الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

نحن نسعى الى حوار اسلامي - مسيحي، والباحث من‏العاملين في هذا المجال، وهنا اقول: اليس من الضروري‏ان تجري حوارات للتفاهم المستقبلي ما بين السنة‏والشيعة؟ حيث ان ما بينهما جوامع مشتركة كثيرة(التوحيد، والنبوة، والقرآن، والواجبات، والاصول...الخ). ثم الا يشعر كل منا بان هناك محاولات تشويه عندالسنة عن الشيعة، والعكس، وهذا ما عزز من سوءالتفاهم، وقوته ايد خبيثة متعددة من اعداء المسلمين،الامر الذي يتطلب فتح باب الحوار والتقارب× لان‏الخطر الداهم يهدد الجميع في ايامنا هذه؟ والن لنعد الى حوار السيد والشيخ، ولنستمع الى السيدعبد الحسين شرف الدين يحدثنا عن حواره مع شيخ‏الازهر الشيخ سليم البشري، فيقول: «ما احسن مايتعارف به العلماء من الروح النقي، والقول الرضي،والخلق النبوي، ومتى كان العالم بهذا اللباس الانيق‏المترف، كان على خير ونعمة، وكان الناس منه في امان‏ورحمة، لا يابى احد ان يفضي اليه بدخيلة رايه او يبثه‏ذات نفسه. كذلك كان علم مصر وامامها، وهكذا كانت‏مجالسنا التي شكرناها شكرا لا انقضاء له ولاحد.

شكوت اليه وجدي، وشكا الى مثل ذلك وجدا وضيقا،وكانت ساعة موفقة اوحت الينا التفكير في ما يجمع اللّهبه الكلمة، ويلم شعث الامة، فكان مما اتفقنا عليه ان‏الطائفتين - الشيعة والسنة - مسلمون يدينون حقابدين الاسلام الحنيف. فهم في ما جاء الرسول به سواء،ولا اختلاف بينهم في اصل اساسي، يفسد التلبس‏بالمبدا الاسلامي الشريف، ولا نزاع بينهم الا ما يكون‏بين المجتهدين في بعض الاحكام، لاختلافهم في مايستنبطونه من الكتاب او السنة، او الاجماع، او الدليل‏الرابع، وذلك لا يفضي بهذه الشقة السحيقة، ولا يتجشم‏هذه المهاوي العميقة. اذن، اي داع اثار هذه الخصومة‏المتطاير شررها منذ كان هذان الاسمان - سنة وشيعة -الى آخر الدوران;ژرس‏ز÷((247)) .

والسيد في كلامه هذا عن الشيخ يعطينا صورة‏المواصفات المطلوبة بالعالم المسلم المحاور، ويشيرالى ضرورة الوحدة الاسلامية الجامعة المانعة لكل مايفرق بين المسلمين سنة وشيعة، وان ما يجمعهم اكثرمما يفرقهم، والامر اجتهاد واستنباط في الاحكام، ولايؤدي هذا الى الاختلاف. ومما لا شك فيه ان ;ژرس‏ز÷الاختلاف‏في الفروع ضرورة ورحمة وسعة، هو ضرورة دينية،وضرورة لغوية، وضرورة بشرية، وضرورة‏كونية;ژرس‏ز÷((248)) .

وبالمقابل، فان الشيخ سليم البشري شيخ الازهر، يحدثناعن السيد عبد الحسين شرف الدين والحوار معه،فيقول: «رايت منك شخصا رقيق المنافثة، دقيق‏المباحثة، شهي المجاملة، قوي المجادلة، لطيف‏المفاكهة، شريف المعاركة، مشكور الملابسة، مبرورالمنافسة، فاذا الشيعي ريحانة الجليس، ومنية كل‏اديب.

واني لواقف على ساحل بحرك اللجي، استاذنك في‏خوض عبابه، والغوص على درره، فان اذنت غصنا على‏دقائق وغوامض تحوك في صدري منذ امد بعيد، والافالامر اليك. وما انا في ما ارفعه بباحث عن عثرة، اومتتبع عورة، ولا بمفند او مندد، وانما انا نشاد ضالة،وبحاث عن حقيقة، فان تبين الحق، فان الحق احق ان‏يتبع، والا فانا كما قال القائل:

نح‏-ن بم‏-ا عن‏-دن‏-ا وانت بم‏-ا عن‏-دك راض والراي‏مختلف((249)) ;ژرس‏ز÷ وكاني بمثل هذه الدعوات والحوارات للتقريب بين‏المذاهب والوحدة الاسلامية، كانت لها آثارها على‏علمائنا، وها هو السيد عبد الحسين شرف الدين يتتبع‏كل دعوة مخلصة في هذا المجال، فيشكر الشيخ احمدحسن الباقوري وزير الاوقاف المصري السابق على كتابه‏في فقه الامامية تحت عنوان ;ژرس‏ز÷المختصر النافع;ژرس‏ز÷، وكذلك‏يتوجه بالشكر والتشجيع لكل من الشيخين هاشم‏الدفتردار، ومحمد على الزعبي، حول اصدار كتابهما;ژرس‏ز÷الاسلام بين السنة والشيعة;ژرس‏ز÷، واسهامهما في تضييق‏شقة الخلاف بين السنة والشيعة.

وكان لا بد لمثل هذه الانشطة من ان تؤتي ثمارها سواءفي حياة السيد عبد الحسين شرف الدين ام بعد وفاته،فها هي الفتوى تصدر عن شيخ الازهر، الامام الاكبرالشيخ محمود شلتوت يقول فيها: «ان الاسلام لا يوجب‏على احد من اتباعه اتباع مذهب معين، بل نقول: ان لكل‏مسلم الحق في ان يقلد - بادئ ذي بدء - اي مذهب من‏المذاهب المنقولة نقلاصحيحا ، والمدونة احكامها في‏كتبها الخاصة. ولمن قلد مذهبا من هذه المذاهب ان‏ينتقل الى غيره - اى مذهب كان - ولا حرج في شي من‏ذلك.

ان مذهب الجعفرية، المعروف بمذهب الشيعة الامامية‏الاثنى عشرية، مذهب يجوز التعبد به شرعا كسائرمذاهب اهل السنة، فينبغي للمسلمين ان يعرفوا ذلك،وان يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة، فماكان من دين اللّه، وما كانت شريعته بتابعة لمذهب اومقصورة على مذهب، فالكل مجتهدون مقبولون عنداللّه تعالى، ويجوز لمن ليس اهلاللنظر والاجتهادتقليدهم والعمل بما يقررونه في فقههم، ولا فرق في‏ذلك بين العبادات والمعاملات‏».

وفي المجال التربوي، وفي عهد الملك فاروق في مصر،نرى الشهادات الثانوية في مجموعة من الكليات‏اللبنانية تعادل بالثانوية المصرية، ويتابع حاملوشهادات هذه الكليات الدراسة في الجامعات المصرية،المقاصد الاسلامية في بيروت والمقاصد الاسلامية في‏صيدا، والتربية والتعليم في طرابلس، والجعفرية في‏صور.

وها هو الازهر الشريف، انطلاقا من مبدا التقريب بين‏ارباب المذاهب المختلفة، يقرر دراسة فقه المذاهب‏الاسلامية، سنيها وشيعيها، دراسة تعتمد على الدليل‏والبرهان، وتخلو من التعصب لفلان او فلان، كما انه‏اهتم في تكوين مجمع البحوث الاسلامية، بان يكون‏اعضاؤه ممثلين لمختلف المذاهب الاسلامية((250)).

وها هو الشيخ شلتوت يشيد بكثير ممن سبقوه الى لقاءاللّه من ائمة الفكر في جميع البلاد الاسلامية الذين‏انضموا الى التقريب، وبذلوا جهودهم لنشر مبادئه،وساجلناهم علما بعلم، ورايا براي، وتبادلنا واياهم كثيرامن الرسائل والمشروعات والمقترحات، وفي مقدمتهم‏المغفور له الامام الاكبر الحاج اقا حسين البروجردي‏احسن اللّه في الجنة مثواه، او المغفور لهما الامامان‏الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء، والسيد عبدالحسين شرف الدين الموسوي((251)) .

خاتمة وبعد هذا العرض لسيرة هذا العالم الجليل، الذي عمل‏على فهم الاسلام على حقيقته، وكان مدرسة فكرية‏تربوية اصلاحية، وقدم لمسيرة العلم والمجتمع‏الاسلامي العطاء الكثير، ليبقى منارة في العلم ينهل منهاالناهلون، سواء اتفقت معه ام اختلفت، واقول: ان كان‏هناك من اختلاف في بعض المسائل، فهل يمنع هذا من‏ان نقف صفا واحدا في القضايا المصيرية؟ دعونا نقرا الاسلام قراءة واعية صحيحة، فمثل هذه‏القراءة تنقصنا، دعونا ايضا نتخلص من التعلق باهواءالماضي، فانا من الداعمين للحوار والتقارب بين السنة‏والشيعة× لانهما اكبر المذاهب الاسلامية، وليكون ذلك‏في خدمة الاسلام والمسلمين.

واطالب العلماء بان يكون لهم دورهم الفاعل في هذاالمجال، ويرفعوا شعار التقريب والوحدة بين اتباع‏المذاهب رغم الصعوبات التي سيلاقونها، كما لاقاهاالشيخ سليم البشري، والشيخ محمود شلتوت، والسيدعبد الحسين شرف الدين، والشيخ محمد حسين آل‏كاشف الغطاء وغيرهم.

ولنستمع الى الشيخ محمود شلتوت في هذا المجال‏يقول:

;ژرس‏ز÷كان الجو السائد، عند بدء الدعوة، مليئا بالطعون‏والتهم، مشحونابالافتراءات واسباب القطيعة وسوءالظن من كل فريق بالخر، حتى عد تكوين الجماعة‏باعضائها من المذاهب المختلفة، السنية الاربعة،والامامية والزيدية، نصرا مبينا اهاج نفوس الحاقدين،وهوجمت الدعوة لا من فريق واحد، بل من المتعصبين‏او المتزمتين من كلا الفريقين، السني الذي يرى ان‏التقريب يريد ان يجعل من السنيين شيعة، والشيعي‏الذي يرى اننا نريد ان نجعل منهم سنيين، هؤلاء وغيرهم‏اساءوا فهم رسالة التقريب، فقالوا: انها تريد الغاءالمذاهب، او ادماج بعضها في بعض.

حارب هذه الفكرة ضيقو الافق، كما حاربها صنف آخرمن ذوي الاغراض الخاصة السيئة، ولا تخلو اية امة من‏هذا الصنف من الناس، حاربها الذين يجدون في التفرق‏ضمانا لبقائهم وعيشهم، وحاربها ذوو النفوس المريضة‏واصحاب الاهواء والنزعات الخاصة، هؤلاء واولئك‏ممن يؤجرون اقلامهم لسياسات مفرقة، لها اساليبهاالمباشرة وغير المباشرة في مقاومة اية حركة اصلاحية،والوقوف في سبيل كل عمل يضم شمل المسلمين‏ويجمع كلمتهم.

كانوا يهاجمون الفكرة، كل على طريقته، ويسممون‏الجو بقدر استطاعتهم، بغية القضاء على تلك الدعوة‏الواضحة المبادئ والاركان، القائمة على العلم والدراسة‏والبحث، الداعية الى فتح المجال امام الدليل من اي افق‏طلع;ژرس‏ز÷((252)) .

رحمك اللّه ايها السيد الجليل، ما احوجنا في هذه الايام‏الى علماء يجمعون بين المسلمين، وبين ابناء الوطن‏الواحد ولو اختلفت دياناتهم. اننا احوج ما يكون الى‏التراص والتصاف في مواجهة ما يحاك لهذه الامة من‏مشاريع تستغل النعرات الطائفية والعصبية المذهبية.ولا يتمكن مسلم صاحب عقل واع ان يتصور ان يختلف‏مسلم مع مسلم آخر وينشغل عن مواجهة العدوالمشترك الذي يعيث في بلاد المسلمين فسادا. هذا كله‏يتطلب منا مراجعة حقيقية لطريقة تعاملنا، بعضا مع‏بعضنا الخر، وفاقا للشريعة الاسلامية السمحة.

واللّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم.

الامام شرف الدين والمسالة الكلامية ، رؤية اللّهانموذجا ا. محمد الانصاري القمي بدع واساطير بعد انتشار الاسلام في الجزيرة العربية، ودخول الناس‏في الاسلام زرافات ووحدانا، لم يجد اليهود والنصارى‏المتواجدون فيها محيصا الا الاستسلام، فدخلوا فيه‏متظاهرين به، غير معتقدين بتعاليمه، غالبا، الا من‏شملتهم العناية الربانية منهم، وكانوا قليلا، ولكن‏الاغلبية الساحقة منهم، خصوصا الاحبار والرهبان بقواعلى ما كانوا عليه من العقائد السابقة.

وبما انهم كانوا من اهل الكتاب، عارفين بما في العهدين‏من القصص والحكايات والاصول والعقائد، مهدوا الى‏نشرها بين المسلمين بخداع خاص، وبطريقة تعليمية.ولما كانت السذاجة تغلب على عامة المسلمين، تلقواهؤلاء بوصفهم علماء ربانيين، يحملون العلم، فاخذوا مايلقونه اليهم بقلب واع ونية صادقة، وبالتالي نشر هؤلاءفي هذا الجو المساعد كل ما عندهم من القصص‏الانحرافية والعقائد الباطلة، خصوصا في ما يرجع الى‏التجسيم والتشبيه وتصغير شان الانبياء في انظارالمسلمين، باسناد المعاصي الموبقة اليهم، والتركيز على‏القدر وسيادته في الكون على كل شي، حتى على ارادة‏اللّه سبحانه ومشيئته.

ولم تكن رؤية اللّه باقل مما سبق في تركيزهم عليها،لذلك ترى في كتب الحديث، قديما وحديثا، الاخبارالكثيرة عن التجسيم، والتشبيه، والقدر السالب‏للاختيار، والرؤية، ونسبة المعاصي الى الانبياء، فذلك‏كله من آفات مسلمة اليهود والنصارى.

فقد حسب المسلمون هذه الاخبار حقائق راهنة،وقصصا صادقة، فتلقوها بقبول حسن، ثم نشرها السلف‏بين الخلف، ودام الامر على ذلك.

ومن العوامل التي افسحت المجال للاحبار والرهبان‏لنشر ما في العهدين بين المسلمين، النهي عن تدوين‏حديث الرسول( ونشره ونقله والتحدث به اكثر من مئة‏سنة، فاوجد الفراغ الذي خلفه هذا العمل ارضية مناسبة‏لظهور بدع يهودية ونصرانية، وسخافات كتابية،واساطير يهودية، خصوصا من قبل الكهنة‏والرهبان.((253)) فقد كان التحدث بحديث الرسول( امرا مكروها، بل‏محظورا من قبل الخلفاء، من الخليفة الاول الى عصرعمر بن عبد العزيز (19 -101ه‏-)، بل الى عصرالمنصور العباسي (143ه‏-)، ولكن كان المجال‏للتحدث بالاساطير من قبل هؤلاء امرا مسموحا به، فهذاهو تميم بن اوس الداري من رواة الاساطير، وقد اسلم‏سنة تسع للهجرة، وهو اول من قص بين المسلمين‏واستاذن عمر بن الخطاب في ان يقص على الناس قائما،فاذن له، وكان يسكن المدينة ثم انتقل الى الشام بعدمقتل عثمان.((254)) ولما سمحت الظروف لمثل هذا الكتابي بان يتحدث‏بما تعلم في حياته السابقة، ومنع من اراد التحدث‏بحديث الرسول(، كان المجال خصبا لنشر الاساطيروالعقائد الخرافية.

يقول الشهرستاني: ;ژرس‏ز÷وضع كثير من اليهود الذين اعتنقواالاسلام احاديث متعددة في مسائل التجسيم والتشبيه،وكلها مستمدة من التوراة;ژرس‏ز÷.((255)) وهذا هو المقدسي يتكلم عن وجود هذه العقائد بين‏عرب الجاهلية، فيقول: ;ژرس‏ز÷وكان فيهم من كل ملة ودين،وكانت الزندقة والتعطيل في قريش، والمزدكية‏والمجوسية في تميم، واليهودية والنصرانية في غسان،وعبادة الاوثان في سائرهم;ژرس‏ز÷((256)).

ويقول ابن خلدون عن المجتمع العربي قديما: ;ژرس‏ز÷انهم لم‏يكونوا اهل كتاب ولا علم، وانما غلبت عليهم البداوة‏والامية، واذا تشوقوا الى معرفة شي مما تتوق اليه‏النفوس البشرية في اسباب المكونات وبدء الخليقة،واسرار الوجود، فانما يسالون عنه اهل الكتاب قبلهم،ويستفيدونه منهم، وهم اهل التوراة من اليهود ومن تبع‏دينهم من النصارى، مثل كعب الاحبار، ووهب بن منبه،وعبداللّه بن سلام وامثالهم، فامتلات التفاسير من‏المنقولات عندهم، وتساهل المفسرون في مثل ذلك‏وملاوا كتب التفسير بهذه المنقولات، واصلها كلها كماقلنا من التوراة او مما كانوا يفترون;ژرس‏ز÷.((257)) والمتفحص في ما نقل عن هؤلاء الكذابين والوضاعين‏والدساسين في الاحاديث، يقف على انهم كانوا يركزون‏على تفكير غير ديني، وبخاصة احاديث منحرفة عن‏الاسلام وسنة رسوله(، وفكرتين يهوديتين: الاولى فكرة‏التجسيم، والثانية رؤية اللّه تعالى.

والفكرة تسربت الى المسلمين من المتظاهرين بالاسلام‏كالاحبار والرهبان، وصار ذلك سببا لجراة طوائف من‏المسلمين على جعلها ضمن العقيدة الاسلامية، بحيث‏يكفر منكرها احيانا او يفسق، ولما صارت تلك العقيدة‏راسخة في القرنين الثاني والثالث بين المسلمين، عادالمتكلمون الذين تربوا بين احضانهم للبرهنة‏والاستدلال على تلك الفكرة من الكتاب اولا والسنة‏ثانيا، ولولا رسوخها بينهم لما تحملوا عب الاستدلال‏وجهد البرهنة.

هذا، وقد طرحت مسالة رؤية اللّه تعالى على صعيدالبحث والجدال في القرن الثاني، عندما حيكت العقائدعلى نسق الاحاديث، ووردت فيها رؤيته سبحانه يوم‏القيامة، فلاجل ذلك عدت من العقائدالاسلامية.

الاختلاف وتنوع الرؤى مع هذه البداية، اختلف المسلمون في رؤية اللّه تعالى،فاحالها في الدنيا والخرة قوم، واجازها في النشاتين‏آخرون، وكان ممن احالها ائمة العترة الطاهرة، اعدال‏الكتاب واولياؤهم، وهذا هو مذهب المعتزلة من‏المسلمين، وذهب الجمهور الى امكانها في الدارين،مجمعين على وقوعها في الدار الخرة، مقرين بان جميع‏اهل الجنة سيرونه فيها بابصارهم، واختلفوا في وقوعهافي الدنيا، فمنهم من قال بوقوعها من رسول اللّه(،ومنهم من قال بعدم وقوعها اصلا، ومنهم من‏توقف.

كما يروي ابن الاثير عن قيس بن ابي حازم، عن جرير بن‏عبد اللّه قال: ;ژرس‏ز÷كنا جلوسا عند النبي( اذ نظر الى القمرليلة البدر، قال: ;ژرس‏ز÷انكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لاتضامون في رؤيته‏»... وقال النبي(: ;ژرس‏ز÷انكم سترون ربكم‏عيانا;ژرس‏ز÷.((258)) ويمكن القول: ان فكرة رؤية اللّه عز وجل تتنوع فيهاالرؤى والمذاهب الى عشر فئات تقريبا:

1 - الفلاسفة والشيعة والمعتزلة: الذين يرون عدم‏امكان رؤية اللّه تعالى بالعين، لا في الدنيا ولا في‏الخرة، واكثر الفلاسفة المتالهين وكبار العلماء يرون هذه‏الرؤية، والعقل ايضا قائل بذلك، وجميع الانبياء ايضايؤكدون هذه المقولة، والقرآن الكريم بدوره يصرح‏بذلك ويقول: (لا تدركه الابصار) [الانعام/103].

2 و3 - الفرقة المجسمة والكلامية: حيث يقولون بان‏رؤية اللّه تعالى ممكنة، ومن جهة الامام، وتقول‏الحنابلة: ان رؤية اللّه ممكنة من جهة‏العلو.((259)) يقول الشهرستاني، في كتابه، في تعريف الفرقة المشبهة:;ژرس‏ز÷واما الفرقة المشبهة الحشوية: فحكى الاشعري عن‏محمد بن عيسى، انه حكى عن مضر، وكهمس، واحمدالهجيمي: انهم اجازوا على ربهم، الملاحة والمصافحة،وان المسلمين المخلصين يعانقونه في الدنيا والخرة اذابلغوا في الرياضة والاجتهاد الى حد الاخلاص والاتحادالمحض;ژرس‏ز÷((260)).

4 - حكى الكعبي عن بعض علماء اهل السنة قولهم:;ژرس‏ز÷ان‏رؤية اللّه وزيارته ممكنة حتى في هذه الدنيا، وكذلك‏زيارته لنا في المقابل;ژرس‏ز÷.((261)) 5 - يقول داوود الجورابي: ;ژرس‏ز÷اعفوني عن الفرج واللحية،واسالوني عما وراء ذلك، وقال: ان معبوده جسم، ولحم‏ودم، وله جوارح واعضاء من يد ورجل وراس ولسان‏وعينين واذنين، ومع ذلك، جسم لا كالاجسام، ولحم لاكاللحوم، ودم لا كالدماء، وكذلك سائر الصفات، وهو لايشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شي، وحكي عنه‏انه قال: هو اجوف من اعلاه الى صدره، مصمت ما سوى‏ذلك، وان له وفرة سوداء وله شعر قطط، واما ما ورد في‏التنزيل من الاستواء والوجه واليدين والمجي والاتيان‏والفوقية فاجروها على ظاهرها، اعني ما يفهم عندالاطلاق على الاجسام((262)) .

وكذلك ما ورد في الاخبار من الصورة وغيرها في قوله‏غ: «خلق آدم على صورة الرحمن‏»، وقوله: «حتى يضع‏الجبار قدمه في النار»، وقوله: «وضع يده او كفه على‏كتفي حتى وجدت برد انامله على كتفي‏»، الى غير ذلك‏من الروايات اجروها على ما يتعارف في صفات‏الاجسام((263)) .

يقول الشهرستاني بعد استعراضه لهذه الاقوال: ;ژرس‏ز÷وزادوافي الاخبار اكاذيب وضعوها ونسبوها الى النبي(،واكثرها مقتبس من اليهود، فان التشبيه فيهم طباع حتى‏قالوا: اشتكت عيناه فعادته الملائكة، وبكى على طوفان‏نوح حتى رمدت عيناه، وان العرش لتئط من تحته‏كاطيط الرحل الجديد، وانه ليفضل من كل جانب اربعة‏اصابع((264)) .

6 - الاشاعرة: ورغم انهم يقولون: ;ژرس‏ز÷ان اللّه تعالى مجردوغير مادي، الا انهم يقولون ايضا: ;ژرس‏ز÷ان رؤية اللّه بالعين‏ممكنة، وبقولهم هذا يخالفون جميع العقلاء، ويعتقدون‏بان رؤية اللّه ممكنة، ولكن لا كما يذهب اليه المجسمة،بل ان اللّه يرى في حين انه تعالى لا يقع في جهة العلوولا الاسفل ولا في جهة اليمين ولا الشمال، ولا الامام‏ولا الخلف، ولا ان اللّه يرى بتمامه ولا بجزئه، ولا في‏مقابل الرائي ولا الى جانب منه، وحينما يراه الرائي لايمكنه الاشارة اليه، ورغم ذلك فانه يرى;ژرس‏ز÷((265)) .

7 - طائفة اخرى من الاشاعرة يقولون: ان المراد من‏الرؤية، ليس بانعكاس النور او بخروج الشعاع، بل‏المقصود الحالة التي تحصل للانسان بعد العلم بالشي‏وادراكه بوساطة رؤيته. وآخرون منهم يرون ان معنى‏الرؤية هو: ان اللّه تعالى سوف يتجلى لعباده المؤمنين‏يوم القيامة ويظهر لهم كما يظهر القمر للناس في الليالي‏المقمرة((266)) .

8 - يقول ضرار بن عمرو: ;ژرس‏ز÷ان اللّه تعالى يرى يوم‏القيامة بالحاسة السادسة لا بالعين المجردة;ژرس‏ز÷((267)) .

9 - طائفة اخرى ترى انه من الممكن ان يرزق اللّه تعالى‏العين قوة قلبية تتمكن بها من رؤيته وادراكه، وهذاالادراك نوع من العلم× لانه حصل بقوة القلب، وفي‏الوقت نفسه يعد من الرؤية× لانه حصل من جراء حالة‏حدثت للعين. وفي هذه الحال، هناك طائفتان تقولان‏بامكانية رؤية اللّه يوم القيامة((268)) .

الطائفة الاولى يقولون: ان الكفار لا يستطيعون رؤية‏اللّه× لان رؤية اللّه نوع من الكرامة والشرف، والكفارمحرومون من ذلك، وهذا هو راي الاكثرية‏منهم.

الطائفة الثانية، مثل السالمية والحشوية يقولون: ان‏الكفار يستطيعون رؤية اللّه تعالى ايضا.

10 - طائفة اخرى تقول: ان رؤية اللّه ممكنة دائماللمؤمن والكافر على السواء، ولكنهم لايعرفونه.

ويقول آخرون: لا يمكن رؤية اللّه تعالى بالعين المادية‏التي خلقت للفناء، وانما يمكن رؤيته بالعين التي تكون‏للانسان في الخرة والتي خلقت للبقاء.

كانت هذه بعض الاقوال والراء المختلفة في رؤية اللّهتبارك وتعالى، وكل طائفة تتمسك بظواهر بعض اليات‏والروايات في تاييد مذهبها، ولكنهم رغم ذلك لم‏يتمكنوا من ازاحة ستار الظن، والوصول الى حكم‏العقل، والتمييز بين الخيال والعقل في هذه المسالة،وكما قال المحقق الكبير الخواجة نصير الدين الطوسي‏في كتابه: ;ژرس‏ز÷ان رؤية اللّه تعالى ممكنة لدى علماء العامة‏رغم انه ليس له جهة من الجهات، ودليلهم على ذلك‏قياسهم اللّه تعالى مع باقي الموجودات المرئية، وقداستدلوا لذلك ايضا ببعض اليات القرآنية‏والروايات;ژرس‏ز÷((269)) .

مسالة كلامية وفي الحقيقة انه يجب القول: ان هذا البحث قد يكون‏غريبا بالنسبة لنا بعض الشي في هذا العصر، حيث‏تعلمنا منذ البداية ان اللّه تعالى ;ژرس‏ز÷ليس مركبا، ولا جسما،ولا محلا، ولا تقع عليه الرؤية;ژرس‏ز÷، وان اللّه في دائرة الفكرالاسلامي هو اله منزه من جميع الصفات التي تنسب‏الى مخلوقاته، والموجودات التي نراها والتي نقول‏بامكانية رؤيتها، هي مخلوقة باجمعها ولا يمكن رؤية‏خالقها ابدا، فعلى هذا لا نجد للبحث المذكور آنفاموضعا في اوساطنا الدينية من الاساس.

ولكن هذه المسالة كانت سابقا مطروحة على بساط‏البحث وبقوة في المجتمع الاسلامي بشكل عام،واساسا فان مقولة: ان اللّه ليس كمثله شي، تعني‏استحالة رؤيته، وقد برزت هذه المقولة في تاريخ‏العقائد والكلام الاسلامي من قبل بعض المتكلمين‏العقلانيين، وفي مقابلها ذهب علماء اهل السنة الى ان‏رؤية اللّه ممكنة، ولكن لا في الدنيا، بل في الخرة.

ان ظهور الاعتقاد برؤية اللّه بين المسلمين لا يعد امراغريبا، واساس هذه الفكرة - كما هي الحال في اكثرالعقائد الكلامية - مقتبس من المفاهيم القرآنية وتفسيربعض اليات الكريمة، ففي القرآن الكريم نقرا آيات‏تتحدث عن «وجه اللّه» في قوله تعالى:

(فاينما تولوافثم‏وجه اللّه) [البقرة/115].

وكذلك ما ورد في القرآن من طلب موسى( رؤية اللّه،حيث ان بعض المتكلمين ذهب الى القول: ان طلب‏موسى نفسه من اللّه تعالى رؤيته (رب ارني انظر اليك)[الاعراف/143]يعني ان رؤية اللّه ممكنة، ومعلوم ان‏نبي اللّه( لا يخطئ، فلو كانت رؤية اللّه مستحيلة لم‏يطلب موسى( من اللّه الرؤية. وطبعا ورد في القرآن ان‏اللّه تعالى اجاب موسى(، بقوله: (لن تراني)[الاعراف/143]، ومن هذه العبارة يستوحي بعض آخرمن المتكلمين بان رؤية اللّه مستحيلة.

ان هذه الحادثة نفسها، بين موسى( وربه، تجعل من‏موضوع «رؤية اللّه» مسالة كلامية تستحق البحث. وقدذهب اهل السنة الى ان رؤية اللّه مستحيلة في الدنيا،وهذا هو المراد من قوله تعالى: (لن تراني(، ولكن رؤيته‏يوم القيامة ممكنة، ويستندون لاثبات هذه المقولة الى‏حديث «رؤية القمر» المذكور آنفا.

فقد كانت هذه المسالة هي الاساس في ان علماء الكلام‏افترقوا فريقين: المتكلمون العقلانيون في القرنين الثاني‏والثالث× اي علماء الجهمية والمعتزلة الذين انكرواالرؤية، وفي مقابلهم السلفيون واهل الحديث وعلى‏راسهم احمد بن حنبل، الذين يرون امكان رؤية اللّه في‏الخرة.

ولكن الى جانب هذه المسالة الاصلية، كانت تطرح‏اسئلة اخرى، فالقائلون بجواز الرؤية يواجهون عدة‏علامات استفهام من قبيل: كيف تتحقق الرؤية؟ فهل ان‏المؤمنين يرون اللّه في الخرة بالعين المادية او بحاسة‏اخرى، وكان تكون الرؤية بالقلب مثلا، او بالحاسة‏السادسة؟ وهل ان اللّه الذي يرونه في الخرة له وجه اولا؟ وكيف يكون ذلك الوجه، ومن يكون؟ وهل ان‏المؤمنين يرون اللّه بصورة انسان او لا؟ ولو انهم راوه‏بصورة انسان فمن يشبه هذا الانسان؟ وعلى اي‏شكل؟ والظاهر ان هذه الاسئلة كانت مطروحة سابقا في الوسط‏المسيحي ايضا، ولكن الاجابة بالايجاب في الديانة‏المسيحية لا تواجهها مشكلة معرفية عندهم× لان اللّهالذي تجسد على صورة ;ژرس‏ز÷السيد المسيح;ژرس‏ز÷ لا تكون رؤيته‏مستحيلة، والمؤمنون من المسيحيين يتمنون جميعا ان‏يروا بعد الموت السيد المسيح - وهو الرب المتجسد -في الجنة، الا ان مثل هذه الاجوبة لا تعد مقبولة في‏الوسط الاسلامي. طبعا كان هناك من يعتقد بان اللّهتعالى سيظهر للمؤمنين يوم القيامة بصورة عيسى بن‏مريم او بصورة علي بن ابي طالب(، ويرونه بهذه‏الصورة. ولعل مثل هذه الاعتقادات ادت الى ان ينكرالعقليون كالجهمية والمعتزلة والشيعة، الرؤية من‏الاساس حتى في الخرة.

ولم يقتصر البحث على تحقق الرؤية في الخرة، بل امتدالبحث الى امكانية الرؤية في الدنيا ايضا، فبعض الفرق‏الاسلامية يرون جواز رؤية اللّه في الدنيا، ولكن احمدبن حنبل واهل الحديث بشكل عام ينكرون هذه‏النظرية. الا ان قضية معراج النبي( ورؤيته للّه تعالى في‏ليلة المعراج ادتا الى طرح مسالة امكانية رؤية اللّه تعالى‏في هذه الدنيا بعد ذلك.

وهناك روايات تشير الى ان النبي الاعظم( راى اللّهتعالى في ليلة المعراج في صورة رجل شاب. وقد راجت‏مثل هذه الاحاديث في اوساط الصوفية لاحقا. وطبعافان المتصوفة يذهبون الى جواز رؤية اللّه في الخرة، بل‏ان الصوفي الحقيقي يتمنى ان يموت لينال رؤية اللّهتعالى في الجنة. ذلك كله بمفهوم رؤية اللّه بعين القلب‏والبصيرة، ولكن المتصوفة بعد ذلك اخذوا يتحدثون‏عن رؤية الانوار الالهية ومشاهدة وجد المعشوق بعين‏القلب في هذه الدنيا ايضا. كما نلاحظ ذلك في الاشعارالعرفانية المشحونة بالاشارات والكنايات التي تشير الى‏موضوع لقاء المعشوق ورؤية وجه اللّه تعالى.

وحتى موضوع الشاهد والشهادة، ايضا، متفرع في‏الاساس من اصل مسالة الرؤية هذه. وكذلك مسالة‏النظر الواردة في قاموس التصوف هي الاخرى متفرعة‏من مسالة الرؤية ايضا. وبعض المتصوفة يذهبون، في‏تفسير آية الميثاق والعهد، الى ان الناس - وطبعاالمؤمنين منهم - شاهدوا قبل مجيئهم لهذه الدنيامعشوقهم ومحبوبهم الحقيقي، وهو اللّه تعالى، ولهذااجابوا عن سؤال (الست بربكم) [الاعراف/172]بقولهم:(بلى(.

مورد الاهتمام هذه الرؤى والاعتقادات التي اشرنا اليها آنفا توحي لنابسعة دائرة البحث في مسالة رؤية اللّه تعالى، والامام‏شرف الدين لم يتعرض الى هذه الاقوال والرؤى جميعهافي بحثه العلمي× لان هذا البحث يمتد بجذوره الى‏الماضي البعيد جدا في دائرة البحث الفلسفي والكلامي،وعلماء الديانات والمذاهب، حتى قبل ميلاد المسيح(،تعرضوا لهذه المسالة ايضا من جوانبها وابعادهاالمختلفة، بما فيها البعد الميتافيزيقي، ولكن اكثر ما كان‏مورد اهتمام العلامة شرف الدين، هو نظريات علماءالشيعة الامامية بالخصوص واقوالهم، وهو المورد الذي‏يمثل الحلقة المفقودة في سلسلة الابحاث الكلامية في‏هذه المسالة.

اما العوامل التي ادت الى طرح هذه الحلقة من حلقات‏بحث هذه المشكلة، والى اقصائها عن مصادر الراي‏الاسلامي في مدار الفكر العالمي، فعوامل سياسية‏اقتضتها ظروف الحكم، في كثير من مراحل‏تاريخنا.

وواضح ان الحكم رافق ;ژرس‏ز÷اهل السنة;ژرس‏ز÷ من المسلمين،وفارق ;ژرس‏ز÷الشيعة الامامية;ژرس‏ز÷ منهم، باعتبارهم الحزب‏المعارض، فكان من ذلك ان روج لراء الحزب الحاكم،وحوربت آراء المعارضة، تبعا لذلك، حتى ادى الامر الى‏انتشار آراء، وط‏ى اخرى في واقع طغت فيه المناهج‏السياسية على المناهج العلمية كما هو معروف. ويعتقدالعلامة شرف الدين بانه، وعلى هذا الاساس، ذهب‏الجمهور الى امكان الرؤية في الدارين، وقد اجمع هؤلاءعلى وقوعها في الدار الخرة، وعلى ان جميع اهل الجنة‏سيرونه فيها بابصارهم، واختلفوا في وقوعها في الدنيا،فمنهم من قال بوقوعها من رسول اللّه(، ومنهم من قال‏بعدم وقوعها اصلا، ومنهم من توقف((270)) .

اما المجسمة من هؤلاء، فقد زعموا ان اهل المحشرجميعهم سيرونه يوم القيامة نصب اعينهم باتصال‏اشعتها بجسمه، ينظرون اليه لايمارون فيه، كما لايمارون في الشمس والقمر ليس دونهما سحاب، على‏ما يقتضيه نص الحديث في البخاري ومسلم.

وهؤلاء خالفوا - بالتجسيم والتشبيه - حكم العقل‏والنقل، وخرقوا اجماع الامة كافة، وخرجوا على‏مقدساتها، ونبذوا ما قد علم من الدين بحكم الضرورة‏الاسلامية، فلا وزن لهم، ولا اعتداد بمذاهبهم.

والعلامة شرف الدين، بعدما يطرح موضوع الرؤية عندالاشاعرة الموسوميون باهل السنة والجماعة، ويعرض‏عن رايهم ما اوجبه جهلهم، واقتضاه حمقهم وسخف‏مذاهبهم، يرى ان محل النزاع ينحصر في رؤية الباري‏تعالى، وهل هي ممكنة مع تنزيهه؟ او هي مع التنزيه‏ممتنعة مستحيلة؟ ويستنتج بان الاشاعرة ذهبوا الى‏الاول، وذهبت الشيعة الامامية تبعا لائمتهم ( الى‏الثاني.

وعلينا ان نبين ان فكرة التجسيم، كما اوضحنا، دخلت‏في العقيدة الاسلامية من جانب اليهود والنصارى‏واختلاطهم مع المسلمين السابقين، وبخاصة مع بعض‏ممن تسموا بالمحدثين والرواة المشبوهين، الذين لااصل لهم، ولا رسخت العقيدة الصحيحة المحمدية في‏نفوسهم، وانما كانوا تجار حديث ورواية، ونهضوا في‏هذا الاطار ودسوا ما دسوا، ورووا ما رووا من اكاذيب‏باموال من بني امية وامثالهم، الذين لعبوا بالدين‏والشريعة والعقيدة الاسلامية ردا لما اتخذه الرسول(،فانه اهاب في الجاهلين وصرح في الغافلين، ونادى في‏الناس اجمعين: «يا ايها الناس ان الفضل والشرف‏والمنزلة والولاية لرسول اللّه وذريته فلا تذهبن بكم‏الاباطيل‏»((271)) .

وردا على قوله: «اني تارك فيكم‏الثقلين كتاب اللّه واهل بيتي، وانهما لن يفترقا حتى يرداعلى الحوض‏»((272)) ، وزاد الطبراني: «فانظروا كيف‏تخلفوني فيهما، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصرواعنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فانهم اعلم منكم‏»((273)).

ويستشهد العلامة شرف الدين باحاديث وروايات‏صحيحة في فضيلة المرجعية العلمية والدينية لائمة‏اهل البيت چ، ويقول:

;ژرس‏ز÷المراد باهل بيته في هذه الصحاح‏ونحوها مجموعهم من حيث المجموع، باعتبار ائمتهم‏القوامين بامر اللّه والقائمين في هذه الامة مقام رسول‏اللّه، ولا يصح ان يكون المراد هنا جميع اهل البيت على‏سبيل الاستغراق× لان هذه المنازل العظيمة ليست الالحجج اللّه تعالى، النافين عن هذا الدين تحريف‏الضالين، وانتحال المبطلين، وتاويل الجاهلين. وجماعة‏المسلمين لا يخفى عليهم ذلك، وان كتموه وحاولواالتشكيك فيه ردا على رسول اللّه(، الذي شبه اهل بيته (بسفينة نوح وبباب حطة، حتى يلجاوا اليهم في الدين‏اصوله وفروعه، فرائضه وسننه، حتى ينجوا من عذاب‏النار، ومن تخلف عنهم في ذلك كان كمن آوى - يوم‏الطوفان - الى جبل ليعصمه من امر اللّه.

والعلامة شرف الدين في مقاله يدخل في احتجاجهم‏باحاديث متقنة وروايات مسندة من العترة الطاهرة ( في‏رد روايات كاذبة مسندة الى الرسول( من طرقهم غيرالموثقة.

قوم دسوا انفسهم في صفوف المحدثين - والمحدثون‏منهم براء - فكانوا مولعين باباطيل يصونونها تثبيتالرائهم واحتجاجا على من يخالفهم فيها، وقد صاغوافي الرؤية اضاليل موهوها بما يستهوي العامة من‏تفضيل من تؤثر العامة من اهل السنة تفضيله ليصيبوا -بسهم واحد - غرضين هما من اهم اغراضهم، وليتترسوابهذا التفضيل ممن يخافون ان ينكر عليهم تلك‏الاباطيل، وقد سرقها بعضهم من بعض، فركبوها على‏اسانيد متعددة بطرق مختلفة ما انزل اللّه بها من سلطان،واليك منها في هذه العجالة نبذة نضربها مثلا لسائراباطيلهم في هذا الباب لتكون عبرة وذكرى لاولي‏الالباب.

مثلما اخرجه الشيخان البخاري ومسلم بالاسناد الى ابي‏هريرة قال: «قال اناس: يا رسول اللّه! هل نرى ربنا يوم‏القيامة؟ فقال:

هل تضارون في الشمس ليس دونهاسحاب؟ قالوا: لا يا رسول اللّه، قال: هل تضارون في‏القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول‏اللّه. قال: فانكم ترونه يوم القيامة كذلك. يجمع اللّهالناس، فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبع من كان‏يعبد الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر، ويتبع من كان‏يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الامة فيها منافقوها، فياتيهم‏اللّه في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: انا ربكم،فيقولون: نعوذ باللّه منك! هذا مكاننا حتى ياتينا ربنا فاذااتانا، عرفناه!! قال: فياتيهم اللّه في الصورة التي يعرفون!فيقول: انا ربكم. فيقولون: انت ربنا، فيتبعونه ويضرب‏جسر جهنم. قال ابو هريرة، قال رسول اللّه: فاكون اول‏من يجيز، ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم...»((274))، والحديث طويل. وكذلك اخرج مسلم في كتابه في‏حديث اطول منه((275)) .

لكن العلامة شرف الدين يبطل الحديث من طريقيه عندالبخاري ومسلم، من حيث سنديهما الى ابي هريرة،الذي هو من السابقين الاولين الى اختلاق الحديث على‏اللّه تعالى وعلى رسوله(، ولم يسبقه في ذلك سابق،ولم يلحقه فيه لاحق، وزيادة على ذلك يذكره في كتابه;ژرس‏ز÷ابو هريرة;ژرس‏ز÷.

وهكذا سويد بن سعيد، ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال‏بانه عمر وعمي، وانه ربما لقن مما ليس من حديثه،وكان كثير التدليس، ونقل عن البخاري القول بانه منكرالحديث وضعيف جدا، قال: وكذبه ابن معين وسبه،وعن احمد بن حنبل: هو متروك الحديث.

وهكذا زيد بن اسلم، كاخويه في الوضع والكذب‏والتدليس.

ثم ياتي العلامة شرف الدين على الحديثين عندالبخاري ومسلم من حيث المتن، فيعدهما باطلين‏لظهورهما في ان اللّه تعالى جسم ذو صورة مركبة‏تعرض عليها الحوادث من التحول والتغير، وانه سبحانه‏ذو حركة وانتقال، ياتي هذه الامة يوم حشرها وفيهامؤمنوها ومنافقوها، فيرونه باجمعهم ماثلا لهم في‏صورة غير الصورة التي كانوا يعرفونها من ذي قبل.فيقول لهم: انا ربكم، فينكرونه متعوذين باللّه منه، ثم‏ياتيهم مرة ثانية في الصورة التي يعرفون، فيقول لهم: اناربكم فيقول المؤمنون والمنافقون جميعا: نعم انت ربنا،وانما عرفوه بالساق اذ كشف لهم عنها، فكانت هي آيته‏الدالة عليه، فيتسنى حينئذ السجود للمؤمنين منهم من‏دون المنافقين، وحين يرفعون رؤوسهم يرون اللّه ماثلافوقها بالصورة التي يعرفون، لا يمارون فيه كما كانوا في‏الدنيا لا يمارون في الشمس والقمر ماثلين فوقهم‏بجرميهما النيرين ليس دونهما سحاب، واذا به بعد هذايضحك ويعجب من غير ما عجب، كما هو ياتي‏ويذهب.. الى آخر ما اشتمل عليه الحديثان مما لا يجوزعلى اللّه تعالى، ولا على رسوله باجماع اهل التنزيه من‏اشاعرة وغيرهم.

ويقول شرف الدين: ;ژرس‏ز÷ان هذين الحديثين وسائرالاحاديث التي تشبث بها القائلون بالرؤية، لو فرضناصحتها متنا وسندا، لا تخرج بالصحة عن كونها من‏الحاد، ويعتقد العلامة بان خبر الواحد مع صحته انمايكون حجة في الفروع لا في العقائد;ژرس‏ز÷.

وبالمقابل، في رد احاديث موضوعة واكاذيب منقولة،يستشهد في جوابه بحديث من خطبة لامير المؤمنين(،حيث يقول:

«الحمد للّه الذي لا يبلغ مدحته القائلون،ولا يحصي نعماءه العادون... الذي لا يدركه بعد الهمم،ولا يناله غوص الفطن، الذي ليس لصفته حد محدودولا نعت موجود، ولا وقت معدود..;ژرس‏ز÷((276)) .

وفي خطبة الاشباح يقول(: «الاول الذي لم يكن له قبل‏فيكون شي قبله، والخر الذي ليس له بعد فيكون شي‏بعده، والرادع اناسى الابصار عن ان تناله اوتدركه;ژرس‏ز÷((277)) .

وفي خطبة اخرى يقول: ;ژرس‏ز÷الحمد للّه الذي لا تدركه‏الشواهد، ولا تحويه المشاهد، ولا تراه النواظر، ولاتحجبه السواتر، الدال على قدمه بحدوث خلقه،وبحدوث خلقه على وجوده... واحد لا بعدد، ودائم لابامد... تتلقاه الاذهان لا بمشاعرة، وتشهد له المرائي لابمحاضرة، لم تحط به الاوهام، بل تجلى لها بها، وبهاامتنع منها، واليها حاكمها;ژرس‏ز÷((278)) .

وفي كلام له( وقد ساله ذعلب اليماني فقال: هل رايت‏ربك يا امير المؤمنين؟ فقال(: ;ژرس‏ز÷افاعبد ما لا ارى;ژرس‏ز÷؟ فقال:وكيف تراه؟ فقال: ;ژرس‏ز÷لا تدركه العيون بمشاهدة العيان،ولكن تدركه القلوب بحقائق الايمان، قريب من الاشياءغير ملامس..;ژرس‏ز÷((279)) .

وكذلك في حديث الامام الصادق(، وقد دخل عليه رجل‏من الخوارج، فقال له: يا ابا جعفر اى شي تعبد؟ قال: اللّهعز وجل، قال: ارايته؟ قال: «لا تراه العيون بمشاهدة‏الابصار وانما تراه القلوب بحقائق الايمان، لا يعرف‏بالقياس، ولا يدرك بالحواس، ولا يشبه بالناس،موصوف معروف بالعلامات، لا يجور في حكمه، ذلك‏اللّه لا اله الا هو;ژرس‏ز÷((280)) . وفي حديث غيره قال‏الصادق(: ;ژرس‏ز÷ان اللّه عظيم رفيع لا يقدر العباد على صفته‏ولا يبلغون كنه عظمته، لا تدركه الابصار، وهو يدرك‏الابصار وهو اللطيف الخبير، ولا يوصف بكيف، ولا اين‏ولا حيث;ژرس‏ز÷((281)) .

وقال الامام الصادق( في تفسير قوله تعالى: (لا تدركه‏الابصار( قال: ;ژرس‏ز÷اللّه اعظم من ان يرى بالعين، او يحيط به‏الوهم;ژرس‏ز÷((282)) .

وقال الامام الرضا( في جواب ابي هاشم‏الجعفر لما ساله عن اللّه هل يوصف؟ قال(: ;ژرس‏ز÷اتقراالقرآن;ژرس‏ز÷؟ قال: بلى، قال: ;ژرس‏ز÷اما تقرا قوله تعالى: (لا تدركه‏الابصار وهو يدرك الابصار(. قال: بلى، قال:

;ژرس‏ز÷افتعرف‏الابصار؟;ژرس‏ز÷. قال: بلى، قال: «ما هي‏»؟ قال: العيون.

فقال:;ژرس‏ز÷ان اوهام القلوب اكبر من ابصار العيون، فهو لا تدركه‏الاوهام..;ژرس‏ز÷((283)) .

وفي حديث آخر عن الامام الرضا( قال لداود بن القاسم‏في تفسير (لا تدركه الابصار...(: ;ژرس‏ز÷اوهام القلوب ادق من‏ابصار العيون، انت قد تدرك بوهمك السند والهند والبلدالتي لم تدخلها، ولا تدركها ببصرك، واوهام القلوب لاتدركه - عز وجل - فكيف ابصار العيون;ژرس‏ز÷((284))؟! كذلك يستشهد السيد شرف الدين بتوقيع خرج من‏ناحية الامام ابي محمد العسكري(، وقد ساله يعقوب بن‏اسحاق، ان كيف يعبد العبد ربه وهو لا يراه؟ فوقع(: «ياابا يوسف! جل سيدي ومولاي والمنعم على وعلى‏آبائي ان يرى‏»، قال: وسالته:

هل راى رسول اللّه( ربه؟فوقع(: ;ژرس‏ز÷ان اللّه تبارك وتعالى ارى رسوله بقلبه من نورعظمته ما احب;ژرس‏ز÷((285)) .

وفي حديث آخر عن احمد بن اسحاق قال: كتبت الى‏ابي الحسن الثالث (الهادي) ( اساله عن الرؤية ومااختلف فيه الناس؟ فكتب: ;ژرس‏ز÷لا تجوز الرؤية [عقلا -] مالم يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر، فاذا انطقع‏الهواء عن الرائي والمرئي لم تصح الرؤية، وكان في ذلك‏الاشتباه× لان الرائي متى ساوى المرئي في السبب‏الموجب بينهما في الرؤية، وجب الاشتباه، وكان ذلك‏التشبيه× لان الاسباب لابد من اتصالهابالمسببات‏»((286)) . الى غير ذلك مما هو ثابت عن ائمة‏الهدى من النصوص على امتناع الرؤية.

ويستدل القائلون بجواز الرؤية بيات من الكتاب‏الحكيم، ويفسرونها بما ارادوا تحريفا للواقع، كما في‏قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة - الى ربها ناظرة)[القيامة/22]، وقالوا: انها ظاهرة في ان اصحاب تلك‏الوجوه الناظرة يوم القيامة ينظرون الى ربهم فيرونه‏عيانا بابصارهم.

ويعتقدون بان النظر اذا عدي ب‏- ;ژرس‏ز÷الى;ژرس‏ز÷ يرد لمعان غيرالرؤية، واذا اضيف الى الوجه الذي هو محل البصر لايحتمل الا الرؤية.

وايدهم الاشعري، فقال: ان النظر اذاذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه،كما اذا ذكر اهل اللسان نظر القلب فقالوا: انظر في هذاالامر بقلبك، لم يكن معناه نظر العينين، ولذلك اذا ذكرالنظر مع الوجه، لم يكن معناه نظر الانتظار الذي‏بالقلب... كما قال تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في‏السماء فلنولينك قبلة ترضاها) [البقرة/144]، فذكرالوجه وانما اراد تقلب عينيه نحو السماء ينتظر نزول‏الملك عليه بصرف اللّه له عن قبلة بيت المقدس الى‏الكعبة((287)) .

وكذلك ابن القيم يقول: ;ژرس‏ز÷وانت، اذا اجرت هذه الية من‏تحريفها عن مواضعها والكذب على المتكلم بها سبحانه‏في ما اراده منها، وجدتها منادية نداء صريحا ان اللّهسبحانه يرى عيانا بالابصار يوم القيامة... وصريح في ان‏اللّه سبحانه وتعالى اراد بذلك نظر العين التي في الوجه‏الى نفس الرب جل جلاله;ژرس‏ز÷((288)) .

ويرد عليهم السيد في مقاله ويقول: ;ژرس‏ز÷ان لفظ النظر ولاسيما المتعدي منه ب‏- (الى) ليس اسما للرؤية نفسها،ولا هو بملازم لها، وانما هو مد الطرف نحو الشي رآه اولم يره، ويدل عليه قوله تعالى: (وتراهم ينظرون اليك‏وهم لا يبصرون) [الاعراف/198]، وقد يوصف النظربما لا توصف به الرؤية، فيقال: نظر اليه شزرا ونظر اليه‏نظر غضبان او نظر راض، والرؤية لا توصف بشي منها،فلا يقال: رآه شزرا او رؤية غضبان، وهذا ليس الا لتغايرفي معنيي النظر والرؤية;ژرس‏ز÷((289)) .

وهكذا في قوله تعالى: (الى ربها ناظرة(، ان المتبادر الى‏الاذهان انها انما تنتظر وتتوقع فضل اللّه، وما اعده لهامن الكرامة في دار القيامة، كما يقول اهل العرف: انماننظر الى اللّه ثم اليك× اي انما ننتظر ونتوقع فضل اللّهثم فضلك، يقولونه للمؤمل يرجونه، وما اكثر استعمالهم‏للنظر في الانتظار على سبيل الحقيقة لا على سبيل‏المجاز، ولا سيما المتعدي منه ب‏-;ژرس‏ز÷الى;ژرس‏ز÷، واستشهدبقول الشاعر:

وج‏--وه ناظ‏--رات ى‏-وم ب‏-در عل‏-ى الرحم‏-ان‏تنتظ‏-ر الخلاصا اثبت النظر الى الرحمان مع عدم رؤيته، ونص في آخرالبيت على ان مراده من قوله في اوله: وجوه ناظرات،انها تنتظر الخلاص.

ويحمل الية بدليل تقديم المعمول فيها على عامله،فان تقديمه عليها نص صريح في اختصاص اللّه تعالى‏بنظرهم اليه، الا ترى ان قوله: (الى ربها ناظرة( في الدلالة‏على هذا الاختصاص على حد قوله سبحانه: (الى ربك‏يومئذ المستقر) [القيامة/12 ] و(الى ربك يومئذالمساق) [القيامة/30 ]وامثاله.

ويقول: هذا يوجب القطع بان النظر في الية لا يراد منه‏الرؤية× لان المؤمنين يوم القيامة ينظرون الى اشياء لايحيط بها حصر، ولا تدخل تحت عدد في محشر تجتمع‏فيه الخلائق من انس وجن وملائكة وغيرهم،والمؤمنون هم نظار ذلك اليوم المنون المطمئنون،الذين لا يمنعهم يومئذ عن النظر الى زلزاله وسائراحواله ذعر ولا خوف، فاختصاصه تعالى بنظرهم اليه -لو كان اللّه جائز الرؤية ;ژرس‏ز÷ مستحيل. ولذلك وجب الية‏على معنى يصح معه هذا الاختصاص انما هو كون(ناظرة) في الية بمعنى منتظرة. ويؤيد كلامه بتفسير عن‏امير المؤمنين( وغيره، بان المراد بقوله: (الى ربهاناظرة(، انها تنتظر ثواب ربها((290)) .

اما في قوله تعالى: (كلا انهم عن ربهم يومئذلمحجوبون) [المطففين/15]، يقول الرازي في تفسيره:احتج الاصحاب على ان المؤمنين يرونه سبحانه‏وتعالى، قالوا: ولولا ذلك لم يكن للتخصيص فائدة،وفيه تقرير آخر، وهو انه تعالى ذكر هذا الحجاب في‏معرض الوعيد والتهديد للكفار، وما يكون وعيداوتهديدا للكفار لا يجوز حصوله في حق المؤمن،فوجب ان لا يحصل هذا الحجاب في حق‏المؤمن.

ونقل عن مقاتل قوله: معنى الية انهم بعد العرض‏والحساب لا يرون ربهم، والمؤمنون يرون ربهم. وقال‏الكلبي: يقول: انهم عن النظر الى رؤية ربهم لمحجوبون،والمؤمن لا يحجب عن رؤية ربه. وسئل مالك بن انس‏عن هذه الية، فقال: لما حجب اعداءه فلم يروه، لا بد من‏ان يتجلى لاوليائه حتى يروه. وعن الشافعي: لما حجب‏قوما بالسخط دل على ان قومايرونه بالرضا((291)).

ويرد عليهم شرف الدين ويقول: هؤلاء صدعوا براي‏راوه لا تتم به حجة ولا يقوم به برهان، ولا سيما اذا كان‏رايهم مخالفاللعقل الذي به عرفنا اللّه تعالى ومعارضالكتاب اللّه عز وجل، ومخالفا لنصوص ائمة اهل البيت(، وهم اعدال القرآن، وعنه لا يفترقون، وانما مثلهم مثل‏سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق، ومثل‏باب حطة من دخله كان مؤمنا، وهم امان الامة من‏الاختلاف.

ويقول عن الحجاب المذكور في الية: انما هو حجب‏الكفار عن رحمة اللّه، وهذا خاص بهم دون المؤمنين،فان المؤمنين في سعة رحمة اللّه، وبحبوحة جنته مع‏الذين انعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداءوالصالحين وحسن اولئك رفيقا((292)) .

اما في قوله تعالى: (للذين احسنوا الحسنى وزيادة(يقول الرازي: بدليلين:

من النقل: ان الحسنى هي الجنة والزيادة هي النظر الى‏اللّه سبحانه وتعالى.

والعقل: فهو ان الحسنى لفظ مفرد دخل عليه حرف‏التعريف فانصرف الى المعهود السابق وهو دارالسلام;ژرس‏ز÷((293)) .

ويقول السيد شرف الدين: ان الرؤية مستحيلة بحكم‏العقل، والحديث عندنا معلومة العدم، وهكذا لاانصراف في الحسنى هنا الى دار السلام قطعا بحكم اهل‏العرف من خاصة وعامة، وانما هي الثواب الذي‏يستحقه المحسنون في الخرة جزاء حسناتهم في الدنيا،وان الزيادة انما هي ما يزيدهم اللّه تعالى من فضله‏علاوة على ما يستحقونه، فتكون هذه الية هي حد قوله‏تعالى في آية: (فيوفيهم اجورهم ويزيدهم من فضله)[فاطر/30]((294)) اما الاستدلال على رؤية اللّه في الخرة بقوله تعالى:(لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد) [ق/35 ].فالمزيد في‏الية لاهل الجنة على ما يشاؤون، وانما هو النظر الى‏وجه اللّه عز وجل، ويحتمل الرازي بان يكون معناه‏الزيادة، ويحتمل ان يكون بمعنى المفعول× اي عندنا مانزيده على ما يرجون وعلى ما لا يرجون، وعلى مايكون مما يشتهون.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية