الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

وموضع الاستدلال فيها، هو قول الامام (ع) (ولكن انظروا الى رجل منكم..) بدعوى ان كلمة (رجل) في المشهورة لم‏ترد بعنوان المثال، وانما بعنوان التخصيص، فتقيد الاطلاقات الواردة في المقام.

ورد هذا الاستدلال بان كلمة (رجل) - هنا - استعملت مثالا، لان الغالب في المفتين ان يكونوا من الرجال، وبان‏المشهورة جاءت في موضوع القضاء، فلا نظر فيها الى مقام الافتاء، ولا تشمله الا بقياس الاولوية، وهو غير تام هنا.

-مقبولة عمر بن حنظلة.

وموضع الاستدلال فيها هو قول الامام (ع) (ينظران الى من كان منكم ممن قد روى حديثنا...)، بتقريب ان الظاهر منهاارادة الرجل.

ورد الاستدلال بهذه المقبولة، بضعف سندها ب(عمر بن حنظلة)، واشكل على الاستدلال بها بما اشكل به على مشهورة‏ابي خديجة.

-مرسلة عامر بن عبداللّه بن جذاعة.

ورد الاستدلال بها بضعف سندها ب (عامر)، فانه لم يوثق.

-الاستدلال بارتكاز المتشرعة.

وخلاصته: ان المستفاد من مذاق الشارع المقدس: ان الوظيفة المرغوب فيها من النساء انما هي التحجب والتستروالتصدي للامور البيتية، دون التدخل فيما ينافي تلك الامور.

وان هذا المستفاد هو المرتكز في اذهان المشترعة، فيقيد به الاطلاق، ويردع عن السيرة العقلائية الجارية على رجوع‏الجاهل الى العالم مطلقا رجلا كان او امراة.

ويناقش بان الارتكاز يختلف باختلاف الازمنة والامكنة، فمثلا تغطية المراة وجهها يعد في بعض المجتمعات المسلمة‏من الحجاب، بينما لا يعد من الحجاب في مجتمعات مسلمة اخرى، وكذلك عمل المراة قد يعد في مجتمع مسلم جائزا،وفي مجتمع مسلم آخر غير جائز.

على ان (حجية مثل هذا الارتكاز لا تتم الا اذا علمنا بوجوده في زمن المعصومين واقرارهم لاصحابه عليه، ومثل هذاالعلم يندر حصوله جدا.) وتكوين الارتكاز في نفوس الراي العام لا يحتاج من وجهة نفسية الى اكثر من امرار فتوى ما في جيلين او ثلاثة على‏الحرمة مثلا ليصبح ارتكازا في نفوس العاملين عليها((18)).

وما ذكر من عدم انكار المعصومين على افتاء بعض الصحابيات امثال عائشة، وكذلك ارجاع الامام الصادق (ع) الى حميدة،وافتاؤها في مسائل الحج، ينافي الارتكاز المذكور، ويبطله.

الثاني - واستدل القائلون بالجواز:

1 - بسيرة المسلمين بوجود مفتيات في عهود المعصومين، وكن يستفتين ويفتين، ولم ينكر الائمة المعصومون ذلك.

2 - ويفاد من صحيحة ابن الحجاج اقرار هذه السيرة من قبل الائمة (ع)، حيث امر الامام الصادق(ع)، بالرجوع الى حميدة.

3 - واستدلوا ايضا بسيرة العقلاء وبالاطلاقات التي لم يفرق فيها - في مقامنا هذا - بين الرجل والمراة.

وهي - في واقعها - ادلة ناهضة بالاثبات.

وعليه، نقول: متى توافرت الشروط المطلوب توافرها في المراة لتكون مفتية، جاز لها الافتاء وجاز لغيرها تقليدها.

وفي تولي المراة منصب القضاء في الدولة الاسلامية:

 قال السيد الخوئي في (مباني تكملة المنهاج) تعليقا على شرط الذكورة في القاضي): بلا خلاف ولا اشكال، وتشهدعلى ذلك صحيحة الجمال المتقدمة (يعني مشهورة ابي خديجة)، ويؤيدها ما رواه الصدوق باسناده، عن حماد بن عمرووانس بن محمد، عن ابيه، عن جعفر بن محمد، عن آبائه ( في وصية النبي(ص) لعلى)، قال: (يا علي ليس على المراة‏جمعه ولا جماعة - الى ان قال - : ولا تولى القضاء...) الحديث((19)).

وقال السيد الاردبيلي في (فقه القضاء): قال المحقق الحلي (قدس‏سره) (ولا ينعقد القضاء للمراة، وان استكملت‏الشرائط)، وعلل الشيخ محمد حسن (قدس‏سره) هذا الراي بوجود النص، ويمكن ان نذكر ادلة البحث بالترتيب التالي:

ا - الكتاب:

قال تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل اللّه بعضهم على بعض)((20)).

بيان الاستدلال: ان للرجال قيمومة على النساء، ولازم القيمومة السلطة والحكومة. ولما كان القضاء نوعا من الولاية‏والحكومة، فلو تقرر ان تتولى المراة القضاء، لكان لها بمقتضى ذلك الولاية والحكومة على الرجال، وهذا خلاف المطلوب‏من الاية الكريمة المذكورة.

ولكن قليلا من التدبر في الاية وذيلها يظهران بوضوح ان هذه الاية انما نزلت بمناسبة تقنين نظام العائلة، ومسؤولية كل‏من الرجل والمراة فيها، وعلى اساس ان القيمومة هي بيد الرجل لا غير.

بمعنى: ان مهمة الحماية والتدبير والانفاق، انما اوكلت مسؤوليتها الى الرجل لا للمراة ولا لكليهما.

وعليه، فان استفادة معنى كلي عام من الاية ليشمل في تطبيقاته حتى الروابط الاجتماعية الاخرى لا يخلو من اشكال.

حيث ان القيام بشؤون المراة في العلاقات الزوجية والحياة العائلية المشتركة، لا يستلزم بالضرورة ان تكون بقية علاقاتهاومسؤولياتها الاجتماعية كذلك.

والا فعلى هذا الفهم يلزم ان نمنع النساء من كل الاعمال الادارية والنشاطات الحكومية في جميع مرافق الدولة.

فلا يجوز للمراة ان تتولى مسؤولية واحدة صناعية او غير صناعية، وزارية او نيابية، او اية مسؤولية في اية تنظيمات‏حرفية او غيرها، لوجود الولاية والسلطة على الرجال في كلها.

فاستفادة مثل هذا الحكم من هذه الاية الكريمة لا يخلو من اشكال.

ب - السنة: [عن] (محمد بن علي بن الحسين [الصدوق] باسناده، عن حماد بن عمرو وانس بن محمد، عن ابيه، عن‏جعفر بن محمد، عن آبائه في وصية النبي(ص) لعلى (ع) قال: يا على ليس على المراة جمعة.. - الى ان قال - ولا تولى‏القضاء).

واقول: هذا الحديث مخدوش سندا ودلالة، ولا يمكن تصحيحه باي نحو.

ج - الاجماع: فقد نقله جمع. ولم ير مخالف في المسالة، حتى ذلك الذي نقل عن (المبسوط) من ان بعضهم جوز لهاالقضاء في الموارد التي تقبل فيها شهادتها. ولكن - على الظاهر - ان المراد من البعض هو البعض من علماء العامة لاالخاصة.

وعليه، فعدم الخلاف محرز، ولو ان الاجماع لم يظفر به.

د - العقل:

فقد قيل: بان عدم جواز امامة المراة حتى للنساء، لهو دليل على عدم جواز قضائها عليهم بالاولوية.

وقيل ايضا: بان عدم تصديها للقضاء منذ صدر الاسلام حتى عهد الائمة (ع) والى يومنا هذا، مع وجود الكثيرات العالمات الفاضلات منهن، لهو اقوى دليل على عدم جواز القضاء لها.

بل،الذي يهون الخطب ان هذا هو مقتضى الاصل.

وهو: عدم وجود دليل عام او مطلق في المقام يركن اليه في جواز القضاء لعموم الرجال والنساء، حتى نحتاج لاخراج‏النساء من بينهم الى دليل معتبر في التخصيص.

وازاء هذا المقتضى فلا بد من ان نرجع الى الاصول العملية في تحقيق مثل ذلك.

فقد روى جابر، عن الباقر (ع) انه قال: (ولا تولى المراة القضاء ولا تولى الامارة) حكاها في (الكشف) و (المفتاح) وغيرهما.

وروي: (لن يفلح قوم ولوا امرهم امراة).

هذا، ومن الواضح للمتامل ان في جميع ما ذكرناه - الا الذي قلنا في مقتضى الاصل - مواضع للنظر، ولا حاجة الى‏مزيد بحث وتوضيح ((21)).

وقال السيد هاشم معروف في (الولاية والشفعة والاجارة من الفقه الاسلامي في ثوبه الجديد): (واما الذكورة فقد اجمع‏الفقهاء على اعتبارها في القاضي بشهادة كل من صاحب الدروس والشهيد الثاني في مسالكه والشيخ النجفي في جواهره‏وغيرهم).

هذا بالاضافة الى ما جاء عن الامام الباقر (ع) انه قال: (لا تولى المراة القضاء ولا الامارة)، والى ما جاء عن الامام‏الصادق (ع) (ان النبي(ص) قال لعلى (ع) ليس على المراة جمعه ولا تولى القضاء)، وانه قال: (لا يفلح قوم وليتهم امراة).

والظاهر عدم الخلاف في ذلك، ولو افترضنا ان المجمعين قد اعتمدوا على هذه المرويات مع ضعف اسانيدها - كما يبدوذلك من استشهادهم بها - لو افترضنا ذلك، يفقد الاجماع قيمته كدليل في المقام.

ويلتقي فقهاء السنة مع الشيعة في اعتبار هذا الشرط عملا بقول الرسول (ص) (ما افلح قوم ولوا امرهم امراة)، ولانهاناقصة العقل، ضعيفة الراي - على حد تعبيرهم - ، ولانها لا تصلح للولاية العظمى، ولا لتولية البلدان، ومن كانت هذه‏حالها بنظر الدين، فاولى بها ان لا تتولى القضاء، ولم يخالف بذلك سوى ابن جرير، حيث اباح لها ان تتولى ما يتولاه‏الرجل، وقال ابو حنيفة: يجوز ان تكون قاضية في غير الحدود، لانه لا يجوز لها ان تكون شاهدة (الا) في غيرها - على‏حد تعبيره - ، كما جاء في (المغني) لابن قدامة الحنبلي((22)).. اي انه يجوز لها القضاء فيما تقبل فيه شهادتها.

والخلاصة مما تقدم:

1 - استدلوا بالاجماع، ولعله عمدة ما استدلوا به.

ويناقش بان الكاشف منه غير موجود، والمدركي غير حجة.

2 - استدلوا بمشهورة ابي خديجة سالم بن مكرم الجمال، قال:

قال ابو عبداللّه جعفر بن محمد الصادق ): (اياكم ان‏يحاكم بعضكم بعضا الى اهل الجور، ولكن انظروا الى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم، فاني قد جعلته‏قاضيا فتحاكموا اليه).

وهي معتبرة من حيث السند، لانها اما صحيحة او حسنة.

وموضع الاستدلال هو قوله (ع) (انظروا الى رجل منكم).

ويناقش الاستدلال بها: بان ذكر الرجل جاء لانه المالوف اجتماعيا، حيث لم يعهد آنذاك ان اسند منصب القضاء لامراة،وان غاية ما يدل عليه هذا، هو جواز ان يكون القاضي رجلا، اما عدم جواز ان يسند منصب القضاء للمراة فغير منظور اليه‏في الرواية.

ومعنى هذا، ان يحمل ذكر الرجل في الرواية على انه من باب المثال لا التنصيص.

3 - رواية الصدوق المذكورة في نص السيد الخوئي، ونص السيد الاردبيلي الذي علق عليها - بعد نقله لها في الهامش -بقوله:

(واقول: هذا الحديث مخدوش سندا ودلالة، ولا يمكن تصحيحه باي نحو).

4 - واستدلوا بقوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل اللّه بعضهم على بعض).

وناقش دلالتها السيد الاردبيلي بعد بيان الاستدلال بها في نصه المنقول في اعلاه، ومرت مناقشتنا لها فيما سبق،فلتراجع.

5 - واستدلوا بالعقل ضمن النقاط التالية:

ا - ان عدم جواز امامة المراة حتى للنساء يستلزم عدم جواز اسناد منصب القضاء اليها من طريق اولى.

ويناقش:

اولا: بانه لا دليل عندنا يثبت عدم جواز امامة المراة حتى للنساء.

ثانيا: لا ملازمة في البين لاختلاف الصلاة عن القضاء بانها عبادة واهم عبادة، بينما القضاء ليس كذلك.

ب - ان عدم اسناد منصب القضاء للمراة منذ صدر الاسلام والى عصرنا هذا دليل حرمة توليها القضاء.

ويناقش:

بان الاسناد الى الرجل - كما تقدم - لانه الشي المالوف اجتماعيا، فلا دلالة فيه على حرمة الاسناد للمراة، لان الاسنادفعل، والفعل اذا لم يقترن بما يدل على وجوبه لا يحمل على اكثر من الجواز، والجواز لا يدل على حرمة الطرف المقابل له،ان لم يستفد منه جوازه.

ج - واستدلوا بالاصل (اصالة العدم):

وقد تقدمت مناقشته.

والنتيجة:

هي جواز اسناد منصب القضاء للمراة اذا توفرت فيها الشروط المطلوبة.

وقد يستظهر جواز اسناد منصب القضاء للمراة من العلامة الطباطبائي صاحب الميزان، قال في كتابه (الاسلام الميسر)تحت عنوان (القضاء في الاسلام): (الصفات التي يجب تحققها في القاضي شرعا هي:

1 - البلوغ.

2 - كمال العقل.

3 - الاسلام.

4 - العدالة، بحيث يكون القاضي على نمط سلوكي لا يرتكب فيه الذنوب الكبيرة ولا يصر على الصغيرة.

5 - طهارة المولد، اي ان يكون مولده مشروعا.

6 - العلم، بحيث يحيط بالمسائل الحقوقية واحكامها عن طريق اجتهاده الشخصي، ولا يكفي القضاء بفتاوى الاخرين.

7 - الضبط، فلا يستطيع المبتلى بالنسيان ان يمارس القضاء.

8 - البصر، اذ يذهب اكثر الفقهاء بعدم امكان قضاء الاعمى. فاذا ما افتقد القاضي احدى هذه الصفات يعزل من منصب‏القضاء تلقائيا((23)).

وكما ترى، لم يذكر ( شروط الذكورة او الرجولة).

وقول ابن جرير الطبري يرفع عن القائل بالجواز وحشة المسير في طريق عز سالكوه او قلوا.

على ان اختلاف الزمان يتدخل في اختلاف المستوى لتحمل المسؤولية. فيوم كانت المراة ربة بيت فقط، غير مفسوح لهاالمجال في تعلم العلم، والتزود بالثقافة العامة والخاصة التي تسهم في بناء المجتمع ورفع مستواه الى ما هو افضل، كانت‏غير مؤهلة للقيام باعباء المسؤوليات الكبار.

اما اليوم حيث فسح لها المجال للتعلم، والتزود بالثقافة، وممارسة مختلف المهارات العلمية، والفعاليات الاجتماعية،واثبتت قدرتها من خلال التجارب على تحمل اعباء المسؤوليات الكبار، اصبحت لا تختلف عن الرجل في ذلك، وهي‏واياه على صعيد واحد من حيث المستوى والقدرة.

قيم العقل المعرفي الاسلامي وخيار العنف السياسي ا. د. عبدالامير كاظم زاهد التصور المركزي للبحث:

لكل امة تطلع الى مشروع حضاري، يخرج مجتمعاتها من وضع اختلال التوازن القيمي الى وضع التوازن بين عوامل‏الارتقاء الذاتي وعوامل الدفاع عن الوجود، بحيث ينشط هذا التوازن في عالم التطبيق((24))، ولكل مشروع حضاري اياكانت طبيعته وسماته جذر معرفي متراكم، وان تفاوت عمقه التاريخي، ومتى كان الجذر اقدم كان اكثر تركزا. فللصيرورة‏التاريخية للمعرفة التي تتحول الى عقل قابل للنقد والمساءلة آثارها التي تنتجها احداث تاريخية متلاحقة ومستمرة، تعمل‏في خياراتنا المعاصرة، وترسم مواقفنا ازاء الاحداث والافكار والمفاهيم، وتوجه اعمالنا الفردية والمؤسساتية((25)).

ويتشكل العقل المعرفي من المعتقدات والتشريعات والاعراف والتقاليد والقيم المتوارثة، ليكون بمجموعه معيارا للتفهم‏المعاصر، واساسا للخطاب السياسي والحضاري، وخلفية للاختيار بين بدائل الموقف ازاء موضوع واحد((26)).

ويعد الدين من ابرز عوامل تشكيل العقل المعرفي، لا سيما في منطقة الشرق الاوسط، لان الاسلام هو المكون الاساس‏لثافة شعوبه حتى لغير المعتنقين له، لانه صاغ المناخ الثقافي، واوجد مساحة للتمازج والتعايش بين ثقافته وثقافة وعقائدالمنتمين الى غير دين الاسلام((27)).

لا يعزى التشكل السالب - فيما اعتقد - الى اساسيات الاسلام او نصوصه الرئيسة الاولى، انما الى قراءات الفقهاءوالمنظرين والمفكرين لتلك النصوص، ففي طول تاريخ تكون الثقافة المبتنية على اساس تلك النصوص الاولى، تاسست‏مدارس واجتهادات ونزعات فكرية وتوجهات وتيارات. ويعد امرا طبيعيا ان نصا شموليا مطلقا من محددات الزمن‏والمكان والمستويات الحضارية والبيئية مثل النص القرآني ان يقرا قراءات متعددة، وتتناوله اجتهادات متعددة، لا سيما وقدمر عليه زمن طويل تجاوز الخمسة عشر قرنا.

وعلى ما تقدم فلا يختلف اثنان في مكونات هذا الواقع المعرفي او في مسبباته، ولا يختلف احد في ان القضية في(قراءات الاسلام) التي انتجتها ظروف التلقي له من جراء عوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية، بيد ان اشكالية البحث‏تدور حول ان هذه القراءات هي التي انتجت عقلا معرفيا قد اصبح فيما بعد المنظور والزاوية التي تحدد اختيار الموقف،فبقدر ما تكون القراءة برهانية موضوعية ايجابية منفتحة يكون الموقف المختار مثلها، وبقدر ما تكون انغلاقية منكفئة‏تتوهم احتكار الحقيقة والصحة يكون الموقف من جنسها، ولعل سؤالا يرد هنا:

لماذا الاسلام والشرق الاوسط؟ المبحث الاول: الاسلام والشرق الاوسط وخيار العنف السياسي هل تعني هذه الثنائية ان الاسلام ثقافة تولد الارهاب؟ اقول: كلا، لا جنسية للارهاب والعنف السياسي والعقائدي ولا دين له. نعم، للارهاب ثقافة ربما تتصل بالدين تاخذ منه‏مشروعيته((28))، الا ان الواقع الحالي وطبيعة مسارات الصراع بين (مجتمعات الشرق الاوسط) وهيمنات الدول الغربية‏والنادي الديمقراط‏ي المسيحي، يفرض تحديدا للبحث نضعه بالسياق الاتي:

ان الطبيعة الدينية للاسلام طبيعة ممتزجة، غير قابلة للفصل في مكوناتها العقائدية والتشريعية والاخلاقية، فهو المعادل‏لوجود الانسان بكل مسارات حركته ووجوده، وهو الذي يمنح التصور الكوني، ويضع نظرية تفصيلية ومحددة في التكليف‏بشكل شامل لانماط السلوك.

وفي الاسلام هرم معياري ضابط ومنضبط، بعكس المسيحية ذات الافق الاعتقادي - على الاقل في ازماننا المعاصرة -دون التشريعي. اما اليهودية فهي دين ذو نزعة لا يلتفت فيه الى صحة اعتقاد من كانت امه يهودية، ثم هو دين يدعو الى‏تحقيق سيادة اليهود على العالم كله بالوسائل كافة، اما الاتجاهات الفكرية العلمانية فهي تهمل الجوانب الاعتقادية‏الكونية، وتركز على (قوانين المجتمع المدني)، بلا تقييد لحرية المعتقد والدين.

فالاسلام اذن، يختلف تماما في تاثيره على صنع الانسان، لانه يرتبط به ارتباطا صارما لا مجال عنده لاتخاذ موقف‏دون العودة الى موازينه واصوله، وحيث ان موازينه واصوله لم تبق في حدود النصوص الاولى المؤسسة، انما تجاوزتها الى‏نصوص اجتهد الانسان فيها على اساس من تلك الاصول الاولى، فالحقها التاريخ بالنصوص المؤسسة، فصارت منظومة‏معرفية ثم تحولت الى عقل معرفي ثم قيم معيارية تكمن وراء كل تصرف، ومنها ممارسة العنف السياسي والعقائدي.

وهنا نتساءل:

ما صلة القيم المنتزعة من التراث والدافعة للعنف؟ الجواب: هناك صراع تاريخي بين مصالح الغرب وحقوق مجتمعات الشرق الاوسط، متى تم التحسس بالخطورة عليها،استعان الشرقي بقيمه وقراءاته التراثية لكي يكون شرعية للمواجهة((29))، ولعل هذه مقدمة (هي المدخل الاول) للاجابة‏عن: (لماذا الاسلام والشرق الاوسط)؟ فالصراع التاريخي على الموارد والنفوذ وطرق التجارة شكل تحديا مزدوجا، زاده تزاحم وتدافع بين نظرية التبشيرالمسيحي، ونظرية الدعوة الى الاسلام، فاوجد تعارضا فيما بينهما (الغرب والشرق). وعلى تخوم اوربا الجنوبية وتخوم‏العالم الاسلامي الشمالية نشا تلاقح واحتكاك، اثر في قراءة كل دين لنوع العلاقة مع الدين الاخر من الناحيتين الفلسفية‏والاستراتيجية، اي النفوذ والهيمنة السيادية. فتنامى شكل العلاقة على اتجاهين: الاول (المواجهة الفكرية)، والثاني(المواجهة لاجل مد النفوذ على حساب الاخر). ولم ينشا تطلع او نزوع نحو علاقة تكامل وتعاون وحوار وانهاء الهيمنات.

فقد ظهرت المنافسات السياسية الحادة من فتح القسطنطينية، وظهرت في شكل الدعوة للسيطرة على القدس التي‏تطلبت السيطرة على بلاد الشام تحت دعوى حماية المسيحيين من اكراهات المسلمين، وظهرت استثمارات القوة في‏منتصف القرن التاسع عشر، والقرن العشرين، مما سمي بالاستعمار الغربي للعالم الاسلامي. الهدف منه نهب ثرواته الى‏جانب ظهور عدد من الدراسات الاستشراقية لمهاجمة ثقافة المسلمين وعقيدتهم. ثم ظهرت ((30))في شكل اقامة‏حكومات قطرية رافقت تجزئة وتفتيت العالم الاسلامي، وتم تنصيب حكومات تتخادم مع التطلعات الغربية، وهذا كله ولداصلا علاقة صراعية تتصاعد باتجاه المواجهة الحادة والساخنة، والتي وجدت نفسها مضطرة لقراءة التراث الاسلامي من‏جديد، لاستنهاض اية دافعية تخدم تلك النوعية من المواجهة، التي بدات في نهايات القرن العشرين تتلمس وسيلة للتغلب‏على صعوبات عدم التكافؤ بين القدرات الغربية، وقدرات المواجهة لدى شعوب الشرق للهيمنة الغربية، فاختارت الادارات‏الغربية استخدام القوة المفرطة والحروب المدمرة، بينما اختارت بعض اشكال (المقاومة الاسلامية) طريق القتل الجماعي‏مضطرة، مما سمي مؤخرا بالارهاب، الذي حاولت الولايات المتحدة الامريكية نقله من الساحة الامريكية - الاوربية الى‏مكافحته على ارضه، فاختارت افغانستان والعراق، وربما ستختار بلدانا اخر ساحة لتصفية (قدراته) وتجفيف منابعه، وكلاالمطلبين، اي مطلب تبدل السياسة الاوربية - الغربية من سياسة العنف والقوة والنهب والاستغلال واحتكار التقنية((31))،ومطلب السياسة الجهادية السلفية لدى معتنقي نظرية الاسلام الجهادي في الشرق الاوسط، صعب.

فهل ستسهم بحوث وتاملات وافكار ونظريات الحكماء من المفكرين الى ابدال هذه الانماط من العلاقات بين الشمال‏والجنوب وحضارتيهما؟ وهل يمكن فتح نافذة من النور امام ايديولوجية يشترك الغرب والشرق في تبنيها من خلال مبدا حوار الحضارات، ونقدتراث كل منهما لفتح الطريق امام استراتيجيات جديدة تتطلع الى مجتمع عالمي انساني تربطه علاقة المصالحة والتعاون‏والتكافل، لمواجهة كوارث البيئة في اوربا، والمجاعة في افريقيا، والتخلف في آسيا، وتنتهي باعتمادها سلوكيات‏الاستباحة الغربية لمقدرات شعوب الشرق، وتحرم استخدام القوة واسلحة الدمار، كما تحرم سلوكيات القتل الجماعي‏العشوائي لاسباب سياسية وعقائدية، مقابل واقع بقاء العلاقة صراعية تغذي دوامة العنف والعنف المضاد، وبينهما ستضيع‏تنمية الانسان وتقدمه، ويشيع الخوف والرعب، وينعدم الامن الدولي؟ وسوف لن يكتب النصر الحاسم لاحد الطرفين طالما استطاع الانسان - في الغرب والشرق - ان يستخدم التقنية‏استخداما للموت وليس استخداما للحياة والسلام، فهل من اكتشاف لقيم جديدة في ثنايا تراث اوربا، وتراث الشرق معامما يحفز على الخير والتعاون وفتح الافاق الانسانية، والتعامل مع المصالح على موازين الحق والعدل الدولي بافق ارحب‏من الانكفاء العرقي او الديني او الجغرافي، او الاستراتيجي؟ وهل من تجليات انسانية لثقافة الاديان ونظريات فكر الانسان بحيث توظف في هذا المجال للوصول الى مجتمع عالمي‏معافى من الدمار والحروب والقتل والتجويع، (الذي عانى الشعب العراقي من نموذج قاس منه والذي سمي بالحصارالاقتصادي على الضحية دون الجاني؟ هل من سبيل للتنازع عن ايديولوجيات الاحباط، والقراءات المازومة للمركب (المصالح - الثقافة) الذي يفرض ثقافة‏من خلال اكراه السلاح او يدافع عن عقيدة او مصالح من خلال وسيلة الموت الجماعي غير المميز بين المذنب والبري؟ هل ازدهار امة على حساب افقار امة استراتيجية يكتب لها الديمومة؟ هل (نظرية) اصلاح الشرق الاوسط من الخارج وسيلة للمصالحة او وسيلة للاخضاع؟ وهل في الاسلام نص اساسي يولد الارهاب؟ ام القراءات الانكفائية له تولده لا سيما حين يتساند معه ظلم الدول‏الكبرى لشعوب الشرق الاسلامي الفقيرة، ثم ظلم الحكومات في بلدان العالم الاسلامي لشعوبها المضطهدة، واعتمادسياسات التعسف ازاء توجهات تراثية يتمثل ذلك بابعاد واقصاء التيارات الاسلامية حتى لو كانت معتدلة ومستنيرة‏وعقلانية؟ هل التخلف الاقتصادي والبطالة، والاثراء الهائل لفئة قليل او الاثراء الهائل لدول الغرب على حساب اقتصاديات‏الشعوب المظلومة دافع لممارسة العنف في العالم الاسلامي؟ هل يحتاج العالم الاسلامي الى تطوير اقتصادياته بالتعاون مع دول العالم المتقدم، لخلق دخول كافية تمنح من تداعيات‏الشعور بالاحباط، حتى يتساوى الموت والحياة، مما يشجع عل العمليات الانتحارية؟ هل يحتاج العالم الغربي لان يتفهم ان الامن الدولي اصبح مسؤولية مشتركة بين دول العالم وشعوبه؟ من هذا العرض يتبين ان الاسباب الدافعة لممارسة العنف السياسي والعقائدي في بلدان منطقة الشرق الاوسط هي:

1 - القراءات المتعصبة والانكفائية للاسلام، التي لبعضها ظروف وصيرورة تاريخية، ولبعضها الاخر اكراهات معاصرة.

2 - سياسات الغرب تجاه منطقة الشرق الاوسط، وممارسة الحروب والتدمير ضد بلدانهم، ونهب ثرواتهم، واحتكار التقنية‏عنهم.

3 - تخلف اقتصاديات الشرق الاوسط الى جانب سوء التوزيع في بلدانهم، وثراء العالم الغربي على حساب حقوق‏الحياة عندهم.

4 - المساندة الدائمة والمطلقة من امريكا والغرب للكيان الصهيوني رغم ممارساته الوحشية وجرائم الابادة الجماعية‏والتطهير العرقي، والاعراض والتمرد المستمر على الشرعية الدولية، وقرارات الامم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية.

5 - دعم الغرب للحكومات المحلية المتخادمة مع السياسات الغربية، ودعم توجهاتها القمعية والالغائية، ودعم‏ديكتاتوريات السلطة في بلدان العالم الاسلامي.

6 - الحرب الثقافية الغربية ضد الثقافة الاسلامية، واشتراك وسائل تشكيل الراي العام بتشويه صورة المسلم في العقل‏الغربي. وتاسيس وتطوير الاغتراب الحضاري لدى ابناء شعوب الشرق الاوسط.

7 - تشجيع الغرب (لمجموعات متطرفة) لتنفيذ مربها الانية، مما يجعل هذه المجموعات تتقوى فتنقلب على سياسات‏الغرب فيما بعد. وكمثال على ذلك (مجموعات طالبان، ونظام صدام حسين الذي قام بدعم محايد للغرب).

8 - عدم المساهمة في التنوير الموضوعي للانسان المسلم، لخلق توجهات منفتحة ومستنيرة.

وبعد استعراض ابرز الاسباب ستتناول هذه الورقة جزءا من السبب الاول وتحليلا وتاثيرا واشكالية لهذه الورقة.

المبحث الثاني: اصول العقل المعرفي الاسلامي، النص القرآني وقراءات المفسرين يشاطر الكثيرون من يرى ان العقل المعرفي العربي قد مر بمرحلتين، مرحلة ثقافة ما قبل الاسلام، ثم مرحلة الثقافة‏المؤسسة على النص القرآني، والاولى فيما يعتقد الكثيرون لم تترك اثرا واضحا لسبب بسيط هو احتواء الثانية للاولى‏تصحيحا او اقرارا او الغاءبحيث لم تعد واضحة الاثر.

اما الثانية، فانها شكلت العقل المعرفي للمسلمين عربا كانوا او غير عرب على تفاوت في التمثل ونمط القراءة((32))،وهذه الثقافة لها اصول اساسية اولية، الاصل الرئيس فيها هو (النص القرآني الموحى به)، وهو نص نزل خاتما للنصوص‏السماوية ومعجزا في صياغته، وجوهر اعجازه تعدد دلالاته بما يتوافق مع استمرارية الزمان وتعددية المكان (البيئات‏الحضارية) ومستوى الوعي البشري لحقائق الوجود، ويعتقد الكثيرون ان قضية المحكم والمتشابه((33)) انما جاءت في‏النص، لكي يستمطر كل جيل من علماء الامة من النص الثابت في لفظه والمتعدد في دلالته ومضامينه الموقف من كل‏اشكالية تستجد في واقع مجتمع او بيئة، وامكان النص الذي تتعدد فيه القراءات يجعل منه نصا مفتوحا على التاويل،وتتعدد فيه الرؤى، وكل رؤية وتمثل وتامل واستنتاج له جذره الذي يستند اليه، اي انه يشتمل على قدر من المشروعية‏والمستند، ويبقى الحوار في مدى مقبولية الاستفادة التاويلية من النص((34)).

وحضارة - مثل حضارة المسلمين - تنعقد في اصلها على نص مفتوح على التاويل توهم بانها غير منضبطة، الا ان الحق‏انها اكثر ضبطا من حضارة تقوم على اساس فكر بشري رائد متقدم على عصره، يلحق به سريعا الجيل التالي فيتناول النص‏الاصلي المؤسس بالتحليل والتفكيك، حتى يصل به الحال في بعض الاحيان الى مناقضة ذلك النص بالضد. اما النص‏الرباني فيبقى دستورا ثوابته (الايات المحكمة)، وكل التاويلات تجري على اساسه ومعاييره، لذلك فان الحضارة الاسلامية‏في اصلها المؤسس تستند الى (النص المنزل) اكثر ضبطا، ويلحق به مشكلا العقل المعرفي النص المفسر للنص المؤسس،سواء كان من السنة (وهو اعلى مرتبة) من النص البشري، او من (آراء المفسرين) والفقهاء والشراح والمتكلمين، وعمومافالكل يسهم بدرجات في تشكيل العقل المعرفي الاسلامي.

ولو راجعنا النص القرآني نجد فيه عشرات النصوص التي تدعو الى التعاون والتكافل بين البشر، وتحترم تلك النصوص‏وتقدس حق الحياة، لانها هبة اللّه للبشر، والى جنبها نصوص تدعو للدفاع عن الحياة والانسان والوجود العقائدي، وحرية‏العقيدة ومصالح الجماعة المنضوية تحت منظومة الاعتقاد، ولو نظرنا بطريقة متوازنة لكلا المجموعتين من النصوص، فلانجد حاكمية من النمط الاول، اي (آيات التعاون بين البشر) على (الايات الجهادية)، ولا نجد العكس، فلكل من الوقائع‏احكام خاصة بها، الا ان قراءات المفسرين اوجدت حاكمية الايات الجهادية على آيات التعاون بين البشر.

فالمفسرون المنتمون الى تموضع السلطة، والخاضعون لمقتضياتها ربطوا بين مصالح الدولة ومصالح العقيدة، اي ان كل تمردعلى الدولة او اساءة لها اساءة للعقيدة، لان منطلقهم كان حماية السلطة اكثر من حماية العقيدة، وجعلوا الجهاد لاجل عقيدة‏الدولة اكثر مما هو رد للعدوان على مجتمع العقيدة.

بينما المفسرون المنتمون الى (تموضع المعارضة) انطلقوا من التاكيد على حقوق الانسان داخل الدولة اولا، وهذا الزمهم‏بالاعتراف بحقوق الانسان مطلقا، سواء المسلم او غير المسلم، لذلك عاملوا آيات الجهاد على اساس انه (قرار يتخذه‏حكماء يقدرون فيه ضرورة واهدافه ووسائله)، وعليه فالجهاد تكليف جماعي عند الشيعة، وهو تشريع للامة وليس‏للافراد، ولا يتخذ قرار الجهاد الا بمراعاة مقاصد الشريعة (الادلة العليا)، وحكمة التشريع، وحسابات الجدوى، وليس‏تطبيقا تجزيئيا للنص((35)) خارج هذه المكملات الضرورية لحيثيات القرار.

والعقل الشيعي وان لم يلج علم المقاصد ولوجا عميقا، الا انه جعل قضية الجهاد خاصة مرهونة ب (حسابات القدرة‏والجدوى والهدف البعيد والتداعيات)، واعتبره قرار الامة وليس قرار الافراد، لكي لا يتخذ الفرد او المجموعة قرارا دون‏مشورة حكماء الامة، ولا بد ان يجري تحت راية امام شرعي له مؤسساته الدستورية، اما الدفاع الشرعي عن النفس اي مايطلق عليه (بيضة الاسلام) فهذا له احكامه الخاصة عند بعض فقهاء الشيعة، ويلحق باحكام الجهاد عند غيرهم((36)).ووسائل الجهاد والدفاع عند الشيعة متعددة لا تنحصر بالقتال، فمنها المقاطعة الاقتصادية، ومنها الحث على قطع الصلات‏الدبلوماسية((37)).

ويرى مفسرو الشيعة ان قضية النسخ في القرآن قليلة جدا لا تتعدى آية او آيتين((38))، في حين يصر المفسرون من‏باقي المذاهب على مقولة النسخ ويتوسعون فيه، وثمرة هذا الخلاف ان الايات التي تؤكد على السلام والتعاون ادعي عليهاالنسخ، لاحباط اثرها على العقل المعرفي الاسلامي، وكمثال على ذلك، قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا ادخلوا في‏السلم‏كفة((39))، والامر الرباني للنبي ( بقوله تعالى: (وا ن جنحوا للسلم فاجنح لها((40))، وقوله تعالى: (ادع الى سبيل ربك‏بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن((41))، وقوله تعالى: (افانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين((42)).كل هذه الايات‏پ ادعي عليها النسخ بيات الجهاد والقتال، وفسروا قوله تعالى: (يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى‏وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند اللّه اتقاكم((43)) بانه التعارف، اي (معرفة الاخر) وليس التعامل(بالمعروف) الدالة عليه آخر جملة تاكيدية في الاية((44)). بل، ان اداة النفي والغاءه بالاستثناء المفيد للحصر في قوله تعالى:(وما ارسلناك الا رحمة للعالمين((45))، يؤكد على ان ارسال النبي كان لاشاعة اخوة البشر، وتعاونهم بلا حصر بعقيدة اوعرق، والا فكيف تتحقق الرحمة من دون ذلك؟ وكيف تفهم لفظة (العالمين) اذا كان المسلمون جزءا من (المجموع البشري)الذي يشاركنا الارض والبيئة؟ لذلك حرم القرآن الكريم افساد الارض والاساءة الى البيئة الطبيعية والبشرية فقال: (فهل عسيتم ان توليتم ان تفسدوا في‏الارض وتقطعوا ارحامكم - اولئك الذين لعنهم اللّه((46)).

ثم جاء الامر الرباني بالتعاون مع المجتمعات التي لم تدخل معنا في صراع مسلح فقال: (لا ينهاكم اللّه عن الذين لم‏يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا اليهم ان اللّه يحب المقسطين((47)).

ولو طالعنا تفسير الطبري((48)) وابن كثير((49)) والنيسابوري((50)) من القدماء، ودروزه((51)) من المعاصرين وابن‏عاشور((52))، وآراء الشافعي واحمد وابن حزم وغيرهم((53))، لوجدنا ان قراءات هؤلاء جميعا كانت قراءات (تموضعت‏حسب مقتضيات سياسة الدولة ومقولات السلطة).

اما الشيعة الامامية، فاننا نرى ان الشهيد الثاني يؤكد على ان الجهاد لا يجب الا مع عدوان الغير على المسلمين((54))،وكذلك السياغي وصاحب البحر الزخار من علماء الشيعة الزيدية، والى حد كبير تاثر بهم الحنفية فنرى بعض هذه الاراءتسربت الى مدوناتهم.

لكن القرآن (بوصفه نصا حمالا للوجوه) مما يمكن الافادة منه للوجوه كافة، فلو اخذنا حزمة (موضوعية) من آيات في‏موضوع الجهاد وجعلناها حاكمة على الايات الاخر، لتحملنا مسؤولية عدم استمرار القتال طيلة حياتنا، طالما بقي في‏الارض (غير المسلم)، ولو اخذنا حزمة موضوعية لايات (السلام والتعاون) وجعلناها حاكمة على آيات الجهاد، لاسقطناواجب الدفاع الشرعي عن الوجود الاسلامي، ولو اخذناهما معا بلازمة التعارض والترجيح لرجح الحاكم على المحكوم‏من الحزمتين، ولو عاملناهما كل في مجاله مع اشراك الواقع مرجحا لاتخاذ القرار، واشراك الحكماء في عقلنة مقتضى‏النص، لوجدنا ان قرار (قتال الغير) لا يتخذ بصورة فردية، لان قضية القتال وما ينتج عنه من تدمير الثروات والبنى‏الاساسية للمجتمعات، واشاعة الخوف والرعب، وازهاق الارواح ليس قرارا سهلا، بحيث يتخذه فرد او مجموعة افراديتفهمون النص على وجه من وجوهه، ثم يلزمون الناس بفهمهم، فيتخذون قرارين احدهما اعلان الحرب، والمواجهة‏المسلحة بدون مشاركة حكيمة وعقلانية (لاهل الحل والعقد)، والاخر تكفير من لم يوافقهم في القرار على ما في ذلك من‏نتائج خطيرة ومدمرة، واعتبار من لم يوافقهم الراي كافرا او مرتدا يستحق الموت، وتهدر حياته ودمه، وتسقط الحرمة‏والحصانة عن امواله، ولعل هذا منتزع عندهم من احكام الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو في حقيقته التوعية‏الداخلية والتثقيف او تهذيب السلوك لصالح الاهداف السامية للشريعة والامة معا(، لكنها سيقت مبررا لمعاقبة الغير مفسرين‏النهي (بالمعاقبة).

ويسندون قضية المعاقبة الى حديث النبي(ص): (من راى منكم منكرا فليغيره بيده((55))، واليد كما هو لفظ دال على‏القوة، فانه يدل على العطاء، اما العنف فهذا ليس تشريعا للافراد انما تشريع للامة، ولا يحق لمجموعة ان تتولى تكليف‏الامة كلها منفردة دون اجماع او اغلبية منهم، او دون ان تعهد الامة لهم بتنفيذ التكليف من خلال سلطة مستنيرة شرعية‏مؤسساتية مدركة ضابطة تدرس ردود الافعال، وتدرك مدى ما يؤدي ذلك التصور لمعنى النهي عن المنكر الى الاخلال‏بالنظام العام، الداخلي او الدولي، والصحيح والعقلاني ان توازن (قيادة عقلانية حكيمة) بين مفسدتي المنكر، وتداعيات‏النهي عنه، فلعل عنفا يؤدي الى اصلاح المجتمع، ولعل عنفا يؤدي الى دوامة من الكراهية والرد بالمثل، ولعل نهيا عن منكريتم من خلال وسائل غير مسلحة مثل الممارسات الاحتجاجية، كالمظاهرات والاضرابات والاعتصامات وغيرها، وهذه‏اذا حصلت ان لم تمارس بطريقة محسوبة جيدا، فانها تتسبب في فوضى داخلة وتستعمل في اهداف بسيطة بحيث تفقدفوائدها، لذلك فكل من وسائل الجهاد الدفاعي ووسائل الامر بالمعروف للاصلاح الداخلي لا يخضع مباشرة للمتلقي للنص‏فينفذ مقتضاه بفهمه له او بفهم مجموعته له دون الرجوع الى راي اغلبية الامة من خلال قادتها وحكمائها ومجتهديها، ولابد من حساب (المفسدتين) ايهما الاشد، فيحتمل الاخف لدفع الاشد، كما هو مقتضى القادة العقلية والشرعية، معا، ولا تعمم‏الحالات والمواقف، فلابد من ان تدرس كل حالة بخصوصها، ففي حالات يجد العقلاء ان السكوت اجدى، وفي اخرى‏يجدون ان الحوار اوفق، لان لخسارة المجموعة الجهادية في الصراع المسلح له تداعيات تدمير البنى الارتكازية، وفرص‏التقدم، وهدر الطاقات البشرية والمادية، وضياع هذه القوى حينما يراد استعمالها - بوضع افضل - كقوة ضاغطة، او قوى‏رادعة، فبخسارتها - لقرارها غير المدروس - تضيع على الامة مجموعة معطيات، وبذلك تتسبب المواقف غير المحسوبة‏على (الجدوى) باتلاف مجموعة مصالح تملك الامة حق استيفائها بالوقت الذي يرى حكماؤها انه الوقت المناسب‏للمواجهة - وبالطريقة التي يختارونها - فهذه الطاقات مدخرة لذلك الوقت، وباهدارها يبقى القرار الصحيح والسليم‏والمجدي فاقدا للقوى المنفذة له.

السنة النبوية والعقل المعرفي عرف العلماء السنة النبوية انها اقوال النبي(ص) وافعاله واقرارته((56))، وحاول بعضهم التعامل مع السنة بوصفهانصوصامطلقة لا تقل عن اطلاقية القرآن الكريم، واختلفوا في الصحيح منها من دون الصحيح وصولا الى الضعيف‏والموضوع من جهة الصدور، كما ظهرت بصورة غير جلية اتجاهات ترى ان ظروف عصر النبي(ص)، واسلوب قيادته‏للجماعة المؤمنة في مكة، والدولة في المدينة تضطرنا للتعامل مع النص النبوي اعتبار الظروف الموضوعية لصدور الحديث‏او الفعل، الى جانب اختلافهم في دلالة الحديث - وان كان من حيث الكم - اقل من الاختلاف في دلالة النص القرآني، لان‏القرآن نص معجز، والحديث النبوي لا اعجاز فيه، ويرى آخرون ان سلوك النبي هو عبارة عن التفهم الارقى للمقولات‏القرآنية، وان كان تفهما بشريا لما ورد في القرآن (قل انما انا بشر مثلكم يوحى الي((57)).

ويرسم القرآن الكريم صورة نبي الاسلام رسما مختلفا عن صورة عيسى ( في العهدين القديم والجديد، وصورة موسى(، فهو في المسيحية تجسيد للرب، فماهيته ربوبية، لذلك جاءت آيات الانجيل عبارة عن سيرة الرب، الذي جمع بين كونه‏الاله والمرسل بكينونة مزدوجة، بينما في اليهودية فانه بشر يخطئ ويتمادى، وكل الرسل في العرض التوراتي كذلك ربمايقترفون الجرائم، اما نبي الاسلام فهو انسان يوحى له، وقد سدده اللّه في القول والعمل، واوهبه التفهم الارقى لكلمة اللّه،لذلك جعلت نصوص القرآن من حيث المضمون معيارا لصحة الحديث النبوي، فما خالف القرآن فلا يعتد به مما رواه الناس‏عنه، فالعلاقة بين السنة مجملا والقرآن كالعلاقة بين متشابه القرآن -في تفهم الناس - ومحكمه، لان المحكم هو الضابط‏لهذا التفهم، ولان الخلاف على السلطة السياسية بعد النبي(ص) اصبح محور الخلاف بين الاتجاه الشيعي والاتجاه السني،فقد تحول هذا الخلاف من النطاق السياسي الى النطاق التدويني للحديث النبوي، وهذه من اخطر اشكاليات تدوين النص.

وعموما فقد صار للشيعة مدونات حديثية يرجعون اليها ويعتقدون بطرقها وبصحة اغلب ما ورد فيها((58))، بينما انصرف‏اهل السنة الى مدوناتهم التي كتبت تحت رقابة السلطة السياسية، وعبرت عن مقولاتها في الغالب، فاعتبروا (صحاحها)حقائق لا تقبل التشكيك في صدورها عن النبي(ص)((59))، وترك للناس تلقيها وحفظها والعمل بها بلا توسط الاجتهاد في‏فهمها في ضوء مقتضيات الواقع المتجدد والمقاصد العليا للشرع، وعلى الرغم من كل هذه التعارضات، فلقد اتفق محدثوالشيعة والسنة في كلتا المجموعتين من مدونات الحديث على صدور احاديث عن النبي(ص) تشكل العقل الاسلامي تشكيلا حضاريا انسانيا بناء، لا يلجا الى القتل والعنف الا في الحالات التي يجدهاضرورية، فالحرب والقتال في مجمل المشروع الحضاري الاسلامي الذي اسسته نصوص القرآن والسنة النبوية استثناء ازاءقوانين قدسية الحياة، ولعل هذا ما تتفق عليه ايضا عقول البشر كافة، ولكن الى جانبها عشرات النصوص التي تؤكد على‏حق الانسان في الدفاع عن وجوده وعقيدته ونفسه ومصالحه ومصالح مجتمعه واقليمه بالوسائل المجدية، والاقل‏تدميرامما يحقق لها اهداف ذلك الدفاع ومع الامرين معا ، فان القاعدة الاساسية للصلات والعلاقات بين البشر هي قاعدة‏اخوة البشر كافة وتعاونهم فقد قال)(ع) (كلكم لادم وآدم من تراب((60))، وقال: (الناس سواسية كاسنان المشط،((61))وقال: (حب لاخيك ما تحب لنفسك)((62))، ولو اردنا استعراض هذه الشواهد لبلغت المئات.

ولم يكن اختلاف العقيدة فيما ورد عنه ( سببا في ازهاق الارواح، فقد عاش ( في مكة اكثر من عقد من السنين بين من‏يخالفونه بالعقيدة ويعارضونه، بل يقاتلونه ويعذبون اصحابه، ولكنه لم يتخذ سلوكا عنيفا ضدهم مع قدرته على ذلك، ثم‏هاجر مع اصحابه الى يثرب وامتلك وسائل الدولة وقوتها، ولم يبادرهم بحرب او قتل او ارسال مجموعات الى مكة لتقتل‏مخالفيه، وكان ذلك عليه من اسهل التدابير بيد انه صد هجمات مخالفيه دفاعا عن نفسه، ولم تظهر في سياساته سلوكيات‏انتقامية ولا ضربات استباقية.

اما سياسته الداخلية في المدينة المنورة التي كان يسكنها اليهود ومن بقي على دينه، وطريقة عبادته، فقد كانت سياسة‏جامعة بناءة حقوقية دستورية، جسدتها صحيفة المدينة((63)) التي رسمت للكل - على اختلاف تنوعهم - حقوقهم‏وواجباتهم، وفيها يحدد حق الجوار فيقول: (ان الجار كالنفس غير مضار ولا آثم الا من ظلم واثم((64))، ثم دعا اليهودللرجوع الى كتبهم حتى يلتمسوا وعد اللّه لهم بارساله ثم قال: (فان كنتم لا تجدون ذلك في كتابكم فلا كره عليكم، قدتبين الرشد من الغي((65))، وفي صلح الحديبية نجد معاهدة للهدنة والسلام وتبادل المصالح والمنافع تعقد مع اختلاف‏العقيدة، وعقيب معارك شرسة ازهقت فيها الارواح وسالت فيها الدماء فانتهت الى المسالمة والسلام، واغاث ( اهل مكة‏وهم مشركون، فارسل لهم في مجاعة المت بهم غوثا منه((66))، كل ذلك الى جنب مئات النصوص التي تهذب وتخفف‏ويلات الحروب، وتراعي الاسرى والعزل والمدنيين وغير المحاربين، والتي تلزم المسلم بالرفق والاحسان لغيرالمسلم((67)).

وهذه الشواهد - كما قلنا - موضع اتفاق بين التدوين السني للحديث والتدوين الشيعي، والى جانبها نصوص تحث على‏الصبر والمقاومة والمرابطة والفروسية والمكافحة للعدوان، فغلب (الرسميون ومثقفو السلطة وكتاب السلاطين) احاديث‏القتال والجهاد والحروب على احاديث السلام والبناء وازدهار البشرية كافة، على طريقة الناسخ والمنسوخ، وكذا الحال في‏كتب التاريخ والسيرة النبوية، حتى ان واقعة فتح مكة وطريقة تعامل النبي السامية مع اعدائه التاريخيين، اوجدت لديهم‏اشكالية في تفسيرها، من جهة كتاب سيرته، التي صوروها نزاعة للعنف.

وتروي السيرة انه (ص) بعث خالد الى اسفل تهامة داعيا، فتصرف خالد وقتل اناسا من بني جذيمة من كنانة، فوصل‏امره الى رسول اللّه(ص) فارسل عليا(ع) ومعه تعويض لكل منهم، حتى رضوا، فقام الرسول(ص) وقال ثلاثا: (اللهم اني‏ابرا اليك مما صنع خالد بن الوليد) ((68))، وختم عمره الشريف في حجة الوداع وهو ينادي: (ان دماءكم واموالكم عليكم‏حراما الى ان تلقوا ربكم((69))، مؤكدا في ذلك حق الانسان مطلقا بالحياة، وحقه في الملكية.

الاجماع:

وهو الاصل الثالث من الاصول الرئيسة المؤسسة للعقل الاسلامي، وقد عرفه العلماء انه (اتفاق العلماء على حكم -تعددت دلالة اصله - فاتفقوا على واحدة منها)، وهذا الاصل - على وجاهته - لم يقع في تاريخ اية امة الا على الكبريات‏والبديهيات والمتفق عليه مما يندر للخلاف فيه، وفي الغالب تصور الاغلبية الموافقة على امر ما - لاي سبب من الاسباب‏- اجماعا، بصرف النظر عن ظروف حصول هذه الاغلبية، حتى صار دليلا لابد ان يقام عليه الدليل مما يلزم فيه الدور،والاكثر اشكالا انه قد ادعاه كل مخالف على مخالفه، ورد المخالف بادعائه ايضا، فتوحد في المفهوم وتعدد في المصداق،وهو فيما اعتقد جسر الوصل او المنطقة الوسط‏ى بين النص والاجتهاد الفردي، اي ان الاجتهاد الجماعي ياتي بالدرجة‏التالية بعد النص((70)).

الادلة العقلية (الاجتهاد) وهو الاصل الرابع المؤسس للعقل الاسلامي، ومرادهم منها مختلف، فالادلة العقلية: مفهوم جامع شامل تعددت آلياته‏عند المفكرين المسلمين، فذهب الشيعة الى مفهومه الاشمل بما سموه المستقلات العقلية، وذهب اهل السنة الى انه القياس‏والاستحسان والمصالح والذرائع والعرف وغيرها من الاصول، وفي ظني ان مصطلح الاجتهاد جامع لاستخدام هذه‏الاليات.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية