الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

ان يطمئن صاحب النظر الى ما يرده من اجمال الادلة لبعضها دون بعض، مستعينا لذلك بما له من قدرة فطرية يميز فيها مايراه عقله اقرب للصواب، كيف وقد اكتفى العلماء في علم الكلام بالعلم الاجمالي بالادلة العقدية، نعم على الناظر، في هذه‏المرتبة الاجمالية، ان يكون على بينة واطلاع على ما يخص معالم الدين الاساسية واصول الفقه، من دون الحاجة للدخول‏في التفاصيل التي يمارسها الفقهاء، لان الكثير من المبادئ المقررة يمكن ممارستها بشكل تلقائي حتى مع عدم الدقة في‏معرفتها على التفصيل، وما لم يكن واضحا لديه فان من الواجب عليه ممارسة النظر وترجيح ما يراه اقرب الى الشريعة‏ومقاصدها.

فائدة طريقة النظر لقد تم الحديث عن فائدة مهمة تترتب على طريقة النظر، على مستوى الامة، ويرتبط ذلك بالموارد التي تدعو الضرورة الى‏تشكيل لجان خاصة لصياغة القرارات الدستورية والقانونية× وذلك طبقا للنظر في ادلة اجتهاد الفقهاء والعمل على ترجيح‏بعضها على بعضها الاخر.

هذا عرض موجز لهذا الطرح الذي يعمل للتاءسيس، لفتح الباب امام حرية من نوع ما في انتخاب الحكم الشرعي الذي‏يميل اليه المكلف بنحو يكون على درجة من الاطمئنان للحكم، ما لا يوفره التقليد الذي يعني الالتزام بالعمل من دون‏اطلاع على تفصيل القول في الحكم او المدرك فيه، او في الخروج من الشعور بنحو من السلطة للفقيه على حياة الشخص‏الناظر.

على ان طريقة نقاشنا هذه قد تكون ذات لغة علمية خاصة هي لغة الفقه، وهذا ما يفرضه البحث، لا سيما وان الكاتب انماسار في عرضه لادلته، على طريقة النظر هذه، على الطريقة الفقهية، فاستخدم اسلوب الاستدلال الفقهي بالاعتماد على‏القرآن او العقل او سيرة العقلاء مقربا الدليل في الجميع بما لم يخرج فيه عن السائد الفقهي.

نقد النظرية ان هذه النظرية، مع تقديرنا لجدتها والجهد المبذول في التاءسيس لها، هي، كاءي طرح جديد، لا بد من ان تقع في دائرة النقدوالتمحيص، ولا يعني اي نقد الحكم على النظرية بالاخفاق او السقوط، بل لعله يصقلها لتصبح اكثر متانة وتتسع دائرة‏القبول لها او ان تكون حجة الرافض لها واضحة للاخر.

اننا سوف نسجل ملاحظاتنا على هذه النظرية ضمن اطارين:

الاول يتعلق بالملاحظات العامة الواردة على هذه النظرية،والثاني يتعلق ببعض الملاحظات الخاصة على الادلة الواردة في هذه النظرية، او على بعض مواطن الاستشهاد المذكورة‏فيها.

الاطار الاول: الملاحظات العامة الملاحظة الاولى: ونسجلها من خلال ملاحظة الاساس الذي ذكره الفقهاء لتقسيمهم الثلاثي المشهور، وهو: المكلف اما ان‏يكون مجتهدا او مقلدا او محتاطا. ان الاساس في ذلك هو ان كل مكلف يعلم علما اجماليا بثبوت احكام الزامية في‏الشريعة المقدسة من وجوب وحرمة، وبهذا العلم الاجمالي تتنجز التكاليف بحقه، والعقل يلزم المكلف باءداء هذه التكاليف،والطريق لاداء هذه التكاليف هو الخروج عن عهدتها باحدى الطرق الثلاث: اما الاجتهاد او التقليد او الاحتياط، والاجتهادمتعذر على العامي والاحتياط متعسر، فيبقى التقليد هو الطريق الذي لا بد للعامي من ان يسلكه.

وقد اشار الفقهاء الى ان اعتماد المكلف لطريق التقليد ينبغي الا يكون عبر التقليد بل لا بد من ان يكون ذلك عبر الاجتهاد،ودفعا لتوهم ان مثل هذا الامر متعسر على العامي، يتحدث الفقهاء عن السيرة العقلائية وبناء العقلاء بوصفهما امرين‏واضحين يعتمد عليهما العامي في التقليد، لان الثابت من بناء العقلاء رجوعهم في كل حرفة وصنعة، بل في كل امر راجع‏الى المعاش والمعاد الى اهل الخبرة، وانه من باب رجوع الجاهل الى العالم، لانه من اهل الخبرة والاطلاع ولا ردع عن هذه‏السيرة، وهي وان لم يلتفت اليها المكلف مفصلا ولكنها موجودة عنده ارتكازا بحيث يلتفت اليها باءدنى اشارة.

هذا ما ذكره الفقهاء في بيان تقسيمهم الثلاثي، ونحن امام طريقة النظر هذه نجد محاولة جديدة تعتمد على ابداع طريق رابع‏لا يشمل جميع المكلفين، ويرى في هذا الطريق سيرا نحو الخروج عن مسؤولية المكلف امام التكاليف الالهية، ونحن هنانساءل عن هذا الطريق الجديد المسمى طريق النظر: هل يسلكه المكلف عبر الاجتهاد الشخصي من قبله، اي ان عليه ان‏يلاحظ ادلة طريقة النظر ويقتنع بها، بوصفها حجة يقطع من خلال سلوكها بخروجه عن عهدة التكاليف ومسؤولية الطاعة اوان طريق ذلك التقليد، والتقليد لا بد من ان يكون للمجتهد الحي الاعلم، والاحتفاظ بشرط‏ي الحياة والاعلمية في البحث‏فرض مسلم، لاننا انما بحثنا طريقة النظر مع حفظهما شرطين في المجتهد الذي لا بد من تقليده. وحيث اننا لا نملك فتوى‏من مجتهد حي اعلم لا في زماننا، ولم يسبق ان حصل وان افتى فقيه بطريقة النظر هذه، فاذا ينحصر طريق ذلك باءن يقوم‏كل مثقف مسلم بالبحث والتمحيص حول طريقة النظر هذه الى ان يصل الى حد الاجتهاد فيها وتكون هي المدرك له‏لاعتماده على طريقة النظر وتركه لطريقة التقليد. كما ان على هذا الناظر ان يلحظ الادلة التي ذكروها لاثبات وجوب تقليدالاعلم، ويطمئن لبطلانها، والا فاذا كان يحتمل وجود دليل على لزوم تقليد الاعلم فليس له اتباع طريقة النظر وترك طريق‏التقليد.

وينبغي الا يتصور ان بالامكان سوق ما ذكروه في مساءلة التقليد من وجود ارتكاز عند كل مكلف على التقليد ورجوع‏الجاهل الى العالم، لان الامر في طريقة النظر ليس كذلك، فليست مساءلة النظر هي من البناءات العقلائية الارتكازية التي‏تملك وضوحا داخليا لمن لم يلتفت اليها ووضوحا عامالمن التفت اليها. بل لا بد من التفات من نحو خاص لا يتاءتى الابتتبع المساءلة للوصول الى درجة من العلم بها او الاطمئنان اليها. وهذه الملاحظة قد تعود في الحقيقة الى ملاحظة ما تملكه‏هذه النظرية من قيمة واقعية لا علمية، ولكنها ملاحظة تضعف الاعتماد على مثل هذا الطرح.

الملاحظة الثانية: تعتمد طريقة النظر على وظيفة ملقاة على عاتق الناظر، وهي ان يلاحظ الاراء وينتخب منها ما يراه هوالاقرب بنظره والارجح، ولكن ثمة سؤال مهم هنا وهو: ما هي الاقربية؟ وما هو المعيار الذي يستند اليه الناظر في الترجيح‏بين الاراء؟ اي ما هي المرجعية المعرفية التي لا بد للناظر من ان يكون لديه على اساسها موقف من الفتاوى على الصعيدالمعرفي؟ اننا امام احتمالات، وقد تم استخدام العديد من العبارات العابرة التي تصب في هذه النقطة، اي في ما يرجع اليه‏الناظر من آراء فقهية، فقيل: انه احسن الاقوال، انه الاقرب الى الحق، وما يقبل وما لا يقبل من الاراء والفتاوى، الاقرب الى‏واقع الحكم الالهي، الاقرب الى الصواب، ما يراه راجحا ، الاطمئنان لصحة القول، الترجيح بين الادلة، ما يراه اقرب الى‏الشريعة ومقاصدها((70)). ان هذا الاختلاف في التعبير، وان امكن ارجاع بعضه الى بعضه الاخر واعتبار العبارات شتى‏والمقصود واحد والمعاني متداخلة، ولكن لا يمكن القول باءنها جميعها كذلك، ونحن حينئذ لا بد من ان نقول:

ان‏الاحتمالات في ذلك متعددة والمرجعيات التي يعتمد عليها الناظر مختلفة ولا داعي لحصرها في واحد، بل احد هذه‏الامور هو ما يكون موجبا لالتزام الناظر بالراي الفقهي الكذائي. ولكن العديد من هذه الاراء لا تزال تتصف بالغموض، فماهو المراد من احسن الاقوال؟ وما المراد من الاقرب الى الصواب؟ وما هو معيار الخطاء والصواب؟ وما المراد مما يراه‏راجحا؟ وما هو معيار الرجحان؟ و نعود الى ملاحظة الاحتمالات التي يمكن ان تشكل معيارا لرفض هذه الاراء او القبول بها:

الاول: انه عبارة عن الاقرب الى واقع الحكم الشرعي، ولعله هو المراد من قوله الاقرب الى الحكم او الاحسن. اننا ان اردناالتجاوز قليلا عن غموض المراد من واقع الحكم الشرعي، فما هو معنى هذه المفردة. ونفترض ان المراد منه ما يصطلح‏عليه الفقهاء باءنه الحكم الواقعي. ولكن هذا المعيار لا يمكن ان يكون هو المرجع المعتمد لدى الناظر، لانه كيف يعرف ان‏هذا الراي هو الاقرب الى واقع الحكم الشرعي، الا تتوقف معرفة الاقرب الى شي ما على معرفة ذلك الشي ؟ هل يفترض‏الكاتب الحكم الشرعي معلوما حتى يعرف الناظر الاقرب اليه؟ واذا كان معلوما تفصيلا فلا حاجة الى اتباع الاقرب لانه‏معلوم ، وان كان معلوما اجمالا فهل تكفي الاقربية هذه للخروج عن العلم الاجمالي بالتكليف الثابت على العهدة؟ الثاني: ان المعيار هو قبول الراي المتبع والاطمئنان الى صحته قياسا بالراي الاخر الذي لا يتصف بالقبول، وهذا المعيار لايمكن ان يكون هو الملاك لطريقة النظر، لان العلم بخطاء راي المجتهد وكون رايه غير قابل للقبول لاجل خطئه متفق عليه،وقد ذكر الفقهاء ان المقلد اذا علم خطاء المجتهد لا يجوز له تقليده، لان التقليد لتحصيل الحجة على الحكم الشرعي، واذاعلم المكلف خطاء المجتهد فكيف له ان يقلده في هذا الراي ؟ الثالث: ان المعيار هو ملاحظة الاقرب الى مقاصد الشريعة.

وفكرة المقاصد هي من المسائل الشائكة عند الفقهاء، وهي لاتزال غريبة على الفقه سواء السني ام الشيعي، وان صدرت الدعوة من قبل جماعة من الفقهاء للاعتماد عليها في الفتوى‏وعند استنباط الحكم الشرعي، ونحن، وان كنا نرى لفكرة المقاصد اهميتها القصوى في عملية الاستنباط وانها سوف‏تشكل بملاحظتها فقها اشد ارتباطا بتعاليم الاسلام ورسالته، فاننا نرى ان هذه المهمة تقع على عاتق الفقهاء والمجتهدين×وذلك عند قراءتهم للنص الديني ومراجعتهم للاجماعات والادلة، واين منها صاحب النظر؟ اضافة الى انها لا تزال غيرمنقحة حتى عند الفقهاء والمجتهدين فكيف بغير المجتهد وان كان صاحب نظر، بل يكفي لهذا الناظر ان يلحظ امرا واحدا،وهو ان الشريعة بنيت على جمع المفترقات وتفريق المجتمعات كما اشتهر، فاءي اقربية هذه التي تحصل من ملاحظة‏مقاصد الشريعة.

الرابع: ان المعيار ملاحظة قربها للعقل وتقبل العقل لها، اي ان الناظر يستعين بما له من قدرة فطرية يميز فيها ما يراه عقله انه‏اقرب للصواب من بين ما يرد اليه من اجمال في الادلة((71)).

لعل اكثر ما اخذ حيزا عند الفقهاء في البحث هو كون العقل دليلا، ما يطرح سؤالا واحدا هو: الى اي مدى يمكن للعقل ان‏يكون دليلا، فالخلاف الاصولي الاخباري يمتد في احدى تشعباته الى دائرة العقل، هذا لا سيما مع استشهاد الاخباريين‏بعدد من الروايات التي تنهى عن استخدام العقل، ولعل اشهرها ان دين اللّه لا يصاب بالعقول، على ان العقل الذي يريد ان‏يشكل مرجعية هنا لتفضيل بعض الاراء الفقهية على بعضها الاخر عند صاحب النظر لا نعرف ما المراد منه تحديدا، ولنا هنااحتمالات في ذلك:

احدها: ان يكون العقل المحض الفطري، اي المدركات الاولية العقلية الموجودة لدى كل انسان، كامتناع اجتماع النقيضين‏ونحوها، وهذا الامر نستبعد ان يكون هو المراد، لاننا نساءل: هل لدينا فعلا مثل هذه الاراء الفقهية التي تتناقض مع‏مدركات العقل الاولية ؟ الثاني: ان يكون العقل بمعنى الوعي، وبمعنى ملاحظة ان اقرب الفتاوى الى الواقع الذي يعيشه الشخص الناظر هي الاقرب‏الى ان تتصف بالوعي، وان الادلة او الفتوى التي يرى انها ترتبط بواقعه اكثر هي المقدمة على غيرها، ولكن هذا غريب‏جدا× اذ متى كان الواقع هو الحاكم على الفتوى ؟ ومتى كانت الفتوى تسير طبق الواقع، نعم اذا كانت الفتوى لا ترتبط‏بالواقع، بمعنى انها ليست واردة لهذا الواقع الذي يعيشه ويحيا فيه، فهو عندئذ غير ملزم باتباعها لعدم ارتباطها به، واما اذاكانت الفتوى ترتبط بواقعه، ولكنها غريبة بعض الشي عن الماءلوف الذي يعيشه، فهذا لا يعني ان ليس لها الترجيح.

الثالث: ان يكون المراد من العقل مجموع ثقافة الشخص الناظر، وما يختزنه ذهنه من فكر، وما يحويه من معطيات جمعهامن خلال تكوينه الفكري ومرجعياته المعرفية، وهذا ما نتصور انه الاقرب الى مراد الكاتب، وهنا نتساءل: اي تكوين‏فكري هذا الذي يملك من الوعي وسعة الاطلاع ما يجعله حاكما على فتوى الفقيه الاعلم فيعتقد باءنها لا تتوافق معه؟ مع‏ان الفقيه الاعلم لم تصدر منه الفتوى الا بعد البحث المضني من ملاحظة الادلة وتتبعها. او هل يكفي ان املك رؤية ثقافية‏عامة وذهنا تحليليا يعتمد على اللاتخصصية باقرار من الكاتب((72)) بل والسطحية في الفتوى امام المجتهد الاعلم لارجح‏راي غيره من المجتهدين عليه؟ ثم ان طبقة المثقفين هذه التي تملك مثل هذا العقل هل تتمكن من علاج جميع جهات المساءلة التي هي محل ابتلائها؟ اوهل تكفي ملاحظة جهة من الجهات والنظر من خلالها لكون الفتوى اقرب الى الواقع مع الاغفال عن الجهات الاخرى؟ومثالاعلى ذلك نذكر شرطية طهارة المولد في المقلد، فان المثقف اذا لاحظ الادلة التي ساقها الفقهاء لاجل اثبات شرطية‏هذا الشرط قد لا يقتنع بها وعند ملاحظته لادلة بعض آخر قد يرى انها اقرب للواقع، ولكن هل يتمكن هذا المثقف من حل‏ما يتمسك به الفقهاء المثبتون لمثل هذا الشرط من الامر الثابت عن الفقهاء عامة من شرطية طهارة المولد في امامة الجماعة‏او في الشهادة. ولا اريد هنا ان اطالبه بحل لذلك، ولكن الا ينبغي عليه ملاحظة ذلك عندما يريد ترجيح قول النافي على‏قول المثبت.

الملاحظة الثالثة: لقد قسم الفقهاء الاحكام الى دائرتين: دائرة العبادات ودائرة المعاملات، ولعل المائز الاساسي بين‏الدائرتين هو خضوع المعاملات لدائرة الامضاء، اي ان الشارع امضى فيها ما لدى العقلاء، واقتصر عمله التقنيني على‏التدخل في بعض التفاصيل لاظهار الموقف الشرعي منها، واما دائرة العبادات فهي خاضعة لدائرة التاءسيس، اي ان الشارع‏قام بتشريع مجموعة من الوظائف العبادية للمكلف، وهذه العباديات تمتاز باءنها تحمل عنصر التعبد اي التسليم امام ما ورد،من دون ان يكون للتساؤل عنها اى مجال مفتوح.

ونحن لا نريد ان نسحب التعبد هذا الى دائرة الاستنباط لدى الفقيه، لان الناظر اذا كان في العبادات يريد ملاحظة اقرب‏الادلة التي يسوقها الفقيه لاثبات فعل عبادي او جزئه او شرطه، فالمجال مفتوح ولكن السؤال عن اي اقربية نستطيع ان‏نتحدث في دائرة العبادات؟ فاذا كانت العبادات لا تخضع للعقل مهما كان المراد منه من الاحتمالات المتقدمة، فاءي مائزواي معيار يكون هو الضابط الذي يرجع اليه الناظر ليلحظ القرب والبعد في الفتوى والدليل لياءخذ بالقريب او الاقرب ويدع‏البعيد او الابعد؟ الملاحظة الرابعة: يخضع الاستنباط الفقهي لمجموعة من المباني التي يؤسسها الفقيه مسبقا ، وهذه المباني منها ما يرجع الى‏علم الاصول، ومنها ما يرجع الى علم الرجال، ومنها ما يرجع الى ملاحظات خاصة في النصوص التشريعية لدى الفقيه .نعم دائرة تاءثير هذه المباني قد لا تكون عامة شاملة لمختلف جزئيات المسائل الفقهية، ولكنها تؤثر في دائرة مهمة لايمكن اغفالها او التغاضي عنها، ومن هنا ينشاء السؤال: انى لهذا الناظر والحال انه يمتاز باللاتخصصية، تشخيص الاقرب في‏دائرة الفتاوى التي يرجع الاختلاف فيها الى اختلاف المباني؟ فلنفترض ان فقيها كالسيد الخوئي مثلا الذي اشتهر مبناه‏الرجالي بتوثيق رجالات تفسير القمي بنى على هذا الراي، واصدر فتواه في مساءلة ما. ولنفترض ان هذا الحكم كان فيه‏نوع من البعد عن عقل هذا الناظر وثقافته لورود نص ما ورد في سلسلة رواته احد رجالات القمي، ولكن فقيها آخر لايبني على مثل هذا المبنى، فلم تتم لديه الرواية سندا، ولم يفت طبقاتها وعلى هذا الاساس كانت فتواه اقرب الى عقل هذاالناظر وثقافته، فهل لهذا الناظر ان يعدفتوى الفقيه الاخر اقرب، وهو لا يدرك المبنى الذي اعتمد عليه مثل السيد الخوئي، اوان على الناظر ان ينق ح المباني العامة قبل دخوله في النظر والترجيح.

الملاحظة الخامسة: ان من اهم ما يرد به على الاعتماد على طريقة النظر هذه هو ملاحظة الروايات الواردة في باب‏التعارض من علم الاصول، وتعميقا منا لهذه الملاحظة سوف نوردها بشي من التفصيل عبر مقدمات هي:

الاولى: لقد افرد الاصوليون بابا مستقلا للبحث في حل مشكلة تعارض الروايات، وخصوصية هذه الروايات انها تحكي‏عن التعارض الذي كان يحدث لدى اصحاب الائمة، والائمة احياء موجودون والاصحاب متمكنون من الوصول اليهم، واذاراجعنا هذه الروايات نجد ان المعيار الذي يذكره الامام لحل مشكلة التعارض يرجع الى ضوابط عامة ذكرها الامام (ع)،ووردت في العديد من الروايات واشهرها روايتان هما:

1 - رواية عمر بن حنظلة: وهذه الرواية وردت بداية في شاءن اختلاف الحكمين، ثم وردت في حكم تعارض الدليلين لدى‏الحاكمين، ونص الرواية هو الاتي: ;ژرس‏ز÷عن عمر بن حنظلة قال: ساءلت ابا عبد اللّه (ع) عن رجلين من اصحابنا بينهما منازعة‏في دين او ميراث، فتحاكما الى السلطان والى القضاة ايحل ذلك؟ قال: من تحاكم اليهم في حق او باطل فانما تحاكم الى‏الطاغوت، وما يحكم له فانما ياءخذ سحتا، وان كان حقا ثابتا له، لانه اخذه بحكم الطاغوت، وقد امر اللّه ان يكفر به، قال‏اللّه تعالى: [يريدون ان يتحاكموا الى الطاغوت وقد امروا ان يكفروا به]. قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران [الى]من كان‏منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا فليرضوا به حكما، فاني قد جعلته عليكم حاكما، فاذاحكم بحكمنا فلم يقبله منه فانما استخف بحكم اللّه وعلينا رد، والراد علينا الراد على اللّه وهو على حد الشرك باللّه.

قلت:فان كان كل رجل اختار رجلا من اصحابنا فرضيا ان يكونا الناظرين في حقهما، واختلفا في ما حكما وكلاهما اختلفا في‏حديثكم؟ قال: الحكم ما حكم به اعدلهما وافقههما واصدقهما في الحديث واورعهما ولا يلتفت الى ما يحكم به الاخر،قال: قلت: فانهما عدلان مرضيان عند اصحابنا لا يفضل واحد منهما على الاخر ؟ قال: فقال: ينظر الى ما كان من روايتهم‏عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه من اصحابك، فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند اصحابك،فان المجمع عليه لا ريب فيه، وانما الامور ثلاثة: امر بين رشده فيتبع، وامر بين غيه فيجتنب، وامر مشكل يرد علمه الى‏اللّه والى رسوله، قال رسول اللّه غ: حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن‏اخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم. قلت: فان كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات‏عنكم؟ قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب‏والسنة ووافق العامة، قلت: جعلت فداك، ارايت ان كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة ووجدنا احد الخبرين‏موافقا للعامة والاخر مخالفا لهم باءي الخبرين يؤخذ؟ قال: ما خالف العامة ففيه الرشاد. فقلت: جعلت فداك فان وافقهماالخبران جميعا . قال: ينظر الى ما هم اليه اميل، حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالاخر. قلت: فان وافق حكامهم الخبرين‏جميعا؟ قال: اذا كان ذلك فارجه حتى تلقى امامك فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات;ژرس‏ز÷((73)).

وانما ذكرت الرواية كاملة لاجل ان يكون واضحالدى القارئ مدى ما وصل اليه السائل من فرض مساءلة التعارض ووقوع‏المكلف بين امرين، وان الامام حتى آخر الافتراضات لم يرجعه الى الاخذ بما يراه هو اقرب واصوب.

2 - مرفوعة زرارة بن اعين. ;ژرس‏ز÷قال: ساءلت الباقر (ع) فقلت: جعلت فداك، ياءتي عنكم الخبران او الحديثان المتعارضان‏فباءيهما آخذ ؟ فقال: ;ژرس‏ز÷يا زرارة، خذ بما اشتهر بين اصحابك، ودع الشاذ النادر، فقلت: يا سيدي انهما معا مشهوران مرويان‏ماءثوران عنكم ؟ فقال (ع): خذ بقول اعدلهما عندك واوثقهما في نفسك، فقلت: انهما معا عدلان مرضيان موثقان ؟ فقال:انظر الى ما وافق منهما مذهب العامة فاتركه وخذ بما خالفهم، فان الحق في ما خالفهم، فقلت: ربما كانا معا موافقين لهم اومخالفين فكيف اصنع؟ فقال: اذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك واترك ما خالف الاحتياط، فقلت: انهما معا موافقين للاحتياط‏او مخالفين له فكيف اصنع؟ فقال (ع): اذن فتخير احدهما فتاءخذ به وتدع الاخر;ژرس‏ز÷((74)).

الثانية: ان الضوابط المذكورة في الروايتين هي عبارة عن مرجحات ذكرها الامام، كالترجيح بالشهرة اولا مقابل غيرالمشهور او الترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامة، وهذه المرجحات، وان كانت توجب اقربية المشهور من غيره اوالموافق للكتاب من غيره او الموافق للعامة من غيره، فان هذه الامور جميعها لا ترجع الى راي من حصل عنده هذاالتعارض من الاصحاب او الفقهاء بل ترجع الى امور واقعة في الخارج ومتحققة، اي انها لا ترجع الى مجرد استصواب‏الناظر او ما يصل اليه هو بنفسه. وبهذا يظهر لنا الاشكال على طريقة النظر هذه، فان الامام لم يرجع هذا الشخص اطلاقاالى ملاحظة ما يراه هو اقرب الى الواقع بل جعل له قواعد يرجع اليها للترجيح.

كما ان الملاحظ في الروايتين ترجيحهما الواضح للاحتياط، ففي الاولى ورد الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في‏الهلكات، وفي الثانية ورد خذ بما فيه الحائطة لدينك.

الثالثة: ونحن نعلم ان الفتوى اليوم هي بمكانة الرواية عن اصحاب الائمة، فقد كان الاصحاب يتلقون احكامهم عن طريق‏نقل الرواية وبقي الامر كذلك الى كتب فقهائنا الاوائل، ثم بدات الرواية تتحول الى الفتوى، وبهذا نعرف ان المعيار الذي‏ينبغي ان يرجع اليه المكلف، وان كان من ذوي النظر، لا يمكن ان يكون هو ما يراه هو اقرب للصواب بل يرجع الى ترجيح‏ما يذكر في الفقه كترجيح احوط الاقوال او قول الاعلم.

والنتيجة هي ان الاقربية للواقع لم يتحدث عنها الامام اطلاقا بعضها ملاكا للترجيح للمكلف اعماله، بل ان الامر عندماوصل الى مكان مسدود في الترجيح امر الامام السائل بالاعتماد على الاحتياط. وطريق الاقربية هذا لو كان محلاللاعتبارلامر به الامام اصحابه. وقد استدل بعض فقهائنا على اعتبار الاعلمية باعتبار ان فتوى الاعلم هي الاقرب الى الواقع‏واجاب عن ذلك بعض فقهائنا باءنه لا دليل لدينا اطلاقا على كون الاقربية من المرجحات× اذ لم يقم دليل على ان الملاك‏في التقليد ووجوبه هو الاقربية للواقع بل ان الاقربية ليست مرجحة في الروايتين المتعارضتين، ومن هنا قد تعارض‏الصحيحة الموثقة ولا في البينتين لوضوح ان احداهما لا تتقدم على الاخرى بمجرد كونها اقرب الى الواقع كما اذا كانت‏اوثق من الاخرى مع ان حجية الطرق والامارات من باب الطريقية الى الواقع فكذلك الحال في الفتويين‏المتعارضتين((75)).

الملاحظة السادسة: لقد تقدم ان الانتصار لهذه النظرية تم عبر تسجيل ان الملاحظ ان المجتهدين انفسهم يمارسون احياناطريقة الترجيح بين الاراء الفقهية، ما يعني انهم يزاولون عملية النظر من دون تمييز لها عن طريقة الاجتهاد، فالفقيه يعرض‏الاراء المتعلقة في المساءلة، فاما ان يبدي قناعته الكلية ببعض هذه الاراء او انه يرجح بعضها على بعضها الاخر، او يكون له‏راي جديد فيها، وهو حينما يرجح بعض هذه الاراء على بعضها الاخر، بلحاظ الادلة المقدمة، انما يزاول طريقة النظرمتضمنة مفهوم الاجتهاد((76)).

اذا، لطريقة النظر نوع من المشروعية او عدم الغرابة، باعتبار ان من الفقهاء من يمارس عملية النظر هذه وان لم يميزها من‏طريقة الاجتهاد، ولنا على هذا الكلام ملاحظة، وهي اننا لا نسلم باءن الفقيه يقوم بعملية النظر في ما ظن انه كذلك، لان‏الفقيه عندما يلاحظ الادلة التي قدمها من سبقه من الفقهاء ويلاحظ النقد الوارد عليها فيتبنى رايا منها او دليلا، لا يقوم‏بمجرد ممارسة النظر والترجيح، لان الفقيه في ملاحظاته هذه يقوم باستخدام ما يملكه من ادوات اجتهادية، ويعمل على‏استخدامها في تمحيص الاراء هذه وتقييمها وانتخاب الصحيح فيها وليس ما يمارسه الفقيه حينئذ هو كالذي يمارسه‏الناظر، وعليه فقياس الامرين وجعلهما سواء فيه نوع من الاتهام لعمل الفقيه هذا، وكاءن الفقيه عند عمله هذا يترك ادوات‏الاجتهاد وآليات الاستنباط جانبا ليقوم بعملية ترجيح مجردة كالتي يقوم بها الناظر. ولو فرضنا ان فقيها قام فعلا بهذا الامرفانه لن يكون صاحب راي في تلك المساءلة ولن يكون ممن اجتهد فيها.

الملاحظة السابعة: مما استشهد به لاثبات طريقة النظر هو ان الكثير من علماء الاتجاهين السني والشيعي قد عدوا صورة‏الاجمال في معرفة الدليل مقبولة بخصوص العقائد وعلم الكلام حتى بالنسبة للعامي فضلا عن المجتهد. فقد راوا ان من‏الواجب على كل عامي ان يعلم ادلة العقائد ولو اجمالا لعدم اختصاصه وتبحره.... فاذا كان هذا الراي سليما، رغم اهمية‏العقائد وكونها تحتاج الى الادلة القاطعة، فكيف لا يصح الامر مع الاحكام وهي من الفروع التي لا ترقى الى مستوى تلك‏العقائد ((77)). فاذا نتمسك بنوع من الاولوية وان الفروع اولى من الاكتفاء بالاجمال فيها من العقائد، ولكن هنا حصلت الغفلة‏عن فارق بين العقائد والفروع، وان هذا الفارق هو الذي اوجب الاكتفاء بالاجمال في العقائد وهو ان المطلوب في العقائدلما كان هو الاعتقاد الذي هو بمعنى عقد القلب وتحصيل ما تركن اليه النفس، كان لا بد من ان يكون ذلك عبر الدليل ولايصح فيه التقليد، وحيث كان الزام المكلفين بملاحظة تفاصيل الادلة امرا غير متيسر له ذهب هؤلاء الاعلام الى الاكتفاءبالاجمال، واما الفروع فالمطلوب فيها هو العمل وباب التقليد فيها ممكن، فلا الزام للمكلف اطلاقا بالنظر الى‏الادلة.

الملاحظة الثامنة: لقد بحث الفقهاء في جواز التبعيض في التقليد، ومن الاشكاليات التي اثاروها هناك ما يرد على سلوك‏طريق النظر هذا واطلاق العنان للمكلف في اختيار ما يراه من الفتاوى اقرب للواقع، والاشكالية المشتركة ترتبط‏بصورتين:

الاولى: لو كان المكلف مقلدا لمجتهدين في عمل واحد، ولنفترض ان الناظر وجد ان فتوى احد المجتهدين بعدم وجوب‏السورة اقرب للواقع، كما وجد ان فتوى المجتهد الاخر بالاكتفاء في التسبيحات في الصلاة بمرة واحدة هو الاقرب للواقع،فجاء المكلف بصلاة فاقدة للسورة وللتثليث في التسبيحات فان صلاته هنا سوف تكون باطلة على فتوى كلا المجتهدين،وذلك لان صحة الاجزاء في المركبات الارتباطية ارتباطية وصحة كل جزء من اجزائها مقيدة بصحة الجزءالاخر((78)).

الثانية: لو كان المكلف مقلدا لمجتهدين في عملين، وكان بين العملين ملازمة واقعية وجودا وعدما، ومثاله لو وجد الناظر ان‏فتوى احد المجتهدين باءن الواجب هو الاتمام في الصلاة اقرب للواقع، فيما وجد ان فتوى المجتهد الاخر بالافطار لان هذاالمكلف مسافر هي الاقرب للواقع فهنا لا يمكن للمكلف ان يقوم باتباع هذا النظر، لانه سوف يؤدي الى التفكيك في‏الملازمة القائمة بين وجوب الاتمام ووجوب الصيام وبين وجوب القصر ولزوم الافطار((79)).

ولو فرض انه امكننا الفرار من المشكلة عبر تقييد طريقة النظر بغير هذين الفرضين لكان ينبغي علينا حينئذ ان نفرض على‏الناظر ان يكون لديه اطلاع على اي عمل ارتباط‏ي او على علمين متلازمين لئلا يقع في المخالفة، وهذا امر ليس يسيراعلى الناظر التمكن منه. لا سيما اذا وقع الاختلاف بين المجتهدين في كون وجود الارتباط داخل العمل الواحد او عدمه‏كما حصل فعلا في الحالة الاولى، ولا نريد الدخول فيه او وقع الاختلاف بينهم في وجود الملازمة بين العلمين وعدمها.

الاطار الثاني: الملاحظات الخاصة ونتتبع هنا الملاحظات الخاصة التي ترد على الادلة التي ذكرت لاثبات طريق النظر.

اما الاول، اي الدليل الشرعي، وهو قوله تعالى: [الذ ين يستمعون القول فيتبعون احسنه‏اولئك‏الذين‏هداه م اللّه واولئك هم‏اولو الالباب](الزمر:18).

وقد تم الاستدلال بهذه الاية اطلاقا او عمومالاثبات ان الناظر يتتبع الاقوال فياءخذ باءحسنها.

وملاحظتنا على هذا الاستدلال باءمور:

1 - ان الاستدلال بها باعتبار ان احسن الاقوال هو اقربها للحق، ونحن لا نشك في ان احسن الاقوال هو ذاك، ولكن‏الاحسن قد يكون ليس هو ما يراه الناظر اقرب للحق بل احوط الاقوال× وذلك اذا ما افترضنا ان الناظر تتبع الاقوال‏فوجد احدها اقرب للحق بحسب ما لدى هذا الناظر من احاطة وعلم وادراك، ولكن قولا من بين هذه الاقوال لم يكن ذاقوة في الاستدلال ومتانة في البرهان، ولكنه كان اقرب الى الاحتياط بنحو يطمئن مع اتباعه بخروج العهدة عن التكليف،فهنا لن يكون ما يراه الناظر هو احسن الاقوال بل احوط الاقوال احسنها، ولذا قيل: الاحتياط حسن على كل حال. وقدقال الراغب الاصفهاني في تفسير الاية: ان احسن الاقوال هو ;ژرس‏ز÷الابعد عن الشبهة;ژرس‏ز÷((80)).

كما ذكر الشوكاني في تفسيره: ان احسن الاقوال هو العمل بالعزيمة دون الرخصة، وبالفريضة، دون النافلة، وفعل الماءمور به‏وترك المنهي عنه((81)).

2 - ان الناظر لا يمكنه ان يجعل النظر الى خصوص القول ودليله، بل القائل بالقول يعط‏ي القول جهة من الحسن تجعله‏احيانا احسن الاقوال، فالقول الصادر من اعلم الفقهاء يملك جهة تجعله راجحا في بعض الاحيان عن القول الصادر من غيرالاعلم، اننا لا نستطيع ان نقطع النظر عن ;ژرس‏ز÷من قال;ژرس‏ز÷ لان ;ژرس‏ز÷من قال;ژرس‏ز÷ في عملية الاستنباط له دوره، لاننا في عملية الاستنباط‏نعتمد على درجة علم القائل في الوثوق والاطمئنان بقوله، وهذا هو مدرك القول بوجوب تقليد الاعلم.

3 - ان الاستدلال بالاية يعتمد على ان وظيفة الناظر طبقا للاية، هي ترجيح اقوى الاراء حجة، وهذا يعني افتراض حجية‏الاراء جميعها وتقديم بعضها على بعضها الاخر لان احسنها اقربها الى الحق× وهذا الامر لا يمكن ان يكون هو المراد من‏الاية، وذلك لما ذكره العلماء في رد من استدل بالاية على العمل بالاستحسان في الفقه، فقد استدل هؤلاء بالاية بحجة ان‏اللّه مدحهم على اتباع احسن الاقوال، واجاب الاصوليون عن ذلك - وهذا الرد يشكل ردا على الاستدلال بها على طريقة‏النظر ايضا - باءن الاية وان مدحت هؤلاء المستمعين على اتباع احسن الاقوال، فانها افترضت ان هناك اقوالا بعضها احسن‏من بعض. وترجيح بعض الاقوال على بعض اذا كانت صادرة من الشارع، انما هو من شؤون الكتاب والسنة، وهو يرجع‏في واقعه الى الترجيح في بابي التعارض والتزاحم، وهذا ليس دليلا مستقلا، بل هو اختيار احد الدليلين، اي انه يعود الى‏تعيين الحجة الفعلية وكون القول الاخر ليس بحجة لا الى الاختيار بين الحجتين .

اما الثاني، اي الاستدلال بدليل العقل او بالاقربية وان الناظر عليه ان يتبع ما يراه راجحا وان خالف قول الاعلم، لانه من‏المنطقي ان يتبع ما يراه راجحا وان خالف قول الاعلم، وليس في هذا الحكم العقلي من تخصيص ولا حجة ناهضة، وهنايمكن ان نلاحظ ما ياءتي:

1 - ان الناظر لا بد له من ان يلاحظ ان جهة صدور القول من الاعلم هي جهة من جهات رجحانه على قول غير الاعلم،كالذي ذكرناه في الدليل السابق وان صدور القول من الاعلم هو من جهة كونه احسن الاقوال، كما انه لا بد له من ملاحظة‏ان كون القول اوفق بالاحتياط هو ارجح بالاتباع من القول المخالف للاحتياط.

2 - لا يخلو الامر، في جهة الرجحان الحاصلة عند الناظر، عند ملاحظته للاقوال من حالين: اما انها تصل الى درجة الحجة‏من العلم او الاطمئنان، وحينئذ فاللازم اتباعها، لا لانها ارجح الاراء بل لان الاطمئنان الى انها هي الاقرب للصواب بحسب‏تعبير الكاتب يعني الاطمئنان الى بطلان الجهة المقابلة لها وخطئها، وهذا يعني عدم جواز اتباع الراي المرجوح اطلاقا.

واما ان لا تصل درجة الرجحان هذه الى درجة الاطمئنان بل تبقى على درجة الظن المطلق، وهنا لا يلزم العقل اتباع هذاالراي الراجح ما دام على درجة الظن فقط ولم يصل الى حد الاطمئنان، لا سيما مع قيام الدليل على لزوم تقليد الاعلم الذي‏افترضه الكاتب امرا مسلما به، ونحن قمنا بتسجيل ملاحظاتنا مع افتراضنا لذلك، والا فمع القول بعدم وجوب تقليد الاعلم‏فللمكلف تقليد من يشاء.

وبهذا، يظهر ان القول: ان هذا الحكم العقلي لا تخصيص فيه ولا حجة ناهضة غير تام، لاننا مع افتراضنا لزوم تقليد الاعلم‏بوصفه مقدمة في البحث فالتخصيص قائم والحجة ناهضة، مع الاغماض عن اصل وجود الزام عقلي باتباع الراجح كمااسلفنا الذكر.

واما الثالث، اي الدليل المنطقي، وهو عدم صحة العدول عن اتباع الدليل الراجح الى اتباع الدليل المرجوح فالملاحظ‏هنا:

اولا: ان خلطا حصل سواء في بيان الدليل هذا ام في الموارد التي استشهد بها والتي تقدم ذكرها مفصلا بين فرضين:

فرض‏وجود حجتين تامتين لا مشكلة فيهما مع كون احداهما اقوى من الاخرى وبين فرض آخر، وهو وجود حجة ولا حجة،اي ان يكون احد الدليلين تاما لا مشكلة فيه ويكون الدليل الاخر باطلا او يعاني من نقص والاستدلال به غير تام.

وفي‏الفرض الثاني لا شك في ان على المكلف، اذا دار امره بين اتباع الدليل الحجة واللاحجة، فان عليه اتباع الحجة وترك‏اللاحجة. ولكن اين هذا مما يريده الكاتب من تقديم الراجح على المرجوح؟ ومن هنا تتضح الملاحظة المسجلة في ما يرجع الى الموارد التي استشهد بها، فان جميع هذه الموارد هي من الفرض الثاني،اي تقديم الحجة على اللاحجة وتفصيل ذلك:

ا - اما عدم رجوع القائل بانسداد باب العلم الى القائل بانفتاح باب العلم، فهو لعلمه بخطاء القائل بالانفتاح ومع العلم بالخطاءانى له الرجوع اليه، لان ذلك يكون من اتباع اللاحجة لا من باب تقديم المرجوح على الراجح.

ب - اما عدم جواز رجوع المجتهد المتجزئ للمجتهد المطلق فلانه يرى خطاءه، وهذا يعني ان قوله ليس بحجة، فكيف‏يتبعه؟ ج - اما مخالفة الاعلم اذا علم المكلف بالادلة، وكان خبيرا بها فلانه قد ثبت لديه خطاء الاعلم فكيف يرجع اليه؟ د - اما ما ذكره في الفصول الغروية من صورة العلم ببطلان فتوى المفتي، فهو من اوضح الموارد في اندراجها تحت الفرض‏الثاني، اي كون الحجة مقابل اللاحجة.

اذا على الكاتب ان يخرج هذا الفرض اساسا من البحث، لانه لا يدخل تحت الدليل المنطقي الذي ذكره من تقديم الراجح‏على المرجوح بل هو من تقديم الدليل على اللادليل.

ثانيا: ان جهة الرجحان لا ترتبط، عند ملاحظة الفتوى، بخصوص قوة الدليل او رجحانه، بل ترتبط بكون الفتوى التي يريدالمكلف العمل بها هي احوط لان الفتوى اذا كانت ابعد عن الشبهة واقرب للخروج عن العهدة فاتباعها يكون ارجح من‏اتباع الفتوى الاخرى وان كان دليلها ارجح.

واما الرابع، اي بناء العقلاء، ففي هذا الدليل العقلائي قياس، والتعبير عن ذلك باءنه مسحة قياسية لا يرفع المحذور او يقلل‏من الاشكال. وملاحظتنا على هذا ان بناء العقلاء ليس امرا ذا مستوى واحد في جميع الامور، فالعقلاء يختلف تعاملهم مع‏الامور وطرق بنائهم باختلاف المسائل التي يواجهونها، فليس تعاملهم مع الاشياء المهمة والمصيرية كتعاملهم مع اليسيرة‏والجزئية، فلعل العقلاء لا يولون اهمية لكون القائل اعلم المختصين، او ليس باءعلمهم في الامور التي لا تشكل امرا خطيراومصيريا في حياتهم، ولكن الحال تختلف في ما يرجع الى الامور الخطيرة، فكون القائل شخصا من اعلم المختصين‏واشدهم خبرة له دوره المهم في ترجيحهم له على قول غيره وان كان ما يقوله غيره اكثر وضوحا او قوة ومتانة.

هذه هي الملاحظات الخاصة بالادلة التي اوردها الكاتب.

ان الطريق الصحيح لاجل فتح باب التقليد لطبقة المثقفين هذه، او غيرهم، تكمن في شرطين اساسيين ينبغي البحث فيهمافقهيا ودراستهما بوسائل الاستنباط لا بغيرها، وهما شرط الاعلمية وشرط عدم جواز التبعيض في التقليد، والا فمع عدم‏الالتزام بهما، فالمشكلة مرتفعة من دون اللجوء الى طريقة النظر هذه كما ان دائرتها تكون اكثر اتساعا.

نظرية المعرفة عند الامام الشافعي قراءة في البناءات الاولية محمد تقي الكرمي(×) ترجمة: عباس الاسدي حياة الشافعي محمد بن ادريس الشافعي مؤسس المذهب الشافعي. ولد سنة 150 ه في عسقلان في فلسطين، وقيل في اليمن في السنة‏التي توفي فيها في العراق ابو حنيفة مؤسس المذهب الحنفي. عربي الاصل، يعود نسبه الى قريش. توفي والده وهو طفل‏صغير، فهاجر مع امه الى مكة، وكان الحجاز آنذاك موطن الكثير من المحدثين والفقهاء والمفسرين.

في مكة سادت طريقة ابن عباس في التفسير، فيما ارسى في المدينة مالك بن انس مدرسته الفقهية، وكان للمحدثين آنذاك‏مكانة خاصة.

بعد اجتيازه لمراحل التعليم الاولى المعروفة، مثل حفظ القرآن وبعض الاحاديث النبوية وتعلم الكتابة، يمم الشافعي وجهه‏صوب البادية لتعلم العربية الفصيحة، لان لغة المدينة فقدت اصالتها بسبب اتساع رقعة الاسلام واختلاط اللغات والثقافات،وظلت البادية وثقافتها ولغتها بمناءى عن هذه الظاهرة، فاحتفظت اللغة بصحتها وفصاحتها واصالتها× لهذا كان علماء اللغة‏يتركون المدن نحو البادية لتصحيح لغتهم وضبطها وتاءسيس ;ژرس‏ز÷علم لغة;ژرس‏ز÷ صحيح ى صار فيه الى ضبط اللغة وتدوينهاواكتساب معالم الثقافة العربية.

اللغة العربية وحياة البادية:

ولا نبالغ اذا قلنا: ان اللغة العربية هي وليدة الحياة البدوية الاعرابية قبل ان تكون ثمرة لثقافة المدينة العربية. ويكفي لاثبات‏ما ذهبنا اليه ان نمر مرور الكرام على الموسوعة اللغوية المعروفة ;ژرس‏ز÷لسان العرب;ژرس‏ز÷ التي كتبت في القرنين السابع والثامن‏الهجري يتبين، حيث سنلاحظ ان معظم مصطلحاتها التي تربو على ثمانين الف مصطلح لا تتجاوز حدود حياة البادية‏البسيطة الساكنة والخشنة، ولا تعكس حالة الترف والنعيم والبذخ لحياة عرب المدينة× فلن تجد فيها مثلاالمصطلحات‏التجارية والصناعية والطبية والهندسية التي كانت متداولة يومذاك، ولا المفاهيم النظرية، مثل المفاهيم الفلسفية والكلامية‏والرياضية التي سادت في تلك البرهة الزمنية. هذا الاسلوب في تدوين كتب اللغة يكشف بوضوح عن ذهن مكرس لضبط‏اللغة وتدوينها وروايتها، وقد وضع المؤلف ثلاثة معايير رئيسية لتمييز الفصيح من غيره هي:

1 - المرحلة الزمنية: اي يجب ان يعود الشعر او النص الذي يستند عليه الى العهد الجاهلي، والى النصف الاول من القرن‏الهجري الثاني كحد اقصى.

2 - ان تكون المفردة المستعملة بدوية بعيدة عن لغة الحضر وثقافته، لانهم اعتقدوا بفساد لغة المدينة بسبب اختلاطها مع‏اللغات والثقافات الاجنبية. وتدل بعض المصطلحات التي تداولها اهل اللغة، مثل ;ژرس‏ز÷غير النجدي;ژرس‏ز÷ و;ژرس‏ز÷المولد;ژرس‏ز÷ و;ژرس‏ز÷الجرمقاني;ژرس‏ز÷، على هذا التمايزالذي وضع بين اللغة البدوية واللغة الحضرية.

3 - يجب ان يكون الشعر او النص وليد الفطرة والبداهة حتى ان كان مضمونه تافها، اذ يرقى على غيره ويضفى عليه‏الاعتبار وان كان محتواه خياليا.

يظهر من التاءكيد على هذه المعايير الثلاثة ان علماء اللغة القدامى، شاءنهم شاءن المحدثين، كانوا يتحرون فقط وثاقة الرواية‏المنقولة واصالتها (سواء كانت الرواية نبوية ام لغوية)× لهذا اصبح كلام البادية بمثابة النص المقدس، وكاءن هذه البداوة هي‏الضامنة لمنع اي انحراف او خطاء((82))× فلم تنحصر لغة البادية في كونها مصدرا مهما في ضبط اللغة وتدوينها، بل اصبحت‏هي البنية التحتية للغة وبالنتيجة اطارا للعقل الاسلامي - العربي.

المرجع في العربية الفصحى بلحاظ ما ذكرناه نواجه السؤال الاتي: لماذا لم يستند الرواة وعلماء اللغة على القرآن بدلا من اعتمادهم على البادية في‏ارساء العربية الفصيحة؟، ويلاحظ ان عامة الابحاث النحوية، او اللغوية، في القرون الاولى، تخلو عن عمد من اي استدلال‏بالنص القرآني او استناد اليه((83))، ويدل مصطلح ;ژرس‏ز÷شاهد;ژرس‏ز÷ المتداول بين اهل النحو واللغة على الشعر والنثر العربيين من ان‏يشمل الاي القرآني× ولم تذكر شواهد من القرآن في كتب النحو واللغة الابعد استقرار اصول النحو واللغة في القرن الثامن‏وما تلاه((84)).

هذه الظاهرة اثارت استغراب معظم المؤمنين واهل الشريعة وخصوصا في العهود المتاءخرة، فنرى الفقيه الظاهري ابن حزم‏ - على سبيل المثال - يتعجب من اعتماد عامة اهل اللغة والنحو على اشعار الجاهليين كامرئ القيس، وعدم استنادهم على‏كلام ا؟ او النبي غ((85)). في الرد على هذا السؤال نقول:

ان بعض الباحثين يرى ان السبب هو القراءات المختلفة والمتواترة،في الوقت نفسه، الموجودة للنص القرآني، بحيث اصبح من المشكل توفيق هذه القراءات القرآنية مع القواعد النحوية‏واللغوية التي تتغذى من نصوص اقدم كانت قد بلغت مرحلة الكمال× فاما ان يصار الى تجاوز القواعد العلمية لصالح‏القرآن، او ان يعرض القرآن لتاءويلات مختلفة× الامر الذي يبدو انه بعيد عن الاحتياط. ولكن هذا الرد ينطوي على صيغة‏كلامية وبعد دفاعي، اذ يعتقد باءن السبب وراء اجتناب اهل النحو واللغة للاستناد على القرآن اكثر تعقيدا وعمقا، لاسيما اذااخذنا بالاعتبار بعض المعطيات العلمية والتاريخية× ويمكن ان نعد الثقافة العربية نفسها سببا من هذه الاسباب، اذ انهاقامت على اساس نسيج وتركيب شفويين، اما المكتوب فانه لا يرقى الى مستوى الاعتبار الاحينما يؤس س على الرواية‏الشفوية او ;ژرس‏ز÷الحفظ;ژرس‏ز÷، بمعنى ان عنصر الرواية الشفوية يؤدي دورا مصيريا في تكوين النص× لهذا يعد ;ژرس‏ز÷السماع;ژرس‏ز÷، او الرواية‏الشفوية، هو الطريق الافضل والاكثر وثوقا في نقل الحديث او الشعر واللغة، وبلغ الامر حد ان يكتم رواة اللغة والشعر، اوينكروا احيانا، معرفتهم بالكتابة من اجل ان تكون رواياتهم اكثر وثوقا واطمئنانا.

هذا الامر كان اكثر وضوحا بخصوص اعراب البادية، حيث كان العلماء يتشددون، ويتوسل بعضهم بمختلف الاساليب قبل‏ان يروى شعرا عن اعرابي للتاءكد من كونه اميا، لانه ان لم يكن كذلك لما كان لكلامه وقع على حد تعبير الجاحظ((86))،وكان بعض الاعراب، غير الاميين، الذين يدخلون المدن يحاولون كتمان معرفتهم بالكتابة، ويطلبون في حال افتضاح‏امرهم للرواة ان يتستروا على هذا السر((87)).

وقد استخدم بعض المحدثين والرواة مصطلحات مثل ;ژرس‏ز÷سمعت;ژرس‏ز÷ او ;ژرس‏ز÷حدثنا;ژرس‏ز÷لاخفاء معرفتهم بالكتابة خلف هذه الالفاظ، وبالتالي اضفاء صفة الاعتبار على ما يروون.

بلحاظ ما اشرنا اليه يمكن القول ان القرآن ورغم منزلته الرفيعة نص مكتوب، ولابد لتثبيته من تبديله الى نص مقروء، اي‏ان تسند صورته المكتوبة بالضبط الشفوي.

من الواضح جدا ان اللغة القياسية الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها هي لغة العرب قبل الاسلام (خصوصا الشعر) التي تم‏بناؤها على يد علماء اللغة والنحو حتى اخذت شكلها النهائي.

بكلام آخر، فان علوم اللغة من صرف ونحو ادت‏دورااساسيا في تثبيت القرآن وقراءته عن حفظ× لهذا حصل خلط في البصرة منذ البداية بين القارئ وبين النحوي‏واللغوي، فقد عرف كل من ;ژرس‏ز÷نصر بن عاصم;ژرس‏ز÷ و;ژرس‏ز÷يحيى بن معمر;ژرس‏ز÷ بوصفه قارئا ونحوياولغويا على الترتيب((88)).

مشكلة المصطلحات المعربة في القرآن اوجد تثبيت القرآن باللغة العربية القياسية مشاكل، منها مشكلة المصطلحات المعربة في القرآن التي يعود سببها الى تاءثيرلغة اهل مكة والمدينة وثقافتهم على النص القرآني، ذلك ان هاتين المدينتين (وخصوصا مكة) كانت على الدوام محل التقاءاللغات واللهجات المحلية للقبائل المختلفة بسبب وضعها الديني والاقتصادي، وكان من الطبيعي ان تنعكس هذه الثقافة‏على القرآن لكونه نصا حيويا خاطب في بدايته اهل مكة والمدينة، وبالنتيجة فان مصطلحاته تجاوزت الحدود اللغوية‏المختلفة لشبه الجزيرة العربية، واحتوت السريانية والعبرية والفارسية.

هذا الامر وضع علماء اللغة والنحو القدامى، وتبعالذلك المفسرين امام مشكلة جدية، وتحول البحث في المعاني الدقيقة للمصطلحات القرآنية وما اذا كانت عربية ام معربة‏الى سجال متواصل× لان القرآن عرف نفسه باءنه كتاب عربي (السورة 12، الاية 2)، هذا من جهة، ومن جهة اخرى فان‏الابحاث والقواميس اللغوية (النحوية والصرفية) القائمة على اساس لغة البادية لا تعط‏ي المعنى الدقيق لهذه المصطلحات.ومن الضروري ان نضيف هنا ان اللغة العربية الفصيحة المعترف بها رسميا من قبل علماء اللغة والاوساط الرسمية هي لغة‏منتقاة ونتاج مشترك، لانها لا تعكس اللهجات المختلفة والحوار التقليدي اليومي للقبائل العربية البدوية، وتتوفر مثل هذه‏اللغة على خاصيتين عامتين: الاولى، انها ارقى من مستوى عامة الناس، بمعنى ان العامة لا تستخدمها في كلامها× والثانية،ان خصائصها وعناصرها التي تتشكل منها لا ترتبط بمجتمع محلي محدد، بعبارة ثانية فان اللغة المشتركة ليس فيهاخصائص اي من اللهجات المحلية، بل انها لغة مستقلة بذاتها لا يمكن نسبتها الى اي مجتمع في الجزيرة العربية((89)).

حاول بعض الباحثين اللجوء الى حلول كلامية لفك هذا اللغز والبحث عن تفسير لمشكلة المصطلحات الاجنبية في القرآن،ومنهم الامام الشافعي وابو عبيدة وابن فارس× فذهبوا الى ان وجود هذه المصطلحات الغريبة يستلزم الحكم بنقصان اللغة‏العربية التي جاء بها آخر وحي الهي واكمله، وهذا محال، لان اللّه يختار اكمل لغة من اجل ان يخاطب الناس بخروحيه((90)).

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية