الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

في بداية هذا المقال، قسمت توجهات التقريب‏والتوحيد الى اربعة، وسعيت الى ان اتتبع آثار كل من‏التوجهات في اعمال السيد وسيرته، وفقا للمناهج‏العلمية المتبعة، فوجدته حاملا لتوجهين فقط، ولم اعثرعلى ما يدل على حمله للتوجهين الخرين.

من خلال دراستنا التحليلة التالية، اردنا بلورة معالم‏مدرسة السيد شرف الدين في التقريب بين المذاهب،وقد اتضح لنا انها مدرسة متميزة، ولم نقل منفردة×لان‏هناك جوانب دينية وسياسية ذات طابع تقريبي سبقه‏آخرون بها. ففي الجانب الديني صدرت من السيدالبروجردي وامثاله بوادر التقريب، والسيد شرف الدين‏لم يكن الاول والوحيد الذي خاض العمل التقريبي في‏هذا الجانب، وفي الجانب السياسي، فان السيد جمال‏الدين سبقه في الدعوة الى الوحدة السياسية بين‏المسلمين. ورغم ذلك كانت لمدرسة السيد شرف الدين‏التقريبية معالم متميزة تجعلها تختلف عن مدارس‏الخرين ممن سبقه او لحقه.

القسم الاول: توجهات التقريب يمكن تقسيم التوجهات التقريبية بين المسلمين الى‏سياسية ودينية، ويمكن ان تتبلور من كل منها مدارس‏ومناهج شتى.

فعلى الصعيد الديني، مثلا، حمل السيدجمال الدين منهجا في التقريب يختلف عن منهج السيدالبروجردي، والاخير يختلف منهجا مع السيد شرف‏الدين، وهكذا الخرون.

بالنسبة الى التوجه التقريبي في الشؤون‏السياسية((15))، فقد تمثل في الدعوة الى الوحدة‏الاسلامية على الصعيدين:

الحكومي الدولي والشعبي‏او الشعوبي، اما على الصعيد الديني، فيمكن تقسيمه‏الى قسمين: وحدوي وتقريبي، والتوجهات عبارة عماياتي:

التوجه الاول: عبارة عن الدعوة الى الوحدة بين‏الحكومات الاسلامية التي خاضها في الغالب قادة‏سياسيون من حكام بعض الدول الاسلامية، وقد لايكونون ذوي توجهات دينية بالضرورة، وتدخل منظمة‏المؤتمر الاسلامي ضمن هذه الجهود، وهي اهم ثمرة‏انتجتها المساعي المبذولة هنا، اذ انها تعد بادرة ايجابية‏اسهمت - بعض الشي - في فرض المسلمين ارادتهم‏احيانا على بعض الاصعدة العالمية.

بالطبع، لم تقتصر نشاطات هذا المؤتمر على الجوانب‏السياسية فحسب، بل شكل لجانا تعنى بقضاياالمسلمين غير السياسية كذلك، الا ان الطابع العام‏والاساسي لنشاطات هذا المؤتمر هو السياسة‏والاوضاع السياسية الدولية والاقليمية.

وباعتبار الاهداف الاساسية التي انبثق لاجلها هذاالمؤتمر، انحسرت تاثيراته المباشرة على حكومات‏الدول الاسلامية ولم تصل الى الشعوب، وكانت جل‏انعكاساته على الصعيد الحكومي الاقليمي والدولي من‏دون تاثير مباشر وملحوظ على الشعوب.

غالبا ما توجه البيانات الختامية لهذا المؤتمر خطابهاللحكومات والمنظمات الدولية، من دون السعي للتاثيرالمباشر على الشعوب المسلمة، وهذا التوجه عكس مايلاحظ في التوجه الثاني الذي استهدف الشعوب‏وعلماء المسلمين في خطابه ودعواته.

التوجه الثاني: وهو عبارة عن دعوة الشعوب الاسلامية‏الى الوحدة من خلال نبذ الخلافات او الاغضاء، مهماكانت، والتسامح في ما بينها. وقد كان امثال السيد جمال‏الدين ومحمد عبده من رواد هذه الحركة.

كان الهدف من الوحدة السياسية، بكلا توجهيها، هوتوحيد الطاقات والجهود لاجل تخليص العالم‏الاسلامي من اعدائه الاجانب او غير الاجانب من‏الحكام المستبدين والمسلطين على رقاب المسلمين،الا ان هذه الحركات والدعوات - كاى ظاهرة اجتماعية‏- كسبت نجاحات كما واجهت اخفاقات في طريقها،لكن الذكر الحسن والمجد يعدان اوسمة منحها التاريخ‏لمن سلك هذا الطريق وعانى من اجله.

المبدا الاساسي الذي اعتمده رواد هذين التوجهين هوالمصلحة السياسية، سواء كانت على مستوى الشعوب‏ام الحكومات، فان الهموم المشتركة، وبخاصة في زمن‏انبثاق حركات التوحيد السياسية، وهي عبارة عن‏استعمار الدول الاسلامية وامتصاص دماء شعوبها،وكذلك استبداد قادة هذه الدول، جعل من الوحدة‏ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها.

والملاحظ، في هذين التوجهين، استخدام مفردة الوحدة‏بدلا من التقريب، وهو استخدام مناسب ولا اشكال فيه،من حيث امكانية الوحدة الحقيقية بين المسلمين في‏الجانب السياسي، فان السياسة بامكانها ان تجمع‏اصحاب الافكار والرؤى حتى المتضادة منها، فهي تعدالقاسم المشترك بينها، ولهذا نرى تحالفات سياسية‏اقليمية ودولية بين دول مختلفة عقديا ودينيا، عكس ماعليه التوجهين الخرين، فان الوحدة الحقيقية فيهما شبه‏مستحيلة في الظروف الحالية.

التوجه الثالث: وهو عبارة عن التقريب المذهبي‏بمستوياته العالية على نحو التذويب والمزج في‏المجال الثيولوجي ( ( ش‏خ‏ردرحخث والايديولوجي ((دچح‏خخ‏ردرححپ او العقدي والفقهي، ويقضي بان تذوب‏المذاهب الاسلامية المختلفة في مذهب واحد يحمل‏عنوان الاسلام، وتوحد المذاهب توحيدا حقيقيا ومن‏جميع الجوانب، واهمها العقائد او اصول الدين.

وهذا النوع من التقريب لم يقل به احد من علماءالاسلام، ولهذا لا يمكن العثور على دراسات في هذاالمجال، اضافة الى ذلك فانه يواجه اشكاليات مبدئية‏و;ژرس‏ز÷مبنائية;ژرس‏ز÷ جمة، فانه ينبغي ان يعتمد مبادئ مدروسة‏متفقا عليها، وذات نتائج قطعية لا يمكن العدول عنهاولا تترك مجالا للتشكيك والتردد، كما يفترض في هذاالمجال اعداد الشعوب الاسلامية واتباع المذاهب‏لاستقبال نتائج هذا التوحيد وتقبلها مهما كانت، وهذاامر صعب المنال في الافق القريب على اقل‏تقدير.((16)) حركة التقريب بين المذاهب الاسلامية على العكس من‏حركة التقريب بين الاديان، لم تتبلور فيها نظريات‏توحيد تامة، بينما تبلورت هكذا نظريات في حركات‏التقريب بين الاديان،((17)) وهذا يكشف عن حدة‏التعصبات التي عانت منها المذاهب، والتي زادالاستعمار من حدتها على نهج ;ژرس‏ز÷فرق تسد;ژرس‏ز÷، ومراجعة‏تاريخ الدول الاسلامية وشعوبها ومعاناتها الفرقة يسوغ‏عدم تبلور نظريات توحيدية.

لقد فرت مجامع التقريب، منذ بداية تبلورها، من هذاالنوع من التقريب ونفته بشدة بنحو او بخر، ففي العددالاول من مجلة ;ژرس‏ز÷رسالة الاسلام;ژرس‏ز÷ الناطقة عن دار التقريب‏بين المذاهب الاسلامية بالقاهرة، ثبتت المجلة طلبالبعض الحجازيين بالايضاح عن مهمة دار التقريب، ومااذا كانت هذه الدار تسعى لدمج المذاهب بعضها بالخرام لا؟ فكتبت ما ياتي:

;ژرس‏ز÷خير ما نجيب به عن هذا السؤال هو ان ننشر ما كتبناه‏بهذا الشان الى حضرة صاحب الجلالة الملك عبدالعزيزآل سعود، وهذا نصه بعد الديباجة:

ان قانون جماعة التقريب بين المذاهب الاسلامية وبيانهايوضحان البواعث التي دعت الى تكوين هذه الجماعة،والمال التي يرجى ان تتحقق على يديها للمسلمين‏جميعا ان شاء اللّه، ومع هذا نحب ان نبين في كتابنا هذاالى جلالتكم بعض الحقائق التي يفيد بيانها في تحديدغايتنا واهدافنا:

1 - ان جماعة التقريب لا تريد المساس بالفقه‏الاسلامي، ولا ادماج مذاهبه بعضها في بعض، بل هي -على النقيض من ذلك - ترى في هذا الاختلاف الفقهي‏مفخرة للمسلمين× لانه دليل على خصوبة في التفكير،وسعة في الافق، واستيفاء وحسن تقدير للمصالح التي‏ما ان‏-زل اللّه شريعته الا لكفالتها وصونها، وكل ما تبذله‏الجماعة من جهود في سبيل الفقه الاسلامي، انما هو في‏دارة خدمته وتنميته، وتسليط نوره الوهاج على شؤون‏الحياة الاسلامية كلها، وبحث المشكلات التي جدت‏وتجد ولم يتضح للناس حكم اللّه فيها...;ژرس‏ز÷.((18)) التوجه الرابع: وهو التقريب من الناحية العقدية والفقهية‏بمستوياته الدنيا، وهو ما مارسته وتمارسه مجامع‏التقريب في بعض الدول الاسلامية مثل ايران ومصر،وتعد هذه المجامع من اهم ما قام به علماء الاسلام في‏سبيل التقريب بين المذاهب الاسلامية.

المشتركات المذهبية تعد اهم مبدا اعتمده رواد هذه‏النهضة، وهي اعظم واكثر من الامور المختلف فيها،وتشكل امور، من قبيل: التوحيد والنبوة والمعاد والقرآن‏والسنة، اساسيات هذه المشتركات ومصاديقها، ويمكن‏عدها منطلقا للحوار من اجل رفع سوء التفاهم،والتقريب في النهاية.

اضافة الى المشتركات الكلية الكبرى التي اشرنا اليها،هناك مشتركات جزئية مبثوثة في التعاليم الدينية‏جميعها، سواء الفقهية منها ام غير الفقهية، فان كثيرا من‏قواعد الاصول والقواعد الفقهية مشتركة في العنوان‏والمحتوى، وبعضها في المحتوى والعنوان، وهي من‏دون شك، تؤثر ايجابا في التقريب بين المذاهب،واستنباط علمائها احكاما وتعاليم مشتركة.

التقريب والحوار رغم اختلاف هذه التوجهات بعض الشي الا انها جميعهاتعتمد اساسا واحدا، وهو مبدا الحوار، فهو يشكل الركن‏الاساس في اي عملية تقريبية او توحيدية.

ان الحوار هو المبدا المشترك، والمنطلق الاول لعملية‏التوحيد او التقريب مهما كان دافعها وتوجهها، ولاتقريب من دون حوار، بل لا يمكن تصور معنى التقريب‏من دون تصور الحوار، فاذا كان التقريب يستهدف‏التوحيد او التفاهم وتبادل الرؤى والافكار لرفع‏الابهامات والمفاهيم المغلوطة التي يحملها كل منا عن‏الخر، فلا بد من ان يكون الحوار وسيلة كل هذه الغايات‏وطريق الوصول اليها.

مما يمكن ان يختلف في عملية الحوار هو آلياته‏المستخدمة، فان له آليات متعددة تتغير حسب الزمان‏والمكان والظروف، ويمكن ذكر الموارد التية بوصفهاابرز آليات له.

1 - التواصل المباشر المتمثل في المناظرات‏والنقاشات المباشرة.

2 - الدراسات المقارنة.

3 - اقامة المؤتمرات التقريبية.

4 - المهرجانات والنشاطات الفنية((19)).

العلاقة بين التوجهات تقسيم التوجهات الى اربعة لا يعني بالضرورة تنافيها،ولا يعني ايضا ان الذي يمارس واحدا منها لا بد من ان لايمارس الباقي، بل قد تتداخل وقد تنفرد، فالتوجه‏السياسي الاول الذي يعنى بتوجيه الخطاب الى‏الحكومات ورؤساء الدول غالباما يتخصص ممارسوه‏من الحكام والقادة السياسيين في هذا ولا يعتنون‏بالجوانب الاخرى، وعلى العكس من ذلك التوجهات‏الاخرى، فان الذين يمارسون عملية التقريب على‏المستوى الشعبي والفردي والجماعي في المجال‏السياسي، فانهم يمارسونه على الصعيد الديني‏كذلك.

ان نشاطات السيد شرف الدين التقريبية - كما سنعرف‏ذلك - توزعت على غير صعيد، بعضها ذو بعد وتوجه‏واحد، وبعضها الخر ذو بعدين، وجل نشاطات السيدتحمل اكثر من بعد، لكنا سعينا في هذا المجال الى‏التفكيك بين ابعادها× لتحديد التوجهات التي كان‏يحملها تحديدا مضبوطا والتاكيد عليها، وفقا لمايقتضيه البحث العلمي.

لا يمكن القول، في كتابيه: ;ژرس‏ز÷الفصول المهمة في تاليف‏الامة;ژرس‏ز÷ و;ژرس‏ز÷المراجعات;ژرس‏ز÷: انهما كتبا مع لحاظ الجانب‏الديني للتقريب فقط، او مع لحاظ الجانب السياسي‏للتقريب فقط، بل قد لوحظ فيهما كلا الجانبين على نحوالمزج، بحيث استهدف الجانب السياسي والديني في آن‏واحد، رغم انه بالامكان استفادة الجانب الديني فحسب‏من بعض فقراتهما، او الجانب السياسي من بعضهاالخر.

القسم الثاني: توجهات شرف الدين التقريبية لا شك في ان السيد شرف الدين يحمل توجهات‏تقريبية، واعماله الخالدة وسيرته ومشاريعه التي نفذهاتكشف عن هذه التوجهات، لكن الذي نريد التعرف اليه‏هنا هو نوعية تلك التوجهات التي كان يحملها في اطارتقسيم التوجهات الى اربعة اقسام، والتي سبق الحديث‏عنها. فنبت بتتبع اعمال السيد× لنعثر على ميوله في كل‏منها ان كانت موجودة.

شهادات له بالتقريب يقول العلامة السيد محمد صادق الصدر في ترجمته‏للسيد:

;ژرس‏ز÷لقد ناضل وجاهد سيدنا ما وسعته الظروف‏طوال حياته، يدعو المسلمين الى وحدة الصف، وجمع‏الكلمة، والبعد عن العصبية الذميمة في خطبه البليغة،ومجالسه الحاشدة ومؤلفاته القيمة;ژرس‏ز÷((20)).

شهد للسيد بروحية الدعوة الى الوحدة الاسلامية كل من‏ترجم له من علماء الشيعة، واكبر له روحيته هذه، كماشهد بها من علماء السنة رشيد رضا، اذ اكبر في السيدروحية التفاهم والدعوة الى الوحدة بين المذاهب في‏مجلة ;ژرس‏ز÷المنار;ژرس‏ز÷.((21)) وبمناسبة وفاة السيد كتبت ;ژرس‏ز÷رسالة الاسلام;ژرس‏ز÷ تقريظا له‏تنعاه فيه، باعتباره احد كتابها واحد الداعين الى‏التقريب، ورد في مقطع منه: ;ژرس‏ز÷وقد اختمرت في راسه‏فكرة التقريب بين المسلمين منذ شبابه، حتى اذا سمع‏بدعوتها اول نشاتها، خف اليها يؤيدها وينصرها ويدعولها ويزكيها ويفخر بالانتساب اليها، وظل على عهده ذاك‏الى ان رفعه اللّه اليه;ژرس‏ز÷((22)).

وهذه شهادة اخرى تضم الى باقي الشهادات عن‏توجهات السيد التوحيدية، التي استهدف منها توحيدالمسلمين سياسياواجتماعيا .

التوجه الاول التوجه الاول، كما مر بنا، وحدوي سياسي، وقد تزعم‏الحركة نحوه بعض حكام الدول الاسلامية في ظل‏ظروف الاستعمار والاستغلال التي عاشها المجتمع‏الاسلامي، وفي ظل التكتلات الدولية التي كانت تمضي‏قدما للسيطرة على اكبر قدر ممكن من ممتلكات الدول‏واراضيها، نهض بعض الحكام لايجاد وحدة بين الدول‏الاسلامية للوقوف امام الاهداف التوسعية للدول غيرالاسلامية، ولفرض الارادة والرؤى على الصعيد الدولي‏من خلال تجنيب العالم الاسلامي الاختلافات الداخلية،فكانت افضل ثمرة له تشكيل منظمة المؤتمر الاسلامي‏الذي نال نجاحا نسبيا في تحقيق اهدافه.

طبيعة الظروف السياسية والاجتماعية التي عاصرهاالسيد شرف الدين، وشان السيد نفسه، لم يتيحا له‏الفرصة لان يمارس عملية التوحيد بين حكومات الدول‏الاسلامية وحكام المسلمين، كما ان موقفه، بوصفه‏شيعيا، غالبا ما يكون موقف ناقد ورافض للحكام الذين‏تسلطوا على رقاب المسلمين واستبدوا، وما استهدفوامن الحكومة والقيادة الا مصالحهم الشخصية، اضافة الى‏ان القيام بعملية توحيد بين قادة الممالك الاسلامية شان‏يستصعب صدوره من عالم دين في ظل الظروف التي‏عاشها السيد شرف الدين.

ورغم انه كانت للسيد علاقات بسيطة بين الحكام مثل‏الملك فيصل الاول، وكان قد زاره - كما ينقل بعض‏المترجمين له((23)) - الا انه لم تؤثر عنه حركته بين‏زعماء البلاد العربية - فضلا عن الاسلامية - لاجل‏توحيدهم ورص صفوفهم. ومن خلال متابعة شاملة في‏التراجم الماثورة، يمكن القول: انه لم يكن حاملا لهكذاتوجه في تلك الظروف، واذا كان حاملا فانه لم يبرزه‏لسبب وآخر.

التوجه الثاني هذا التوجه يتبنى الحركة التقريبية على صعيد الشعوب‏من دون الدول وحكامها، ويسعى الى اقرار مباني‏الوحدة السياسية والاجتماعية بين الشعوب الاسلامية‏وحركاتها الشعبية مع غض النظر عن الحكومات.

ان المبدا الاساسي الذي يعتمده هذا التوجه، هو ايجادروحية الالفة الاجتماعية والسياسية بين المسلمين،واقرار حالة الحوار بين علمائها واصحاب الحل والعقد×لاجل حل ما علق من سوء تفاهم ومشاكل بين‏المسلمين قاطبة.

منهج السيد شرف الدين في التوجه الثاني كانت للسيد شرف الدين ميول ومساع في هذا المجال،وقد انعكست ميوله ورغبته في وحدة الشعوب‏الاسلامية في كتبه غير مرة، ومع لحاظ المبدا الاساسي‏الذي اعتمده هذا التوجه، فقد كرس جزءا من جهوده في‏سبيل ايجاد هذه الوحدة.

1 - آثار التقريب في كتبه في مقدمة كتابه ;ژرس‏ز÷الفصول المهمة;ژرس‏ز÷، بعد ما يحمد اللّهويصلي ويسلم على الرسول وآله، يقول:

;ژرس‏ز÷لا تتسق امور العمران، ولا تستتب اسباب الارتقاء، ولاتنبت روح المدنية، ولا تبزغ شموس الدعة من ابراج‏السعادة، ولا نرفع عن اعناقنا نير العبودية بيد الحرية‏الاباتفاق الكلمة، واجتماع الافئدة، وترادف القلوب،واتحاد العزائم، والاجتماع على النهضة بنواميس الامة،ورفع كيان الملة، وبذلك تهتز الارض طربا، وتمطرالسماء ذهبا، وتتفجر ينابيع الرحمة من قلب المواساة،فتجري في سهوب الترقي، وتتفرق في بيد العمران‏واخاديد الحنان والاتحاد، فتنشر روح الانسانية من‏اجداثها، وتحشر الملة الفطرية من رفاتها، ويتبلج‏القسط...;ژرس‏ز÷.

ومن الواضح ان عبارات من قبيل ;ژرس‏ز÷امور العمران;ژرس‏ز÷و;ژرس‏ز÷الحرية;ژرس‏ز÷ و;ژرس‏ز÷اتفاق الكلمة;ژرس‏ز÷ و;ژرس‏ز÷نير العبودية;ژرس‏ز÷ و;ژرس‏ز÷الاجتماع‏على النهضة بنواميس الامة;ژرس‏ز÷ وما شابهها من العبارات‏الواردة، ذات ابعاد سياسية - اجتماعية يريد بها الدعوة‏الى الوحدة في سبيل عمران البلاد الاسلامية، وتحررهامن عبودية الاجانب وسلاطين الجور، وقد اشار في‏المقطع المتقدم الى اهمية الاتحاد وفوائده.

ثم يشير الى مضار الفرقة ونتائجها السلبية قائلا: ;ژرس‏ز÷اما اذاكانت الامة اوزاعا متباينة، وشيعا متباغضة لاهية بعبثها،غافلة عن رقيها، لتكونن حيث منابت الشيح ومهافي‏الريح اذل الامم دارا واجدبها قرارا، مذقة الشارب ونهمة‏الطامع، وهدف السهام وقبسة العجلان في باحة ذل‏وحلقة ضيقة وعرصة موت وحومة بلاء، لا تاوي الى‏جناح دعوة، ولا تعتصم بظل متعة، فحذار حذار من بقاءالفرقة، وتشتت الالفة، واختلاف الكلمة، وتنافرالافئدة;ژرس‏ز÷.

ومن الواضح هنا ان عبارات من قبيل ;ژرس‏ز÷غافلة عن رقيها;ژرس‏ز÷و;ژرس‏ز÷اذل الامم;ژرس‏ز÷ و;ژرس‏ز÷هدف السهام;ژرس‏ز÷ وما شابه ذلك، تشير الى‏معنى سياسي بالعبارات الدارجة في عالم السياسة‏والاعلام آنذاك، وقد استهدف بها خطاب الوجدان‏السياسي للوحدة والتقريب بين المسلمين.

ثم يلمح الى ضرورة اخذ المسلمين - ومن خلال‏وحدتهم وتكاتفهم - دورهم في عجلة التطور التي‏اخذت تعم الكرة الارضية، اذ يقول: ;ژرس‏ز÷الا وانا في عصرالعلم، ودور الذكاء والفطنة، قد تفجر لذوي العصر ينبوع‏الحكمة، وتقشعت عن ابصارهم غياهب العشوة، فزهركهرباء النور من افكارهم، واشرقت شموس الفضل من‏وجوههم. فهلا شرعوا خط‏ي اقلامهم وجردوا صوارمها،ووتروا قسى افكارهم وناضلوا بوظائف الانسانية،ورفعوا منارها، وهتفوا بدعوة التمدن واعتنوا باتحادالتشيع والتسنن...;ژرس‏ز÷((24)) .

سمى اول فصل من الكتاب نفسه ;ژرس‏ز÷في الاجتماع‏والالفة;ژرس‏ز÷((25)) ، اورد فيه اليات والروايات الداعية الى‏الاتحاد والاخاء بين المؤمنين، فاورد فيه آيات من قبيل:(انما المؤمنون اخوة((26)) و(ولا تكونوا كالذين تفرقواواختلفوا من بعد ما جاءهم‏البينات واول‏-ئك لهم‏عذاب عظيم((27)) و(واعتصموا بحبل اللّه جميعا ولاتفرقوا((28)) .

كما اورد بعض الروايات ذات الصلة من قبيل الروايات‏التية:

قال رسول الل (: ;ژرس‏ز÷لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولاتؤمنون حتى تحابوا، اولا ادلكم على شي اذا فعلتموه‏تحاببتم؟ افشوا السلام بينكم;ژرس‏ز÷((29)) .

وقال(: ;ژرس‏ز÷ذمة المسلمين واحدة يسعى بها ادناهم، وهم يدعلى من سواهم، فمن اخفر مسلما فعليه لعنة اللّهوالملائكة والناس اجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة‏صرف ولا عدل;ژرس‏ز÷((30)) .

هذه اليات والروايات تشير الى الجانب السياسي‏والاجتماعي للوحدة بين المسلمين، ولا تعرض لها الى‏جوانب اخرى كالعقائد والفقه وما شابه.

وفي الكتاب نفسه الكثير من اليات والروايات وكلمات‏العلماء ورد بعض الشبهات الواردة في هذا المجال،والتي تفيد المعنى وتؤكده باساليب وعبارات متفاوتة،وقد وردت هذه بخاصة في الفصول التية:

-السنة كالشيعة يجمعهم الاسلام.

-نجاة جميع الموحدين.

-اسباب الفرقة والتباعد.

وعناوينها واضحة في مضامينها، بل يمكن القول:ان‏الهدف الاول والاساس من تدوين هذا الكتاب ونشره‏هو الوحدة السياسية والاجتماعية، والاهداف الاخرى‏تعد ثانوية.

وفي كتابه ;ژرس‏ز÷المراجعات;ژرس‏ز÷ اشار الى الجانب السياسي من‏الوحدة ضمن بيان فكرة تدوين الكتاب، وذكر ان هاتعود الى ايام شبابه، اذ قال: ;ژرس‏ز÷اما فكرة الكتاب فقد سبقت‏مراجعات سبقا بعيدا، اذ كانت تلتمع في صدري منذشرخ الشباب، التماع البرق في طيات السحاب، تغلي‏في دمي غليان الغيرة، تتطلع الى سبيل سوي يوقف‏المسلمين على حد يقطع دابر الشغب بينهم، ويكشف‏هذه الغشاوة عن ابصارهم× لينظروا الى الحياة من‏ناحيتها الجدية، راجعين الى الاصل الديني المفروض‏عليهم، ثم يسيروا معتصمين بحبل اللّه جميعا، تحت‏لواء الحق الى العلم والعمل، اخوة بررة يشد بعضهم ازربعض;ژرس‏ز÷((31)) .

وفي هذه الكلمات، اشارات واضحة الى الوحدة التي‏يدعو اليها، فان الدعوة الى قطع دابر الشغب بين‏المسلمين، والسير معتصمين بحبل اللّه، وشد بعضهم‏ازر بعض، عبارات ذات طابع سياسي واجتماعي اكثرمن الطابع الديني.

وفي كتابه: ;ژرس‏ز÷الى المجمع العلمي العربي بدمشق;ژرس‏ز÷ يدعورجال المجمع والمسلمين كافة الى الوحدة ويقول:;ژرس‏ز÷وارجو من رجال المجمع ومن المسلمين اجمع ان‏يؤثروا وحدتهم الاسلامية على خصائصهم المذهبية،فلا يتعصب اهل مذهب منهم على مذهب آخر، ليكون‏الجميع احرارا في ما قادهم الدليل الشرعي اليه، كما كان‏عليه سلفهم في صدر الاسلام، فان فعلوا ذلك كانوا في‏ظل منعة لا تضام، والا فهم هدف السهام وموطئ الاقدام‏اعاذهم اللّه;ژرس‏ز÷((32)) .

وبعباراته الاخيرة، يذكر رجال المجمع والمسلمين‏بمخاطر التفرق، يبين ان نتيجته هجوم الاعداءوالانسحاق تحت اقدامهم، اعاذهم اللّه من ذلك.

2 - جهاده الاستعمار ان الاستعمار، في عهد السيد شرف الدين، كان همامشتركا لدى الشعوب الاسلامية، سنة وشيعة، وبافتائه‏جهاد المستعمرين وخوضه الجهاد ضدهم، اسهم عمليافي حل احدى مشاكل المسلمين المشتركة واخذ دوره‏فيها.

ان ازمة الاحتلال والاستعمار، التي كانت تعاني منهاالشعوب الاسلامية، حقيقية وغير مطلوبة، لكن السيدشرف الدين وظفها لاجل اقرار الوحدة وتنبيه الشعوب‏الاسلامية، شيعة وسنة، بضرورة الوحدة لاجل التغلب‏على هذه الازمة.

ان توظيفه هذه الازمة لغرض التوحيد لا يمكن اعتباره‏انتهازا سياسيا وبراغماتية سياسية، بل التوظيف كان‏لاجل مصالح دينية وسياسية عامة، لا لاجل مصالح‏سياسية فردية او فئوية وطائفية، فهو لم يكن من طلاب‏الزعامة والحكومة، كما انا لم نجد لديه ن‏-زعة طائفية‏تجعلنا نحكم عليه بالبراغماتية، واصح ما يمكن ان‏نحكم به على السيد هنا، هو ذكاؤه السياسي الخارق،وقيامه بالوظيفة الدينية في تلك الظروف.

يقول العلامة السيد محمد صادق الصدر: ;ژرس‏ز÷كان جهادالسيد، في العهد العثماني، مقتصرا على الجهاد الديني×لان الدولة الحاكمة في لبنان هي دولة مسلمة تقيم‏الشعائر الدينية كما يفرضها الاسلام، ولكن الفرنسيين‏جاءوا الى الحكم واستولوا على البلاد، فاظهروا فيهاالفساد وعطلوا الاحكام وتحكموا في رقاب الناس، الامرالذي لا يمكن الصبر عليه.

وقد اخذ السيد ( ينبه الافكار الى هذا التعسف والظلم،وشرع يعقد الاجتماعات مع من كان يثق بهم، ويتوسم‏فيهم النجدة والشهامة والوطنية، محفزا هممهم الى مايرجوه الوطن منهم من مواقف وطنية مشرفة;ژرس‏ز÷((33)).

ثم يشير السيد الصدر الى البادرة الجبارة التي بلورهاالسيد شرف الدين، وهي دعوة علماء البلاد، اي جبل‏عامل، الى مؤتمر افتى فيه بجهاد المستعمرين، اذ يقول:;ژرس‏ز÷وقد راى السيد ( ان يبدا بالعلماء يتشاور معهم على‏خطة موحدة يسير عليها الجميع، فدعاهم الى مؤتمرعام عقد في ;ژرس‏ز÷وادي الحجير;ژرس‏ز÷ حضره علماء البلادوزعماؤها، وقد افتى السيد بالجهاد، وايد الجميع فتواه،ثم عاد الجميع الى ديارهم يحكمون الخطط ضدالفرنسيين على قدر ما تسمح لهم الظروف;ژرس‏ز÷((34)) .

رغم ان المدعوين الى المؤتمر من اصحاب الحل والعقدمن الشيعة، الا ان ذلك لا يعني اقصاء السنة من عملية‏تحقيق الاستقلال او عدم رؤية الاهلية فيهم او ما شابه،بل ان الظروف الجيوسياسية التي كانت تحكم جبل‏عامل آنذاك ومطالبة بعضهم بالحاق هذا الجزء من لبنان‏بسورية، ومسائل من هذا القبيل حالت دون اشراك السنة‏في هذا المؤتمر، والا فالمشكلة مشتركة بين السنة‏الشيعة، ولا تخص الشيعة وحدهم.

ان هذه الخطوة الذكية التي صدرت من السيد شرف‏الدين تعبر عن ذروة نشاطه التقريبي، وحدة ذكائه في‏الافادة من المشاكل المشتركة لاغراض ايجابية كالوحدة‏السياسية، والتقريب بين اتباع المذاهب الاسلامية‏المختلفة. ان تاييد علماء البلاد لفتواه بالجهاد، وعدم‏مخالفتهم اياه، يكشف عن الوئام السياسي الذي كان‏يحكم لبنان وجبل عامل آنذاك، الامر الذي اسهم السيدفي ايجاده وبلورته طوال تواجده هناك.

ان فتواه بالجهاد، والتاييد الذي لاقاه من جراء فتواه،جعلا السيد رمزا من الرموز الوطنية، لا ينحصر بالطائفة‏الشيعية، بل يشمل الطوائف الاسلامية جميعها.

وفي هذا المجال، ينقل السيد محمد صادق الصدران‏الناس بعد فتواه قدموا لاعلان البيعة وابرام العهد معه‏في الجهاد، حيث قال: ;ژرس‏ز÷واخذ الناس يفدون على دارالسيد، ويوقعون المضابط التي تصرح برفضهم لحكم‏الفرنسيين والمطالبة بالاستقلال الناجز;ژرس‏ز÷((35)) .

وفي المجال نفسه، لم نجد - حسب مطالعتنا لتراجمه‏- ما يدل على مخالفة اى من زعماء الطوائف الاسلامية‏الاخرى توجهات السيد ونشاطاته في هذا المضمار، اواتهامه بترجيح مصالح طائفة على مصالح الطوائف‏الاخرى، وهذا هو سر تاييد زعماء الطوائف له، والعمل‏بما ينسجم مع فتواه بالجهاد ومناهضة الاستعمارومقاومته× لاجل كسب استقلال لبنان.

هذا، اضافة الى مواقف وكلمات سجلت له في جهادالعرب والجيوش العربية للمحتلين من قبيل القصة‏التالية التي ينقلها احد المترجمين له:

;ژرس‏ز÷ان السيد قصد الملك فيصل الاول في دمشق، يوم كان‏ملكا عليها، على راس وفد من العلماء. فلما انتهت‏الزيارة واراد العودة الى جبل عامل، ارسل الملك للسيدمع فخامة السيد الجابري مبلغ خمسة آلاف ليرة عثمانية‏هدية للسيد فتقبلها السيد شاكرا، ثم ارجعها للجابري‏لتقدم باسم السيد هدية الى الجيش العربي في سورية،ثم قال: تمنيت ان اكون درهمالاضع نفسي في صندوق‏الجيش العربي لادافع عن الاسلام والعرب;ژرس‏ز÷((36)) .

3 - اسفاره كانت للسيد شرف الدين اسفار وزيارات لكل من دمشق‏ومصر وفلسطين وغيرها((37)) ، والذين ترجموا له لم‏ينقلوا الشي الكثير عن نشاطاته في هذه الاسفار، لكن مع‏الاخذ بنظر الاعتبار احساسه بالمسؤولية الدينية‏والسياسية، وكذلك التركيبة المذهبية لهذه الدول، من‏المسلم به ان السعي الى ايجاد الوحدة السياسية‏ومقاومة الاستعمار والمستبدين من الحكام المتسلطين‏على رقاب الناس آنذاك، من ضمن الاهداف والنشاطات‏التي مارسها في اسفاره تلك.

وعن نشاطاته في دمشق ينقل الشيخ مرتضى آل ياسين:;ژرس‏ز÷وظل في دمشق تجيش نفسه بالعظائم، وتحيط به‏المكرمات، في ابهة من نفسه، ومن جهاده، ومن ايمانه،وكان في دمشق يومئذ مداولات ملكية واجتماعات‏سياسية وحفلات وطنية، تتبعها اتصالات بطبقات‏مختلفة من الحكومة والشعب، كان السيد فيها جميعهازعيما من زعماء الفكر، وقائدا من قادة الراي، ومعقدامن معاقد الامل في النجاح;ژرس‏ز÷((38)) .

وان لم ينقل الشيخ آل ياسين وغيره من المترجمين‏للسيد شرف الدين مضمون افكاره ورؤاه التي كان‏يطرحها في تلك التجمعات، الا انه من المسلم به كونهاذات توجه توحيدي لا العكس، وذلك للدليلين‏التيين:

ا - لم ينقل لنا التاريخ المعاصر تظلما من عالم غيرشيعي او حاكم مما يطرحه السيد شرف الدين من افكارورؤى تثير التفرقة لدى المسلمين.

ب - كتاباته التي مرت الاشارة الى جزء منها دليل على‏توجهاته، ولا يوجد ما يدل على مخالفته لهذه‏التوجهات في المواطن الاخرى.

وبالنسبة الى سفره الى مصر ينقل انه كانت له عدة‏لقاءات مع شخصيات مثل رشيد رضا((39)) .

وبالنسبة الى سفره الثاني الى مصر، ينقل الشيخ آل‏ياسين:

;ژرس‏ز÷وحين وصل مصر، احتفلت به وعرفته بالرغم‏من تنكره وراء كوفية وعقال في طراز من الهندام على‏نسق المالوف من الملابس الصحراوية اليوم، وكانت له‏مواقف في مصر وجهت اليه نظر الخاصة من شيوخ‏العلم واقطاب الادب ورجال السياسة على نحو ماتقتضيه شخصيته الكريمة;ژرس‏ز÷((40)) .

احتفال مصر به واستقبالها له يكشف عمليا عن انشراح‏صدره وتوجهاته التوحيدية، وسواسية نظراته الى‏الشيعة والسنة، ولو كان من ضيقي الصدر، وممن لايرون مجالا للوحدة، لما ترك اثرا في قلوب المصريين‏دعتهم لاستقباله والاحتفال به رغم تنكره بملابس‏غريبة.

يبدو ان توحيد الصف الاسلامي كان من اهداف سفره‏الثاني الى مصر، منضما الى الاهداف الاخرى، فانه لاشي يسوغ اختياره مصر من دون غيرها، من قبيل الترفيه‏او الزيارة، فليس في مصر مراقد ومزارات تستدعيه‏لتحمل مشاق السفر في ذلك العصر، كما ان شخصية‏السيد اجل من القول بانه استهدف امورا شخصية من‏سفره الى هناك، وقد شهد بذلك السيد محمد صادق‏الصدر في ترجمته للسيد شرف الدين، اذ قال:

;ژرس‏ز÷وبعد سنتين من نشر كتابه الجليل((41)) سافر الى مصريبشر بالدعوة الى الوحدة الاسلامية العامة بخطاباته‏البليغة وكلماته الماثورة...;ژرس‏ز÷((42)) .

وفي مقدمته ل‏-;ژرس‏ز÷المراجعات;ژرس‏ز÷، ضمن بيان ملابسات‏كتابته، يشير الى سفره الى مصر، ويرى ان السفر يدخل‏ضمن الجهود التي مارسها لكتابة هذا الكتاب، اذ يقول:;ژرس‏ز÷ضقت ذرعا بهذا، وامتلات بحمله هما، فهبطت مصراواخر سنة 1329 مؤملافي نيلة الامنية التي‏انشدها...;ژرس‏ز÷((43)) .

4 - علاقته بدار التقريب لم تتضح نوعية العلاقة المباشرة بين السيد وبين دارالتقريب الذي تاسس في مصر، لكن كانت له مراسلات‏معهم، وقد اهدى بعض مقالاته للمجلة التي كانت تصدرباسم دار التقريب ;ژرس‏ز÷رسالة الاسلام;ژرس‏ز÷.

ان رجالا مثل السيد شرف الدين كانوا بمثابة الموطئين‏لبلورة ظاهرة التقريب، ولتاسيس دار التقريب في نهاية‏الامر، ولولا جهوده المضنية في مصر والعراق ولبنان،وتوفير الارضية اللازمة لما امكن تشييد دار اسدت‏خدمات كبيرة للامة الاسلامية، وهي دار التقريب.

عبد الحسين مغنية يعد السيد شرف الدين من علماء دارالتقريب، ويقول: ;ژرس‏ز÷اسس دار التقريب بين المذاهب‏الاسلامية فضيلة الشيخ محمد تقي القمي وساعده‏فضيلة الشيخ محمد المدني.

من علمائها الكبار: الشيخ محمود شلتوت، الشيخ محمدحسين آل كاشف الغطاء، الشيخ عبدالمجيد سليم، السيدعبدالحسين شرف الدين والشيخ محمد جوادمغنية...;ژرس‏ز÷((44)) .

هذا، اضافة الى كتابته غير مقال في مجلة ;ژرس‏ز÷رسالة‏الاسلام;ژرس‏ز÷ ك‏- ;ژرس‏ز÷البسملة في فاتحة الكتاب وغيرها;ژرس‏ز÷((45))و;ژرس‏ز÷الجمع بين الصلاتين;ژرس‏ز÷((46)) ، واتصور ان دلالات‏كتابته في هذه المجلة يتجاوز مستوى تاييده لها، لترقى‏الى مستوى تاصيل عملها واعتبارها تجسدا لبعض‏طموحاته الدينية.

5 - اختياره 12 من ربيع الاول مولدا للرسول( ومن ضمن اجراءاته الهادفة الى توحيد الصف‏الاسلامي، بشقيه السني والشيعي، اختياره اليوم الثاني‏عشر من ربيع الاول يوم ولادة الرسول(، فان هذاالاختيار يعبر عن مدى اهتمام السيد بقضية وحدة‏المسلمين وتوحيد صفوفهم وشعائرهم.

لم يقتصر الامر على اختيار هذا اليوم يوم ولادة، بل كان‏يشترك في الافراح والاحتفالات الدينية، بل حتى غيرالدينية لاهل السنة، لطبيعة شانه الاجتماعي ومكانته‏لدى اتباع الطائفتين، وسلوكه في صيدا مثال بارزلشخصيته في هذا المجال.

يقول العلامة السيد محمد صادق الصدر: ;ژرس‏ز÷واختياره ليوم‏12من الشهر اقوى دليل على روحه الاسلامية التي كان‏يدعو اليها.

وكان من عادة السيد، اذا انتهى من دعوته، ان يذهب‏متجها الى مسجد اخوانه السنة يهنئهم ويشاطرهم‏افراحهم في عيد المسلمين العام، وكانوا بدورهم‏يشكرون لسيادته هذا الخلق النبوي، والعطف الابوي‏الذي كان يغمر اهل صور في كل حين بدون فرقة بين‏طائفة واخرى;ژرس‏ز÷((47)) .

6 - استخدامه اسما مستعارا ان التنازل عن الاموال والشؤون المادية امر يهون،لكن‏التنازل عن الاسم الحقيقي صعب جدا، فالاسم‏يمثل رمزا لشخصية الانسان وقيمه، رغم ذلك فان هذاالسيد الجليل تنازل عن اسمه واستعمل اسما مستعارافي مقالاته في ;ژرس‏ز÷رسالة الاسلام;ژرس‏ز÷، فقد استخدم لقبه شرف‏الدين عوضا عن عبد الحسين، واضاف لقب;ژرس‏ز÷الموسوي;ژرس‏ز÷ الى اسمه لكي يبدو شرف الدين اسما لالقبا((48)) .

حساسية موضوع التوحيد، واتهام الشيعة بالشرك،واهمية الوحدة بين المسلمين ونبذ الفرقة بينهم، امورتسوغ استخدامه اسما مستعارا، وعدم تداول الاسم‏الحقيقي في موارد احتكاكه مع اتباع المذاهب‏الاخرى.

ان مبادرة السيد هذه تعكس ايثاره ومدى اهتمامه بشان‏التقريب، انه تنازل عن قيم مهمة لقيم اهم، فهو تنازل عن‏شؤون شخصية لاغراض عامة سياسية واجتماعية بالغة‏الاهمية، ما يعكس علو شانه ورفعة نفسه‏الزكية.

اجراءات لم يتخذها هذه الجهود وغيرها من الجهود التي لم تسجل في‏التاريخ، تدخل ضمن مساعيه الحثيثة لايجاد الوحدة‏السياسية والاجتماعية بين المسلمين، المشكلة التي‏يبدو ان السيد عانى منها الكثير، وكانت مواجهتها من‏طموحاته منذ شبابه، لذلك كرس جل جهوده العلمية‏والسياسية لاجلها. وكما اتضح لنا فان مساعيه في هذاالمجال لم تقتصر على كتابة مقالات او كتب، بل ارفق‏مساعيه في هذا المجال بمساع عملية كالاسفاروالاحتكاك المباشر باتباع المذاهب الاخرى.

ولا اتصور ان جهوده اقتصرت على ما مر ذكره، بل لابدمن وجود نشاطات اخرى قد لا تقل اهمية عما نقلناه،لكن قلة الاهتمام بشخصيات مثل السيد شرف الدين‏حالت دون تدوين هذه النشاطات المحتملة.

رغم كل هذه الجهود السياسية التي مارسها في سبيل‏وحدة المسلمين والتقريب في ما بينهم، يلاحظ انه لم‏يقدم على بعض الاجراءات التي نظن امكانية اتخاذهاوايجادها، لكنه لم يمارسها وامتنع عنها، فماالسبب؟ ك‏ا- من الاجراءات التي لم يتخذها انه لم يقدم على‏ايجاد تكتل سياسي، من قبيل حزب او منظمة، تعينه في‏حركته باتجاه ايجاد وحدة سياسية بين المسلمين،ليتحول عمله الى مؤسسة وعمل جماعي.

قد لا يكون هذا نقصا يؤاخذ عليه× وذلك لان اجراء من‏هذا القبيل يخضع لظروف سياسية واجتماعية خاصة،اضافة الى ان العمل السياسي لا ينحصر في تشكيل‏تكتل سياسي منظم، فان كثيرا من العظماء - كالامام‏الخميني - مارسوا العمل السياسي وبلغ ذروته لديهم‏من دون الاعتماد على حزب او تكتل من هذا القبيل،وهذا ليس شانه الوحيد، بل شان جل اسلافه العلماء، اذالم نقل كلهم، فان السلف الصالح كان يهتم باداء وظيفته‏الاجتماعية والدينية والسياسية الملقاة على عاتقه من‏دون الدخول في اللعب السياسية.

ك‏ب‏- ومن ضمن الاجراءات التي لم يتخذها، في‏عملية التقريب التي مارسها، عدم تاسيس مركز اومؤسسة تعنى بامر التقريب في حياته، وتتابع اهدافه بعدوفاته، فانه لم يؤسس في حياته هكذا مؤسسة لكي‏تتابع هذا الهدف المقدس، وتخرج دعاة لافكاره‏التقريبية بعد مماته، بل ترك الامر ما بعده من دون دعوة‏عملية وايصاء عملي لمتابعة اهدافه في ما بعد.

وهذا قد يكون اعتمادا على دار التقريب بالقاهرة، وعلى‏الشخصيات التي كانت تواصل في حياته واستمرت بعدمماته في عملية التقريب، لكن عمل هذه الدار لم يدم‏طويلا بعد ما توفي اكثر القائمين عليها، وتوقف اصدارمجلتها بعد وفاة السيد شرف الدين بسنوات قلائل.

ك‏ج - ومن الاجراءات التي لم يقدم عليها، عدم اصداره‏مجلة او ما شابه ذلك تنطق بالافكار التوحيدية‏والتقريبية التي كان يدعو اليها، تصدر من لبنان اوالنجف مثلا.

فقد يكون ذلك اعتمادا على ;ژرس‏ز÷رسالة الاسلام;ژرس‏ز÷ ايضا، فانهااضطلعت بدور لا باس به في مجال التقريب، واثرت‏اثرها على غير صعيد. وقد يكون تسويغ ذلك ان المجلة‏وتحريرها يستدعي فنا خاصا لم يكن من توجهاته‏العملية، فان لكل توجهات واختصاصات محددة، قد لايكون اصدار المجلة مما يتمتع به السيد من قابليات‏وتوجهات.

ك‏د- ومن الاجراءات الاخرى التي لم يتخذها في‏حياته، انحصار سفراته، التي قصد منها العمل، في عدة‏دول محددة من دون توسيع رقعة عمله واسفاره الى‏دول اسلامية اخرى، من قبيل دول المغرب العربي اوجنوب شرق آسيا.

وهذا الامر، اضافة الى انه يستدعي راس مال عظيم‏يمكنه من السفر الى الدول الاسلامية البعيدة،والاحتكاك بعلمائها، يقتضي ظروفا ملائمة، ويبدوان‏ظروف السيد السياسية ما كانت تمنحه الفرصة‏لممارسة هكذا عمل، فانه عانى من ازمات سياسية‏كثيرة، كمواجهة الاستعمار وما تبعه من هجرة‏ومضايقات، وهي لا شك تؤثر سلبا على‏نشاطاته.

التوجه الثالث وهو التوجه الوحدوي في المجالات المختلفة من‏العقائد والفقه وما شابههما من الشؤون الفكرية‏والثقافية، بحيث يتبلور من خلال ترجمة هكذا توجه‏دين موحد يدعى الاسلام، من دون مذاهب كثيرة‏ومتكاثرة بين الحين والخر.

لم نعثر، في اعمال السيد شرف الدين، على ما يدل على‏توجهاته في هذا المجال، فهو لم يصرح ولم يدع ابدا الى‏توحيد المذاهب الاسلامية ولا الى دمج احدها مع‏الخر.

الدعوة الى المذهب والدعوة الى التقريب قد يقال بذهاب السيد الى رؤية التوحيد بناء على القول‏بالانحصارية (ذژخسخژس‏دح‏س‏ب )، وهي تقابل التعددية ((ذژخدچزس‏دت )، فان دفاعه عن رؤى اهل البيت ( وثوابت المذهب الشيعي ومبادئه يستشف منه‏- مفهوما والتزاما - رفضه لما يقابل هذه المبادئ من‏افكار المذاهب الاخرى. الا ان هذا مرفوض باعتبار ان‏الدفاع عن الافكار والثوابت المذهبية والدعوة اليها لايستلزم بالضرورة نفي الطرف الخر.

على العموم، فان الدعوة لا تتنافى مع التقريب وآلية‏الحوار، والا لزم القول بضرورة تخلي اصحاب الفكروالمبادئ عن الدعوة اليها، او عدوا قائلين بالانحصارية‏وممن يرفضون الحوار مع الاطراف الاخرى.

ان الذي يتنافى مع التقريب هو سوء استخدام آليات‏التقريب والحوار او استخدام الليات المرفوضة وغيرالاخلاقية، وهو لا يحصل بالدعوة بالضرورة. ولاجل‏ذلك سعت دور التقريب الى رفض القول بمفاهيم‏المبادئ المذهبية والاخذ بمنطوقاتها فقط، وعدم‏مؤاخذة اى من اتباع المذاهب ودعاتها بمفاهيم تعاليمه‏وما يدعو اليه. وقد تاكدت هذه الفكرة في غير مقال‏وبيان. وهي بذلك اعتمدت الفكرة المتقدم ذكرها، اي ان‏الدعوة للمبادئ لا تعني تنكر الاطراف المخالفة، بل‏الحوار يعني فسح المجال للجميع لان يمارسوا حقهم‏في الدعوة والتبليغ للمبادئ التي يؤمنون بها، وهم على‏اقتناع بها.

وبناء على هذا، لا يمكن استفادة الانحصارية من اعمال‏السيد الموسومة بطابع الدعوة الى مذهب اهل البيت(.

التوجه الرابع وهو التوجه الذي مارسته وتمارسه دور التقريب‏ومجامعه والعلماء المنفتحون في العالم الاسلامي،ويعتمد اسسا من قبيل الحوار والتفاهم لاجل رفع ماعلق واسي فهمه لدى المسلمين، ويبدو ان جل نشاط‏السيد شرف الدين انصب في هذا التوجه التقريبي،ونسعى هنا الى تحديد توجهه ومنهجه بالضبط من‏خلال قراءة لبعض فقرات اعماله الرائدة، والمرورببعض الاجراءات والمشاريع التي نفذها في هذاالطريق.

منهج السيد شرف الدين في التوجه الرابع رغم اتفاق السيد شرف الدين مع رجال التقريب في‏الهدف، الا انه اختلف معهم بعض الشي في المنهج‏والاسلوب والليات، والعرض المبسط لما مارسه في‏هذا المجال يكشف لنا الاختلاف في ما بين‏المناهج.

لسنا هنا في صدد مقارنة منهج السيد شرف الدين مع‏مناهج باقي رجالات التقريب، بل في صدد تحديدمنهجه فحسب، لتتبلور، على اثر ذلك، معالم مدرسته‏التقريبية في مجالها الديني.

دراسة كتبه، وبخاصة تلك التي قصد منها اساسا خطاب‏غير الشيعة من اتباع المذاهب الاخرى، مثل;ژرس‏ز÷المراجعات;ژرس‏ز÷ و;ژرس‏ز÷الفصول المهمة في تاليف الامة;ژرس‏ز÷،تكشف لنا ان السيد شرف الدين كان يعتمد مبادئ‏محدده في منهجه للتقريب الديني بين المذاهب،وان‏عمله لم يكن من دون دراسة وتنظير، بل كان نتيجة‏لفكرة بدات تختمر في ذهنه منذ شبابه، وقد اشار الى‏هذه النقطة في مقدمة كتابه ;ژرس‏ز÷المراجعات;ژرس‏ز÷: ;ژرس‏ز÷ام ا فكرة‏الكتاب فقد سبقت مراجعات سبقا بعيدا، اذ كانت تلتمع‏في صدري منذ شرخ الشباب التماع البرق في طيات‏السحاب، وتغلي في دمي غليان الغيرة، تتطلع الى سبيل‏سوي يوقف المسلمين على حد يقطع دابر الشغب‏بينهم;ژرس‏ز÷((49)) .

ان كتاب ;ژرس‏ز÷المراجعات;ژرس‏ز÷ يعد انضج ثمرة لمنهج السيدشرف الدين التقريبي، وذلك مع الاخذ بنظر الاعتباران‏هذه الفكرة كانت قد راودته وهو شاب، الا انها لم‏تصدر ولم تتبلور ولم تظهر الى النور الا في السنوات‏الاخيرة من عمره، وهذا يكشف عن انه اخذ بنظرالاعتبار جميع التجارب التقريبية التي خاضها طوال‏سنوات عمره، ولاجل ذلك كتب عبارته التالية التي‏تعكس رؤيته تجاه هذا الكتاب: ;ژرس‏ز÷اما انا فمستريح،والحمد للّه، الى هذا الكتاب راض عن حياتي بعده، فانه‏عمل - كما اعتقد - يجب ان ينسيني ما سئمت من‏تكاليف الحياة الشاقة وهموم الدهر الفاقرة...;ژرس‏ز÷((50)).

يبدو لي ان الامرين التالي ذكرهما من المبادئ والاصول‏التي اعتمدها السيد شرف الدين في عمله التقريبي،ومجموعهما يشكل منهج السيد في هذا المضمار،وهما عبارة عن ادراك علل التفرقة وتحديدها او التعريف‏بها، ثم البت في معالجتها.

المبدا الاول: تحديد علل التفرقة والتشتت على اساس‏المذهب، اي تحديد اسباب التمييز المذهبي. ويبدوان‏السيد شرف الدين يرى ان هذه التفرقة تنشا عن‏الامور التية:

ك‏ا- الجهل بالتعاليم والمباني الفقهية والعقدية‏والمصادر التاريخية التي يعتمدها كل مذهب، وهذاالجهل هو الذي ولد ظواهر سقيمة من قبيل سوء الفهم‏والتفاهم، واتهام المسلمين بعضهم لبعضهم الخر،وتكفير بعضهم لبعضهم الخر، وتقليد الاسلاف وماشابه، ما دعاه لممارسة نشاطات علمية وثقافية سعياللتوعية.

ان كثيرا من الخلافات الدينية ناتجة عن عدم المعرفة‏والاطلاع بما يتبناه المذهب الخر، او اذا كان هناك علم‏فهو محدود او مستلهم من مصادر يعتمدها المذهب‏المتبنى، فان كثيرا من احكامنا تجاه المذاهب الاخرى‏مستلهمة من مصادرنا المعتمدة لدينا، من دون النظر الى‏المصادر المعتمدة لدى المذهب الخر.

فان من تبعات الجهل وعدم الالمام بما تذهب اليه‏المذاهب الاخرى، هو تقليد الاسلاف وتكرار كلماتهم‏واتهاماتهم للاخرين، فان ذلك نتيجة طبيعية للجهل،ومما يؤسف له ان شرائح كبيرة من المسلمين ما زالوايحتفظون بالمعلومات المغلوطة، بعضهم عن بعضهم‏الخر، ويتناقلونها في ما بينهم، ويوسعون من خلال‏ذلك هوة الخلاف بين اتباع المذاهب الاسلامية.

ك‏ب‏- التاكيد الشديد والمتواصل على مواردالاختلاف، والتغافل عن المشتركات وتركها. وهذاالتاكيد غالبا ما يصدر ممن لا تهمهم وحدة المسلمين اوممن لا يرغبون فيها او يتابعون اغراضا شخصية اوطائفية او استعمارية.

لقد مر تاريخ المسلمين بمنعطفات كثيرة دعت بعض‏العلماء للتاكيد على موارد الاختلاف العلمية لدى‏الطائفة، وهذا لا اشكال فيه اذا لم يستهدف ايجاد الفرقة،واستخدمت فيه آليات الحوار الايجابية، ومن الامثلة‏التي يمكن ذكرها هنا هو ;ژرس‏ز÷كتاب الخلاف;ژرس‏ز÷ للشيخ‏الطوسي، فانه بين من خلال موارد الاختلاف بين‏الطوائف، وثبت وجهة نظره او وجهة نظر المذهب‏الشيعي بنحو علمي ايجابي من دون اثارة للاطراف‏الاخرى، وكتابات السيد التي بين فيها احيانا مواردالاختلاف من هذا القبيل كذلك. انما الاشكال في نوع‏آخر من التاكيد على موارد الاختلاف، حيث تستخدم فيه‏آليات سلبية، او يطرح بنحو يثير الفرقة والتمييز.

ك‏ج‏- الاغراض السياسية المتغيرة حسب المصالح‏الشخصية للحكام والدول، سواء الداخلية منها ام‏الخارجية، وقد اشار السيد الى هذا الجانب من سقم‏الامة من خلال عبارته المعروفة عنه:

;ژرس‏ز÷فرقتهما السياسة‏فلتجمعهما السياسة;ژرس‏ز÷((51)) ، ويقصد بهما الشيعة‏والسنة اللتين تفرقتا من جراء سياسات سلكها الساسة،وذوو المصالح الشخصية وغير الشخصية، فان كثيرا من‏الاختلافات كانت بدافع سياسي وان كانت مقنعة باقنعة‏دينية، وما زلنا نعاني من هذه المشكلة حتى في عصرناالحاضر.

ك‏د- عدم اعداد الاجيال والشعوب المسلمة اعداداتتقبل من خلاله التقريب بين المذاهب المختلفة، ومن‏نتائج هذه الظاهرة انعدام التنمية الثقافية، وانعدام وجودنخبة تهتم بشان التقريب بين المذاهب تقريبا دينيا في‏كل عصر وزمان.

المبدا الثاني: علاج علل التفرقة المذهبية، فبعد ما حددالسيد علل التفرقة المذهبية بت في علاجها، وكانت له‏اجراءات عديدة في سبيل علاج الظاهرة السقيمة التي‏يعاني منها المجتمع الاسلامي، وشانه هنا شان الطبيب‏الذي يبادر بالعلاج بعد تشخيص المرض واسبابه.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية