وفي ضوء ذلك، تكون العلوم
المعيارية (حسخژچذزرت
ژححذحخحث ) هي العلوم التي تنحو الى وضع القواعد والنماذج
الضروريةلتحديد القيم، كالمنطق والاخلاق والاستطيقا،
وتقابل العلوم التفسيرية (ژححذحخحث حسخژچحخدرسب )
الى ملاحظة الاشياءوتفسيرها، كالفيزياء، فهي علوم تخبر عن
الاشياء، بعكس العلوم المعيارية التي يمكن وصفها باءنها
انشائية;ژرسز÷((57)).
وهذا ما يستدعي منا ان نبحث عن قضية في غاية الاهمية،
وهي:
اشكالية التاءصيل المعياري للمعرفة الانسانية
يندرج الكثير من المعارف البشرية تحت دائرة ;ژرسز÷الافكار
المعيارية;ژرسز÷، ولكن هذا لا يعني - وكما اتضح لنا - انها لا يمكن
انتخرج من اطار هذه الدائرة، بل ما يجب على الانسان فعله هو
تحريك الفكرة المعيارية باتجاه الحس او العقل، واخراجهامن
حيز التردد والابهام والغموض، كي تتحول الى فكرة محسومة
يعتقد الانسان بها من خلال ما توافر له من يقين واعتقادجازم
بصحتها، والا سيبقى الانسان يتردد ويتخبط من دون ان
يحسم خياراته، ولا يحدد اتجاهاته، ويبقى في الجو الذيتفرضه
الفتنة على الانسان ما يضيع كل محاولاته للحسم والثبات
وتحصيل العلم واليقين، وهو ما لا يرضى اللّه تعالىبسواه في ما
يبنيه الانسان لنفسه من عقائد وافكار، وهو ما يعجز عن
تحقيقه من يتعبدون بالظنون والاهواء، ويقيمونبناءهم
المعرفي على شفا جرف هار، فينهار بهم في نار جهنم، فيكون
(مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما اضاءت ما حولهذهب اللّه
بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون) [البقرة 17].
وهذا ما تفعله الفتنة مع من لا يحسن التعامل معها، ولا يعرف
كيفية التخلص منها، ولذلك يقول امير المؤمنين (ع):
;ژرسز÷المتعبدعلى غير فقه كحمار الطاحونة يدور ولا يبرح،
وركعتان من عالم خير من سبعين ركعة من جاهل، لان العالم
تاءتيه الفتنةفيخرج منها بعلمه، وتاءتي الجاهل فتنسفه نسفا،
وقليل العمل مع كثير العلم خير من كثير العمل مع قليل العلم
والشكوالشبهة;ژرسز÷((58)).
وهو، ما تفرزه الشبهة في حياة الانسان حينما لا يتبين المخرج
منها، لذا يقول (ع) في نهج البلاغة: ;ژرسز÷وانما سميت الشبهةشبهة
لانها تشبه الحق. فاءما اولياء اللّه فضياؤهم فيها اليقين. ودليلهم
سمت الهدى. واما اعداء اللّه فدعاؤهم فيها الضلالودليلهم
العمى;ژرسز÷.
ومن ينتهي به المنتهى الى هذا الحد هم اهل النار، الذين
عجزوا عن بناء معتقداتهم ومعارفهم انطلاقامن يقينيات
علمية،حسية او عقلية، فكان ملهم ان حكى اللّه تعالى حالهم
بالقول: (وقالوا لوكنا نس مع او نعقل ما كنا في اصحاب السعير
)[الملك 10].
والاية المباركة تفصح عن ان اهل النار يسندون السبب في
استحقاقهم لعذاب النار الى امرين، وانه لو كان لهم احد
الامرينلما كانوا من اصحابها ومستحقيها، وهذان الامران هما:
الاول - السمع: وهو تعبير عن قدرة الانسان على نقل المعرفة او
الفكرة من اطارها المعياري الى اطارها الحسي، لانالسمع هو
اهم آلية يتلقى الانسان من خلالها المعارف والافكار، ورغم ان
الانسان يتلقى الافكار اول ما يتلقاها معياريةالطابع، الا انه دائما
يحاول ان يتجه بها - من اجل ان يستوعبها ويقبلها - الى احد
اتجاهين، اما الاتجاه الحسي بمعنىالتاءكد من انها واقعية او لا
عبر مطابقتها للمحسوسات على ما هي عليه او عدم مطابقتها،
او انه يحاول ان يعقلن الفكرة،وهو الاتجاه الثاني.
الثاني - التعقل: بمعنى البحث عن الاسس العقلية التي تقوم
عليها الفكرة المعيارية، والتي تبقى معيارية مادامت
غيرمحسوسة او غير معقولة. وهذا الامر يعطينا انطباعا باءن
الدين يريد ان يحرك الانسان باتجاه البحث عن اسس محسومة
لاتقبل الجدل والاختلاف، وترفع الشك والتردد عن النفس في
ما تتبناه من افكار ورؤى، بغض النظر عن كون هذه
الاسسمعقولة او محسوسة.
المعيارية من المعرفة الى الاجتماع
لا تتحدد المعيارية بوصفها مجرد اشكالية معرفية فحسب، بل
هي تنال حتى طبيعة التناول الاجتماعي للامور والاشياء
منقبل الانسان، فالمجتمع ذو الطبيعة المعيارية - وهو
المجتمع الذي تتسع فيه مساحة الافكار المعيارية وفاعليتها -
يكونمجالا خصبا لتضارب الرؤى وتناقض الممارسات، لانه لم
يستقر على توافقات حسية او عقلية مشتركة، وحينما
نعاينتجربة المعرفة والاجتماع الاوروبيين او الغربيين نجدها
تتباين مع تجربة المعرفة والاجتماع في العالم العربي
والاسلامي،من حيث انتهاء الاولى الى اطار حسي يمثل جامعا
مشتركا في طبيعة التناول المعرفي والاجتماعي، بينما لم
تفلح التجربةالعربية الاسلامية في المقابل في تحقيق هذا
الاجماع المشترك، وبالرغم من كون التجربة الغربية اوغلت في
اضفاء الطابعالحسي حتى على المفاهيم والقيم المجردة، الا ان
ذلك كان يمثل اطارا يخرج الفكرة من طابعها المعياري الذي
ظلتالتجربة العربية الاسلامية تتردد فيه اجتماعيا ومعرفيا
من دون ان تحسم الراي والموقف تجاه جميع القضايا
الاوليةوالثانوية المثارة في اجوائها، ومن قبل مختلف الفرقاء
في الساحتين المعرفية والاجتماعية.
وحتى على مستوى دراسة اشكالية التفكير المعياري، فان
المفكرين والباحثين في ثقافتنا العربية الاسلامية لم يعالجوا
هذهالاشكالية، وقلما اثاروها، بينما الدراسات التي عنيت
بمعالجة هذه الاشكالية جاءت جميعها تقريبا من توجهات
فكريةغربية، حتى اننا نجد هذا التنبه الواضح لهذه الاشكالية
يمثل مدخلا اوليا لكتاب مهم في الغاية لكاتب غربي هو
;ژرسز÷جورجغورفيتش;ژرسز÷× وذلك حينما يتحدث في بداية كتابه:
;ژرسز÷الاطر الاجتماعية للمعرفة;ژرسز÷ بالقول: ;ژرسز÷للوهلة الاولى تبدو
المعرفة، منبين الاعمال الحضارية جميها، هي الاكثر
انقطاعاعن الواقع الاجتماعي. الا يبدو انها تدعي الصلاح
الشامل والارتكاز علىاحكام صحيحة تعد، عادة، وقفا على
الوعي الفردي؟ مما لا شك فيه، بالواقع، ان الدين والحياة
الاخلاقية والتربية، وحتىالفن، ولاسيما الحقوق، تقيم مع
الاطر الاجتماعية علاقات اظهر، ملحوظة على نحو مباشر، هي
اخيرا علاقات اكثر كثافةواهم من حيث المبدا على
الاقل;ژرسز÷((59)).
ولانه - وكما اشرنا - تندرج جميع العلوم الانسانية والاجتماعية
تحت صفة المعيارية، كان من الطبيعي ان يتم التشكيكفي
موضوعية كل النتاج المعرفي في هذه العلوم، حتى دعا هذا
الامر احد الباحثين، وهو الدكتور صلاح قنصوه، لتصديراحد
فصول كتابه بهذا العنوان: ;ژرسز÷الموضوعية مشكلة العلوم
الانسانية;ژرسز÷، وهو ما دعا الباحث المعني ايضا لنقل هذا القول
عن;ژرسز÷جورج لندبرغ;ژرسز÷ في كتابه: ;ژرسز÷هل ينقذنا العلم؟;ژرسز÷، والذي
تتبين
من خلاله طبيعة الاشكالية المعرفية التي تواجه مختلف
العلومالانسانية مادامت معيارية، اذ ينقل عنه قوله: ;ژرسز÷لقد تهياء
للعلوم الفيزيائية من ثنايا تقدمها الطويل ان تنشئ صورة
فيزيائيةللعالم يتفق حولها العلماء. ورغم هذا الاتفاق فانهم مثل
غيرهم من البشر مختلفون اشد الاختلاف حول اهم قضايا
الانسانوالمجتمع;ژرسز÷((60)).
ويشير الدكتور صلاح قنصوه، في كتابه المذكور ايضا، الى
الانجاز الوحيد الذي حققه المسلمون، وهو محاولة اضفاء
الطابعالعلمي على العلوم الانسانية ذات السمة المعيارية
بالقول: ;ژرسز÷اما الاسهام العلمي الاصيل للمسلمين في العلوم
الانسانية فهومقدمة ابن خلدون. وهي رغم اصالتها وجدة ما
قدمته من منهج ومن تاءسيس للعلم الاجتماعي، الا انها جاءت
من بعضالوجود امتدادا وتطبيقا لمناهج مفكري الاسلام التي
نجد قواعدها صريحة محددة في ما يسمى بمنطق الاصوليين.
وهومنطق يخالف منطق ارسطو، وكانت ابرز سماته خلوه من
مباحث الميتافيريقا التي جعلت المنطق الارسطي علما
للفكرالصوري، بحيث اصبح عند هؤلاء الاصوليين، منطقا عمليا
يجمع بين الخبرة الحسية والاستدلال العقلي، وهما معا
يؤلفانفي نهاية الامر جوهر المنهج العلمي. وليس القياس
الاصولي، وهو اهم ما في هذا المنطق، الذي يسميه المتكلمون
بقياسالغائب على الشاهد هو التمثيل الارسطي بدعوى ان
كليهما انتقال من جزئي الى جزئي. فقياس الاصوليين يختلف
عنالتمثيل في انه يقيني، بينما هو عند ارسطو لا يفيد الا
الظن ...;ژرسز÷((61)).
وعلى هذا الاساس، يمكننا النظر الى مختلف الاشكاليات
المثارة من جانب العلوم المعيارية قبل ان تحسم بانتهائها
الىاحد طرفي العقل او الحس، باءنها اشكاليات غير حقيقة،
بمعنى انها لا تنطلق من مشكلة واقعية الا في ذهن من
يعالجها،ويبتغي التوصل لفهمها وادراكها على ما هي عليه،
وهذا ما جعل بعض الباحثين يعبر عن اية مشكلة تواجهها
العلومالمعيارية باءنها ;ژرسز÷مشكلة زائفة;ژرسز÷(ذحدچرزرذخحخحث )،
وهذا ;ژرسز÷اصطلاح رودلف كارنابباءن ما لا يستند الى الواقع وله
اساس منالادراك الحسي، هو ليس بمشكلة حقيقية، ولكنه
قول مرسل ومشكلة متوهمة. ومن ذلك المشاكل الفلسفية
فهي مشاكلمتوهمة، واوهام تخطر بالعقول نتيجة التباسات
في اللغة، والمهمة التي ينبغي ان تناط بالفلسفة هي تخلص
اللغة منالالتباسات، وتنقية الفلسفة من المشاكل
المتوهمة;ژرسز÷((62)).
ولان العلوم المعيارية، ومنها علم الاجتماع، تخضع بشكل
واضح للمعايير والقيم، وبتعبير آخر لتاءثير الايديولوجيا
فقدكانت مورد بحوث مستمرة واشكالات متواصلة من قبل
الكثير من الدارسين والباحثين، ومن اهم تلك الدراسات
التيانتجت في هذا الشاءن ما كتبه ;ژرسز÷الدكتور سمير ايوب;ژرسز÷ في
;ژرسز÷تاءثيرات الايديولوجيا في علم الاجتماع;ژرسز÷، وقد تحدث
مستعيداهذه الاشكالية بالقول: (مشكلة الموضوعية والتحرر
من الايديولوجيا، مشكلة التفرقة بين ما هو كائن) ژخ ژچخج وما
ينبغيان يكون (حچ رژ ژخخست ژچخج )في علم الاجتماع، مشكلة
قديمة - معاصرة ترجع الى ايام الرواد الاوائل امثال
كونتودوركايم. ومما هو جدير بالذكر ان مذهب علم الاجتماع
متحرر من القيمة ححزب حسدچج كما يذكر غولدنر، هو امتداد
حديثلصراع العصور الوسطى بين (العقيدة) و (العقل). وما
زالت مساءلة مفتوحة في النظرية السوسيولوجية من دون ان
يتم اتفاقحولها;ژرسز÷((63)).
ويشير سمير ايوب نفسه الى انه نجم عن عدم التوافق هذا
مشكلتان اساسيتان في مجال البحث العلمي في علم
الاجتماع،وهما:
اولا: تحديد مجال العلم نفسه.
ثانيا: تحديد مناهج البحث التي ينبغي اتباعها في البحث
العلمي في ميدان علم الاجتماع، (اي مشكلة الموضوعية
فيالبحث الاجتماعي).
وفي السؤال عن المقصود بهذه الموضوعية التي لا بد من ان
يلتزمها الباحث الاجتماعي يقول سمير ايوب: ;ژرسز÷المقصود هو
انيعتبر العالم الظواهر الانسانية التي يدرسها كما لو كانت
(اشياء)، وكاءنها صورة اخرى للظواهر الطبيعية
والكيميائيةوالبيولوجية التي يدرسها العلماء الطبيعيون
والبيولوجيون. وينبغي كذلك ان يتجنب العالم الذي يدرس
الظواهر الاجتماعيةالوقوع في اية ميول او مصالح او اهواء
شخصية تؤثر في اختياره او تفسيره للبيانات. بغض النظر عن
الاستخدامات التيسوف توظف فيها هذه النتائج خيرا او شرا.
فالتمييز بين الخير والشر لا يدخل في اطار العلم ...;ژرسز÷((64)).
اشكاليات الفكر المعياري
اخيرا، نشير مجر د اشارة عابرة الى اهم الاشكاليات المترتبة
على تاءصل دور الفكر المعياري في انتاج المعرفة،
وهذهالاشكاليات هي في الواقع بمثابة معوقات تمنع التفكير
من ان يتصف بالعلمية والموضوعية والحسم، وتتمثل
هذهالاشكاليات التي يفرزها الفكر المعياري في:
1 - افتقاد قدرة الحسم، وصعوبة التوصل الى توافقات اجرائية في
مقام العمل.
2 - التراكم المعرفي المضطرب الذي يسهم في تشتت التفكير
وصعوبة تحديد الخيارات.
3 - كثرة الاحتمالات غير العلمية.
4 - الامعان في البناء النظري الذي يفتقد امكانيات التطبيق
والممارسة.
5 - تاءصيل دور العقل النقضي التفكيكي وغياب دور العقل
التحليلي التركيبي.
6 - التوظيف الايديولوجي للمعرفة بما يخدم المسبقات
المعيارية لصاحب الايديولوجيا.
وفي ظل هذه الاشكاليات التي يفرزها الفكر المعياري الذي
تاءصل دوره في انتاج ثقافتنا العربية الاسلامية، لا محيص
منالعمل الجاد من قبل مختلف التوجهات العربية والاسلامية
الفاعلة في مجال انتاج الثقافة والفكر والمعرفة، على اعادة
بناءهذه الثقافة في جميع امتداداتها ومظاهرها وفق ذاك
المنهج العلمي، والقرآني في الوقت نفسه، والذي استهدف
تحريكالانسان باتجاه الخروج من دائرة التردد التي يفرض
البقاء فيها اصرار الانسان نفسه على اعادة اجترار نمط
التفكيرالمعياري، والذي لا يمكن ان ينتهي الى نتيجة حاسمة
ابدا، حتى لو استمر النقاش والحوار والجدال، بل وحتى
القتالملايين السنوات بين المختلفين في اية قضية من
قضاياه.
وفي النهاية، هذا هو المشروع المعرفي والثقافي الاكبر والاهم
الذي يتوجب علينا انجازه والعمل من اجل تحقيقه وتفعيله،اذا
ما اردنا ان نتخلص من ركام سنوات، بل قرون طويلة من
الحيرة والتردد والتشتت في ما بنيناه من وعي معرفي او
دينياو سياسي او اجتماعي، والا فسنبقي (مذبذبين بين ذلك
لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاءومن يضلل اللّه فلن تجد له
سبيلا)[النساء 143].
ف السيد كامل الهاشمي
ف اشكالية الفكر المعياري في الثقافة العربية الاسلامية
48
المنهاج - العدد السابع والثلاثون - ربيع 1426ه/ 2005م
مصادر نهج البلاغة
حوار مع الشيخ رضا استادي(×)
ترجمة: منال عيسى باقر
9
دونت كتابات مختلفة حول مصادر نهج البلاغة في العقود
الماضية، لباحثين كثر، وسماحة الشيخ رضا استادي واحد
منهؤلاء، اذ دون رسالةبعنوان مدارك نهج البلاغة، كما واعد
السيد عبد الزهراء الحسيني رحمهاللّهكتابه المفصل: ;ژرسز÷مصادر
نهجالبلاغة واسانيده;ژرسز÷، مع الاخذ بعين الاعتبار حجم هذه
الاعمال ومقدارها، هل ترون محاولات توثيق مصادر نهج
البلاغة قدانتهت، او انه حيث طبعت بعض المصادر الروائية
والنصوص التاريخية للمرة الاولى في السنوات الاخيرة، فان
اللازم هوالاستمرار في هذه المحاولات واكتشاف مصادر
اخرى؟
الشيخ استادي: ان الحديث عن مصادر نهج البلاغة يطرح
شبهة واهية وسؤالين اثنين لابد من توضيحهما هنا. وتكمن
هذهالشبهة في اعتقاد جماعة من علماء اهل السنة باءن مؤلف
نهج البلاغة ربما يكون السيد الرضي او السيد المرتضى
نفسيهما،ومن ثم لا توجد علاقة حقيقية بين هذا الكتاب
والامام علي بن ابي طالب (ع). وكاءن الدوافع من وراء هذه
المقولة تكمنفي انهم لم يقدروا، او لم يريدوا الاعتراف،
بخطبة الشقشقية وبعض الموضوعات التي تؤكد خلافة علي
بن ابي طالب (ع)وحقانية الشيعة في ما ورد في نهج البلاغة.
اما السؤال الاول فهو: هل لكل خطبة من خطب نهج البلاغة
ورسائله وكلماته القصار - مثل الاحاديث ككتاب الكافي - سند ام
لا؟
اما السؤال الثاني، فعلى فرض ثبوت سند لهذه النصوص، هل ان
هذه الاسانيد - او قسم منها - اسانيد صحيحة اصطلاحيابما يعنيه
مصطلح الصحيح في كتب علم الحديث واصول الفقه، بحيث
يمكن الاعتماد عليها في المسائل الفقهية، تماما مثلهامثل
بقية الاحاديث الصحيحة السند او لا؟
وفي ما يتعلق بتلك الشبهة فبحق يقال: انها ضعيفة، ولا اساس
لها من الصحة، الى حد انها لا تحتاج الى جواب، ولكن مناجل
اثبات انموضوعات نهج البلاغة موجودة في كتب كثيرة،
وقسم منها قد ال ف حتى قبل ولادة السيد الرضي،
انجزتابحاث قيمة، واتضح - علاوة على ستة عشر مصدرا في
نهج البلاغة نفسه - وجود اكثر من مئة كتاب من مصادر
نهجالبلاغة.
ان كتبا من قبيل: ;ژرسز÷مصادر نهج البلاغة;ژرسز÷ للسيد عبد الزهراء
الحسيني، و;ژرسز÷استناد نهج البلاغة;ژرسز÷ لامتياز عليخان
الهندي،و;ژرسز÷مدارك نهج البلاغة;ژرسز÷ للشيخ هادي آل كاشف الغطاء،
و;ژرسز÷ما هو نهج البلاغة;ژرسز÷ للسيد هبة الدين الشهرستاني، و;ژرسز÷مصادر
نهجالبلاغة;ژرسز÷ للشيخ عبد اللّه نعمة، وابحاث ابن ابي الحديد في
;ژرسز÷شرح نهج البلاغةط، والشيخ محمد باقر المحمودي
في;ژرسز÷مستدرك نهج البلاغة;ژرسز÷، والسيد حبيب اللّه الخوئي في
;ژرسز÷شرح نهج البلاغة;ژرسز÷، والعلامة المجلسي في ;ژرسز÷بحار
الانوار;ژرسز÷،
والاستاذحسن زاده آملي في ;ژرسز÷شرح نهج البلاغة;ژرسز÷، بالاضافة الى
كتابنا ;ژرسز÷مدارك نهج البلاغة;ژرسز÷ الذي طبع قبل حوالي العشرين
سنةونيف... هذه الكتب جميعها تصب في الاطار عينه وتثبت
هذه الحقيقة.
فعقب نشر كتابنا الذي سبق ان اشرنا اليه، نشرت كتب اخرى
قيمة ومفيدة، ولا حاجة الان للقيام بعمل مستقل في
هذاالصدد، وفي حال ظهور مصادر اخرى تكتب عندها في
شروحات نهج البلاغة.
اما جواب السؤال الاول، فهو: ان كون مصادر نهج البلاغة قد
اضحت معلومة مثل الخطبة السادسة عشر او قسم منها، في
ماجاء في كتاب ;ژرسز÷البيان والتبيين;ژرسز÷ للجاحظ... لا يعني انها قد
ذكرت في الكتاب السالف مع سندها، لانه من الممكن ان
تكونقد نقلت من دون سند، او عما يسمى في مصطلح علم
الحديث بالمرسل.
نعم، قد جرى التوصل من خلال الابحاث التي اجريت بهدف
الاجابة عن الشبهة المشار اليها، الى نتيجة تفيد ان الكثير
منمنقولات نهج البلاغة كان له سند، مثلا عندما اتضح ان
الخطبة العشرين، او قسما منها، موجودة في كتاب الكافي
للشيخالكليني ثقة الاسلام، فمن الطبيعي ان يغدو لها سند
بذكر الكليني هناك، كما هي عادته في كتابه هذا.
يبقى السؤال الثاني: لو افترضنا وجود مصدر لكل خطبة من
خطب نهج البلاغة ورسائله وكلماته القصار، وافترضنا
ايضاوجود سلسلة من الاسانيد لهذه الخطب والرسائل و..، فهل
يمكن الاعتماد عليها والتمسك بها والاستناد اليها للافتاء املا؟
والجواب عن هذا السؤال يتحدد في انه توجد ثلاث طرق
لاثبات صحة الرواية ومدى الاعتماد عليها، وهي:
1 - متانة النص ونظمه الرفيع: فاذا ما اطلعنا على نصوص نهج
البلاغة استخلصنا انه من المستحيل في بعضها ان يكونلغير
الامام علي (ع)، ولهذا وصف (ع) ب ;ژرسز÷اخي القرآن;ژرسز÷.
2 - القرائن المتعددة والشواهد الكثيرة الدالة على صحة الرواية،
وعلى سبيل المثال اعتماد الروايات التي لا سند لها منقبل
العلماء القريبين من زمن الرسول 6 وائمة الهدى (ع).
3 - ان يكون للسلسلة سند صحيح اصطلاحا، وهذا القسم ليس
فيه الكثير من الاحاديث، على خلاف القسمين الاولوالثاني.
وهنا لابد من ذكر هذه المساءلة، وهي عندما لا يستند الفقهاء -
احيانا - في ابحاثهم الفقهية، الى بعض منقولات نهجالبلاغة،
وخصوصا اذا عدت الدليل الوحيد× حيث لا يعطون الفتوى على
اساسها، فانما ذلك بسبب عدم احراز صحتهابكونها نوعا من
الانواع الثلاثة التي ذكرناها، وهذا معناه انه لا يجوز لاحد ان يعد
نهج البلاغة باءجمعه معتبرا مئة بالمئة مثلالقرآن الكريم.
ومن المؤسف جدا ان بعض من لا يملك اطلاعاعلى مثل هذه
القضايا يعتمد على بعض منقولات نهج البلاغة في
الامورالدينية المهمة، مثل عصمة الائمة الاطهار (ع)، ما يؤدى
الى خلق اشكاليات لا غير، ومثالا على هذا الامر ما نسمعه اليوم
- بكثرة - عن تناقل قول الامام علي (ع)، في نهج البلاغة، انه غير
منزه عن الخطاء وانه مستعد لقبول الانتقاد والنصيحة،فعلى
فرض ان سند هذه المقولة كان مورد اعتبار الا انه لابد لنا من
ان نفسرها وفاقا للكثير الذي جاءنا ن عصمة الائمةالاطهار (ع)
حتى لا نقع في الالتباس والخطاء.
ونعود لسؤالكم الذي كان عن ضرورة متابعة توثيق مصادر نهج
البلاغة او لا، وكما اسلفنا في بياننا، آنف الذكر، لا ضرورةلتوثيق
الاسانيد من الجهة الاولى، اما من الجهتين الثانية والثالثة، اي
ملاحقة سلسلة السند واحراز صحتها لكل خطبهورسائله
وكلماته القصار وكذلك محاولة تصحيح النصوص بالطرق
الاخرى... ذلك كله امر لازم وضرورى، ولعله بامكانناالقول: انه
لم يتم القيام بخطوات اساسية ومهمة في هذا المضمار، وفيما
لو تم القيام بمثل ذلك فسيتضح - بالتبع - انالحالات التي تفتقد
التوثيق نادرة.
حضرة الاستاذ، لقد اعددتم قبل خمسة عشر عاما كتابا بعنوان
;ژرسز÷كتاب نامه نهج البلاغة;ژرسز÷، وقد قمتم من خلاله بتوصيف370
كتابا ورسالة الفت في نهج البلاغة، في الطبعة الاولى، و400
في الطبعة الثانية، ومن الواضح ان الفضل يعود اليكمتطبيقا ل
;ژرسز÷الفضل للمبتدئ وان احسن المقتدي;ژرسز÷، لكن هذا الكتاب لم
يكن كاملا، وقد اشرتم الى هذا الامر في المقدمة، فهلتنوون
اكمال مشروعكم هذا؟
الشيخ استادي: هناك عدة اغراض لتدوين اي ببليوغرافيا،
وهي:
الغرض الاول: اثبات اهمية موضوع او رسالة او مساءلة او كتاب
او بحث ما... فمثلا تاءليف مئات الكتب والمقالاتوالرسائل عن
الامام الحسين (ع) وانتشارها باءعداد كبيرة ولغات متعددة
يؤكد لنا انهذا الموضوع كان حائزا على اهميةكبيرة وما زال
كذلك بين علماء المسلمين وغير المسلمين رغم مرور الازمان
حت ى الوقت الحاضر، ولهذا عندما نرىآلاف التفاسير
والابحاث والكتب التي تدور حول القرآن الكريم وخصائصه
وبنيته وموضوعاته نعي عظمة هذا الكتابونفهمها.
هناك الكثير من الببليوغرافيا المخصصة لهذا الغرض، وقد
الفت ببلوغرافيات كثيرة تخص كلامن الامامين
الحسينوالصادق غ وكذلك نهج البلاغة، اضافة الى المختصر
منها. ولحسن الحظ، فان ببليوغرافيا نهج البلاغة قد اكمل من
جانبالسيد محسن دين ضرور - وهو من طلاب الحوزة
العلمية في قم المقدسة - بحلة جديدة جاهزة للنشر.
الغرض الثاني: ان تغدو مصادر اي بحث متوافرة بين ايدي
الباحثين والمحققين، وهنا لابد من جمعها، اما في ما يتعلق
بنهجالبلاغة، فهناك بعض الكتب القليلة التي يمكن ان تكون
مصدرا، ومن ثم ليست كل الكتابات المتعلقة بنهج البلاغة
يمكنهاان تكون مصدرا من مصادر البحث. ومن باب المثال
اذكر انني الان في صدد كتابة مقالة عن مساءلة فدك، ومن
اجل هذاطلبت من اصدقائي ان يهيئوا لي فهرسا بالكتب التي
تتعلق بهذا الموضوع، وقد اعدوا لي حوالى 250 كتاباومقالة
ذاكرينمصادرها وموضوعاتها، لكنني وجدت ان نصف هذه
المجموعة ربما يمكن ان يكون مصدرا لهذا البحث لا اكثر.
الغرض الثالث: تسجيل نقاط ضعف كل كتاب وكذلك نقاط
قوته، حيث يتمكن القارئ من تجنب اضرار بعض
الكتب،والاحتراز عنها.
الغرض الرابع: تدوين اسماء الكتب المفيدة وعدم ذكر اسماء
الكتب المضرة، اذ يوفر ذلك للباحثين مراجعة الكتب
المفيدةفي مجالات بحثهم من دون حاجة الى اتلاف الوقت
بغيرها.
اعتقد باءن تدوين ما كان على نحو القسم الثاني والثالث والرابع
يشتمل على فوائد عديدة للمراجعين، بصرف النظر
عنمستوياتهم واغراضهم، واقترح على معدي مثل هذه الكتب
ان يركزوا على الاقسام الثلاثة الاخرى اكثر من تركيزهم
علىالقسم الاول.
ساد، في السنوات الماضية، تدوين مشروع التفسير الموضوعي
للقرآن الكريم، وكاءن فكرة التفسير الموضوعي تعود -
علىاقصى حد - الى العقود الثلاثة الماضية، كما ان تدوين
التفسير الموضوعي لنهج البلاغة يعود الى الفترة نفسها الزمنية
المشاراليها، تماما كما تفضلتم في ذكركم لمؤلفان العلامة
الشوشتري، فان كتابه ;ژرسز÷بهج الصباغة;ژرسز÷ من اول الكتب التي
شرحت نهجالبلاغة شرحا موضوعيا. والسؤال هنا هو: لماذا
راجت كتابة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم فيما لم تدم
الخطوة نفسهافي نهج البلاغة، بل توقفت عند كتاب العلامة
الشوشتري؟
الشيخ استادي: لقد قام بعض الاشخاص بتنظيم موضوعات
نهج البلاغة، ومن المؤكد ان شرحه الموضوعي قيم ومفيد،
بيدانه لابد من الانتباه الى ان نهج البلاغة ليس سوى احد
الكتب الحديثية التي لا تستوعب جميع احاديثنا. فاذا اريد
تدوينتقسيم موضوعي للاحاديث، فان كتاب نهج البلاغة وما
يحويه من احاديث للامام علي (ع) ليس سوى قسم من
مجموعةالاحاديث الموجودة عندنا عن هذه الموضوعات.
وبعبارة اخرى: لا يمكننا الاكتفاء بما هو موجود في نهج البلاغة
عن موضوع ما دام يوجد عنه حديث او اكثر في غيرالنهج، لان
احاديثنا في كل بحث لا بد من ان تكون - بمجموعها -
محطانتباهنا وتركيزنا.
ان قياس نهج البلاغة على القرآن الكريم في هذا الموضوع
بالذات قياس مع الفارق، ذلك ان القرآن الكريم كتاب
يشملتمام الايات التي نزلت على رسول اللّه غ، اما نهج البلاغة
فلا يتضمن الاحاديث كافة، حتى انه لا يشمل احاديث
الامامعلي (ع) جميعها، لهذا السبب يمكن الاكتفاء بالقرآن
الكريم في كل موضوع، اما مثل نهج البلاغة فالامر فيه
ليسكذلك.
اما لماذا لم يتم القيام بعمل بعد ;ژرسز÷نهج الصباغة;ژرسز÷ شبيه به، فذلك
لان ما كتب عن شرح نهج البلاغة لم يكن بمستوى
شرحالعلامة الشوشتري حتى نتوقع اكمال عمله والاستمرار
فيه.
ثمة نسخ كثيرة لنهج البلاغة، منها النسخة المصورة في مكتبة
آية اللّه المرعشي النجفي، وعبده، وصبحي الصالح،
ونسخةفيض الاسلام التي تستند على شرح ابن ابي الحديد...
اى نسخة من النسخ ترى اتها الاصح، بحيث يمكن الرجوع
اليهاباطمئنان؟
اليس من الضروري تصحيح نهج البلاغة تصحيحاممتازا يراعى
فيه اختلاف النسخ مثلما تراعى في الكتب الاخرى
فتصبحثابتة، واشير هنا - من باب المثال - الى اننا نلاحظ في
اغلب طبعات نهج البلاغة المتوافرة حاليا وجود عبارة:
;ژرسز÷اولىالناس بالانبياء اعلمهم بما جاؤوا به;ژرسز÷، والحال انالمفترض
في الجملة ان تكون ;ژرسز÷اعملهم;ژرسز÷ حسبما يقتضيه سياقالنص؟
الشيخ استادي: لابد من الاشارة الى ان نهج البلاغة، في نسخه
الكثيرة، - مع المقارنة بمختلف الكتب الحديثية الاخرى - من
افضل الكتب صحةواعتبارا ، وذلك لوجود نسخ قديمة له،
ويمكن القول: انه من النادر وجود طبعات لنهج البلاغة
مليئةبالاخطاء.
لقد انجزت، في السنوات الاخيرة، اعمال مهمة في مجال
تصحيح نهج البلاغة، من بينها ما قامت به مؤسسة نهج
البلاغة،والتي وصل المحققون فيها الى اعمال مهمة، ولعلها
الان تحت الطباعة.
اما في ما يتعلق بالمثال الذي اشرتم اليه، فان كلامن ;ژرسز÷اعملهم;ژرسز÷
و ;ژرسز÷اعلمهم;ژرسز÷ يمكن تسويغه، لانه اذا كان يقصد باءولى
الناسبالانبياء اوصياؤهم وخلفاؤهم فلا بد من ان تكون الكلمة
حينئذ ;ژرسز÷اعلمهم;ژرسز÷، لانهم سيكملون طريق الانبياء ويهدون
الناس،وهذا ما يستلزم كونهم اعلم البشر بالمعارف الدينية
والعلوم الالهية. اما اذا كان المقصود باءولى الناس بالانبياء عامة
الناسفالانسب ان تكون ;ژرسز÷اعملهم;ژرسز÷، لانهم يريدون ان يبلغوا
المقامات السامية باقتدائهم بالانبياء. ولعلنا لا نستطيع هنا
ترجيحواحدة على الاخرى. اما مقولتكم فهي صحيحة اذا اخذنا
بعين الاعتبار الجمل التي تعقبها والتي تتحدث عن
الاقتداءوالاتباع، الا ان كثيرا من العلماء الكبار واهل الحديث لا
ياءخذون بعين الاعتبار هذه التصحيحات القياسية، بل
يدونونالاثنين معا، معتبرين احدهما الاصل والثاني النسخة
البديلة.
لما كان الشريف الرضي قد اعتمد، في تدوين نهج البلاغة، على
البعد البلاغي، في احاديث امير المؤمنين (ع)، فقد انتقى
منهذه الاحاديث الافصح فالافصح والابلغ فالابلغ، مقطعا
بعضامنها، مشيرا الى ذلك ببعض الاضافات الطفيفة، مثل:
;ژرسز÷ومنها;ژرسز÷،اما اليوم فان البعد البلاغي في تلك الاحاديث لم يعد
هو المقصود والمنظور اليه× اذ يتركز النظر على الجانب
السياسي لتلكالنصوص وما فيها من ارشاد وهداية. من هنا
يقترح بعض الباحثين - مع الاحتفاظ بنهج البلاغة الموجود -
استحضارالخطب والرسائل بكاملها، ومن هنا تمتدوين كتاب
;ژرسز÷تمام نهج البلاغة;ژرسز÷.
من ناحية اخرى، قالوا في تعريف المستدرك: ;ژرسز÷هو ما استدرك
فيه ما فات المؤل ف في كتابه على شرطه;ژرسز÷، تماما كما جاءفي
مستدرك الحاكم النيسابوري على الصحيح، حيث دونه على
شرطه اي المعاصرة والسماع، الا انه لم يراع في اى واحدمن
مستدركات نهج البلاغة مثل مستدرك كاشف الغطاء ونهج
السعادة للمحمودي ومصباح البلاغة لمير جهاني... لم
يراعىشرط السيد الرضي في انتخاب الاحاديث، الا وهو
;ژرسز÷الافصح فالافصح...;ژرسز÷ وانما استعيض عن ذلك بجمع احاديث
الامامعلي (ع) بتمامها، والحال ان السيد الرضي لم يكن هذا
هدفه، اذ كان كتابه كتاباانتقائيا .
هل تعدون هذه الكتب مستدركات لنهج البلاغة بما يحمله هذا
العنوان من معنى دقيق ومصطلح في علم الحديث؟ ام انهلابد -
على الاقل - من تدوين مستدرك حقيقي لنهج البلاغة؟ مع
الاخذ بعين الاعتبار ان الكتب المشار اليها ان لميستوعبها
مصطلح ;ژرسز÷المستدرك;ژرسز÷ فلا يقلل ذلك شيئامن اهميتها؟
الشيخ استادي: لعلكم تعلمون ان بعض العلماء قد اعترض على
السيد الرضي رحمهاللّه، مستفهمين عن تقطيعه
الاحاديثوالخطب والرسائل، او تجاهله بعضها احيانا، وقد ابان
هؤلاء هذا الاعتراض - احيانا - بلغة حادة ولسان توبيخي.
ومن الجلي انه لا ضرورة للاعتراض والتوبيخ هنا، لان كل
مؤلف ينظم مؤلفاته حسب الهدف الذي يريده، ولم يكن
السيدالرضي في صدد تدوين كتاب حديثي بل كان هدفه
تقديم كتاب في البلاغة كي يستفيد منه الادباء، وقد وفق الى
حد كبيرفي ذلك اضافة الى جمع مجموعة من النصوص
المشتملة على العلوم والمعارف العلوية، وجميعنا ممنونون له،
ويجب اننشكره، لانه حفظ لنا هذه الذخيرة الالهية العظيمة.
اساسا، لا يمكننا ان نقارن زماننا بالازمنة القديمة، ولا نستطيع
ان نحكم على تلك الازمنة مثلما نحكم على هذا العصر،ففي
هذه الايام نحن في امس الحاجة الى جميع الاحاديث
واسانيدها، على عكس الحال في العصور التي سلفت،
فاءلئكالذين الفوا كتبا مثل ;ژرسز÷نهج البلاغة;ژرسز÷ و;ژرسز÷تحف
العقول;ژرسز÷
و;ژرسز÷الاحتجاج;ژرسز÷ و;ژرسز÷تلخيص الامالي;ژرسز÷ عامدين الى انتخاب
الاحاديثوحذف اسانيدها، لم يتوقعوا بتاتا مجي يوم تضيع فيه
هذه النسخ والمصادر ويحرم منها العلماء، ويغدو المحققون
فيمسيس الحاجة اليها حتى نعترض عليهم.
اما مستدرك نهج البلاغة - وهو عبارة عن جمع احاديث الامام
علي (ع) غير الموجودة في نهج البلاغة - فعمل مفيد جدا،بل
لقد انجز منه قسم كبير.
والذي يبدو انه لابد من فصل نهج البلاغة عن المستدرك، وان
يوضعا معا بين يدي الباحثين، كل منهماعلى حدة، لا
انيتداخل احدهما بالاخر، ويختلط به× وذلك لسببين:
الاول: ان عبارات نهج البلاغة هي كلام الامام علي (ع) نفسه
بما يتضمنه من بلاغة وفصاحة، بينما الكثير من المستدركاتلا
يوازيه في ذلك، وانما هو نقل بالمعنى.
الثاني: من الناحية المنطقية لا يوجد وجه للمقارنة بينهما،
وذلك لاسباب نترك توضيحها الى مكانها المناسب.
وينطبق هذا الكلام نفسه على الصحيفة السجادية، فقد دونت
مستدركات كثيرة منها: الصحيفة الثانية، والصحيفة
الثالثة،والصحيفة الرابعة، والصحيفة الخامسة، والصحيفة
السادسة، وعلى راي بعض الباحثين الصحيفة السابعة والثامنة.
وطبع اصلالصحيفة السجادية وهذه المستدركات مع الخلط
بينهما، وكان هذا من حيث الشمولية مفيدا جدا، لكنني سمعت
من بعضالاكابر انهم ما كانوا يرون مصلحة في ذلك، معتبرين
لزوم نشر كل من الصحيفة السجادية ومستدركاتها بشكل
منفصلوعلى حدة، والسبب في هذا واضح، اذ لا وجه لمقارنة
الصحيفة السجادية بالكثير من ادعية الصحائف الاخرى من
حيثالمضمون والبلاغة.
- - -
التقليد والنظر
وظيفة المثقف المسلم اتجاه التكليف الشرعي
السيد علي عباس الموسوي (×)
تمهيد
من النتائج المهمة لتقدم المجتمع وانفتاحه على مجتمعات
اخرى وعوالم مختلفة ان تكثر الاسئلة لديه عن كل ما
كانيعيشه، لان هذا المجتمع سوف يقوم بالمقارنة بين ما
يعيشه هو وما يعيشه الاخرون، ومن هنا تبدا عملية التاءثر
والتاءثير بينالشعوب والثقافات والحضارات.
ان الطبقة الاجتماعية التي تتولى هذه المهمة، بحسب العادة،
هي الطبقة المثقفة، والمثقف شخص يملك سلطة، ولكنها
سلطةخفية تسري بنحو بطي الى سائر الناس فتسيطر عليهم،
فالاسئلة التي يطرحها المجتمع تبدا اولا لدى المثقف وهي
عندماتصدر منه تتسم بالغرابة والاستنكار، ولكنها شيئا فشيئا
ما ان تسير على الالسن ويكثر الحديث عنها، حتى تقل
غرابتهاوالاستنكار عليها لتصبح اسئلة مشروعة تحتاج الى
معالجة، او انها ان كانت صحيحة فسوف تؤثر في تغيير الواقع
القائمالذي ترتبط به. لذا نؤكد ان جدة الطرح او السؤال لا
ينبغي الا النظر اليها بوصفها عاملا سلبيابل بوصفها عاملا
ايجابيا يفتحبابا من التنمية للفكرة السائدة السابقة اكثر مما
يمكن ان يكون لصالح الجديد، لقد جرت عادة مجتمعاتنا
العلمية على بذلجهد زائد في ترتيب القضايا الاكثر جدلا عن
تلك المغفول عنها.
من الاسئلة المثارة، لدى المجتمع الملتزم، السؤال عن
التقليد، والسؤال هذا يرتبط بحياة هذا الانسان بشكل جذري،
لانالانسان الملتزم المقلد لفقيه ما لا بد من ان يضبط ايقاع
كل عمل يقوم به وفاقالفتوى الفقيه الذي يقلده، اذا الفقيه هو
سلطةدينية على الانسان الملتزم تجعله مقيدا بالفتوى لياءمن
من العقاب الالهي، وهذه السلطة لدى الانسان الملتزم هي
وسط بينالاختيار والاجبار، فالمسلم الملتزم اقدم على الالتزام
الديني باختياره، ولكن عليه نتيجة هذا الاختيار ان يكون مقيدا
فيافعاله بفتوى الفقيه الذي يقلده لان هذا ما يفرضه عليه
التزامه الديني. ان نتيجة هذه الحالة كانت ان بدات الاسئلة
تتحركداخل هذا المسلم الملتزم الذي يملك ثقافة ووعيا،
وهذه الاسئلة متنوعة ومختلفة، فمن الاسئلة ما اثير عن
شروط التقليد،فهل هو ملزم بتقليد الاعلم ؟ الا يحق له ان يقلد
غير الاعلم؟ هل هو ملزم بتقليد الحي؟ الا يحق له تقليد
الميت؟ هل هوملزم بتقليد شخص واحد في جميع ما يبتلي
به؟ الا يحق له التبعيض في التقليد؟
اما السؤال الاهم فهو عن اساس الالزام بالتقليد، هل امر المكلف
منحصر في ان يكون، نتيجة التزامه الديني، ضمن الاطرالثلاث
التي ذكرها الفقهاء: اما مجتهدا او مقلدا او محتاطا؟ هذا
التخيير، وان كان ثلاثيا في الظاهر، فانه بالنسبة لهذاالشخص
ليس ثلاثيا وليس تخييريا بل ما يتجه الى الانسان المثقف
والعامي على السواء هو انه لا بد من ان يكون مقلدالانه حيث لا
يكون مجتهدا وكان الاحتياط متعسرا فاءمره منحصر بالتقليد.
اذا اصبح المكلف المثقف - ونخص الكلام به لان هذا السؤال انما
يثار عنده لا عند غيره - ملزمابالتقليد؟ ولكن ما الضيرفي ذلك؟
ان المشكلة تكمن في مفهوم الكلمة وواقعها لدى المثقف،
فالتقليد عند المثقف يعني شل حركة فكره وتعطليها،لان
التقليد يعني الالتزام من دون السؤال عن ذلك ب;ژرسز÷لم؟;ژرسز÷
و;ژرسز÷كيف؟;ژرسز÷ وو.... والتقليد يعني ان حياته بشكل عام، ان لم
نقلبشكل كامل، لا بد من ان تسير طبق ما يفتي به الفقيه،
وهذا هو ما يثيره جدا ويثير هذه الاسئلة في افق ذهنه.
ليس بحثنا هنا عن مشروعية هذا السؤال او صحته او عن
الجواب الصحيح عنه، لان احدا ما قد يقول: وما الضير في
ذلك،ان الانسان جرت عادته على ان يرجع الى اهل الخبرة في
كل ما لا يحيط به ولا يعرفه، ويقلدهم في ما يقولونه
كالاطباءوالمهندسين وغيرهم، والفقهاء هم من اهل الخبرة في
التكليف الموجه للانسان، ولهذا يرجع اليهم.
ولكن الجواب بهذه البساطة لا يكفي لحل المشكلة، لان ارتباط
المكلف بالفقيه من جهة يختلف عن ارتباطه باءي خبيرآخر
يرجع اليه، ومن جهة اخرى فان مجال الفقيه يشمل ما لا
يشمله اي شخص آخر، لانه يرتبط بجميع مفرادت حياتهحتى
اخص خصوصياته.
من هنا انطلقت فكرة اخرى تحاول ان تخرج صاحب هذه
الازمة منها، تفتح الباب امامه للجمع بين التزامه الديني
وبينرغبته وميله الى الفرار من المشكلة التي يعيشها
والمرتبطة بالمفهوم السلبي لفكرة التقليد في ذهنه. والفكرة
هي عبارة عنعملية الجمع بين ضرورة الرجوع الى اهل الخبرة
في مجال خبرتهم وبين حرية الانتخاب من بينهم في ما يراه،
وهذهالفكرة تسمى ;ژرسز÷النظر;ژرسز÷، وهي ما سنعالجه في مقالتنا هذه
معتمدين في تصوير الفكرة اولا على مصدرها الاساسي الا
وهوكتاب ;ژرسز÷الاجتهاد والتقليد والاتباع والنظر;ژرسز÷ لمؤلفه يحيى
محمد، ثم مستعرضين ما يمكن ان يرد من نقد عليها.
طريقة النظر
النظر هو من المصطلحات الكلامية، وعن القاضي عبد الجبار
الهمداني ان النظر هو عبارة عن التفكير في الادلة
علىاختلافها. وفي بعض التعاريف الاخرى: انه ;ژرسز÷الفكر;ژرسز÷ او
;ژرسز÷الفكر
الذي يطلب من قام به الفكر علما او غلبة الظن;ژرسز÷ او
;ژرسز÷الفكروالبحث عن الدلائل العقلية;ژرسز÷((65)).
هذا المصطلح المستخدم كلاميا تمت الاستفادة منه في هذا
البحث، فكانت طريقة النظر في الاحكام والفروع عبارة عننظر
المكلف في ادلة المجتهدين، ومن ثم ترجيح بعضها على
بعضها الاخر، او الاقتناع به او عدمه حسبما يمليه عليهالوجدان
والاطمئنان((66)).
فطريقة النظر، اذا، ليست عملية استنباط بل هي عملية ترجيح
بين الادلة، ومن هنا يفرق بين النظر وبين التقليد باءن
التقليدهو اتباع ما يفضي اليه قول المجتهد، من دون فحص
دليله، واما النظر فلا بد فيه من فحص الدليل.
اننا قبل استعراض الادلة على هذه الفكرة، لا بد من الانتصار لها
عبر تسجيل عدم غرابتها ولو بنحو جزئي× وذلك اولا
باءنالملاحظ هو ان المجتهدين انفسهم يمارسون احيانا طريقة
الترجيح بين الاراء الفقهية، ما يعني انهم يزاولون عملية النظر
مندون تمييز لها عن طريقة الاجتهاد. فالفقيه يعرض الاراء
المتعلقة في المسالة فاما ان يبدي قناعته الكلية ببعض هذه
الاراء،او انه يرجح بعضها على بعضها الاخر او يكون له راي جديد
فيها، وهو حينما يرجح بعض الاراء على بعضها الاخر
بلحاظالادلة المقدمة، انما يزاول طريقة النظر متضمنة مفهوم
الاجتهاد((67)).
وثانيا باءن طريقة التقليد تواجه بعض الملاحظات، وهي الاتية:
ان التقسيم، وان كان ثلاثيا - اجتهاد او تقليد او احتياط - فهو
يرتبط بالناحية الوظيفية، ولكن الامر من حيث المرتبة
ليسكذلك لان مشروعية التقليد لا تكون الا بالاجتهاد، ولان
المقلد لا يصح له التقليد ما لم يجتهد بذلك والا تسلسل
الامرودار. وكذلك الاحتياط فانه غير مسوغ الا عبر الاجتهاد.
ان الاقسام الثلاثة ترتفع في الموارد التي يحصل فيها لدى
المكلف العلم الوجداني، كما في الضرورات والقطعيات
والمسائلالواضحة وان كانت قليلة جدا.
كما ان من الموارد التي لا مجال للتقليد فيها ما يرتبط
بتشخيص الموضوعات وفهم المعاني العرفية× حيث لا يكون
التقليدفيها الا في ما يحكيه عن الشارع الاسلامي.
الموارد التي يتمكن المكلف من الاستنباط فيها كمساءلة تقليد
الاعلم.
الراي الفقهي القديم المنكر للتقليد، والذي يعمد الى الزام
المكلفين جميعا بتحصيل العلم بالاحكام الشرعية. وهذا الراي
وانتمت مناقشته بعدم امكان ذلك لعامة المكلفين، فان هذه
المناقشة لا ترد على طريقة النظر، حيث يكتفي بها بتعلم
معالمالدين بصورة مجملة، وتكون له القدرة على تفهم بعض
الاراء الفقهية ليتمكن من الترجيح بينها.
لمن طريقة النظر؟
لا يمكن فتح باب طريقة النظر امام جميع المكلفين، لانها
تتطلب نوعا من الثقافة لا تتطلبه عملية التقليد، فالفئة
المخولة اوالتي تملك اهلية ان تسير على طريقة النظر، هي
الطبقة الوسطى بين المجتهدين وبين العوام المحرومين من
الوعي الثقافيالاسلامي، اي انها طبقة المثقفين التي اخذت
تضع ثقلها الكبير في التاءثير على الحياة العامة، وهذه الطبقة،
وان كانت ليستبمستوى التخصص والاجتهاد، فانها ليست
بمستوى العامية الصرفة والتقليد، وذلك لما تمتاز به من
استعداد وقابلية عقليةللتمييز بين ما يقبل وما لا يقبل من
الاراء والفتاوى.
نعم، لا يمكن وضع تعريف منطقي او دقيق لهذه الطبقة،
ولكنها موجودة في جميع المجتمعات وان برتب متفاوتة.
ادلة طريقة النظر
ان اطلاق عنان المكلف في التقليد وعدم الزامه بالرجوع الى
شخص واحد، قد يتم فقهيا عبر رفع اليد عن شرطية
الاعلميةفي التقليد. كذلك يرفع اليد عن شرطية الحياة في
المكلف، وكذلك برفع اليد عن عدم جواز التبعيض في التقليد،
ولكن فيالبحث عن طريقة النظر هذه لا بد من ان نحافظ على
اعتبار هذه الشروط لاننا نعد طريق النظر عدلا للطرق
الثلاث:الاجتهاد والتقليد والاحتياط.
1 - الدليل الشرعي
قوله تعالى: [الذين يستمعون القول فيتبعون احسنهاولئك
الذين هداهم اللّه واولئك هم اولو الالباب) ]الزمر:18)،
فعمومالاية، او اطلاقها، يثبت ان على الناظر ان يتعامل مع
الاراء الفقهية بوصفها اقوالا مختلفة، وعليه ان يعول على ما
يراهاحسنها. فيكون النظر من تطبيقات الاية الشريفة.
وقد تحدث المفسرون عن الاية، ومما ذكره العلامة
الطباطبائي عنها قوله: ;ژرسز÷فتوصيفهم باتباع احسن القول معناه
انهممطبوعون على طلب الحق وارادة الرشد واصابة الواقع،
فكلما دار الامر بين الحق والباطل والرشد والغي اتبعوا
الحقوالرشد وتركوا الباطل والغي، وكلما دار الامر بين الحق
والاحق والرشد وما هو اكثر رشدا اخذوا بالاحق الارشد.
فالحقوالرشد هو مطلوبهم ولذلك يستمعون القول ولا يردون
قولا بمجرد ما قرع سمعهم اتباعا لهوى انفسهم من غير ان
يتدبروافيه ويفقهوه;ژرسز÷((68)).
والنتيجة هي ان الاية اما انها تحبب اتباع احسن الاقوال او انها
توجب ذلك، وظاهر الاية ليس بعيدا عن
الاحتمالالاخير((69)).
2 - دليل العقل او الاقربية
ان الدليل الذي يرجحه الناظر يعد اقرب الى الحكم الالهي في
وجدانه، وهذا من تطبيقات الظن الذي يقوم مقام العلم
عندتعذر الوصول الى العلم، وقد ذكر المحقق القمي انه طبقا
لدليل الانسداد، فان العبرة بقوة الظن. كما ان ترجيح الاعلم
علىغيره انما هو باعتبار ان ملاك الحكم هو الرجحان والاقربية
لا الاعلمية من حيث ذاتها، وعليه فالناظر انما يرجع في
العملالى ما يراه ارجح لانه يراه اقرب الى الواقع لا سيما مع
كون ظنون الناظر منضبطة ضمن ضوابط الفحص والتمييز
العقلائي.نعم هذه الاقربية لا تثبت وجوب اتباع الناظر لما يراه
الاقرب، وان كانت الاقربية مطلوبة في حد ذاتها من
بابالاولوية.
3 - الدليل المنطقي
يعتمد هذا الدليل على قاعدة منطقية هي عدم صحة العدول
عن اتباع الدليل الراجح باتباع الدليل المرجوح، مستشهدا
لذلكباستدلال بالفقهاء من ضمن ما استدلوا به على وجوب
تقليد الاعلم، من جهة انه حيث يجب العمل بالدليل الراجح
يجبتقليد الافضل، فحجية الدليل تقوم اساسا على الترجيح،
وهذه القاعدة تنسحب الى الحكم بعدم جواز رجوع المكلف
الىمن ينظر اليه باءنه مخطئ مشتبه في حكمه، او ان حكمه لا
يفيد الاطمئنان بشي وان هذا الامر يشهد له العديد من
المواردالتطبيقية عند الفقهاء، وهذه الموارد هي:
ا - عدم جواز رجوع المجتهد الى المجتهد الاخر اذا كان الاول
يرى انسداد باب العلم والظن المعتبر في حقه الى
المجتهدالقائل بانفتاح باب العلم، لانه يرى خطاءه في ذلك،
فان الانسدادي مثلا لا يرى حجية خبر الواحد، فكيف يرجع الى
القائلبحجيته وهو يرى خطاءه؟
ب - عدم جواز تقليد المجتهد المتجزئ للمجتهد المطلق، لانه
يرى خطاءه واشتباهه والحجة قامت عنده والتقليد مختصبمن
لم تقم الحجة عنده، وهذا ينطبق على صاحب النظر.
ج - ما ذكره الاخند من ان العامي اذا استقل رايه في بعض
الموارد فكان خبيرا بالادلة، فليس له التقليد بل له
مخالفةالاعلم.
د - ما ذكره الاصفهاني، صاحب الفصول، من ان العامي لو علم
بطلان ما افتى به المفتي، فان له ان لا يقلده في ذلكومراجعة
غيره. او فتوى بعض المعاصرين باءن العامي لا يجوز له التقليد
بكل ما لا يرى، اطمئنانا في حكم المجتهد .
4 - البناء العقلائي
ما نشاهده، في جميع الحرف والمهن، حيث ان من يرجع الى
اصحاب الاختصاص اذا كانت لديهم الخبرة والتمييز، فانهم
لايرجعون الى قول الاكثر علما اذا ظنوا انه على خطاء وغير
صواب ويشهد لذلك ما ذكروه في حكم رجوع صاحب
الملكةالى من يحتمل انكشاف الخطاء عنده اذا راجع الادلة.
ولذا نقول في حق صاحب النظر: انه كيف يسوغ دعوى ان
العقلاء يلزمون صاحب النظر بالرجوع الى من يراه مخطئا
بعدالفحص، بل الامر به اشد صعوبة لانه ليس كصاحب الملكة
ليس عنده سوى احتمال ذلك.
مراتب النظر
ان صعوبة وضع تعريف وتحديد منطقيين للمثقف تفرض
صعوبة على عملية وضع حد تفصيلي لمراتب النظر، او حتى
بينبعض هذه المراتب وبين الاجتهاد والتقليد لتداخل الحدود
الوسطى، ولكن تقسيما عاما فرض، وهو تقسيم الناظر
منهجياالى مرتبتين: 1 - المرتبة التفصيلية ويمتاز فيها صاحب النظر بالدقة والوضوح في استبعاده لبعض الافكار والقبول باءخرى، والمثال الذي يقدمه لهؤلاء همطلاب مرحلة الخارج الذين يتمكنون من التمييز في التفاصيل التي تردهم، مع ان الفقهاء يحكمون عليهم بلزوم التقليد 2 - المرتبة الاجمالية |
|---|