الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

وجواب ذلك هو احتمال قيام القوى المناوئة، باعمال تلحق الضرر بنقود المحتل اذ من الممكن ان تدخر هذه القوى‏مقادير كبيرة من هذه النقود، لتستفيد منها في الاوقات المناسبة، لتوجيه ضربة للمحتل وافتعال حاجة مصطنعة او شراءاسلحة ومعدات، من جهة اخرى يدع المجال مفتوحا امام ابناء البلد المحرر لزعزعة القدرة الشرائية لنقد المحتل من خلال‏التصرف به، وهو ما يؤدي الى عدم رضا شعوب البلدان الغازية ويسبب اضطرابا في الاوضاع الاقتصادية، وهذا ما اجبرانجلترا ان تحول دون انتشار الليرة الاسترلينية في المغرب. كما ان رجوع نقود المحتل الى بلده يبعث على انخفاض قيمة‏النقد وظهور تضخم في الاسعار، ليكون ارضية لبروز مصائب كبيرة، من هنا يمنع المحتل من تبادل هذه النقود العسكرية‏في بلده، وهو ما قامت به المانيا، فلم تسمح بتبديل نقودها العسكرية بعملتها التي تتداولها في داخل المانيا، اي المارك.

ان المحتل بطبعه النقود العسكرية وضخها في اسواق الدول التي تعيش تحت الاحتلال، يقوم بعملية شراء ما يحتاجه من‏سلع لارسالها الى بلده، وهو ما يجعل البضائع تقدم الى المحتل على نحو المجان وان تقاضى البائع في مقابلها ثمنا في‏الظاهر.

ثانيا - النقد الاسمي والذي تقوم المصارف والمؤسسات المالية غير المصرفية بتداوله وهو على قسمين:

1 - الاوراق المصرفية: وهي الحوالات التي تصدر على شكل شيك مصرفي او شيك ضمان او حوالة مصرفية من‏مصرف في عهدته او في عهدة مصرف آخر. وهذه الاوراق نوع نقد اسمي من قبيل الخصم، تدل على خصم لمصرف آخر.

2 - الودائع تحت الطلب: وهي عبارة عن النقود التي يدفعها اصحابها للمصرف على ان يردها لهم او لشخص آخر فيمااذا اصدر اصحابها حوالة لغيرهم بمجرد الطلب، وهي نوع نقد اسمي من قبيل الخصم، وذلك لان المصارف تلتزم برد مبلغ‏مساو لها من النقد الالزامي نقدا، مقابل استلامها حوالة او شيكا يصدر عن صاحب الودائع. ومن الواضح ان الحوالة والشيك‏ليسا مالا وانما وسيلة ووثيقة لانتقال هذا النوع من المال((273)).

المعيار الثاني: على اساس المواصفات الطبيعية للمادة الخام، كانت هناك مئات الانواع من النقد بمواد خام مختلفة على‏مر التاريخ (وهذا التقسيم سنتعرض له بالتفصيل).

المعيار الثالث: على اساس النقد والنسيئة.

النقد نقدا النقد نقدا: هو نقد تبلورت وتجلت قيمته الاسمية، في عين خارجية، وهي تحمل القيمة التبادلية. وفي هذا النوع من‏النقود، تقطع العلاقة بين قيمتها التبادلية والمعتبر (من حيث تعهد الدفع) من ناحية قانونية. فاذا تلفت فلا يتحمل المعتبرالمسؤولية في دفع ما بازائها كما هو الحال في الذهب والفضة، فاذا تلفا فان من قام بضرب السكة لا يتعهد عادة بالتعويض،او مثل النقود الالزامية المتعارفة اليوم، فان ناشرها لا يتحمل تعويضها لصاحبها (باي صورة كانت سواء من الذهب او الفضة‏او البضائع)، الا اذا لم تنقطع هذه العلاقة من الناحية القانونية، بحيث اذا تلف ذلك الشي فالمعتبر ملزم بدفع العوض لصاحب‏النقد، ومثاله النقود الورقية المضمونة التسديد على اساس الذهب والفضة والتي كانت متعارفة من قبل الدول، بيد ان‏اصحاب الاوراق النقدية والنقود المتداولة، يغفلون عن قابلية التبديل هذه عند التعامل، فينظرون اليها بشكل مستقل،فيتعاملون بها. فقابلية التبديل وان كانت قائمة من الناحية القانونية، ولكن بما ان الناس ينظرون اليها مستقلة، من هنا،نسميها نقود نقد لا نسيئة. ففي هذا النوع من النقد يتصور كل واحد من الطرفين القيمة التبادلية مستقلة عند المعاملة.

النقد نسيئة النقد نسيئة: هو نقد لا تتجسد قيمته الاسمية في شي خارجي، وبعبارة اخرى: ان هذا النقد يدع تعهد تسديد بعهدة‏المحرر او القائم بعملية اصدار الايصالات، فهو تعهد في الذمة فاذا تلفت الايصالات الصادرة فالمحرر او الناشر مسؤول‏عن التسديد لاصحاب الايصالات فلا يسقط من العهدة، هذا اولا. وثانيا: ان الافراد لا يغفلون عن قابلية تبديلها عندالتعامل فعلى سبيل المثال: يمكن ملاحظة زمن تداول ايصالات النقد العياري من قبل المصارف او الدولة او المراحل‏الاولى لظهور النقد التي تتضمن التغطية 100% وتقوم الدول او البنوك المركزية باصدارها.

وفي ظل هذه البرامج النقدية، يتم تداول الايصالات والاوراق النقدية بين الافراد للقيام بوظائف تسديد قيمة السلع‏والخدمات وسائر الامور، الا ان الطرفين لا ينظران القيم التبادلية مستقلة في الايصال عند المعاملة، وانما في طلب صاحب‏الايصال وخصم الناشر، وهذا هو الخصم في الحقيقة الذي انتقل من ملكية احد طرفي المعاملة الى الاخر. ولم تكن‏ايصالات النقد العياري الكامل والاوراق النقدية المغطاة 100% الا نائبة عن النقد، وليست هي النقد. وخصم ناشر النقد هوالذي يلعب دور وسيلة التبادل و مستودع القيمة ومقياسها.

وهناك مثال آخر، وهو ان الودائع تحت الطلب والتي تحدثهاالبنوك والشيكات الصادرة على اساس هذا النوع من الودائع، مهما اتسع نطاقها، فانها تحكي خصم البنوك ولا تعتبر نقدا بل‏هي ايصالات، والنقد في الواقع انما هو الودائع وخصم البنوك، ويطلق على هذا النقد اسم «نقد الوديعة‏»((274)).

ولا بد من الالتفات الى ان هذا النوع من الوثائق حتى في صورة حفظ قابلية تبديله من قبل الناشر، فانه لا يمكن ان‏يكون من النقود نسيئة، بل هي عملة نقدية ما زال الناس يغفلون عن قابلية التبديل وينظرون اليها بشكل مستقل.

ان الورقة النقدية منذ المراحل الاولى لانتشارها ورغم قابلية تبديلها الى ذهب وفضة من قبل الدول بدرجة 100%ومحافظتها على هذا الوضع، الا ان الافراد يرونها مستقلة، وهذا ما جعلها نقودا نقدا. وهكذا اتسمت بعض الشيكات بحالة‏من التعميم والانتشار، وذلك لان الناس كانوا ينظرون اليها مستقلة، وهذه الشيكات وان كانت لها قابلية، ولكنها اصبحت‏من النقود نقدا.

وهناك امر آخر لابد من اخذه بنظر الاعتبار وهو ان الاوراق النقدية والمغطاة على اساس الذهب والفضة بدرجة 100%وايصالات النقد العياري او الشيكات المصرفية الصادرة والتي تم تداولها وان عدت ايصالا نقديا، ولكن في مقام العمل‏عندما تتلف هذه الايصالات، فسوف لن يدفع محررها او الناشر نقدا عياريا او اسميالاصحابها، وهذا لا يعني تلف مال‏صاحب الايصال، فماله باق وهو المالك له ولكن من الناحية العملية قد سلب منه حق التصرف، وذلك لتلف الايصال.

وعلى‏هذا الاساس فليس المقصود من عدم تسديد المحرر او الناشر الى صاحب الايصال حال التلف، ذهاب حق مال صاحب‏الايصال، ولن يؤثر على تعريف النقد.

المعيار الرابع: على اساس المقارنة بين القيمة التبادلية للنقد وقيمة مادته الخام.

ان النقد وفقا لهذا المعيار على نوعين: النقد العياري، والنقد الالزامي. فهناك تساو في النوع الاول بين قيمته النقدية وقيمة‏مادته الخام، وليس كذلك في الثاني، فقيمة النقد نقدا اكثر من قيمته كمادة خام، وعندما تكون قيمة المادة الخام صفراتقريبافيطلق على هذا «الاسمي البحت‏».

انواع النقد من خلال تركيب المعيار الثالث والرابع ينقسم النقد نتيجة لتركيب المعيار الثالث والرابع، والذي يمتاز باهمية بالغة، الى اربعة عناوين عامة وهي:

النقد العياري نقدا ان النقد العياري نقدا، نقد وذلك لتساوي قيمة مادته الخام في الاستهلاكات غير النقدية مع قيمته بصورة نقد في‏المبادلات والمعاملات، وهو ما يسمى ب «العياري‏» هذا اولا.

وثانيا: ان هذا النوع من النقد (كالنقود من الذهب والفضة) باعتباره يتم تداوله بين الناس، ويرفع الحاجات النقدية بصورة‏آنية يسمى «نقدا». وهناك الكثير من النقود القديمة التي كانت بصورة بضائع مثل الرز والملح و.. ، فقد كان لها قيمة بما هي‏بضاعة بنفس المقدار الذي هي نقد.

النقد العياري نسيئة ان النقد العياري نسيئة، نقد تتساوى قيمة مادته الخام في الاستعمالات غير النقدية مع قيمته كنقد، بسبب كونه عيارياولانه نسيئة، فيتم تداوله بصورة تعهدات واعتبارات، وعملية التداول تتحقق من خلال ايصال هذا النقد، وذلك من قبيل‏ايصال النقد العياري، او النقود الورقية المغطاة 100% على اساس الذهب والفضة او سائر البضائع الاخرى، هذا فيما اذا كان‏التبادل بهذا الايصال او الاوراق النقدية يتم دون اغفال ضمان التسديد على اساس الذهب والفضة او بقية السلع في مقابل‏هذه الايصالات. ان ايصالات النقد العياري يصدرها الصرافون او المصارف او الدول في بعض الاحيان. وكان من المتعارف‏التساوي بين قيمته وقيمة المعدن الذي تعبر عنه هذه الايصالات، ثم اخذ مقدار الايصالات يتزايد عن مقادير الفلز الذي‏بحوزة الناشرين، فاخذت تصدر اوراق نقدية مغطاة 100% من قبل الدول والبنوك المركزية ايضا. وكانت هذه النقود تعادل‏قيمة الفلز الذي يعد رصيدا لها في البداية، ولكنها ازدادت قيمتها عدة اضعاف فيما بعد، ومع ذلك حافظت الدول والبنوك‏المركزية ضمن هذه الالية على الالتزام بالتسديد بدرجة 100% بصورة فلزات ذهب وفضة، وقد ساعد نشر هذا النوع من‏الايصالات والاوراق النقدية على تقليل الكثير من النفقات، من قبيل نفقة ضرب السكة والحفاظ عليها وخزنها وحملهاونقلها و... ان النقد العياري - نقدا كان ام نسيئة - قد انتشر وتم العمل به في اطار نظم مالية، منها نظام المعدن الواحد،والمعدنين والمعدن المختلط وكان في نفس الوقت في اغلب المواقع تشاهد عملية تداول النقد العياري نقدا، مثل نقودالذهب والفضة، والنقد العياري نسيئة كايصال النقد العياري او الاوراق النقدية المغطاة 100% . وقد كان النقد العياري في‏النظم الحاكمة في اواسط القرن العشرين، نظام المعدن المختلط للنقد ونظام معدني الذهب والفضة ونظام المعدن الواحد ذهبااو فضة((275))، عبارة عن النقود الفلزية ذات المواصفات الموحدة من الذهب، او المواصفات الموحدة من الفضة، اوالاثنين.

وليس من الضروري ان يكون تداول النقد العياري من قبل الدولة، بل يمكن ايكال ذلك للمؤسسات الخاصة من خلال‏اعداد قوانين تتعلق بمقدار نقاوة السكة ووزنها، الا ان الدول تحتفظ بهذا الحق لنفسها عادة، وعليها مراعاة ثلاثة شروط‏وهي:

ا) لابد من تحديد قيمة الذهب وفقا لمعيار تقديري محدد فمثلا كان الدولار في سنة 1933 يعادل 22 / 23 غراما من‏الذهب الخالص.

ب) يجب ان يكون جميع الفلز والذي يعرض للبيع، يشترى بالقيمة المحددة، ويمكن ابداله الى نقد دون وجود قيود اوتحديدات، وبعبارة اخرى على الدولة ان تتعهد بدفع مايحول اليها من نقد، بما يقابله من الذهب.

ج) لابد من السماح باستلام مقادير من الذهب من الدولة، للاستفادة منها في الاستعمالات غير النقدية، وهو مايتطلب‏بيع الدولة الذهب بالسعر الرسمي . وبالنتيجة يدعو الى توازن قيمة السوق في السعر الرسمي((276)).

وهنا لابد من الالتفات الى ان الذهب قبل تداوله كنقد عياري، كان بضاعة يطلب بصورة مستقلة، فاذا ارادت الدولة‏الاستفادة منه كنقد، فلا يمكن ان تجعل القيمة المتوازنة للذهب او الوحدة النقدية، اقل من القيمة المتوازنة للسوق (مثلا (.ت ،لان الناس سوف لن يقدموا ذهبهم للدولة، فهم يخفضون من نسبة استعماله للزينة. ونتيجة لتنازل منحني الطلب كما بين‏في الشكل رقم ، ستقل الاستعمالات غير النقدية للذهب من ث‏ت الى 1 ث‏ت وبالمقابل، سيزيد اصحاب العرض في الحدالاعلى 1 ت من عرض الذهب ليصل عند ذلك من 0 ث‏ت الى 2.ث‏ت الطلب لاستعمال نقد الذهب : ات الطلب للاستعمالات السلعية للذهب :اا الطلب الكلي للذهب بعد اكتشاف المعادن : ت+ ااا الطلب الكلي للذهب : ت+ ااا ان تفاضل 1 ث‏ت مقدار طلب الذهب للاستعمالات السلعية، و ث‏ت مقدار عرض الذهب لضرب السكة، يؤدي الى اراءة‏مقدار 2 ث‏ت من الذهب للدولة، واذا ضرب هذا المقدار ب 1 ت اي قيمة كل وحدة من الذهب، فسينتج عرض النقد في‏التداول 1 ث‏آآ2ت ، واما اذا اكتشف معدن من الذهب فان منحني العرض سوف يميل الى اليمين فيتغير من ث‏ث الى ث‏ث ليصل‏مقدار العرض الى 3 ث‏ت ايضا، وبما ان طلب الذهب باعتباره بضاعة يثبت في 1ث‏ت ، فستحصل الدولة على الذهب بمقدار3ث 1ث لضرب السكة ويزداد احتياط‏ي النقد بمساحة المستطيل 1 ث‏اآ3ث وعلى العكس، اذا انخفض عرض الذهب لسبب‏ما، فان المنحني سيميل نحو الشمال وينخفض احتياط‏ي النقد المتداول. واذا تصاعدت الاستعمالات غير النقدية للذهب اثرتغير الرغبات فان منحني الطلب السلعي يميل نحو اليمين فيقل احتياط‏ي النقد المتداول ولذا يمكن القول بان النقد العياري‏والنظام النقدي والذي يعتمد على هذا النقد، سوف لن يكونا فاعلين وذلك لامرين:

1 - ان عرض النقد سوف لن يكون مستقرا في هذا النظام، اي ان مقدار عرض الذهب والفضة او طلبها، يتاثر باكتشاف‏معدن جديد او تغير رغبات الافراد، وعليه فليس من الممكن اتخاذ سياسات القبض او البسط، فتخرج قدرة ادارة عرض‏النقد من يد الدولة.

2 - ونتيجة لذلك سوف تخرج مقادير من مصادر الانتاج عن مجال الاستفادة في انتاج بضائع اخرى، لتاخذ طريقها الى‏الضرب، ولكن يمكن من خلال استعمال مصادر قليلة جدا لطبع الاوراق النقدية، الاستفادة من الذهب والفضة لانتاج‏بضائع اخرى((277))، وسوف نتعرض عند دراسة النظم النقدية الى عيوب النظام العياري.

تاريخ تطور النقود الفلزية قبل الاسلام وبعده لقد احتل النقد الفلزي قسما كبيرا من تاريخ وسير التحولات التكاملية للنقد. وبما ان الاطناب في الحديث عن هذه‏التحولات، ليس بالامر الميسور في هذا المقال. من هنا، تم التعرض في هذا الملحق باختصار لتحولات النقد الفلزي قبل‏الاسلام وبعده، وتاثير ظهور الاسلام على ذلك.

تحولات النقود الفلزية قبل الاسلام يمثل ظهور النقود الفلزية مرحلة جديدة في التحولات البشرية للاقتصاد، وكان لهذه النقود اشكال مختلفة، لكنها اخذت‏شكلا دائريا لسهولة الحمل والنقل والتبادل. وقد انتشر نوع نقود من جلود الغزال (تشابه الاوراق المصرفية اليوم) في عهدالملك اوتي في 119 ق . م في الصين بسبب خلو الخزانة. وكان من المتعارف ان يغط‏ي الملوك وجوههم بجلود بعض‏اصناف الغزال، ليظهروا في المناسبات بهيئة خاصة، وقد اختص هذا الجلد بالحكومة، وكان له رواج كالاوراق النقدية.

لقد تداول الصينيون في القرن الثامن الميلادي نقودا ورقية تدعى بالصينية «فيتزن‏» او «النقود الطائرة‏»، ثم اعقبهم في ذلك‏اليابانيون. ومن العجيب ان المصريين ورغم تقدمهم في الصناعة واتساع دائرة فتوحاتهم، كانت مبادلاتهم والى فترة طويلة‏تعتمد القطع النحاسية او مصوغات الذهب والفضة، ولم يتوصلوا الى ضرب السكة. وكان اول من ضرب السكة في مصر«مرزبان ارياندوس‏» حاكم مصر قبل المكبيس، وقد قام بهذا العمل تبعا لداريوس. كما ضرب العبريون السكة في عهدسمعان المكابي، في سنة 144 ق . م، وضرب داريوس «الدارك‏» النقود الفارسية، ونقش عليها صورة الملك حالة الركوع‏وبيده السهم والقوس((278)). وينسب «هيرودت‏» منشا ظهور السكة الى ملك ليديا في القرن السابع قبل الميلاد.

وعندما مات الاسكندر وتقاسم قادته سلطانه، كان منهم «سلجوق‏»، والذي هيمن على بعض مملكته في سنة 312 ق .

م،اول من نقش صورته على السكة واقتفى اثره من حكموا بعده. وكانت السكك السلجوقية في مدن انطاكية، وطرسوس،وبيروت، وصيدا، وصور، وعكا، وعسقلان، واورشليم، والمناطق السورية الاخرى، من الذهب واغلبها من الفضة والنحاس.وتذكر المعاجم اللغوية، ان السكة لم تكن رائجة في ايران في العهد الاوستائي، فقد جعلوا من الحيوانات وغيرها اجوراللطبابة (وان لم يتخذوا الحيوانات في حد ذاتها وسيلة للمبادلة). ويستنتج مما ذكر ان المبادلات كانت تتم بصورة مقايضة‏قبل تعاط‏ي السكة في ايران وبقية الدول، ثم قامت بعض السلع بدور النقود (كمعيار للقيمة او وسيلة مبادلة بالاضافة لذلك)وربما كان هذا هو السبب في ان تكون الحيوانات النقود السلعية الاولى. وعلى سبيل المثال فقد اقتبس لفظ النقود والثروة‏باللاتينية (بكونيا) من لفظ (بكوس)، اي الحيوان الاهلي.

تبين مما مر، ان اختراع السكة يعود الى القرن السابع قبل الميلاد حيث قام اول ملك من سلسلة آل مرمناد ( (ححچذذزحذ في عاصمة مملكة ليديا بهذا العمل، لينتقل من ليديا الى اليونان ثم في القرن السادس قبل الميلاد الى سيسل،وايطاليا، وبلاد الشرق. وكان الايرانيون قبل سيطرة الهخامنشيين وفتح ليديا مطلعين على اختراع السكة وشيوعها في‏ليديا، وذلك لمجاورتهم لهم.

وعلى كل حال فقد استمر دار الضرب بعمله في مدينة سارديس (عاصمة ليديا)، حتى بعد فتحها. وقد صمم داريوس(ثالث ملوك الهخامنشيين 521 - 485 ق . م) بعد ان قضى على الاضطرابات في بلاده الواسعة، على ضرب سكة تتناسب‏وعظمة سلطانه، بحيث تنتشر في جميع مناطق نفوذه، وتعتمدها الرعية، وتحقق الثبات والاستحكام على الصعيد التجاري.ولم تكن السكك الرائجة قبل ذلك تعود لملوك سلالة ماد او قورش او ولده كمبوجية. فقد كانت اول سكة تم العثور عليهاهي السكة الذهبية التي ضربها قورش، وقد اطلق عليها المؤرخون لفظ «دريلوس‏»، وهو يطابق اسم داريوس، وهي من‏الذهب الخالص، وقيمتها ثلاثة عشر اضعاف الفضة. وتسميتها باسم ضاربها امر متعارف آنذاك، وهذا ما نشاهده في نقوداخرى، فقد اطلق على سكة آخر ملك من ملوك ليديا «كروسوس‏»، وسميت سكة الشاه عباس الصفوي (الكبير) - والذي‏كان يحكم في الفترة 1003 وحتى 1038 ه‏- . - ب «العباسي‏»، والسكة المنسوبة لمحمود افغان، الملك الايراني في اعوام‏1135 - 1137 ب «المحمودي‏».

وكان ضرب السكة من مختصات الملك، ولم يسمح للولايات ان تقوم بالضرب في حدودها الخاصة، الا بمقدار محدود.يقول هيرودت: لقد فكر ارياندوس، حاكم مصر من قبل كمبوجية، في ان يضرب نقودا من الفضة الشديدة النقاء على غرارما قام به داريوس، وقد سميت ارياندكون، فاثارت حفيظة الملك داريوس، فحقد على ارياندوس واعدمه.

ويذكر جودت باشا (1813 - 1894م) وفقا للدراسات التي تمت ان اليونانيين كانوا هم المبتكرين للنقود، وكانوايبادلون اموالهم بسبائك الذهب والفضة وامثالهما، وربما نقشوا عليها صور اصنامهم، او اشياء اخرى كالابراج، والقلاع،والجبال، والشجر، او الحكام المستقلين، او صورة السلطان في عربته في وجه من وجوه العملة، وفي الوجه الاخر، صورة‏زورق، وبعضهم يرسم صورة البوم على احد الوجهين، وعلى الثاني السمكة.

وبما ان السلالة الاشكانية كانت تمثل بقاياالحكم اليوناني فقد حملت نقودها طابعا يونانيا من حيث الشكل والحروف، واما النقود الساسانية فيحمل احد جانبيهاصورة الملك واسمه، ولقبه، وفي جانبها الاخر صورة النار. ويقول البستاني تحت عنوان كلمة دينار: «وفي فرنسا القديمة‏كان يسمى بالدينار نوع من المعاملات الفضية اخذ من الدينار الروماني، وكان يساوي 12/1 من السو، ومن ايام شارلمان‏الى زمن لويس التاسع لم يضربوا الا الدنانير، ومن ذلك اطلق اسم دينار عندهم على كل نوع من النقود الذهبية والفضية،وكثرت اصناف الدنانير، واختلفت قيمتها في فرنسا ولم تزل تتغير وتتلاشى الى ان بطلت، وعوض عنها بالنقودالدارجة‏»((279)).

وينقل عن «سيولترون‏» انه «من ايام سولون الى ايام بيركليس او الاسكندر، كان الدرهم يساوي 92 سنتيما اي 92 جزءامن مئة جزء من الفرنك، ومن الاسكندر الى الميلاد 87 سنتيما».

هذا((280)) ما اورده المحققون حول ظهور النقود، ولكن من البعيد ان تغفل بابل عن استعمال النقود، باعتبارها اقدم‏حضارة، لاسيما وهي في ذروة عظمتها وكون اهلها اول شعب اسس المدينة والملكية والقوانين خصوصا وان هناك‏مكتشفات من آثارهم المنقوشة مما يدل على اوج رقيهم، وقد وردت رواية عن الامام علي (ع) وقد سئل عن اول من وضع سكة الدنانير والدراهم فقال: نمرود بن كنعان بن نوح((281))، ونمرود ملك بابل وقدعاصر النبي ابراهيم ). وذكر اليعقوبي في تاريخه، ان ملوك بابل ضربوا الدنانير((282))، وقد اكد القرآن الكريم وجودالدراهم في ذلك الحين كما جاء في سورة يوسف «وجاءت سيارة فارسلوا واردهم فادلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام‏واسروه بضاعة واللّه عليم بما يعملون وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين‏»((283))، فالقرآن يصرح‏بوجود الدينار، وشيوعه في عهد يوسف.

تحولات النقود الفلزية في ايران القديمة لقد توصل الايرانيون الى وجود النقود واهميتها اثر الفتوحات المتلاحقة في آسيا الصغرى، ولكن ملوك الهخامنشيين من‏قبيل قورش وكمبوجية لم يقدموا على ضرب السكة، وانما سمحوا للبلدان التي سيطروا عليها - وكان للنقود فيها رواج -ان تستمر في ضرب السكة المحلية، وكانت بعض الممالك مثل ليدي توقفت عن ضرب نقودها الفلزية بعد وقوعها تحت‏هيمنة الهخامنشيين((284)). ان نقود داريوس الفلزية كانت على شكلين: السكك الذهبية المعروفة ب «دريك‏»، والفضية‏والتي تعرف ب «شكل‏»، وكان الدريك من الذهب الخالص بوزن 41/8 غرام، والشكل من الفضة ووزنه 60/5 غرام، وقداستطاع النقدان ان يشقا طريقهما في عالم ذلك اليوم.

تحولات النقود الفلزية في العهد الاسلامي يجمع المؤرخون على ان النقود التي كانت متعارفة في بلاد العرب في الجاهلية وبداية العهد الاسلامي، كانت عبارة عن:الدنانير القيصرية والدراهم الكسروية وقد جي بها من الروم وايران، وكانوا يطلقون على نقود الذهب كلمة «العين‏» وعلى‏نقود الفضة كلمة «الورق‏». وذكر بعض المؤرخين ان الحجازيين لاسيما اهل مكة، كانوا يتعاملون بمسكوكات اليمن وغيرها.واورد الماوردي في الاحكام السلطانية في هذا الخصوص، حكاية عن سعيد بن المسيب انه قال: «ان اول من ضرب‏المنقوشة عبد الملك بن مروان وكانت الدنانير ترد رومية والدراهم كسروية‏»((285)). وحسب قول جودت باشا:

«ان السكة‏التي كانت جارية في بلاد العرب هي الدراهم والدنانير التي كانت مسكوكة بسكة ملوك الفرس والمجوس والروم، وفي‏زمن الخلفاء واوائل الدولة الاموية كانت الهمم والانظار متعلقة بامر الغزاء والجهاد، ولذا لم يتعلق اهتمام بضرب السكة، ثم‏ان بعض الولاة والعمال في جهة الشرق ضرب سكة فضية على الطراز الكسروي، اعني على طراز الساسانية التي كانت‏بالحروف البهلوية‏»((286)). وجاء في تاريخ العرب قبل الاسلام: «كان اهل مكة خاصة تجارا يتاجرون مع اليمن، ويتاجرون‏مع العراق، وبلاد الشام، والحبشة، وتجارتهم هذه تجعلهم يستعملون مختلف النقود»((287)). ويعتقد بعض المؤرخين، ان‏مبادلة هذه المسكوكات كان يتم على اساس الوزن، وبشكل عام، كان هناك اعتقاد لدى البعض قبل العثور على السكك‏القديمة في الحفريات، بان عبد الملك بن مروان (خامس خليفة اموي)، هو اول من ضرب النقود في العهد الاسلامي، ولكن‏التنقيبات اثبتت خلاف ذلك، ولبيان هذه المسالة من الافضل ان نتناولها في ثلاثة محاور:

اول من ضرب السكة في الاسلام يرى بعض المؤرخين ان «عمر بن الخطاب‏» هو اول من ضرب السكة في الاسلام، وذلك لما اقتضته مصالح البصرة في‏السنة الثامنة عشرة، وكانت تحمل نقش الكسروية. وهكذا استمر الحال في عهد عثمان بن عفان، ومعاوية بن ابي سفيان،دون ان يغيرا نقش الكسروية والقيصرية الى النقش الاسلامي.

يقول المقريزي: «قد تقدم ما فرضه رسول اللّه (ص) في نقود الجاهلية من الزكاة، وانه اقر النقود في الاسلام على‏ما كانت عليه، فلما استخلف ابو بكر، عمل في ذلك بسنة رسول اللّه (ص)، ولم يغير منها شيئا حتى اذا استخلف ابو حفص‏عمر بن الخطاب، وفتح اللّه على يديه مصر والشام والعراق لم يعرض لشي من النقود، بل اقرها على حالها، فلما كانت سنة‏ثمان عشرة من الهجرة وهي السنة الثامنة من خلافته، اتته الوفود منهم وفد البصرة... . (فكلموه) في مصالح اهل البصرة،فضرب حينئذ عمر الدراهم على نقش الكسروية وشكلها باعيانها غير انه زاد في بعضها (الحمد للّه)، وفي بعضها (محمدرسول اللّه)، وفي بعضها (لا اله الا اللّه)... فلما بويع عثمان، ضرب في خلافته دراهم نقشها (اللّه اكبر)»((288)) .

ويقول جرجي زيدان: «وقطعة ضربها خالد بن الوليد في السنة الخامسة عشرة للهجرة، وهي رسم الدنانير الرومية تمامابالصليب، والتاج، والصولجان ونحو ذلك، وعلى احد وجهيها اسم خالد بالاحرف اليونانية «ححخچج » وهذه الاحرف « ذرآ »،ويظن الدكتور مولر، المؤرخ الالماني، ناقل هذا الرسم انها مقتطعة من «ابو سليمان‏» كنية خالد بن الوليد، وهناك قطعة اخرى‏ضربت باسم معاوية، ولكنها على مثال دينار من دنانير الفرس وبرسمه وشكله. الا ان اسم معاوية عليه‏»((289)).

ويتضح‏مما مر، ان السكك المتعارفة آنذاك، كانت المسكوكات الكسروية والرومية، ولم يطرا عليها تغيير سوى كتابة التوحيدوالتحميد وغيرهما بالحروف العربية.

اول من ضرب السكة بالنقش الاسلامي نقل جودت باشا في تاريخه «ان المسلم عند اهل العلم ان الذي احدث ابتداء ضرب السكة العربية هو الحجاج بامر من‏عبد الملك حين كان واليا على العراق من قبله (75 - 76)، ولكن ظهر خلاف هذا عند الكشف الجديد في سنة 1276وذلك ان رجلا ايرانيااسمه جواد اتى دار السعادة بسكة فضية عربية ضربت في البصرة سنة 40 من الهجرة، والحقير رايتهابين المسكوكات القديمة عند صبحي بك افندي مكتوب على احد وجهيها بالخط الكوفي: (اللّه الصمد لم يلد ولم يولد ولم‏يكن له كفوا احد)، وفي دورتها (محمد رسول اللّه ارسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)،وعلى الوجه الاخر (لا اله الا اللّه وحده لا شريك له)، وفي دورتها (ضرب هذا الدرهم بالبصرة سنة 40 ه‏-) ».

ويقول السيد محسن الامين العاملي في اعيان الشيعة تحت عنوان «اول من امر بضرب السكة الاسلامية‏»، وفي مقام‏الحديث عن حالات علي (، نقلا عن دائرة المعارف البريطانية (ط 22، ص 904):

«ان اول من امر بضرب السكة الاسلامية هو الخليفة علي بالبصرة سنة 40 من الهجرة... ، ثم اكمل الامر عبد الملك‏الخليفة سنة 76 من الهجرة‏»((290)). وذكر الشيخ عباس القمي في كتاب هداية الاحباب ما يشبه هذا النقل من القول، عن‏دائرة المعارف البريطانية.

وعلى هذا الاساس يمكن القول بان اول من ازال آثار الشرك عن السكك، هو علي بن ابي طالب ( «وتابعه بعد ذلك عبداللّه بن الزبير، واخوه مصعب، فقد ضرب الاخير بامر اخيه، دراهم اكثر نقوشها عربية بالخط الكوفي وعليها شعار الاسلام‏والتوحيد حتى قدم الحجاج بن يوسف العراق من قبل عبد الملك بن مروان فقال: ما نبقي من سنة الفاسق او المنافق شيئا،فغيرها»((291)).

اول من سعى لضرب السكة الاسلامية بصورة رسمية وعامة ان اول من قام بضرب السكة الاسلامية بصورة عامة ورسمية، وابطل السكك الكسروية والقيصرية، هو عبد الملك بن‏مروان.

فقد كان ضرب سنة 74 ه‏- الدنانير الاسلامية، وكتب عليها سورة التوحيد والشهادة بالرسالة، كما فعل الامام علي، وهكذا ضرب دراهم على‏نفس المنوال، فقد روي عن المطلب بن عبد اللّه بن حنظب ان عبد الملك بن مروان اعتقل شخصا كان قد ضرب سكة غيراسلامية واراد قطع يده ولكنه تنازل عن قراره، واكتفى بعقوبته، وقد استحسن كبار القوم عمل عبد الملك هذا كما في رواية‏المطلب. وفي رواية ان 22 قيراطا كانت تعادل مثقالا، وان عشرة سكك تعادل سبعة مثاقيل في عهد عبد الملك، وكان هذاالنوع من الوزن يعرف ب «مثقال الجاهلية‏». كما ان «اول من شدد في امر الوزن وخلص الفضة ابلغ من تخليص من قبله،عمر بن هبيرة ايام يزيد بن عبد الملك وجود الدراهم، وخلص العيار، واشتد فيه ثم كان خالد بن عبد اللّه القسري، ثم كان‏يوسف بن عمر، فامتحن يوما العيار، فوجد درهما ينقص حبة، فضرب كل صانع الف سوط، وكانوا مئة صانع فضرب في‏حبة مئة الف سوط، وكانت الهبيرية والخالدية واليوسفية اجود نقود بني امية ولم يكن المنصور يقبل في الخراج‏غيرها»((292)). وكان الوجه المشترك للنقود الاموية هو عدم ذكر اسم الخليفة عليها، وانما يكتفى بالسنة والمكان لتحديدالعهد الذي ضربت فيه، وقد زاد خلفاء بني العباس اسماءهم، وكان من فعل ذلك، هو «المهدي‏». والظاهر ان الطائع والقائم‏والمقتدي والمستظهر والمسترشد والراشد والمقتضي والمستنجد (من الخلفاء العباسيين) لم يضربوا السكة، وذلك لعدم‏وجود نقود تعبر عن فترة خلافتهم.

يقول ابو الفرج الاصفهاني في الاغاني عندما قرا دعبل قصيدته المشهورة للامام الرضا (ع) «اعطاه الامام عشرة آلاف درهم مما ضرب باسمه وجبة، وساله اهل قم ان يبيع الجبة لهم بثلاثين الف درهم، فلم‏يفعل‏»((293)). وهذا الكلام يدل على ان نقودا ضربت باسم الامام الرضا ). ويذكر السيد موسى الحسيني المازندراني ايضافي كتابه تاريخ النقود الاسلامية قائلا: انا عند تشرفي لزيارة الرضا ( سنة 1370 رايت درهما من الدراهم المضروبة باسمه( - اي الامام الرضا - في المتحف المبارك الرضوي‏»((294)).

يبقى لماذا اقدم عبد الملك على ضرب السكة الاسلامية؟ يقال: بينا هو ذات يوم اذ مر به قرطاس فنظر على طرازه‏فكان طرازه ابا وابنا وروحا قدسيا، فقال: ما اغلظ هذا في امر الدين والاسلام! فامر بابطال ذلك الطراز على ما كان يطرز به‏من ثوب وقرطاس وستر وغير ذلك وان ياخذ صناع القراطيس بتطريزها بصورة التوحيد، وشهد اللّه انه لا اله الا هو. وكان‏اكثر من بمصر نصرانيا على دين ملك الروم، فلما وصل الخبر الى ملك الروم انكر الطراز، واستشاط غضبا، وكتب الى عبدالملك مهددا: لتامرن برد الطراز الى ما كان عليه او لامرن بنقش الدراهم والدنانير، فانك تعلم انه لا ينقش شي منها الا ماينقش في بلادي، ولم تكن الدراهم والدنانير نقشت في الاسلام فينقش عليها من شتم نبيك ما اذا قراته ارفض جبينك له‏عرقا.

فاستشار عبد الملك الامام الباقر ( فاشار اليه الامام بضرب الدراهم والدنانير، وتجعل النقش عليها سورة التوحيد،وذكر رسول اللّه (ص) وتجعل في مدار الدرهم والدينار ذكر البلد الذي يضرب فيه والسنة التي يضرب فيها تلك الدراهم‏والدنانير ومنع السكك غير الاسلامية.

وقد كانت هناك ثلاثة اصناف من الدراهم آنذاك، فهناك العشرة منها عشرة مثاقيل، وعشرة منها وزن ستة مثاقيل،وعشرة منها خمسة مثاقيل، فضرب الدرهم على وزن سبعة مثاقيل، اي معدل الاصناف الثلاثة كما قال الامام‏الباقر((295)).

الدرهم ووزنه في عهد الجاهلية والاسلام تختلف الدراهم من حيث السبك والوزن، وقد دخلت بلاد العرب من بلاد العجم، ثم طرا عليها تغييرات في فترة الجاهلية‏واول الاسلام، ليكون العشرة منها سبعة مثاقيل فيما بعد. ويتفق الفقهاء والمؤرخون على ان هذا هو الدرهم الذي اعتبره‏النبي معيارا للمقادير الشرعية من نصاب الزكاة، ومقدار الديات، والجزية، وامثالها. وكان هذا الدرهم في العهد الاسلامي‏الاول على صنفين: البغلي او الكسروي، وتظهر عليه صورة البغل، ويساوي ثمانية دوانيق، والاخر الطبري، وهو اربعة‏دوانيق. وقد اعتبر الحد المتوسط لهذين الدرهمين، اي ستة دوانيق ملاكا للتقدير في الاسلام، وهو ما يساوي العشرة منه‏سبعة مثاقيل. ويضيف البعض الدرهم المغربي (ويساوي ثلاثة دوانيق)، واليمني (يعادل دانقا واحدا) الى الدراهم المذكورة‏في الفترة الاسلامية الاولى.

الدينار وتحولاته 1 - اسم الدينار: جاء في كتاب «الدينار الاسلامي‏»: «الدينار قطعة من الذهب وزنها مثقال وعليها نقش الملك او الاميرالذي ضربه. عرف العرب هذا بالنقد الذهب الرومي، وتداولوه قبل الاسلام، وكما استعار العرب استعماله استعاروا اسمه‏ايضا، فعرف بهذا الاسم في الجاهلية والاسلام كما جاء في سورة (آل عمران آية 75)... فالدينار كلمة اعجمية ثم عربت‏».

2 - «ان اول من نقش كلمة الدينار بحروف كوفية على النقود الذهب في الاسلام، هو عبد الملك بن مروان سنة 76 ه‏- ،وذلك عندما بدا بضرب الدنانير على الطراز البيزنط‏ي، واستمرت الحال هكذا طوال العهد الاموي الا انها لم تنقش على‏اجزاء الدينار، فقد نقشوا بمحل كلمة الدينار (هذا نصف، وهذا ثلث على انصاف واثلاث الدينار... )، ولم يعرف عن‏الامويين انهم ضربوا اضعافا للدينار... . واستمرت كلمة الدينار تنقش على جميع النقود الذهب للدولة العباسية وفروعهاالتي انفصلت عنها وبقية الدول الاسلامية التي نشات، وان كانت من اضعاف الدينار او اجزائه. وقد ضرب آخر دينار في‏بغداد بعد سقوط الدولة العباسية حالا، ثم حذف لفظ الدينار من هذه النقود الذهب في حدود سنة 661 ه‏- (1262 م). امافي مصر فقد ضرب آخر دينار في حكم المظفر سيف الدين حجي سنة (747 ه‏- - 748 ه‏-) (1346 - 1347 م)... فلم‏تنقش على النقود الذهب المصرية كلمة «دينار» بعد ذلك.

3 - وزن الدينار في الجاهلية والاسلام: «يزن الدينار مثقالا من الذهب... ولم يتغير وزنه في جاهلية ولا اسلام. فالدينارالذي ضربه عبد الملك بن مروان بطرازه البيزنط‏ي سنة 76 ه‏- ، والذي ضربه بطرازه الاسلامي الخاص في الوزن عما كان‏يرد الحجاز من الدنانير البيزنطية قبل الاسلام او بعده، وهذا مجمع عليه‏»((296)) والمثقال الشرعي يساوي عشرون قيراطااي 8/4 68 حبة. والقيراط 7/3 3 حبة، وجاء في كتاب الدينار الاسلامي:

«وزن الدينار 265 و4 من الغرامات اي 66حبة وهكذا يكون مساويا لوزن السوليدس النقد الذهب، الذي كان شائعا في بيزنطية في العصر ذاته، وفي وزن السوليدس‏اعتمد على وزن الدراخمة، التي كانت بشكلها الاخير تزن 265 و4 من الغرامات وهذا هو وزن المثقال العربي، وعدالدرهم‏سبعة اعشار الدينار الذي هو المثقال‏»((297)). فكل سبعة دنانير تزن عشرة دراهم فالدينار 7/3 1 او 486 و1 من‏الدراهم.

يتبع التنمية الاقتصادية بين التاميم والخصخصة د. كمال البصري المقدمة مؤلفات المفكر الاسلامي الش هيد الصدر تمثل صرحا اسلاميا شامخا، وموردا فقهيا وفكريا لا يمكن تجاوزها في اي‏عملية اسلامية اصلاحية او تنموية. تتوخى هذه الدراسة تحديد موقف اسلامي من سياسة الخصخصة، باعتبارها سياسة‏اقتصادية معاصرة لها ابعاد سياسية واقتصادية واجتماعية، وذلك من خلال استنطاق تلك المؤلفات.

تهدف عملية التنمية الاقتصادية الى رفع كفاءة استخدام او تحقيق الاستفادة القصوى من الموارد البشرية والمادية، وذلك‏من خلال ترتيب الاولويات وتوجيه الموارد نحو القطاعات ذات العائد الاقتصادي الاعلى. كما تهدف عملية التنمية بشكل‏اساسي الى تحقيق عدالة توزيع الموارد، وتحقيق ضمان اجتماعي يضمن مستوى مقبولا من مستوى المعيشة كحد ادنى.

في سبيل تحقيق هذه الاهداف انقسمت المدارس الاقتصادية الى قسمين: الاول يعتمد القطاع العام (الخط الاشتراكي)،والثاني يعتمد القطاع الخاص (الخط الراسمالي).

وفي هذه الدراسة سنتناول مبررات المدرستين، ونتائج التجربتين، والتوجه‏الجديد بالتنمية ومبرراته، واخيرا اكتشاف الموقف الاسلامي باستنطاق مؤلفات السيد الصدر.

انماط التنمية الاقتصادية:

تتقاسم العالم بشكل رئيس مدرستان، هما:

المدرسة الراسمالية التي تنطلق من قدسية الحرية الفردية الفكرية، ثم حرية الملكية الخاصة والنشاط الاقتصادي.وتعتقد ان الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية تتحقق عندما يترك الافراديتحركون بدون قيود الدولة، (تكتفي الدولة بالحفاظ‏على الامن والقانون). وبفعل الدافع الفردي والحماس الخلاق (وعوامل ا خرى) سجلت الراسمالية انجازات كبيرة.

وبسبب‏تفاوت قابليات وطاقات الافراد انقسم المجتمع الى طبقة غنية وطبقة فقيرة، وترتب على ذلك ما يلي:

( ان النظام لم يعد قادرا على ضمان كرامة العيش، اذ لم يكن الفرد قادرا على دفع ثمن السلع التي تشبع حاجته.

( ظهور الشركات الاحتكارية التي قضت على المنافسة ومنافعها.

( ظهور نشاطات غير اخلاقية مضرة بالبنية الاجتماعية، وضياع التربية الدينية والوازع الاخلاقي المصاحب لها، كما سببت‏سيادة المصلحة الخاصة الى عدم استطاعة المنتج ادخال الكلفة الاجتماعية الى جانب الكلفة الخاصة (الناجمتين من‏نشاطه)، وقد ادت هذه الحالة الى ما يسمى بالادبيات الاقتصادية «التاثيرات الخارجية‏»، حيث يتمادى المنتج بانتاج اكثرمما هو مرغوب به اجتماعيا (كما في حالة تلوث البيئة الملازمة للانتاج الصناعي).

( عدم كفاية انتاج بعض السلع مثل التعليم والدفاع والصحة، حيث ان قابلية كل فرد على الدفع (دفع ثمن الخدمات) لاتعكس الفائدة الكلية (الفردية والاجتماعية).

بسبب تلك المشاكل والصعوبات تراجعت الراسمالية وقبلت بالملكية العامة، كما في حالة قطاع التعليم مثلا، واعطت‏للدولة دورا م ميزا بالنشاط الاقتصادي. وفي الاونة الاخيرة منيت الراسمالية بجملة من الانتكاسات:

فعلى الصعيد الاجتماعي، تصاعدت معدلات الجريمة والفساد الاجتماعي للحد الذي لم تعد السجون تتحمل الاعدادالكبيرة من المخالفين (كما في بريطانيا).

وعلى الصعيد الاقتصادي، لم تعد الدول الراسمالية الصناعية تجاري منافسة دول اخرى مثل اليابان وتايوان وسنغافورة،واصبحت الاحتكارات والتضخم والبطالة من ابرز مشكلاتها.

اما المدرسة الاشتراكية فقد قامت على رفض مبدا الملكية الخاصة باعتبارها مصدر التفاوت الطبقي، واستغلال الانسان‏لاخيه الانسان. وشرعت بتاميم المرافق الاقتصادية، واقامت سياستها الاقتصادية على مبدا الملكية العامة، والتخطيط‏الشامل، واستطاعت تحقيق اشواط كبيرة في توفير العمل وعدالة توزيع الناتج القومي، وعالجت التاثيرات الخارجية - التي‏تحدثنا عنها سابقا - من خلال ادخال التكاليف والعوائد الخاصة والاجتماعية في الحسابات الاقتصادية.

واظهرت قدرا من‏السيطرة على الاسعار ومن ثم التضخم. ومع ان الاشتراكية حققت انتصارات لا يستهان بها، الا انها تمت بكلفة مادية‏واجتماعية كبيرة.

فبعد الحرب العالمية الثانية ارتفع المستوى الصحي في الاتحاد السوفياتي وبلغ حدا يقارب مستوى الدول الراسمالية‏الصناعية، الا ان هذا المعدل بعد الستينيات اخذ بالتنازل، فقد انخفض متوسط عمر الفرد بسنتين للفترة ما بين 1960و1980، بينما تزايد هذا المعدل للدول الراسمالية الصناعية بمقدار ثلاث الى اربع سنوات لنفس الفترة.

اما بالنسبة للنمو الاقتصادي للاتحاد السوفياتي، ففي الخمسينيات كان بحدود(10%) ثم بدا بالتنازل الى في الستينيات‏والى(5%) في السبعينيات، الى(7%) ان وصل الى(2%) في الثمانينات، رغم تزايد نسبة الاستثمارات خلال نفس الفترة.

ادت سيادة الملكية العامة ومتعلقاتها الى انخفاض انتاجية العمل وهبوط نوعية الانتاج، بسب ضمور دافع المراقبة الذاتية،وظهور البيروقراطية الادارية المسرفة، التي نجمت عنها مشاعر معاكسة للجدية والابداع.

ولعبت سياسة تجميد الاسعار لفترات طويلة - بغض النظر عن ارتفاع الاجور وتطور الانتاج - ، وغياب آلية الاسعارفي تحديد حجم الانتاج والاستهلاك الى اختناقات في عرض وطلب السلع.

التوجيه التنموي الجديد (الخصخصة):

كما لاحظنا اعلاه، خاضت المدرستان تجربتين مختلفتين في نتائجهما ودرجة قوتهما الاجتماعية. فالمدرسة التي تعتمدالقطاع الخاص، اضطرت الى القبول بمبدا الملكية العامة، وقامت بتاميم بعض المرافق الاقتصادية. ولكن سرعان ما جابهت‏هموما من نوع آخر متمثلة بانخفاض الكفاءة الاقتصادية والتضخم والبطالة. ورات ضرورة تقليص دور الدولة في النشاط‏الاقتصادي من خلال خصخصة النشاط الاقتصادي، اي ببيع المؤسسات العامة للقطاع الخاص. فعلى حد تعبير وزيرالمالية البريطاني السابق (نايجل لوسن): ان الافراد اقدر من الدولة على ادارة المشاريع الاقتصادية.

والحقيقة هي ان الدولة‏كانت تسعى الى التخلص من اعباء القطاع العام، وامتصاص السيولة النقدية كمحاولة لكبح جماح التضخم المالي.

اما المدرسة التي تعتمد القطاع العام، فعلى الرغم من الانجازات الكبيرة التي حققتها، والتي اخرجتها من كونها دولامتخلفة، كما في الاتحاد السوفياتي، لم تستطع تجديد طاقاتها الذاتية للتعامل مع المشكلات المستفحلة. فاضطرت هي‏الاخرى الى الاخذ بالملكية الخاصة، في المرافق التي واجهت فيها حرجا. الا ان هذه الاجراءات الترقيعية لم تسعفها،فبدات بالبحث عن اجراءات اصلاحية جذرية.

فاستعاضت عن التخطيط، بالسوق، كاداة لتوجيه انتاج السلع وتوزيعها.

نتيجة لهذه التطورات بدا توجه جديد منذ اوائل الثمانينات - بالاخص في بريطانيا وامريكا - يدعو الى خصخصة‏الاقتصاد.

وقامت المؤسسات الدولية بما فيها صندوق النقد الدولي تفرض نهج الخصخصة كشرط للتعاون مع دول العالم‏الثالث.

وعملا بذلك لجات كثير من دول العالم الى خصخصة اقتصادياتها استجابة لتلك المؤسسات - التي تدور في فلك‏العالم الراسمالي - دون دراسة عميقة لواقع كل دولة وظروفها الخاصة. لا شك ان دعوة صندوق النقد الدولي ترمي الى فتح‏الطريق امام الاسثمارات الاجنبية من خلال تسهيلات القطاع الخاص.

الموقف من الخصخصة كتوجه عام:

ينطلق الموقف الاسلامي من خصائص الاقتصاد الاسلامي التي شخصها الشهيد الصدر ( بالسمات الثلاث:

1 - الاخذ بالملكية المزدوجة بدلا من الاخذ بالملكية الخاصة او العامة كمبدا، كما لجات اليه كل من الراسمالية‏والاشتراكية.

2 - ضمان الحرية الاقتصادية ضمن الضوابط الاخلاقية والشرعية والاستراتيجية.

3 - تحقيق عدالة توزيع الموارد (بضمان الحد الادنى من مستوى المعيشة وما فوق ذلك من السماح بتفاوت مستوى‏المعيشة حسب النشاط الانتاجي للفرد).

بين السيد الشهيد الصدر ( بان اقرار الاسلام للملكية قائم على حقيقة ان اللّه قد استخلف الانسان (المجتمع الانساني)على ما في الارض، (هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا( [البقرة / 29].

فالاصل اذن الملكية العامة. الا ان الشريعة سمحت بان يمتلك الانسان ثمار عمله، فمن حق الانسان ان يعمر الارض‏ويمتلك ثمارها كملكية خاصة. والملكية الخاصة او العامة في الاسلام ليست ملكية مطلقة، بل مقيدة بحدود الشريعة.وعليه، فان حيازة الاصول الاقتصادية بشكلها العام او الخاص هي مسؤولية شرعية، فلا يجوز استثمارها استثمارا غيركفوء، ناهيك عن استخدامها استخداما محرما.

فحدود الملكية ونوعها تقع ضمن منطقة الفراغ (الاجتهاد)، حيث يجري مراجعتها بحسب المصلحة العامة التي ترعاهاالدولة، وبحسب الدراسات الاقتصادية. ان طبيعة الملكية واقرارها يعتمد على طبيعة النشاط والمرحلة الاقتصادية التي يمربها البلد، وموقعه التنافسي امام بقية الدول الاخرى. فاقرار النشاط الاقتصادي الخاص، لا يعني اقرارها بالضرورة لكل دولة‏ولكل زمن. انها مسالة تتحدد وفق المعايير الاقتصادية (الكفاءة)، والمنظور الانساني (عدالة التوزيع). وعليه، فالتنمية، ومن‏وجهة نظر اسلامية، ليست مرهونة بنمط معين (بقرار مسبق) من الملكية كما في الراسمالية والاشتراكية.

ان موضوع الخصخصة يجب ان يخضع للبحث بهدف دراسة جدواها الاقتصادي في كل مرفق من المرافق الاقتصادية(وبشكل منفصل، فما يصلح لقطاع لا يصلح لقطاع آخر) من حيث قدرتها على تحقيق الكفاءة الانتاجية، ومن حيث‏قدرتها في الحفاظ على التوازن الاجتماعي والامن السياسي. وان هذا البحث ينبغي ان يكون تحت مراجعة دورية، حيث‏ان لكل فترة ظروفها ومتطلباتها.

ومن وجهة نظر اسلامية فان المشكلة الاقتصادية التي تواجه العالم لا تعتمد بشكل رئيس على طبيعة الملكية. بل،تعتمد على طبيعة الانسان، وطبيعة تعامله مع المؤسسات المختلفة وبقية افراد المجتمع. وكما شخص السيد الصدر( ان‏المشكلة الرئيسة هي مشكلة التناقض بين المصلحة الخاصة والعامة.

واتماما للبحث سوف نسلط الضوء على كل من دور الدولة ودور القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية، مستشهدين‏بادلة تاريخية ووقائع معاصرة.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية