ورقة مفتاحية حول حقوق الانسان في الاسلام
ولسنا هنا بصدد طرح رؤية حول موضوعة الحقوق في التصور
الاسلامي، بقدر ما نريد تسجيل نقاط، نعتقد انها دالةوضرورية،
لتطوير الدرس الحقوقي في الثقافة الاسلامية المعاصرة.
1 - اول اشكالية تورط فيها الخطاب الاسلامي الحديث منذ
القرن التاسع عشر الميلادي، كانت اشكالية الخطاب
الحقوقيالايديولوجي التعبوي العام، فكثيرا ما نجد في
خطابات الاسلاميين تبجيلا لحقوق الانسان في الاسلام،
وكلمات من نوع:الاسلام حفظ للمراة تمام حقوقها، ووضع
قوانين شاملة ودقيقة ورائعة لكل حركة من حركات الانسان،
وحفظ حقوقالشعوب، و... وهي كلمات لم تعد - بصيغتها هذه -
نافعة في توجيه خطاب علمي اسلامي دقيق، يضع النقاط
علىالحروف.
ان مقولة: الاسلام هو الحل، لم تعد تنفع باطلاقيتها
وعموميتها، سيما بعد فشل تجارب اسلامية عديدة في العالم
الاسلامي،لهذا صار المطلوب من المفكر الاسلامي ان يتعامل
بواقعية اكبر، ولغة رقمية ادق، بعيدا عن التهويمات،
والاطلاقيات،وثقافة التضبيب.
ان الحديث - بلغة الاطلاقية - عن ان الاسلام حفظ حقوق
الانسان، بات يواجه اليوم اشكالية المفردات، ان المثقف
المسلماو الشاب المتطلع لم تعد تكفيه الجمل الاطلاقية هذه،
انه يقول لك: اى حقوق وانتم تقتلون المرتد لمجرد فكره؟!
واين هيحقوق المراة العظيمة في الاسلام ولزوجها الجاهل ان
يطلقها ساعة يشاء ويدمر حياتها واسرتها لرغبة جامحة آنية له
فيامراة اخرى؟! واين هي حقوق الشعب وانتم لا تقبلون براي
الشعب ميزانا في الحكم وفق بعض النظريات؟!... ان
هذهالاسئلة جادة، لم يعد خطاب الايديولوجيات والتعبوية
كافيا لجوابها، او حتى قادرا على الوقوف بوجهها.
2 - من هنا يجب التفكير في وضع صيغة عقلانية انضج لتكوين
خطاب ثقافي موزون، لكن لا يفترض بهذه الحركة نحواعادة
التفكير ان تقع تحت تاثير الهزيمة النفسية ازاء الغرب، كيلا يقع
المثقف والمفكر الاسلامي في استلاب فكري، يخرعلى اثره
مغشيا عليه، اننا لا نريد ان ننتج النظام الحقوقي الاسلامي في
المصانع الغربية، فلكل امة تراثها وثقافتها، انما نريدان نعيد
انتاج نظامنا الحقوقي مستفيدين من التجربة الانسانية عموما،
بما في ذلك التجربة الغربية نفسها، وهذا شي مختلفتماما عن
التبعية والذوبان والاستلاب، ولا يصح - بدعوى الخصوصية - ان
نعيش القطيعة مع العالم، بل المفترض اننوازن بين ما ينتمي
للخصوصية وما ينتمي للحاصل المشترك الانساني العام.
من هنا، نلاحظ على بعض التجارب الثقافية الاسلامية انها
خلطت بين هذين المفهومين، فذهب فريق الى الارتماء
فياحضان الغرب او السقوط النفسي والفكري ازاءه، حتى
سمعنا اصواتا تطالب بالتخلي - جملة وتفصيلا - عن
القانونالاسلامي، ورفع اليد نهائيا عن الفقه واحكامه، والحديث
عن نفي اى نوع من انواع النظام الحقوقي في الاسلام،
مطالبينبتبني الاعلان العالمي للحقوق دون مناقشة،
والانخراط في المواثيق الدولية دون مساءلة احد او نقده، وكان
هذه المواثيقنص سماوي منزل! وكان من كتبها استشار
الانسانية باديانها واطيافها وحضاراتها وقواها الحقوقية
والثقافية! وكان من كتبهذا القانون كان خارج الاطار
التاريخي الذي شهدته اوروبا خصوصا بعد الحربين
العالميتين!...
ان الغرب الحقوقي والانسانوي، قد تقدم تقدما مذهلا في
مشروعه الحقوقي بعد الحرب العالمية الثانية، على
صعيدهالداخلي، الا ان ازمة تعامله مع خارج حدوده الجغرافية
ما تزال قائمة، وهذه اشكالية حقيقية في الثقافة الغربية، لماذا
لمتشمل الرؤية الحقوقية الانسانية عند الغرب ما وراء جغرافيا
اوروبا واميركا؟ ولماذا لم تقو اصوات مناصري الانسانياتلوضع
حد للاستبداد الغربي؟
كما ذهب فريق آخر لدعوى القطيعة التامة مع النتاج الغربي
الحقوقي، بوصفه تقنينا بشريا يفتقد صفة الالهية،
ومنثمالشرعية، وكان العقلاء لا دور لهم في التقنين على
بعض الصعد حتى في نظم القانون الديني! وكان الغرب كل ه
استعمار،ونهب، وسلب، وقتل، وفتنة، ولا يوجد فيه اهل رحمة،
ولا عاقلون، ولا ..! وكان الغرب ليس تطورا في
الاقتصاد،والسياسة، والامن، والتكنولوجيا، والعلم و...!
هذان الاتجاهان مخطئان بنظرنا، يجب ان نكون اكثر توازنا في
الاستفادة من التراث والجديد معا.
3 - لكن السؤال الاساسي يكمن - عندما نخوض غمار الحياة
المعاصرة - في ما هي الالية لتكوين نظرية حقوقية فيالاسلام؟
فهناك اتجاهان اساسيان في الثقافة الاسلامية المعاصرة،
يختلفان عن بعضهما في منهج اكتشاف النظرية
الحقوقية،وفي مكونات النظرية ايضا.
المنهج الاول: ويحاول ان يستخدم منهج الصعود من الاسفل
الى الاعلى، من المفردات الفقهية والقانونية الاسلامية
الصغيرةالمتناثرة الى تكوين فقه النظرية، بعد تكميل الصورة
الفسيفسائية للمنظومة القانونية، وهو المنهج الذي نظر له
وكان منرادته الشهيد محمد باقر الصدر، نرصد الاحكام
الفقهية الصغيرة، وهي التي تكون لنا - على ضوئها - النظرية
العامةالحقوقية.
والاولوية في هذا المنهج تكون دائما لصالح المفردات،
والفتاوى، النابعة من ممارسة الاجتهاد الفقهي المدرسي، فيما
يشادالصرح العلوي على هذه المفردات، ويتبع اوضاعها،
ويتناسب معها.
المنهج الثاني: وهو المنهج الذي يعكس الصورة، فينطلق من
الاعلى ليصل الى الاسفل، وقد كان من رادته العلامة المغفور
لهالشيخ محمد مهدي شمس الدين، وقد اعتقد هذا الاتجاه بان
المطلوب اولا غض الطرف - للخروج بنظرية حقوقيةمتكايفة
ونفسها - عن المفردات، ونتائج الاجتهاد المدرسي، مركزين
النظر على القواعد العامة في التشريع، لا المفرداتالمتفرقة،
ومعنى ذلك ان تغدو هذه القواعد العامة حاكمة على
المفردات، تكيفها تبعا لها، لا العكس، اي ان مبدا وجوبالعدل
المستفاد من الايات والروايات مثلا يكون حاكما على بعض
حالات الطلاق التي يراها العقلاء ظلما، او يكون مبداالاخوة
الاسلامية متقدما على بعض الحالات التي قد يراها الفقيه
متنافية وهذا المبدا، كجواز غيبة المخالف ولعنه ونحوذلك..
واعتقد ان تحديد الخيار بين هذين7 المنهجين له دوره الكبير
جدا في حسم الموقف ازاء قضايا اشكالية اليوم، ونحنلا نبت
هنا، لاحتياجه الى مجال اوسع.
4 - والاشكالية التي اثرناها في النقطة السالفة حول المنهج
وضرورة اختياره عن دراسة علمية مثبتة ومستدلة، لا تقلعنها
-في الاهمية والخطورة - اشكالية اخرى، نعتقد انها اهم اشكالية
اليوم او من اهمها، فهناك سؤال كبير يقف يقول: هليوجد في
الفكر الاسلامي والموروث الديني شي اسمه الحقوق؟! هل
مقولة الحق دينية ام انها صنيعة التطور الحداثيالغربي؟!
ويقوم هذا التساؤل على التمييز بين الاتجاه الحقوقي في
الثقافة، والاتجاه التكليفي فيها القائم على مبدا الطاعة، ومن
ثمينظر الى النص القرآني بوصفه خطابا من الاعلى، يستبطن
تكليفا واطاعة لا حقا ومناصرة، وحتى تلك الخطابات
الدينيةالقابعة في الكتاب والسنة والتي تشتمل حقا من
الحقوق، لا تحوي خطابا حقوقيا بقدر ما تحوي خطابا الزاميا،
فبدل انتقول الشريعة: للمراة مثلا حق كذا وكذا، توجه
الخطاب الى الرجل وتقول له: يجب عليك فعل كذا مع المراة،
اي ان الطافحعلى السطح على مستوى الخطاب لغة التكليف
والطاعة لا لغة الحق والحقوق.
وهذه القضية اساسية جدا، لانها قد تنسف - لو ثبتت - كل جهود
الاسلاميين لبناء نظام حقوقي اسلامي، ولهذا لابد مندراستها
انطلاقا من عناصر متواشجة وكثيرة، ليس آخرها رصد مسالة
طبيعة اللغة الدينية، ومكوناتها الخاصة، وخصوصيةالمتكلم
الحكيم سبحانه وتعالى وامثال ذلك، كما ليس آخرها ايضا رصد
تجارب الانسانيين المسلمين عبر الموروثالاسلامي، ومتابعة
موضوع الانسنة في الثقافة الاسلامية، متابعة علمية محايدة،
كتجربة المفكر الجزائري محمد اركون فيكتابيه نزعة
الانسنة، ومعارك من اجل الانسنة، وتجربة المفكر المغربي
محمد عابد الجابري في نقد العقل العربي (قسمالاخلاق)،
بقطع النظر عن موقفنا من المحاولتين المذكورتين.
5 - وفي هذا السياق تاتي مسالة اعادة ترتيب النصوص الدينية،
ولدينا هنا ملاحظة نقدية تتمثل في استبعاد الفقهاءنصوصا
كثيرة عن الساحة الحقوقية والقانونية، لمجرد ما يسمونه:
اللسان الاخلاقي في النص، ان هذه المقولة تؤدي الىتغييب
نصوص يحتاجها الدرس الحقوقي الديني، فعلى سبيل المثال،
رسالة الحقوق للامام السجاد (ع)، وهي الرسالة التينفتخر بها
في تراثنا الامامي، ان هذه الرسالة سوف تفقد قيمتها الحقوقية
في البعد القانوني حينما تتحول برمتها الى نصاخلاقي لا
يحمل معطى جاد في التقنين، وهذا ما ينسف دورها الرئيس
على صعيد الحقوق الاسلامية.
ان هذا موضوع اساسي نحن مطالبون باعادة قراءته، اي ان
بامكان التخلي الجزئي عن هذه المقولة ان يؤمن لنا حجمااكبر
من النصوص القانونية الحقوقية التي تساعد الباحث على
تكوين نظرية في الحقوق الاسلامية، بدل خطاب
اخلاقيتعبوي عام.
6 - وتبقى نقطة ضرورية نختم بالاشارة اليها، وهي معيار
التقنين في الاسلام واختلافه عما هو الموجود في
المدارسالاخرى، وذلك من جهتين:
الجهة الاولى: ان العلوم الانسانية التي نمت في الغرب، ولدت
داخل انساق علمانية، لا تاخذ في انتاجها للمفاهيم، ولارصدها
للظواهر، مسالة الغيب وما يؤمن به العقل الديني، ولهذا كانت
الدراسات الظاهراتية الغربية مختلفة عن اي درسنفسي او
اجتماعي داخل التصور الاسلامي، وهذه نقطة اساسية يجب
فهمها بدقة، دون التورط في مفهوم سلبي لاسلمةالعلوم، لان
التفريط او الافراط فيها يؤدي الى خسائر.
اذن، فالانسانيات التي تشاد عليها الحقوق في الغرب، يفترض
ان تدرس وفق السياق الديني ايضا، لتكوين حقوق دينيةقائمة
على انسانيات متولدة من داخل المناخ الديني نفسه.
الجهة الثانية: يذهب بعض الباحثين الكبار في القرن العشرين
الى ان القانون الحقوقي الاسلامي يقوم على مبدا العدالةالعامة،
ومعنى ذلك ان المعيار في نظام الحقوق ليس راحة الانسان
ودعته ورفاهيته دوما، فكل قانون يعزز هذه المسائليغدو
حقوقيا ممدوحا، انما المعيار هو العدالة العامة، وهي قد
تستدعي الشدة، والانقاص من بعض الحقوق لصالح
الاجتماعالعام، الذي يعود على الفرد نفسه بالخير والمصلحة،
فللمجتمع حق على المجرم ان يعاقب، وللمجتمع حق على
المراة انتسمح بتعدد الزيجات، وهذا موضوع اساسي وهام
يجب درسه، لتقويم المعايير المنهجية.
(يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا
وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند اللّه اتقاكم) [الحجرات: 13].
حيدر حب اللّه
ولاية المراة في الاسلام
الدكتور عبدالهادي الفضلي
من خلال قراءاتي - وهي غير كثيرة - لما كتب في الفقه عن
وحول اشغال المراة لبعض المناصب او الوظائف في
الدولةالاسلامية، رايتها تركز على اساس واحد، وتنطلق منه في
الانتهاء الى النتيجة واصدار الفتوى، ذلك الاساس هو ان
هذاالمنصب المعين الذي يراد اسناده للمراة يعطيها الولاية،
وليس لها هنا حق الولاية.
وتتحرك الكتابات - وفيها البحوث - حول الموضوع المشار اليه،
وكان الولاية مصطلع فقهي ذو معنى واحد محددومعين، في
الوقت ان الامر ليس كذلك، وذلك اننا عندما نرجع الى
المعجم اللغوي العربي والمعجم الفقهي الاسلامي، بغيةالوقوف
على ما يسعفنا في هذا المجال، لا نجد ما يمكننا الاستفادة منه
كمحور للبحث، ومنطلق لابداء الراي.
ويعود هذا الى ان الولاية ليست مصطلحا فقهيا، وغير ذات
معنى واحد في عالم الاستعمالات الفقهية.
ومن هنا ليس امام الباحث الا محاولة تتبع واستقراء
الاستعمالات الفقهية لكلمة الولاية من تلكم الاستعمالات
المشاراليها.
والذي انتهيت اليه - في هذه العجالة - هو التالي:
1 - يمكننا ان نسمي الولاية في الفقه الاسلامي (الولاية
الشرعية) في مقابلة (الولاية القانونية) المصطلح المعروف
فيادبيات القوانين الوضعية.
2 - يمكننا ان نلخص المفاهيم الفقهية لمصطلح الولاية
الشرعية بالمعاني التالية:
-حق التسلط.
-حق التصرف.
-حق القيام بتدبير شؤون الاخر.
-واجب المسؤولية.
3 - يمكننا ان نقسم الولاية الشرعية - ومن واقع استخداماتها
الفقهية - الى القسمين التاليين:
ا - الولاية المنصوصة:
واعني بها الولاية التي تستفاد نص شرعي - آية او رواية - مثل:
-مسؤولية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر المستفادة من
الاية الكريمة:
(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض يامرون بالمعروف
وينهون عن المنكر ((1)).
-مسؤولية الرعاية المستفادة من الحديث الشريف: (كلكم راع
وكلكم مسؤول عن رعيته).
-حق تسلط الانسان على ماله المستفاد من الرواية: (الناس
مسلطون على اموالهم).
ب - الولاية غير المنصوصة:
ويراد بها تلكم الولايات التي لم تستفد من نص شرعي، وانما
استفيدت من الاجماعات او من المبادئ العقلية، كسيرةالناس
او ما يعبر عنه ب (سيرة العقلاء) او (بناء العقلاء)، مثل: ولاية
الاب والجد على عقد نكاح الصغير والصغيرة، فانها ممادرجت
عليه سيرة الناس، وليس للشريعة الاسلامية فيها الا دور
اقرارها.
ومنه نفهم ان الولاية الشرعية اذا حاول الباحث دراستها داخل
اطار التشريع الاسلامي، بعيدا عن معطيات العرفانوالتصوف
وحتى الفلسفة، وانما يدرسها في هدي معطيات المبادئ
الاسلامية الاساسية، وتحت ظلال مقاصد الشريعة.
واعني بذلك ان المشرع الاسلامي يراعي في وضعه للاحكام
جلب المصلحة للانسان المسلم ودرء المفسدة عنه.
ومن خلال الاستقراء للاحكام الشرعية في شتى مجالاتها،
وعلى مختلف انماطها، وجدنا ان المشرع الاسلامي لكييحقق
هدفه المشار اليه، يراعي في تشريعه لاحكامه ان توجد التوازن
بين كل القوى لدى الانسان في الجانب
البايولوجيوالفسيولوجي والعقلي والروحي والنفسي والبدني.
والفروق في التشريع بين الرجل والمراة والكبير والصغير تنشا
عن مراعاة هذا التوازن، وهو امر طبيعي، كما ان احكامالتشريع
الاسلامي في تنظيم العلاقات بين الفرد والفرد، والفرد
والاسرة، والفرد والمجتمع، وبين المجتمعات بعضها
معالبعض، يراعى ان تاتي متوازنة بما يحقق المصلحة ويدرا
المفسدة، ويوصل الى تحقيق مقاصد الشريعة.
وفي اسناد الوظيفة واناطة المسؤولية يشترط التشريع
الاسلامي التوفر على عنصرين، هما:
-الكفاءة.
-الامانة.
وفي ضوء ما تقدم لا توجد ولاية بمعنى التسلط، لان الموظف او
المسؤول في اعلى مسؤولية واقل وظيفة دوره هو انيقوم
بتنفيذ وتطبيق التشريع، ولا يسمح له بتجاوز حدود
المسؤولية المناطة به.
وقياس المنصب في الدولة الاسلامية على مجتمعات الاسياد
والعبيد قياس مع الفارق، لان السيادة في الاسلام
للتشريعوالطاعة من المسلم للّه تعالى بامتثاله للتشريع.
وبعد هذا، اعود فاقول: متى درس الباحث الولاية الشرعية
داخل هذا الاطار، فانه سوف يرى انها تتنوع للتالي:
-اعطاء حق.
-فرض واجب.
-اناطة مسؤولية.
ومتى نظرنا الى الولاية - كما ينظرها الاخرون - نوعا من التسلط،
فانه من الطبيعي ان يكون لصاحب الحق المجال فيممارسة
حقه، وهو شي من السلطة، وان يكون لمن يقوم بواجب ما
المجال لاداء الواجب، وهو - ايضا - شي من السلطة،وان يكون
لصاحب المسؤولية المجال للقيام بمسؤوليته، وهو شي من
التسلط ايضا.
وبهذا ندرك ان الولاية بمعنى السلطة او السلطنة او التسلط،
ملازمة لكل من هذه المذكورات. ومتى فهمت الولايةبالشكل
المذكور - في اعلاه - تكون للمراة كما تكون للرجل عند ممارسة
حق او اداء واجب او قيام بمسؤولية، من غيرفرق بينهما.
والتشريع - دينيا كان او مدنيا - هو الذي يمنح الحق، ويفرض
الواجب، وينيط المسؤولية. فالدين عندنا، والقانون عندغيرنا،
هو الذي له حق هذا التشريع. وهنا لا بد من وقفة مع (الاصل)
الذي وضعه الفقهاء، واعتمدوه اساسا يرجعون اليه فيمقام
الشك، ويفتون حسب ما ينهي اليه.
واريد به ما يسمونه ب (اصالة العدم)، وهو - كما ذكر السيد
هاشم معروف الحسني في كتابه (الولاية والشفعة) ((2)) -نظريا
وتطبيقيا: (الاصل عدم الولاية بجميع معانيها لاحد عن احد،
لانها سلطة حادثة، والاصل عدمها، ولانها تقتضياحكاما
توقيفية، والاصل عدمها ايضا.
والقدر المتيقن منها هو ولاية النبي(ص) والائمة (ع) لما دل
من العقل والنقل على ان لهما الولاية في التصرف في
نفوسالناس واموالهم من غير توقف على اذن احد من الناس،
على حد تعبير السيد بحر العلوم في بلغته).
ان مثل هذا التاصيل هو مما املاه المنهج الفلسفي الذي اتبعه
اكثر الفقهاء المسلمين في اكثر من مرحلة من مراحل
تاريخالدرس الفقهي.
وهذا الاصل - كما اشرت - وضع ليرجع اليه في مقام الشك في
الامور الحادثة، والولاية وصف حادث، والامور الحادثة- كما تقول
الفلسفة - اذا شك في وجودها ينفى باصالة العدم، اي اننا اخذا
بهذا الاصل عندما نشك في ثبوت الولاية لاحدنحكم بعدم
ثبوتها.
قد كان هذا الاصل اقوى مساعد للفقهاء في نفي ولاية المراة
عن كثير من الامور، ومن ثم منعها من ممارسة كثير
منالاعمال والوظائف.
واول ما يلاحظ على هذا الاصل، هو ان هذا الاصل معدود من
مبادئ المنهج الفلسفي العقلي الذي يقوم على اساس
منالاستنتاج العقلي.
والفقه لانه تشريع تستقى مادته من المصادر النقلية (الكتاب
والسنة)، تكون الطريقة السليمة لدراسة قضاياه، هيالاستقراء لا
الاستنتاج، نتتبع فيه بغية الوصول الى الحكم الخطوات التالية:
1 - مراجعة النصوص الخاصة:
واعني بها تلكم النصوص التي ترتبط بموضوع البحث مباشرة.
2 - وفي حالة عدم العثور على نص خاص يستفاد منه حكم
المسالة، يرجع الى النصوص العامة، وهي ما يصطلح عليهفقهيا
العمومات والاطلاقات التي تشمل بعمومها او اطلاقها موضوع
البحث.
والنصوص الشرعية بفئتيها الخاصة والعامة هي من الكثرة
بحيث تغطي كل ما يحتاجه الفقيه في مجال استنباط
الاحكامالشرعية. وعلى هذا لا نكون بحاجة لمثل هذا الاصل،
ولا تصل النوبة اليه.
ويلاحظ عليه ثانيا: ان الفلسفة تجري مثل هذا الاصل في
مجالات بحثها، وهي الامور التكوينية، ويعنى بالامورالتكوينية
هنا الاشياء الممكنة التي لها قابلية الاتصاف بالوجود والاتصاف
بالعدم، وقد عبروا عنها في هذا السياقبالحوادث.
والولاية - بجميع جزئياتها والتي ذكرت شيئا منها - هي من
التشريعات التي لا مجال لاجراء المبادئ الفلسفية عليها.
3 - والاجماعات اذا كان بمستوى الحجية فانها تثبت الولاية
وتنفيها، وعلى هذا: يؤخذ بها في حالة الاثبات وفي حالةالنفي.
واذا لم تكن بمستوى الحجية لا يؤخذ بها.
4 - لا فرق بين الرجل والمراة في توليهما الاعمال التي فيها
ولاية، الا ما استثني بنص معتبر الاسناد، واضح الدلالة.
هذه هي اهم الخطوات التي على الباحث الفقهي اتباعها.
والان لنتناول - وباختصار غير مخل - اهم الولايات التي اثير
البحث فيها وحولها لنرى مكان المراة فيها، نتناولهاكامثلة
ونماذج فقط.
ولبندا ب(ولاية النبي (ص) من باب التبرك والتيمن، ولاركز
على تبيين المراد من الولاية - هنا - وذكر دليلها،
ونوعيتهاتشريعية ام عقائدية (كلامية).
ان ولاية النبي(ص) - المشار اليها - مستفادة من قوله تعالى:
(النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم((3))، والاية تنص
علىولاية النبي(ص) على النفوس، وبقياس الاولوية (مفهوم
الاولوية) افاد الفقهاء الولاية على الاموال، فقالوا:
للنبي ( الولاية على النفوس والاموال.
والولاية - هنا - تعني التسلط على نفوس المؤمنين واموالهم،
والتصرف بها، من باب تقديم ولاية النبي(ص) على
ولايةالمؤمنين.
وبيان ذلك: ان للانسان السلطة على نفسه وماله سلطة
تشريعية، اي ان له التصرف بنفسه وماله في حدود المسموح
بهشرعا. ولكن لو اقتضى الامر ان تقدم المصلحة العامة على
المصلحة الخاصة، تقدم باولوية ولاية النبي(ص).
وفي تبيان شمولية ولاية النبي(ص) على النفوس والاموال
يقول استاذنا السيد الحكيم في كتابه (نهج الفقاهة):
(مقتضىقوله تعالى): النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم(،
ونحوه مثل قوله ( في رواية ايوب بن عطية: (انا اولى بكل
مؤمن من نفسه)،وقوله (في حديث الغدير): الست اولى بكم
من انفسكم؟ قالوا: بلى، قال: من كنت مولاه فهذا على مولاه)،
ثبوت الولاية
للنبي (ص) والامام (ع) على النفوس. ومقتضى عدم الفصل،
والاولوية، ثبوت الولاية على الاموال ايضا((4)).
والمراد بالنبي في الاية الكريمة نبينا محمد(ص) بقرينة
السياق، وحيث جاء بعد الفقرة المذكورة في الاية نفسها
قولهتعالى: (وازواجه امهاتهم)، ولاتفاق علمائنا من مفسرين
وفقهاء على ذلك).
ولكي نتفهم نوع الولاية - هنا - علينا ان نمهد لذلك ببيان الفرق
بين وظائف او مسؤوليات النبي، والتي تتمثل بالتالي:النبوة.
الرسالة، الامامة.
ا - (النبوة):
اصل كلمة (نبوة): (نبوءة) بالهمزة، وخففت لتسهيل
الاستعمال، فهي من (انبا) بمعنى (اخبر)، لانها - في هذا السياق
-اخبار عن اللّه تعالى، فالنبي سمي نبيا، لانه يخبر عن اللّه تعالى.
ب - (الرسالة):
هي الشريعة الالهية التي يرسل بها النبي متحملا مسؤولية
تبليغها للناس، ولذا سمي رسولا، من الفعل الممات
(رسل)بمعنى ارسل.
ج - (الامامة)
هي رئاسة الدولة وزعامة الامة وحماية الدين.
وللامامة مفهوم آخر، وهو خلافة النبي في كل ما للنبي من
صفات ومسؤوليات عدا النبوة. وهو المفهوم الذي لا
ينطبقعندنا - معاشر الامامية - الا على الائمة الاثني عشر.
وبعد هذا التقسيم لا بد من الاشارة الى ان علماء الكلام
يقسمون الولاية الى قسمين: الولاية التكوينية
والولايةالتشريعية.. ويقولون: ان الولاية التكوينية هي التي
تكون للنبي بصفته نبيا، وللامام بصفته اماما بالمعنى الثاني
للامامة..وبعكسها الولاية التشريعية فانها هي التي تكون للنبي
بصفته اماما بالمعنى الاول للامامة، الذي هو رئاسة الدولة
وزعامةالامة وحماية الدين.
فالولاية قد تكون مسالة كلامية وهي الولاية التكوينية، وقد
تكون مسالة فقهية وهي الولاية التشريعية.
ثم الولاية التشريعية لانها ترتبط بتطبيق النظام الاسلامي في
مادة مهمة من مواده التشريعية، وهي التي تنص علىوجوب
تقديم المصلحة العامة (المصلحة العلياء للدين كمبدا،
والمصلحة العليا للمسلمين كامة) على المصلحة الخاصة،
منباب تقديم الاهم على المهم اذا كان موضوع التزاحم
النفوس او الاموال، وان يتم التقديم بامر الحاكم الاسلامي
العام، لانذلك من صلاحياته الخاصة.
اقول: لانها كذلك لا تكون الا بجعل شرعي لمن يشغل منصب
الامامة (بمعنى رئاسة الدولة وزعامة الامة وحماية الملة)نبيا
كان او اماما معصوما او فقيها عادلا.
وما جاء في حديث الغدير من قول النبي(ص): (الست اولى بكم
من انفسكم؟ قالوا: بلى، قال: من كنت مولاه فهذا علىمولاه)
يدل دلالة واضحة على نصب الامامعلي (ع) اماما (رئيسا
للدولة وزعيما للامة وحاميا للدين)، وجعل الولاية له
علىالنفوس والاموال تلك الولاية التي جعلت للنبي(ص).
والتوقيع الصادر عن الامام المهدي (ع) (واما الحوادث الواقعة
فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم واناحجة اللّه
تعالى)، واضح في دلالته على نصب الفقيه العادل اماما للشيعة،
بمعنى زعامة الطائفة وحفظ المذهب.
ومثله ما جاء في مقبولة ابن حنظلة: (قد جعلته عليكم حاكما)،
يقول الشيخ صاحب الجواهر في تبيان ذلك: (ولظهورقوله (ع)
(فاني قد جعلته عليكم حاكما) في ارادة الولاية العامة نحو
المنصوب الخاص، كذلك الى اهل الاطراف، والذي لااشكال
في ظهور ارادة الولاية العامة في جميع امور المنصوب عليهم
فيه، في قوله (ع) (فانهم حجتي عليكم وانا حجةاللّه)، اشد
ظهورا في ارادة كونه حجة فيما انا فيه حجة اللّه عليكم((5)).
ومما تقدم تبينا الراي الفقهي الامامي في الحاكمية الاسلامية
والحاكم الاسلامي العام، وهو - اعني الراي - يقوم على
المبداالاسلامي العام المتفق عليه بين الفقهاء المسلمين، وهو
ان الحاكمية للّه تعالى.
وعلى اساس من ذلك: لا يخلفه فيها احد في قيادة وادارة
المجتمع البشري الا بجعل منه، وقد تم هذا بالنسبة
لنبينامحمد(ص)، وكذلك لا يخلف النبي محمدا (ص) من
يقوم بالمهمة المذكورة، الابجعل او نصب منه (ص)، عن امر
من اللّهتعالى.
وقد تم هذا لعلى وبقية الائمة المعصومين (ع) عندنا - معاشر
الامامية - وذلك بنصوص عامة وخاصة صدرت منه (ع)،توفرت
على ذكرها الكتب المعنية بذلك، ذكرت منها حديث الغدير
فقط لاجل الاختصار، ولشهرته وتواتره.
وايضا لا يخلف الائمة احد للقيام بهذه المسؤولية الا بجعل
منهم (ع)، وقد تم هذا في حق الفقيه العادل من قبل
الامامالمهدي (ع) بنص التوقيع الشريف الصادر منه.
وهنا حيث انتهينا الى هذا، احاول ان اشير الى الراي الفقهي في
تولي المراة المسلمة لمنصب رئاسة الدولة، ذلك ان
توليالرجل للمنصب المذكور متفق عليه، فهو شي مفروغ منه،
لا يثار البحث فيه.
ان مسالة تولي المراة رئاسة الدولة الاسلامية لم يثر البحث
فيها من قبل فقهائنا المتقدمين والمتاخرين عدا
المعاصرين.وقد يرجع هذا لعدم ابتلاء الشيعة في الدولة
الاسلامية السنية، وكذلك في الدولة الاسلامية الشيعية لعدم
الحاجة لطرحالمسالة للدراسة، لقيام الرجل بذلك.
ولكن الامر اختلف عنه في عصرنا هذا المسمى بالعصر
الحديث.. عصر حقوق الانسان، والمناداة بمساواة المراة
بالرجلفي الحقوق والواجبات.
ومن الرادة الاوائل في اثارة البحث في هذه المسالة الشيخ
حسين علي المنتظري، فقد تناولها بالدراسة في
كتابه(دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الاسلامية)((6)).
والنتيجة التي انتهى اليها من بحثوا المسالة، هي ترجيح كفة
اعتبارالذكورة في رئيس الدولة.
وساحاول - هنا - ان الخص ادلتهم، ثم اسلط الضوء عليها توضيحا
ونقدا، ما تاتى لي ذلك في هدي ما يسلمني اليهمسار البحث.
واهم ما استدلوا به:
اولا - القرآن الكريم:
واستدلوا منه باكثر من آية، واهمها الاية 34 من سورة النساء
(الرجال قوامون على النساء بما فضل اللّه بعضهم علىبعض وبما
انفقوا من اموالهم). وياتي الاستدلال بهذه الاية لاثبات ولاية
الحكم للرجل ونفيها عن المراة، وفق الخطواتالتالية:
1 - ان المرد من القوامية في قوله تعالى (قوامون) السلطة،
والسلطة معنى من معاني الولاية، ففي (مجمع البيان):
(ايقيمون على النساء، مسلطون عليهن في التدبير والتاديب
والرياضة والتعليم) ((7)).
2 - ان سبب قوامية الرجال على النساء، هو تفضيله تعالى للرجال
على النساء، ففي (مجمع البيان) - ايضا - . .. (بمافضل اللّه بعضهم
على بعض) هذا بيان سبب تولية الرجال عليهن، اي انما ولاهم
اللّه امرهن لما لهم من زيادة الفضلعليهنبالعلم والعقل
وحسن الراي والعزم، (وبما انفقوا من اموالهم)، عليهن من
المهر والنفقة، كل ذلك بيان علة تقويمهمعليهن وتوليتهم
امرهن((8)).
3 - ويقرب العلامة السيد الطباطبائي في (الميزان) الاستدلال
بالاية على اثبات ولاية الحكم للرجال ونفيها عن النساءبقوله:
(وعموم هذه العلة (اي الفضل والانفاق) يعطي ان الحكم
المبني عليها اعني قوله: (الرجال قوامون على النساء)
غيرمقصور على الازواج بان تختص القوامية بالرجل على
زوجته، بل الحكم مجعول لقبيل الرجال على قبيل النساء
فيالجهات العامة التي ترتبط بها حياة القبيلين جميعا،
فالجهات العامة الاجتماعية التي ترتبط بفضل الرجال
كتجربتيالحكومة والقضاء - مثلا - اللذين تتوقف عليها حياة
المجتمع، وانما يقومان بالتعقل الذي هو في الرجال بالطبع
ازيد منهفي النساء، وكذا الدفاع الحربي الذي يرتبط بالشدة
وقوة التعقل، كل ذلك مما يقوم به الرجال على النساء.
وعلى هذا، فقوله: (الرجال قوامون على النساء) ذو اطلاق
تام((9)).
وناقش الشيخ المنتظري الاستدلال المذكور بقوله: ولكن
عندي في التمسك بالاية للمقام اشكال، اذ شان النزول
وكذاالسياق شاهدان على كون المراد قيمومة الرجال بالنسبة
الى ازواجهم، اذ لا يمكن الالتزام بان كل رجل بمقتضى
عقلهالذاتي وبمقتضى انفاقه على خصوص زوجه له قيمومة
على جميع النساء حتى الاجنبيات، ولو سلم الشك،
فصرفالاحتمال يكفي في عدم صحة الاستدلال.
فان قلت: عموم العلة - كما مر عن تفسير الميزان - يقتضي ذلك،
فيؤخذ به الا فيما ثبت خلافه.
قلت: اولا: ان العلة الثانية لا عموم لها، اذ انفاق الرجل يختص
بزوجة ولا يرتبط بسائر النساء.
وثانيا: ان الاخذ بالعموم وتخصيص ما ثبت خلافه يوجب
تخصيص الاكثر، اذ لا قيمومة لرجل على سائر النساء الا
فيمورد الولاية او القضاء.
ويمكن المناقشة - ايضا - بالتالي:
1 - كلمة (قوامون) ليست حقيقة شرعية ولا مصطلحا فقهيا.
ومن هنا، لا بد من تحديد المراد منها من خلالالاستعمالات
اللغوية - الاجتماعية.
جاء في (معجم الفاظ القرآن الكريم) - مادة قوم - : (وتدور
المعاني التي تفيدها هذه المادة حول النهوض او انتصابالقامة،
او الاعتدال، بمعانيها المادية او المعنوية.
(قام على اهله او نحوهم: رعاهم وتولى الانفاق عليهم).
(قوام: صيغة مبالغة في (قائم)، يقال: هو قوام على اهله: دائم
القيام بشؤونهم والسهر على مصالحهم. الجمع قوامون).
(قوامون) الرجال قوامون على النساء: (اي يرعونهن ويقومون
بمصالحهن).
ونستفيد من هذا ان القوامية لا تعني القيمومة التي فهم منها
المستدلون التسلط والتصرف، وانما تعني اناطة مسؤوليةرعاية
مصالح النساء وتدبير شؤونهن بالرجال، ومن اظهر مصاديق
تلك الرعاية وذلك التدبير، هو وجوب انفاق الرجل(الزوج) على
زوجته، وهذا يعني ان الانفاق من القوامية، وليس من
القيمومة، وقد يرجع هذا الى ان اكثر المجتمعات -
ومنهاالمجتمعات العربية التي نحاول معرفة معنى القوامية
لديهم - مجتمعات ذكورية، تحمل الرجل مسؤولية رعاية
مصالحالمراة وتدبير شؤونها.
وهم لا يرمون من هذا الى ان تلك الرعاية وذلك التدبير هما
من نوع الولاية السلطوية، وانما هما شان من شؤون
تركيبةالمجتمع.
والاطلاق او العموم في الاية الكريمة المتمثل في كلمتي
(الرجال) و(النساء) لا يمكن الاخذ به والركون اليه مع
وجودقرينة السياق التي اعتبرت الانفاق على الزوجة من اظهر
مصاديق القوامية.
فالمراد من الرجال - هنا - الازواج، ومن النساء الزوجات، فلا نظر
للاية ولا شمولية فيها لكل الرجال مطلقا وكل النساءمطلقا
حتى ندخل رئيس الدولة في عمومها ونحكم له بالقيمومة او
الولاية على المراة.
2 - ان التفضيل المشار اليه في الاية الكريمة لا يعني تفضيل
الرجال خاصة، كما انه لا يعني تفضيل النساء خاصة، وانمايراد به
ان اناطة المسؤوليات وفرض الواجبات يعتمد قاعدة التفضيل
الذي يقوم على اساس من القدرة على النهوضبالمهمة والقيام
بها.
ونخلص من كل ذلك الى ان القوامية غير القيمومة، وان الاية
الكريمة لا اطلاق فيها ولا عموم، وعلى هذا لا يتمالاستدلال
بها ولا يصح.
ثانيا - الحديث الشريف:
ومن اهم ما استدلوا به لنفي ولاية الحكم عن المراة الحديث
المروي في (الوسائل)، عن محمد بن علي بن الحسينالصدوق
في (الخصال)، عن احمد بن الحسن القطان، عن الحسن بن
علي العسكري، عن محمد بن زكريا البصري، عنجعفر بن
محمد بن عمارة، عن ابيه، (عن عمرو بن شمر)، عن جابر بن
يزيد الجعفي، قال: سمعت ابا جعفر محمد بن عليالباقر (ع)
يقول: (ليس على النساء اذان ولا اقامة ولا جمعة ولا جماعة...
ولا تولى المراة القضاء ولا تلي الامارة...((10))).
ويناقش بان سند الرواية المذكور ضعيف بعمرو بن شمر الذي
سقط من اسناد الوسائل، ذلك ان محمد بن عمارة يرويعن
جابر الجعفي، بواسطة عمرو بن شمر، وورد تضعيف عمرو بن
شمر في رجال النجاشي ورجال ابن الغضائري، وقالاستاذنا
الخوئي في (معجم رجال الحديث): (اقول: الرجل لم تثبت
وثاقته، فان توثيق ابن قولويه اياه معارض بتضعيفالنجاشي،
فالرجل مجهول الحال((11))).
ومثله احمد بن الحسن القطان، ومحمد بن زكريا الغلابي
البصري لم ينص عليهما بتوثيق ولا بعدمه.
وعليه، لا يتم الاستدلال بهذا الحديث لضعفه سندا.
ثالثا - اصالة العدم:
ومما استدلوا به لنفي ولاية الحكم عن المراة اصالة العدم، وقد
اوضحت - فيما سبق - فحوى هذا الاصل، وكيفيةاستدلالهم به،
ثم ناقشت في جريان الاصل هنا، واوضحت المنهج السليم
الذي ينبغي ان يتبع هنا.
والنتيجة التي يسلمنا اليها البحث هي:
1 - عدم وجود نص معتبر يعتمد عليه في نفي تولي المراة
الحكم.
2 - ان نفي تولي المراة للافتاء او القضاء يقتضي - كما يقولون - نفي
توليها للحكم بطريق اولى.
ان هذا يتطلب - اذا صح القياس المشار اليه - تحقق نفي تولي
المراة للافتاء والقضاء، ثم القياس، وهو ما لم يتحقق - كماسياتي.
3 - لا اجماع معتبر يركن اليه في نفي تولي المراة للحكم، لان
الكاشف منه غير متحقق، والمدركي ليس بحجة.
4 - والميل الى اشتراط الذكورة في الحاكم آت من انه الامر
الغالب، لان المجتمعات في اغلبها مجتمعات ذكورية،
درجتعلى اسناد منصب رئاسة الدولة للرجل من المنطلق
المشار اليه.
ولنعقب مسالة تولي المراة منصب الحكم بمسالة الافتاء:
تبحث هذه المسالة - عادة - ضمن شروط المفتي، وتحت عنوان
(اشتراط الذكورية) او (اشتراط الرجولية) من موضوعالاجتهاد
والتقليد، الذي كان يبوب قديما في موضوعات علم اصول
الفقه، ثم نقل الى موضوعات علم الفقه، واخال ان هذهالنقلة
تمت من قبل السيد اليزدي في كتابه (العروة الوثقى).
ويقول الشيخ الجيلاني في بحثه القيم (شرطية الذكورة في
المفتي) المنشور في مجلة (فقه اهل البيت): (لم نجد من
عظمائناالماضين حديث التضييق الا من الشهيد الثاني (ره)،
فانه قال في كتاب القضاء من (الروضة) - في شرح عبارة الماتن:
(وفيالغيبة ينفذ قضاء الفقيه الجامع لشرائط الافتاء) - : (وهي
البلوغ والعقل والذكورة) ... نعم، اشتهر هذا الشرط بعدما
انتهتنوبة المرجعية والزعامة الدينية الى الفقيه الاكبر آية اللّه
العظمى السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي - رضوان اللّه
تعالىعليه - فالف رسالته العملية المباركة المسماة ب (العروة
الوثقى)، وصرح فيها باشتراط الذكورة في المفتي، وسهل
الطريقلمن بعده من اعلام الشيعة في انتشار آرائهم في
الفتوى بالتعليق والتحشية والشرح عليها، فتلقى اكثرهم هذا
الاشتراطبالقبول من دون اي غمز فيه، فمنهم السيد السند آية
اللّه العظمى ابو الحسن الاصفهاني، والايات العظام: الحائري
اليزدي،وضياء الدين العراقي، والسيد احمد الخوانساري،
والامام الخميني، والشيخ الاراكي، والسيد الخوئي، والسيد
الكلبايكاني،اعلى اللّه درجاتهم في بحبوحات الجنات) ..((12)).
ان كل من بحث موضوع الاجتهاد والتقليد من الاصوليين او
الفقهاء ممن تناول مسالة اشتراط الذكورة او الرجولية
فيالمفتي، كانت نتيجة بحوثهم اختلافهم في جواز تولي
المراة لوظيفة الافتاء.
وفي جواز تقليدها: ذهب بعضهم الى القول بالجواز، وقال
آخرون بعدم الجواز.
الاول - وممن قال بعدم الجواز السيد الخوئي والسيد
السبزواري، فقد جاء في (التنقيح) - تعليقا على قول السيد
اليزدي في(العروة الوثقى): مسالة 22: (يشترط في المجتهد
امور: البلوغ والعقل والايمان والعدالة والرجولية) - تحت
عنوان(الرجولية) ما نصه: (استدلوا على عدم جواز الرجوع الى
المراة في التقليد، بحسنة ابي خديجة سالم بن مكرم الجمال:
قال:قال ابو عبداللّه جعفر بن محمد ‚الصادق (ع) (اياكم ان
يحاكم بعضكم بعضا الى اهل الجور، ولكن انظروا الى رجل
منكميعلم...) لدلالتها على اعتبار الرجولية في باب القضاء، ومن
المعلوم ان منصب الافتاء لو لم يكن بارقى من القضاء فلا اقلمن
انهما متساويان، اذ القضاء ايضا حكم وان كان شخصياوبين
اثنين او جماعة رفعا للتخاصم، والفتوى حكم كلي يبتليبه
عامة المسلمين، فاذا كانت الرجولية معتبرة في باب القضاء
كانت معتبرة في باب الافتاء بالاولوية.
ويرد على هذا الوجه، ان اخذ عنوان الرجل في موضوع الحكم
بالرجوع ان0
ما هو من جهة التقابل باهل الجور وحكامهم، حيث منع ( عن
التحاكم اليهم، والغالب المتعارف في القضاء هو الرجولية،
ولانستعهد قضاوة النساء ولو في مورد واحد، فاخذ عنوان
الرجولية من باب الغلبة لا من جهة التعبد وحصر القضاوة
بالرجال،فلا دلالة للحسنة على ان الرجولية معتبرة في باب
القضاء فضلا عن الدلالة عليها في الافتاء لو سلمنا ان القضاء
والفتوىمن باب واحد، على انه لم يقم اي دليل على التلازم
بينهما ليعتبر في كل منهما ما اعتبر في الاخر بوجه.
وايضا استدلوا عليه بمقبولة عمر بن حنظلة، حيث ورد فيها:
(ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر فيحلالنا
وحرامنا وعرف احكامنا).
وقد ظهر الجواب عنها بما بيناه في الحسنة المتقدمة، مضافا
الى انها ضعيفة السند، على ان قوله (ع) (من كان) مطلق،
ولااختصاص له بالرجال، اذا لم يقم دليل على ان الرجولية
معتبرة في المقلد، بل مقتضى الاطلاقات والسيرة العقلائية
عدمالفرق بين الاناث والرجال.
هذا، والصحيح ان المقلد يعتبر فيه الرجولية، ولا يسوغ تقليد
المراة بوجه، وذلك لانا قد استفدنا من مذاق الشارع انالوظيفة
المرغوبة من النساء انما هي التحجب والتستر، وتصدى الامور
البيتية، دون التدخل فيما ينافي تلك الامور، ومنالظاهر ان
التصدي للافتاء - بحسب العادة - جعل للنفس في معرض الرجوع
والسؤال، لانهما مقتضى الرئاسة للمسلمين،ولا يرضى الشارع
بجعل المراة نفسها معرضا لذلك ابدا، كيف ولم يرض بامامتها
للرجال في صلاة الجماعة، فما ظنكبكونها قائمة بامورهم
ومديرة لشؤون المجتمع، ومتصدية للزعامة الكبرى
للمسلمين.
وبهذا الامر المرتكز القطعي في اذهان التشرعة، يقيد الاطلاق،
ويردع عن السيرة العقلائية الجارية على رجوع الجاهلالى
العالم مطلقا رجلا كان او امراة((13)).
وقال السيد السبزواري في (مهذب الاحكام) تعليقا على قول
صاحب العروة المتقدم: (لسيرة المتشرعة، وانصراف الادلةعن
المراة، مع ذكر الرجل في بعضها.
ودعوى ان قيام السيرة على الرجوع الى الرجال، انما هو لعدم
وجود امراة مجتهدة جامعة للشرائط من كل جهة، لا انهمع
وجودها لا يرجع اليها، وان الانصراف بدوي لا اعتبار به كما
ثبت في محله، وان ذكر الرجل انما هو من باب المثال
لاالتخصيص كما هو الاغلب.
مردوده بان المستفاد من السيرة قيامها على اعتبار الرجولية
حتى مع وجود امراة مجتهدة، كما هو المشاهد بينالمتشرعة
في عدم رجوعهم، الى النساء مع وجود الرجال في احكام الدين،
والانصراف محاوري معتبر، ونعلم ان ذكرالرجل من باب
التخصيص لا المثال، مع انه وردت اطلاقات من الروايات على
عدم الاعتماد عليهن، ويشهد له ما ورد منانه: (ليس على
النساء جمعة ولا جماعة - الى ان قال ( - ولا تولى القضاء ولا
تستشار) ((14)).
وممن لم يذهب الى القول باشتراط الرجولة في المفتي: السيد
الحكيم والسيد رضا الصدر والسيد تقي الطباطبائي القمي.
ففي (المستمسك): (واما اعتبار الرجولة: فهو ايضا كسابقه عند
العقلاء [يعني ان اشتراطها غير ظاهر عند العقلاء
كالعدالةوالايمان]، وليس عليه دليل ظاهر غير دعوى انصراف
اطلاقات الادلة الى الرجل، واختصاص بعضها به، لكن لو
سلمفليس بحيث يصلح رادعا عن بناء العقلاء، وكانه لذلك افتى
بعض المحققين بجواز تقليد الانثى والخنثى((15)).
ويقول السيد رضا الصدر في كتابه (الاجتهاد والتقليد)، وهو
في معرض تعداد شروط المفتي تحت عنوان (الرجولة):(قيل:
باشتراط الرجولة في المفتي، لكن الاطلاقات وسيرة العقلاء
حاكمتان بعدم اشتراطها فيه، وليس هناك ما يصلح
لتقييدالاطلاقات، وللردع عن السيرة، (و) اما قوله (ع)
(فانظروا الى رجل منكم) فلا يصلح للتقييد، ولا الردع، لما
عرفت فيالبحث عن اشتراط البلوغ (ويعني به قوله: لاحتمال
كون التعبير بالرجل من باب المثال او لكونه واردا مورد
الغالب)، ولعلهلذلك قال بعض المحققين بجواز تقليد الانثى
والخنثى.
ويشهد لعدم اشتراط الرجولة في المفتي صحيحة عبدالرحمن
بن الحجاج عن ابي عبداللّه ( في حديث، قال: قلت له: انمعنا
صبيا مولودا فكيف نصنع به؟ فقال: مر امه تلقى حميدة
فتسالها كيف تصنع بصبيانها، فاتتها فسالتها كيف
تصنع؟فقالت: اذا كان يوم التروية فاحرموا عنه، وجردوه
وغسلوه كما يجرد المحرم، وقفوا به المواقف، فاذا كان يوم
النحر فارمواعنه واحلقوا راسه، ثم زوروا به البيت، ومري
الجارية ان تطوف به بالبيت، وبين الصفا والمروة.
فان الظاهر منها الارجاع الى حميدة لاخذ الحكم لا لاخذ
الحديث، كما انها لم ترو حديثا لزوجة ابن الحجاج، بلاخبرتها
بالحكم، وبما يجب ان تصنعه في حج ولدها، والاخبار بالحكم
عن مثلها ليس الا الافتاء.
ويشهد لعدم اعتبار الرجولة في المفتي اتفاق اهل السنة على
جواز تقليد المراة، فانهم يعدون عائشة ام المؤمنين
منالمفتين.
وهذا الاتفاق كان بمراى من الائمة الطاهرين جميعا، ولم يصدر
عنهم تخطئة له، ولو صدر لوصل، وذلك يكشف عنامضائهم
له((16)).
وقال السيد تقي الطباطبائي القمي في كتابه (مباني منهاج
الصالحين) تعليقا على قول استاذه السيد الخوئي في
تعدادهلشروط المفتي: (... والذكورة): (ما يمكن ان يذكر في
هذا المقام امور:
الاول: الاجماع، واشكاله ظاهر.
الثاني: ما رواه ابو خديجة، بتقريب ان عنوان (الرجل) لا يصدق
على غير المذكر.
وفيه: ان الرواية واردة في القضاء، ومقامنا البحث عن الفتوى.
الثالث: ما رواه ابن حنظلة، وفيه: ان الرواية ضعيفة سندا
ب(عمر)، مضافا الى انها واردة في حكم القضاء فلا
يرتبطبالمقام.
وفي المقام: روي مرسلا، (عن عامر بن عبداللّه بن جذاعة، قال:
قلت لابي عبداللّه (ع) امراتي تقول بقول زرارة ومحمدبن
مسلم في الاستطاعة، وترى رايهما، فقال: ما للنساء وللراي)،
وهذه الرواية ساقطة سندا، فان عامرا لم يوثق.
الوجه الثالث: ما افاده سيدنا الاستاذ، وملخصه: انه فهم من
مذاق الشرع ان اللازم على المراة الاستتار، ولم يرض
الشارعبتصدي المراة للامور العامة وادراتها، وهذا رادع عن
السيرة الجارية على رجوع الجاهل الى العالم.
وهذا الوجه لا يرجع الى محصل، وانه اخص من المدعى، فان
جواز تقليد المراة لا يستلزم تصديها للامور العامة، وبينالمقام
وبينه بون بعيد، اذ يمكن ان تكون امراة مجتهدة متسترة في
كمال التستر، والجاهل يعمل برائها لا سيما اذا كانالمراجع
امراة مثلها، كما يجوز امامتها للنساء((17)).
والان - وبعد نقلنا لهذه النصوص الفقهية بكاملها - لنحاول ان
نستخلص ونلخص، ثم نحاول القاء الضوء عليهانقداواختيارا .
ان خلاصة ما استدل به المانعون من تولي المراة منصب
المرجعية وتصديها للافتاء، هو:
-الاجماع.
ورد بان الكاشف منه غير موجود، والمدركي ليس بحجة.
-مشهورة ابي خديجة.
|