اول المنهاج

 قراءة التراث، معايير وضرورات
مؤتمر العلامة شرف الدين العاملي
الشيخ حيدر حب اللّه

 
ان تدرس الامة تاريخها وتراثها، وتقوم بقراءته باستمرارقراءة واعية، لتوظيفه او تثويره او نقده او...، ضرورة لامجال لتجاوزها على ما يبدو، فالتراث هو الامة، والامة‏هي تراثها، الى جانب الحاضر والراهن.

وتبرز في التراث شخصياته وعظماؤه، الذين يفترض‏بالامة ومثقفيها ان يتعرفوا اليهم، ويخبروا تجاربهم.

1 - فاول شروط قراءة الرجال والتراث واهمها، تجاوزالقداسة فيه، وتخط‏ي الحواجز التي تمنع الفكر من‏مطاولة مساحات قد تكون لدى بعض محرمة او لامفكر فيها، فالقداسة غير الاحترام، واذا ما سيطرت على‏قراءتنا للتراث فلن تنتج سوى لغة احتفائية تبجيلية،تشعر الذات معها بان الماضي كان دائما افضل من‏الحاضر، وتشد النفس وتنزعها ناحية التماهي مع هذاالماضي المقدس، او استنساخه حرفيا، او اعتباره‏المرجعية المعرفية الوحيدة، وهذه الامور جميعهامشاكل تعوق وعي التراث بشكل علمي اوموضوعي.

ان قرب الماضي ورجاله من عصر الوحي - داخل‏النسق الديني - لا يفترض به ان يعطينا قانونا عاما، يقدم‏من سبق على من لحق، فقد لا يكون من الصحيح دائماتصور الكمال في الماضي والتراجع في الحاضر، تلك‏الصورة التي لا ترى في الذات على الدوام سوى انحداراو اندحار، فتشلها عن العمل، وتسقطها عن جراة المعرفة‏والتفكير.

2 - وفي هذا السياق، نخطئ حينما نحاول ممارسة‏استنساخ حرفي للموروث ورجاله، كما نخطئ عندمانتصور ان مبدا القطيعة التامة هو الذي يحكم علاقتنابهذا الماضي ووجوهه، فالماضي نحن في الزمن الذي‏سلف، وهو نحن في الراهن المعاصر، لا يقبل القطيعة‏ولا الانقطاع، انما الذي يقبلها هو الاستنساخ الحرفي‏لهذا الم ثمة من يقرا عن الرجال، عن الفلاسفة، والفقهاء،والمتكلمين، والعرفاء... فيخفض جناحه وينكسر قلبه‏امامهم، فيندفع لتمثيل حياتهم في عصره، وكان انساق‏حياتهم هي المعيار الدائم لجميع العصور ومختلف‏الامصار والبقاع، لقد شاهدنا - كثيرا - هذا النوع من‏الاستنساخ في المجتمع الديني، ولربما كان احد اسباب‏بعض مظاهر الاخفاق الذي نشاهده فيه.

صحيح ان رجال التراث منارات، وانهم اسوة لنا وقدوة،وانهم مفخرة لنا وعزة و...، فهذا الامر لا نقاش لنا فيه،انما النقاش في معنى الاسوة والمنارة والقدوة، فهل‏تعني معط‏ى حرفيا او ان روح تجاربهم بسياقهاالزمكاني، وعلو كعبهم بما منحهم اللّه في عصورهم هوالقدوة؟ اي يفترض تجريد الرجال في شكلانيات‏تجاربهم، ومظاهر نتاجاتهم، للنفوذ الى المكونات‏الاساسية المتعالية عن الزمان والمكان الخاصين، والااعتزلنا حياتنا، وهجرنا عصرنا، وعزفنا عن زماننا و...! 3 - لهذا يفترض فهم الرجال في زمكانياتهم، سياسيا،واجتماعيا، وثقافيا، ومعرفيا، واقتصاديا و.. وهذا مالانقدر عليه، اذا بقينا - في قراءتنا للموروث - داخل‏النصوص التي تركها لنا التاريخ عن الرجال، فالنص -كما يقولون اليوم في الهرمنيوطيقا - صاحب دلالة‏ناقصة واشارة معبرة لكن عاجزة، فمن الضروري وعي‏التاريخ لوعي رجاله، ووعي الرجال لوعي التاريخ، في‏علاقة جدلية مستديمة.

لم تولد النظريات من عدم، ولم تتوالد من بعضها بعضافقط، بل اسهمت في ايلادها العناصر الحافة بالرجال‏والظواهر، ان هذه الرؤية قد تقلب كثيرا من تصوراتنا عن‏الموروث ورجاله بعد ضم النقطة الاولى التي اشرنا اليهامطلع هذه الورقة، قد يعود فهم الاشياء تاريخيا اكثر من‏ذي قبل، وقد نعيد تصوراتنا عن اشخاص كان السكون‏قد اعطانا صورة اخرى عنهم.

4 - وفي هذا المجال، ننظر بعين النقد الى الكثير من‏مؤتمراتنا الاسلامية العلمية التي تتناول عظماء واعلاماورجال تراث نو كانوا مفخرة لامتهم وعلما لتقدمها، لقد لاحظنا ان‏محاور الدراسة في اغلب هذه المؤتمرات هي محاورتبجيلية احتفائية، تؤجل النقد - خصوصا الجذري منه‏- الى مرحلة لاحقة× انطلاقا من ان المرحلة هي مرحلة‏التعريف بالتراث، لان الامة غابت عنه، ولم تطلع عليه،ولان تقديم هذا التراث منتقدا قد يؤثر سلبا على‏المفاهيم الدينية في بعض المجالات.

وقد امتدت هذه الحالة داخل المؤسسة الدينية الى غيرنشاط علمي، فالدوريات والنشرات الدينية تتجنب مثل‏هذا النوع من النقد عادة، وتراه يعكس مردودا سلبيا اكثرمن المردود الايجابي، لا بل يذهب بعضهم الى انه من‏غير الصحيح ان نفسح المجال لنقاد صغار ليتناولوابالنقد رموز التراث ورجالاته العظماء.

ويبدو ان لهذه الظاهرة غير مسوغ، لكننا لا نراها ايجابية‏في هيمنتها على النشاط الفكري، بل يفترض ان تولى‏اهمية اكبر للفعل النقدي البناء للتراث، وان تسلط‏الاضواء عليه اكثر من اى وقت مضى، لا لتصفية حساب‏مع هذا التراث والعياذ باللّه، بل لان خلق هذه الروح‏وافساح المدرسة الدينية، والمؤسسات والمراكزالبحثية، والمؤتمرات والملتقيات الفكرية، والنشريات‏والدوريات الاسلامية.. افساحها جميعا المجال لحركة‏النقد المنظمة هذه عنصر اساسي في الابداع وتقدم‏البحوث العلمية نحو الامام، وبعث مناشط الفكر من‏جديد، ما دامت هذه الفعاليات النقدية تلتزم بحدودالاخلاق والادب الرفيع، وتعتمد المنهج العلمي الرصين‏والاكاديمي الموثق في رصد المعطيات وتناول الافكار،ولا تنجرف في سياق الشهوة العمياء الطاغية والداعية‏الى تحطيم التراث والقطيعة معه، في غضب عارم من‏الموروث، نتيجة سوء علاقة مع امتداداته المعاصرة.

اننا نوجه دعوة جادة لكل القيمين على العمل الثقافي‏والفكري في الساحة الاسلامية كي يدرسوا هذاالموضوع بجدية اكبر، ومن دون هيمنة المخاوف وانواع‏القلق والاضطراب، ليتوصلوا الى نتائج محمودة في هذاالمجال ان شاء اللّه ت 5 - وفي ضمن سياق دراسة التراث تاتي ضروة احياءالمدفون القيم منه، من الضروري الاسراع في خطوات‏احياء التراث، واخراجه من المخطوطات او النسخ‏الحجرية الى عالم الطباعة الانيقة المعاصرة، تراثا محققاومصححا يسهل على الباحثين الرجوع اليه، ويؤمنهم‏من التورط في مشاكل النسخ واختلافها، فيختصرالمسافات عليهم، وييسر العمل امامهم.

من هنا، نؤكد ان ثورة حقيقية في عالم احياء التراث‏الشيعي قد حصلت منذ بداية النصف الثاني من القرن‏العشرين، فقد شاهدنا موجة عارمة من هذا العمل،وتاسيس مؤسسات مرموقة ومشكورة، اسهمت بشكل‏فاعل في احياء التراث في ايران، والعراق، ولبنان و.. وان‏كانت هناك بعض الملاحظات على بعض العاملين في‏هذا المجال، لا سيما بعض دور النشر التجارية التي‏تتجاهل الضرورات العلمية والتحقيقية في مجال احياءالتراث، لتستعجل بطباعة الكتب، طمعا في المردودالمادي فحسب، وهذه وان كانت خدمة على اى حال‏لهذا التراث من حيث طبعه واخراجه الى العلن، الا انهاخيانة في حقه - في الوقت عينه - من حيث عدم‏اخراجه بالحلة التي تحفظ مضمونه ومحتواه.

على اى حال، يفترض مواصلة هذا السبيل المحمودوالمشكور، بل وتطويره الى مختلف مجالات نشرالتراث على الاقراص المدمجة او صفحات الشبكة‏العنكبوتية (الانترنت) او غير ذلك، متجاوزين فعلاجملة ملاحظات ناقدة.

6 - وفي الاطار نفسه، نلاحظ ان بعض مشاريع احياءالتراث كانت انتقائية، تهدف الى ترويج افكار محددة،ولا ضير في ذلك، لكن الافضل ان تسعى المؤسسات‏الكبرى المهتمة بمجال تحقيق التراث الى التعامل معه‏بطريقة علمية لا انتقائية تحكم عليه سلفا، فقيمة تراثناوحيويته تكمن في تنوعه وتعدد اتجاهاته، على‏مختلف الصعد وفي المجالات كافة.

7 - وختاما، وحيث تزمع بعض المؤسسات المرموقة‏المشكورة في الجمهورية الاسلامية الايرانية، ان تقيم‏قريبا مؤتمراتكريميا للامام العلامة السيد عبدالحسين‏شرف الدين العاملي (1377ه‏-)، وذلك في مدينة‏بيروت، بعد ان سبقه مؤتمر آخر قبل اشهر في مدينة قم‏الايرانية.. فاننا نقدر جهود العاملين والمنظمين، ونشكرسعيهم، ونشد على ايديهم، لاحياء فكر العلامة شرف‏الدين، ودراسة تجربته، سيما في المجال التقريبي‏والوحدوي، ونشر كتبه ومقالاته كاملة في حلة جميلة‏متكاملة، ان ذلك بالتاكيد يخدم الاسلام والفكرالاسلامي، ويرفع مستوى الوعي الاسلامي في اوساطنااكثر فاكثر.

ان مجلة المنهاج، وانطلاقا من حرصها على كل ما يخدم‏الفكر والثقافة الاسلاميين، ويعلي من شان مدرسة اهل‏البيت (، تفتخر هذه المرة بان تخصص عددها الثامن‏والثلاثين للاطلالة على فكر هذا العلامة العلم،والانموذج الكبير في الحوار الاسلامي - الاسلامي،الذي جمع بين ادب الحوار واخلاقياته وقواعده، وبين‏المصارحة الفكرية والمكاشفة التامة× دفاعاعما يعتقده‏المذهب الحق في خضم ازدحام المذاهب‏الاسلامية.

اننا نعتقد بان عودة نحو الوراء تحصل اليوم في بعض‏الاوساط الاسلامية ازاء ما كان يهدف اليه العلامة شرف‏الدين من بناء حوار نقي ومفتوح داخل المذاهب‏الاسلامية، ونرى ان موجة الطائفية البغيضة المتنامية‏مؤخرا في عالمنا الاسلامي تعد ارتكاسا عن المقولات‏والمفاهيم التي نادى بها المصلحون المسلمون في القرن‏العشرين، من امثال العلامة شرف الدين، لهذا يفترض‏بمن يديم الطريق ان يعمل جاهدا لمواجهة هذه‏المصاعب، بروح التضحية، والوعي، والمنطق و..

لقد كان العلامة شرف الدين انموذجا من نماذج‏التضحية، والجهاد، والبصيرة، والحوار، والنقد، فاقل مايجب تجاهه على المسلمين بعامة، والشيعة بخاصة،والعامليين بالاخص، ان يدرسوا فكره، ويقرؤوا تجربته،ويحيوا نتاجه، ففي فكره عناصر الدقة، والمتانة، وفي‏تجربته مظاهر الوعي والامانة، وفي نتاجه ارقى اشكال‏الادب، وابرز مظاهر العربية، واجلى سمات المنطق،آملين ان يلتفت القائمون والدارسون للنقاط المطلوبة‏اليوم فكريا في دراسة التراث ورجاله، مما ذكرنا بعضه‏آنفاباختصار.

(قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) [الزمر/9].

حيدر حب اللّه الخطوط العامة للمنهج الوحدوي الخطوط العامة للمنهج الوحدوي عند العلامة شرف الدين (في كتابه الفصول المهمة) الشيخ محمد علي التسخيري تمهيد لقد كان المرحوم آية اللّه عبد الحسين شرف الدين رجل‏العلم والحوار والعمل والتحرق لامته وعقيدته. نذرحياته للجهاد العلمي والعملي، ولاقى الامرين في سبيل‏ذلك، الا ان اللّه تعالى جزاه خيرا في هذه الدار، بان جعله‏منار العارفين السالكين الى اللّه، ومعلم الدعاة اساليب‏الدعوة الحقة. ورائدا من رواد الوحدة الاسلامية العظام.نسال اللّه - جل وعلا - له الثواب الجزيل في‏الخرة.

فقد اتسعت ابعاد شخصيته لمختلف الجوانب، ونحن‏اخترنا منها بحكم عملنا وتوجهنا الاصيل، سعيه لتحقيق‏الوحدة الاسلامية× وهي خصيصة هذه الامة، ومن دونهالا تستطيع ان تعلن نفسها امة جامعة لكل الخصائص‏التي وصفها بها القرآن الكريم والسنة الشريفة.

وجهود المرحوم العلامة في هذا السبيل متنوعة ايضا،ما جعلنا نركز على كتابه القيم ;ژرس‏ز÷الفصول المهمة في‏تاليف الامة;ژرس‏ز÷ بالخصوص، واكتشاف الخطوط العريضة‏التي سلكها× لنستهدي بذلك في مسعانا المبارك ان شاءاللّه تعالى.

وباستعراضنا لهذا الكتاب والمنهج المتبع فيه، تبدو لناالخطوط التية:

اولا: التركيز على اهمية الوحدة الاسلامية في التصورالاسلامي، ومدى اقتضاء الظروف لها، والثار السلبية‏للتمزق والتناحر.

ثانيا: السعي الى تعيين الخط الرئيس الفاصل للايمان‏عن الكفر، والنجاة من الضياع.

ثالثا: اشاعة الثقة والتلف بين جماهير المسلمين.

رابعا: كشف العناصر الممزقة باعتبارها العقبة الكؤود في‏سبيل تحقق هذه الخصيصة القرآنية للامة.

وفي ما ياتي نستعرض هذه الخطوط بشي من‏التفصيل.

الخط الاول: اهمية الوحدة واخطار التمزق يؤكد شرف الدين ان النهضة الاسلامية، وتنمية العالم‏الاسلامي وتقدمه حتى في المجال المدني، وخلاصه‏من نير العبودية، واقامة نظام العدالة، لا تتم الا من خلال‏الوحدة.

ومن دونها تعود الامة اذل الامم دارا، واجدبها قرارا،ن‏-زهة للطامع، وهدفا للسهام، وقبسة العجلان، وحلقة‏ضيق، وعرصة موت، وحومة بلاء، لا تاوي الى جناح‏دعوة، ولا تعتصم بظل منعة (المقدمة).

وفي الفصل الاول: يذكر نبذة مما جاء في الكتاب العزيزوالسنة الشريفة من الترغيب في الوحدة والتلف،وتحقيق الاخوة الاسلامية والولاية المشتركة، والرحمة‏المتبادلة والاعتصام بحبل اللّه، والبعد عن التخلق‏باخلاق الامم المتفرقة الغارقة في العذاب الاليم.

ومما تؤكده النصوص الشريفة: - الايمان رهن‏بالتحاب، والحب للاخ المسلم ما يحب لنفسه، وذمة‏المسلمين واحدة، ولزوم نفي كل ما يؤدي للتباعد،ولزوم تعميم الالتزام بحقوق المسلم، وضرورة التواصل‏بمختلف الاساليب، والتلف من صفات المؤمنين،واولياء اللّه هم المتحابون وهم جيران اللّه في داره، الى‏غير ذلك مما لا مزيد عليه.

الخط الثاني: تعيين الحد الفاصل بين الايمان والكفر،وبين النجاة والهلاك وقد ركز على هذا الحد في فصول:

الفصل الثاني: حيث اكد اجماع اهل السنة على ان‏الاسلام، والايمان، عبارة عن: الشهادتين، والتصديق‏بالبعث، والصلوات الخمس الى القبلة، وحج البيت،وصيام شهر رمضان، والزكاة والخمس المفروضين. وايدذلك بروايات من صحيح البخاري وصحيح مسلم‏ومصادر الشيعة.

والفصل الثالث: حيث ذكر نبذة من احاديث الصحاح‏الدالة على ان من تشهد الشهادتين حقن ماله وعرضه‏ودمه، وذلك من صحيح البخاري وصحيح مسلم، ومنهاالحديث: ;ژرس‏ز÷ان رجلا قام فقال: يا رسول اللّه! اتق اللّه.فقال(: ويلك! الست احق اهل الارض ان يتقي اللّه. فقال‏خالد: يا رسول اللّه، الا اضرب عنقه؟ قال(: لا، لعله ان‏يكون يصلي;ژرس‏ز÷.

والفصل الخامس: ركز فيه على نجاة اهل التوحيد، ذاكرانصوصا من الصحاح تؤكد ذلك، وحاول الاجابة عن‏اشكال تعذيب الموحدين العاصين، بانهم يعذبون من‏دون خلود في النار، واشار الى احاديث كثيرة في هذاالباب من الفريقين، بل ان بعض الاحاديث تكتفي‏بالموت عالما بالتوحيد لدخول الجنة.

والفصل السادس: ركز فيه على فتاوى كثير من العلماءعلى نجاة من نطق بالشهادتين، ومنهم: شيخ الاسلام‏تقي الدين السبكي، وابن العربي، والفاضل الرشيد،والعارف الشعراني، وابن تيمية. وابن حزم وغيرهم بمايحقق الاجماع، وبهذا يتوضح المعيار تماما.

ملاحظة مهمة:

يشير المؤلف الى ان الشيعة يضيفون عنصر الولاء لاهل‏البيت ( بمقتضى النصوص الكثيرة لديهم (ص. 54و53)، ولكن عدم الولاء لا يخرج الانسان من دائرة‏الايمان الا اذا كان بمنطق العناد، فان العناد للّه ورسوله‏هو معيار التكفير (ص. 68). اما من لم تقنعه الادلة‏بالولاء على المستوى الذي يفهمه الشيعة، فانه باق في‏دائرة الايمان وله الحقوق نفسها التي قال بها الاسلام‏للمسلم، وهذا الراي هو الراي السائد لدى العلماء، وماتثبته النصوص عن اهل البيت ( بلا ريب. اما على‏مستوى الحب والاحترام فهو من اوضح الواضحات‏بحيث لا ينكره الا معاند.

لذا يهتز المرحوم شرف الدين عندما يواجه كلاما غريبامجافيا للحق، وكاشفا عن العناد من امثال قول ابن‏خلدون: ;ژرس‏ز÷ونحن نعد هذا الكاتب في زمرة المؤلفي،وليس من علماء الدين الذين يعتد برايهم، كما ذكر ذلك‏بعض العلماء;ژرس‏ز÷× حيث ذكر في مقدمته المشهورة انه;ژرس‏ز÷وشذ اهل البيت في مذاهب ابتدعوها، وفقه انفردوا به،وبنوه على مذهبهم في تناول بعض الصحابة‏بالقدح;ژرس‏ز÷.

وهو يعلق عليه بقوله: ;ژرس‏ز÷ولا غرو ان قام المسلم عند سماع‏هذه الكلمة وقعد. بل، لا عجب ان مات اسفا على‏الاسلام واهله. اذ بلغ الامر هذه الغاية;ژرس‏ز÷ (ص.255).

الخط الثالث: اعادة الثقة المتبادلة والتلف بين السنة‏والشيعة وينتظم في محاور:

المحور الاول: الابتعاد عن لغة التجريح والنقد اللاذع،والاحترام للراي الخر بشكل لافت للنظر.

فهو اذا ذكر اهل السنة ذكرهم بلفظ ;ژرس‏ز÷اخواننا;ژرس‏ز÷ (ص. 23)،واذا نقل حديثا عن البخاري قال - مثلا - : ;ژرس‏ز÷قلت: اعظم‏بهذا الحديث;ژرس‏ز÷ (ص. 35)، واذا ذكر الصحابة ترضى عنهم‏واجلهم، واذا ذكر ام المؤمنين عائشة قال عنها: ;ژرس‏ز÷انها انقى‏جيبا، واطهر ثوبا واعلى نفسا، واغلى غرضا وامنع‏صونا، وارفع جنابا، واعز حذرا، واسمى مقاما من ان‏يجوز عليها غير الن‏-زاهة او يمكن في حقها الا العفة‏والصيانة;ژرس‏ز÷ (ص. 210)، وغير ذلك من الشواهد.

المحور الثاني: السنة والشيعة والمعايير المذكورة.

بعد ان تحدث عن معايير الايمان والنجاة، راح يطبقهاعلى السنة والشيعة في فصل كامل، هو الفصل الرابع‏الذي عنونه ب‏-;ژرس‏ز÷السنة كالشيعة يجمعهم الاسلام;ژرس‏ز÷،ويجعل ذلك في ;ژرس‏ز÷غاية الوضوح في مذهبنا;ژرس‏ز÷ (ص. 41)،ناقلا الروايات عن الامام الصادق ( والامام الباقر (، حيث‏في الصحيح عنه قوله: ;ژرس‏ز÷والاسلام ما ظهر من قول اوفعل، وهو الذي عليه جماعة من الناس من الفرق كلها،وبه حقنت الدماء، وعليه جرت المواريث، وجازالنكاح، واجتمعوا على الصلاة والزكاة والصوم والحج،فخرجوا بذلك عن الكفر واضيفوا الى الايمان;ژرس‏ز÷.

المحور الثالث: بشارات السنة للشيعة.

ويزيد في هذا المحور، فيتحدث عن انصاف السنة‏للشيعة وبشاراتهم لهم، تاكيدا على عرى المحبة، وبعثاللثقة المتبادلة، حيث ينقل بعض الروايات التي اوردهابعض الحفاظ من اهل السنة، وهي تؤكد على على (وشيعته، واصفة اياهم بالراضين والمرضيين والغرالمحجلين والشهداء، ويعلق في نهاية الفصل‏بقوله:

;ژرس‏ز÷فعسى ان يعرف الشيعي بعد هذا ان اهل السنة قدانصفوا واعترفوا، وعسى ان يعرف السني ان لا وجه بعدهذه المبشرات لشي من الضغائن او الهناة. والسلام على‏من اتبع السنن وجانب الفتن ورحمة اللّه وبركاته;ژرس‏ز÷ (ص.81).

المحور الرابع: فتح باب التاويل يمنع الكثير من الاحكام‏الجارحة.

وهذا باب مهم يركز عليه كثيرا× ليفسر الكثير من‏المبهمات في اذهان الطرفين على اساس ان تلك‏التصرفات انما تعبر عن اجتهادات او تصورات قد تكون‏صحيحة او خاطئة، ولكنها لا تفتح باب الاتهام‏بالانحراف والكفر والفسق. وهو يؤكد ان فتح هذا الباب‏يهدف الى اعذار المتاولين (ص. 85)، ويذكر امثلة‏متنوعة تشمل ما ياتي:

-سعد بن عبادة، ويعد من افضل المسلمين، رغم انه‏تاول وتخلف عن بيعة الخليفتين ابي بكر وعمر، وخرج‏مغاضبا الى الشام.

-حباب بن المنذر الانصاري البدري الاحدي، وقدتخلف عن البيعة.

كثير من الصحابة ايضا تاولوا وتخلفوا عنها.

-خالد بن الوليد حينما قتل مالك بن نويرة، وطالب‏عمر بمجازاته. فقال عنه الخليفة ابو بكر: تاول‏فاخطا.

وعلق المرحوم شرف الدين هنا قائلا: ;ژرس‏ز÷وليت شعري‏متى كان التاويل في الفروع نكرا؟ ام كيف لا يكون عنداللّه عذرا؟ وقد تاول السلف كثيرا من ظواهر الادلة;ژرس‏ز÷(ص.95).

ثم ذكر بعض الامثلة كطلاق الثلاث، ومتعة الحج، ومتعة‏النساء، واذان الصبح، واسقاط ;ژرس‏ز÷حى على خير العمل;ژرس‏ز÷،وصلاة التراويح، واسقاط سهم المؤلفة قلوبهم، وآية‏الخمس، وحديث الغدير، وغير ذلك. وقد اطال في هذاالموضوع، وربما نسي اصل ما دعاه لطرحه، ودخل في‏مناقشات تاريخية وعقدية ابعدته عن اصل مشروعه،وكانه اراد ان يقول: ان بعض هذه التاولات مما لا يصح‏ولا يسمح به المنطق والشرع.

وكانه لاحظ ذلك، واكد انه لو اراد ان يفيض في الامرويستوفي حق الموضوع لخرج عن خطة الكتاب (ص.168). وعاد ليؤكد على معذرة المتاولين، ونجاتهم يوم‏الدين، وليتابع التمثيل بما جرى ايام الخليفة الثالث‏عثمان من تاولات كثيرة منه ومن مخالفيه ايضا، ومع‏ذلك بقي الجميع على العدالة، وهكذا ما جرى من‏بعضهم ايام خلافة الامام على(.

ويستمر مفيضا في كثير من المخالفات التي حملت‏على التاول خصوصا في عهد معاوية. وكاني به يريد ان‏يقول في النهاية - وان لم يصرح بذلك في هذا الفصل،لكنه اشار اليه في مواضع اخرى (ص. 208 مثلا) - : اننايجب ان نتعامل مع الخرين من المسلمين بالمنطق‏نفسه، ونعذرهم اذا ما قاموا باي عمل نراه واضح الخطا.فلعلهم تاولوا واجتهدوا واخطاوا، وبالتالي نبقي باب‏الرحمة مفتوحا على مصراعيه، ولا ندخل في عمليات‏تكفير وتفسيق وتبديع، وربما اراد ان يقول هنا: ان السب‏الذي يبدو من بعض القليل من المسلمين، رغم انه‏مرفوض، لكنه لا يؤدي الى الكفر الصريح، وفتاوى‏تستبيح الدماء والاعراض والاموال.

وقد اشار في موضع آخر الى الموضوع مذكرا ان الشيعة‏يتبراون من ذلك (اي السب) (ص. 212)، واردف ذلك‏بتاكيده على انه حتى لو كان، فانه لا يؤدي الى الكفر،مؤكدا ذلك بالدليل القاطع من العقل والنقل واقوال‏الفقهاء الكثيرين في هذه المسالة.

المحور الخامس: توضيح الامر ودفع الشبه المثارة لدى‏كل طرف ض‏---د الخر.

ومن الشبه المثارة التي ردها بالتفصيل:

1 - ما ذكرناه من مسالة السب.

2 - مسالة المتعة (ص. 99)، وقد افاض في بيان اصل‏مشروعيتها اجماعا في بدء امرها، ثم جاء الاختلاف في‏دوام حلها واستمرار اباحتها، وناقش دعوى النسخ، واكدان التحريم جاء في عهد الخليفة الثاني عمر، وان بعض‏الصحابة كعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن عمر، وعبداللّه بن مسعود وغيرهم لم يقبلوا ذلك.

3 - مسالة الموقف من السيدة عائشة والصحابة، فاكداحترام الشيعة للسيدة عائشة ام المؤمنين وايمانهم‏بطهارتها، وان اختلفوا معها في بعض تصرفاتها،كخروجها على ولي الامر الشرعي. وكذلك الامر بالنسبة‏للصحابة الكرام، مع المناقشة وعدم قبول بعض‏تصرفاتهم، وذكر الامر بالتفصيل في (ص.

263)، حيث‏اكد ان ;ژرس‏ز÷الكاملية;ژرس‏ز÷ - وهي فرقة مغالية - تتحامل على‏الصحابة، اما الامامية فهم من جهة يقتدون حتى في‏تشيعهم بكبار الصحابة، وذكر منهم الكثيرين، ورتبهم‏حسب الحروف الابجدية.

ومن جهة اخرى، فهم يتولون الخرين الذين اختاروامسيرا معينا لمصلحة راوها، واختلفوا مع آخرين× لانهم‏لم يرتضوا ما صدر عنهم. ونقل هنا من الصحاح بض‏الروايات التي تذكر ان بعضا منهم احدثوا بعده(.

4 - بعض الاقوال المغالية، وقد رد عليها بان هناك‏الكثير من الفرق المغالية تنتسب الى التشيع،كالاغاخانية والكيسانية والناووسية والخطابية‏والفطحية والواقفية، فربما وجدت اقوال من هؤلاء ثم‏نسبت الى الامامية (ص. 225).

5 - بعض المنقولات التاريخية عن الشيعة، وهم منهابراء من قبيل: 1 - تجويز نكاح تسع نسوة! 2 - تحريم‏الكرنب! 3 - تحريم لحوم الابل! 4 - عدم ايجاب العدة‏على النساء. وغير ذلك.

فينبغي الا ننسب الى مذهب اقوالا الا اذا استقيت من‏الكتب الاصلية له.

الخط الرابع: التركيز على العناصر الممزقة‏ومناقشتها ويتجلى ذلك في قيامه بالبحث عن اسباب الفرقة‏والتباعد، بهدف تشخيص الداء لوصف الدواء الناجع،كما يعبر (ص. 249)، ويراها كما ياتي ا - الامور التي ينفر منها الشيعي، واهمها امران:

الاول: ما يسمعه من تكفير وتحقير وتزوير.

الثاني: اعراض الاخوة - كما يعبر - من اهل السنة عن‏مذهب اهل البيت، وعدم الاحتجاج بحديثهم، رغم‏الاحتجاج بدعاة الخوارج والمرجئة والمشبهة والقدرية،وذكر هنا عدم رواية البخاري عن ائمة اهل البيت (،وعبارة ابن خلدون المار ذكرها.

وهنا دعا جميع المسلمين لان يدخلوا مدينة العلم‏النبوي من بابها، بعد ان اسفر الصبح عن توثق الروابط‏بين الطائفتين والحمد للّه رب العالمين (ص. 261).

اما ما ينفر السنة من الشيعة، فقد اشار الى انه ذكر بعضه‏في ثنايا الكتاب، واكد على عدم صحته.

ب - وركز على فتاوى التكفير الصادرة من بعضهم‏كالشيخ نوح الحنفي وغيره، وناقش الادلة التي سيقت‏تسويغا لها دليلادليلا ، واعترض على خصوص تعبيرالشيخ الحنفي عن الشيعة بانهم كفرة بغاة فجرة، وان من‏توقف في كفرهم والحادهم ووجوب قتالهم وجوازقتلهم فهو كافر مثلهم!! وحكم بوجوب قتلهم تابوا ام لم‏يتوبوا واسترقاق نسائهم وذراريهم (ص.196).

والحقيقة هي ان كل منصف عاقل يستسخف بهذه‏الفتاوى.

واطنب السيد في مناقشة حججه وادلته.

ج - ثم تحدث عن دور الكذابين المفرقين من بعض‏الكتاب، حيث نسبوا للشيعة امورا كثيرة يبراون منها.وذلك اما ارضاء للسلطات الحاكمة (ص. 223) على مرالتاريخ، او ابعادا للامة عن سماع اقوالهم وتنفيرها منهم،او لالتباس الامر على هؤلاء الكتاب× لرؤيتهم اقوالالغلاة ينتسبون للشيعة فنسبوها للتشيع، والتشيع‏الامامي نفسه يتبرا من الغلاة، وهذا ما اشرنا اليه‏سابقا.

وختاما نقول اننا حاولنا ان ننقل بامانة ما ذكره العلامة شرف الدين،وربما جمعنا اطراف بعض الافكار لبيان تجلي هذه‏الخطوط في هذا الكتاب القيم، ولم نتعرض لافكاره في‏كتبه القيمة الاخرى× لان ذلك يتطلب جهدا اكبر ووقتااوسع لم نكن نمتلكه والامر الذي لا غبار عليه انه ( كان يتشوق من جهة الى‏وحدة هذه الامة، وانفتاح بعضها على بعضها الخر، كماكان من جهة اخرى ملتزما بمذهبه تمام الالتزام، منافحامدافعا مثبتا له بقوة.

ونحن اذ ندعو للوحدة الاسلامية، لا نرمي الى ان يتنازل‏اي فرد او مذهب عن آرائه التي توصل اليها باقتناع‏واستدلال، لمجرد ارضاء الطرف الخر. نعم، يمكن‏تاجيل بعض الخلافات النظرية او عدم التركيز على‏بعضها الخر× لانها قد لا تترك كبير اثر على الواقع القائم.وهذا ما اشار اليه في جوابه عن الاتهام الموجه للشيعة،بانهم يرفضون خلافة الشيخين، فقال: انه لا يمكن انكارواقع تاريخي ;ژرس‏ز÷ولا ينكر استخلاف الشيخين - رضي اللّهعنهما - ذو شعور، ولا يرتاب فيه ذو وجدان، وقدامتدت امارتهما من سنة 11 الى سنة 23 وفتحت بهاالفتوحات، وضرب الدين بجرانه. على ان خلافتهما من‏الشؤون السياسية التي خرجت بانقضائها وتصرمها عن‏محل الابتلاء، فاي وجه لتنافر المسلمين اليوم بسببها،واي ثمرة عملية تترتب فعلا على الاعتقاد بها.

فهلموا يا قومنا للنظر في سياستنا الحاضرة... واي وجه‏لتكفير المسلمين بانكار سياسة خالية وخلافة ماضية؟وقد اجمع اهل القبلة على انها ليست من اصول الدين،وتصافقوا على انها ليست مما بني الاسلام عليه;ژرس‏ز÷(ص.207).

وهي دعوة طرحها الامام البروجردي ( وبعض العلماءالخرين كالمرحوم شمس الدين في ميثاقه الوحدوي(مجلة رسالة التقريب 21/177).

وعلى اي حال، فباب البحث الاكاديمي العلمي مفتوح‏في المجال العقدي، وكذلك في مجال التقويم‏التاريخي، شريطة اتباع منهج الحوار القرآني. ولكن هذالا يعني ان ننقل هذا الى ن‏-زاع عملي نهينا عنه بشدة،وان يتحامل بعضنا على بعضنا الخر، وان نمزق صفناالواحد، خصوصا بعد ان تجمع علينا الاعداء من كل‏جانب، ووحدوا خططهم، رغم اختلافاتهم في ما بينهم.ولنعتبر بقوله تعالى: (والذين كفروا بعضهم اولياء بعض‏الا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير)[الانفال/73].

مقومات الحوار الناجح ، قراءة في تجربة‏المراجعات ا. ابتسام الكناني المقدمة تعد مفردة الحوار اشتقاقا جديدا ابدعته ثقافة التغريب‏والعولمة، وقد صارت من هموم العصر ومقتضياته،وهذا بعيد كل البعد عن الحقيقة، فهذه المفردة‏المستحدثة لغويا لها جذور متاصلة، عمرها عمرالبشرية، تبدا منذ خلق اللّه اول بشر ليكون خليفة في‏الارض.

لقد الهم اللّه الانسان الحوار مذ علمه الاسماء الحسنى،فراح يستخدم آلياتها مع اول خصم واجهه، وقد نقل‏القرآن الكريم حوار ابني آدم، قابيل وهابيل، حيث تنازعاعلى مقامهما عند اللّه فتقبل من احدهما ولم يتقبل من‏الخر.

ثم يطالعنا القرآن الكريم بحوار دار بين غني وفقير، بين‏حق وباطل، بل بين الايمان والكفر. وسواء اكانت القصة‏مقدرة مفروضة على سبيل التمثيل، ام قصة واقعة فعلا،فالغرض من ذلك والغاية تقريب المعنى والمراد،والجلاء والتوضيح، بالاضافة الى العبرة‏والعظة.

(...فقال لصاحبه وهو يحاوره انا اكثر منك مالا واعزنفرا(، ثم وصلت به الحال الى الكفر (قال له صاحبه‏وهو يحاوره ( ايضا، (اكفرت بالذي خلقك... )[الكهف/34 و37].

وهكذا، سار على خط آدم سائر الانبياء والرسل،فمارسوا آليات الحوار، بل جعلوه محورا اساسيايعتمدون عليه في دعوتهم الى اللّه تعالى.

وجاء الاسلام ليبشر بخاتم الديانات السماوية، وجاءمحمد ( خاتم الانبياء والرسل (× ليصدع بهذا الدين‏الكامل الذي نادى وباعلى صوته الى الحوار الهادف،الداعي الى كلمة الوحدة والتوحيد والتقريب، قال‏تعالى:

(قل يا اهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم)[آل عمران/64].

لقد ضبطت آيات القرآن الكريم تفاصيل دقيقة عن‏حوارات الانبياء والرسل، وخصوصا اولو العزم منهم،وليس ذلك الا اشعارا باهمية الحوار ودوره في تثبيت‏العقيدة او تفنيدها.

واستمر الحوار ياخذ مجراه الطبيعي في حركة الدعاة‏والمصلحين ولاسيما المعصومين (× حيث عرفواتفاصيله وجزئياته ودقائقه فاحسنوا استخدامه، فتت‏شجرة جهودهم اكلها ضعفين، وهذا التاريخ شاهد حى‏على ما سجل لهم من حوارات مع سائر الديانات‏والمذاهب، فضلا عن المشككين والمغرضين، حيث‏اقنعوهم بادلة جعلتهم يتراجعون عن مبادئهم السابقة‏وعقائدهم الخاطئة، حتى ولو اخفوا ذلك.

وهكذا اخذت شجرة الحوار تنمو وتترعرع في ظل‏الرعاية الابوية للعلماء الاعلام، ورثة الانبياءوالمعصومين (، الذين بذلوا كل ما يملكون قربة‏وتقريبا، واخصهم بالذكر سيدنا الجليل، شرف الدين‏والدنيا، العالم العاملي، الذي بذل الغالي والنفيس من‏اجل توحيد الكلمة وكلمة التوحيد، ووفق ايما توفيق‏لايصال الحوار الى غايته المنشودة بعد سنين طويلة من‏الانتظار الممل، وليس ذلك الا ببراعة يراعته، وغزارة‏علمه، وثقته بخالقه، وبنفسه، وبجهاديه: الاكبروالاصغر.

في هذه المقالة‏ط تناولت مقدمات الحوار الناجح، وفق‏ما استقصيته من كتاب ;ژرس‏ز÷المراجعات;ژرس‏ز÷ للسيد عبد الحسين‏شرف الدين، راجية من اللّه ان يوفقني ويعينني.. انه خيرناصر ومعين.

معاني الحوار 1 - المعنى اللغوي الحوار والمحاورة: المجاوبة، والتحاور: التجاوب،نقول: كلمته فما احار الى جوابا، وما رجع الى حويرا ولاحويرة ولا محورة ولا حوارا× اي ما ردجوابا.

واستحاره، اي استنطقه. وفي حديث امير المؤمنين (:«يرجع اليكما ابناكما بحور ما بعثتما به‏» × اي بجواب‏ذلك.((1)) وايضا، المحاورة: مراجعة الكلام. حاورت فلانا في‏المنطق، واحرت اليه جوابا. وما احار بكلمة، والاسم:الحوير، نقول:

سمعت حوير هما وحوار هما.((2)) 2 - المعنى الاصطلاحي يتوقف المعنى الاصطلاحي للمفردة على المعنى‏اللغوي في اغلب الاحيان، ومفردة الحوار هي احدى هذه‏المفردات.

الحوار، في الاصطلاح، هو: التجاوب والمراجعة التي‏تحدث بين طرفي الحوار، اي المتكلم والمخاطب،ويراد منه: تبادل المعلومات المستمر بينهما.

لقد ذم اللّه تعالى عبدة العجل من قوم موسى (، حيث‏وبخهم بان معبودهم فاقد لصفة مهمة يجب ان تتوافرفيه، اي القدرة على ارجاع الكلام والتجاوب، قال‏تعالى:((3))(افلا يرون الا يرجع اليهم قولا) [طه/89].

ان السيد شرف الدين، وحينما عنون كتابه‏ب‏-;ژرس‏ز÷المراجعات;ژرس‏ز÷، كان ناظرا الى المعنى الاصطلاحي‏لها، اذ ان المراجعة او المكاتبة تستلزم الارجاع‏والتجاوب المستمر بين كلا طرفي الحوار، او هو مانصطلح عليه اليوم بالحوار ;ژرس‏ز÷;ژرس‏ز÷حس‏خ‏ردچخا مقدمات الحوار الناجح 1 - تعيين الهدف تعيين الهدف من الامور الملحة التي يجب عدم تجاهلهافي مسالة الحوار، الهدف هو الثمرة المتوخاة في نهاية‏كل عمل صغيرا كان ام كبيرا. والهدف هو الذي يقيم‏العمل به بالنجاح او الاخفاق.

ولطالما عقدت المؤتمرات، واقيمت المهرجانات‏والندوات، وطبعت آلاف الكتب والمنشورات، لكنها لم‏تف بالغرض ولم تات بالمنشود، والسبب يعود الى‏عدم ادراج الهدف في قائمة الاولويات التي يجب‏الاعتماد عليها بوصفها اسسا للتواصل والتقارب‏والحوار.

لقد اتسم حوار السيد شرف الدين باسمى هدف توخاه‏في حياته، فقد كان يتطلع ومنذ شرخ شبابه، الى سبيل‏سوي يوقف المسلمين على حد يقطع دابر الشغب‏بينهم، ويوحدهم بالاعتصام بحبل اللّه اخوة بررة يشدبعضهم ازر بعض.((4)) 2 - التمهيد يعد التمهيد الخطوة الاولى التي يتبعها المتكلم، سواءكان في قاعة الدرس ام في مجال آخر كالبحث او الكتابة‏او الحوار، فالتمهيد واعداد الارضية المسبقة عامل‏اساسى في انجاح الفكرة المراد ايصالها الى‏المخاطب.

حينما اراد السيد شرف الدين ان يبدا بهدفه السامي‏للتقريب، وبتفريغ هم ما حمله، سافر الى مصر ارض‏الكنانة، ليسدد اللّه بايديه سهما منها فيصيب به غرضه،ولينال به امنيته التي تمناها، وقد نالها كما الهم، ووجدضالته كما اراد، يقول السيد:

;ژرس‏ز÷ضقت ذرعا بهذا، وامتلات بحمله هما، فهبطت مصراواخر سنة 1329ه‏- مؤملا في (نيله) نيل الامنية التي‏انشدها، وكنت الهمت اني موفق لبعض ما اريد، ومتصل‏بالذي اداور معه الراي، واتداول معه النصيحة، فيسدداللّه بايدينا من (الكنانة) سهما نصيب به الغرض، ونعالج‏هذا الداء الملح على شمل المسلمين بالتمزيق، وعلى‏جماعتهم بالتفريق، وقد كان - والحمد للّه - الذي‏املت، فان مصر بلد ينبت العلم، فينمو به على الاخلاص‏والاذعان للحقيقة الثابتة بقوة الدليل، وتلك ميزة لمصرفوق ميزاتها التي استقلت بها;ژرس‏ز÷.((5)) 3 - التعارف المسبق المتكلم والمخاطب ركنين اساسيين في عملية الحوار،والتعارف المسبق بين هذين الركنين، حتى وان كان‏قصير الامد، له نصيب كبير في انجاح عملية الحوار، فعن‏طريق التعارف المسبق يتم الالمام الدقيق بافكار الطرف‏المقابل ورؤاه وعقائده واسلوبه، واخيرا الوصول الى‏نقاط مشتركة، وآخرا الحصول على نتائج مثمرة.

لقد شد السيد شرف الدين رحاله الى ارض ;ژرس‏ز÷الكنانة;ژرس‏ز÷ليحقق غايته المنشودة، التي من اجلها قطع المسافات‏الطويلة ليقرب وليقترب، وقد حالفه الحظ حينما وجدالمواصفات التي كان يبحث عنها، متوافرة في شخصية‏شيخ الازهر يومئذ الشيخ سليم البشري، فقد اعجب به‏ايما اعجاب، وعد معرفته به حظا سعيدا، حيث‏يقول:

;ژرس‏ز÷... جمعني الحظ السعيد بعلم من اعلامها المبرزين،بعقل واسع، وخلق وادع، وفؤاد حى، وعلم عليم، ومنزل‏رفيع يتبواه بزعامته الدينية بحق واهلية.

وما احسن ما يتعارف به العلماء من الروح النقي،والقول الرضي، والخلق النبوي، ومتى كان العالم بهذااللباس الانيق المترف، كان على خير ونعمة، وكان الناس‏منه في امان ورحمة، لا يابى احد ان يفضي اليه بدخيلة‏رايه، او يبثه ذات نفسه;ژرس‏ز÷.((6)) ان التعارف الذي حدث بين السيد العاملي وبين الشيخ‏البشري كان تعارفا مباشرا ومستمرا، وهو الذي مهدالارضية للحوار.

4 - حسن الظن المتبادل وهي الخطوة التالية بعد سابقتها، ولا يمكن الحصول‏عليها الا بعد ان يعرف كل طرف من طرفي الحوارالطرف الخر معرفة دقيقة، وفي هذا يقول السيد شرف‏الدين: ;ژرس‏ز÷شكوت اليه وجدي وشكا الى مثل ذلك وجداوضيقا;ژرس‏ز÷.((7)) حينما يحمل كل من طرفي الحوار هموما مشتركة، فان‏هذه الهموم المشتركة هي التي ستكون المنطلق الاول‏للحوار الناجح، والتي على اساسها تتضح خطوات‏الحوار.

ان حسن الظن المتبادل الذي حصل بين علم من اعلام‏الشيعة وعلم من اعلام السنة، هو الذي جعلهما يبثان‏همومهما المشتركة، واي هم اكبر من ان يكون بين هاتين‏الطائفتين خلاف، ومبداهما واحد وعقيدتهما واحدة.

5 - التاكيد على المشتركات التقريب معناه التاكيد على المشتركات، فالاطراف‏المتنازعة ومهما اختلفت الا ان نقاط الاشتراك موجودة‏بينهما بلا شك، لكن التاكيد عليها يحتاج الى بصيرة،وتعمق، وتوافق، وفي هذا المجال يقول السيد شرف‏الدين:

;ژرس‏ز÷... وكانت ساعة موفقة اوحت الينا التفكير في ما يجمع‏اللّه به الكلمة، ويلم به شعث الامة، فكان مما اتفقنا عليه‏ان الطائفتين - الشيعة والسنة - مسلمون يدينون حقابدين الاسلام الحنيف، فهم في ما جاء الرسول به سواء،ولا اختلاف بينهم الا ما يكون بين المجتهدين في بعض‏الاحكام، لاختلافهم في ما يستنبطونه من الكتاب، اوالسنة، او الاجماع، او الدليل الرابع، وذلك لا يفضي بهذه‏الشقة السحيقة، ولا بتجشم هذه المهاوي العميقة. اذن،اي داع اثار هذه الخصومة المتطاير شررها مذ كان هذان‏الاسمان - سنة وشيعة - الى آخر الدوران;ژرس‏ز÷.((8)) 6 - تبيين موضع الخلاف موضوع الامامة من المواضيع المهمة، التي تتصدرقائمة الاختلاف بين الطائفتين، وهي مسالة يمكن‏اثباتها بالعقل والنقل، ويمكن الاعتقاد بها وقبولهابمجرد ان يرتدي الناظر اليها نظارات الانصاف والتجردعن التعصب.

يقول السيد شرف الدين: «ونحن لو محصنا التاريخ‏الاسلامي، وتبينا ما نشا فيه من عقائد وآراء ونظريات،لعرفنا ان السبب الموجب لهذا الاختلاف انما هو ثورة‏لعقيدة، ودفاع عن نظرية، او تحزب لراي، وان اعظم‏خلاف وقع بين الامة، اختلافهم في الامامة، فانه ما سل‏سيف في الاسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على‏الامامة. فامر الامامة اذن من اكبر الاسباب المباشرة لهذاالاختلاف، وقد طبعت الاجيال المختلفة في الامامة‏على حب هذه العصبية والفت هذه الحزبية، بدون تدبروبدون روية، ولو ان كلا من الطائفتين نظرت في بينات‏الاخرى نظر المتفاهم لا نظر الساخط المخاصم،لحصحص الحق، وظهر الصبح لذي عينين;ژرس‏ز÷((9)).

ان المتحاورين لا يمكنهما المحاورة بالشكل المجدي‏من دون تحديد موضوعها× وذلك لان للحوار وحسب‏الاهداف والمقتضيات والظروف، مواضيع شتى‏وعناوين مختلفة، وعدم تحديدها يعد اتلافا للوقت،واستنزافا للطاقات، وتبذيراللاموال، وفقدانا للاهداف‏والثمرات.

ان تحديد موضوع الخلاف بالامامة، هو اهم المواضيع‏التي اثارت وتثير الجدل بين الطائفتين، وتحديد السيدشرف الدين والشيخ البشري موضوع الحوار بالامامة،هو خير ما اتفقا عليه، وخير ما وصلا اليه.

7 - ترك التعصب يعد التعصب مانعا اساسيا من الوصول الى الاهداف‏المتوخاة من الحوار، وخصوصا اذا كان يهدف الى‏التقريب. فالتقريب معناه ان يستمع طرفا الحوار،احدهما للاخر، محترما عقائده وافكاره، تاركا له فرصة‏الدفاع عنها، لا ان يحمله ما يعتقده هو خاصة، اذ ان هذاخلاف معنى التقريب.

ان اهم معوق يحول دون تحقق التقريب بين الطائفتين،هو التعصب الجاف الحاكم على الاكثرية، والذي يشكل‏غمامة سوداء تقف امام شعاع الشمس الوضاء، فما على‏الجميع الا السعي الجاد الى ازالة هذا المعوق وازاحته×لتسطع شمس الحقيقة، ويتنعم الجميع بنورها، حتى‏ولو اغمض بعضهم عينيه.

ان اشد ما ابتلي به مجتمعنا الاسلامي هو التقليدالاعمى، والتصديق بكل ما قيل ويقال من دون التفحص‏والتدقيق اللازمين لاستجلاء الحقيقة.

يقول السيد شرف الدين: ;ژرس‏ز÷وقد فرضنا على انفسنا ان‏نعالج هذه المسالة بالنظر في ادلة الطائفتين، فنفهمهمافهما صحيحا، من حيث لا نحس احساسنا المجلوب من‏المحيط والعادة والتقليد، بل نتعرى من كل ما يحوطنامن العواطف والعصبيات...;ژرس‏ز÷((10)).

8 - تناسب شخصيات الحوار التناسب بين شخصية المتكلم والمخاطب ضرورة‏يجب ان تاخذ موقعها الجاد في عملية الحوار الناجح،ويمكن تلخيصه في نقطتين اساسيتين، وهما:

ا - التناسب العلمي ب - التناسب الاخلاقي ان تناول قضية مهمة وحساسة كقضية الامامة، يستلزم‏ان يتكفلها اشخاص ذوو كفاءة علمية، لهم المام بجميع‏ملابسات القضية، ولهم اطلاع كاف على الظروف‏الزمانية والمكانية التي احاطت بالقضية من اساسها، كمايمثل التناسب الاخلاقي لطرفي الحوار دوره المكمل‏لعملية الحوار الناجح، وهذا ما نراه جليا في تاريخ‏الحوارات طوال التاريخ، ولطالما خرج طرف النزاع‏باقتناع تام، وترك ما كان متمسكا به قبل دخول الحوار،وذلك بفضل الاسلوب الاخلاقي لطرفه المقابل،وحوارات الانبياء والمعصومين ( خير شاهد على مااقول.

ان من يقوم بقراءة ;ژرس‏ز÷المراجعات;ژرس‏ز÷ يلمس بوضوح الغزارة‏العلمية والخلق النبوي الرفيع، الذي تحلى به كل من‏السيد شرف الدين والشيخ البشري، وهذان العاملان همااللذان جعلا الحوار يسير نحو التوفيق والنجاح.

9 - الاحترام المتقابل عند مطالعة الباحث في ;ژرس‏ز÷المراجعات;ژرس‏ز÷ يلفت انتباهه‏الاحترام الفائق الذي كان يكنه كل من السيد والشيخ‏للاخر، وهذا ما نراه جليا في:

1 - تبادلهما التحية.

2 - احترام كل طرف منهما عقائد الطرف الخر.

3 - عدم استخدام الكلمات الجارحة والنابية.

4 - احترام كل طرف منهما مصادر الطرف الخر.

5 - مراعاة آداب الحوار.

10 ف نشدان الحقيقة يخضع الحوار غالبا لعوامل خارجية، سياسية تارة‏واقتصادية تحول دون تحقق اهدافه، والحوار الناجح هوالحوار الذي ينطلق من رغبة ذاتية في داخل كيان‏المتكلم والمخاطب، خالية من جميع ما يحيطهاويكتنفها من الظروف الزمانية والمكانية، بل وحتى من‏التحكيم النفسي، يقول السيد شرف الدين:

;ژرس‏ز÷وقد فرضنا على انفسنا ان نعالج هذه المسالة بالنظر في‏ادلة الطائفتين فنفهمهما فهما صحيحا، من حيث لانحس احساسنا المجلوب من المحيط والعادة والتقليد،بل نتعرى من كل ما يحوطنا من العواطف والعصبيات،ونقصد الحقيقة من طريقها المجمع على صحته،فنلمسها لمسا، فلعل ذلك يلفت اذهان المسلمين،ويبعث الطمانينة في نفوسهم، بما يتحرر ويتقرر عندنامن الحق، فيكون حدا ينتهي اليه ان شاء اللّهتعالى;ژرس‏ز÷((11)) .

فالوصول الى الحقيقة ولمسها اعلى هدف ينشده الحوارالناجح.

11 - تحقق الاهداف للحوار، وكما ذكرت اهداف يجب تعيينها قبل الخوض‏فيه، وتحقق الاهداف والوصول اليها هو الذي على‏اساسه يقيم الحوار بالنجاح او الاخفاق. لقد اتصفت‏مراجعات السيد شرف الدين والشيخ البشري، بانهاكانت تتوخى الوصول الى الحقيقة في امر الامامة، وقدابدع السيد شرف الدين بفضل حسن خلقه، وعذوبه‏بيانه، وبراعة يراعه، وغزارة علمه، وصبره وسعة صدره،ما اقنع الطرف المقابل وارشده الى طريق الحق‏والحقيقة والرشاد، حتى راح يشهد بذلك مقرا به:

«اشهد انكم في الفروع والاصول على ما كان عليه الائمة‏من آل الرسول(، وقد اوضحت هذا الامر فجعلته جليا،واظهرت من مكنونه ما كان خفيا، فالشك فيه خبال‏والتشكيك تضليل، وقد استشففته فراقني الى الغاية،وتمخرت ريحه الطيبة فانعشني قدسى مهبها بشذاه‏الفياح، وكنت - قبل ان اتصل بسببك - على لبس فيكم،كما كنت اسمعه من ارجاف المرجفين، واجحاف‏المجحفين، فلما يسر اللّه اجتماعنا اويت منك الى علم‏هدى، ومصباح دجى، وانصرفت عنك مفلحامنجحا ،فما اعظم نعمة اللّه بك على، وما احسن عائدتك لدى،والحمد للّه رب العالمين;ژرس‏ز÷((12)) .

التوجهات التقريبية لدى السيد شرف الدين ا. تحسين البدري المقدمة عملية التقريب والتوحيد من الطموحات الكبرى لكثيرمن علماء المسلمين، الا ان الطموح شي والخوض‏عمليا في التقريب شي آخر، ان الخوض في هذه العملية‏وممارستها عمليا لم يوفق اليه الا القليل منهم، وكان‏السيد شرف الدين من هؤلاء الذين وفقوا في هذه‏العملية.

في حياة السيد شرف الدين منعطفات اجتماعية‏وسياسية ودينية كثيرة اهل للدراسة والتحقيق، الا انااخترنا منعطفا واحداانعكس في آثاره العملية وتغلب‏على باقي المنعطفات، وهو منعطف الحوار بين‏المذاهب لاجل التقريب بينها.

ان الطابع الغالب في اعماله هو طابع الحوار المكتوب،وهو في هذا المجال عبارة اخرى عن الدراسات التقريبية‏المقارنة وغير المقارنة، فانه قلما تخلو اعماله من هذاالنوع من الدراسات، وقلما تخلو اعماله من الاشارة الى‏مرويات المذاهب الاخرى او آرائها. وباعتبار اعمالي‏السابقة التي اختصت بالحوار((13)) والدراسات‏المقارنة،((14)) وجدت في المؤتمر فرصة مناسبة‏لدراسة شخصية العلامة السيد شرف الدين وتحليلها من‏وجهة نظر تقريبية تنسجم مع خلفياتي الذهنية.