الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

ويرى شرف الدين ان هذه الية لا تحتمل سوى ان اهل‏الجنة لهم فيها كل ما يشاؤون مما تشتهيه انفسهم، وكل‏ما يريدون من انواع النعيم، وان عند اللّه عز وجل المزيدعلى ما يشاؤون مما لم يخطر على بالهم ولم تبلغه‏امانيهم((295)) .

وجوه عقلية دالة على امتناع الرؤية وفي فصل آخر من مقالة العلامة شرف الدين يبحث عن‏وجوه عقلية دالة على امتناع الرؤية، ويقول:

1 - ان كل من استضاء بنور العقل يعلم ان الرؤية‏البصرية لا يمكن وقوعها ولا تصورها، الا ان يكون‏المرئي في جهة ومكان ومسافة خاصة بينه وبين رائيه،ولا بد من ان يكون مقابلا لعين الرائي، وذلك كله ممتنع‏على اللّه تعالى مستحيل باجماع اهل التنزيه، من اشاعرة‏وغيرهم.

2 - ان الرؤية التي يقول الاشاعرة بامكانها ووقوعها، اماان تقع على اللّه كله فيكون مركبا محدودا متناهيامحصورا يشغل فراغ الناحية المرئي فيها، فتخلو منه بقية‏النواحي، واما ان تقع على بعضه فيكون مبعضا مركبامتحيزا، ذلك كله مما يمنعه ويبرا منه اهل التنزيه من‏اشاعرة وغيرهم.

3 - ان كل مرئي بجارحة العين مشار اليه بحدقتها، واهل‏التنزيه من الاشاعرة وغيرهم ينزهون اللّه تعالى عن ان‏يشار اليه بحدقة، كما ينزهونه عن الاشارة اليه باصبع اوغيرها.

4 - ان الرؤية بالعين الباصرة لا تكون في حيزالممكنات ما لم تتصل اشعة البصر بالمرئي، ومنزهواللّه تعالى من اشاعرة وغيرهم مجمعون على امتناع‏اتصال شي ما بذاته جل وعلا.

ويستشهد على استدلاله‏بحديث الامام الهادي ابي الحسن علي بن محمدالعسكري( الذي يوافق راي الفلاسفة العصريين، يقول‏احمد بن اسحاق القمي: كتبت الى ابي الحسن الثالث‏اساله عن الرؤية، وما اختلف فيه الناس. فكتب(: ;ژرس‏ز÷لاتجوز الرؤية - عقلا - ما لم يكن بين الرائي والمرئي‏هواء ينفذه البصر، فاذا انقطع الهواء عن الرائي او المرئي‏لم تصح الرؤية;ژرس‏ز÷((296)) .

5 - ويستشهد بالاستقراء ويقول: يشهد ان كل متصور لابد من ان يكون اما محسوسا او متخيلا من اشياءمحسوسة او قائما في نفس المتصور بفطرته التي فطرعليها، فالاول كالاجرام والوانها المحسوسة بالبصر،وكالحلاوة والمرارة ونحوهما من المحسوس بالذائقة،والثاني كقول القائل: اعلام ياقوت نشرن على رماح من‏زبرجد. ونحوه مما تدركه المخيلة مركبامن عدة اشياءادركها البصر، والثالث كالالم واللذة، والراحة والعناء،والسرور والحزن ونحوها مما يدركه الانسان من نفسه‏بفطرته((297)) .

ومحصل كلامه ان العقل الذي عرفنا اللّه تعالى به يحكم‏مستقلا بامتناع رؤية الباري سبحانه، سواء اكانت الرؤية‏بصرية ام قلبية ام خيالية ام وهمية، لامتناع لوازمهابحكم العقل.

استدلال من اليات القرآنية ومن بعد ما يستدل بحجج عقلية، ويرد آراء الاشاعرة‏الجهلية في امكان رؤية اللّه بالبصر المادي، وبالعين‏المجردة، يقوم باستدلال من اليات القرآنية المحكمة‏بعدم امكان صحة راي المجسمين، ومن يوافقهم برؤية‏رب العالمين في الدنيا والخرة.

واليات من‏المحكمات تؤيد حكم العقل بامتناع الرؤية، وهي على‏النحو التي:

1 - في قوله تعالى: (لا تدركه الابصار وهو يدرك‏الابصار وهو اللطيف الخبير) [الانعام/102 ]. يقول‏السيد: فان الادراك متى قرن بالبصر لا يفهم منه الا الرؤية‏بالعين، كما انه اذا قرن بلة السمع، ويستدل بالية على‏انه سبحانه وتعالى قد تعالى على جميع الموجودات‏بمجموع هذين الامرين اللذين اشتملت عليهما الية‏الكريمة× لان من الاشياء ما يرى ويرى كالاحياء من‏الناس، ومنها ما يرى ولا يرى كالجمادات والاعراض‏المرئية، ومنها ما لا يرى ولا يرى كالاعراض التي لاترى، فاللّه تعالى خالفها جميعا وتعالى عليها وتفرد بان‏يرى ولا يرى وتمدح بجموع الامرين كما تمدح بقوله:(وهويطعم‏و لا ى طعم) [الانعام/14]، وقوله: (يجير ولايجار عليه) [المؤمنون/89]((298)) وقد اغرب الامام الرازي في ما علق به على هذه الية من‏سورة الانعام في تفسيره الكبير، اذ زعم ان اصحابه‏احتجوا بها على انه تعالى تجوز رؤيته، وان المؤمنين‏يرونه يوم القيامة. ونقل عنهم من وجوه الاحتجاج بهاعلى الامرين اربعة اوجه وبالاحرى ان يقال: الوجوه‏الاربعة من تشكيكاته ولا من غيرها.

2 - في قوله تعالى: (يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم ولايحيطون به علما) [طه/11 ]يقول السيد: انها في معناهاعلى حد الية الاولى، وهو فصل الخطاب ومفصل‏الصواب (لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار(.ويستشهد على ابطال الرؤية بحديث الرضا( لما ساله‏ابو قرة: انا روينا ان اللّه قسم الرؤية والكلام بين نبيين،فقسم الكلام لموسى، ولمحمد الرؤية، فقال الامام(:فمن المبلغ عن اللّه الى الثقلين من الجن والانس؟(لاتدركه الابصار( و(ليس كمثله شي) [الشورى/11]اليس محمد(، قال:

بلى. قال: كيف يجي رجل الى‏الخلق جميعا فيخبرهم انه جاء من عند اللّه، وانه‏يدعوهم الى اللّه بامر اللّه، فيقول (لا تدركه الابصار...(،و (يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما(و(ليس كمثله شي(، ثم يقول: انا رايته بعيني واحطت به‏علما، وهو على صورة البشر! اما تستحون؟ ما قدرت‏الزنادقة ان ترميه( بهذا ان يكون ياتي من عند اللّه بشي،ثم ياتي بخلافه من وجه آخر؟! واستشهد ابو قرة على رايه بية اخرى وقال: فانه تعالى‏يقول:

(ولقد رآه نزلة اخرى) [النجم/13]، فاجابه‏الامام(: ان بعد هذه الية ما يدل على ما راى( حيث قال‏تعالى: (ما كذب الفؤاد ما راى) [النجم/11 ]يقول: ماكذب فؤاد محمد( ما رات عيناه، ثم اخبر بما راى فقال:(لقد راى من آيات ربه الكبرى) [النجم/18 ]فيات اللّهغير اللّه، وقد قال اللّه: (ولا يحيطون‏به علما) [طه/110]. فاذا راته الابصار فقد احاط به العلم، ووقعت المعرفة..فقال ابو قرة فتكذب بالروايات؟ قال الامام(: اذا كانت‏الروايات مخالفة للقرآن كذبتها، وما اجمع المسلمون‏عليه انه لا يحاط به علما ولا تدركه الابصار وليس كمثله‏شي;ژرس‏ز÷((299)) .

3 - ويستدل السيد شرف الدين بيتين متصلتين في‏قوله تعالى:

(واذ قال موسى لقومه: يا قوم انكم ظلمتم‏انفسكم‏باتخاذكم ال عجل فتوبوا الى بارئكم فاقتلواانفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم انه هوالتواب الرحيم - واذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى‏نرى اللّه جهرة فاخذتكم الصاعقة وانتم تنظرون)[البقرة/56. ] ويقول: الحجة فيهما من ابطال الرؤية، انما هي الية‏الثانية× لان لها دخلا في بيان الوجه في الاستدلال، لان‏الية الاولى نصت على عقوبة متخذي العجل بقتل‏انفسهم، والثانية على عقوبة الطالبين رؤية اللّه تعالى‏جهرة، بالصاعقة تاخذهم وهم ينظرون.

ويرى شرف الدين هذا بمجرده بالقطع بتساوي الجرمين‏في الكفر، لتساويهما في العقوبة من اللّه تعالى، وليس‏شي ادل من هذا على امتناع الرؤية ووجوب الانكار على‏القائلين بها، بل يقول بوجوب كفرهم اذا اصروا عليهاعنادا، بعد ان تتم عليهم الحجة بامتناعها، كما تمت على‏اصحاب الصاعقة من قوم موسى× لان موسى( حين‏سئل عن الرؤية اخبرهم بالامتناع، ولكن الحوا عليه‏ولجوا في طغيانهم، فعرفهم موسى ان رؤية اللّه تستلزم‏تحيزه وتكيفه والاشارة اليه واللّه تعالى منزه عن ذلك،واوضح لهم ان من استجاز الرؤية على اللّه عز وجل فقدجهله وجعله من جملة الاجسام او الاعراض، فاخذتهم‏الصاعقة بامر اللّه، كما اخذ القتل اولئك بامره تعالى‏لتساوي الجرمين.

والسيد يستدل كذلك بان اللّه تعالى لم يذكر في كتابه‏الحكيم طلب رؤيته الا استعظمه واستفظعه، كما جاءفي التنزيل:

(يسالك اهل الكتاب ان تنزل عليهم كتابا من‏السماء فقد سالوا موسى اكبر من ذلك فقالوا ارنا اللّهجهرة فاخذتهم الصاعقة‏بظ لمهم) [النساء/152 ]فسمى ذلك ظلما، وعاقبهم بالصاعقة فورا، وهكذا في‏قوله تعالى: (وقال الذين لا يرجون‏لق اءنا لولا انزل عليناالملائكة او نرى ربنا لقد استكبروا في انفسهم وعتو عتواكبيرا) [الفرقان/21]، فلو كانت الرؤية جائزة لم يكن‏التماسها عتوا ولا استكبارا، ولا سيما اذا كانت كما يقول‏مجوزوها اعظم شي ينعم اللّه به على عباده، والذ انواع‏النعيم، ولكن انزال الصاعقة على طالبي الرؤية مما يؤيدحكم العقل بامتناع رؤيته جل وعلا.

4 - ويستدل اخيرا السيد شرف الدين بما جاء في قوله‏تعالى:

(ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال‏رب‏ارني انظرالى ك‏قال لن تراني ول‏-كن انظر الى الجبل‏فان استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل‏جعله دكا وخر موسى صعقا فلما افاق قال سبحانك تبت‏اليك وانا اول المؤمنين) [الاعراف/143 ].ويعلق على‏الية بمجلس الرضا(، الذي حضره المامون وساله:

يا بن‏رسول اللّه! اليس من قولك ان الانبياء معصومون؟ قال:بلى، فساله عن آيات من القرآن، فكان في ما ساله ان قال‏له: فما معنى قول اللّه عز وجل: (ولما جاء موسى...(،كيف يجوز ان يكون كليم اللّه موسى بن عمران( لا يعلم‏ان اللّه تعالى ذكره لا يجوز عليه الرؤية حتى يساله هذاالسؤال؟ فقال الرضا(:

ان كليم اللّه موسى( علم ان اللّه،تعالى عن ان يرى بالابصار، ولكنه لما كلمه اللّه عز وجل‏وقربه نجيا، رجع الى قومه فاخبرهم ان اللّه عز وجل‏كلمه وقربه وناجاه.

فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت، وكان‏القوم سبعمئة الف رجل... فاختار منهم سبعين رجلالميقات ربه، فخرج بهم الى طور سيناء، فاقامهم في‏سفح الجبل، وصعد موسى( الى الطور وسال اللّه تبارك‏وتعالى ان يكلمه ويسمعهم كلامه، فكلمه اللّه تعالى‏ذكره وسمعوا كلامه من الجهات الست× لان اللّه عزوجل احدثه في الشجرة، ثم جعله منبعثا منها حتى‏سمعوه من جميع الوجوه، فقالوا: لن نؤمن لك بان هذاالذي سمعناه كلام اللّه حتى نرى اللّه جهرة.

فلما قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا، بعث اللّهعز وجل عليهم صاعقة فاخذتهم بظلمهم فماتوا، فقال‏موسى: يا رب ما اقول لبني اسرائيل اذا رجعت اليهم،وقالوا: انك ذهبت بهم فقتلتهم لانك لم تكن صادقا فيماادعيت من مناجاة اللّه اياك؟ فاحياهم اللّه وبعثهم معه،فقالوا: انك لو سالت اللّه ان يريك ان تنظر اليه لاجابك‏وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حق معرفته؟ فقال موسى(: يا قوم ان اللّه لا يرى بالابصار ولا كيفية له،وانما يعرف بياته ويعلم باعلامه. فقالوا: لن نؤمن لك‏حتى تساله.

فقال موسى(: يا رب انك قد سمعت مقالة بني اسرائيل،وانت اعلم بصلاحهم، فاوحى اللّه جل جلاله اليه: ياموسى اسالني ما سالوك فلن اؤاخذك بجهلهم، فعندذلك قال موسى(: (رب ارني انظر اليك قال لن تراني‏ول‏-كن انظر الى الجبل فان‏استقر مكانه( وهو يهوي(فسوف تران ي فلما تجلى ربه للجبل( بية من آياته(جعله دكا وخر موسى صعقا - فلما افاق - قال‏سبحانك تبت اليك( ، يقول: رجعت الى معرفتي بك عن‏جهل قومي (وانا اول المؤمنين( منهم بانك لاترى.

فقال المامون: للّه درك يا ابا الحسن..»((300)) .

واخيرا كان المرتقب من ائمة الحديث والكلام‏والتفسير، وحتى من الامام شرف الدين الاشارة الى قسم‏آخر من الرؤية الذي لا يتوقف على الاعين والابصار،ينالها الامثل فالامثل من المؤمنين.

قال العلامة الطباطبائي: انه تعالى يثبت في كلامه قسمامن الرؤية والمشاهدة وراء الرؤية البصرية الحسية،وهي نوع من الشعور في الانسان، يشعر بالشي بنفسه‏من غير استعمال آلة حسية او فكرية. وفي ضوء ذلك، ان‏للانسان شعورا بربه غير ما يعتقد بوجوده من طريق‏الفكر واستخدام الدليل، بل يجد وجدانا من غير ان‏يحجبه عنه حاجب، ولا يجره الى الغفلة عند اشتغاله‏بنفسه ومعاصيه التي اكتسبها، والذي يتجلى من كلامه‏سبحانه ان هذا العلم المسمى بالرؤية واللقاء يتم‏للصالحين من عباد اللّه يوم القيامة... فهذا هو العلم‏الضروري الخاص الذي اثبته اللّه تعالى لنفسه وسماه‏رؤية ولقاء((301)) .

كما ان في روايات ائمة اهل البيت ( تصريحا بصحة‏الرؤية القلبية، وما يبدو منها زيادة اليقين بظهور عظمته‏وقدرته، واليك رواية عن يعقوب بن اسحاق، قال: كتبت‏الى ابي محمد (الحسن) العسكري( اساله كيف يعبدالعبد ربه وهو لا يراه؟ فوقع(: ;ژرس‏ز÷يا ابا يوسف جل سيدي‏ومولاي والمنعم على وعلى آبائي ان يرى‏»، قال: وسالته‏هل راى رسول اللّه( ربه؟ فوقع(: ;ژرس‏ز÷ان اللّه تبارك وتعالى‏ارى رسوله بقلبه من نور عظمته ما احب;ژرس‏ز÷ . ((302)) هذا وان الشيخ الصدوق ( فسر الرؤية القلبية بالعلم،وقال:

وذلك ان الدنيا دار شكوك وارتياب وخطرات، فاذا كان‏يوم القيامة كشف للعباد من آيات اللّه واموره في ثوابه‏وعقابه، ما تزول به الشكوك، وتعلم حقيقة قدرة اللّه عزوجل، وتصديق ذلك في كتاب اللّه عز وجل: (لقد كنت‏في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم‏حديد) [ق/22]، فمعنى ما روي في الحديث انه عزوجل يرى، اي يعلم علما يقينياكقوله تعالى عز وجل(الم تر الى ربك كيف مد الظل) [الفرقان/45]وقوله:(الم تر الى الذي حج ابراهيم في ربه) [البقرة/258]وقوله: (الم تر كيف فعل ربك باصحاب الفيل)[الفيل/1 ] واشباه ذلك من رؤية القلب وليست من‏رؤية العين((303)) .

اثر رحلة الامام شرف الدين الى مصر في التقريب بين المذاهب الاسلامية د. فريد قطاط التقريب فريضة دينية ما ان علمت بقرب انعقاد المؤتمر الدولي لتكريم‏سماحة الامام السيد عبد الحسين شرف الدين (عليه‏الرحمة والرضوان)، حتى بادرت باتخاذ قرار المشاركة‏في هذا المهرجان العلمي الكبير، الذي ستكرس فعالياته‏الى الدعوة للتقريب بين المذاهب الاسلامية× لاجل‏تحقيق الوحدة الدينية التي نزلت آيات القرآن الحكيم‏وسنة سيد المرسلين داعية الى التمسك بها والتحذيرمن مغبة التفريط فيها، وذلك مصداقا لقول الحق تبارك‏وتعالى: (ولتكن منكم امة يدعون الى الخيرويامرون‏ب‏الم عروف وينهون عن المنكر واول‏-ئك هم المفلحون‏ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم‏البينات واول‏-ئك لهم عذاب عظيم) [آل عمرن/104و105].

كما روي عن سيدنا رسول اللّه (عليه افضل الصلاة‏والسلام وعلى آله الكرام) انه قال: ;ژرس‏ز÷ان الشيطان قد يئس‏ان يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكنه لم يياس من‏التحريش بينكم‏».((304)) الناس موتى واهل العلم احياء ونظرا الى ان اطلاعي على الانتاج العلمي للامام شرف‏الدين يعود الى اكثر من ربع قرن من الزمان،((305)) وبعدمراجعتي في هذه الايام ل‏- ;ژرس‏ز÷المراجعات;ژرس‏ز÷ التي خل‏دهاالرجل، ولغيرها من مؤلفاته ومصنفاته من قبيل;ژرس‏ز÷الفصول المهمة في تاليف الامة;ژرس‏ز÷ و;ژرس‏ز÷اجوبة موسى جاراللّه;ژرس‏ز÷ و;ژرس‏ز÷النص والاجتهاد;ژرس‏ز÷، وبعد ان قمت بتفحص دقيق‏لما استقر في مكتبتي الخاصة من كتب تؤرخ لحياة‏الامام شرف الدين، وابرزها كتاب ;ژرس‏ز÷حياة الامام شرف‏الدين في سطور;ژرس‏ز÷ للعلامة الراحل احمدقبيسي((306))رحمه‏اللّه وكتاب ;ژرس‏ز÷رائد الفكر الاصلاحي‏السيد عبد الحسين شرف الدين;ژرس‏ز÷ للدكتور هادي فضل‏اللّه ((307))، حصل عندي اطمئنان الى ان الرجل الذي‏نحتفي بذكراه جدير بالخلود في ذاكرة الامة، فهو من‏صنف العلماء العاملين والفقهاء المجاهدين والقادة‏المصلحين، ممن يجب علينا جميعا التعاون على احياءسيرهم وذكراهم، والسير على هدي خطاهم، ويحضرني‏مما يؤيد هذا المعنى ما روي منسوبا الى حضرة اميرالمؤمنين على (ع) الناس من جهة التمثال اكفاء ما الفضل الا لاهل العلم انهم وقيمة المرء ما قد كان يحسنه فقم بعلم، ولا تطلب ب‏-ه بدلا اب‏--وه‏-م آدم، والام ح‏--واء عل‏-ى الهدى لم‏-ن استهدى ادلاء والجاه‏-ل‏-ون لاه‏-ل العلم اعداء فالناس موتى، واهل العلم احياء ((308)) وعلى اساس ما تقدم، يمكن اعتبار السيد شرف الدين‏من العلماء الاحياء الذين احيا اللّه بهم هذه الامة،فحياتهم تقاس بعلمهم وعملهم، وصدقهم واخلاصهم،وجهادهم في الحق، ونصحهم للّه ولرسوله ولائمة‏المسلمين وعامتهم، فلا يجوز ان نغفل ذكرى الصادقين‏الذين امرنا المولى تبارك وتعالى بان نقتفي اثرهم،ونكون معهم((309)) للعمل سوية على ازالة رواسب‏الماضي، وبناء حاضر جديد على اسس من الاخوة‏الاسلامية الصادقة، ولا يتحقق هذا الامر في اعتقادي الابالتجاوز الواعي للتعصب والانغلاق، والتركيز على ماتتحقق به الفائدة المشتركة من تضافر الجهود دعماللوحدة الاسلامية، وصوتا للرابطة الدينية، التي اوجب‏علينا الجليل ( الاعتصام بها، وعدم التفرق عنها.

منزلة الرحلة في حياة الامام شرف الدين ورغم انني من الموقنين حقا بان حياة الامام شرف الدين‏كانت كلها جهادا في سبيل اللّه، وسعيا الى تحقيق‏الغايات الاسلامية المشتركة، فانني رايت من منطلق‏انتمائي الجغرافي الى الغرب الاسلامي ان اركز مداخلتي‏على اهمية رحلة الامام شرف الدين الى مصر وفوائدهاالجمة، باعتبارها وسيلة لتعميق التقارب بين المذاهب‏الاسلامية، اذ بها يتحقق اللقاء بين العلماء لاجل البحث‏والنظر، والسعي الى الاتفاق على ما يمكن ان يجعل‏برامجنا واهدافنا في هذه الحياة قابلة للتطبيق‏والممارسة الحقيقية.

الامام شرف الدين في مصر وبالنظر في سيرة الامام شرف الدين، نلاحظ ان للرحلة‏في حياته ابعادا عميقة ودقيقة، فهي تندرج ضمن اوكداولوياته التي كان يتطلع الى تحقيقها، فالاتصال المباشربين الناس، وخصوصا الفرقاء منهم، هو اول خطوة نحوالتفاهم والانفراج في العلاقات، ولهذا نرى ان اهم محطة‏كان الامام شرف الدين يطمح الى الانتقال اليها هي مصرحاضنة الجامع الازهر الشريف، وقد صرح عن هذه‏الرغبة التي كانت تتفاعل في نفسه بقوله: «وكنت احب‏في ما احب، ان ازور مصر، واقف على اعلامها، لخذالعلم عنهم، ولابلو ما يبلغني عن الجامع‏الازهر».((310)) جهاد الامام شرف الدين في سبيل التقريب ولقد كان لزيارة الامام شرف الدين نتائج جليلة، وفوائدعظيمة، اهمها على الاطلاق اتصاله بشيخ الجامع الازهرالامام سليم البشري (عليه الرحمة والرضوان)، واتفاقه‏معه على العمل المشترك من اجل تحقيق الوحدة‏الاسلامية وتقريب الفجوة التي باعدت بين اهل السنة‏واتباع مدرسة اهل البيت رحمه‏اللّه وفي هذا يقول الامام‏شرف الدين: ;ژرس‏ز÷شكوت اليه وجدي، وشكا الى مثل ذلك‏وجدا وضيقا، وكانت ساعة موفقة اوحت الينا التفكيرفي ما يجمع اللّه به الكلمة، ويلم به شعث الامة، فكان‏مما اتفقنا عليه ان الطائفتين - الشيعة والسنة - مسلمون‏يدينون حقا بدين الاسلام الحنيف، فهم في ما جاءالرسول به سواء، ولا اختلاف بينهم في اصل اساسي‏يفسد التلبس بالمبدا الاسلامي‏الشريف...;ژرس‏ز÷.((311)) ومن المواقف العملية التي خطاها الامام شرف الدين‏في سبيل بناء الوحدة الاسلامية، موافقته على ان يكون‏يوم الثاني عشر من ربيع الاول تاريخا يجتمع فيه السنة‏والشيعة على السواء للاحتفال بالمولد النبوي الشريف(على صاحبه افضل الصلاة والسلام وعلى آله الكرام‏وصحابته الاعلام)، وفي هذا الموقف الذي تنازل فيه‏السيد شرف الدين عما هو مشهور عند الشيعة ((312))من اجل تحقيق الوحدة الاسلامية، تبدو رغبته اكيدة في‏العمل على توحيد المسلمين بمحاولة جمعهم على‏تاريخ واحد× للاحتفال بمولد نبينا الاكرم((313)).

فالمسلمون ;ژرس‏ز÷السنة والشيعة جدولان من نهرواحد;ژرس‏ز÷((314)) ، و;ژرس‏ز÷الطريق الوحيد الى الوحدة الاسلامية‏بين طوائف المسلمين هو تحرير مذاهبهم والاكتفاء من‏الجميع بالمحافظة على الشهادتين والايمان باليوم‏الخر، واقامة الصلاة، وايتاء الزكاة...هذا هو الطريق‏الوحيد الى توحيد كلمة الاسلام اليوم;ژرس‏ز÷((315)) .

ولا شك في ان من اعظم الثار التي خلدتها زيارة السيدالى مصر صدور كتاب ;ژرس‏ز÷في المراجعات;ژرس‏ز÷ الذي قال عنه:«ولو لم يكن من آثار هذه الزيارة الا هذا الكتاب لكانت‏جديرة بان تكون خالدة الاثر في حياتي على‏الاقل;ژرس‏ز÷((316)) .

ويستعرض السيد شرف الدين سبب تاليف;ژرس‏ز÷المراجعات;ژرس‏ز÷ بقوله:

;ژرس‏ز÷حضرت درسه((317)) لاول مرة...وعرض لي اثناء الدرس ما يوجب المناقشة فناقشته، ثم‏علمت بعدئذ ان المناقشة وقت المحاضرة ليست من‏الدراسة الازهرية، فكنت بعدها افضي بعد الدرس بماعندي من المسائل الجديرة بالبحث والمذاكرة...

وقدكانت مناقشتي الاولى، في كل حال، سببا في اتصال‏المودة بيني وبينه، وسبيلا الى الاحترام المتبادل، ثم‏طالت الاجتماعات بيننا، وتشاجنت الاحاديث،وتشعب البحث بما سجلناه في كتابنا;ژرس‏ز÷المراجعات;ژرس‏ز÷((318)) .

والذي يمكن ان نستنتجه من هذا الكلام ان السيد شرف‏الدين لم يكتف بتسجيل حضوره في المحافل‏والمجالس، بل انه كان يبادر الى الحوار البناء مع اهل‏الحل والعقد في مجالي الدنيا والدين من اجل تحقيق‏مصالح المسلمين على دعائم الصدق والاخلاص.

كما كان لزيارة مصر آثار عميقة في نفس الامام السيدشرف الدين عبر عنها بقوله: ;ژرس‏ز÷دع عنك ما لهذا الاتصال‏من النتائج الحسنة التي تعود على الوحدة باعم الفوائدواجداها... ولو ان الزيارات تستمر بين اعلام البلدين‏لكان لها احسن الاثر في رفع كثير من غشاوات البعد،ولاتصلت اذن حلقات الامة متفاهمة متحابة، تتساقى‏كؤوس الصفاء والولاء... ولعل الوعي الاجتماعي‏الجديد يقرب خطوات هذه الاجتماعات بشكل من‏الاشكال الرسمية لندنو بها من الواقع الحبيب، وعلى كل‏فقد غادرت مصر، وانا احن اليها واتزيد من اللبث فيها...وقد حملني الحنين الى مصر على زيارتها مرة‏اخرى;ژرس‏ز÷((319)) شيوخ الامام شرف الدين من اهل السنة .

ولم تقتصر زيارة الامام شرف الدين على الاتصال بشيخ‏الجامع الازهر فحسب، بل كانت له اتصالات مفيدة مع‏كثير من العلماء المصريين وغيرهم، كانت لها آثارايجابيه في اطار التعاون العلمي والاتفاق على العمل‏بصدق من اجل التقريب بين المذاهب الاسلامية‏المختلفة، ومن اطرف ما نتج عن هذه اللقاءات حصول‏السيد شرف الدين على بعض الاجازات العلمية من‏شيخ الجامع الازهر الامام سليم البشري (قدس اللّهروحه)، وغيره من اعلام الدين في مصر والمغرب‏الاقصى... فلقد ذكر الامام شرف الدين في كتابه ;ژرس‏ز÷ثبت‏الاثبات في سلسلة الرواة;ژرس‏ز÷ انه حصل على خمس‏اجازات في الرواية والدراية من علماء اهل السنة، هم‏على التوالي:

1 - الشيخ سليم البشري المالكي، شيخ الجامع الازهر،وله منه اجازة عامة مفصلة اشتملت على جميع اسانيده‏المتصلة بجميع كتب اهل السنة نقلية وعقلية،وبمصنفيها من المتقدمين والمتاخرين.

2 - الامام الفقيه بدر الدين الدمشقي، اجازه بالمعقول‏والمنقول من الفروع والاصول.

3 چ الشيخ محمد بن عبد اللّه الخاني الشافعي، وقداجازه بما تجوز له وعنه روايته من فقه وحديث‏وتفسير.

4 - الشيخ محمد المعروف بالشيخ توفيق الايوبي‏الانصاري الدمشقي.

5 چ الشيخ محمد عبد الحي ابن الشيخ عبد الكريم‏الكتاني الفاسي الادريسي، التقى به في مصر، واجازه في‏رواية صحيح البخاري ((320)).

لمحة عن جهود علماء تونس في التقريب هذه بعض اوجه فوائد الرحلة التي امكن لنا ان نستشفهامن سيرة الامام السيد عبد الحسين شرف الدين (قدس‏اللّه روحه)، هذا الامام المجاهد الذي كانت حياته وقفاعلى خدمة الاسلام والمسلمين، ويمكن القول في هذاالاطار: ان الرحلة من اجل طلب الحديث والفقه كانت‏شائعة بين المسلمين منذ ظهور الاسلام، واستمرت الى‏يوم الناس هذا على ايدي العلماء الربانيين والقادة‏المجاهدين، ويشهد على هذا الامر انتقال العديد من‏زعماء الحركة الوطنية التونسية الى مصر، ومشاركتهم‏في الدعوة الى الوحدة الاسلامية والتضامن‏العربي.

وقد كان على راس هؤلاء الشيخ المجاهد عبد العزيزالثعالبي من تونس، والمناضل الكبير محيي الدين‏القليبي الذي شارك بصدق وايمان في الدعوة الى‏التقريب بين المذاهب الاسلامية، فقد صرح في خاتمة‏خطاب القاه في حشد كبير من الحاضرين قائلا: «واني‏كما ابتدات هذا الحديث بكلمة الامير الوزيراليمني((321)) ، اختتمه بكلمة الزعيم الاسلامي العظيم‏ابي القاسم آية اللّه الكاشاني التي سمعتها منه في‏مجلس جمعني واياه بدمشق، وقد ساله احد الحاضرين‏عن رايه في الخلاف بين السنة والشيعة، وكان‏الحاضرون في هذا المجلس عدد كثير من الطائفتين،وظن السائل انه احرج الزعيم بهذا السؤال، ولكنه افحمه‏اذ قال له:;ژرس‏ز÷ انا مسلم، لا اعرف الا الاسلام الذي جاء به‏محمد من عند ربه، وهو الذي يجب ان يتحد عليه‏المسلمون، اما ما عدا ذلك، فلكل ان يحتفظ بما عنده‏لمقاومة الاستعمار((322)) بقلب رجل واحد، وان‏يعتصموا بحبل اللّه كما امرهم اللّه، والا يتفرقوا، فحالة‏المسلمين اخطر مما نتصور، ووجوب اتحادهم للانقاذوالخلاص، هي اوكد من كل شي الن... تلك هي آرائي‏التي اكتسبتها من مدرسة القرآن;ژرس‏ز÷((323)) .

واذا كانت الرحلة، كما طبقها الامام شرف الدين في‏حياته، من افضل السبل واقوم الطرق للتقريب بين‏المذاهب الاسلامية، فان المهم في اعتبارنا هو ان يكون‏العلماء الذين يتجهون الى ديار اخوانهم من المسلمين‏ذوي عقول كبيرة، وقلوب مفعمة بمشاعر الصدق‏والاخلاص، وضمائر حرة تنبذ التعصب المقيت، فلاينقلون الا ما يكون مدعاة الى راب الصدع، ولا يتهمون‏غيرهم بما ليس فيهم، ويحاولون استكناه الحق في‏سبيل اصلاح ما لا يرتضيه الدين مما لا يجوز ان يصدرعن مسلم البتة.

ولنا في الامام السيد شرف الدين اسوة حسنة، اذ نراه‏يقول، في كتاب ;ژرس‏ز÷الفصول المهمة;ژرس‏ز÷ ضمن مساعيه‏المتتالية الى تاليف الامة، منكرا شديد الانكار على من‏يتعرض بسوء الى الصحابة الكرام وسلف الامة رضي‏اللّه عنهم: ;ژرس‏ز÷افضى بنا الكلام، الى ما هو غير مقصودبالذات، وليس الغرض الا تاليف المسلمين، واعلامهم‏بانهم اخوان في الدين، ولا نرتاب في ان سب رجل من‏عرض المؤمنين، فضلا عن سلفنا الصالح من الصحابة‏والتابعين... الخ;ژرس‏ز÷((324)) .

صورة من نتائج التقريب في الوقت الحاضر ومما يطمئن القلوب حقا ان السني كان ولا يزال يذكرالشيعي في مجالسه الخاصة بخير، وهو دليل على‏الاخوة التي توطدت عراها، ففي زيارة للدكتور عبدالحليم عويس الى تونس خلال النصف الاول من‏التسعينات من القرن الماضي تطرق الحديث في‏المجلس - الذي كنت احد الحاضرين فيه شخصيا - الى‏ذكر العلاقة بين السنة والشيعة، فقال الدكتور: ;ژرس‏ز÷ان الشيعة‏هم اقرب الناس الينا، وانني اشهد للتاريخ ان الشيخ‏محمد علي التسخيري كان اشد الناس اخلاصا وقربا الى‏مواقفي، وكان بيننا تعاون ايجابي ومثمر في التصدي‏لبعض النظريات التي تحاول الطعن في الاسلام;ژرس‏ز÷((325)).

والامل معقود على ان تكون مثل هذه المواقف شاملة‏وعامة، بحيث تصلنا انباء واصداء عما يحدث في‏المجالس الشيعية الخاصة من علاقات اخوية وروابط‏ايمانية ازاء اخوانهم السنة من شانها ان تساعد على افشاءروح التعاون والاخاء بين الفريقين بما يعود نفعه على‏الدين قاطبة.

اجل، لقد تطورت اوضاع العلاقة بين السنة والشيعة نحوالافضل، واسهمت الرحلة في الاتجاهين في مزيد من‏تنقية الاجواء وبث روح الوحدة والاخاء، وان تراث‏الامام شرف الدين وجهاده في سبيل التقريب بين السنة‏والشيعة دين في رقابنا جميعا، علينا الابقاء عليه حيابالعمل كل من جانبه وفي مواقعه، من اجل ان يلتقي‏المسلمون جميعا على ارض الاتحاد والوفاق، تحت راية‏«الاسلام كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة‏» التي عاش الامام‏عبد الحسين شرف الدين ( مؤمنابتحقيقهاوتطبيقها.

السيد شرف الدين / سيرة ذاتية ، وتاريخ من :العمل‏الفكري والسياسي والديني و..

ا. عدنان علي الحسيني المولد والنشاة ولدت مستهل جمادى الثانية لسنة (1290ه‏-) في‏المشهد المقدس الكاظمي اثناء رحلة والدي لطلب‏العلم.

واقول: عادبة ابوه الى صور وهو في ثامنة عقده الاول،واوطنه قريتهم (شحور) يرتع في مرابعها، ويرتوي من‏عذبها، في كنف والدين بسطا له جناح رحمتهما، واحنياعليه بالتربية، وتحدبا عليه بالتغذية، وطبعاه على مبادئ‏الدين القويم، وعلماه منذ نعومته على اقامة قرة عين‏الرسول الاكرم ( (الصلاة)، فجرت منه مجرى الروح في الجسد،وهكذا يفعل فعله التعليم في الصغر..

قرا في اول امره القرآن على احد المعلمين، ثم جوده‏على عمه السيد محمود شرف الدين، بعدها تولى والده‏المبرور تعليمه العلوم العربية من صرف ونحو ومعاني‏وبيان وبديع وادب. كما قرا عليه المنطق وكتابي (فقه‏الامامية)، و(شرائع الاسلام).

واثناء قراءته العربية كان‏ابوه يلزمه حفظ بيتين في كل يوم من ديوان الحماسة اوغيره من شعر العرب، كما الزمه بحفظ الفية ابن‏مالك.

وما ان راى الوالد في ابنه اليافع بوارق النجاح، وبوادرالهمة العالية على تلقي الدروس، ازمع على ارساله الى‏حاضرة العلم ومدينته (النجف الاشرف). فتهللت نفس‏الولد الشاب لهذا العزم الذي ما كان يقدر عليه كل احدمن اقرانه آنذاك الا النوادر واصحاب الهمم العالية،والنفوس الكبيرة التي لا ترضى بالقليل، الا بالتوجه الى‏باب مدينة العلم، والانتهال هناك من فيض العلوم على‏كبار اساتذة هذه الجامعة الدينية وعظمائها.

فهي مطمح‏كل نائل، واليها يصبو كل عاشق لعلوم محمد ( وآله‏الاطهار رحمه‏اللّه وفيها يجد كل صب غليل برد اواره..جامعة النجف الدينية وحسبك بها من اشعاع لفقه الدين‏واصوله، ونجعة المعارف الالهية، وعكاظ الادب الرائق،ولرجال كانوا الطلائع في ميادين السيف والقلم، وقدملؤوا عين التاريخ ابهة وبهاء .. وقرطوا آذان الدنيابفكرهم وجهودهم وجهادهم.. وصاغوا قلائد عز واباء،ومجد مؤثل للدين الاسلامي الحنيف، تخشع لهاالقلوب وتهتز طربا، زانوا بها جيد الزمان، ومترجمناواحد من اولئك الافذاذ.

الرحلة في طلب العلم قلنا ان المترجم كانت نفسه تهفو الى قبلة الدارسين، باب‏مدينة العلم.. ولما زمع السيد يوسف على ارسال ولده‏عبدالحسين الى العراق، راح يعد له مستلزمات السفر،فاقرنه في سابعة عقده الثاني مقدمة بابنة عمه السيدمحمود ابن جواد، وما ان فطمت له طفلته البكر، حتى‏راى الوالد انه قد حان اوان السفر. فارسل معه امه بناءعلى رغبتها، واخاه الصغير - من ابيه - السيد شريف،وخادمة لهم مع قرينته وطفلتهما، فتحرك الركب في‏التاسع من ربيع الاول سنة (1310ه‏- / 1892م) من‏بيروت بحرا نحو الاسكندرونة، فحلب، فدير الزور،فالكاظمية، في رحلة دامت اثنين وخمسين يوما، حيث‏وردوها اوائل طلوع فجر اليوم الثاني من جمادي الاولى‏من تلك السنة، فالقوا عصا الترحال بكنف جده لامه‏السيد محمد هادي، الذي كان يقطن الكاظمية مجاوراالامامين الجوادين (.

ولما استقر بهم النوى، آثر خاله السيد حسن‏الصدر((326))، الذي كان يومها في مهجره (سامراء)بمعية ابن عمه السيد اسماعيل الصدر، ان يحضرالمترجم عندهما عن الذهاب الى النجف. فوافقهما جده‏على هذا الامر، وهكذا نزل سامراء، وكانت يومئذ - على‏حد قول المترجم نفسه - آهلة باعلام الهدى، زاهرة‏بمصابيح الدجى((327)). فاقام فيها سنة واحدة وشهرين‏مكبا على الدرس.

وعلى اثر فتنة طائفية سامرية حدثت هناك، كانت‏شرارتها ورياحها السوداء قد مست حرمة المجتهد الاكبرالامام السيد محمد حسن الشيرازي نفسه، حين كان يقيم‏في تلك الديار، في اثناء هذه الفتنة وعند استفحالها عادالصدور وبمعيتهم شرف الدين قافلين بقصد النجف‏الاشرف، مرورا بالكاظمية، وبعد مكث يسير فيها خف‏الرجال مولين الوجوه شطر النجف، قبلة الوفاد. كان ذلك‏على ما يبدو لي منتصف عام (1311ه‏-) او بعده‏بيسير.

وما ان حط رحال السفر، حتى شرع في الدروس يلتهمهاالتهاما، ويقف على فضلاء الحوزة العلمية وفطاحل‏علمائها في العلوم والمعارف، يلازم هذا، ويتبع ذاك‏اتباع الفصيل اثر امه. وقد ملا كل وقته درسا ومباحثة‏ومناقشة لمعضلات المسائل، ولم يزل في النجف‏الاشرف ضاربا اطنابه على الاشتغال، ملقيا جرانه على‏اخذ العلوم من افواه الرجال، كما كتب يقول: «قائما على‏ساق مفيدا ومستفيدا، محاضرا ومناظرا، ومدرسا،ومؤلفا، لا الوي على شي، حتى قفلت راجعا بنجح‏حاجتي الى عاملة، منقلبا اليها اجمل منقلب‏».

ويضيف: «ما عنيت مدة اقامتي في العراق - وكانت‏اثنتي عشرة سنة - بغير ما هاجرت اليه، حتى اني لم‏اتصل بغير اهل العلم، ولم اتعرف باحد سواهم من سائراهل العراق، بل لم ار من حواضرها وبواديها غيرالمشاهد الاربعة والكوفة وبغداد، وما كان في طريقي‏الى هذه البلاد. اذ كنت رائد حاجة ماضي العزيمة فيها،وحيث انها تستفرغ وسعي، وتستغرق اوقاتي لم يكن لي‏عنها مذهب‏».((328)) وكما كان ابتداء رحلته العلمية من جبل عامل في التاسع‏من ربيع الاول، وقد راى اليمن والتوفيق وحسن العاقبة‏بتلك الحركة، فقد آثر ان تكون رحلة العودة الى الوطن‏في نفس ذلك اليوم، رجاء ان يسعده التوفيق ثانيا كمااسعده اولا.

وفعلا زم ركائبه من النجف في تاسع اول الربيعين من‏عام (1322ه‏-)، قافلا في رحلة العودة بعد اثني عشرعاما، ولكن شتان ما بين رحلتي الذهاب والاياب!وشتان بين عبدالحسين الذاهب الى مدينة العلم، وبين‏عبدالحسين القادم من مدينة العلم، وقد ثنيت له الوسادة‏هناك. دخلها وهو محمل بحقائب السفر، وعاد منها اليوم‏محملا باجازات الاجتهاد المطلق من اكابر علمائها.فاستقبلته قريته (شحور) والقرى التي مر بها، ابتداء من‏مدينة دمشق، استقبال الفاتحين الابطال، بل قل:استقبال القادة المراجع العظام، وليس هو الا ابن العقودالثلاثة لم يتخطاها سوى بعامين ينقصهاهلالان.

وعقدت له مجالس التكريم والحفاوة اينما حل في‏طريق عودته، حتى استقر به المسير في مرابع الصبا(شحور)، ومن هذه النقطة.. ومن ذلك التاريخ بدا شرف‏الدين خطواته الجهادية الاولى في مسيرة الالف ميل،فابتدا يرسم على الارض ما كانت تختزنه مخيلته من‏افكار تجديدية على طريق تحقيق اسلام عصري، بل‏الاصح القول بناء مسلمين يواكبون العصر الحديث، والافالاسلام طبيعة متجدد في ذاته، انما التجديد يتطلب في‏آلياته التي يجب ان تساير التطور في جميع مقاطع‏المسيرة العلمية.

نعم، وهكذا كان، فمنذ ذلك الحين بدات مرحلة الابداع‏والانتاج والعطاء في حياة المترجم العملية، وراح يرسم‏المناهج الجديدة، ويضع الليات الحديثة× لينهض‏بالقرى والمدن العاملية، ثم بمنطقة الجبل العاملي‏المحرومة من ابسط انواع الخدمات الاجتماعية. ومن‏هنا - ايضا - كانت بداية مشاريعه النهضوية الدينية‏والاجتماعية يوم حل في صور اواخر عام (1325ه‏-)،وبالتحديد في منتصف شهر الحج.

وينهمك السيد شرف الدين في تاسيس المشاريع‏ورعاية الخدمات الثقافية والاجتماعية مدة سبع سنين‏ينقطع فيها عن الرحلة، ليواصل بعدها رحلته العلمية،ويفتتحها بالازهر الشريف، الذي كان الامنية الكامنة في‏نفسه، حتى حفزها فيه خاله السيد محمد حسين الصدرحين زارهم اواخر سنة (1329ه‏-/1911م) في‏عاملة.

يتحدث السيد المترجم عن ذلك فيقول: «فوجدتني‏واياه نمخر عباب البحر في باخرة القت مراسيها في بورسعيد، ثم حملنا القطار منها الى القاهرة‏».

ويضيف: «وكان لهذه الزيارة اثر محمود في نفسي وفي‏حياتي.

ذلك اني توخيت ان اتغلغل في الحياة العلمية،واستبطن دخائل المجتمعات الادبية بالتحدث الى‏العلماء، والسماع منهم، وتبادل الزيارات بيني وبينهم،وبالمناظرة في اهم المسائل العلمية التي كانت مدارالبحث، ومحك الفضيلة‏».

والحق، لقد كان لزيارته الازهر ثمار دانية القطوف،عميمة النفع على كثير من الصعد. فبعد مرور عاما على‏تلك الزيارة، ما زلنا نحن جيل اليوم، ابناء القرن الخامس‏عشر الهجري وقد تخطينا ربعه، نقطف ثمارها جنية،ونستذوقها طرية، وكانها وليدة يومنا. وما ذلك الا لانهانبتت على اخلاص وود من كلا طرفي الحوار، وما كان‏للّه ينمو، ]فاما الزبد فيذهب جفاء واما ما ينفع الناس‏فيمكث في الارض.[ وعن فؤائد الزيارة وآثارها كتب السيد شرف الدين‏يقول: «لو لم يكن من آثار هذه الزيارة الا هذا الكتاب -يعني كتاب المراجعات - لكانت جديرة بان تكون‏خالدة الاثر في حياتي على الاقل‏».

وعن نتائج هذه الزيارة يقول السيد: «ومهما يكن من امرفقد نعمنا بمصر في خدمة هذا الشيخ - يعني به شيخ‏الازهر يومئذ سليم البشري - واتصلنا بغيره من اعلام‏مصر المبرزين اذ زارونا وزرناهم، اخص منهم العلامتين‏الشيخ محمد السملوط‏ي والشيخ محمد بخيت، وقدنجمت هذه الاجتماعات الكريمة عن فوائد جمة اقلهاالاتصال الفكري بين مدرستي النجف والازهر،والتعارف بين خريجي هذه وخريجي تلك على مدى مافي كل منهما من اسباب التفكير، وطرق الدراسة ووفرة‏المحصول. ودع عنك ما لهذا الاتصال من النتائج‏الحسنة التي تعود على الوحدة الاسلامية باعم الفوائدواجداها».

هكذا كان يفكر رجل الوحدة ورائدها، وكم كان يتمنى ان‏تستمر هذه الزيارات، كيما تتوال حلقاتها وتتساقى الامة‏متفاهمة متحابة كؤوس الصفاء والولاء.

ثم يواصل حديثه عن النتائج قائلا: «وممن نعمنابخدمته في مصر وتبادلنا معه الزيارات، وكانت بينناوبينه محاضرات ومناظرات في مسائل فقهية واصولية‏وكلامية دلت على غزارة فضله ورسوخ قدمه في العلم‏والفضيلة لشيخنا الشيخ محمد عبدالحي بن عبدالكريم‏الكتاني الادريسي الفاسي‏».

ويعد نحو خمسة او ستة اشهر - بتقديرنا - عاد من‏مصر في جمادي الاولى من سنة (1330ه‏-) الموافق في‏آيار من سنة (1912م)، وهو يحن اليها حنين ناء مبتعدعن ديار الحبيب، ولم يتماسك وجده حتى خف اليهاثانية بعد ثمان سنوات، كي يطفئ منها غلة بقيت تاجج‏في نفسه.

وقبل رحلة مصر، كانت للامام شرف الدين رحلة الى‏المدينة المنورة في شهر الصيام من عام(1328ه‏-/1910م)، لم نتعرض لها× لانها لا تدخل في‏شرط عنواننا الذي وضعناه، وهو الرحلة في طلب العلم.فالزيارة كانت دينية بحتة، ولم يكن لها شديد تاثير «في‏تكوين فكر شرف الدين× ذلك لانها فضلا عن طابعهاالديني البحت، فهي تقيد صاحبها بوقت محدد لا يسمح‏له بالاتصال برجال الفكر والاصلاح، او بالاطلاع بعمق‏على النتاج الفكري، او ارتياد المكتبات...»((329)).وهكذا بقية رحلاته الدينية الاخر، كما كانت له رحلات‏سياسية سنعرض لها في ما يلي من انشطته.

دراسته:

المحنا في باب مولده الى شذرات من حياته العلمية‏الاولى في موطنه (شحور)، احدى قرى قضاء صور في‏الجنوب اللبناني.

وما لم نذكره هناك نسلط الضوء عليه هنا، بغية توضيح‏الجوانب المهمة التي اكتنفت حياة المترجم العلمية،حيث فهمنا من خلال ما كتب عنه رضوان اللّه عليه، ان‏اباه كان يحمله على الصعاب، ويضطره الى التمحيص‏والتدقيق والتنقيب ما فيه زيادة عن حد اللزوم، وما فيه‏نوع كلفة ومشقة، لكن التلميذ كان يتجلد لكل صعب،وينوء بكل ثقل، وكان وعاء يتسع لكل ذلك وزيادة،يتحدث السيد عن نفسه فيقول: «ثم اقبل المقدس والدي‏على تعليمي بنفسه، واسترسل الى تلقيني الدروس‏بانسه، فالقيت اليه سمعي، واصغيت اليه بلبي، حتى‏اخذت عنه العلوم العربية: الصرف والنحو والمعاني‏والبيان والبديع والادب العربي وعلم المنطق بكل ضبط‏واتقان، واخذت عنه (نجاة العباد) للعمل على مقتضاها.وقرات عليه كتابي (فقه الامامية)، و (شرائع الاسلام)،وكان يامرني بكتابة دروسي وعرضها عليه، فما فاتني‏كتابة شي مما قراته عليه من الدروس العربية والمنطقية‏الا قليلا.

وحين قرات عليه كتب النحو كان يفرض على قراءة‏العبارة على العربية، ثم اعرابها ثم تفسيرها قبل الدرس‏في كل يوم، وكنت احفظ في كل يوم بيتين من ديوان‏الحماسة او غيره من شعر العرب، فاتلوهما وافسرهمابين يديه بعد مراجعة القاموس في حل الغريب من‏مفرداتهما، ولم يجعل لي مندوحة من ذلك ابدا.والزمني بحفظ الفية ابن مالك حين قرات عليه شرحها،وكان في شهر رمضان يلزمني بمتابعته في قراءة القرآن -وكان من القراء - وهناك اجزل الفوائد، وارجى المنافع‏بخشوع الابصار، وسكون الجوارح خشية وفرقا».

بعد ان تاهل لمرحلة السطوح العالية بانهائه مرحلة‏المقدمات بنجاح وتفوق، ارسله ابوه السيد يوسف الى‏العراق لمتابعة الدراسة العليا. فكانت بالنسبة له المرحلة‏الثانية، حيث ابتداها في سامراء بقراءة (شرح اللمعة)على الشيخ باقر حيدر((330)).

ولما راى الاستاذ من‏الطالب شدة الاستعداد لفهم المطالب، اخذ يطوي له في‏اليوم الواحد ما لا يطوى في اسبوع، وبهذا الخصوص‏يقول:

«واندفع يعدو بي حثيث السير في ذلك الكتاب‏المستطاب، على ما كان ملتزما به من اعمال الروية‏الثاقبة، والنظر الدقيق، والغور البعيد، راعى في عمله‏هذا مطابقته لمقتضى الحال. اذ لم يرني والحمد للّهبمحتاج في (اللمعة) الى استاذ، فكان يغذ بي السير فيها،وربما حضني فقال: لا تؤن فرصتك، ولا تكن عوقا، فماعتم ان ختم الكتاب، والحمد للّه على الهداية الى‏الصواب‏».

وقرا مباحث الالفاظ من كتاب (الفصول في علم‏الاصول) على الشيخ حسن الكربلائي، وكان يتباحث مع‏رفيق درسه السيد مهدي بن محمد بحر العلوم، وكان‏كلما قرا فصلا من الكتاب رجعا الى كتاب (القوانين)لمراجعة قانونه، حتى انتهيا من مباحث الالفاظ على‏هذه الكيفية. علما بانه لم يقرا (المعالم) على استاذ،والذي هو من جملة المناهج التي يجب ان يمر عليهاطالب العلم تدرجا، حيث راى السادة من اسرته من‏استعداده وتفوقه انه يستطيع الاستغناء عنها وعن‏القوانين بكتاب (الفصول). وفي الاثناء طالعا (شرح‏التلخيص) - المطول - للتفتازاني، وسبراه معا متوازرين‏لا يعتري احدهما مشكل الا وكان عند الخر حله.

ومما حضره في سامراء مجلس الشيخ ملا علي السلطان‏آبادي في الحكمة والاخلاق، صباح كل جمعة، وكان‏محفلايشهده كبار اعلام الدين كالسيد اسماعيل الصدر،والميرزا حسين النوري، والشيخ محمد تقي الشيرازي،والسيد ابراهيم الخراساني، والميرزا حسين النائيني،والشيخ حسن الكربلائي، وغيرهم. وعن الشيخ القدوة‏السلطان آبادي ومجلسه يحدثنا شرف الدين: «وكان‏اعلام الدين ينتدون يوم الجمعة مجلسه× لينتجعواحكمته، ويردوا شرعته، وكان ممن ترمقه ابصارالصديقين، وتمد اليه اعناق المقدسين... فاذا فاض في‏الحكمة تفجرت ينابيعها على لسانه، فملك اعنة‏القلوب، ورد شوارد الاهواء، وقاد حرون الشهوات،وقوم زيغ النفوس، فخفقت الافئدة خيفة، وخشعت‏الجوارح خشية، فكان لغدوي الى خدمته، واستماعي‏لحكمته اثر هو ارجى ما ارجوه‏».((331)) ولما استقرت به الدروس وانتسقت، حدثت فتنة اثارهابعض نواصب سامراء وما حولها من اعراب، واخذ يشتداوارها، وتستحكم اواصرها، فتشوشت الدراسة هناك‏وتعثرت، فانتقل المترجم بمعية خاله وابن عمه مع عددآخر من الدارسين والمدرسين الى حيث مهوى افئدة‏الدارسين، ونجعة طلاب العلوم والفنون، عاصمة الدين‏والمذهب، ومهبط العلم والعلماء، فناء الوصي، ومثوى‏باب مدينة علم النبي، النجف الاشرف، على ساكنه‏آلاف التحية والتسليم.

اشتغل فور حلوله ارض الغريين بدرس (المكاسب) في‏الفقه على استاذه في (شرح اللمعة) الشيخ باقر حيدرالذي كان سبقهم الى النجف، فسار معه في المكاسب‏سيرته الاولى في درس سامراء، سيرا حثيثا مع الغوص‏على الحقائق، والكشف عن الغوامض، والمناقشة،ومعارضة الحجة، حتى اتى على الكتاب الا يسيرا من‏ابوابه. وقرا العبادات من كتاب (الرياض) على الفقيه‏العلامة الشيخ علي باقر الجواهري. واما (الفرائد) في‏الاصول فقد وقف في دراستها عند السيد محمد صادق‏الاصفهاني، الذي اغرق به في البحث عن كنوز (فرائدالاصول) تصويبا وتصعيدا، يقلبها له ظهرا لبطن.

وعن‏دراسته للرسائل وتشجيع استاذه له الى اقتحام عقبتهايقول: «مهيبا بي الى سبر غورها، واختبار كنهها، وكان‏يربع حجري في غوامضها، ويبلو ما عندي في اسرارها،فيعود قرير العين مغتبطا، محبورا بعواقب جهوده في‏تخريجي، وآثار ما ارهفه من عزائمه في تدريسي.

وما ان انتهينا الى منتهى الكتاب حتى انضويت معه الى‏منبر استاذه الشيخ محمد كاظم الخراساني...».((332)) وكان الخراساني اذاك قد شرع في تاليف (الكفاية)، فكان‏كلما حرر شيئا منها، جاء والقاه على تلامذته، وهم‏يومئذ يربون على الثلاثمئة طالب من اهل الفضل‏والتحقيق، وكان السيد محمد صادق الاصفهاني من‏المبرزين فيهم.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية