|
ويرى شرف الدين ان هذه الية لا تحتمل سوى ان اهلالجنة
لهم فيها كل ما يشاؤون مما تشتهيه انفسهم، وكلما يريدون
من انواع النعيم، وان عند اللّه عز وجل المزيدعلى ما يشاؤون
مما لم يخطر على بالهم ولم تبلغهامانيهم((295)) .
وجوه عقلية دالة على امتناع الرؤية
وفي فصل آخر من مقالة العلامة شرف الدين يبحث عنوجوه
عقلية دالة على امتناع الرؤية، ويقول:
1 - ان كل من استضاء بنور العقل يعلم ان الرؤيةالبصرية لا يمكن
وقوعها ولا تصورها، الا ان يكونالمرئي في جهة ومكان ومسافة
خاصة بينه وبين رائيه،ولا بد من ان يكون مقابلا لعين الرائي،
وذلك كله ممتنععلى اللّه تعالى مستحيل باجماع اهل التنزيه،
من اشاعرةوغيرهم.
2 - ان الرؤية التي يقول الاشاعرة بامكانها ووقوعها، اماان تقع
على اللّه كله فيكون مركبا محدودا متناهيامحصورا يشغل فراغ
الناحية المرئي فيها، فتخلو منه بقيةالنواحي، واما ان تقع على
بعضه فيكون مبعضا مركبامتحيزا، ذلك كله مما يمنعه ويبرا
منه اهل التنزيه مناشاعرة وغيرهم.
3 - ان كل مرئي بجارحة العين مشار اليه بحدقتها، واهلالتنزيه
من الاشاعرة وغيرهم ينزهون اللّه تعالى عن انيشار اليه
بحدقة، كما ينزهونه عن الاشارة اليه باصبع اوغيرها.
4 - ان الرؤية بالعين الباصرة لا تكون في حيزالممكنات ما لم
تتصل اشعة البصر بالمرئي، ومنزهواللّه تعالى من اشاعرة
وغيرهم مجمعون على امتناعاتصال شي ما بذاته جل وعلا.
ويستشهد على استدلالهبحديث الامام الهادي ابي الحسن علي
بن محمدالعسكري( الذي يوافق راي الفلاسفة العصريين،
يقولاحمد بن اسحاق القمي: كتبت الى ابي الحسن
الثالثاساله عن الرؤية، وما اختلف فيه الناس. فكتب(: ;ژرسز÷لاتجوز
الرؤية - عقلا - ما لم يكن بين الرائي والمرئيهواء ينفذه البصر،
فاذا انقطع الهواء عن الرائي او المرئيلم تصح الرؤية;ژرسز÷((296)) .
5 - ويستشهد بالاستقراء ويقول: يشهد ان كل متصور لابد من ان
يكون اما محسوسا او متخيلا من اشياءمحسوسة او قائما في
نفس المتصور بفطرته التي فطرعليها، فالاول كالاجرام والوانها
المحسوسة بالبصر،وكالحلاوة والمرارة ونحوهما من
المحسوس بالذائقة،والثاني كقول القائل: اعلام ياقوت نشرن
على رماح منزبرجد. ونحوه مما تدركه المخيلة مركبامن عدة
اشياءادركها البصر، والثالث كالالم واللذة، والراحة
والعناء،والسرور والحزن ونحوها مما يدركه الانسان من
نفسهبفطرته((297)) .
ومحصل كلامه ان العقل الذي عرفنا اللّه تعالى به يحكممستقلا
بامتناع رؤية الباري سبحانه، سواء اكانت الرؤيةبصرية ام قلبية
ام خيالية ام وهمية، لامتناع لوازمهابحكم العقل.
استدلال من اليات القرآنية
ومن بعد ما يستدل بحجج عقلية، ويرد آراء الاشاعرةالجهلية
في امكان رؤية اللّه بالبصر المادي، وبالعينالمجردة، يقوم
باستدلال من اليات القرآنية المحكمةبعدم امكان صحة راي
المجسمين، ومن يوافقهم برؤيةرب العالمين في الدنيا والخرة.
واليات منالمحكمات تؤيد حكم العقل بامتناع الرؤية، وهي
علىالنحو التي:
1 - في قوله تعالى: (لا تدركه الابصار وهو يدركالابصار وهو
اللطيف الخبير) [الانعام/102 ]. يقولالسيد: فان الادراك متى
قرن بالبصر لا يفهم منه الا الرؤيةبالعين، كما انه اذا قرن بلة
السمع، ويستدل بالية علىانه سبحانه وتعالى قد تعالى على
جميع الموجوداتبمجموع هذين الامرين اللذين اشتملت
عليهما اليةالكريمة× لان من الاشياء ما يرى ويرى كالاحياء
منالناس، ومنها ما يرى ولا يرى كالجمادات والاعراضالمرئية،
ومنها ما لا يرى ولا يرى كالاعراض التي لاترى، فاللّه تعالى
خالفها جميعا وتعالى عليها وتفرد بانيرى ولا يرى وتمدح
بجموع الامرين كما تمدح بقوله:(وهويطعمو لا ى طعم)
[الانعام/14]، وقوله: (يجير ولايجار عليه)
[المؤمنون/89]((298))
وقد اغرب الامام الرازي في ما علق به على هذه الية منسورة
الانعام في تفسيره الكبير، اذ زعم ان اصحابهاحتجوا بها على انه
تعالى تجوز رؤيته، وان المؤمنينيرونه يوم القيامة. ونقل عنهم
من وجوه الاحتجاج بهاعلى الامرين اربعة اوجه وبالاحرى ان
يقال: الوجوهالاربعة من تشكيكاته ولا من غيرها.
2 - في قوله تعالى: (يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم ولايحيطون
به علما) [طه/11 ]يقول السيد: انها في معناهاعلى حد الية
الاولى، وهو فصل الخطاب ومفصلالصواب (لا تدركه الابصار
وهو يدرك الابصار(.ويستشهد على ابطال الرؤية بحديث الرضا(
لما سالهابو قرة: انا روينا ان اللّه قسم الرؤية والكلام بين
نبيين،فقسم الكلام لموسى، ولمحمد الرؤية، فقال الامام(:فمن
المبلغ عن اللّه الى الثقلين من الجن والانس؟(لاتدركه
الابصار( و(ليس كمثله شي) [الشورى/11]اليس محمد(، قال:
بلى. قال: كيف يجي رجل الىالخلق جميعا فيخبرهم انه جاء
من عند اللّه، وانهيدعوهم الى اللّه بامر اللّه، فيقول (لا تدركه
الابصار...(،و (يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم ولا يحيطون به
علما(و(ليس كمثله شي(، ثم يقول: انا رايته بعيني واحطت
بهعلما، وهو على صورة البشر! اما تستحون؟ ما قدرتالزنادقة
ان ترميه( بهذا ان يكون ياتي من عند اللّه بشي،ثم ياتي بخلافه
من وجه آخر؟!
واستشهد ابو قرة على رايه بية اخرى وقال: فانه تعالىيقول:
(ولقد رآه نزلة اخرى) [النجم/13]، فاجابهالامام(: ان بعد هذه
الية ما يدل على ما راى( حيث قالتعالى: (ما كذب الفؤاد ما
راى) [النجم/11 ]يقول: ماكذب فؤاد محمد( ما رات عيناه، ثم
اخبر بما راى فقال:(لقد راى من آيات ربه الكبرى) [النجم/18
]فيات اللّهغير اللّه، وقد قال اللّه: (ولا يحيطونبه علما)
[طه/110]. فاذا راته الابصار فقد احاط به العلم، ووقعت
المعرفة..فقال ابو قرة فتكذب بالروايات؟ قال الامام(: اذا
كانتالروايات مخالفة للقرآن كذبتها، وما اجمع المسلمونعليه
انه لا يحاط به علما ولا تدركه الابصار وليس
كمثلهشي;ژرسز÷((299)) .
3 - ويستدل السيد شرف الدين بيتين متصلتين فيقوله تعالى:
(واذ قال موسى لقومه: يا قوم انكم ظلمتمانفسكمباتخاذكم ال
عجل فتوبوا الى بارئكم فاقتلواانفسكم ذلكم خير لكم عند
بارئكم فتاب عليكم انه هوالتواب الرحيم - واذ قلتم يا موسى لن
نؤمن لك حتىنرى اللّه جهرة فاخذتكم الصاعقة وانتم
تنظرون)[البقرة/56. ]
ويقول: الحجة فيهما من ابطال الرؤية، انما هي اليةالثانية× لان
لها دخلا في بيان الوجه في الاستدلال، لانالية الاولى نصت
على عقوبة متخذي العجل بقتلانفسهم، والثانية على عقوبة
الطالبين رؤية اللّه تعالىجهرة، بالصاعقة تاخذهم وهم ينظرون.
ويرى شرف الدين هذا بمجرده بالقطع بتساوي الجرمينفي
الكفر، لتساويهما في العقوبة من اللّه تعالى، وليسشي ادل من
هذا على امتناع الرؤية ووجوب الانكار علىالقائلين بها، بل
يقول بوجوب كفرهم اذا اصروا عليهاعنادا، بعد ان تتم عليهم
الحجة بامتناعها، كما تمت علىاصحاب الصاعقة من قوم
موسى× لان موسى( حينسئل عن الرؤية اخبرهم بالامتناع،
ولكن الحوا عليهولجوا في طغيانهم، فعرفهم موسى ان رؤية
اللّه تستلزمتحيزه وتكيفه والاشارة اليه واللّه تعالى منزه عن
ذلك،واوضح لهم ان من استجاز الرؤية على اللّه عز وجل
فقدجهله وجعله من جملة الاجسام او الاعراض،
فاخذتهمالصاعقة بامر اللّه، كما اخذ القتل اولئك بامره
تعالىلتساوي الجرمين.
والسيد يستدل كذلك بان اللّه تعالى لم يذكر في كتابهالحكيم
طلب رؤيته الا استعظمه واستفظعه، كما جاءفي التنزيل:
(يسالك اهل الكتاب ان تنزل عليهم كتابا منالسماء فقد سالوا
موسى اكبر من ذلك فقالوا ارنا اللّهجهرة فاخذتهم الصاعقةبظ
لمهم) [النساء/152 ]فسمى ذلك ظلما، وعاقبهم بالصاعقة
فورا، وهكذا فيقوله تعالى: (وقال الذين لا يرجونلق اءنا لولا
انزل عليناالملائكة او نرى ربنا لقد استكبروا في انفسهم وعتو
عتواكبيرا) [الفرقان/21]، فلو كانت الرؤية جائزة لم
يكنالتماسها عتوا ولا استكبارا، ولا سيما اذا كانت كما
يقولمجوزوها اعظم شي ينعم اللّه به على عباده، والذ
انواعالنعيم، ولكن انزال الصاعقة على طالبي الرؤية مما
يؤيدحكم العقل بامتناع رؤيته جل وعلا.
4 - ويستدل اخيرا السيد شرف الدين بما جاء في قولهتعالى:
(ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قالربارني انظرالى
كقال لن تراني ول-كن انظر الى الجبلفان استقر مكانه فسوف
تراني فلما تجلى ربه للجبلجعله دكا وخر موسى صعقا فلما
افاق قال سبحانك تبتاليك وانا اول المؤمنين) [الاعراف/143
].ويعلق علىالية بمجلس الرضا(، الذي حضره المامون وساله:
يا بنرسول اللّه! اليس من قولك ان الانبياء معصومون؟
قال:بلى، فساله عن آيات من القرآن، فكان في ما ساله ان
قالله: فما معنى قول اللّه عز وجل: (ولما جاء موسى...(،كيف
يجوز ان يكون كليم اللّه موسى بن عمران( لا يعلمان اللّه تعالى
ذكره لا يجوز عليه الرؤية حتى يساله هذاالسؤال؟ فقال الرضا(:
ان كليم اللّه موسى( علم ان اللّه،تعالى عن ان يرى بالابصار،
ولكنه لما كلمه اللّه عز وجلوقربه نجيا، رجع الى قومه
فاخبرهم ان اللّه عز وجلكلمه وقربه وناجاه.
فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت، وكانالقوم
سبعمئة الف رجل... فاختار منهم سبعين رجلالميقات ربه،
فخرج بهم الى طور سيناء، فاقامهم فيسفح الجبل، وصعد
موسى( الى الطور وسال اللّه تباركوتعالى ان يكلمه ويسمعهم
كلامه، فكلمه اللّه تعالىذكره وسمعوا كلامه من الجهات
الست× لان اللّه عزوجل احدثه في الشجرة، ثم جعله منبعثا
منها حتىسمعوه من جميع الوجوه، فقالوا: لن نؤمن لك بان
هذاالذي سمعناه كلام اللّه حتى نرى اللّه جهرة.
فلما قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا، بعث اللّهعز وجل
عليهم صاعقة فاخذتهم بظلمهم فماتوا، فقالموسى: يا رب ما
اقول لبني اسرائيل اذا رجعت اليهم،وقالوا: انك ذهبت بهم
فقتلتهم لانك لم تكن صادقا فيماادعيت من مناجاة اللّه اياك؟
فاحياهم اللّه وبعثهم معه،فقالوا: انك لو سالت اللّه ان يريك ان
تنظر اليه لاجابكوكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حق معرفته؟
فقال موسى(: يا قوم ان اللّه لا يرى بالابصار ولا كيفية له،وانما
يعرف بياته ويعلم باعلامه. فقالوا: لن نؤمن لكحتى تساله.
فقال موسى(: يا رب انك قد سمعت مقالة بني اسرائيل،وانت
اعلم بصلاحهم، فاوحى اللّه جل جلاله اليه: ياموسى اسالني ما
سالوك فلن اؤاخذك بجهلهم، فعندذلك قال موسى(: (رب
ارني انظر اليك قال لن ترانيول-كن انظر الى الجبل فاناستقر
مكانه( وهو يهوي(فسوف تران ي فلما تجلى ربه للجبل( بية
من آياته(جعله دكا وخر موسى صعقا - فلما افاق - قالسبحانك
تبت اليك( ، يقول: رجعت الى معرفتي بك عنجهل قومي (وانا
اول المؤمنين( منهم بانك لاترى.
فقال المامون: للّه درك يا ابا الحسن..»((300)) .
واخيرا كان المرتقب من ائمة الحديث والكلاموالتفسير، وحتى
من الامام شرف الدين الاشارة الى قسمآخر من الرؤية الذي لا
يتوقف على الاعين والابصار،ينالها الامثل فالامثل من
المؤمنين.
قال العلامة الطباطبائي: انه تعالى يثبت في كلامه قسمامن
الرؤية والمشاهدة وراء الرؤية البصرية الحسية،وهي نوع من
الشعور في الانسان، يشعر بالشي بنفسهمن غير استعمال آلة
حسية او فكرية. وفي ضوء ذلك، انللانسان شعورا بربه غير ما
يعتقد بوجوده من طريقالفكر واستخدام الدليل، بل يجد
وجدانا من غير انيحجبه عنه حاجب، ولا يجره الى الغفلة عند
اشتغالهبنفسه ومعاصيه التي اكتسبها، والذي يتجلى من
كلامهسبحانه ان هذا العلم المسمى بالرؤية واللقاء
يتمللصالحين من عباد اللّه يوم القيامة... فهذا هو
العلمالضروري الخاص الذي اثبته اللّه تعالى لنفسه وسماهرؤية
ولقاء((301)) .
كما ان في روايات ائمة اهل البيت ( تصريحا بصحةالرؤية
القلبية، وما يبدو منها زيادة اليقين بظهور عظمتهوقدرته،
واليك رواية عن يعقوب بن اسحاق، قال: كتبتالى ابي محمد
(الحسن) العسكري( اساله كيف يعبدالعبد ربه وهو لا يراه؟
فوقع(: ;ژرسز÷يا ابا يوسف جل سيديومولاي والمنعم على وعلى
آبائي ان يرى»، قال: وسالتههل راى رسول اللّه( ربه؟ فوقع(: ;ژرسز÷ان
اللّه تبارك وتعالىارى رسوله بقلبه من نور عظمته ما احب;ژرسز÷
. ((302))
هذا وان الشيخ الصدوق ( فسر الرؤية القلبية بالعلم،وقال:
وذلك ان الدنيا دار شكوك وارتياب وخطرات، فاذا كانيوم
القيامة كشف للعباد من آيات اللّه واموره في ثوابهوعقابه، ما
تزول به الشكوك، وتعلم حقيقة قدرة اللّه عزوجل، وتصديق
ذلك في كتاب اللّه عز وجل: (لقد كنتفي غفلة من هذا
فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليومحديد) [ق/22]، فمعنى ما
روي في الحديث انه عزوجل يرى، اي يعلم علما يقينياكقوله
تعالى عز وجل(الم تر الى ربك كيف مد الظل)
[الفرقان/45]وقوله:(الم تر الى الذي حج ابراهيم في ربه)
[البقرة/258]وقوله: (الم تر كيف فعل ربك باصحاب
الفيل)[الفيل/1 ] واشباه ذلك من رؤية القلب وليست منرؤية
العين((303)) .
اثر رحلة الامام شرف الدين الى مصر
في التقريب بين المذاهب الاسلامية
د. فريد قطاط
التقريب فريضة دينية
ما ان علمت بقرب انعقاد المؤتمر الدولي لتكريمسماحة الامام
السيد عبد الحسين شرف الدين (عليهالرحمة والرضوان)، حتى
بادرت باتخاذ قرار المشاركةفي هذا المهرجان العلمي الكبير،
الذي ستكرس فعالياتهالى الدعوة للتقريب بين المذاهب
الاسلامية× لاجلتحقيق الوحدة الدينية التي نزلت آيات القرآن
الحكيموسنة سيد المرسلين داعية الى التمسك بها
والتحذيرمن مغبة التفريط فيها، وذلك مصداقا لقول الحق
تباركوتعالى: (ولتكن منكم امة يدعون الى
الخيرويامرونبالم عروف وينهون عن المنكر واول-ئك هم
المفلحونولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما
جاءهمالبينات واول-ئك لهم عذاب عظيم) [آل
عمرن/104و105].
كما روي عن سيدنا رسول اللّه (عليه افضل الصلاةوالسلام
وعلى آله الكرام) انه قال: ;ژرسز÷ان الشيطان قد يئسان يعبده
المصلون في جزيرة العرب، ولكنه لم يياس منالتحريش
بينكم».((304))
الناس موتى واهل العلم احياء
ونظرا الى ان اطلاعي على الانتاج العلمي للامام شرفالدين
يعود الى اكثر من ربع قرن من الزمان،((305)) وبعدمراجعتي
في هذه الايام ل- ;ژرسز÷المراجعات;ژرسز÷ التي خلدهاالرجل، ولغيرها من
مؤلفاته ومصنفاته من قبيل;ژرسز÷الفصول المهمة في تاليف الامة;ژرسز÷
و;ژرسز÷اجوبة موسى جاراللّه;ژرسز÷ و;ژرسز÷النص والاجتهاد;ژرسز÷، وبعد ان قمت
بتفحص دقيقلما استقر في مكتبتي الخاصة من كتب تؤرخ
لحياةالامام شرف الدين، وابرزها كتاب ;ژرسز÷حياة الامام شرفالدين
في سطور;ژرسز÷ للعلامة الراحل احمدقبيسي((306))رحمهاللّه
وكتاب ;ژرسز÷رائد الفكر الاصلاحيالسيد عبد الحسين شرف الدين;ژرسز÷
للدكتور هادي فضلاللّه ((307))، حصل عندي اطمئنان الى
ان الرجل الذينحتفي بذكراه جدير بالخلود في ذاكرة الامة،
فهو منصنف العلماء العاملين والفقهاء المجاهدين
والقادةالمصلحين، ممن يجب علينا جميعا التعاون على
احياءسيرهم وذكراهم، والسير على هدي خطاهم،
ويحضرنيمما يؤيد هذا المعنى ما روي منسوبا الى حضرة
اميرالمؤمنين على (ع)
الناس من جهة التمثال اكفاء
ما الفضل الا لاهل العلم انهم
وقيمة المرء ما قد كان يحسنه
فقم بعلم، ولا تطلب ب-ه بدلا
اب--وه-م آدم، والام ح--واء
عل-ى الهدى لم-ن استهدى ادلاء
والجاه-ل-ون لاه-ل العلم اعداء
فالناس موتى، واهل العلم احياء ((308))
وعلى اساس ما تقدم، يمكن اعتبار السيد شرف الدينمن
العلماء الاحياء الذين احيا اللّه بهم هذه الامة،فحياتهم تقاس
بعلمهم وعملهم، وصدقهم واخلاصهم،وجهادهم في الحق،
ونصحهم للّه ولرسوله ولائمةالمسلمين وعامتهم، فلا يجوز ان
نغفل ذكرى الصادقينالذين امرنا المولى تبارك وتعالى بان
نقتفي اثرهم،ونكون معهم((309)) للعمل سوية على ازالة
رواسبالماضي، وبناء حاضر جديد على اسس من
الاخوةالاسلامية الصادقة، ولا يتحقق هذا الامر في اعتقادي
الابالتجاوز الواعي للتعصب والانغلاق، والتركيز على ماتتحقق
به الفائدة المشتركة من تضافر الجهود دعماللوحدة الاسلامية،
وصوتا للرابطة الدينية، التي اوجبعلينا الجليل ( الاعتصام بها،
وعدم التفرق عنها.
منزلة الرحلة في حياة الامام شرف الدين
ورغم انني من الموقنين حقا بان حياة الامام شرف الدينكانت
كلها جهادا في سبيل اللّه، وسعيا الى تحقيقالغايات الاسلامية
المشتركة، فانني رايت من منطلقانتمائي الجغرافي الى الغرب
الاسلامي ان اركز مداخلتيعلى اهمية رحلة الامام شرف الدين
الى مصر وفوائدهاالجمة، باعتبارها وسيلة لتعميق التقارب بين
المذاهبالاسلامية، اذ بها يتحقق اللقاء بين العلماء لاجل
البحثوالنظر، والسعي الى الاتفاق على ما يمكن ان
يجعلبرامجنا واهدافنا في هذه الحياة قابلة
للتطبيقوالممارسة الحقيقية.
الامام شرف الدين في مصر
وبالنظر في سيرة الامام شرف الدين، نلاحظ ان للرحلةفي
حياته ابعادا عميقة ودقيقة، فهي تندرج ضمن اوكداولوياته
التي كان يتطلع الى تحقيقها، فالاتصال المباشربين الناس،
وخصوصا الفرقاء منهم، هو اول خطوة نحوالتفاهم والانفراج في
العلاقات، ولهذا نرى ان اهم محطةكان الامام شرف الدين
يطمح الى الانتقال اليها هي مصرحاضنة الجامع الازهر
الشريف، وقد صرح عن هذهالرغبة التي كانت تتفاعل في نفسه
بقوله: «وكنت احبفي ما احب، ان ازور مصر، واقف على
اعلامها، لخذالعلم عنهم، ولابلو ما يبلغني عن
الجامعالازهر».((310))
جهاد الامام شرف الدين في سبيل التقريب
ولقد كان لزيارة الامام شرف الدين نتائج جليلة، وفوائدعظيمة،
اهمها على الاطلاق اتصاله بشيخ الجامع الازهرالامام سليم
البشري (عليه الرحمة والرضوان)، واتفاقهمعه على العمل
المشترك من اجل تحقيق الوحدةالاسلامية وتقريب الفجوة
التي باعدت بين اهل السنةواتباع مدرسة اهل البيت رحمهاللّه
وفي هذا يقول الامامشرف الدين: ;ژرسز÷شكوت اليه وجدي، وشكا
الى مثل ذلكوجدا وضيقا، وكانت ساعة موفقة اوحت الينا
التفكيرفي ما يجمع اللّه به الكلمة، ويلم به شعث الامة،
فكانمما اتفقنا عليه ان الطائفتين - الشيعة والسنة -
مسلمونيدينون حقا بدين الاسلام الحنيف، فهم في ما
جاءالرسول به سواء، ولا اختلاف بينهم في اصل اساسييفسد
التلبس بالمبدا الاسلاميالشريف...;ژرسز÷.((311))
ومن المواقف العملية التي خطاها الامام شرف الدينفي سبيل
بناء الوحدة الاسلامية، موافقته على ان يكونيوم الثاني عشر
من ربيع الاول تاريخا يجتمع فيه السنةوالشيعة على السواء
للاحتفال بالمولد النبوي الشريف(على صاحبه افضل الصلاة
والسلام وعلى آله الكراموصحابته الاعلام)، وفي هذا الموقف
الذي تنازل فيهالسيد شرف الدين عما هو مشهور عند الشيعة
((312))من اجل تحقيق الوحدة الاسلامية، تبدو رغبته اكيدة
فيالعمل على توحيد المسلمين بمحاولة جمعهم علىتاريخ
واحد× للاحتفال بمولد نبينا الاكرم((313)).
فالمسلمون ;ژرسز÷السنة والشيعة جدولان من نهرواحد;ژرسز÷((314)) ،
و;ژرسز÷الطريق الوحيد الى الوحدة الاسلاميةبين طوائف المسلمين
هو تحرير مذاهبهم والاكتفاء منالجميع بالمحافظة على
الشهادتين والايمان باليومالخر، واقامة الصلاة، وايتاء
الزكاة...هذا هو الطريقالوحيد الى توحيد كلمة الاسلام
اليوم;ژرسز÷((315)) .
ولا شك في ان من اعظم الثار التي خلدتها زيارة السيدالى
مصر صدور كتاب ;ژرسز÷في المراجعات;ژرسز÷ الذي قال عنه:«ولو لم يكن
من آثار هذه الزيارة الا هذا الكتاب لكانتجديرة بان تكون
خالدة الاثر في حياتي علىالاقل;ژرسز÷((316)) .
ويستعرض السيد شرف الدين سبب تاليف;ژرسز÷المراجعات;ژرسز÷ بقوله:
;ژرسز÷حضرت درسه((317)) لاول مرة...وعرض لي اثناء الدرس ما
يوجب المناقشة فناقشته، ثمعلمت بعدئذ ان المناقشة وقت
المحاضرة ليست منالدراسة الازهرية، فكنت بعدها افضي بعد
الدرس بماعندي من المسائل الجديرة بالبحث والمذاكرة...
وقدكانت مناقشتي الاولى، في كل حال، سببا في اتصالالمودة
بيني وبينه، وسبيلا الى الاحترام المتبادل، ثمطالت
الاجتماعات بيننا، وتشاجنت الاحاديث،وتشعب البحث بما
سجلناه في كتابنا;ژرسز÷المراجعات;ژرسز÷((318)) .
والذي يمكن ان نستنتجه من هذا الكلام ان السيد شرفالدين
لم يكتف بتسجيل حضوره في المحافلوالمجالس، بل انه كان
يبادر الى الحوار البناء مع اهلالحل والعقد في مجالي الدنيا
والدين من اجل تحقيقمصالح المسلمين على دعائم الصدق
والاخلاص.
كما كان لزيارة مصر آثار عميقة في نفس الامام السيدشرف
الدين عبر عنها بقوله: ;ژرسز÷دع عنك ما لهذا الاتصالمن النتائج
الحسنة التي تعود على الوحدة باعم الفوائدواجداها... ولو ان
الزيارات تستمر بين اعلام البلدينلكان لها احسن الاثر في رفع
كثير من غشاوات البعد،ولاتصلت اذن حلقات الامة متفاهمة
متحابة، تتساقىكؤوس الصفاء والولاء... ولعل الوعي
الاجتماعيالجديد يقرب خطوات هذه الاجتماعات بشكل
منالاشكال الرسمية لندنو بها من الواقع الحبيب، وعلى
كلفقد غادرت مصر، وانا احن اليها واتزيد من اللبث فيها...وقد
حملني الحنين الى مصر على زيارتها مرةاخرى;ژرسز÷((319))
شيوخ الامام شرف الدين من اهل السنة
.
ولم تقتصر زيارة الامام شرف الدين على الاتصال بشيخالجامع
الازهر فحسب، بل كانت له اتصالات مفيدة معكثير من العلماء
المصريين وغيرهم، كانت لها آثارايجابيه في اطار التعاون
العلمي والاتفاق على العملبصدق من اجل التقريب بين
المذاهب الاسلاميةالمختلفة، ومن اطرف ما نتج عن هذه
اللقاءات حصولالسيد شرف الدين على بعض الاجازات العلمية
منشيخ الجامع الازهر الامام سليم البشري (قدس اللّهروحه)،
وغيره من اعلام الدين في مصر والمغربالاقصى... فلقد ذكر
الامام شرف الدين في كتابه ;ژرسز÷ثبتالاثبات في سلسلة الرواة;ژرسز÷ انه
حصل على خمساجازات في الرواية والدراية من علماء اهل
السنة، همعلى التوالي:
1 - الشيخ سليم البشري المالكي، شيخ الجامع الازهر،وله منه
اجازة عامة مفصلة اشتملت على جميع اسانيدهالمتصلة
بجميع كتب اهل السنة نقلية وعقلية،وبمصنفيها من
المتقدمين والمتاخرين.
2 - الامام الفقيه بدر الدين الدمشقي، اجازه بالمعقولوالمنقول
من الفروع والاصول.
3 چ الشيخ محمد بن عبد اللّه الخاني الشافعي، وقداجازه بما
تجوز له وعنه روايته من فقه وحديثوتفسير.
4 - الشيخ محمد المعروف بالشيخ توفيق الايوبيالانصاري
الدمشقي.
5 چ الشيخ محمد عبد الحي ابن الشيخ عبد الكريمالكتاني
الفاسي الادريسي، التقى به في مصر، واجازه فيرواية صحيح
البخاري ((320)).
لمحة عن جهود علماء تونس في التقريب
هذه بعض اوجه فوائد الرحلة التي امكن لنا ان نستشفهامن
سيرة الامام السيد عبد الحسين شرف الدين (قدساللّه روحه)،
هذا الامام المجاهد الذي كانت حياته وقفاعلى خدمة الاسلام
والمسلمين، ويمكن القول في هذاالاطار: ان الرحلة من اجل
طلب الحديث والفقه كانتشائعة بين المسلمين منذ ظهور
الاسلام، واستمرت الىيوم الناس هذا على ايدي العلماء
الربانيين والقادةالمجاهدين، ويشهد على هذا الامر انتقال
العديد منزعماء الحركة الوطنية التونسية الى مصر،
ومشاركتهمفي الدعوة الى الوحدة الاسلامية والتضامنالعربي.
وقد كان على راس هؤلاء الشيخ المجاهد عبد العزيزالثعالبي
من تونس، والمناضل الكبير محيي الدينالقليبي الذي شارك
بصدق وايمان في الدعوة الىالتقريب بين المذاهب الاسلامية،
فقد صرح في خاتمةخطاب القاه في حشد كبير من الحاضرين
قائلا: «وانيكما ابتدات هذا الحديث بكلمة الامير
الوزيراليمني((321)) ، اختتمه بكلمة الزعيم الاسلامي
العظيمابي القاسم آية اللّه الكاشاني التي سمعتها منه
فيمجلس جمعني واياه بدمشق، وقد ساله احد الحاضرينعن
رايه في الخلاف بين السنة والشيعة، وكانالحاضرون في هذا
المجلس عدد كثير من الطائفتين،وظن السائل انه احرج
الزعيم بهذا السؤال، ولكنه افحمهاذ قال له:;ژرسز÷ انا مسلم، لا اعرف
الا الاسلام الذي جاء بهمحمد من عند ربه، وهو الذي يجب ان
يتحد عليهالمسلمون، اما ما عدا ذلك، فلكل ان يحتفظ بما
عندهلمقاومة الاستعمار((322)) بقلب رجل واحد،
وانيعتصموا بحبل اللّه كما امرهم اللّه، والا يتفرقوا،
فحالةالمسلمين اخطر مما نتصور، ووجوب اتحادهم
للانقاذوالخلاص، هي اوكد من كل شي الن... تلك هي
آرائيالتي اكتسبتها من مدرسة القرآن;ژرسز÷((323)) .
واذا كانت الرحلة، كما طبقها الامام شرف الدين فيحياته، من
افضل السبل واقوم الطرق للتقريب بينالمذاهب الاسلامية،
فان المهم في اعتبارنا هو ان يكونالعلماء الذين يتجهون الى
ديار اخوانهم من المسلمينذوي عقول كبيرة، وقلوب مفعمة
بمشاعر الصدقوالاخلاص، وضمائر حرة تنبذ التعصب المقيت،
فلاينقلون الا ما يكون مدعاة الى راب الصدع، ولا
يتهمونغيرهم بما ليس فيهم، ويحاولون استكناه الحق
فيسبيل اصلاح ما لا يرتضيه الدين مما لا يجوز ان يصدرعن
مسلم البتة.
ولنا في الامام السيد شرف الدين اسوة حسنة، اذ نراهيقول، في
كتاب ;ژرسز÷الفصول المهمة;ژرسز÷ ضمن مساعيهالمتتالية الى تاليف
الامة، منكرا شديد الانكار على منيتعرض بسوء الى الصحابة
الكرام وسلف الامة رضياللّه عنهم: ;ژرسز÷افضى بنا الكلام، الى ما هو
غير مقصودبالذات، وليس الغرض الا تاليف المسلمين،
واعلامهمبانهم اخوان في الدين، ولا نرتاب في ان سب رجل
منعرض المؤمنين، فضلا عن سلفنا الصالح من
الصحابةوالتابعين... الخ;ژرسز÷((324)) .
صورة من نتائج التقريب في الوقت الحاضر
ومما يطمئن القلوب حقا ان السني كان ولا يزال يذكرالشيعي
في مجالسه الخاصة بخير، وهو دليل علىالاخوة التي توطدت
عراها، ففي زيارة للدكتور عبدالحليم عويس الى تونس خلال
النصف الاول منالتسعينات من القرن الماضي تطرق الحديث
فيالمجلس - الذي كنت احد الحاضرين فيه شخصيا - الىذكر
العلاقة بين السنة والشيعة، فقال الدكتور: ;ژرسز÷ان الشيعةهم اقرب
الناس الينا، وانني اشهد للتاريخ ان الشيخمحمد علي
التسخيري كان اشد الناس اخلاصا وقربا الىمواقفي، وكان بيننا
تعاون ايجابي ومثمر في التصديلبعض النظريات التي تحاول
الطعن في الاسلام;ژرسز÷((325)).
والامل معقود على ان تكون مثل هذه المواقف شاملةوعامة،
بحيث تصلنا انباء واصداء عما يحدث فيالمجالس الشيعية
الخاصة من علاقات اخوية وروابطايمانية ازاء اخوانهم السنة من
شانها ان تساعد على افشاءروح التعاون والاخاء بين الفريقين بما
يعود نفعه علىالدين قاطبة.
اجل، لقد تطورت اوضاع العلاقة بين السنة والشيعة
نحوالافضل، واسهمت الرحلة في الاتجاهين في مزيد منتنقية
الاجواء وبث روح الوحدة والاخاء، وان تراثالامام شرف الدين
وجهاده في سبيل التقريب بين السنةوالشيعة دين في رقابنا
جميعا، علينا الابقاء عليه حيابالعمل كل من جانبه وفي مواقعه،
من اجل ان يلتقيالمسلمون جميعا على ارض الاتحاد والوفاق،
تحت راية«الاسلام كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة» التي عاش
الامامعبد الحسين شرف الدين ( مؤمنابتحقيقهاوتطبيقها.
السيد شرف الدين / سيرة ذاتية ، وتاريخ من :العملالفكري
والسياسي والديني و..
ا. عدنان علي الحسيني
المولد والنشاة
ولدت مستهل جمادى الثانية لسنة (1290ه-) فيالمشهد
المقدس الكاظمي اثناء رحلة والدي لطلبالعلم.
واقول: عادبة ابوه الى صور وهو في ثامنة عقده الاول،واوطنه
قريتهم (شحور) يرتع في مرابعها، ويرتوي منعذبها، في كنف
والدين بسطا له جناح رحمتهما، واحنياعليه بالتربية، وتحدبا
عليه بالتغذية، وطبعاه على مبادئالدين القويم، وعلماه منذ
نعومته على اقامة قرة عينالرسول
الاكرم ( (الصلاة)، فجرت منه مجرى الروح في الجسد،وهكذا
يفعل فعله التعليم في الصغر..
قرا في اول امره القرآن على احد المعلمين، ثم جودهعلى عمه
السيد محمود شرف الدين، بعدها تولى والدهالمبرور تعليمه
العلوم العربية من صرف ونحو ومعانيوبيان وبديع وادب. كما
قرا عليه المنطق وكتابي (فقهالامامية)، و(شرائع الاسلام).
واثناء قراءته العربية كانابوه يلزمه حفظ بيتين في كل يوم من
ديوان الحماسة اوغيره من شعر العرب، كما الزمه بحفظ الفية
ابنمالك.
وما ان راى الوالد في ابنه اليافع بوارق النجاح، وبوادرالهمة
العالية على تلقي الدروس، ازمع على ارساله الىحاضرة العلم
ومدينته (النجف الاشرف). فتهللت نفسالولد الشاب لهذا
العزم الذي ما كان يقدر عليه كل احدمن اقرانه آنذاك الا
النوادر واصحاب الهمم العالية،والنفوس الكبيرة التي لا ترضى
بالقليل، الا بالتوجه الىباب مدينة العلم، والانتهال هناك من
فيض العلوم علىكبار اساتذة هذه الجامعة الدينية وعظمائها.
فهي مطمحكل نائل، واليها يصبو كل عاشق لعلوم محمد (
وآلهالاطهار رحمهاللّه وفيها يجد كل صب غليل برد
اواره..جامعة النجف الدينية وحسبك بها من اشعاع لفقه
الدينواصوله، ونجعة المعارف الالهية، وعكاظ الادب
الرائق،ولرجال كانوا الطلائع في ميادين السيف والقلم،
وقدملؤوا عين التاريخ ابهة وبهاء .. وقرطوا آذان الدنيابفكرهم
وجهودهم وجهادهم.. وصاغوا قلائد عز واباء،ومجد مؤثل للدين
الاسلامي الحنيف، تخشع لهاالقلوب وتهتز طربا، زانوا بها جيد
الزمان، ومترجمناواحد من اولئك الافذاذ.
الرحلة في طلب العلم
قلنا ان المترجم كانت نفسه تهفو الى قبلة الدارسين،
بابمدينة العلم.. ولما زمع السيد يوسف على ارسال
ولدهعبدالحسين الى العراق، راح يعد له مستلزمات
السفر،فاقرنه في سابعة عقده الثاني مقدمة بابنة عمه
السيدمحمود ابن جواد، وما ان فطمت له طفلته البكر،
حتىراى الوالد انه قد حان اوان السفر. فارسل معه امه بناءعلى
رغبتها، واخاه الصغير - من ابيه - السيد شريف،وخادمة لهم مع
قرينته وطفلتهما، فتحرك الركب فيالتاسع من ربيع الاول
سنة (1310ه- / 1892م) منبيروت بحرا نحو الاسكندرونة،
فحلب، فدير الزور،فالكاظمية، في رحلة دامت اثنين وخمسين
يوما، حيثوردوها اوائل طلوع فجر اليوم الثاني من جمادي
الاولىمن تلك السنة، فالقوا عصا الترحال بكنف جده
لامهالسيد محمد هادي، الذي كان يقطن الكاظمية
مجاوراالامامين الجوادين (.
ولما استقر بهم النوى، آثر خاله السيد حسنالصدر((326))،
الذي كان يومها في مهجره (سامراء)بمعية ابن عمه السيد
اسماعيل الصدر، ان يحضرالمترجم عندهما عن الذهاب الى
النجف. فوافقهما جدهعلى هذا الامر، وهكذا نزل سامراء، وكانت
يومئذ - علىحد قول المترجم نفسه - آهلة باعلام الهدى،
زاهرةبمصابيح الدجى((327)). فاقام فيها سنة واحدة
وشهرينمكبا على الدرس.
وعلى اثر فتنة طائفية سامرية حدثت هناك، كانتشرارتها
ورياحها السوداء قد مست حرمة المجتهد الاكبرالامام السيد
محمد حسن الشيرازي نفسه، حين كان يقيمفي تلك الديار،
في اثناء هذه الفتنة وعند استفحالها عادالصدور وبمعيتهم
شرف الدين قافلين بقصد النجفالاشرف، مرورا بالكاظمية،
وبعد مكث يسير فيها خفالرجال مولين الوجوه شطر النجف،
قبلة الوفاد. كان ذلكعلى ما يبدو لي منتصف عام (1311ه-) او
بعدهبيسير.
وما ان حط رحال السفر، حتى شرع في الدروس يلتهمهاالتهاما،
ويقف على فضلاء الحوزة العلمية وفطاحلعلمائها في العلوم
والمعارف، يلازم هذا، ويتبع ذاكاتباع الفصيل اثر امه. وقد ملا
كل وقته درسا ومباحثةومناقشة لمعضلات المسائل، ولم يزل
في النجفالاشرف ضاربا اطنابه على الاشتغال، ملقيا جرانه
علىاخذ العلوم من افواه الرجال، كما كتب يقول: «قائما
علىساق مفيدا ومستفيدا، محاضرا ومناظرا، ومدرسا،ومؤلفا، لا
الوي على شي، حتى قفلت راجعا بنجححاجتي الى عاملة،
منقلبا اليها اجمل منقلب».
ويضيف: «ما عنيت مدة اقامتي في العراق - وكانتاثنتي عشرة
سنة - بغير ما هاجرت اليه، حتى اني لماتصل بغير اهل العلم،
ولم اتعرف باحد سواهم من سائراهل العراق، بل لم ار من
حواضرها وبواديها غيرالمشاهد الاربعة والكوفة وبغداد، وما كان
في طريقيالى هذه البلاد. اذ كنت رائد حاجة ماضي العزيمة
فيها،وحيث انها تستفرغ وسعي، وتستغرق اوقاتي لم يكن
ليعنها مذهب».((328))
وكما كان ابتداء رحلته العلمية من جبل عامل في التاسعمن
ربيع الاول، وقد راى اليمن والتوفيق وحسن العاقبةبتلك
الحركة، فقد آثر ان تكون رحلة العودة الى الوطنفي نفس
ذلك اليوم، رجاء ان يسعده التوفيق ثانيا كمااسعده اولا.
وفعلا زم ركائبه من النجف في تاسع اول الربيعين منعام
(1322ه-)، قافلا في رحلة العودة بعد اثني عشرعاما، ولكن شتان
ما بين رحلتي الذهاب والاياب!وشتان بين عبدالحسين الذاهب
الى مدينة العلم، وبينعبدالحسين القادم من مدينة العلم، وقد
ثنيت له الوسادةهناك. دخلها وهو محمل بحقائب السفر، وعاد
منها اليوممحملا باجازات الاجتهاد المطلق من اكابر
علمائها.فاستقبلته قريته (شحور) والقرى التي مر بها، ابتداء
منمدينة دمشق، استقبال الفاتحين الابطال، بل قل:استقبال
القادة المراجع العظام، وليس هو الا ابن العقودالثلاثة لم
يتخطاها سوى بعامين ينقصهاهلالان.
وعقدت له مجالس التكريم والحفاوة اينما حل فيطريق
عودته، حتى استقر به المسير في مرابع الصبا(شحور)، ومن
هذه النقطة.. ومن ذلك التاريخ بدا شرفالدين خطواته
الجهادية الاولى في مسيرة الالف ميل،فابتدا يرسم على الارض
ما كانت تختزنه مخيلته منافكار تجديدية على طريق تحقيق
اسلام عصري، بلالاصح القول بناء مسلمين يواكبون العصر
الحديث، والافالاسلام طبيعة متجدد في ذاته، انما التجديد
يتطلب فيآلياته التي يجب ان تساير التطور في جميع
مقاطعالمسيرة العلمية.
نعم، وهكذا كان، فمنذ ذلك الحين بدات مرحلة
الابداعوالانتاج والعطاء في حياة المترجم العملية، وراح
يرسمالمناهج الجديدة، ويضع الليات الحديثة× لينهضبالقرى
والمدن العاملية، ثم بمنطقة الجبل العامليالمحرومة من
ابسط انواع الخدمات الاجتماعية. ومنهنا - ايضا - كانت بداية
مشاريعه النهضوية الدينيةوالاجتماعية يوم حل في صور اواخر
عام (1325ه-)،وبالتحديد في منتصف شهر الحج.
وينهمك السيد شرف الدين في تاسيس المشاريعورعاية
الخدمات الثقافية والاجتماعية مدة سبع سنينينقطع فيها
عن الرحلة، ليواصل بعدها رحلته العلمية،ويفتتحها بالازهر
الشريف، الذي كان الامنية الكامنة فينفسه، حتى حفزها فيه
خاله السيد محمد حسين الصدرحين زارهم اواخر سنة
(1329ه-/1911م) فيعاملة.
يتحدث السيد المترجم عن ذلك فيقول: «فوجدتنيواياه نمخر
عباب البحر في باخرة القت مراسيها في بورسعيد، ثم حملنا
القطار منها الى القاهرة».
ويضيف: «وكان لهذه الزيارة اثر محمود في نفسي وفيحياتي.
ذلك اني توخيت ان اتغلغل في الحياة العلمية،واستبطن
دخائل المجتمعات الادبية بالتحدث الىالعلماء، والسماع منهم،
وتبادل الزيارات بيني وبينهم،وبالمناظرة في اهم المسائل
العلمية التي كانت مدارالبحث، ومحك الفضيلة».
والحق، لقد كان لزيارته الازهر ثمار دانية القطوف،عميمة
النفع على كثير من الصعد. فبعد مرور عاما علىتلك الزيارة، ما
زلنا نحن جيل اليوم، ابناء القرن الخامسعشر الهجري وقد
تخطينا ربعه، نقطف ثمارها جنية،ونستذوقها طرية، وكانها
وليدة يومنا. وما ذلك الا لانهانبتت على اخلاص وود من كلا
طرفي الحوار، وما كانللّه ينمو، ]فاما الزبد فيذهب جفاء واما ما
ينفع الناسفيمكث في الارض.[
وعن فؤائد الزيارة وآثارها كتب السيد شرف الدينيقول: «لو لم
يكن من آثار هذه الزيارة الا هذا الكتاب -يعني كتاب المراجعات -
لكانت جديرة بان تكونخالدة الاثر في حياتي على الاقل».
وعن نتائج هذه الزيارة يقول السيد: «ومهما يكن من امرفقد
نعمنا بمصر في خدمة هذا الشيخ - يعني به شيخالازهر يومئذ
سليم البشري - واتصلنا بغيره من اعلاممصر المبرزين اذ زارونا
وزرناهم، اخص منهم العلامتينالشيخ محمد السملوطي
والشيخ محمد بخيت، وقدنجمت هذه الاجتماعات الكريمة عن
فوائد جمة اقلهاالاتصال الفكري بين مدرستي النجف
والازهر،والتعارف بين خريجي هذه وخريجي تلك على مدى
مافي كل منهما من اسباب التفكير، وطرق الدراسة
ووفرةالمحصول. ودع عنك ما لهذا الاتصال من النتائجالحسنة
التي تعود على الوحدة الاسلامية باعم الفوائدواجداها».
هكذا كان يفكر رجل الوحدة ورائدها، وكم كان يتمنى
انتستمر هذه الزيارات، كيما تتوال حلقاتها وتتساقى
الامةمتفاهمة متحابة كؤوس الصفاء والولاء.
ثم يواصل حديثه عن النتائج قائلا: «وممن نعمنابخدمته في
مصر وتبادلنا معه الزيارات، وكانت بينناوبينه محاضرات
ومناظرات في مسائل فقهية واصوليةوكلامية دلت على غزارة
فضله ورسوخ قدمه في العلموالفضيلة لشيخنا الشيخ محمد
عبدالحي بن عبدالكريمالكتاني الادريسي الفاسي».
ويعد نحو خمسة او ستة اشهر - بتقديرنا - عاد منمصر في
جمادي الاولى من سنة (1330ه-) الموافق فيآيار من سنة
(1912م)، وهو يحن اليها حنين ناء مبتعدعن ديار الحبيب، ولم
يتماسك وجده حتى خف اليهاثانية بعد ثمان سنوات، كي
يطفئ منها غلة بقيت تاججفي نفسه.
وقبل رحلة مصر، كانت للامام شرف الدين رحلة الىالمدينة
المنورة في شهر الصيام من عام(1328ه-/1910م)، لم نتعرض
لها× لانها لا تدخل فيشرط عنواننا الذي وضعناه، وهو الرحلة
في طلب العلم.فالزيارة كانت دينية بحتة، ولم يكن لها شديد
تاثير «فيتكوين فكر شرف الدين× ذلك لانها فضلا عن
طابعهاالديني البحت، فهي تقيد صاحبها بوقت محدد لا
يسمحله بالاتصال برجال الفكر والاصلاح، او بالاطلاع
بعمقعلى النتاج الفكري، او ارتياد المكتبات...»((329)).وهكذا
بقية رحلاته الدينية الاخر، كما كانت له رحلاتسياسية
سنعرض لها في ما يلي من انشطته.
دراسته:
المحنا في باب مولده الى شذرات من حياته العلميةالاولى في
موطنه (شحور)، احدى قرى قضاء صور فيالجنوب اللبناني.
وما لم نذكره هناك نسلط الضوء عليه هنا، بغية توضيحالجوانب
المهمة التي اكتنفت حياة المترجم العلمية،حيث فهمنا من
خلال ما كتب عنه رضوان اللّه عليه، اناباه كان يحمله على
الصعاب، ويضطره الى التمحيصوالتدقيق والتنقيب ما فيه
زيادة عن حد اللزوم، وما فيهنوع كلفة ومشقة، لكن التلميذ
كان يتجلد لكل صعب،وينوء بكل ثقل، وكان وعاء يتسع لكل
ذلك وزيادة،يتحدث السيد عن نفسه فيقول: «ثم اقبل
المقدس والديعلى تعليمي بنفسه، واسترسل الى تلقيني
الدروسبانسه، فالقيت اليه سمعي، واصغيت اليه بلبي،
حتىاخذت عنه العلوم العربية: الصرف والنحو والمعانيوالبيان
والبديع والادب العربي وعلم المنطق بكل ضبطواتقان،
واخذت عنه (نجاة العباد) للعمل على مقتضاها.وقرات عليه
كتابي (فقه الامامية)، و (شرائع الاسلام)،وكان يامرني بكتابة
دروسي وعرضها عليه، فما فاتنيكتابة شي مما قراته عليه من
الدروس العربية والمنطقيةالا قليلا.
وحين قرات عليه كتب النحو كان يفرض على قراءةالعبارة على
العربية، ثم اعرابها ثم تفسيرها قبل الدرسفي كل يوم، وكنت
احفظ في كل يوم بيتين من ديوانالحماسة او غيره من شعر
العرب، فاتلوهما وافسرهمابين يديه بعد مراجعة القاموس في
حل الغريب منمفرداتهما، ولم يجعل لي مندوحة من ذلك
ابدا.والزمني بحفظ الفية ابن مالك حين قرات عليه
شرحها،وكان في شهر رمضان يلزمني بمتابعته في قراءة القرآن
-وكان من القراء - وهناك اجزل الفوائد، وارجى المنافعبخشوع
الابصار، وسكون الجوارح خشية وفرقا».
بعد ان تاهل لمرحلة السطوح العالية بانهائه مرحلةالمقدمات
بنجاح وتفوق، ارسله ابوه السيد يوسف الىالعراق لمتابعة
الدراسة العليا. فكانت بالنسبة له المرحلةالثانية، حيث ابتداها
في سامراء بقراءة (شرح اللمعة)على الشيخ باقر حيدر((330)).
ولما راى الاستاذ منالطالب شدة الاستعداد لفهم المطالب،
اخذ يطوي له فياليوم الواحد ما لا يطوى في اسبوع، وبهذا
الخصوصيقول:
«واندفع يعدو بي حثيث السير في ذلك الكتابالمستطاب،
على ما كان ملتزما به من اعمال الرويةالثاقبة، والنظر الدقيق،
والغور البعيد، راعى في عملههذا مطابقته لمقتضى الحال. اذ
لم يرني والحمد للّهبمحتاج في (اللمعة) الى استاذ، فكان يغذ
بي السير فيها،وربما حضني فقال: لا تؤن فرصتك، ولا تكن
عوقا، فماعتم ان ختم الكتاب، والحمد للّه على الهداية
الىالصواب».
وقرا مباحث الالفاظ من كتاب (الفصول في علمالاصول) على
الشيخ حسن الكربلائي، وكان يتباحث معرفيق درسه السيد
مهدي بن محمد بحر العلوم، وكانكلما قرا فصلا من الكتاب
رجعا الى كتاب (القوانين)لمراجعة قانونه، حتى انتهيا من
مباحث الالفاظ علىهذه الكيفية. علما بانه لم يقرا (المعالم)
على استاذ،والذي هو من جملة المناهج التي يجب ان يمر
عليهاطالب العلم تدرجا، حيث راى السادة من اسرته
مناستعداده وتفوقه انه يستطيع الاستغناء عنها وعنالقوانين
بكتاب (الفصول). وفي الاثناء طالعا (شرحالتلخيص) - المطول -
للتفتازاني، وسبراه معا متوازرينلا يعتري احدهما مشكل الا
وكان عند الخر حله.
ومما حضره في سامراء مجلس الشيخ ملا علي السلطانآبادي
في الحكمة والاخلاق، صباح كل جمعة، وكانمحفلايشهده
كبار اعلام الدين كالسيد اسماعيل الصدر،والميرزا حسين
النوري، والشيخ محمد تقي الشيرازي،والسيد ابراهيم
الخراساني، والميرزا حسين النائيني،والشيخ حسن الكربلائي،
وغيرهم. وعن الشيخ القدوةالسلطان آبادي ومجلسه يحدثنا
شرف الدين: «وكاناعلام الدين ينتدون يوم الجمعة مجلسه×
لينتجعواحكمته، ويردوا شرعته، وكان ممن ترمقه
ابصارالصديقين، وتمد اليه اعناق المقدسين... فاذا فاض
فيالحكمة تفجرت ينابيعها على لسانه، فملك اعنةالقلوب،
ورد شوارد الاهواء، وقاد حرون الشهوات،وقوم زيغ النفوس،
فخفقت الافئدة خيفة، وخشعتالجوارح خشية، فكان لغدوي
الى خدمته، واستماعيلحكمته اثر هو ارجى ما ارجوه».((331))
ولما استقرت به الدروس وانتسقت، حدثت فتنة اثارهابعض
نواصب سامراء وما حولها من اعراب، واخذ يشتداوارها،
وتستحكم اواصرها، فتشوشت الدراسة هناكوتعثرت، فانتقل
المترجم بمعية خاله وابن عمه مع عددآخر من الدارسين
والمدرسين الى حيث مهوى افئدةالدارسين، ونجعة طلاب
العلوم والفنون، عاصمة الدينوالمذهب، ومهبط العلم والعلماء،
فناء الوصي، ومثوىباب مدينة علم النبي، النجف الاشرف، على
ساكنهآلاف التحية والتسليم.
اشتغل فور حلوله ارض الغريين بدرس (المكاسب) فيالفقه
على استاذه في (شرح اللمعة) الشيخ باقر حيدرالذي كان
سبقهم الى النجف، فسار معه في المكاسبسيرته الاولى في
درس سامراء، سيرا حثيثا مع الغوصعلى الحقائق، والكشف عن
الغوامض، والمناقشة،ومعارضة الحجة، حتى اتى على الكتاب الا
يسيرا منابوابه. وقرا العبادات من كتاب (الرياض) على
الفقيهالعلامة الشيخ علي باقر الجواهري. واما (الفرائد)
فيالاصول فقد وقف في دراستها عند السيد محمد
صادقالاصفهاني، الذي اغرق به في البحث عن كنوز
(فرائدالاصول) تصويبا وتصعيدا، يقلبها له ظهرا لبطن.
وعندراسته للرسائل وتشجيع استاذه له الى اقتحام
عقبتهايقول: «مهيبا بي الى سبر غورها، واختبار كنهها،
وكانيربع حجري في غوامضها، ويبلو ما عندي في
اسرارها،فيعود قرير العين مغتبطا، محبورا بعواقب جهوده
فيتخريجي، وآثار ما ارهفه من عزائمه في تدريسي.
وما ان انتهينا الى منتهى الكتاب حتى انضويت معه الىمنبر
استاذه الشيخ محمد كاظم الخراساني...».((332))
وكان الخراساني اذاك قد شرع في تاليف (الكفاية)، فكانكلما
حرر شيئا منها، جاء والقاه على تلامذته، وهميومئذ يربون على
الثلاثمئة طالب من اهل الفضلوالتحقيق، وكان السيد محمد
صادق الاصفهاني منالمبرزين فيهم.
|