الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

وهكذا، فان الميثاق يدعو الى السلم ويحظر ليس فقط الحرب، بل وحتى التهديد بها. الا ان هذا لا يعني ان الميثاق منع‏الحروب بشكل نهائي، بل هو سمح بها في حالتين:

-حالة الدفاع المشروع الذي تباشره دولة او مجموعة من الدول، لرد العدوان، فقد نص مطلع (المادة 51) من الميثاق على‏انه:

(ليس في هذا الميثاق ما يضعف او ينتقص من الحق الطبيعي للدول، فرادى او جماعات، في الدفاع عن انفسها اذااعتدت قوة مسلحة على احد اعضاء الامم المتحدة).

-وفي حال قرار مجلس الامن انزال عقوبات رادعة، فعلى الدول ان تقدم له القوات اللازمة لذلك (المادة 42 و 43).

كيف عالج الامام‏علي (ع) مسالة شرعية الحرب؟ قبل البدء بتناول موقف الامام‏علي (ع) لا بد من البحث في موقف الاسلام بشكل عام، لانه ملزم في نظر الامام على، كمافي نظر المسلمين كافة.

ولا بد من التاكيد بداية ان الاسلام اتى نظاما شاملا للحياة الانسانية في الجانب الروحي، والجانب المادي، فلا تقتصرتعاليمه على العبادات، بل نظمت جميع الشؤون الحياتية. ومن اجل تطبيق تعاليم الاسلام لا بد من الامساك بمقاليد الحكم،لانها لا يمكن ان تنفذ كاملة الا بواسطة دولة تاخذ هذه المسالة على عاتقها.

وهذا ما حصل فعلا منذ ان تمكن الرسول من اقامة سلطته.

وهذه السلطة تقوم اولا على اقناع الناس بمبادئ الدين‏الحنيف، ومن ثم انشاء الدولة او السلطة التي ينضوي هؤلاء الناس تحت لوائها ويدعمونها. فاذا ما اعيقت اقامة هذه السلطة‏فعندها لا بد من ازالة الموانع.

من هنا، فان الاسلام لا يقر الحرب الا دفاعا عن النفس، او دفاعا عن الاخرين من الحلفاء او عن الحق، او عقوبة على‏نكث العهود، الذي هو اعتداء او معاودة للاعتداء. واخيرا وبعد اقامة السلطة، يسمح بالقتال للدفاع عن الدولة الاسلامية.

ففي موضوع الدفاع عن النفس: لم يسمح للمؤمنين بان يقاتلوا بداية، بل امروا بالصبر والتحمل حتى قدموا الشهداء في‏مكة، واذا كانوا في تلك المرحلة من الضعف بحيث كانوا عاجزين عن الدفاع عن النفس غالبا او بعضهم عن بعض دائما،فانهم في المدينة اصبحوا قادرين على ذلك، ومع هذا فقد كان يؤمر الرسول(ص) بالتحمل، اذ يرد في القرآن قوله تعالى:(ولا تزال تطلع على خئنة منهم الا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح ان اللّه يحب المحسنين((88)).

ولم يسمح للرسول والمؤمنين بان يقاتلوا الا بعد ان اضطروا الى ترك ديارهم واموالهم بفعل الاعتداءات والضغوط، فكان‏ان نزل قرآن يقول:( اذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا وان اللّه على نصرهم لقدير - الذين اخرجوا من ديارهم بغيرحق((89)).

وفي مرحلة امره بالقتال - شريطة عدم الاعتداء - لم يكتف بالاذن، لا سيما بعد ان تفاقمت اعتداءات الكافرين‏والمشركين، فطلب من المؤمنين استئصالهم وذلك بقوله تعالى: ( وقاتلوا في سبيل اللّه الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان اللّه لايحب المعتدين - واقتلوهم‏حى ث ثقفتموهم واخرجوهم من حيث اخرجوكم...((90)). ثم امر بقتال المشركين عامة، بعدان اتحدوا جميعا على قتال المسلمين في منطقة الجزيرة، اذ يقول تعالى: (وقاتلوا المشركين كفة كما يقاتلونكم‏كفة((91)).

اما الدفاع عن الحلفاء: فقد اقر لا سيما اذا كانوا من المستضعفين غير القادرين على رد الاعتداء، وذلك بقوله تعالى: ( ومالكم لا تقاتلون في سبيل اللّه والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا اخرجنا من ه‏-ذه القرية الظالم‏اهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا((92)).

واما الدفاع عن الحق: فيقوم على ردع محاولات التصدي للدين الجديد وذلك في حالتين:

اولا - منع حملة الدين من التبشير به في اوساط الناس: وهذا مصداق للصد عن سبيل اللّه، كما ورد في قوله تعالى: (زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل((93))، وهؤلاء الذين يصدون عن السبيل ولا يراعون عهودهم فعليكم‏قتالهم((94))، وياتي الحكم الاوضح في سورة البقرة حيث يقرر اللّه تعالى تشريع القتال ضد الذين صدوا عن سبيل اللّه: (يسالونك عن‏الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل اللّه وكفر به((95)).

ثانيا - فتنة المؤمنين باجبارهم على ترك دينهم: وهذا ما توضحه بضع آيات، حيث يقول تعالى عن الذين يقاتلون‏المؤمنين: ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين للّه((96))، وذلك لان الفتنة اعظم خطرا من القتل اذ يقول تعالى:(والفتنة اشد من القتل((97))، ( والفتنة اكبر من القتل((98)).

واما نكث العهود: والتنكر للكلام المعط‏ى، فانه يبيح بكل الاعراف ان يتحلل الطرف الاخر المتعاقد من تعهداته، وقد اباح‏القرآن القتال ضد من دابه الا يلتزم بالعهود الا اذا تاب، فالمشركون ( لا يرقبون في مؤمن الا ولا ذمة واولئك هم المعتدون‏فان تابواواقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فاخوانكم في الدين ونفصل الايات لقوم يعلمون وان نكثوا ايمانهم من بعد عهدهم‏وطعنوافي دينكم فقاتلوا ائمة الكفر انهم لا ايمان لهم لعلهم ينتهون((99)).

واما الدفاع عن السلطة: فقد امر المسلمون به بعد ان اقاموا دولتهم في المدينة، وكان اليهود والمشركون يعملون على‏استئصال هذه الدولة وقتل المسلمين او طردهم، وقد عاتب المولى المسلمين المترددين في قتال هؤلاء بقوله تعالى:

( الاتقاتلون قوما نكثوا ايمانهم وهموا باخراج الرسول وهم بدؤوكم اول مرة((100)).

موقف الامام على (ع) كان‏علي (ع) محبا للناس، يعاملهم بالحسنى ويعلمهم بالرفق، وكان يوصي ولاته بالرحمة وتجاوزالاخطاء. فقد جاء في عهده الى مالك بن الحارث الاشتر عندما ارسله لتولي امور مصر: (واشعر قلبك الرحمة للرعية،والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم اكلهم، فانهم صنفان: اما اخ لك في الدين او نظير لك في‏الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على ايديهم في العمد والخطا، فاعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي‏تحب ان يعطيك اللّه من عفوه وصفحه((101)).

وقد بلغ من عطف‏علي (ع) على الناس ومحبته لهم ان اتهم ان به دعابة((102)).

وتحقيقا لهذا الموقف كان على يحاول تفادي الحرب المفروضة عليه بكل وسيلة، وحروبه الاساسية كانت حروبا داخلية‏ضد المسلمين البغاة، فيقول ردا على بعض سائليه في تاخير الحرب على جند معاوية: (استاني بالقوم عسى ان يهتدوا، اوتهتدي منهم طائفة، فان رسول اللّه (ص) قال لي يوم خيبر:

لئن يهد اللّه بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه‏الشمس((103)). وهو قد قبل باطالة الهدنة بمناسبة التحكيم ابان معركة صفين وفسر الامر بقوله: (انما فعلت ذلك ليتبين‏الجاهل ويتثبت العالم، ولعل اللّه ان يصلح في هذه الهدنة امر هذه الامة، ولا تؤخذ باكظامها، فتعجل عن تبين الحق وتنقادلاول الغي((104)).

ومن هنا يظهر تمسك على بن ابي طالب بالسلم ما امكنه ذلك، مبينا للناس محاسنه وفوائده المتمثلة بالالفة بكل ماتحمله، فيقول: (ان اللّه سبحانه قد امتن على جماعة هذه الامة في ما عقد بينهم من حبل هذه الالفة التي ينتقلون في ظلها،وياوون الى كنفها، بنعمة لا يعرف احد من المخلوقين لها قيمة، لانها ارجح من كل ثمن، واجل من كل خطر((105))، وهو لم‏يتبن هذا الموقف ابان خلافته، بل هو مارسه دائما.

فعندما ارسله النبي(ص) الى اليمن، وكانت استعصت على من سبقه ستة‏اشهر، فاسلمت على يديه همدان في يوم واحد دون قتال((106)).

وكان يوصي دائما بان لا يعمد الانسان الى الاعتداء، او الانجرار وراء ميوله وشهواته فيستعمل القوة دون وجه حق،فيقول: (ولا تحركوا بايديكم وسيوفكم في هوى السنتكم((107)).

ويعلق الاستاذ جورج جرداق على ايمان الامام على بالسلم فيقول: (وابن ابي طالب... يدرك ان السلم سياج عظيم يشيدحول الانسان، وحول الحياة، فيمنع عنهما كل شر.

يخاطب ابن ابي طالب الناس قائلا: ). .. ان اللّه خلقكم حرما في ارضه،وامنا بين خلقه، وجمع الفتكم، فنشرت النعمة عليكم جناح كرامتها، واسالت لكم جداول نعمها).

على ان عليا لم يكن منظرا في هذا الموقف وحسب، بل كان يمارسه متحملا مسؤولية ما يجره عليه، وهذا ما تنبه اله‏الاستاذ جرداق اذ يقول: (وتتعاون الاعمال والاقوال في حياة‏علي (ع) تنفيرا من التعادي والتناحر والاقتتال،وتحسيناللتصافي والتلف والمؤاخاة، وهو يامر بالتعاون من اجل السلم ويعمل له... ويامر بكراهية الحرب ويكرهها، لان‏الحرب عدوان... ومن زرع العدوان حصد الخسران((108)).

ونحن نستدرك على الاستاذ جرداق بان الحرب عدوان الا في حالات رد العدوان، كما كان يحصل مع‏علي (ع) وهو يقرناعلى ذلك.

غير ان كره على للحرب لم يكن يبلغ درجة السكوت على الظلم، وهدر الحقوق. ومن هنا، فانه يقر الحرب ردة فعل‏على فعل المعتدي، وهو يضع شروطا لحربه تتمثل بردع من يحاول الاستيلاء على ما ليس له حق فيه. او بانتزاع الحقوق‏ممن يمتنع عن ادائها، فيقول: (الا واني اقاتل رجلين: رجلا ادعى ما ليس له، وآخر منع الذي عليه((109)).

غير ان سؤالا يطرح بخصوص الحالتين المبينتين: هل ان مجرد ادعاء جهة بحقوق دون سند، او الاعلان عن عدم‏اعتراف جهة بحقوق عندها يبرران قتال هاتين الجهتين؟ اننا نعتقد ان المقصود، في الحالة الاولى هو الادعاء المقترن بالتنفيذ، اي المبادرة للاستيلاء على (الحق) المزعوم في‏مواجهة السلطة او الجهة التي تحوز على هذا الحق، والدليل ان عليا لم يبدا الحرب في اي من معاركه التي خاضها منذ ان‏آلت اليه الخلافة. وهو لم يتحرك باتجاه جيش الجمل الا بعد ان استولوا على البصرة.

اما الحالة الثانية، فمن الطبيعي الا يقتصر الامتناع عن اداء الحقوق على موقف كلامي، بل يتعدى ذلك الى المنع الفعلي‏وبالقوة من حصول ذلك. فعلى لم يتحرك نحو الخوارج لمجرد عدم اعترافهم بسلطته في خطاباتهم او في صلواتهم، بل‏تحرك عندما حموا القتلة وامتنعوا عن تسليمهم لعدالته.

وهكذا فقد قاتل على طلحة والزبير في حرب الجمل، لانهما ادعيا انهما شريكاعلي (ع) في الخلافة حينا، وطالبا بولايتي‏البصرة والكوفة حينا آخر، وكانت معهما ام المؤمنين عائشة التي خرجت ضدعلي (ع)، في حين ان اللّه امرها ان تقر في‏بيتها((110)).

كما قاتل على معاوية الذي ادعي زورا حقه بمحاكمة‏علي (ع) وبعض من خصه بدعوى قتل عثمان او الاسهام في قتله،كما امتنع عن القيام بواجبه في حمل بيعة اهل الشام الى الخليفة الذي اختاره المهاجرون والانصار في المدينة المنورة.

وقاتل على الخوارج بعدما قتل بعض منهم اصحابا لعلى، ومنهم عبداللّه بن خباب بن الارت وزوجته الحامل، وامتنعوا عن‏تسليم القتلة الى الخليفة.

والى هذا فان عليا الذي يامر بالوفاء بالعهد، يطلب من عماله الا يناموا مطمئنين الى الاتفاق خوف النكث فيوصي قائلا:(الحذر الحذر من عدوك بعد صلحه، فان العدو ربما قارب ليتغفل، فخذ بالحزم، واتهم في ذلك حسن الظن((111)). الا انه‏يوصي بعدم استفزاز العدو ودفعه الى الحنث، فيقول: (استثارة الاعداء من الخذلان((112)).

وهكذا فان عليا ياتي بمبادئ جديدة بالنسبة الى الناس، لكنها مستخرجة من احكام الاسلام نفسه. فادعاء الحقوق دون‏سند شرعي، والامتناع عن اداء انسان ما هو ملزم شرعا بادائه، يشكل كل منهما اعتداء بالمعنى الوارد في القرآن. اما النكث‏فهو من المبررات التي سمح القرآن بموجبها بالقتال كما راينا.

المقارنة بين مواقف‏علي (ع) والقانون الحالي:

في ضوء التجربة التاريخية نرانا امام مقارنة على مستويين:

مستوى الاحكام او القواعد، ومستوى التنفيذ.

مستوى القواعد: راينا ان القانون الدولي اليوم وفي احدث ما وصل اليه، لا يقر الحرب ولا التهديد بها الا دفاعا، افراديااو جماعيا، عن النفس، او عن دول معتدى عليها، او تنفيذا لقرار من مجلس الامن، حسب الباب السابع، لحماية السلام‏العالمي، كما راينا ان عليا لا يقر الحرب الا دفاعا عن حقوق، لالزام من لم يؤدها، او دفعا لعدوان ممن يدعي حقوقا لايملكها شرعا.

فهل من خلاف؟ اننا نعتقد ان الجهة التي لا تؤدي الحقوق تخرق القواعد المتعلقة بالتزاماتها، الامر الذي يجعل، حسب مفاهيم اليوم‏الحقوقية، من واجب مجلس الامن التحرك لاجبار هذه الجهة على القيام بواجباتها.

اما الجهة التي تدعي ما ليس لها، وتقوم بالعدوان للحصول عليه، فللاخرين مواجهتها وردعها. كل ذلك مع التحفظ لجهة‏محاولة تسوية النزاعات بالطرق السلمية، والتي سنتناولها بعد هذا المقطع.

مستوى التنفيذ: يستلزم التنفيذ تطبيقا للمبادئ التي تحملها النصوص على الحالات الواقعية، وهذا يستدعي‏تفسيراللنصوص لتحديد مضمونها، وتوصيفا للوقائع لمعرفة ما اذا كانت تندرج تحت ما تحدده النصوص من مخالفات،ليصار فيما بعد الى توقيع العقوبات.

التفسير والتوصيف:

فعلى صعيد تفسير النصوص نجد ان القوى العظمى تعط‏ي النصوص المعاني الفضفاضة عندما تقتضي مصالحها التوسع‏في تطبيقها، والمعاني الضيقة حينما تريد التهرب من المسؤولية.

فالولايات المتحدة تتوسع في تفسير معنى التهديد ليشمل المصالح التي تدعيها، وتتوسع في تفسير مصالحها حتى‏تتغلب داخل كل بلد على مصالح البلد نفسه، وهكذا، فهي ترى مصالحها في فتح اسواق العالم امام بضائعها، حتى على‏حساب انتاج اي بلد في العالم، كما تراها في الاستيلاء على ما يحتاجه اقتصادها من مواد خام وبارخص الاسعار. فاذا قام‏بلد محاولا ان يدافع عن حقوقه في اسواقه وفي ثرواته، عدت الولايات المتحدة ذلك تهديدا لمصالحها يسمح لها بمحاصرة‏هذا البلد، وباستصدار القرارات الدولية للتضييق علية وصولا الى تحريك آلتها العسكرية ضده. فقد بدات ببسط هيمنتهاعلى القارة الاميركية، فراحت تتدخل في الشؤون الداخلية لكل بلد يحاول ان يختط سياسة مستقلة، فحاصرت كوبا،واطاحت رئيس تشيلي، وخلعت رئيس بنما، وتمرت على غواتيمالا وعلى فنزويلا، ومدت مخالبها الى القارات الاخراوروبا وآسيا وافريقيا، فاقامت الاحلاف ضد خصمها الاتحاد السوفياتي الى ان سقط نظامه، فحاكت الدسائس لتحتل‏الخليج وتحاصر ايران، واقامت القواعد في الامارات العربية والسعودية، واطاحت حكم صدام حسين بحجة الدفاع عن‏شعبها وليس فقط عن مصالحها، وكانت احتلت افغانستان تحت الذريعة نفسها.

والاتحاد السوفياتي احتل المجر سنة 1956، وتشيكوسلوفاكيا سنة 1968، وافغانستان سنة 1973 مدعيا الدفاع عن‏مصالحه، الا ان هذا الاتحاد زال وجودا ومصالح.

اما عندما تطال قواعد القانون الدولي الولايات المتحدة نفسها، او تطال حلفاءها، فهي تعمل على مسخ القواعد بالتضييق‏والتحديد في التفسير، حتى يتلاشى حق الشعوب في تحرير ارضها وتقرير مصيرها، وكذلك حق الدول في انتهاج سياسة‏مستقلة. وهذا ما يظهر جليا اليوم في موقفها من حركات المقاومة في فلسطين والعراق، وقبلها في جنوب افريقيا وغيرها،رغم اعتراف المنظمات الدولية بهذه الحقوق.

اما في توصيف الوقائع، فتصبح مقاومة العدوان اعتداء على مصالحها، بل وارهابا، ويصبح حق تقرير المصير عدوانا على‏المتسلطين (المسالمين) محبي السلام!! كشارون مثلا، ويصبح حفاظ الدولة على حقوقها وانتهاجها سياسة مستقلة،مروقاوخروجا على الحضارة والرفاهية العالمية، وينساق مجلس الامن الدولي احيانا كثيرة مع القوى العظمى في‏توصيفاتها هذه.

فاذا عدنا الى‏علي (ع)، فاننا نجد انه يقدس احكام الشرع، حتى ولو ادت الى تكبيله ومنعه من اغتنام الفرصة للقضاء على‏شر ولو كان داهما، وهذا ما فوت عليه الكثير من الفرص، وهذا ما يؤكده حين يقول: ). .. قد يرى الحول القلب وجه الحيلة‏ودونها مانع من امر اللّه او نهيه، فيدعها راي العين، بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين((113)).

وهكذا فهو لا يمنع طلحة والزبير من مغادرة المدينة الى مكة، رغم معرفته بانهما سيعدان للتمرد عليه، وهو لا يمنع جيش‏معاوية من ورود الماء في صفين، فينهزم دون قتال، وهو لا يقتل عمرو بن العاص بعد ان كشف عورته فاضطر الامام الى ان‏يشيح بنظره عنه...

وهكذا، فلا توسع في التفسير ولا تضييق تمليهما المصلحة الخاصة، بل التزام دقيق بقواعد الشرع في ادق تفاصيلها.

اما توصيف الوقائع، فهو التوصيف الموضوعي الذي لا يخضع للمزاج ولا للهوى، فهو يمدح بعضهم بانه: (يعطف الهوى‏على الهدى اذا عطفوا الهدى على الهوى، ويعطف الراي على القرآن اذا عطفوا القرآن على الراي((114)).

توقيع العقوبة:

ان العقوبة في نهاية المطاف هي شن الحرب على الجهة المرتكبة، فهل تطبق العقوبات اليوم بشكل متجرد؟ ان الحاصل اليوم هو ان القوى العظمى لا يعاقبها احد لعجزه عن ذلك، وكذلك الحلفاء المقربون لتلك القوى العظمى.فاميركا تشجع عدم الاستقرار في العالم، وتشن الحروب بدءا من حرب كوريا الى حرب فياتنام الى الهجوم على ليبيا الى‏تشجيع ثوار الكوانترا ضد حكومتهم الى تشجيع الانقلابات الى قصف كمبوديا... كما انها تحمي حلفاءها في اعتداءاتهم،واكبر دليل دولة (اسرائيل)، التي كان قبولها في عضوية الامم المتحدة مشروطا بتعيين حدودها، كما انها تمردت وما زالت‏تتمرد على قرارات الامم المتحدة، يسهل لها كل ذلك دعم وحماية الولايات المتحدة، التي لا تكتفي بذلك، بل هي تمنع‏مجلس الامن من اتخاذ القرار لمعاقبتها على جرائم الحرب، والجرائم ضد الانسانية التي ترتكبها.

اماعلي (ع)، فانه في تطبيقه للشريعة عقابا للجهات المذنبة، لم يكن ليحابي مقربا، فلو قسنا على مواقفه تجاه اقرب‏المقربين اليه، حيث يعلن استعداده لايقاع العقوبات بهم فيما لو ارتكبوا خرقا للشرع، لتاكدنا انه لا يحابي اي جهة بسبب‏العلاقة الخاصة او المصلحة.

فهو يخبر مالك الاشتر انه لا يتوانى عن تطبيق حكم اللّه فيه اذا قتل احدا بشكل مقصود، فيقول له: (ولا عذر لك عنداللّه وعندي في قتل العمد، لان فيه قود البدن((115)).

الوسائل السلمية لحل النزاعات:

لم تكن الحرب، وليست الان، الطريقة الوحيدة لمعالجة النزاعات بين الدول، فقد عرفت الانسانية وسائل يمكن ان نعدهاسلمية منذ اعماق التاريخ حتى اليوم، وقد اعطت ثمارا لا سيما عندما كانت النوايا حسنة.

وقد تمسك واضعو ميثاق الامم المتحدة بهذه الوسائل السلمية، فنصت المادة (33) منه في فقرتها الاولى على انه:

(يجب على اطراف اي نزاع من شان استمراره ان يعرض حفظ السلم والامن الدوليين للخطر، ان يلتمسوا حله اولا بطريق‏المفاوضة والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية، او ان يلجؤوا الى الوكالات والتنظيمات الاقليمية اوغيرها من الوسائل السلمية التي يقع عليها اختيارهم).

فالمفاوضة :ذرخژچخژرخ‏حت تقوم على تلاقي مسؤولين من الجهتين المتنازعتين لبحث اسباب النزاع وعناصره، بقصد التوصل‏الى حله. وقد تجري المفاوضة عن طريق مؤتمر دولي يجمع الجبهتين المتنازعين مع غيرهما.

والوساطة :ذرخژچخححت تتم من طريق مساهمة طرف ثالث بشكل نشيط، كان يقترح اسسا لحل النزاع او يفرضها.

وهناك‏وسيلة تقرب من الوساطة وهي:

المساعي الحميدة :ژحح‏خح‏ح‏ر حررخ وتقوم على التقريب بين مواقف الجهتين المتنازعتين لاستئناف المفاوضات او البدء بها.

وقد وضعت اتفاقية لاهاي لسنة 1907 المتعلقة بتسوية النزاعات الدولية بالوسائل السلمية، القواعد الخاصة بالمساعي‏الحميدة والوساطة في الفصل الثاني (المادة 2 - 8).

التحقيق: ويتم بواسطة لجان دولية يعرض عليها النزاع، وقد نظمت اتفاقية لاهاي المشار اليها سابقا طرق التحقيق في‏الباب الثالث (الماد 9 - 36)، ثم طورت معاهدات بريان (1913 - 1915) هذه الطرق بشكل واسع. ويهدف التحقيق عادة‏الى جلاء بعض النقاط في الخلاف بشكل موضوعي.

التوفيق: وهو وسيلة تقع بين الوساطة وبين الطرق القضائية، ويقوم على التحقيق في المسائل التي يقوم حولها النزاع،واقتراح الحلول التي يمكن ان يرضى بها الطرفان، وتقوم بالتوفيق لجان يطلق عليها تسمية (لجان التوفيق).

التحكيم :ذرخژچزژخچ‏زآ هو البت في النزاع من طريق شخص او هيئة يكلفها المتنازعون بذلك، ويخضعون لقرارها، لان له‏صفة الالزام. وقد نظمت التحكيم مؤتمرات لاهاي (1899 - 1907) وافردت له الاتفاقية الخاصة بتسوية المنازعات‏السلمية الفصل الرابع (المادة 27 - 90).

التسوية القضائية: وهي تقوم على عرض المسائل المتنازع حولها على (محكمة العدل الدولية) التي كرس انشاءها ميثاق‏الامم المتحدة، وكانت سبقتها (المحكمة الدائمة للعدل الدولي) في ظل عصبة الامم. والمحكمة تبت بالامور بالطريقة‏القضائية، معتمدة على القوانين والاعراف الدولية والمبادئ العامة للقانون.

اما اللجوء الى المنظمات والوكالات الاقليمية، فهو لوضع النزاع امام هذه الهيئات في سبيل بته.

موقف الامام‏علي (ع) من وسائل التسوية السلمية:

مارس الامام‏علي (ع) المفاوضة، ولجا الى التحكيم، ولمح الى قبوله المصالحة.

ا - المفاوضة: كان الرسول(ص) يامر قادته الا يباشروا حربا قبل طرح تخيير الخصم بين قبول شروط معينة وبين‏الحرب. ففي معركة خيبر ساله على ( قائلا: (علام اقاتلهم يا رسول اللّه؟( فقال ): (حتى يشهدوا ان لا اله الا اللّه وان محمدارسول اللّه.

فاذا فعلوا ذلك، فقد منعوا مني دماءهم واموالهم الا بحقها وحسابهم على اللّه، فان يهد اللّه بك رجلا واحدا، فهوخير لك مما طلعت عليه الشمس((116)).

وكانت تعليماته ( دائما ان يدعى العدو الى قبول شروط معينة، وان يعط‏ى مهلة تبلغ غالبا ثلاثة ايام حتى يجيب. فان‏رفض، تشن عليه الحرب. هذا اذا لم يكن بين الفريقين عهد ما((117)).

ولقد استخدم الامام على اسلوب المفاوضة قبل كل الحروب التي خاضها، فهو راسل معاوية بن ابي سفيان لمدة طويلة،كما انتدب ابن عباس لمفاوضة الخوارج، بل وفاوضهم هو بنفسه، وكان دائما يدعو الى النقاش، ويحاول الاقناع مدليابالحجج من كتاب اللّه وسنة رسوله((118)).

والى هذا فان عليا لم يبدا حربا في كل المعارك التي خاضها.

بل، كان يدعو الى المفاوضة ويصر عليها، حتى اذا هاجمه‏الخصم كان يعمد الى الدفاع.

ففي حرب الجمل بالبصرة ضد ام المؤمنين عائشة وطلحة والزبير، يبدا الامام حوارا مباشرا مع القوم رغم سبق احتلالهم‏البصرة، وغدرهم بعاملها وجيشه التابع لعلى (ع)، فيقول للشيخين [طلحة والزبير]:

-لعمري لقد اعددتما سلاحا وخيلا ورجالا، فهل اعددتما عذرا عند اللّه؟ وهنا، يتذرع الزبير بانهما قدما للمطالبة بدم عثمان، فيجيبه الامام (ع) -دم عثمان...! بل، انت وطلحة وليتماه، وانما توبتك منه ان تقيد نفسك وتسلمها لورثة الشيخ((119)).

واخيرا يقتنع الزبير بضرورة ترك الحرب.

وكان الامام خاطب الزبير بقوله: اولم تبايعني طائعا غير مكره؟ فيجيب: بايعتك والسيف على عنقي.

فيرد الامام: ما كنت لاكره رجلا على البيعة لي، ولو كنت مكرها احدا لاكرهت سعدا وابن عمر((120)) ومحمد بن‏مسلمة. ابوا البيعة واعتزلوا فتركتهم.

ويتابع‏علي (ع) مخاطبا طلحة: اليس اعظم الحدث ان اخرجتم امكم (عائشة)؟ اكان رضى لرسول اللّه يا ابا محمد ان‏تهتكوا سترا ضربه عليها وتخرجوها منه؟ فرد طلحة: انما جاءت للاصلاح.

فقال على (ع) يا ابا محمد، هي لعمر اللّه الى من يصلح لها امرها احوج((121)).

وكان على كتب الى السيدة عائشة، ينبهها الى اخطائها في تحركها. بعد ان امرها اللّه بان تلزم بيتها، ولا تخرج منه‏تستعرضها القبائل، فيقول: اما بعد، فانك خرجت من بيتك عاصية للّه عز وجل ولرسوله محمد(ص)، تطلبين امرا كان عنك‏موضوعا... وطلبت كما زعمت بدم عثمان، وعثمان رجل من بني امية، وانت امراة من تيم بن مرة. ولعمري ان الذي‏عرضك للبلاء، وحملك على المعصية، لاعظم اليك ذنبا من قتلة عثمان. وما غضبت من اغضبت، ولا هجت من هيجت،فاتقي اللّه يا عائشة وارجعي الى منزلك واسبلي عليك سترك((122)).

اما في حربه ضد معاوية، فقد كان الامام ( يبصر الناس بسلوك خصمه وارتكاباته، فيقول في كتاب الى بعض عماله: اناقد هممنا بالسير الى هؤلاء القوم الذين عملوا في عباد اللّه بغير ما انزل اللّه، واستاثروا بالفي، وعطلوا الحدود واماتوا الحق،واظهروا في الارض الفساد، واتخذوا الفاسقين وليجة من دون المؤمنين... فقد اصروا على الظلم واجمعوا على‏الخلاف((123)).

ويرد الامام على(ع) اتهام معاوية له بقتل عثمان، فيقول: اما اكثارك الحجاج في عثمان وقتله، فانك انما نصرت عثمان‏حيث كان النصر لك، وخذلته حين كان النصر له((124)).

ولم يتوقف الامام واصحابه عن النقاش مع قادة جند الشام في صفين، فهاهو حتى بعد ان حاول جند معاوية منع جنده‏من الوصول الى شريعة الفرات، وبعد ان استولى جنده على شريعة النهر يعاود ارسال الرسل الى معاوية، فيقول: ائتوا هذاالرجل فادعوه الى اللّه عز وجل والى الطاعة والجماعة.

فيذهب جماعة من اصحابه الى معاوية ويقول له احدهم: ... انك لا تجد شيئا تستغوي به الناس وتستميل اهواءهم،وتستخلص به طاعتهم الا ان قلت لهم: قتل امامكم (عثمان) مظلوما، فهلموا نطلب بدمه.

اما الخوارج فقد جادلهم الامام مدة طويلة، رغم تكفيرهم اياه بسبب قبوله التحكيم، فيذكرهم بموقفه ومواقفهم فيقول:اني اردتكم على قتالهم فتواكلتم ووهنتم، واصابكم الم الجراح فجزعتم وعصيتموني. ان القضية ليست بذنب، ولكنها تقصيروعجز اتيتموه وانا له كاره((125)).

اما عن قبوله بتحكيم الرجال، فيرد (ع) شرطت على الحكمين ان يحييا ما احيا الكتاب، ويميتا ما امات. فنحن حكمناالقرآن ولم نحكم الرجال((126)).

وبعد نهاية التحكيم توجه على الى الخوارج قائلا: قد جاءكم ما كنتم تريدون، فقد تفرق الحكمان على غير حكومة ولااتفاق، فارجعوا الى ما كنتم عليه، فاني اريد المسير الى الشام. ولكنهم عادوا الى شرطهم القديم، ان يشهد على نفسه‏بالكفر((127)).

ب - التحكيم: لقد اشتهرت قضية التحكيم التي قام بها ابو موسى الاشعري، الذي اجبر الامام على ( على انتدابه، وعمروبن العاص الذي انتدبه معاوية. وكانت النتيجة ان اختلف الحكمان في الحكم، بعد ان خدع عمرو بن العاص ابا موسى‏فاعلن الاخير خلع‏علي (ع) فيما هو ثبت معاوية، بعد ان كانا اتفقا على خلع الخصمين..

ج - المصالحة: لام‏علي (ع) بعض الصحابة الذين شككوا في حروبه، على عدم تدخلهم للمصالحة، كما يامر القرآن‏الكريم.

فقد اتاه كل من عبداللّه بن عمر وسعد بن ابي وقاص ومحمد بن مسلمة الانصاري والمغيرة بن شعبة يطالبون‏بعطائهم، ولما سالهم لماذا لم يلتحقوا به في الحرب، تعللوا بانهم لم يكونوا يعرفون حقا من باطل خصوصا في موضوع‏مقتل عثمان بن عفان.

فقال على: الستم تعلمون ان اللّه عز وجل امركم ان تامروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر، فقال: ( وان طائفتان من‏المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفي الى امر اللّه فان فاءت‏فاصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا ان اللّه يحب المقسطين)؟ من هن((128))ا تبين ان عليا كان مؤمنا بان على المسلمين ان يحاولوا الصلح، بل وان يفرضوه بردع المعتدي.

وبهذا تتفق المصالحة مع اشكال مختلفة من المحاولات السلمية، فيمكن ان تشمل الوساطة والمساعي الحميدة‏والتوفيق، بل والتحقيق والتسوية القضائية.

3 - شروط بدء الحرب:

تقضي اعراف الحرب بان يسبق الاعمال العسكرية انذار للعدو، كما تقضي بذلك اخلاقيات الحرب والفروسية. الا ان‏هذه الاعراف والاخلاقيات ما كانت دائما لتتبع، فكثيرا ما كان الاقوياء يشنون الحروب بشكل مفاجئ، وياخذون اعداءهم‏على حين غرة.

الا ان اعدادا من المفكرين عملوا منذ القدم على تفادي الحروب او التخفيف من ويلاتها. وقد حاولوا منذ بدايات القرن‏العشرين تقنين مسالة اعلان الحرب، بحيث يسبق العمليات العسكرية انذار واضح ونهائي.

وقد نظم ذلك في الاتفاقية الثالثة لمؤتمر لاهاي سنة 1907، حيث كانت هولندا اقترحت ان يسبق الانذار العمليات‏الحربية ب‏24 ساعة، الا ان الاقتراح لم يؤخذ به، واقتصرت الاتفاقية الثالثة في مادتها الاولى على ضرورة ان يسبق‏العمليات العسكرية انذار، دون تحديد فاصل زمني بينهما.

وفي الواقع، غالبا ما تشن اليوم الحروب وياتي الانذار لاحقا، وذلك على الرغم من ضرورته، لما للحرب من تاثير على‏العلاقات الدولية، ولما يطرحه خاصة من واجبات على الدول المحايدة، ومن حقوق للدول المحاربة، من مثل تفتيش‏السفن في المياه الدولية، وغير ذلك من الحقوق.

اما في الاسلام، فان شن الحرب لا بد من ان تسبقه دعوة للخصم، فقد كان الرسول(ص) يوصي قادته المتوجهين الى‏القتال بقوله: (تالفوا الناس وتانوا بهم ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم، فما على الارض اهل بيت من مدر ولا وبر الا ان‏تاتوني بهم مسلمين احب الى من ان تاتوني بابنائهم ونسائهم وتقتلوا رجالهم((129))، و (ما قاتل رسول اللّه قوما الادعاهم((130)).

بل، ان الرسول كان يامر المسلمين بالا يتمنوا لقاء العدو، ويسالوا اللّه العافية((131)).

لقد سار على على نهج ضرورة مناقشة الخصوم، ودعوتهم الى كتاب اللّه وسنة رسوله، ويبين لهم بطلان موقف قادتهم (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة((132)).

الا ان الامام ذهب ابعد في مجال الرحمة والحفاظ على الارواح بحكم ان قتاله كان مع اهل القبلة، فهو كان يؤخر الحرب‏الى ما بعد الظهر (الزوال)، ثم لا يبدا عدوه بالقتال.

ففي مسالة تاخير الحرب حتى الزوال، رويت احاديث عن رسول اللّه (ص) الا انها حسب الصيغة المروية لم تتضح‏الغاية الانسانية منها، ولم تبد الزامية، فقد ورد: كان رسول اللّه (ص) اذا لم يقاتل في اول النهار اخر القتال حتى تزول‏الشمس، وتهب الرياح، وينزل النصر((133)).

اما على فكان الحديث المروي عنه اوضح، اذ انه الى ما ورد من اسباب تاخير تعزى الى الرسول، يضيف ان ذلك مدعاة‏للاقلال من القتل، وللسماح بالانسحاب او الفرار لمن يريد ذلك، فقد ورد: كان امير المؤمنين ( لا يقاتل حتى تزول الشمس‏ويقول:

تفتح ابواب السماء، وتقبل الرحمة، وينزل النصر، ويقول: هو اقرب الى الليل، واجدر ان يقل القتل، ويرجع الطالب،ويفلت المنهزم((134)).

اما مسالة عدم البدء بقتال، فقد التزم بها الامام في كل حروبه، ففي حرب الجمل امر جيشه قائلا: (لا تقاتلوا القوم حتى‏يبداوكم، فانكم بحمد اللّه على حجة، وكفكم عنهم حتى يبداوكم حجة اخرى).

وقد قتل عدة اشخاص من جيش على ولم ياذن بالقتال.

وفي اليوم التالي عمدعلي (ع) الى عرض كتاب اللّه على الخصوم تعبيرا عن دعوة نفسه ودعوتهم الى تحكيمه فيما بينهم.

فطلب ان يوافيه استشهادي من جيشه يحمل القرآن الى القوم، فيقول: (ايكم ياخذ هذا المصحف يدعوهم الى ما فيه، وهومقتول؟ فيجيبه فتى: انا يا امير المؤمنين. وينتهي الامر بتكليفه بذلك، فيقول له: اعرض هذا عليهم، وقل هو بيننا وبينكم، واللّهاللّه في دمائنا ودمائكم. ولكنهم قتلوه. فعندها سمح الامام بالقتال.

وفي معركة صفين كان يطلب من قادته عدم البدء بالقتال، فهو يامر معقل بن قيس قائد مقدمته الى الشام بقوله: (فاذالقيت العدو فقف من اصحابك وسطا، ولا تدن من القوم دنو من يريد ان ينشب الحرب، ولا تباعد عنهم تباعد من يهاب‏الباس، حتى ياتيك امري، ولا يحملنكم شننهم على قتالهم قبل دعائهم والاعذار اليهم((135)).

كما يامر الجيش دائما بقوله: (لا تقاتلوهم حتى يبدؤوكم، فانكم بحمد اللّه على حجة، وترككم اياهم يبدؤونكم حجة‏اخرى لكم عليهم((136)).

وفي محاولة اخرى لحقن الدماء، يدعو على معاوية للمبارزة واعفاء الفريقين من القتال، فينكل معاوية((137)).

وفي معركة النهروان ضد الخوارج، وبعد ان ابلغهم بانه لن يبداهم بحرب ان لم يبداوه بها((138))، فقد نصب لهم راية مع‏ابي ايوب الانصاري لينحاز اليها من يقتنع بحججه فانحاز اليها الف رجل((139)).

من كل ما تقدم يتبين ان عليا لم يبدا ايا من الحروب التي خاضها سواء في البصرة او صفين او النهروان.

افكان لا يؤمن بشن الحرب؟ فاذا كان الجواب بالايجاب، فلماذا كان يحشد الجيوش؟ وان كان بالنفي، لماذا كان ينتظر ان يبداه الخصم؟ من جهة ثانية كان على يعلن انه مستعد للقتال في حالتين كما راينا، حيث يقول: (الا واني اقاتل رجلين: رجلا ادعى ماليس له، وآخر منع الذي عليه). فكيف يمكن التوفيق بين كل ذلك؟ ان الجواب لا بد براينا ان يكون:

ان عليا كان يتحرك عندما يستولي احدهم على ما ليس له حق به، او عندما يمتنع آخر عن اداء ما عليه، بالا يقوم بماهو مطلوب منه، ثم يعمد الى مطالبة كل منهما بان يتراجع عن موقفه، فان اصر ناقشه على علنا بنفسه او كلف آخرين‏بنقاشه، حتى يعلم هو ويعلم انصاره ويعلم الناس انه على باطل، فاذا اصر يتحرك على للاستيلاء على ما يحتجزه، او لعزله‏وتكليف غيره بالعمل.

فان تراجع تنتهي المشكلة وان قاتل يقاتله‏علي (ع)، وهذا ما فعله في حروبه الثلاث.

ففي حرب البصرة، تحرك من المدينة بعدد من المقاتلين، كي يتصدى لاصحاب الجمل ويناقشهم امام انصارهم، ولماوجدهم قد استولوا على البصرة، حاول من جديد ان يتفاهم معهم على تاكيد بيعتهم له، وبالتالي التخلي عن مشروعهم‏الذي يتناقض مع هذه البيعة.

والى الشام تحرك، لينفذ قرارا له بصفة كونه الخليفة، بخلع معاوية عن ولاية تلك البلاد، بعد ان رفض ذلك، وتعيين آخرمكانه.

وفي النهروان، طالب على الخوارج بان يدفعوا اليه القتلة الذين سفكوا دم عبداللّه بن خباب بن الارت وزوجته الحامل،ولكنهم رفضوا ذلك، واعلنوا انهم جميعا قتلوهم.

ولكن هل هذه القاعدة - قاعدة ان الامتناع عن قتال من يدعي ما ليس له او الذي يمنع ما عليه - الزامية؟ راينا ان عليا كان يقول لجيشه: انكم على حجة، وان تركتموهم يبداونكم القتال حجة اخرى عليهم، الا تكفي الحجة‏الاولى؟ اننا نعتقد ان الحجة الاولى تكفي، لكن يستنتج من مواقف الامام ان القائد مخير بين ان يكتفي بالحجة الاساسية، او ان‏يتمسك الى جانبها بالحجة الثانية، ومن هنا فاننا نرى، انه ما دام القائد له صلاحية الاختيار، ففي هذه الحالة يستطيع عقدالمعاهدات التي تجعل الشرطين الزاميين معا لبدء القتال او الاكتفاء بالشرط الاول. ولما كان اتجاه الانسانية الى مزيد من‏الحفاظ على فرص السلام، فانه لا مانع، حسب مواقف‏علي (ع) من التشد وفي شروط الحرب.

ما الذي يحصل اليوم واقعيا:

اذا كانت الاتفاقية الثالثة لمؤتمر لاهاي لسنة 1907 تقضي بان يسبق الحرب انذار دون تحديد مهلة، فان الحاصل اليوم‏لا ينطبق دائما على ذلك. فالدولة قد تعلن الحرب قبل بدئها بمدة معقولة، اذا كان العدو لا يمكنه الوقوف بوجهها، اما اذاكان الامر غير ذلك، فهي لا تتقيد دائما بهذه القاعدة، فقد تعلن الحرب بعد تحريك الجيوش، وقد تعلنها بعد بدء العمليات‏العسكرية لتتمكن من تحقيق عنصر المفاجاة، في الوقت الذي اصبح فيه هذا العنصر حيويا جدا في الحروب.

فاليوم وبعدامتلاك الدول اسلحة الدمار الشامل، وخاصة النووية منها، فان من يتمكن من توجيه الضربة الاولى، قد يحسم الحرب‏لمصلحته، كما يرى الكثيرون.

فهل تستطيع اي دولة ان تخاطر بتفويت الفرصة على نفسها في الوقت الذي قد ينتهزها عدوها؟ قد يجيب بعضهم ان‏قواعد القانون الدولي تمنع ذلك.

ولكن ردا نقول: ان قواعد القانون الدولي لا تعمل ذاتيا (اوتوماتيكيا)، بل لا بد من منفذين لها، فاين هم هؤلاء المنفذون،وهل يستطيعون، ان وجدوا، ان يردعوا الاعتداء؟ ان مجلس الامن يستطيع بموجب الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة، ان يستخدم الجيوش التي تصنعها بتصرفه‏الدول الاعضاء، وان يتدخل عسكريا لردع المعتدي. فقد نصت المادة (42) من الفصل المذكور على انه (اذا راى مجلس‏الامن ان التدابير المنصوص عليها في المادة (41) (التدابير غير العسكرية) لا تفي بالغرض، او ثبت انها لم تف به، جاز له‏ان يتخذ بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الاعمال ما يلزم لحفظ السلم والامن الدوليين، او لاعادته الى‏نصابه...).

وهنا لا بد من تذكر حقيقتين:

الاولى: ان مجلس الامن ليس جهة حيادية في المجتمع الدولي، بل هو مكون من مندوبي دول لها مصالحها وصداقاتهاوعداواتها، وبالتالي فان القرارات يصعب ان تكون نابعة من الحق، لا سيما وان الدول الكبرى، واغلبها كانت تقتسم العالم‏الى مناطق نفوذ، تستطيع اي منها ان تعطل اي قرار لا يلائمها، لا بل ان بعضها، وهي اليوم بشكل خاص الولايات المتحدة‏الاميركية، تستطيع غالبا استصدار قرارات لصالحها، حتى عندما تكون معتدية، او لصالح اصدقائها مهما ارتكبوا من‏جرائم.

الثانية: ان هناك من الدول الكبرى من لا يستطيع المجتمع الدولي ردعها عسكريا، والتاريخ الحديث ملي بالامثلة.

في حين ان عليا لم يفكر يوما بمصلحة خاصة له ولجماعته، بل كان ينفذ تعاليم الشرع سواء المعروفة او التي استنبطها دون‏ان يحيد عنها قيد انملة، لانه يعد ذلك تكليفا دينيا فرضه اللّه تعالى على الناس، ولا تجوز مخالفته، لان (ومن لم‏يح كم بماانزل اللّه فاولئك هم الكافرون(، و (وكتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن‏بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما انزل اللّه فاولئك هم الظالمون(، و ( وليحكم اهل‏الانجيل بما انزل اللّه فيه ومن لم يحكم بما انزل اللّه فاولئك هم الفاسقون((140)).

قاعدة عدم بدء القتال: وهنا سؤال لا بد ان يطرح: هل يمكن في ظل وجود اسلحة الدمار الشامل بما فيها الاسلحة‏النووية ترك الفرصة للعدو ليبدا القتال؟ معروف ان استخدام الاسلحة النووية يؤدي الى دمار عظيم في الحدود الدنيا، والى القضاء على كل مظاهر الحياة‏والعمران على الكرة الارضية في الحدود القصوى، فهل يعقل ان يترك خصم لخصمه الفرصة لان يدمره بهذا الشكل؟ ان الجواب هو ان العاقل لا يمكنه ان يغامر باللجوء الى هذه المغامرة او بالتالي يكون البادئ فيها. ومن جهة ثانية فان‏من يستخدم هذه الاسلحة لا بد ان يتلقى الرد بشكل حتمي، لان الاعداء من مالكي الاسلحة النووية، يقيم كل منهم رصداعلى اسلحة الاخر، بحيث يمكنه ان يكتشف ان عدوه اطلق صواريخه حاملة الرؤوس النووية، قبل وصولها الى اهدافها،فيعمد وقبل ان يلحقه الدمار الماحق الى اطلاق ترسانته فيدمر الطرفان.

من هنا، فان مسالة ان يترك كل خصم خصمه ليبادر الى تحمل هذا الوزر، مسالة ممكنة، بل وواجبة. ومن هنا، فان عدم‏المبادرة الى القتل كانما شرعت لهذا العصر، لا للعصر الذي كان القتال فيه يتم غالبا بين افراد وافراد - يدويا - حتى في‏المعارك الكبرى.

رواية الخلق الاول، قراءة مقارنة
رواية الخلق الاول قراءة مقارنة لظاهرة «آدم‏» في الفكر الاسلامي والمسيحي

ا. اعظم ض‏ويا
 
ترجمة: عبدالرحيم الحمراني مقدمة:

ان خلق آدم (ع)، خداع ابليس له، الشجرة المحظورة، خطيئة آدم وبالتالي هبوطه من الجنة، لتمثل النتيجة الطبيعية‏لمسالة «الفداء». وكان آدم والمسيح هما البطلان الرئيسيان لنظام الخلقة:

فكلاهما ابن اللّه((141))، مع هذه الفوارق وهي ان الاول يمثل الطين فيما يمثل الثاني الافلاك، الاول رمز الاسر وقدفرضه على ذريته، في حين يرمز الثاني للحرية والمحبة مجسدا المنقذ لتلك الذرية.

اح((142))دهما منادي الموت والاخر الحياة((143)). اضف الى كل ذلك فان روح المسيح مهيمنة على آدم، لان روحه‏ازلية وخلقه متقدم على خلقة آدم((144)).

منذ امد بعيد والبشرية ترمق السماء بعيونها الحائرة التي تتطلع لحلول تلك الروح المنقذة - المتمثلة بالمسيح - في جسدآدم بغية تحريرها من قيود واغلال ذلك الاسر، وخلاصها من ذلك الخجل والاحراج الذي تقمصها جراء خطيئة ابيها آدم.الا ان ذلك لا يتاتى الا من خلال هزة عنيفة هي «فداء المسيح‏»((145)).

ان موت عيسى هو الذي منح جسد آدم الحياة ثانية بعد نفخه يوم القيامة،((146)) بعد ما احال جميع معاني تلك الحياة‏رمادا بخطيئته.

والمقالة التي بين يديك عزيزي القارى تمثل محاولة اجمالية وتطبيقية لابراز وجوه الشبه والاختلاف بين المدرستين‏الاسلامية والمسيحية بشان بعض المسائل، من قبيل: خلقه آدم، الشجرة المحظورة، خداع آدم، خطيئته وهبوطه، وكذلك‏قضية الفداء.

وستكون مادتنا بهذا الخصوص، النصوص التي تضمنتهما المدرستان المذكورتان، والتعليقات والشروح الواردة بهذاالشان. وقد اعتمدنا آراء المفكر المسيحي «اغوسطين القديس‏»((147)) من بين مفسري الكتاب المقدس، في حين آثرنا آراءسائر المفسرين لمباحث اخرى.

آدم ونظريات الخلق الاول ليس هناك اختلاف بين النظرة القرآنية، والعهد القديم - المصدر الرئيسي للدين المسيحي - بشان المادة الاولى لخلق آدم‏على انها كانت من الطين. وقد ورد التصريح بذلك في القرآن على لسان ابليس، اذ قال تعالى: (قال ما منعك الا تسجد اذامرتك قال انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين((148)).

وقد وردت كلمة (الصلصال( بدلا من (الطين( في سورة الحجر والتي تنتهي في نهاية المطاف الى الطين ايضا.

اما التوراة فقد اشارت لهذه القضية في موضعين: احدهما في الباب الاول لسفر تكوين الوجود خلال ستة ايام، والاخرفي الباب الثاني الى الخامس من ذلك السفر، على ان مادة خلقه كانت الارض في موضع، واديم الارض في موضع آخر.

فقد جاء في الباب الاول ان اللّه اوحى الى الارض: لقد خلقنا آدم على غرار هيئتنا. اما في الباب الثاني فقد صرح بان اللّهخلقه من اديم الارض، اما المرحلة اللاحقة التي اعقبت تسوية آدم وخلقه فهي نفخ الروح فيه، وهي المرحلة التي يتفق‏عليها هذان الكتابان السماويان ايضا. فقد عبر عنها القرآن بالاية الكريمة (ونفخت فيه من روحي)((149)).

في حين المح العهد القديم الى نفخة الروح قائلا: (فنفخ في انفه روح الحياة((150)).

اما التوراة فقد جاء فيها: (ان اللّه خلق آدم على صورته((151)).

والواقع ان مثل هذه العبارة لم ترد في القرآن، وان لم‏تكن غريبة على اتباع المدرسة الاسلامية، فهناك بعض المصادر الروائية التي تعرضت لها بغض النظر عن الاختلاف‏الموجود في صحة سندها او سقمه.

ولعل هذا الاشكال زائل اذا ما اقصينا ذلك الخلاف، الامر الذي يفتح الباب على مصراعيه امام مسالة التاويل.

وهذا ما انتهجه الذين فسروا التوراة حين اجتهدوا في تاويل ذلك النص، ولذلك تطالعنا التراجم العصرية للتوراة - ومنهاالترجمة التي قامت بها (دار النشر لمؤسسة اوتصرهتورا الثقافية) - بالعبارة الاتية (من الناحية المعنوية) الى جانب تلك التي‏وردت قائلة (على صورته) [اي اللّه].

اي ان مفسري المدرستين عمدوا للتاويل المعنوي لحقيقة تلك الروح التي نفخت في آدم مصطلحين عليها ب (الحياة).

في حين ميز اغوسطين بين (الروح الحية( و(الروح الواهبة للحياة( معتقدا بان الروح الحية هي تلك الروح التي نفخت في‏آدم عقيب خلقه من الطين، وان الانسان انما يستحق بفعل الطاعة ان تسبغ عليه (الروح الواهبة للحياة)((152)).

الفارق الاخر بين القرآن والتوراة في باب خلق آدم انما يكمن في قضية خلافته للّه. فقد صرح القرآن بها في حين افتقرت‏التوراة حتى الى الاشارة والتلميح لها من قريب او بعيد.

وهنا لابد من القول بان متكلمي العهد القديم وشراحه قد خاضوا في تفاصيل هذه القضية، الى جانب الابحاث المسهبة‏التي ساقها اتباع اغوسطين وتوما الاكويني في هذا الاطار، والتي يبدو انها ذات جذور متاصلة في كتابهم المقدس‏ومصادرهم الروائية.

رواية خداع آدم

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية