في‏الطاعة حتى في موارد القضايا المحتملة والموهومة، وكما يقول: غهكذا يتخلص انه لا اساس لقاعدة قبح العقاب بلا بيان،فلا موجب للذهاب الى البراءة العقلية في الشبهات، بل العقل يحكم بلزوم الاحتياط فيها جميعا، لان حق اطاعة مولاناالحقيقي ثابت بنحو مطلق ما لم يحرز اذن المولى في المخالفة فيرتفع موضوع الحق المذكور.

ومن هنا يكون الاصل‏الاولي في الشبهات هو الاحتياط ولا نخرج عنه الا بمقدار ما يثبت من الترخيص الشرعي والحكم الظاهري في مواردالامارات او الاصول الشرعية‏ف((50)).

ويقول ايضا: غالمولوية عبارة عن حق الطاعة، وحق الطاعة يدركه العقل بملاك من‏الملاكات، كملاك شكر المنعم او ملاك الخالقية او المالكية‏ف((51)). وهذا الامر ينطبق حتى على المشكوكات والمحتملات‏من التكاليف، بل ويمتد حتى الى التكاليف الموهومة، وذلك لسعة مولوية المولى الحقيقي((52)). كما انه ينطبق حتى على‏الشبهات الموضوعية، وان كان مسلك حق الطاعة محكوما لادلة البراءة الشرعية، حيث يحكم العقل بالاحتياط ما لم يردترخيص شرعي((53)).

والتشابه بين موقف الصدر وموقف الاشاعرة واضح تماما، مع وجود بعض الفوارق، فالاول يستند الى مسوغ الملكية‏المطلقة لافتراض منطق حق الطاعة، كما ويسوغ هذا المنطق بحجة عقلية، وكذا ان الاشاعرة تستند الى مسوغ تلك الملكية‏لافتراض منطق ما يريده الحق على نحو مطلق من غير قيود، كما تسوغ ذلك بحجة عقلية، وهي ان اللّه منفرد في ملكه‏وخلقه، الامر الذي تختلف فيه الحال عن الشاهد، وذلك لافتقاره الى الانفراد والملكية الحقيقية، وهو التسويغ العقلي نفسه‏الذي لجاء اليه المفكر الصدر. لكن مورد الاختلاف بينهما هو ان ما يناسب منطق الاشاعرة هو القول بالوقف، بمعنى ان‏العقل لا يشرع شيئا، سواء كان ذلك على نحو البراءة الاصلية او الاحتياط، في حين ان العقل لدى مسلك حق الطاعة‏يتلبس بالتشريع الفعلي، وهو حكمه باشغال الذمة ولزوم الاحتياط.

على ان القول بالمولوية وحق الطاعة حتى في المحتملات والموهومات يثير عددا من المشاكل على صعيد كل من المكلف‏والمكلف. فما يخص الاول هو ان جعل التكليف في تلك القضايا يفترض اخفاءه على المكلف، ما يفضي الى منطق مايسمى ;ژرس‏ز÷المصالح الخفية;ژرس‏ز÷، حيث يفترض ان هذا الاخفاء جاء لوجود مصلحة خفية اقتضت اخفاء التكليف على المكلف‏ومحاسبته على تركه. وهو امر غير معقول، بل ولا يقبل على الصعيد الاخلاقي وفقا لمنطق الحق الذاتي. فعلى الاقل كيف‏يمكن تصور هذه المصلحة الخفية التي تسوغ للمكلف عدم الاعلام، بما في ذلك اخفاءه الاشارة الى الزام الاحتياط واشغال‏الذمة. وقد جاء في قوله تعالى: [رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على اللّه حجة بعد الرسل، وكان اللّه عزيزاحكيما] [النساء/165]، حيث المعنى واضح من ان الحجة لا تتم على الخلق، بل يحصل العكس، ما لم يتحقق الاعلام‏والبلاغ، وهو ما تقدمه الرسل. اما ما يخص المكلف فلنتصور كيف تكون حال من لم يصل اليه التكليف كاءهل الفترة، كيف‏يمكنه التصرف وسط ما لا يتناهى من المحتملات الممكنة للتكليف؟! فحيث انه لم تبلغه الحجة الشرعية فان ذلك يجعله‏وسط ما لا يتناهى من امكانات العمل المحتملة، وهو ما يؤدي به الى ان يكون عاجزا عن فعل شي، وبالتالي يصدق عليه‏التكليف بما لا يطاق، وهو غير معقول ومقبول بحسب منطق الحق الذاتي.

ثالثا:

مر بنا سابقا ان الاعتبارات العقلية توجب ان يتوقف قبول الدليل اللفظ‏ي على نفي المعارض العقلي. فمن دون الاخذ بهذه‏النتيجة يفضي الامر الى نوع من التناقض وعدم الاتساق، ذلك ان ما يؤذن للعقل في اثبات المساءلة الدينية يؤذن له الشي‏نفسه في الامور الاخرى، ومنها تلك التي تتعلق بقضايا فهم النص الديني. وبعبارة اخرى: ان من التناقض ان تقبل‏الاعتبارات العقلية في تاءسيس الخطاب من الخارج، وتمنع في الوقت نفسه من تاءسيسه من الداخل.

فهذا هو عذر الدائرة العقلية لممارسة وظيفتها في فهم النص الديني. والقاعدة التي اعتمدتها في هذا الشاءن هي ملاحظة مايتقرر لدى العقل من اعتبارات ;ژرس‏ز÷الامكان والاستحالة;ژرس‏ز÷. فكل شي يراه العقل في النص ممكنا هو مقبول، وكل شي يراه‏مستحيلا فاما ان يتم طرحه او يمارس في حقه التاءويل.

لكن المشكلة هي ان العقل نفسه يحمل اعتبارات متضادة ومتناقضة، فما يكون لدى بعض الاعتبارات ممكنا، يكون هونفسه لدى اعتبار آخر مستحيلا. فالاعتبارات التي يعول عليها منطق الحق الذاتي هي غير تلك التي يعول عليها منطق حق‏الملكية. والامر لا يتوقف عند حدود التباين والاختلاف بين هذين النوعين من الاعتبارات، بل يصل الحد الى التضادوالتناقض في تطبيق تلك القاعدة العقلية الخاصة ب ;ژرس‏ز÷الامكان والاستحالة;ژرس‏ز÷. فالكثير من قضايا النص التي يفهمها المنطق‏الاول على انها مستحيلة× يراها المنطق الثاني ممكنة، والعكس بالعكس. وبعبارة اخرى: ان ما يراه احد المنطقين من‏وجود المعارض العقلي للدليل اللفظ‏ي بحسب اعتباراته الخاصة× لا يراه الاخر تبعا لاعتباراته الخاصة ايضا. وهكذا فان‏العقل يتناقض بتناقض اعتباراته، ومنه ينشاء التناقض في القانون الكلي للمعارض العقلي (ترجيح الدليل العقلي على الدليل‏اللفظ‏ي)، ومن ثم التناقض في فهم النص الديني.

ومن الشواهد على ذلك التناقض الحاصل في فهم النصوص المتعلقة بقضايا الصفات الالهية، ومنها رؤية اللّه وكلامه.

فمثلاان المعتزلة والزيدية والامامية الاثني عشرية يحيلون الرؤية، ويعدونها دالة على الجسمية، بينما يذهب الاشاعرة الى‏تجويزها، اذ ان مصحح الرؤية عندهم هو كون الشي موجودا((54))، مع انه من الناحية المنطقية ان طبيعة الموجود قد لا تقبل‏الرؤية والادراك، اي ان الوجود لا يدل بالضرورة على الوجدان. على ان مثل هذه الاعتبارات العقلية المتعارضة دفعت‏كلامن الاتجاهين الى تاءويل النصوص التي تتعارض معه، اذ قام الاول بتاءويل النص القرآني: [وجوه يومئذ ناضرة الى ربهاناظرة[ ]القيامة/22]، وعده من المتشابهات بخلاف نصوص اخرى عدها من المحكمات وتدل على الغرض، واقواها قوله‏تعالى: [لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار] [الانعام/103]، وكذا راى ان ما يقع ضمن هذه الدلالة قوله تعالى: [قال ربي‏ارني انظر اليك، قال لن تراني ولكن انظر الى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخرموسى صعقا، فلما افاق قال سبحانك تبت اليك وانا اول المؤمنين[ ]الاعراف/143].

كذلك فقد منع الاتجاه الثاني حدوث الكلام الالهي لاعتبارات عقلية تخص اثبات المساءلة الدينية كما سبق ان عرضناها،بينما قبله الاول لاعتبارات عقلية اخرى تخص التوحيد كالذي مر بنا. وهذا ما اضطر الاتجاه الثاني الى تاءويل الايات‏المتعلقة بهذا الصدد، والتي ظاهرها يفيد الحدوث لا القدم، ومن ذلك تاءويله لنص القرآن: [ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه‏ربه] [الاعراف/143]، حيث ذكر ان معنى الاية هو ان موسى قد سمع الصفة الحقيقية للكلام الازلي، ولم يسمع شيئا حادثاباعتبار ان ذلك من المحالات لدى هذا الاتجاه((55)).

على ان التعارض في الاعتبارات العقلية يخل بهدف الدائرة العقلية الخاص بترجيح الدليل العقلي على الدليل اللفظ‏ي.

ذلك‏انه اذا كانت هذه الاعتبارات متعارضة× كيف يمكن ان نجعل منها مرجعا يستند اليه في الحكم؟ وكيف يعتمد عليها في‏اثبات المساءلة الدينية او تاءسيس الخطاب من الخارج؟ وما هو نوع العلم - القطع الذي تفضي اليه كما يدعيه اصحابها؟وبالتالي ما المانع من ان تكون هذه الاعتبارات الموصوفة بالادلة العقلية زائفة وهمية كما يصورها لنا اصحاب الدائرة‏البيانية؟ اذن لا يمكن قبول القاعدة المنهجية التي يطلقها اصحاب الدائرة العقلية من ضرورة القطع بعدم وجود المعارض العقلي في‏الدليل اللفظ‏ي. وذلك لان هذا المعارض لا يستغني بدوره عن الحاجة الى الفحص والنظر بمنطق آخر مختلف ليرى ما اذاكان مقبولا او لا.

واول ما يتبادر الى الذهن، في هذا الصدد، هو السؤال عن كيف يمكن تحصيل العلم والقطع في القضايا العقلية. فالعبرة‏ليست في الاعتماد على العقل نفسه، بل في الوصول الى تلك المرتبة العليا من المعرفة. فلو كان الدليل اللفظ‏ي يفضي اليهامن دون العقل لما كان هناك تردد في ترجيح الاول على الاخير، كالذي يذهب اليه ابن تيمية من اصحاب الدائرة البيانية.وهنا لا بد من ان نشير الى عدد من الملاحظات تساعد في حل هذه الاشكالية كالاتي:

1 - لابد من التمييز بين العقل القبلي والعقل البعدي، وهو ما لم يكن معروفا لدى التراث العربي الاسلامي. فما يعتمد على‏احدهما هو غير ما يعتمد على الاخر، وان القضية المدعمة بالاول لا تكون بقوة تلك المدعمة بالثاني× ما لم تكن من‏القضايا الوجدانية والبديهية واللوازم المستنتجة عنها، وعدا ذلك فان القوة المعرفية التي يحظ‏ى بها العقل البعدي هي اكثروثوقا من تلك التي يحظ‏ى بها العقل القبلي. وبحسب العقل البعدي فان للدلالة الواقعية اهميتها الخاصة في الكشف المعرفي،كذلك ان للدلالة النصية اهميتها في الكشف عن مضمون الخطاب وبنيته. ويستعان في كلا الحالين بمنطق قرائن الاحتمال‏والاستقراء.

2 - انه لا بد من تاءسيس المعرفة، ومنها تلك التي لها علاقة بتاءسيس الخطاب من الخارج والداخل، طبقا للاعتبارات‏المشتركة لا الخاصة، اذ كانت المشكلة التي واجهت الدوائر المعرفية في الفكر الديني، ومنها الدائرة العقلية في النظام‏المعياري، هي انها شيدت انظمتها وفقا للاعتبارات الخاصة لا العامة، وهذا ما جعلها تلاقي الكثير من المشاكل‏والاعتراضات، وكان اهمها هو انها تفتقر الى الوثوق المعرفي.

3 - ان الاعتماد على منطق قرائن الاحتمال والاستقراء في الكشف المعرفي له صفة مزدوجة من حيث السلب والايجاب.ذلك انه من جهة يبعث على الوثوق المعرفي قبال ما يمارس من النشاط الذهني ضمن العقل القبلي. لكنه من جهة اخرى‏يفضي الى نتائج متواضعة في الكشف عن مضامين الخطاب، وبالتحديد انه فعال في تحصيل العلم والقطع في القضاياالمجملة من هذا الفهم من دون التفاصيل، ومن ذلك ما يتعلق بمقاصد الخطاب واهدافه، وهو امر بحثناه في كتابنا ;ژرس‏ز÷فهم‏الدين والواقع;ژرس‏ز÷.

4 - اذا كان من الممكن تحصيل العلم والقطع في الدليل اللفظ‏ي، فذلك يعني حصر المعرفة في حدود ما يدل عليه معنى‏الخطاب، اي انه لا يدل في حد ذاته، وبغض النظر عن اي اعتبار آخر، على كشف الحقيقة الخارجية للواقع والوجود، وذلك‏بخلاف ما هي عليه الحال مع العقل، بما فيه العقل القبلي، حيث يفترض فيه عند القطع ان يكون كاشفا عن تلك الحقيقة،وفي حالة العقل القبلي لا يحتاج في ذلك الى تاءييد الواقع، مثلما هي الحال مع مبدا السببية العامة وما الى ذلك.

وبالتالي فان‏القول: ;ژرس‏ز÷ان الدليل اللفظ‏ي ان كان قطعيا مرجح على الدليل العقلي;ژرس‏ز÷ يتضمن عددا من القضايا كالاتي:

فاءولا: ان هذا القول لا بد من ان يفترض كون الدليل العقلي غير قطعي، وذلك كي لا يحصل التناقض. وثانيا ان المقصودبالترجيح في هذا القول هو ما يراد من معنى الخطاب فقط وليس ما هو كاشف عن حقيقة الموضوع الخارجي للوجودوالواقع، وذلك ما لم تضف الى هذا التضمن اعتبارات اخرى خارجية. واخيرا فانه في حالة الاقرار بقطعية كل من الدليلين‏اللفظ‏ي والعقلي، فمعنى ذلك هو ان كلا منهما صحيح في ميدانه، حيث المقصود من صحة الدليل اللفظ‏ي هو من حيث‏الاصابة في فهم معناه كما هو، اي من حيث وجود التطابق بين ما هو لذاتنا وما هو في ذاته. اما صحة الدليل العقلي فهي‏من حيث كشفه عن حقيقة الموضوع الخارجي.

وهذا يفضي بالنتيجة الى كذب الدليل اللفظ‏ي وتهافت النص، وذلك عندمقارنته بحقيقة الموضوع الخارجي التي يكشف عنها الدليل العقلي. اذ يصبح الدليل اللفظ‏ي في هذه الحالة صحيحا من‏حيث مفهوم النص، لكنه كاذب في كشفه عن حقيقة الموضوع الخارجي.

اشكالية الفكر المعياري في الثقافة العربية الاسلامية السيد كامل الهاشمي(×) من الامور التي لا شك فيها ان الدين، بوصفه معرفة، يتصدر قائمة الافكار المعيارية التي يعرضها بحك طبيعتها، الاختلاف‏بين البشر، في تحديد مواقفهم من مقولاته بين الرفض والقبول، ووجود مستويات متعددة من الرفض والقبول، ولعل في‏قوله تعالى: ؟ولقد ارسلنا الى ثمودا خاهم‏صالحا ان اعبدوا اللّه فاذا هم‏فريقان‏يخ تصمون [النمل 45]، اشارة واضحة الى‏هذه الطبيعة التي تحتملها المعرفة الدينية، ولاجل هذا الامر، احتاج الناس الى رسل وانبياء يذكرونهم بمقتضيات الحقائق‏الدينية، رغم كونها حقائق فطرية تنتهي الى بديهيات اولية، لكن الناس كثيرا ما تختلف في الحقائق الدينية لانها تبعدها عن‏الاستناد الى ما هو محسوم في مجال المعرفة مما يقتضيه العقل او الحس، وبذلك تنطمس الحقائق الدينية، ما يستدعي‏اعادة التذكير بها، والعمل على ازاحة الغبار عنها، وهذا بالضبط ما قصده الامام علي (ع) حينما بين الحاجة الى تكرار بعث‏الرسل والانبياء بالقول: ;ژرس‏ز÷فبعث فيهم رسله وواتر اليهم انبياءه، ليستاءدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسي نعمته، ويحتجواعليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول، ويروهم آيات المقدرة;ژرس‏ز÷((56)).

ولان الثقافة العربية الاسلامية بنيت بشكل اساسي على مقولات الدين الاسلامي، فقد اتسمت بسمة الفكر المعياري في‏الجانب الاكبر منها، وهذا ما حولها الى ثقافة معيارية لا تحسم الخلافات فيها ولا تنتهي، وهذه هي طبيعة الفكر الديني في‏كل زمان ومكان، ولكن هذا لا يعني ان الاسلام بوصفه دينا، لم يعتمد منهجا معرفيا يحسم الخلافات بين اتباعه والمؤمنين‏به، فهذا فرض لا يمكن قبوله، لان الدين جاء اساسا بوصفة رؤية توحيدية في المستويين العقيدي والاجتماعي، كما المح‏سبحانه وتعالى الى ذلك بقوله: ان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون - وتقطعوا امرهم بينهم كل الينا راجعون[الانبياء 92 - 93].

ومن الواضح ان هذا النص القرآني يتحدث عن الدين بوصفه اطروحة الهية يراد لها ان تكون سببافي تحقيق التوحيدالعقيدي والتوحد الاجتماعي، كما يتحدث، وبصورة مباشرة، عن اختلاف اهل الديانة في ما بينهم، وهذا الاختلاف الذي‏يعلم رب الدين ان لا مناص من حدوثه ووقوعه، لا يعقل ان لا يهتم اللّه تعالى بوضع ما يحسمه وينهيه وتحديد ذلك، وقدبين ما ينهيه في زمن الرسول الاكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) عبر الحديث عن مرجعية الرسول الشخصية بوصفهاالاطار المحدد لحسم الخلافات داخل المجتمع المسلم، وقد جعل الرجوع الى الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم) مناطاللايمان بالرسالة والتعبد بها، فقال عز شاءنه: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم‏حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) [النساء 65].

واللافت للنظر ان هذا البيان القرآني ياءتي مباشرة بعد تقرير اولي يؤكد من خلاله، عز وجل، ان لا معنى لبعث الرسل‏والانبياء (ع) في ظل افتقادهم الحق في الطاعة والمتابعة من قبل الاخرين، فيقول سبحانه: (وما ارسلنا من رسول الا ليطاع‏باذن اللّه...) [النساء 64].

وفي ظل ذلك، يتضح لنا ان ليس معنى كون الدين او الثقافة الدينية فكرا معياريا افتقادهما المرجع الذي يحسم الخلاف‏فيهما، وفي تحديد ما هو دخيل فيهما عما هو خارج عنهما، فاللّه تعالى الذي فطر الانسان على الايمان بحقائق الدين‏وهداه اليه بالعقل والوحي، هداه ايضا الى الميزان والمعيار الذي يستخدمه في تقرير الحقيقة الدينية وفصلها عما سواها،وهذا ما المح اليه الجليل تعالى في قوله: (اللّه الذ ي انزل الكتاب بالحق والميزان ...) [الشورى 17]، وفي قوله: (لقد ارسلنارسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم‏الناس بالقسط و انزلنا الحديد فيه باءس شديد ومنافع للناس وليعلم اللّهمن ينصره ورسله‏بالغيب‏ا ن اللّه قوي عزيز) [الحديد 25].

فالكتاب والايات البينات وما يمثل جوهر الحقيقة الدينية المنزلة من اللّه تعالى، انزل معها، وفي اللحظة نفسها، ما يهدي‏اليها ويحددها ويميزها من غيرها، وهو كما المح اليه الباري عز اسمه ;ژرس‏ز÷الميزان;ژرس‏ز÷ الذي من خلال اتباع مقتضياته تتضح‏الحقيقة الدينية ويزاح عنها اللبس والغموض.

ولاجل ان نقدم مزيدا من التوضيح، نقول:

طبيعة بناء المعرفة الانسانية:

تتراوح طبيعة الفكرة او المعلومة التي يكونها الانسان تجاه اي مجهول يبتغي اكتشافه والتعرف اليه والاحاطة به بين ثلاثة‏انواع من المعلومات:

الفكرة الحسية الفكرة الحسية هي الفكرة القابلة للتحقق من صدقها او كذبها (مطابقتها للواقع او عدمه) من خلال الحس، وهي ما يمثل‏الحد الادنى المشترك بين جميع البشر، ومجالها العلوم التجريبية والتقنية والطبيعية. والمعارف الحسية يمكن النظر اليهابوصفها قاعدة مشتركة بين كافة البشر ممن يمتلكون حسا سليما، لان شرط الادراك الحسي هو سلامة وسائل المعرفة‏الحسية عند الانسان، ولان هذه الوسائل عادة ما تتوفر عند البشر، فهم يقدرون على تكوين رؤى ومعطيات مشتركة تجاه‏ما يستنتجونه من معلومات ومعارف بوساطة آلات الحس.

الفكرة العقلية الفكرة العقلية هي الفكرة القابلة للتحقق من صدقها او كذبها (مطابقتها للواقع او عدمه) عبر البرهان العقلي القائم على‏اوليات لا تقبل الجدل والانكار، وهي الحد الاعلى المشترك، ومجالها العلوم الفلسفية والمنطق، ويمكننا د الافكار العقلية‏التي تستند الى اوليات وبديهيات العقل اساسا مشتركاايضا بين جميع البشر، ولكنه يمثل حدامشتركا اعلى، لان المعارف‏العقلية، رغم انتهائها الى بديهيات العقل كثيرا ما يتم الاختلاف بشاءنها، لعدم وضوح هذه البديهيات عند الكثير من الناس،ممن يفقدون القدرة على تحقيق متطلبات التجرد العقلي التام، بحيث يدركون مقتضيات المنطق العقلي، بالمستوى الذي‏يدركون به مقتضيات المنطق الحسي، وربما لاجل ذلك نرى ان الدين بشكل عام ياءتي لتنبيه البشر وتذكيرهم بالحقائق‏العقلية الاولية، ولكنه لا ينبههم ولا يذكرهم بالحقائق الاولية الحسية، لان الحقائق الحسية لا يغفل البشر عن مراعاتها،وليس من مصلحته - كما يعتقد - تناسيها واهمالها، وهذا خلاف ما يتم مع الحقائق العقلية الاولية، كحقيقة وجود الباري عزاسمه ووحدانيته، فان الانسان كثيرا ما ينكر هذه الحقيقة ويتنكر لها، رغم بداهتها وضرورتها، وليس ذلك الا لان هذه‏الحقيقة قد تصطدم بعض الاحيان بهواه ومصالحه الشخصية وموقعه الاجتماعي.

الفكرة المعيارية الفكرة المعيارية هي الفكرة القابلة للتحقق من صدقها او كذبها (مطابقتها للواقع او عدمه) من خلال انتهائها الى يقينيات‏الحس، او بديهيات العقل التي لا تقبل الانكار والاختلاف، ومجالها العلوم الادبية والانسانية والنظريات، والافكار المعيارية‏طبيعتها ان تكون جدلية الطرفين، بمعنى ان طرفا ما يستطيع ان يقيم حجة وبرهانا - ولو من حيث الشكل والصورة - على‏صحتها وثبوتها، ثم ياءتي طرف آخر ينقض حجته وبرهانه، ويقيم ما يضاده وينفي ما اثبته الطرف الاول، لذلك تختلف‏المعايير الانسانية تجاه القضية او الفكرة مادامت معيارية، ولا يمكن ان تخرج الفكرة من اطار المعيارية الا بانتهائها الى‏بديهيات العقل، او ضرورات الحس.

وانطلاقا من ذلك، كل فكرة لم يحسم الراي فيها بارجاعها الى البديهيات العقلية او الضرورات الحسية تبقى تتردد بينهما، مايجعلها قابلة لتحكم المعايير المختلفة في توجهاتها، ويمكن ان تكون فكرة ما في وقت من الاوقات معيارية غير محسوم‏الراي فيها، ولكنها تتحول بعد مدة، ولسبب من الاسباب، الى فكرة محسومة بانتهائها الى العقل او الحس، وذلك كما في‏كثير من الحقائق الطبيعية المسلم بها اليوم، والتي لا يختلف فيها اثنان، في الوقت الذي كانت هذه الحقائق نفسها قبل قرنين‏او ثلاثة او اكثر مجرد نظريات مختلف بشاءنها، كما في مساءلة دوران الارض حول الشمس، ومركزية الشمس للمجموعة‏الشمسية، وغيرها من علوم ومعارف.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية