الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

ثانيا: ان تطور الفقه التفريعي بشكل مذهل مع العلامة‏في ;ژرس‏ز÷المختلف;ژرس‏ز÷، وتطور الفقه المقارن معه في ;ژرس‏ز÷التذكرة;ژرس‏ز÷،كان من الطبيعي ان يولدا اهتماما بالبحث الفقهي‏والمتابعة الاجتهادية يفوق الاهتمام باعادة ترتيب‏الحديث وما شابه ذلك، ومن هنا يلاحظ في تلك‏المرحلة تضخم المؤلفات الاجتهادية كما هي الحال مع;ژرس‏ز÷الروضة البهية;ژرس‏ز÷ و;ژرس‏ز÷مسالك الافهام;ژرس‏ز÷ للشهيد الثاني(965ه‏-)، و;ژرس‏ز÷مدارك الاحكام;ژرس‏ز÷ للسيد العاملي(1009ه‏-)، و;ژرس‏ز÷مجمع الفائدة والبرهان;ژرس‏ز÷ للمحقق‏الاردبيلي (993ه‏-)، و;ژرس‏ز÷الدروس;ژرس‏ز÷ و;ژرس‏ز÷ذكرى الشيعة;ژرس‏ز÷للشهيد الاول (786ه‏-).. الى غيرها من المصنفات‏الاجتهادية الموسعة التي تجاوزت في سعة ابحاثها;ژرس‏ز÷مبسوط;ژرس‏ز÷ الشيخ الطوسي (460ه‏-) و;ژرس‏ز÷سرائر;ژرس‏ز÷ ابن‏ادريس الحلي (598ه‏-)، و;ژرس‏ز÷كشف الرموز;ژرس‏ز÷ للمحقق البي(ق‏7ه‏-)، وشرائع ;ژرس‏ز÷الاسلام;ژرس‏ز÷ و;ژرس‏ز÷المعتبر;ژرس‏ز÷ للمحقق الحلي(676ه‏-) و..

لكن الامر اختلف مع المدرسة الاخبارية، حيث حصل‏تحول جذري في رسم الاولويات، فبعد ان سقط العقل‏والكتاب والاجماع، وحورب علم الاصول والدراية ومايتصل بالتلاقح الشيعي السني.. تركزت الجهود ناحية‏اعادة الاعتبار للحديث والرواية، فبعد التاسيس النظري‏لاولوية السنة المحكية عبر البنائين السالفة الاشارة‏اليهما، عنيت قطعية الكتب الاربعة وبطلان التقسيم‏الجديد للحديث، انشغلت المدرسة الاخبارية بتنشيط‏ميداني لحركة الحديث والرواية، فظهرت خطوات‏مهمة على هذا الصعيد ابرزها:

1 - كشف التراث الحديثي الخطوة الاولى: مضاعفة البحث عن مصادر حديثية‏تراثية، وهي خطوة برز فيها كل من العلامة محمد باقرالمجلسي (1111ه‏-)، سيما في موسوعته الكبيرة ;ژرس‏ز÷بحارالانوار;ژرس‏ز÷((399)) ، والمحدث حسين النوري (1320ه‏-)،سيما في موسوعته الكبيرة ;ژرس‏ز÷مستدرك وسائل‏الشيعة;ژرس‏ز÷((400)) ، فقد تتبعت المدرسة الاخبارية امرالمندثر من كتب الحديث والمصادر، فعثرت على نتاج‏كبير وقع جدل في صحة الاعتماد عليه، فقد عثرالمحدث النوري مثلا على ما عده هو ;ژرس‏ز÷كتاب الجعفريات‏او الاشعثيات;ژرس‏ز÷ احد الاصول الاربعمائة المعروفة عندالشيعة، والذي كان العثور عليه اقوى دافع للنوري على‏تصنيف كتاب ;ژرس‏ز÷مستدرك الوسائل;ژرس‏ز÷، كما يصرح به تلميذه‏آغا بزرك الطهراني((401)) ، كما عثر على نسخة من كتاب‏المزار عتيقة((402)) . كما عثر المجلسى في قصة معروفة‏على ما راى انه كتاب ;ژرس‏ز÷الفقه الرضوي;ژرس‏ز÷((403)) ، وهكذاساعدت المكانة التي كان يتمتع بها المجلسي مالياوسياسيا واجتماعيا في الدولة الصفوية، وتمركزه في‏عاصمتها آنذاك اصفهان.. على بث عدد كبير من تلامذته‏في البحث عن تراث حديثي او نتاج شيعي تراثي‏قديم.

يقول المجلسي: ;ژرس‏ز÷... ثم بعد الاحاطة بالكتب المتداولة‏المشهورة تتبعت الاصول المعتبرة المهجورة التي تركت‏في الاعصار المتطاولة والازمان المتمادية اما لاستيلاءسلاطين المخالفين وائمة الضلال، او لرواج العلوم‏الباطلة بين الجهال المدعين للفضل والكمال، او لقلة‏اعتناء جماعة من المتاخرين بها، اكتفاء بما اشتهر منها،لكونها اجمع واكمل واشفى من كل واحد منها، فطفقت‏اسال عنها في شرق البلاد وغربها حينا، والح في الطلب‏لدى كل من اظن عنده شيئا من ذلك وان كان به ضنينا،ولقد ساعدني على ذلك جماعة من الاخوان، ضربوا في‏البلاد لتحصيلها، وطلبوها في الاصقاع والاقطارطلباحثيثا ، حتى اجتمع عندي بفضل ربي كثير من‏الاصول المعتبرة...;ژرس‏ز÷((404)) .

كانت هذه المحاولات من المدرسة الاخبارية، اعادة‏لبعث الحديث في الحياة الشيعية، عبر استحضار تراثه‏والبحث عنه والتفتيش والتقصي لاخباره في مختلف‏البلدان.

2 - تنظيم الموسوعات الحديثية الخطوة الثانية: تنظيم ما كان من اكبر الموسوعات‏الحديثية الشيعية على الاطلاق وتدوينه، فحتى الزمن‏الاخباري، كانت الموسوعات الحديثية الشيعية متركزة‏- بالدرجة الاولى - على الكتب الاربعة، لكن الامراختلف مع ظهور الحركة الاخبارية، فلكي ينشط‏الاخباريون الحديث في المجتمع الشيعي سعوا الى‏تدوين موسوعات حديثية شاملة تجمع هذه المرة‏اعدادا اكبر من الحديث وتحتوي التراث المستجد في‏ظهوره ايضا، فظهرت الموسوعات الحديثية الخاصة‏بالفقه كموسوعة ;ژرس‏ز÷تفصيل وسائل الشيعة الى تحصيل‏مسائل الشريعة;ژرس‏ز÷ للحر العاملي (1104ه‏-) في 35868حديثا مع المكرر، وموسوعة ;ژرس‏ز÷مستدرك وسائل الشيعة;ژرس‏ز÷للمحدث النوري (1320ه‏-) في 23129 حديثا، كماظهرت الموسوعات الخاصة بالكلام والامامة مثل;ژرس‏ز÷اثبات ال‏-هداة بالنصوص والمعجزات;ژرس‏ز÷ للحر العاملي‏ايضا، وظهرت الموسوعات الكبرى العامة التي يقف‏على راسها كتاب ;ژرس‏ز÷بحار الانوار;ژرس‏ز÷ للعلامة المجلسي، وفي‏خطوة تالية كتاب ;ژرس‏ز÷الوافي;ژرس‏ز÷ للفيض الكاشاني((405)).

كانت خطوة تنظيم الموسوعات بالغة الاهمية، فقدجمعت متفرقات الحديث عند الشيعة، واعادت‏تنظيمها ضمن عناوين محددة، ما شكل استجابة جيدة‏لتطورات البحوث العلمية الدينية عند الشيعة حتى‏القرن الثاني عشر الهجري.

واستنسب هنا نقل نص للسيد حسن الصدر (1354ه‏-)دال على هذه التجربة الاخبارية ونتائجها المهمة،يتحدث فيه عن كتاب ;ژرس‏ز÷تفصيل وسائل الشيعة;ژرس‏ز÷ للحرالعاملي، يقول: ;ژرس‏ز÷فجزاه اللّه خير الجزاء في تسهيل الاخذبالحديث، فان من طالع كتب الحديث، واطلع على مافيها من الاحاديث، وكلام مؤلفيها، وجدها لا تخلو من‏صعوبة التحصيل، وتشتت الاخبار، وكثرة التكرار،واشتمال الموسومة منها بالفقه على ما يتضمن شيئا من‏الاحكام الفقهية، وخلوه من كثير من احاديث المسائل‏الشرعية، وان كان جملتها كافية لاولي الالباب، نافية‏للشك والارتياب، وافية بمهمات مقاصد ذوي الافهام،شافية في تخفيف مهمات الاحكام، الا ان هذا الشيخ[اي الحر العاملي ] سهل ما كان صعبا، وجمع ما كان‏متشتتا، وبوب كل مسالة بابا، ورتب كتابه نهج كتب‏الفروع، بل على احسنها ترتيبا [ما يشير الى تناغم‏الحديث والفقه] كشرائع المحقق..;ژرس‏ز÷((406)) .

وهو نص دال على ضخامة الخطوة التي برع بهاالاخباريون، وقدموا بها خدمة عظيمة للحديث وللفكروالثقافة.

ومن هنا، لا نوافق السيد محمد باقر الصدر (1400ه‏-)،والباحث المعاصر الدكتور ابو القاسم كرجي في قولهما:ان الاخباريين لم يكونوا سببا في خلق الموسوعات‏الحديثية المتاخرة، بل مجرد عامل مساعد، وان ظهورهذه الموسوعات كانت ل‏-ه اسبابه الخاصة التي كان‏منها العثور على مصادر حديثية قديمة((407))والسبب في رفضنا هذه الفكرة:

ا - ان العثور على نتاج حديثي قديم كان خطوة برع بهاالاخباريون انفسهم، اذن فلم تكن خطوة خارج السياق‏الاخباري، بل هي نفسها نتاج للاخبارية الجديدة، كمالمسنا ذلك مع المحدث النوري في الاشعثيات، وهذامعناه انه لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن الحركة‏الاخبارية العامة.

ب - ان العثور على مصادر حديثية قديمة، لا يستدعي‏تنظيم الموسوعات الحديثية في حد نفسه، الا اذاوجدت خصوصية، والا فلماذا لم يتم قبل الحركة‏الاخبارية التفكير في جمع - لا اقل - الكتب الاربعة كمافعل الفيض الكاشاني في ;ژرس‏ز÷الوافي;ژرس‏ز÷ مثلا؟! ج - ان مصادر كتاب الوسائل للحر العاملي لا توحي بانه‏اعتمد كثيرا على تراث حديث الاكتشاف، فاغلب رواياته‏من الكتب الاربعة حيث لم ياخذ في هذا الكتاب‏بالاصول الستة عشر المشار اليها سابقا((408)) ، الى‏جانب مجموعة مصنفات كان الكثير منها موجودا قبل‏الحركة الاخبارية، يعتمد عليه مثل العلامة والشهيدين‏الاول والثاني، مثل ;ژرس‏ز÷المحاسن;ژرس‏ز÷ للبرقي، وتفسير علي بن‏ابراهيم القمي، وتفسير العياشي السمرقندي، والخصال‏وكمال الدين و.. للشيخ الصدوق و;ژرس‏ز÷قرب الاسناد;ژرس‏ز÷للحميري وما شابه ذلك، فلو كان ظهور التراث الحديثي‏سببا بهذه القوة لكان ينبغي حضوره بشكل مكثف في‏هذه الموسوعات ولا نجده كذلك في بعضها على الاقل،وان بدا اوضح في مثل ;ژرس‏ز÷بحار الانوار;ژرس‏ز÷، و;ژرس‏ز÷مستدرك‏الوسائل;ژرس‏ز÷.

د - ان الظواهر جميعها تفسرها مقولة العقل الاخباري،اي ان فرضيتنا السابقة تبدو منطقية انطلاقا من‏المعطيات الموجودة التي اشرنا الى بعضها سابقا، امافرضية السيد الصدر فلا تجيب عن المعطيات جميعها،فنحن نسال: لماذا لم يكن للمدرسة الاصولية نشاط‏مشابه في تلك المرحلة مع امثال الفاضل التوني(1071ه‏-)، والملا خليل القزويني (1089ه‏-)،والعلامة حسين الخوانساري (1016ه‏-)، والعلامة‏جمال الخوانساري (1125ه‏-)، والوحيد البهبهاني(1205ه‏-)، والعلامة بحر العلوم (1212ه‏-)، فضلا عن‏الاجيال اللاحقة مثل الشيخ جعفر كاشف الغطاء(1228ه‏-) والسيد علي الطباطبائي (1231ه‏-) صاحب‏كتاب ;ژرس‏ز÷رياض المسائل;ژرس‏ز÷ و... انها ليست المصادفة التي‏جمعت الاخباريين على تنظيم الموسوعات الحديثية‏من دون غيرهم ممن عاش منذ بداية القرن الحادي عشرالهجري وحتى القرن الرابع عشر عندما صنف النوري(1320ه‏-) موسوعة ;ژرس‏ز÷المستدرك;ژرس‏ز÷، ما يؤكد ان النزعة‏الاخبارية هي التي كانت مسؤولة عن بعث النشاط‏الموسوعي في الحديث بعد القرن العاشر الهجري.

3 - ظاهرة شرح الحديث الخطوة الثالثة: بعث ظاهرة شرح المصادر الحديثية‏الشيعية، فقد ظهرت حركة نشطة جدا ازاء شرح الكتب‏الاربعة لم يسبق لها مثيل في التاريخ الشيعي، فقد شرح‏العلامة محمد تقي، المعروف بالمجلسى الاول(1070ه‏-)، كتاب ;ژرس‏ز÷من لا يحضره الفقيه;ژرس‏ز÷ في كتابه;ژرس‏ز÷روضة المتقين;ژرس‏ز÷ والذي بلغ اربعة عشر جزءا، ومرة ثانية‏في كتابه ;ژرس‏ز÷لوامع صاحبقراني;ژرس‏ز÷ الذي الفه باللغة الفارسية،في ثمانية اجزاء، وشرح كتاب التهذيب في ما اسماه;ژرس‏ز÷احياء الاحاديث;ژرس‏ز÷((409)) ، وشرح المجلسى الثاني(1111ه‏-) الكافي، في كتاب ;ژرس‏ز÷مرآة العقول في شرح‏اخبار الرسول;ژرس‏ز÷ في ستة وعشرين جزءا، وكتاب التهذيب‏في كتابه ;ژرس‏ز÷ملاذ الاخيار في فهم تهذيب الاخبار ;ژرس‏ز÷في ستة‏عشر جزءا، وشرح الفيض الكاشاني الكتب الاربعة في‏موسوعته ;ژرس‏ز÷الوافي;ژرس‏ز÷ التي تبلغ ستة وعشرين جزءا، كمايعد كتاب ;ژرس‏ز÷بحار الانوار;ژرس‏ز÷ البالغ مئة وعشرة اجزاء شرحاللحديث ايضا، وشرح الامين الاسترآبادي الكافي((410))، والتهذيب((411)) ، والاستبصار((412)) ، وشرح الشيخ‏نعمة الل‏-ه الجزائري الاستبصار مرتين: ;ژرس‏ز÷مقصود الانام;ژرس‏ز÷و ;ژرس‏ز÷غاية المرام;ژرس‏ز÷ في اثني عشر مجلدا وثمانية‏مجلدات((413)) ، كما له شرح كشف الاسرار الذي صارتوسعة لشرحه السابق((414)) ، وشرح خليل بن الغازي‏القزويني (1089ه‏-) الكافي شرحين احدهما عربي‏والخر فارسي((415)) .

ولا نزعم انحصار هذه الظاهرة بالاخبارية، بل لقد شملت‏تيارات مختلفة معها، فقد شرح صدر المتال‏-هين‏الشيرازي (1050ه‏-) اصول الكافي، كما شرح المولى‏المازندراني (1080ه‏-) اصول الكافي ايضا، الا ان الامرالجلى ان انصار المدرسة الاخبارية قد حازوا في تلك‏المرحلة قصب السبق في بلوغ شروح الكتب الحديثية‏مبلغا عاليا، وهذا ما يدل على تطور مكانة الحديث‏والسنة مع هذه المدرسة.

وقد استمرت ظاهرة شرح المصادر والموسوعات‏الحديثية بعد الحقبة الاخبارية، حتى اننا مازلنا نجدهااليوم، حيث عمد بعضهم الى شرح وسائل الشيعة او ماشابه ذلك.

4 - اعادة بناء العلوم الدينية على اساس النص‏الحديثي الخطوة الرابعة: اعادة تاسيس العلوم التي بنيت على‏اساس عقلي عقلاني وفق اساس نصي حديثي، واعني‏بهذه العلوم علمي الكلام واصول الفقه، فعلى صعيد علم‏الكلام ظهرت مصنفات كلامية حديثية، اعادت ذاكرتناالى تجربة الكليني (329ه‏-) في اصول الكافي،والصدوق (381ه‏-) في ;ژرس‏ز÷التوحيد;ژرس‏ز÷ و ;ژرس‏ز÷كمال الدين;ژرس‏ز÷ و..،لقد اتخذ علم الكلام مع المفيد والمرتضى والطوسي‏طابعا عقليا، وبلغ اوج ن‏-زعته العقلية هذه مع نصيرالدين الطوسي (672ه‏-) والعلامة الحلي (726ه‏-)،لكنه عاد مع المدرسة الاخبارية الى طابع نصي، فكتاب;ژرس‏ز÷اثبات ال‏-هداة;ژرس‏ز÷ شاهد على هذا الامر، حيث جمع فيه‏مؤلفه آلاف الاحاديث، كما جمع في كتابه ;ژرس‏ز÷الايقاظ من‏الهجعة في البرهان على الرجعة;ژرس‏ز÷ حوالي ستمئة حديث‏في الرجعة.

وهكذا الحال مع علم اصول الفقه مع كتب مثل الاصول‏الاصيلة للفيض الكاشاني، والفصول المهمة للحرالعاملي، والجزء الثاني من بحار الانوار للمجلسي،وهداية الابرار للكركي.

وبذلك، ارادت المدرسة الاخبارية اعادة تكوين مجمل‏العلوم الدينية على اساس السنة من التفسير والقرآنيات‏مرورا بالفقه والتاريخ وصولا حتى اصول الفقه واصول‏الدين، محاربة الفلسفة والاتجاهات العقلية، وهذا تطورمهم للغاية في نظرية السنة في الفكر الشيعي.

ان هذا التطور لا يمكن فهمه مجرد جمع للنصوص‏الحديثية في ابواب من العلوم الدينية المختلفة، بل هومشروع في الوعي كله، لان تنحية العقل الى حد كبيرواستحضار النصوص الروائية مكانه، لن يمضي من دون‏تكوين منهج مختلف تماما في الفكر والثقافة، وهذا ماارادته المدرسة الاخبارية، بل هذا ما حصل فعلا معها،وما زالت بعض آثاره سارية حتى اليوم.

5 - نشر ثقافة الحديث في الاجتماع الاسلامي‏العام الخطوة الخامسة: نشر الاحاديث وثقافتها في‏المجتمعات، وقد برز في هذا المجال العلامة محمدباقر المجلسي (1111ه‏-)، حيث ترجم عددا من الكتب‏الحديثية والروائية الى اللغة الفارسية، سرعان ماانتشرت في بلاد فارس واخذت شهرتها وحضورها في‏شرائح المجتمع، حتى قال عنه رونلدسن: ;ژرس‏ز÷نجح ايمانجاح في تيسير منابع المذهب الشيعي للايرانيين‏بلغتهم;ژرس‏ز÷((416)) ، كما صنف المجلسي كتبا شبيهة باللغة‏الفارسية، كما ينص على ذلك سبط المجلسي السيدمحمد حسين الخاتون آبادي (1151ه‏-) في رسالته في‏مصنفات العلامة المجلسي، ذاكرا ان عددها تسعة‏واربعين مصنفا فارسيابالمجموع مقابل عشرة مصنفات‏عربية((417)) ، ثم تبعه المحدث النوري في ;ژرس‏ز÷الفيض‏القدسي;ژرس‏ز÷((418)) ، ويذكر العلامة الجابلقي البروجردي(1313ه‏-) في ;ژرس‏ز÷طرائف المقال;ژرس‏ز÷ ان العلامة المجلسي‏كان ;ژرس‏ز÷هو الذي روج الحديث ونشره، ولا سيما في الديارالعجمية، وترجم لهم احاديث العربية بانواعهابالفارسية;ژرس‏ز÷((419)) .

وقد ذكر غير واحد اسماء عدد كبير من الكتب‏والمصنفات التي تركها المجلسي باللغة الفارسية((420))، واكثرها يشتمل في اغلبه على سرد نصوص روائية،الامر الذي يعزز مقولة الجابلقي المشار اليها، فلم يقف‏الاخباريون عند حد تاليف المصنفات الموسوعية التي‏يرجع اليها المختصون، بل اسهموا - بمساندة الدولة‏الصفوية احيانا - في نشر ثقافة الحديث والرواية في‏المجتمع الشيعي عبر كتب صغيرة نسبيا يمكن تداولهاعلى نطاق اكبر، وهو ما توحي به مقدمة الحر العاملي‏على ;ژرس‏ز÷هداية الامة;ژرس‏ز÷، من ان مشروعه هذا كان لكي يرجع‏العوام الى الروايات((421)) .

وقد لاحظنا ان هذه التجربة الاخبارية تركت آثارا اساسية‏على المجتمع الشيعي، اذ دخلت الثقافة الحديثية التي‏تضمنتها مصنفات الاخبارية مجال الوعي العام،وتحولت الى مرجعية دينية من الدرجة الاولى، ولدى‏اعتقاد كبير بان ذلك اسهم - على المستوى الشعبي‏الشيعي - في تنحية النص القرآني، كما تنحى هذا النص‏في المراكز العلمية والحوزات الدينية نظرياعلى يد التيارالاخباري، كما رصدناه في دراسة اخرى.

6 - الاخبارية وعلم الرجال الخطوة السادسة: حفاظا على السنة المحكية وحماية‏ل‏-ها، وانقطاعا نسبيا عن مقولة يقينيتها، سعت‏المدرسة الاخبارية الى محاربة علم الرجال من جهة،ولرفع وتيرة التوثيق فيه من جهة اخرى، فبلغت بهامبلغا، واعني بوتيرة التوثيق انها سعت اما الى تاسيس‏مقولات في علم الرجال تسهم في توثيق عدد اكبر من‏الرواة او في تنشيط هذه المقولات، او في الحد من‏سياسة علم الرجال المتحفظة ازاء التوثيق والمندفعة -حسب راي الاخباريين - نحو القدح والتضعيف‏والتوقف.

كانت الاخبارية تهدف من ذلك الى توسعة دائرة‏الروايات المعتمدة حتى في تلك الكتب التي قد يبعدالقول بيقينيتها، او حتى على الاصول والبناءات التي‏يحملها التيار المناهض للاخبارية نفسه، ولكي نلاحظ‏هذا المشهد نذكر بعض العينات الدالة:

1 - محاربة علم الرجال، بوصفه علم النقد السندي كمااسسه احمد بن طاوس سابقا (673ه‏-)((422)) ، وقدتحركت دائرة النقد هذه تحت اطار انه يفضي الى هتك‏حرمات الرواة والوقوع في غيبتهم وما شابه ذلك،وانطلاقا من هذا الدافع الشرعي والاخلاقي ينبغي سدباب البحث في الرجال، سيما تضعيفهم، وعدم الخوض‏بعقل نقاد في هذا الميدان((423)) .

ومن الواضح ان هذه الاشكالية التي اثيرت قبال علم‏الرجال، كانت تريد اقفال ملفه لصالح توثيق الرواة اولصالح الاخذ برواياتهم على الاقل، ما يعني ان تقسيم‏العلامة الحلي للحديث لن تكون ل‏-ه ارضية يقوم عليهابعد ذلك، لاننا لاحظنا ان بنية القراءة الجديدة للسنة‏المحكية منذ اواخر القرن السابع الهجري، كانت تنبني‏على عقل رجالي نقدي، كما يشاهد مع احمد بن طاوس‏الحسني.

ولم يقف انصار علم الرجال النقدي، وهم غالبا من‏الاصوليين، كثيرا عند هذه الاشكالية بل تجاوزوهامستخدمين اطراعقلانية، كان اهمها ان حساب‏الاولويات يقع لصالح علم الرجال، لاننا اذا ما شعرنا بانناامام مفترق، اما نقد الرجال او اختلاط الغث بالسمين من‏الروايات، كان الاولى - وفقا لقانون الت‏-زاحم‏الاصولي العقلي القاضي بتقديم الاهم على المهم -تعريض الرجال للنقد والتشويه بدلا من تعريض السنة‏للدس والافتراء والتمويه((424)) .

كما سعى عبد اللّه شبر في ;ژرس‏ز÷الاصول الاصلية;ژرس‏ز÷ الى ايجادمستند نصي حديثي لعلم الرجال لمواجهة انتقادات‏الحركة الاخبارية، فعقد فصلا مستقلا في بيان الاحتياج‏الى علم الرجال، وبين ان ما روي عن اهل البيت ( فيه‏الصحيح وغيره وان الاخبار ليس كلها قطعى الدلالة،ذاكرا ستة عشر حديثا في ذلك((425)) .

وقد حاول المحدث البحراني (1186ه‏-) في خطوة اكثرجدية من هذه ان يربك منهاجية علم الرجال ويثبت عدم‏جدواه انطلاقا من عناصر:

ا - اشتراك الرواة في الاسماء، وما قيل عن امكان‏تمييزهم بالاوصاف او الالقاب او.. غير واضح، اذ ماالمانع من الاشتراك في الجميع مع كثرة الرواة؟ ب - ان قدماء الرجاليين كالطوسي والنجاشي و.. لم‏يطلعوا مباشرة على حال الرواة، وعليه فكيف يكون‏كلامهم شهادة مع عدم الحسية والوضوح؟ ج - انهم ناقضوا انفسهم، فمن جهة ياخذون بالراوي‏المعلومة حال‏-ه فقط، ثم يعملون بمراسيل ابن ابي‏عمير وصفوان و..

وروايات مشايخ الاجازة مع عدم‏النص على توثيقهم، فكيف يمكن الجمع بين هذه‏البناءات؟! د - اضطرابهم في الجرح والتعديل، بل ترى الواحدمنهم يناقض نفسه، فتارة يجرح واخرى يعدل الرجل‏الذي جرحه، فكيف يمكن التعويل عليهم؟!((426)).

وليس مجالنا هنا مجال رصد مناقشات هذه الافكارالحساسة التي اثارها البحراني والتي تعصف بوجه علم‏الرجال، لكننا نؤكد ان جهودا ضخمة بذل‏-ها الرجاليون‏لمواجهة هذه المناقشات لا سيما المناقشة الثانية منها،ولديهم اجوبتهم الخاصة المختصرة والموسعة، الامرالذي لا نخوض فيه او نحاكمه، لما في ذلك من خروج‏عن نطاق بحثنا لطول‏-ه وسعة البحث فيه، فلتراجع‏المصنفات الرجالية المخصصة لذلك، وهي‏معروفة.

لكن رغم ذلك كل‏-ه، لا نخفي ان رجالات من الاخبارية‏ابدوا احتراما لعلم الرجال على خلاف ما شاهدناه مع‏البحراني، كان منهم الحر العاملي في الوسائل((427)) ،وما لاحظناه مع المجلسي في تجربته في ;ژرس‏ز÷مرآة العقول;ژرس‏ز÷،والفيض الكاشاني في ;ژرس‏ز÷الوافي;ژرس‏ز÷ وهو ما صرح به‏الكاظمي في ;ژرس‏ز÷تكملة الرجال;ژرس‏ز÷ ايضا((428)) .

2 - فعلت الشخصيات الاخبارية من المقولة القاضية‏بوثاقة كل من كان من اصحاب الصادق( او كان منهم‏وذكر في كتاب ;ژرس‏ز÷الرجال;ژرس‏ز÷ للشيخ الطوسي، مستثنين من‏ذلك - كما ينص الحر العاملي - من قام الدليل على‏تضعيفه((429)) .

وقد جاء تدعيم هذه المقولة عبر نصوص ثلاثة قديمة:الاول:

نص المفيد في الارشاد حيث قال: ;ژرس‏ز÷ان اصحاب الحديث قد جمعوا اسماء الرواة عنه [الصادق ]من‏الثقات، على اختلافهم في الراء او المقالات، فكانوااربعة آلاف رجل;ژرس‏ز÷((430)) .

الثاني: نص ابن شهرآشوب في ;ژرس‏ز÷المناقب;ژرس‏ز÷: ;ژرس‏ز÷ينقل عنه[الصادق ] من العلوم ما لا ينقل عن احد، وقد جمع‏اصحاب الحديث اسماء الرواة من الثقات على اختلافهم‏في الراء والمقالات وكانوا اربعة آلاف رجل;ژرس‏ز÷((431)).

الثالث: نص الطبرسي في ;ژرس‏ز÷اعلام الورى;ژرس‏ز÷: ;ژرس‏ز÷وروى عن‏الصادق( في ابوابه من مشهوري اهل العلم اربعة آلاف‏انسان...;ژرس‏ز÷((432)) .

ولكي تبدو آثار هذه المقولة جلية، يؤكد هذا الطرف ان‏ابن عقدة الزيدي (333ه‏-) احد اعلام الرجال الشيعة، قد صنف كتابارجاليا ذكر فيه اصحاب الصادق( فبلغوا معه اربعة آلاف‏رجل، وعندما يتم رصد عدد الرواة الراوين عن الصادق(والموجودين الن في مصادر روايات الشيعة يعلم انهم‏لم يبلغوا الاربعة آلاف، وهذا معناه ان جميعهم ثقة، مايصحح عددا هائلا من الروايات بعد توثيق ما لا يقل عن‏ثلاثة آلاف رجل في مصادر الحديث.

لكن انصار المدرسة الاصولية وبعض علماء الرجال، لم‏يثقوا كثيرا بهذه المقولة، وناقشوها بشكل مفصل لانطيل فيه((433)) .

3 - طرح فكرة ان الثقة لا يروي الا عن ثقة، كما ذكرالفيض الكاشاني منتصرا به ايضا ليقينية الكتب‏الاربعة((434)) ، فان تطبيق هذا المعيار - عندما نبدا به‏من المحمدين الثلاثة - يعني سلامة جميع النصوص،الا ما خرج بالدليل.

4 - التركيز على مقدمات الكتب التي صنفت في القرون‏ال‏-هجرية الخمسة الاولى((435)) ، والسبب في ذلك‏يعود الى ان مؤلفي تلك الكتب قد ذكروا في مقدماتها مايشير الى اخذهم بروايات كتبهم وتصحيحهم ل‏-ها،وقد استفاد الاخبارى من هذه النصوص - حسب فهمه‏لها - تارة صحة هذه الروايات مباشرة، على الطريقة‏نفسها التي جرى فيها توظيف مقدمتي الكافي وكتاب‏من لا يحضره الفقيه، وفق ما مر بنا، واخرى وثاقة رجال‏هذه الكتب، اي اولئك الرواة الذين وقعوا في اسانيدروايات تلك الكتب، اذا لم تحذف تلك الكتب الاسانيد،لان الكتب الحديثية القديمة كانت على نوعين: نوع يذكرالسند ويهتم به كالكتب الاربعة اما في كل رواية كما هي‏طريقة الكليني في الكافي، او يضع في آخر كتابه قسم;ژرس‏ز÷المشيخة;ژرس‏ز÷ الذي يبين طريق المؤلف الى كل راو من‏الرواة، كما هي طريقة الصدوق في ;ژرس‏ز÷الفقيه;ژرس‏ز÷ والطوسي‏في ;ژرس‏ز÷التهذيب;ژرس‏ز÷ و;ژرس‏ز÷الاستبصار;ژرس‏ز÷، وآخر لا يذكر السند، وانمايذكر فقط اسم الراوي الذي نقل النص مباشرة عن‏الامام( مثل كتاب الاحتجاج للطبرسي، ومكارم الاخلاق‏ل‏-ه، والمقنع وال‏-هداية للصدوق، والجنة الواقية‏والمصباح للكفعمي.

وبذلك يتم توثيق عدد هائل من الرواة اذا اعملت هذه‏الطريقة التي اولاها الاخباريون اهمية فائقة واوسعوهابسطا وتطبيقاحتى نفذت - جزئيا - الى الوسط‏الاصولي كما هي الحال مع السيد الخوئي في توثيقه‏رجال تفسير علي بن ابراهيم القمي((436)) .

وهكذا خصص المحدث النوري الفائدة التاسعة من‏خاتمة المستدرك لادراج كثير من الروايات الحسان في‏الصحاح على مصطلح المتاخرين انفسهم((437)) .

كما ذكر المجلسي في ;ژرس‏ز÷بحار الانوار;ژرس‏ز÷ ان للقطيفي الى‏الصادق ( ما يزيد على مئة طريق((438)) ، ونشط‏المجلسي مسالة الاجازات بشكل واسع جدا كما يظهرمن الاجزاء الاخيرة من بحاره.

والحساب ليس سهلا، وساضع القارئ الكريم ازاء بعض‏الارقام من هذه الثقافة او اللية الاخبارية المنشا احيانا اوالاخبارية النمو والازدياد احيانا اخرى، فقد فتح الحرالعاملي باب توثيق رجال كتاب ;ژرس‏ز÷كامل الزيارات;ژرس‏ز÷ لجعفربن محمد بن قولويه (369ه‏-) نتيجة نص مقدمة هذاالكتاب، فقد قال جعفر بن محمد بن قولويه القمي: ;ژرس‏ز÷ولم‏اخرج فيه حديثا روي عن غيرهم [اهل البيت]اذ كان في‏ما روينا عنهم من حديثهم (صلوات اللّه عليهم) كفاية‏عن حديث غيرهم، وقد علمنا انا لا نحيط بجميع ماروي عنهم في هذا المعنى ولا في غيره، لكن ما وقع لنامن جهة الثقات من اصحابنا رحمهم اللّه برحمته، ولااخرجت فيه حديثا روي عن الشذاذ من الرجال، يؤثرذلك عنهم من المذكورين غير المعروفين بالرواية‏المشهورين بالحديث والعلم;ژرس‏ز÷((439)) .

وقد استفاد الحر العاملي من هذا النص توثيق ابن قولويه‏لرجال اسانيد روايات هذا الكتاب كافة((440)) ،والمحدث النوري كانه تراجع فذكر انها تفيدالتوثيق((441)) لكن لاثنين وثلاثين شخصا هم مشايخ‏ابن قولويه المباشريين((442)) ، وعلى حساب الحرالعاملي تكون النتيجة توثيق حوالى 388 شخصا على‏ما قيل((443)) .

وهكذا وثق الحر العاملي الرواة الواردين في تفسير علي‏بن ابراهيم القمي((444)) ، انطلاقا من نص المقدمة‏ايضا× حيث جاء فيها: ;ژرس‏ز÷ونحن ذاكرون ومخبرون بماينتهي الينا ورواه مشايخنا وثقاتنا عن الذين فرض اللّهطاعتهم واوجب ولايتهم ولا يقبل عمل الا بهم، وهم‏الذين وصفهم اللّه تبارك وتعالى و..;ژرس‏ز÷ ((445))، واذا صح‏حساب العاملي يوثق - كما قيل - 260 رجلا من‏الرواة((446)) ، وهذه الارقام الكبيرة سوف تترك اثرا بالغافي تصحيح النصوص وتاكيد ثبوتها. الى غير ذلك من‏محاولات التوثيق((447)) .

المدارس الاصولية والرجالية والدرائية ومواجهة المدالاخباري بعد ان استعرضنا مجمل المعركة الفكرية في صورتهاالموجزة، من الجدير بنا ان نحلل طبيعة مواجهة المدالاخباري على صعيد نظرية يقينية السنة، والذي يلاحظ‏هنا ان مدارس ثلاث التقت على مواجهة الحركة‏الاخبارية، وهي المدرسة الاصولية التي كانت المواجهة‏الرئيسية معها في مجمل نشاطات الفكر الاخباري من‏العقل والاجماع والقرآن الى الاجتهاد وشرعية علم‏اصول الفقه وط والى جانب المدرسة الاصولية كانت المدرسة الرجالية‏معنية هذه المرة بالحركة الاخبارية، لان الحديث عن‏يقينية السنة بهذا المعنى العريض سوف يؤدي الى‏تقليص جذري لنشاط علم الرجال، اذ بعد اليقين بصدورالنصوص لا معنى للبحث المركز في السند، وحتى لوصارع الرجالى لكي يبقى على قيد الحياة، متمسكابظاهرة تعارض النصوص معينا له على البقاء، انطلاقامن ان ترجيح نص على آخر يفترض ان تدخل فيه معاييرسندية من نوع اعدلية الراوي واوثقيته وافقهيته وماشابه ذلك، طبقا لنصوص الترجيح الواردة في مباحث‏التعارض((448)) ط حتى لو صارع الرجالي هنا فان دائرة‏عمله ستبقى محدودة نسبة لما اذا قلنا بعدم يقينية‏مصادر الحديث، خصوصا اذا رفض عالم ما نظرية‏الترجيح في مباحث التعارض لصالح نظرية التخيير التي‏قال بها الكليني((449)) (329ه‏-) من القدماء، والمحقق‏الخراساني((450)) (1329ه‏-) من المتاخرين، فان‏معايير الترجيح ستغدو عديمة الجدوى - لا اقل تقريبا- ما يفقد علم الرجال ابهته ورونقه، لان معنى التخييربين النصوص في حالة تعارضها واختلافها هو القدرة‏على ممارسة انتقاء ولو عشوائي لنص من نصين‏مختلفين في ما بينهما، من دون حاجة الى اية معايير قدتساند هذا النص او ذاك.

وهكذا دخل علم الحديث والدراية على خط الصراع،انطلاقا مما اشرنا اليه سابقا من تجريد الاخباريين علم‏الدراية من الشرعية والاعتبار، سيما وان يقينية السنة‏ستجعل كل جهد الدراية غير مفيد، كما صرح‏الاخباريون بذلك وفق ما نقلناه سابقا.

من هنا، لاحظنا في المشهد الذي عرضناه حضور هذه‏المدارس الثلاث، لقد كان هناك الوحيد البهبهاني،وكاشف الغطاء، والميرزا التبريزي، والشيخ الانصاري ..من مدرسة اصول الفقه، كما كان هناك الملا علي كني،وعبداللّه المامقاني ممثلين لعلم الرجال، الى جانب‏السيد حسن الصدر والمامقاني ايضا عن علم الدراية...وهذا ما يؤكد طبيعة المواجهة.

واذا اردنا تحليل المواجهة التي قامت بها هذه المدارس‏الثلاث امكننا ايجازها - اعتمادا على المشهد الذي‏قدمناه - على الشكل التي:

اولا: الن‏-زعة العقلانية النقدية للتراث، فقد لاحظناكيف سعى الطرف المناهض للاخبارية الى قراءة الرجال‏والتاريخ قراءة اكثر نقدية من جهة وابعد عن توظيف‏الايديولوجيا في تصوره من جهة اخرى، لذلك نبش‏الاصوليون عيوب القدماء من الرواة والعلماء، فتحدثواعن السهو والخطا والخلل النسخي والكتابي، وتناقض‏مواقف المتقدمين، واختلافهم في ما بينهم، واختلاف‏الواحد منهم في رايه عما سبق له من راي، واجتهادية‏استنتاجاتهم احيانا لا حسيتها و..((451)) .

كما استبعدت المدرسة الاصولية التوظيف‏الايديولوجي، فرفضت فكرة العرض على الامام (، كمارفضت روح فكرة قاعدة اللطف العقلية المنتجة كلاميا،وهكذا لاحظنا هذا المسار العقلاني مقابل‏الايديولوجي، والنقدي مقابل الاستلابي التبجيلي في‏قراءة التراث بارزا امام المدرسة الاخبارية.

ولسنا نرتاب في ان الاخباريين كانوا روادا في نقدالتراث، حيث وجدنا لهم حملات نقدية عنيفة ومشاريع‏تعرية كاملة تعرض لها جيل من العلماء على ايديهم،بدءا من العلامة الحلي وصولا الى الشيخ حسن‏وصاحب المدارك... لكن الفارق ان التيار الاخباري‏اعتمد في نقده للتراث على التراث نفسه، فقد كان‏الموروث القديم هو المعيار الذي وزن به الاخباري‏التراث المتاخر عليه، وهذا معناه ان الاخباري كان مغرقافي التراثية حتى عندما كان ينتقد هذا التراث نفسه، اي‏انه كان ينتقد التراث على ارض تراثية، لكن الحال لم‏تكن كذلك تماما مع المدرسة الاصولية والرجالية في‏بحث يقينية السنة، فمع اندراج الاتجاه الاصولي في‏منحى تبجيل التراث، غير ان المعدل النسبي لهذه‏الن‏-زعة التراثية كان اخف بكثير مما كانت الحال عليه‏مع المدرسة الاخبارية، ولهذا لاحظنا نقدا مركزا على‏مراحل التاريخ الاولى، انطلاقا من معطيات عقلية‏وعقلانية مهما كان موقفنا منها.

ثانيا: سعت الحركة المناهضة للاخبارية الى التخفيف‏من هول الخطوة التي ظهرت مع العلامة الحلي(726ه‏-)، فقد حاولت تسليط الضوء بقدر معين على ان‏تجربة العلامة لم تحدث شرخا مخيفا في النتائج العلمية‏النهائية على صعيد علمي الكلام والفقه، وهذا مالاحظناه عند مدرسة العلامة نفسها حتى بمظاهرهاالمتشددة، حيث كان لبعض المقولات دور المهدئ‏الذي يحول دون الخروج بمعطيات بالغة الشذوذ نسبة‏للراي العلمي العام، من هنا تعززت في الوعي الاصولي‏اكثر من ذي قبل فكرة المشهور، ومعنى اكثر من ذي قبل‏انها تحولت الى نظرية ذات معالم مدروسة بعناية اكثرمن السابق التقفها الدرس الاصولي واعمل فيها معاييره‏الدقيقة.

كانت هذه النظريات المساندة ذات بعد نفسي ايضا، الى‏جانب بعدها العلمي، فقد هول التيار الاخباري على‏خصومه باستخدام التنويع الجديد للحديث حينمااوحى - كما تقدم - بانه سيفضي الى ضياع الدين وهدرالموروث الحديثي الشيعي، وكان هذا الهاجس يسكن‏تلقائيا الاصولي كما سكن انصار مدرسة العلامة ما قبل‏الاخبارية، فكان من الطبيعي التركيز على المقولات التي‏تحول دون حدوث هذا الامر من قبيل الاجماع المحصل‏والمنقول والشهرة الفتوائية ونظريتي الجبر والوهن، وماشابه ذلك.

ولما استقل الموقف الاصولي، وانتهت ملاحقات‏الحقبة الاخبارية مع الشيخ الانصاري (1281ه‏-)،لاحظنا كيف سلطت معاول الهدم على هذه النظريات‏فاطيح بالاجماع المنقول وبالشهرة الفتوائية و... لكنهاظلت حاضرة مع ذلك في الوعي الفقهي للفقيه‏الاصولي، وبحسب راي الشهيد محمد باقرالصدر((452)) (1400ه‏-) فان العقل الاصولي استبدل‏هذه المعايير النظرية المنهارة بمعايير من نوع آخرانطلاقا - حسب راي الصدر - من دوافع نفسية، اي مااشرنا اليه من خطر انبثاق نتائج مستهجنة، واحداث‏شرخ يمزق سكون النتاج الفقهي على مستوى النتائج،فظهرت مقولة السيرة العقلائية والمتشرعة معيارا جديدافي الاجتهاد((453)) ، لم تكن موظفة من قبل، لا اقل في‏الوعي الفقهي من دون اللاوعي.

ورغم ذلك كله تواصل المنحى النقدي للسند في‏المدرسة الاصولية، ليبلغ ذروته مع مدرسة السيد ابوالقاسم الخوئي (1413ه‏-)، حيث رفض نظريات كثيرة‏اصولية ورجالية كانت معينا للحيلولة من دون حدوث‏الشرخ المخيف من نوع الجبر والوهن، ونظرية الاجماع‏المنقول، والشهرة الفتوائية، ومراسيل الصدوق وابن ابي‏عمير وصفوان والبزنط‏ي، واصحاب الاجماع ومشايخ‏الاجازة و...

وقد بدا لنا ان الخوئي مثل احد اكثر رجالات مدرسة‏السند تشددا، لكن مع ذلك، لم تظهر في نتائج الفقه‏والكلام اية معطيات تناسب حجم التطورات النظرية‏عنده، والسبب اعادة تنشيط مقولة الاحتياط في الفتوى،بوصفها الوسيلة الانجع للحد مما يسمى التاثيرات‏السلبية لبعض النتائج العلمية البحثية.

وفي خلاصة تصورنا للموقف الاصولي، انه رغم تنامي‏نظرية السند، الا ان الهاجس النفسي ظل ساكنا في‏الوعي الاصولي يحول دون تحولات جذرية في النتاج‏العلمي تناسب مستويات النقد في مدرسة السند، سيماما كان مع الخوئي وامثاله، وهذا ما يجعلنا نعتقد بان‏الاصولية، وان كانت اتجاها عقلانيا نقديا، الا انها كانت‏مسكونة على الدوام بن‏-زعة تراثية استلابية، في تحليل‏نهدف منه الى قراءة المسار لا تصويب التجربة اورفضها.

والذي يعزز ما نقوله النقطة الثالثة القادمة.

ثالثا: تركت التجربة الاخبارية في مجال السنة‏بالخصوص تاثيرات على العقل الاصولي نفسه، وهذا مانعتقد بانه عزز من الن‏-زعة التراثية في هذا العقل، ففكرة‏عدم جواز تفسير القرآن الا بالسنة وان غيبت نظريا بعدالنقد الاصولي لها، الا انها احتفظت بقسط من الحضورالميداني رغم ذلك، كما يقول الشيخ مرتضى‏المطهري((454)) ، وهكذا سرت نزعة دقيقة في الاجتهادتريد فهم النص من دون التعدي عنه ابدا، بل لاحظنا -كما تقدم - ان مقولة يقينية السنة قد اخذ بها جماعة من‏الاصوليين انفسهم.

ونحن وان كنا نعتقد بان التنافس ووجود النقد يرشدالانطلاق الاصولي، ويحول دون افراطه او تفريطه،فيشكل وجود مثل التيار الاخباري عنصرا ممسكا بحركة‏الدفع الاصولية.. وهو امر جيد في الفلسفة والعلوم، الاان له من الناحية الثانية بعض السلبيات التي يفترض ان‏يتم تلافيها، ذلك ان معنى ان يسكن الاصولى هاجس‏الاخباري، هو ان تحدث احيانا بعض انواع الشلل في‏حركته نتيجة الشد الذي يقوم التيار الاخباري بممارسته،ونحن عندما نتكلم هنا عن الاصولي والاخباري فانمانعني من ناحية ثانية تياري العقل والنص، ومن ثم‏فحضور النص كما يرشد حركة العقل ويحول دون‏افراطها، ربما يؤدي الى شلها بل الى قتلها من الصميم،وهذا ما لاحظناه في اطار جزئي، فاذا اخذنا ظاهرة‏حضور الخر (السني) في الذات وجدنا انها قتلت تقريبااواخر الحقبة الاخبارية، فلم نعد نجد تلك الشروح اوالحواشي المسطورة على اصول اهل السنة او حتى‏استحضار نظريات الفكر السني في الدرس الاصولي،واذا اريد القول: ان مرجعه الى ظهور بدائل شيعية مثل;ژرس‏ز÷زبدة الاصول;ژرس‏ز÷ للبهائي (1031ه‏-) او ;ژرس‏ز÷الوافية;ژرس‏ز÷ للفاضل‏التوني (1071ه‏-)، فان هذه البدائل كانت موجودة سابقامع ;ژرس‏ز÷الذريعة;ژرس‏ز÷ للمرتضى (436ه‏-) ثم ;ژرس‏ز÷معارج الاصول;ژرس‏ز÷للمحقق الحلي (676ه‏-)((455)) ، ومن بعدهما ;ژرس‏ز÷معالم‏الاصول;ژرس‏ز÷ للشيخ حسن (1011ه‏-)، واذا كنا نعتقد بوجوددور للتضخم الاصولي الداخلي اسهم في رفع الحاجة‏عن اصول اهل السنة، فان للقطيعة التي تضاعفت مع‏اهل السنة، والتي كان من اسبابها الحركة الاخبارية، دورافي هذا الواقع، ولهذا غابت كليا تقريباعن ساحة الدرس‏الاصولي الشيعي في القرنين الاخيرين عناصر التقاطع‏مع الخر السني، ولم يعد هناك حضور لنتاج اصول اهل‏السنة في الوسط الشيعي، وهو امر كل ما ندعيه فيه ان‏للاخبارية دورا في تكوينه من دون ان نحصر تكوينه‏بها.

رابعا: كان للملاحظات التي وضعها الاخباريون على علم‏الرجال والدراية من جهة، وعلى نظرية السند من جهة‏اخرى، دور في رد فعل في الطرف الخر لترسيخ دعائم‏العلوم المتصلة بالسند، وسد الثغرات الحادثة فيها، من‏هنا وجدنا تنامياملحوظا لعلم الرجال منذ القرن الثاني‏عشر الهجري وحتى العصر الحاضر، تاكيدا بذلك على‏نظرية السند ورفضاللمقولات الاخبارية، فلاحظناكتابات عديدة ذات طابع موسوعي وشمولي وبنيوي‏في الوقت عينه، كان منها قاموس الرجال للتستري(1414ه‏-)، وتنقيح المقال للمامقاني (1315ه‏-)،وجامع الرواة للاردبيلي (ق‏12ه‏-)، ومعجم رجال‏الحديث للخوئي (1413ه‏-)، ومجمع الرجال للقهبائي(ق.

12ه‏-)، ونقد الرجال للتفرشي (ق‏11ه‏-)، وحاوي‏الاقوال للشيخ عبد النبي الجزائري (1021ه‏-)،والرواشح السماوية للميرداماد (1041ه‏-) ول‏-ه كتاب‏الرجال ايضا ، ورجال الشيخ الخاقاني (1334ه‏-)،والفوائد الرجالية للخواجوئي (1173ه‏-) ورجال السيدبحر العلوم (1212ه‏-)، والفوائد الرجالية للوحيدالبهبهاني (1205ه‏-) وكذلك تعليقته على منهج المقال،ومقباس الهداية للمامقاني (1351ه‏-)، ونهاية الدراية‏للصدر (1354ه‏-)، ومنتهى المقال لابي علي الحائري(1216ه‏-)، وتكملة الرجال لعبد النبي الكاظمي(1256ه‏-)، وجامع المقال للطريحي (1085ه‏-)،وطرائف المقال للجابلقي البروجردي (1313ه‏-)،وشعب المقال للنراقي (1319ه‏-)، وعدة الرجال‏للاعرجي (1227ه‏-)، والموسوعة الرجالية للبروجردي(1380ه‏-)، والرسائل الرجالية للشفتي (1260ه‏-)،وسماء المقال للكلباسي (1356ه‏-)، وتوضيح المقال‏للملا علي كني (1306ه‏-)... فضلا عن المؤلفات‏المعاصرة اليوم.

وغيرها من عشرات المصنفات المهمة والضخمة في‏الرجال والحديث سيما في الرجال، وكلها تشي بالتنامي‏التصاعدي - بعد الهزيمة الاخبارية - لنظرية السند،ولو باشكال مختلفة لها، لا تتطابق حرفيا مع صيغة‏العلامة الحلي.

خامسا: ثمة امتياز جوهري للاصولية عن الاخبارية،وهو القراءة الواقعية للفكر حسب راينا، لقد حاولت‏الاخبارية ان ترى التراث يقينيا في مظاهره كافة سنداودلالة كما لاحظنا، لكن المدرسة الاصولية كانت ترفض‏بشدة هذه القراءة، فكانت اكثر واقعية في دراسة العدة‏المعرفية المحملة بها، ان القرائن المتضافرة التي شادهاالاخباري لاثبات اليقين بصدور النصوص وبلغت اوجها- كما سبق - مع الحر العاملي (1104ه‏-)، لم تكن تقنع‏الاصولي، وقد شاهدنا كيف كانت شواهد اليقين‏بالمضمون التي ذكرها الشيخ الطوسي (460ه‏-) في;ژرس‏ز÷العدة;ژرس‏ز÷ قد تعرضت لنقد بعد العلامة كما ظهر من‏مطاوي كلمات الشهيد الاول في ;ژرس‏ز÷ذكرى الشيعة;ژرس‏ز÷، ورغم‏ان الحركة الاخبارية ارادت مضاعفة هذه القرائن الا ان‏مدرسة الاصول لم تقتنع بذلك، وجيشت كل ما نسميه‏عناصر التشكيك والنقد لكي تؤكد ان التاريخ والتراث‏ليسا بذاك الوضوح الذي يقوله الاخباري.

وقد تنامت ن‏-زعة النقد العقلاني للموروث، والقراءة‏الواقعية للمعطيات دون تهويل.. الى حد بلغت فيه‏مرحلة مفرطة في العقل الاصولي، فظهرت فكرة‏الانسداد، فيما ينسب الى الميرزا القمي الجيلاني‏صاحب كتاب القوانين المحكمة، لتدل على ان العقل‏الاصولي كثف من حملاته النقدية على المعطيات‏المعرفية المتوافرة في قراءة التراث، الى جانب عناصراخرى مثلت دورا في تكوين مقولة الانسداد.

ولا نريد التفصيل اكثر هنا في هذا الموضوع اذ لا مجال‏للاسهاب فيه وتناوله بالبسط والتفصيل، بقدر ما نريدالتركيز على هذا الامتياز وان التجاذبات التي كانت‏تحصل ترجع في بعدها المنهجي الى عناصر من هذاالنوع.

والفرق بين ما قلناه هنا، وما قدمناه في الامر الاول، اننانريد هنا التركيز على البعد المعرفي، اما هناك فنريدالتركيز على البعد الواقعي للتراث، ما اقتضى التنبيه دفعاللالتباس.

سادسا: بعد نهاية الحرب الاخبارية الاصولية، بدايات‏القرن الثالث عشر الهجري، وتعافي المدرسة الاصولية‏مما اصابها، لم يجد الاصوليون حرجا في توظيف‏المعطيات الاخبارية، فتحولت نتاجات الاخباريين‏الحديثية الى مرجع، ووسائل الشيعة خير شاهد، كماالتقف البحث الاصولي معطيات الاخبارية في اعادة‏التكوين النصي لعلم الاصول فدخلت تلك النصوص‏مجال الدرس الاصولي، وبقوة، ومن دون حرج اواقصاء، من هنا لاحظنا تناميا نصيا بعد الاخبارية الى‏جانب التنامي العقلي الذي تفجر مع الخوانساري(1099ه‏-) في ;ژرس‏ز÷مشارق الشموس;ژرس‏ز÷، وبلغ ذروته مع‏الاصفهاني الكمباني (1361ه‏-) في ;ژرس‏ز÷نهاية الدراية;ژرس‏ز÷،لكن التنامي العقلي كان مركزا على مصادر الاجتهادالفقهي، ومغيبا نسبيا عن مثل علم الكلام، ولهذا خباصوت علم الكلام عقليا، ما ساعد على تنامي الن‏-زعة‏النصية فيه الى بدايات القرن الرابع عشر الهجري.

سابعا: لم يقف الاصوليون كثيرا عند مفهوم البدعة، في‏التاسيس لمصطلحات جديدة او مقولات حديثة، فقدكان نقد الاخباريين عليهم في قصة التقسيم الرباعي وانه‏بدعة غير ذي بال، بل واصلوا طريقهم في انتاج نظم‏جديدة ومقولات جديدة، كما غرقت الابحاث الاصولية‏بمصطلحات جديدة منذ الوحيد البهبهاني (1205ه‏-)وحتى العصر الحاضر، وبهذا برزت الناحية العقلانية في‏التيار الاصولي الرافض لاشكال السلفية الجامدة.

ثامنا: في سياق بحثنا، وجدنا ان اوائل الابحاث النقدية‏المركزة على نظرية يقينية السنة كانت مع الوحيدالبهبهاني (1205ه‏-) في رسالته في الاجتهاد والاخبارالى جانب ما جاء في الفوائد الحائرية، وقد وجدنا ان‏الرجاليين وعلماء الدراية كان لهم اهتمام مميز في هذاالموضوع، الى حد يمكن القول: انهم ضارعواالاصوليين في نتاجهم في هذا البحث ان لم نقل انهم‏فاقوهم، فقد كان رد السيد حسن الصدر (1354ه‏-) في‏نهاية الدراية على المحدث البحراني في الحدائق من‏اوسع الردود على البحراني، الى جانب ردود الكجوري‏الشيرازي في فوائده الرجالية عليه، كما كانت ابحاث‏الملا علي كني في توضيح المقال ردا على نظرية يقينية‏السنة مميزة في الشمولية والتركيز سيما على محاولات‏الحر العاملي، وهكذا وجدنا مداخلات العلامة‏المامقاني في ;ژرس‏ز÷تنقيح المقال;ژرس‏ز÷ موسعة، وفيها شمولية‏واستيعاب الى حد جيد.

نعم، كان نقد الميرزا موسى التبريزي (1340ه‏-) في;ژرس‏ز÷اوثق الوسائل;ژرس‏ز÷ من اوسع النقوض الاصولية على‏النظرية الاخبارية، وبشكل خاص على ما قاله الامين‏الاسترآبادي في ;ژرس‏ز÷الفوائد المدنية;ژرس‏ز÷، وقد استعان الميرزابكلمات الوحيد البهبهاني في تسجيل نقده.

وقد ذكر الشيخ الانصاري ان لديه رسالة خاصة في الردعلى الاخباريين في هذا الموضوع، الا ان الميرزاالتبريزي يصرح في ;ژرس‏ز÷اوثق الوسائل;ژرس‏ز÷ بانه بذل قصارى‏جهده لبلوغ هذه الرسالة فلم يعثر عليها ابدا((456)) .

كما نص الشيخ عبدالنبي الكاظمي (1256ه‏-)، في;ژرس‏ز÷تكملة الرجال;ژرس‏ز÷، على انه صنف رسالة مستقلة في الردعلى يقينية السنة عند الاخباريين وسماها ;ژرس‏ز÷الحق‏الحقيق;ژرس‏ز÷، وهي رسالة يصرح السيد محمد صادق بحرالعلوم، محقق التكملة، بعدم العثورعليها((457)).

وهكذا لاحظنا ان الفاضل محمد حسين الاردكاني كانت‏ل‏-ه مداخلة رئيسية في الموضوع في كتابه ;ژرس‏ز÷غاية‏المسؤول في علم الاصول;ژرس‏ز÷، وهو عبارة عن تقرير درسه‏الذي كتبه السيد محمد حسين الشهرستاني (1315ه‏-)،الى ان بلغت الحال مع السيد الخوئي (1413ه‏-) الذي‏كانت مداخلته في الجزء الاول من معجمه ملخصة‏وموجزة، سرعان ما سجل نقدا عليها الرجالي المعاصرمسلم الداوري، وذلك في كتابه ;ژرس‏ز÷اصول علم الرجال بين‏النظرية والتطبيق;ژرس‏ز÷، ليكون للشيخ المعاصر محمد سنداسهام غير قليل في المسالة في كتاب ;ژرس‏ز÷بحوث في مباني‏علم الرجال;ژرس‏ز÷، ولينتقدها نقدا شديدا وموسعا الباحث‏المعاصر السيد علي ابو الحسن في كتابه ;ژرس‏ز÷الانتصارلصحة الكافي للنائيني;ژرس‏ز÷.

لكن كلمات الاصوليين غدت منذ حوالى القرن تتجه‏نحو اعتبار الموضوع اشبه بالبديهة الواضحة، ولهذا لم‏نجد ل‏-ه حضورا منذ مدة طويلة في مباحث خبرالواحد من علم اصول الفقه، بل لاحظنا انهم باتوا يمرون‏به مرورا سريعا، فلتراجع مجمل المصنفات الاصولية‏منذ حوالى القرن، فان غالبها على هذه الشاكلة، نعم‏للدراسات الرجالية اسهام لا يزال ذا حضور اكبر يلحظه‏القارئ في المباحث التقعيدية في علم الرجال.

هذه صورة موجزة ومكثفة عن المشهد في الناحية‏الاصولية والرجالية وعلم الدراية، احببنا عرضها لياخذالتصور منحاه الكلي وتتشكل رؤية اكثرالتئاما((458)).

الخصوصية والعالمية في الفكر الاسلامي المعاصرلطه العلواني لا حوار يقوم على الغلبة! ا. محمود حيدر بين الاسلام والزمن المتحول شهدت العقود القليلة المنصرمة وثبة معرفية لافتة في‏ميادين الفكر الاسلامي المعاصر. ولم تقتصر العلاقات‏المميزة لهذه ;ژرس‏ز÷الوثبة;ژرس‏ز÷ على ما عرف تقليديا بالتجديدالذي اطلقه رواد النهضة في بدايات القرن العشرين. بل،اضافت الى محاولات التجديد حقولا اخرى فرضتهاطبيعة التعاط‏ي، ومنجزات المراحل المتاخرة من‏الحداثة.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية