|
صحيح ان الدول الراسمالية الرئيسة هي الدول المتقدمة
اقتصاديا، الا ان الشواهد التاريخية تؤكد بان هذا التطور
حصلكنتيجة للتراكم البدائي الراسمالي، الذي تحقق في
القرن السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر، عندما كانت
الدولةتلعب دورا رئيسا في حماية اقتصادها من المنافسة
الخارجية، وخلال ممارسة الاستعمارالخارجي
توفيراوتوسيعاللاسواق الضرورية لتسويق الانتاج الفائض عن
الحاجة الداخلية، حيث سعت الدول آنذاك حماية احتكار
النشاطالاقتصادي لبعض المؤسسات من خلال فرض القيود
على الواردات (هذا الدور كان واضحا في كل من انكلترا
وامريكاواليابان). ولم تكن تلك مشاهد منفردة، ففي التاريخ
المعاصر، نجد ان دولة مثل تايوان لم يكن لها ان تخرج من
تخلفهاالاقتصادي لولا دور الدولة المميز (بالاخص في
الخمسينيات والستينيات) في التخطيط وفي الاصلاح
الزراعي، وتشييدالصناعات، وحماية المنتجات الداخلية من
المنافسة الخارجية، كما يمكن الاستدلال على اهمية دور
الدولة في التنميةبالعديد من الامثلة.
ان سياسة الانفتاح (واعتماد القطاع الخاص) التي خاضتها مصر
على سبيل المثال، خير مصداق على عدم صلاحيةالخصخصة
واعتماد آلية السوق كتوجه عام. فرغم مرور اكثر من عشرين
عاما على تلك السياسة، ورغم المساعداتالخارجية، لم يكن
لها تاثير واضح على تبدل حالة التخلف. لقد عجز الاقتصاد
المصري عن تحقيق زيادة تذكر في الانتاجالحقيقي، ولم يرتفع
متوسط دخل الفرد ارتفاعا ملموسا. اما التضخم والبطالة فهما
في تصاعد، كما تفاقمت مشكلة الديونالخارجية الى حد
ينذربكارثة. اما على الصعيد الاجتماعي، فقد ادى سوء التوزيع
الى تفشي الجريمة والفساد الاجتماعي.كما و جد ان اصحاب
القطاع الخاص - في الغالب - يميلون الى المشاريع ذات المردود
السريع، وغالبا ما تكون تلكالمشاريع هامشية بالنسبة
لاستراتيجية التنمية التي تتطلب القيام بمشاريع ذات حثوث
امامية (توفير المستلزماتالضرورية لبناء صناعات اخرى)،
وحثوث خلفية (تشجع الصناعات القائمة او الجديدة).
ومن الاسباب الرئيسة للخصخصة هو ايجاد فرصة للمنافسة
بين المنشت القائمة لزيادة كفائتها، الا ان هذه المنافسة
قدتكون غير ممكنة او غير مجدية. ومن الامثلة على اهمية
المنافسة في رفع الكفاءة الاقتصادية، وجد ان الخطوط
الجويةالبريطانية اقل كفاءة من نظيرتها الكندية (رغم ان
كليهما ملكية عامة)، اما مصدر الفرق فيعود الى ان الثانية
تمارس عملهافي جو تنافسي. كما يجب الالتفات الى اهمية
التنمية البشرية من حيث القيم الانسانية العليا والتكنولوجية،
فانه من دونهمايصعب تجاوز مشاكل التنمية وازماتها
المصاحبة. وهذا ما توليه السياسة الاسلامية اهمية مركزية.
ان الادعاء بكفاءة القطاع الخاص ادعاء يجب ان يخضع للبحث.
فان الدراسات المقارنة لكل من القطاع العام والخاصهي
دراسات تعتمد الاساليب الكمية البحتة. وعليه، يتعذر ادخال
متغيرات اساسية غير كمية كجودة الانتاج، وظروفالعمل،
وعدالة التوزيع.... الخ. فاعتماد الربح، كما في الدراسات الكمية
الجارية، كهدف نهائي للعملية الانتاجية يؤدي الىافضلية
القطاع الخاص على القطاع العام. ولا شك ان هذه الدراسات
تتناسى الاختلاف في اهداف ومنهجية كلا القطاعين.
ان السياسة الاقتصادية تهدف بشكل عام الى تحقيق الكفاءة
(اعلى درجات العائد الاقتصادي)، وعدالة التوزيع
(عدالةاستهلاك الانتاج)، الا ان التجربة اثبتت بانه من الصعب
الجمع بين هذين الهدفين. فعلى سبيل المثال، اثبتت
الدراسات بانالمستشفيات الخاصة هي اكثر كفاءة من
المستشفيات العامة (من حيث قلة الكلفة)، غير ان
المستشفيات الخاصة فيتصميمها لا تاخذ بنظر الاعتبار
ضرورة ان يكون لها احتياطي كاف لسد حاجة الطوارئ، (لان
ذلك يعني وجود اسرة غيرمشغولة لكثير من الوقت). وكذلك
الحال مع وسائل النقل، فالمناطق الجغرافية النائية لا تتمتع
بخدمات متساوية كالمناطقالقريبة من المدن. اما القطاع العام
فيستطيع ان يحقق عدالة التوزيع بقدر اكبر من القطاع
الخاص، ولكن بكفاءة اقتصاديةاقل.
في الختام، لا يجوز الحكم مسبقا على سياسة الخصخصة -
باعتبارها صناعة غربية - على انها سياسة باطلة تماما، ولاينبغي
الاقبال عليها كما اقبلنا على الاشتراكية، بل ينبغي النظر اليها
بتمعن. اما بالنسبة لضغوط صندوق النقد والبنك الدولي،فعلى
دول العالم الاسلامي تنشيط فكرة بنك التنمية الاقتصادية
(بالاستفادة من العوائد النفطية للدول النفطية). فاذا كان
امرالتكامل الاقتصادي صعب المنال، فان التعاون الاقتصادى
ممكن في اسوا الاحوال. وانه لا سبيل دون استخدام
المطالبةالشعبية والضغوط الاعلامية على حكومات العالم
الاسلامي لممارسة هذا الدور. والا فان شعوبنا عرضة لاحتمالية
الدورانفي فلك الراسمالية، كما حدث (او سيحدث) لشعوب
العالم الاشتراكي.
العدالة الاقتصادية، قراءة نقدية مقارنة بين افلاطون، ارسطو،
هايك
من هنا كانت العدالة الاقتصادية تمثل هما من هموم علماء
الاقتصاد. يسعى هذا المقال لدراسة ماهية العدالة
الاقتصاديةمن وجهة نظر افلاطون وارسطو من مفكري علماء
الاجتماع اليونان، وفون هايك من علماء الاقتصاد
المعاصرين،والاسلام.
كانت العدالة الاقتصادية ولا تزال احدى القضايا الحياتية
للمجتمع البشري، وقد اولاها علماء الاقتصاد اهمية بالغة
علىالمستوى النظري. ومما يدلل على هذا التعاطي الكبير مع
هذه المسالة، تاثيرات آدم سمث الخفية ومحاولاته لرسم
معالماقتصاد يحقق ما يصبو اليه، وهكذا نظريات عدم تدخل
الدولة او التي ترتبط بالرخاء في الاقتصاد الحر، وما اكده
الفكرالاشتراكي في الغاء الملكية الخاصة لوسائل الانتاج (راس
المال). ان كل هذه الافكار توضح مدى اهتمام علماء
الاقتصادبالعدالة الاقتصادية. والذي اضطرهم الى تبني هذا
القبيل من النظريات التي توفر الارضية لهذا الهدف هو السعي
لخفضمستوى الفقر، والحيلولة دون وجود فوارق طبقية،
وتحقيق العدالة النسبية في المجالات الاقتصادية.
لقد تعرض فلاسفة اليونان، كافلاطون وارسطو، الى الامور
الاساسية للمجتمع - من قبيل: الحكومة، الاقتصاد،
التربيةوالتعليم، الفن - بشكل جلى، من هنا يمكن القول بانهم
يمتلكون نظرية منسجمة. كما ارسى فون هايك - كاقتصادي
لهرؤيته الخاصة - قواعد العدالة الاقتصادية بما يتناسب وآراءه
العلمية. وهكذا الكلام بالنسبة الى الاسلام، فقد رسم منخلال
تعاليمه الخطوط الاساسية للقضية المذكورة بصورة طبيعية.
وعلى هذا الاساس، يهدف هذا المقال الى اعمال مقارنة ونقد
لنظريات افلاطون وارسطو وفون هايك والاسلام فيمايتعلق
بالعدالة الاقتصادية.
نظرية افلاطون
يقوم افلاطون بتحليل عوامل نشوء المجتمع لغرض بيان
العدالة الاجتماعية الاقتصادية، ثم يعمل على تقييم
العلاقاتالاجتماعية حسب ما يرى وكما ينبغي ان تنظم،
لتتحقق العدالة في المجتمع. فعلى صعيد نشوء الحياة
الاجتماعية هناكنظريات، فقد يذهب البعض الى ان الانسان
مدني بالطبع، وانه كما ينجذب الى الجنس المخالف فهو يميل
نفسيا الى الحياةالاجتماعية، وعليه فهو يغض الطرف عن الربح
والخسارة المترتبين على الحياة الاجتماعية، ويضع نصب عينه
هذا النوعمن الحياة.
ان افلاطون يرفض هذا التصور قائلا: (ان الداعي لايجاد المدينة
هو عدم بلوغ اي فرد حد الاكتفاء، وانما هو بحاجة الىاشياء
كثيرة، فالاحتياج يؤدي بالانسان الى ان يشترك مع آخر،
وهناك حاجة اخرى تضطره الى شراكة ثانية، وبهذا تكونكثرة
الاحتياجات سببا لاجتماع عدد كبير من النفوس في مركز
واحد، فيتعايشون ويساعد بعضهم البعض((298)).
وبذلك يتضح انه يرى ان العامل لتكوين المجتمع هو حاجة
الناس فيما بينهم. وتماشيا مع هذا الاساس، يولي قضية
تقسيمالعمل في مجتمعه المثالي اهمية بالغة، ذلك لان
الهدف من الحياة الاجتماعية توفير الحاجات المتبادلة لافراد
المجتمع،وهذا لا يتسنى دون تقسيم العمل، فكل فرد ينبغي
ان يمارس العمل الذي هو جدير به، لتتحقق بذلك المهارة
والسيطرة علىعمل واحد دون ان تتشتت الجهود في مجالات
عدة، وبذا يتحسن العمل من ناحية كيفية((299)). ان هذا
الذي يذكرهافلاطون يقوم على اساس ما يعتقده من بطلان
تساوي القابليات بين البشر ذاتا، ويذهب الى ان الطبيعة ليست
هي التيتحول دون التساوي لقيام الافراد بالاعمال المختلفة
وحسب، وانما هي القابليات الفطرية التي تؤكد وجود فوارق
فيطريق كسب الفضائل الانسانية((300))، وعليه تختلف
منزلة المواطنين وشانهم السياسي. وهذا الفرق ينطلق من
تفوقالفضيلة في الطبقات الارقى((301)).
وكان نتيجة هذا التصور ظهور طبقات مختلفة وتفوق بعضها
على بعض، وان جاء هذا الاختلاف من تفاوت القابلياتوالتفوق
الذاتي فيما بين الافراد انفسهم. وهذا ما يصرح به قائلا: (ان من
لهم اهلية الحكومة على الاخرين من بينكم همالذين عجن
الاله طينتهم بالذهب، فهم اثمن الافراد، واما الحرس فقد جعل
في ذاتهم الفضة، واما ذات اصحاب الصناعاتوالحرف فهم من
الحديد والبرونز. وبما ان ذاتكم واحدة ومبداكم واحد فمن
الطبيعي ان يكون ابناؤكم مثلكم((302)).
ان هيكلية المجتمع - وفقا لهذا التصور - تتكون من ثلاث
طبقات: الحكام، الحرس، اصحاب الصناعات.
فتقسيم الاعمال على افراد المجتمع - وفقا لهذا التصور - يقوم
على اساس القابليات الذاتية الكامنة فيهم، ويوضحالعدالة
الاجتماعية كمسؤولية عامة، وذلك لان الفرد يمتلك منذ
ولادته استعدادا لعمل خاص، فعليه ان يزاول ذلك العمل
ولايتدخل في شان غيره.
وفي ظل هذا النظام الاجتماعي ترى المدينة الفاضلة
النور((303))، فكما ان العدالة الفردية تتحقق عندما تؤدي
جميععناصر النفس دورها بصورة مناسبة ومنسجمة فان
العنصر في المرتبة الادنى لابد ان يتبع العنصر في الطبقة
العليا((304))،فموقع عمل كل فرد ودخله يتحددان وفقا
لموقعه الطبقي، ويستثنى من هذا الحكام والحراس، وهذا
الموقع ياتي من خلالقابليات الفرد وتركيبته.
وعلى الطبقة الارقى قبول نوع من الاشتراكية، وذلك لاهمية
اعمالهم لتلبية حاجاتهم المادية، وهذه الاشتراكية تقتضيالغاء
الملكية الخاصة في مجال كسب الثروة، اذ انها سبب للحرص
والطمع، فيستغل الحكام والحراس القوة، فتؤول الامورالى
حرب طبقية بين الثري والفقير((305)). ومن هنا يقول: (اولا:
يحظر عليهم اقتناء اي شي سوى المواد ذات الضرورةالقصوى
الخاصة بالحياة، فيقتصرون على اخذ حاجاتهم السنوية من اهل
المدينة كحصة ثابتة ومحددة لا اكثر، فهم كجنودمعسكر
واحد، ياكلون سوية ويعيشون معا. ونحن نقول لهم: ان الاله
اودع في وجودهم الذهب والفضة، فلا حاجة الىالمواد عديمة
القيمة التي يتعاطاها الناس مما يسمى ذهبا وفضة. وبمجرد ان
يملك هؤلاء الحكام البيوت والاراضي فسوفينشغلون بادارة
البيوت والتجارة والزراعة بدلا من الحكومة والقيادة،
ويتحولون الى اعداء للمدينة بدلا من ان يحموهاويدافعوا
عنها((306)).
فالعدالة الاقتصادية - بشكل عام - لها سببان اساسيان من وجهة
نظر افلاطون:
1 - تقسيم العمل بين الطبقات السفلى، فكل حسب قابلياته
يقوم باعباء اي عمل ما، وبذلك يكسب دخلا يختص به.
2 - الغاء الملكية الخاصة للثروة، والايمان بنوع اشتراكية بين
الحكام.
فالقدرة الاجتماعية ورجال الحكم يمكن ان يوفرا الارضية
للظلم الاقتصادي والحرب الطبقية وحدوث اضرار
فيالمجتمع.
نقد نظرية افلاطون
ينبغي ان تكون طبقة الحكام من حيث القابليات الطبيعية اكثر
استعدادا وقدرة من الطبقات الاخرى، من هنا عليهم
تحملمسؤولية الحكم، ولكي لا يصابوا بالحرص والطمع
يتطلب الغاء الملكية الخاصة. هذا ما اكده افلاطون. ولكنه يرد
عليه:
اولا: ليست الملكية الخاصة هي المنشا الوحيد للحرص
والطمع بحيث يمكن القضاء على الطغيان من خلال الغائها،
بلان كل فرد مهما كانت قابلياته وبحكم حب الذات يطلب كل
شي لنفسه، ولذا يتجاوز على حقوق الاخرين، فسبب
الحرصوالطمع انما هو حب الذات لا الملكية الخاصة.
ثانيا: ان تاطير الملكية الخاصة بحدود قانونية والعمل بها يحد
من الاعتداء والتجاوز، فليس السبيل الوحيد للحيلولةدون
وقوع الظلم الاقتصادي من قبل الحكام يعتمد الغاء الملكية
الخاصة.
ثالثا: الغاء الملكية الخاصة يقضي على روح الابداع والسعي
والحركة، وعندها سوف يفقد الحكام الدافع والمحرك
للقيامبمسؤولياتهم لتحسين وضع المجتمع، فكانهم قد كتب
عليهم العناء وبذل الجهد دون مقابل.
نظرية ارسطو
ياخذ ارسطو في البداية بنقد نظرية افلاطون فيما يذهب اليه
من القول بانكار الملكية الخاصة وتاكيد اشتراكية
الطبقةالحاكمة، ثم يطرح الخطوط العامة التي يؤمن بها
كاقسام للعدالة.
ا - نقد اشتراكية افلاطون:
ان بامكان المجتمع ان يلبي حاجاته فيما اذا كانت هناك وفرة
في العدة وتنوع في الافراد، والاشتراكية والوحدة يقضيانعلى
هذا التنوع بصورة كبيرة، فالوحدة في مفهومها المحدود
سترجح على الوحدة في الدائرة الاكبر((307)). هذا مضافا
الىان الانسان لا يعنى عادة بغير نفسه واهله، ويتواكل فيما
يرتبط بالصالح العام، فهو يفكر بامواله الخاصة دون ان
يشعربالخوف تجاه الاموال المشتركة((308)).
فالتعايش والانسجام الانساني ليس بالامر السهل في كل مجال
لاسيما فيما يرتبط بالمال، وخير شاهد على ذلك عدمتجانس
افراد القافلة الذين يعيشون الصراع فيما بينهم ويشكو الواحد
من الاخر مهما كانت الذرائع والحجج حتى لو كانتتافهة،
فالاموال تستتبع هذا القبيل من المشاكل ومشاكل غيرها.
فالنظام القائم على الملكية الخاصة اذا هذب بما يتناسب
والاخلاق الحسنة والقوانين الحقة فهو افضل، بحيث
تجتمعهذه الملكية والملكية العامة في امر واحد، فالمطلوب
ان يكون المال خاصا مطلقا ولكن الاستفادة منه
مشتركة((309)).وفي الخاتمة يؤكد ان على المجتمع السياسي
ان يبلغ مرحلة الوحدة والتعاون عبر التربية في نفس الوقت
الذي يقوم علىكثرة الافراد. فالعجيب من فيلسوف يبغي
طريقة جديدة لتحكيم الفضيلة في المجتمع يسلك طريق
الاشتراكية بدلا منالبحث عن هدفه من خلال العادة وثقافة
التقنين!
ب - اقسام العدالة:
ان العدالة باقسامها الثلاثة - الكلية والتوزيعية والتعويضية - يمكن
تعريفها من وجهة نظر ارسطو:
1 - العدالة الكلية:
ان هذا النوع من العدالة مرادف للفضيلة، والفضيلة انما تحدث
في النفس حينما يرجح الانسان (الحد الوسط( والاعتدالفي
افعاله وانفعالاته النفسية، فالمعيار - اذا - اختيار (الحد الوسط(
والاجتناب عن الافراط والتفريط، ومن البديهي ان هذاالعنوان -
الحد الوسط - ليس حسابيا دقيقا بحيث يصدق من جهة العدد
والمقدار في جميع الموارد بصورة متساوية، وانماهو امر اضافي
يتغير بالنسبة الى الافراد والاحوال((310)).
ورغم ان الفضيلة في الافعال الانسانية هي الابتعاد عن الافراط
والتفريط، ينبغي الالتفات الى ان العلاقات الاجتماعيةيتم
تعيين حدودها وفقا للقوانين، وذلك لان المفروض ان القانون
يحدد مسار الحياة على اساس القواعد الخاصة بكلفضيلة.
فالعدالة الكلية انما تتحقق في مجال المجتمع حينما يتطابق
سلوك الافراد مع القانون.((311))
2 - العدالة التوزيعية:
تعود العدالة التوزيعية الى الدولة، وتهتم بقسمة الاموال
والاعمال والكرامات بين المواطنين. وهذه العدالة لها مايجعلها
اهم من العدالة الكلية والعدالة التعويضية، والحقيقة ان ماهية
العدالة وجوهرها يتجلى في هذا القسم. وينبغي مراعاةفضل
الافراد، فتعطي كلا على قدر اهليته وفضله كما يرى ارسطو،
فاذا لم يتساووا في الاهلية فلن يتمتعوا بتساو
فيالحصص((312)). واللياقة والاهلية اللتان تمثلان الاساس
للتمتع بالمناصب الاجتماعية والاموال العامة، انما تنشن
منطبيعة البشر وقدراتهم الذاتية، وهذه القدرات تختلف في
الافراد منذ الولادة، فهناك من يصلح للقيادة
وآخرللانقياد((313)).
من هنا يعتقد بضرورة تلبية حاجات المجتمع المختلفة لايجاد
المجتمع السياسي المناسب والمطلوب((314))،
والطريقالامثل لمثل ذلك هو تقسيم العمل((315))، وهذا ما
يتطلب تركيب المجتمع من طبقات، كالمواطنين والعمال
والزراعوالصناع((316)). ففحوى العدالة التوزيعية هو توزيع
الاعمال الاجتماعية والاموال العامة والامتيازات بين افراد
المجتمع بمايناسب قابلياتهم وقدراتهم، وهذا ما تقوم به
الدولة.
3 - العدالة التعويضية:
يؤكد هذا القسم من العدالة على نسبة بعض الاشياء الى البعض
الاخر، فعند مبادلة البضائع ينبغي رعاية التساوي
لتاخذالمبادلة مسارها الطبيعي.
ويعتبر ارسطو كسب الثروة وتوفير الحاجات المادية من خلال
النشاطات الانتاجية - كتربية المواشي والزراعة والصيدوالتجارة
-طريقا طبيعيا، لان الطبيعة هي التي رسمت واثبتت هذا
القبيل من النشاط. كما يعتبر الحصول على الثروة
عبرالمعاملات - والتي لها علاقة بارضاء حاجات الحياة - طريقا
طبيعيا ايضا. وبعبارة اخرى: ان حاصل النشاطات
الانتاجيةحينما يتجاوز مقدار حاجة المنتجين يستدعي جعله
في متناول الاخرين، وذلك باعتماد نظام المعاملات بغية
الحصولعلى بضاعة يشعرون بضرورتها بالنسبة لهم.
ويتضح مما مر: انه يعتبر الحصول على المال نتيجة للنشاطات
الانتاجية او الاعمال الخدمية - كالمبادلة والتجارة -طريقا
طبيعيا، ويرفض كسب الثروة عن طريق الاستفادة من مبادلة
المال بمال اقل منه، ويردع عن الربا، ويابى ان يكونطريقا
طبيعيا، اذ انه يرى النقد وسيلة مبادلة، فعندما تكون مبادلته
بالنقد سببالكسب دخل اكبر فسوف يخرج النقد عنمسيره
الطبيعي، ولن يقبل التوجيه((317)).
خلاصة نظرية ارسطو
ان ما تمتاز به هذه النظرية هو طرحها اقساما للعدالة:
1 - ان العدالة الاجتماعية تتجلى في اطاعة القوانين، فهي
تتحقق بمقدار التزام افراد المجتمع برعاية القانون.
2 - العدالة التوزيعية: تعتبر العدالة التوزيعية القسم الاهم
والاكثر تاثيرا في نظريته، وذلك لان توزيع الدخل
الثروةوالاعمال تقوم على صلاحية الافراد والمجتمع، وهذه
الاهلية تكمن في طبيعة الافراد.
3 - العدالة التعويضية: ان النشاطات الانتاجية للسلع والخدمات -
من قبيل الزراعة وتربية المواشي والقنص والتجارة -لها من
الضرورة ما يجعلها منشا لكسب الثروة، وهذا بخلاف المال
المكتسب عن طريق الربا والاحتكار والسيطرة علىالثروة،
فهي اساليب لا يمكن ان تواجه بالقبول. فالعدالة الكلية تعتبر
حاكمة على الامور الاخرى لكي تتم النشاطاتالاقتصادية في
اطار القوانين الثابتة، فليس بالامكان جعل عمل ما مصدرا
للدخل في وقت يعد خارجا عن الاطارالقانوني، كما ينبغي على
كل فرد - وفقا للعدالة التوزيعية - اختيار عمل يؤمن له كسب
الثروة يتناسب مع طبيعتهواستعداده الذاتي.
فاذا تجاوزت السلع والخدمات المنتجة مقدار الحاجة امكنه
مبادلتها، ولكنها تقتضي تساوي طرفي المعاملة.
نقد نظرية ارسطو
يتمتع كل فرد بمنزلة تعد الموقع العادل له، فالعدالة تاخذ
طريقها في المجتمع حينما يحتل الفرد موقعه الطبيعي. هذا
مايذهب اليه ارسطو. ولكن المشكلة الاساسية في تعيين هذه
المنزلة والتي يمكن تحديد المسؤولية والعمل بصورة
يتناسبانمعها. ولنا ان نتساءل: ما هو المعيار والوسيلة التي
تحدد منزلة كل فرد بحيث يدرك موقعه الطبيعي والعادل
بصورة دقيقةويعترف بها ليحس بالرضا؟ وكيف يمكن الحصول
على المعلومات الواقعية في كل مجتمع بالنسبة الى الوضع
الطبيعي لكلفرد ليتم توزيع الاستحقاقات والاعمال
والمسؤوليات على اساسها، وبعبارة ثانية: عندما يتعامل مع كل
شخص بما ينسجموموقعه الطبيعي لتتحقق العدالة؟ وهذا
الكلام وان كان امرا مقبولا على المستوى العام، وذلك لان
الانسان لا يداخله الشكفي عدم صحة التعامل خلافا للموقع
الطبيعي، الا ان المشكلة في تطبيق المعايير المحددة لبيان
هذا الموقع بشكل دقيق.ففقدان المعيار لتحديد المواقع يؤدي
الى ظهور الكثير من المشاكل والخلافات. والمشكلة نفسها
يمكن ملاحظتها في العدالةالتعويضية ايضا، وذلك في كيفية
امكان اعتماد التساوي بين الاشياء عند التبادل، فما هي الالية
التي يناط بها تحديدالتساوي ليمكن القيام بالمبادلات بصورة
عادلة؟
هيكلية نظام السوق من وجهة نظر فون هايك
لقد منح النقاد الفرنسيون ممن تاثر بديكارت، العقل قدرة لا
حد لها، بحيث كانوا يتصورون ان بامكان العقل تعيين كلعمل
جزئي، خلافا لما عليه دافيد هيوم((318)) الذي رفض هذا
التصور عن العقل، فهو يعتقد بان العقل مؤطر بحدود لابدمنها،
ولا يتسنى للعقل ان يكون ذا فاعلية اكبر ما لم تدرك هذه
الحدود((319)). والاثر الواضح لهذا الاختلاف يبرز في
بيانمنشا ظهور المؤسسات الاجتماعية، فالنقاد الديكارتيون
يعدون المؤسسات الاجتماعية من ثمار ابداع ودراية
العقلالانساني، ومن هنا يمكن اصلاح هذه المؤسسات بنحو
مطلوب، او هدمها كليا واستبدالها بمؤسسات جديدة.
ان هايك يسمي هذا الاتجاه من النقدية (البناء،
ويعتبره((320)) خارجا عن دائرة قدرة العقل((321))
والمؤسساتالاجتماعية من منظاره هو وهيوم تاتي حصيلة
مسار تحولي قد تبلور تدريجيا منذ القدم في احضان
المجتمع.فالمؤسسات الاساسية للمدينة الانسانية - من قبيل:
القواعد الاخلاقية، القانونية، اللغة، النقد، السوق - لم تكن وليدة
العقلالشعوري الفردي، ولم تقترن بالقصد والتصميم المسبق،
وانما حصلت في ظل تحول تدريجي وقديم بصورة عفوية.
وكانهذا التحول قد تحقق في رحم المجتمع، وذلك
بالاستفادة من منطق الاختبار، والخطا، وآلية الانتخاب، ورد
الهيكليات غيرالمجدية((322)).
ان العدالة الاقتصادية من وجهة نظر هايك تبتني على مفاهيم
من قبيل النظام العفوي، وتتجسد في مؤسسات
كالسوق.ويتجلى المحصول الطبيعي للنظام العفوي في
العلاقات الاقتصادية، ومن هنا يلعب الفهم الدقيق والواضح
لمفهوم النظامالعفوي وتبلوره في تكون السوق والنتائج
المترتبة عليها، دورا اساسيا في بيان نظرية هايك فيما يرتبط
بالعدالةالاقتصادية.
ا - النظام العفوي((323)):
يقع النظام العفوي في مقابل النظام البنائي والذي ارسى
قواعده احد المفكرين منذ زمن بعيد. لقد حاول اصحاب
مذهبالقدرة تفسير نظام المجتمع على اساس الاوامر
والطاعة، وفي ظل هيكلية ذات سلسلة مراتب. وعليه فان هذا
النوع منالنظام يقوم على اعتقاد (نظام العوامل الخارجية)،
حيث تكون القوى خارج المجتمع هذا النظام. فنظام العوامل
الخارجيةيصور حقيقة المجتمع كاحدى المؤسسات المكونة له
او كنظام الجيش، وفي مقابل هذا النظام يعرض هايك النظام
العفويالذي ينطلق من داخل المجتمع ويولد من رحم
المجتمع وطبيعته واعماقه((324)).
ب - نظام السوق ومنجزاتها:
تعتبر المدرسة النيوكلاسيكية (الحدية) ان السوق هو اختبار
المعلومات المتكاملة عن الفروض الاولية، الا ان هايك يصرعلى
ان المعطيات غير معلومة للفرد على مستوى المجتمع باسره
بصورة كاملة وحقيقية، وذلك لانها متغيرة دائما. وليسهناك
ما يفقد الواقعية كما هو الحال بالنسبة الى النموذج
النيوكلاسيكي الذي يوصف بالثبات وعدم التغير((325))، لان
منلا يواجهون هذه التغيرات لا يتسنى لهم اتخاذ القرار النهائي
وفقا لقيمة السوق. وعلى هذا الاساس، لابد من ملاحظة
دورالقيمة بصورة نظام معلوماتي والذي يمكن للقيمة من
خلاله ان تقوم بوظيفتها المعلوماتية بشكل افضل كلما كان
اكثرانعطافا. وبعبارة اخرى: ان النظام العفوي للسوق يمكن ان
يقدم اكثر المعلومات ضرورةوتاثيرا واختصارا في ظل
مؤشر(القيمة) للمستثمرين((326)) بحيث لا يمكن لاية
مؤسسة - مهما كانت قد صممت من قبل لاداء هذا الدور - القيام
بهذهالوظيفة. ومن الواضح ان هذا النوع من الانجاز المعلوماتي
للسوق لا يتاتى الا من خلال عملية المنافسة، لانها هي
السبيلالوحيد والمنهج العقلائي الامثل لمواجهة احتكار
المعرفة والنقص المعلوماتي في بيئة معقدة لا تتسم بالاستقرار
والثبات،سواء في المسابقات الرياضية او السوق. وبذلك يمكن
تحديد الفرد الاقدر على القيام بالمهام من بين الاخرين، وان
كانهذا المنهج لا يلزم جميع الافراد بالضرورة للاستفادة من
الحد الاقصى لقدراتهم، الا انه منهج يوفر افضل الدوافع لبذل
جهداكبر عدد ممكن من الافراد. وبتعبير آخر: ان المنافسة هي
الاسلوب الانجح من بين الاساليب الاخرى، والذي يؤدي
الىالاستفادة المثلى من المصادر من جانب، وزيادة المعلومات
ورفع مستوى قدرات الافراد من جانب آخر((327)).
نظرية فون هايك في العدالة الاقتصادية
يسعى فون هايك الى احلال الانسجام والتنسيق بين
النشاطات الاقتصادية والتي تتبلور من قبل الافراد محل
العدالة،لان المفروض تحكم النظام العفوي بهذه النشاطات.
فهو يعمم الرؤية القائمة في نظرية التجارة السلمية، وعليه فلا
يمكن انتتم المبادلات القائمة بطرف واحد، ليكون مجموع
الربح في طرف والضرر في الطرف الثاني صفرا، او يتحمل
الطرفانالضرر، وانما يوفر الغطاء القانوني والذي يضمن الحرية
الطبيعية، الحرية الفردية لجميع ابناء المجتمع وبمستوى
واحد،وسوف يتمتع الافراد باكبر الفرص للقيام بالمبادلات
الاختيارية والطواعية والتي يجني الطرفان فيها الربح. ان نظام
الحريةالطبيعية يحقق نوع تناسق وانسجام بين مصالح الافراد
ويستملك كل فرد فرصا اكبر للوصول الى اهدافه. وفي ظل
هذهالظروف تصل الرفاهية العامة الى اوجها، لان الاطار والمهد
اللذين يمكنان الفرد من بلوغ اهدافه سوف يكونان
مضمونيالتحقق، لا ان مسؤولية زيادة هذه الرفاهية العامة
توكل الى افراد او مراجع((328)). واذا اخذ مستوى الرفاهية
بالتصاعدفسيحدث التوازن الاقتصادي طبيعيا. ففي الحقيقة
ان هذا التوازن هو الحصيلة المنطقية لنظام السوق، ولا يمكن
وصفه بغيرالعادل ابدا، كما لا يمكن اعتبار النتيجة النهائية
لمسابقة روعي فيها قواعد اللعبة، غير عادلة، لان المفروض
دخول جميعاللاعبين الميدان على استعداد مسبق ودراية
بالقواعد الحاكمة على حركة المنافسة، وانهم اذعنوا من قبل
للنتيجة مهماكانت. ان فون هايك واعتمادا على ناتج التعادل
المنطقي يصر على ان العدالة سراب ليس الا، ويعزز رايه هذا
بالدليلالتالي:
ان العدالة تصدق في حق العمل والسلوك الاختياري للبشر،
واما الحوادث الطبيعية التي لا يتحمل الفرد او
الافرادمسؤوليتها فلا يمكن ان نسمها بالعدالة. فالوليد الذي
يطل على الحياة وهو يعاني من نقص عضوي او من يفقد اقرب
الناساليه، يمكن اعتبار ما الم بهما من الحوادث الماساوية،
ولكن بما انها لم تات عن رغبة او تصميم مسبق او عمل فردي
فلاتوصف بانها غير عادلة((329)). وعلى هذا الاساس، فان
تعريف العدالة انما يمكن في اطار قواعد السلوك
الاختياريةوالمسؤولة للفرد او الافراد، فعلى المستوى
الاجتماعي تتصف الافعال المنسجمة للافراد في مؤسسة ما -
والتي حصلتعن قصد ونية وهدف خاص - بالعادلة او بغير
العادلة.
واما النظم الاجتماعية العفوية التي لم تترتب آثارها نتيجة
لارادة افراد معينين فلا توصف بالعادلة او بغير العادلة.
اناعمال السلطة يمكن الحكم عليها بالعادلة او بغير العادلة، الا
ان المجتمعات الانسانية ذات النظام العفوي
والانجازاتالطبيعية تابى عن ذلك((330)). ويمكن عد
المجتمع مسؤولا فيما اذا اتسم بطابع المؤسسة((331))،
وليس النظام العفويمتسما بذلك. ان ابراز المجتمع بصورة
مؤسسة ينشا من خطا معرفي (النقد البناء)، لان المؤسسة
منظمة لها اهدافها المحددةتنبثق من خلال عرض واع،
ويتحمل كل عضو فيها مسؤولية خاصة لتحقيق هدف ما من
هذه الاهداف. ويتمتع بامتيازاتتناسبها. من هنا فان
الامتيازات اذا لم تتناسب والمنجزات، او كان هناك تمييز في
توزيعها، امكن القول بان سلوكالمسؤولين لا يتسم بالعدالة،
فتوصف المؤسسة بعدم العدل، الا ان المجتمع لا يمكن تحويله
الى مؤسسة بتقسيم اعمالهالواسعة((332)). ان تخصيص
المصادر وتوزيع الدخل في مجتمع يقوم على النظام العفوي
انما يتم عبر آلية القيمة. وبما انسوق المنافسة لها نظامها
الطبيعي فلا يمكن اطلاق العدالة وعدمها بالنسبة الى النتائج
المترتبة. ونتائج نظام السوق من قبيلنتائج المنافسة في
مسابقة لم تعلم نتائجها من ذي قبل، ولكنها مهما كانت فلا
يطلق عليها انها عادلة او غير عادلة. انالعدالة انما تكون ذات
معنى فيما اذا روعيت قواعد المسابقة. وبعبارة ثانية: ان
الاقتصاد والسوق يقومان على اساس آليةالقيم، وهذه الالية
تمثل مؤشرا للمنتجين، حيث يقومون بانتاج بضائع تحقق
منافعهم، وهذه البضائع مما يطلبها ابناءالمجتمع بصورة كبيرة.
ان نظام القيمة - في الحقيقة - يعد المؤشر لاولويات الانتاج،
وبذلك يتم تقديم المستوى الاعلى من الخدمات لاكبرعدد
ممكن من الافراد، وهذا النظام لا يمكن ان يعتمد هدفا محددا
قد رسم من ذي قبل لتوزيع الدخل. وحينما تحاولالدولة
التدخل والعمل وفق منهج معين للتوزيع على اساس تثبيت
العدالة الاجتماعية، ينبغي ان تلغي الانجازاتالمعلوماتية
لنظام القيمة، وتسلب فاعلية السوق منه((333)).
نقد نظرية فون هايك
تفترض الحرية الاقتصادية تساوي الجميع في حلبة المنافسة،
الا ان التساوي امر ظاهري صوري في الواقع الخارجيللحياة
الاجتماعية، ولا يمكنه ان يستمر، وذلك لان بروز احتكارات
ذات قطب واحد او قطبين تحول عملية التساوي الىارضية
لحدوث فوارق بين الافراد، كما يمكن اعتبار اجبار الدول
العامل الاساس لظهور النظام الراسمالي لا السوق الحرة.من هنا
يمكن مناقشة فون هايك من هذه الزاوية باختصار:
ا - ان نظام القيمة وان كان المؤشر لاولوية انتاج البضائع
والخدمات، ولكن لا يمكن ان يكون ضمانا لاستمرار
الحريةالحقيقية للعرض والطلب دائما. ان آلية القيم تقدم
المعلومات للفرد لتبين البضاعة او الخدمة التي يشعر المجتمع
بالحاجةاليها بصورة ملحة، ليتم تخصيص المصادر لانتاجها في
نهاية الامر. الا ان الالية هذه لا يمكنها البت بان من
يمتلكونالقدرات والقابليات بمقدار اكبر باستطاعتهم ان
يوجهوا حركة البضائع والخدمات وفقا لقواعد المنافسة نحو
نقطة بحيثيمكن الحصول على المستوى الاعلى من الربح
الممكن، هذا من جهة، وعدم امكان وجود مبرر اقتصادي
للاخرين للقيامبانتاجها من جهة ثانية ليتدخلوا في مجال
الانتاج، ويظهر الاحتكار من قبل قطب او اقطاب لعرض هذه
البضاعة او الخدمةبصورة طبيعية، وهكذا يمكن ان تتعرض
رغبة المجتمع في جانب الطلب الى هجوم الدعاية المكثفة،
مما يحول دون وجودضمان في نظام القيمة على استمرار
المنافسة والحرية الاقتصادية في العلاقات الاقتصادية
للمجتمع بل اثبتت تحولاتالظواهر الاجتماعية الاقتصادية
للمجتمعات المختلفة هذه الحقيقة، وهي ان المنافسة
الاقتصادية يمكنها ان تتحول كحركةفي الواقع الى احتكارات
في جانب العرض والطلب في مراحل لاحقة وذلك من خلال
رعاية القوانين الثابتة، مما تؤدي الىالقضاء على المنافسة
الحقيقية، كما يمكن لعنصر الحرية الاقتصادية على طول
الخط القضاء على الحرية الاقتصاديةالحقيقية دون ان يبقي
الظروف والارضية الواقعية للاخرين الذين هم خارج دائرة
الاحتكارات. وكان هذا هو السبب لنشوءالدول التي تاخذ على
عاتقها توفير الرفاهية او الحد الادنى منها، من هنا يصرح
سامويلس قائلا: (ان كانت آلية السوقطريقة محسنة للانتاج
ولتخصيص البضائع، ولكنها لا تخلو من نواقص ثلاثة كانت منذ
القدم (امكان ظهور ظروفللاحتكار بالنسبة الى عدد ضئيل
من البائعين، والتصاعد المطرد للقيم من قبلهم للحصول على
ارباح طائلة، وامكان ظهورارضية تساعد على عدم المساواة في
الدخل، وامكان الصعود والهبوط في المجال التجاري في اطار
التضخم الحاد اوالركود). ولعل من الممكن تدخل الدولة
لمعالجة هذه النواقص والتمهيد للفاعلية والمساواة والتوازن،
فترسم آلية تسوقالقيم والانتاج في الكثير من المجالات، كما
تقوم الدولة بتنظيم السوق عن طريق اخذ ضرائب الاستهلاك
ووضع القوانين،الا ان كلا العاملين - اي السوق والدولة - امر
ضروري، فان ادارة الاقتصاد دون ان يكون للدولة او للسوق
دور فيها هياشبه شي بالتصفيق بيد واحدة((334)).
ب - يعتقد هايك بان ظهور النظام الراسمالي جاء نتيجة لتكامل
المجتمع، بحيث لا يوجد هناك ربط بين هذا النظاموعامل
اجبار الدولة. الا ان مايكل بولاين((335)) يؤكد وباصرار على
ان الاسواق الحرة في بريطانيا في القرن التاسع عشركانت
وليدة الاستبداد البرلماني، فقد تاسست السوق الحرة بحكم
دولة قوية ومهيمنة. ان السوق الحرة لم تكن وليدة
آلافالتغيرات غير المدروسة، وانما هي نتيجة لسياسة الدولة
الحاسمة((336)).
ج - ان هناك من البضائع والخدمات التي تعتبر من المنافع
العامة والمكلفة جدا - كالامن القومي، والتربية والتعليم،واماكن
التسلية لا يمكن لالية السوق تقديم حل مما يتعلق بها، مما
يستلزم تدخل المراكز المؤثرة خارج السوق.
وقد اتسعت دائرة هذا النوع من النشاطات طول الزمن، بحيث
يبرز تدخل الدولة اكثر من عمل السوق الحرة((337)).
الاسلام والعدالة الاقتصادية
تعتبر العدالة الاقتصادية احدى مفردات العدالة، ومن مصاديقها
الاخرى العدالة الفردية، من هنا ينبغي القاء الضوء علىالعدالة
باختصار ليتسنى بيان مفهوم وماهية العدالة وانطباقها على
مصاديقها المختلفة. ان ماهية العدالة لها علاقة مباشرةبالحق،
فما لم يكن هناك حق فلا مجال لوجود العدالة، وهكذا تظهر
العدالة حينما يكون هناك حق. فعنصر الحق تتجلىمن خلاله
العدالة، ولا
يمكن الحكم بالنسبة الى العدالة دون معرفة الحق وتقييمه
بشكل دائم. من هنا يقتضي توضيح النكات الاساسية
الثلاثلبيان العدالة الاقتصادية من وجهة نظر الاسلام:
1 - علاقة الحق والعدالة.
2 - المعرفة التحليلية للحق.
3 - الحقوق الاقتصادية المتبادلة بين الحكومة والشعب.
ا - علاقة الحق والعدالة:
ان رعاية الحقوق المتبادلة بين الحكومة والجماهير تمثل
الارضية للعدالة بين الطرفين. وينبغي للحكومة رعاية
حقوقالشعب - وهكذا العكس - في مجال العلاقات الاجتماعية،
لتتحقق العدالة الاجتماعية. ورد عن الامام علي (ع) في
هذاالصدد: (فاذا ادت الرعية الى الوالي حقه وادى الوالي اليها
حقها، عز الحق بينهم، وقامت مناهج الدين، واعتدلت
معالمالعدل((338)). فنشر التعليم والتربية بين الجماهير،
وتوفير الامن، وايجاد ظروف التنمية الاقتصادية والاجتماعية،
ومجابهةالفقر، وتقديم الحد الادنى لمستوى معيشة الطبقات
المحرومة، انما هي جزء من حقوق الشعب في المجتمع
الاسلامي. كماان دفع الضرائب التي تمثل الدخل، واطاعة
القانون، واتباع السياسات المختلفة للحكومة، ومشاركة
الجماهير في المجالاتالثقافية والاقتصادية والاجتماعية
والسياسية والعسكرية، تعد من حقوق نظام الحكم.
ب - المعرفة التحليلية للحق:
ان اساس العدالة في الاسلام هو الحقوق المتبادلة بين الحكومة
والشعب. ويمكن تقسيم هذه الحقوق الى العامةوالخاصة:
1 - الحق العام:
يتساوى افراد المجتمع في الحق العام، فمن حقهم جميعا
ممارسة الاعمار والبناء من اجل قوام الحياة وزيادة
الرفاهية،قال تعالى: (هو انشاكم من الارض واستعمركم
فيها((339)). وعلى اساس هذا الحق يمكن لكل فرد مزاولة
العمل المفيدوالاستفادة من المصادر الطبيعية، للحصول على
الملكية الخاصة فيما يرتبط بنتائج عمله، وهكذا يحق للجميع
تفجيرطاقاتهم في سبيل تلبية حاجات المجتمع الانساني
المتنوعة، وجني ثمرة الاتعاب والجهود في آخر المطاف.
2 - الحق الخاص:
يرتكز ظهور الملكية الخاصة بالنسبة للثروات الطبيعية على
العمل الاقتصادي المثمر، من قبيل: الاحياء، والحيازة،والاجور
مقابل العمل لانتاج البضائع والخدمات التي تقدم للاخرين.
كما يعتبر بيت المال مصدرا للملكية الخاصة لمن لا يقدرون
على العمل ولا يمتلكون شيئا من المال لسد حاجاتهم.والنكتة
الاساسية لتحليل الحق العام والخاص تعتمد على انه حق لاحد
دون وجود مسؤولية ووظيفة في المقابل، يقولالامام علي (ع)
(لا يجري لاحد الا جرى عليه، ولا يجري عليه الا جرى
له((340)). فلا يمكن التفكيك بين المسؤوليةوالحق، فعلى
صعيد الحق العام مثلا يثبت حق الاستفادة من المصادر
الطبيعية لكل افراد المجتمع، الا ان هذا الحق
يستتبعالمسؤولية ومنع الحاق الضرر بالحق العام، وهذا ما نص
عليه الحديث الشريف: (وقضى بين اهل البادية انه لا يمنع ماء
يمنعبه فضل كلاء). وقال: (لا ضرر ولا ضرار في
الاسلام((341)). لقد كان اصحاب الابار يحاولون السيطرة على
المراتع منخلال الحيلولة دون تسرب المياه ليلا وعدم
الاستفادة فوق مقدار الحاجة، لتبقى تلك المراتع على حالها
الطبيعي خالصةلهم، من هنا نهى النبي عن هذا
العمل((342)).
وهكذا الحال بالنسبة الى الحق الخاص، فالملكية الخاصة
تلازمها المسؤولية والوظيفة. ان ظهور واستمرار هذا النوع
منالملكية يتبلور في اطار الحدود التالية:
1- يشترط في الملكية الخاصة للمال ان يكون المال قد اكتسب
من طريق حلال، فلا يجوز كسب الثروة من اي طريقوعمل
وان لم يكن مشروعا، كغصب مال الاخرين والرشوة والاحتيال
والربا والقمار وسرقة بيت المال وغيرها منالمكاسب
المحظورة والممنوعة.
2- يتعلق حق معلوم للاخرين في الثروة المكتسبة، كالخمس
والزكاة والضرائب الاسلامية الثابتة. وعلى هذا الاساسيدخل
المحيط الاجتماعي الدائرة الفردية، وعندها لن يكون هناك
تنافس وتقاطع بين الحرية الفردية والاجتماعية،والمنفعة
الخاصة والعامة، بل يبلغان مرحلة الانسجام المنطقي.
3- يحق للحكومة الاسلامية اخذ المصلحة العامة والجماعية
بنظر الاعتبار، فلا يمكن ان يقوم الكسب والعمل بالنسبةالى
الافراد خارج نطاق المصلحة، وعليه يدخل عنصر العمل ضمن
اطار التصميم في النظام الاسلامي، فيضمن الاسلامآثاره
ونتائجه.
ويمكن استنباط العقلانية الاسلامية من مجموع الاصول
المتقدمة، والعقلانية هذه تعد الاساس والمحور لجهود
واعمالكل فرد في مسار توفير الحاجات والمنافع الفردية.
ج - الحقوق الاقتصادية المتبادلة بين الحكومة والشعب:
ان على الحكومة الاسلامية رعاية الحقوق الاقتصادية التالية -
كوظائف اساسية - في مجال اقتصاد المجتمع:
1 - حفظ سلامة البيئة:
تتحمل الحكومة الاسلامية مسؤولية سلامة البيئة وعوامل
بقائها للاجيال القادمة. وصيانة البيئة والاستفادة المثلى
منمصادر الطبيعة التي هي عرضة للزوال تعتمد على قاعدة
نفي الضرر والاضرار بالحق العام.
2 - انتاج البضائع العامة:
هناك خصيصتان لهذه البضائع:
1 - عدم المنافسة في الاستهلاك.
2 - عدم حرمان البعض من الاستفادة منها.
فمن واجبات الحكومة: بسط الامن، وتقديم الخدمات القضائية،
والدفاع عن حقوق المواطنة، ونشر التعليم والتربيةالعامة،
وامور اخرى من هذا القبيل. وهذا النوع من الخدمات لا يدخل
في دائرة المنافسة، اي ان استفادة فرد لا تحول دونانتفاع
الاخرين، كما لا يمكن حصر فائدتها بعدد محدود من الناس.
3 - ايجاد البنى التحتية للتنمية:
من الممكن لمسار التنمية في المجتمع ان يخط طريقه من
خلال توفير بناه التحتية. فتاسيس المراكز العلمية
والثقافيةوالتحقيقية لتربية القوى الانسانية المناسبة، وتقديم
الخدمات في مجال المواصلات والاتصالات واحداث الصناعات
الثقيلةوالتي لا يمكن للقطاع الخاص تحمل اعبائها، وتوفير
خدمات الصحة والعلاج الشامل والضمان الاجتماعي العام،
ونشرالمصادر المعلوماتية بالنسبة الى فرص الاستثمار والارباح
المستقبلية، واخراج المعلومات المرتبطة بهذه الفرص
المربحةمن الدائرة المحدودة، يفسح المجال لايجاد ارضية
اجتماعية اقتصادية للتنمية. ويتطلب من الحكومة ارساء قواعد
البنىالتحتية بالنسبة الى التنمية. يقول الامام علي (ع) في
عهده لمالك الاشتر: (جباية خراجها، وجهاد عدوها، واستصلاح
اهلها،وعمارة بلادها((343)).
وقد عد انتاج البضائع والخدمات العامة - من قبيل توفير الامن
والخدمات الدفاعية - جهادا للاعداء، وايجاد البنىالتحتية
للتنمية - مثل اعداد الكادر الانساني المناسب - استصلاحاللناس،
وتفعيل حركة الصناعات الثقيلة والمواصلاتوالاتصالات اعمارا
للبلاد، كما ان توفير دخول للدولة للقيام بالوظائف الملقاة
على عاتقها يكون من جباية الخراج.
4 - توازن دخل المجتمع:
ان الفاصلة الكبيرة بين طبقات المجتمع تؤدي - دون شك - الى
حدوث هوة سحيقة بينهم وعدم تحسس آلام
ومشاكلالمحرومين من قبل الطبقة المرفهة، هذا مضافا الى
ان تمركز الثروة ينتهي بالوضع الى ظهور مفاسد اخلاقية
ومشاكلاجتماعية، فاذا تكدست الثروة لدى عدد من الناس
فسوف يحرم عدد آخر. وتساعد الفاصلة بين طبقات المجتمع
علىبروز ارضية السرقة والرشوة والاستغلال والطمع والتفاخر
والتعالي والغفلة بالنسبة الى الطبقة الثرية، من هنا جاءت
الايةالكريمة: (كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم((344)).
ولابد من الالتفات الى ان توازن الدخل من وجهة نظر الاسلام
لا يعني الاقتصاد الاشتراكي، بحيث يتم تبديل افرادالمجتمع
الى عمال وموظفين لدى الدولة، فتسلب منهم الحرية
الاقتصادية، فيتحول عموم افراد المجتمع الى طبقة
فقيرةوعاملة. وهذا النوع من تعديل الثروة اشد وطاة على
الافراد من النظام الطبقي، لانه يسلب منهم دافع النشاط،
فيبسط الفقربدلا من نشر الرفاهية والغنى. وليس يعني قيام
الدولة بوظائفها لتحقيق العدالة الاجتماعية، ورسم السياسات
الاقتصاديةلبلوغ هذا الهدف السياسي، توزيع الفقر بصورة
عادلة في المجتمع، ولا يمكن التضحية بالعدالة من اجل
التنمية والازدهارغير الثابت والمتوازن عموما، كما لا يمكن
اغفال التنمية والازدهار لبسط العدالة وتقسيم الفقر العام
بصورة منصفة، وانمايتطلب الاعتدال والتوازن البحث عن
السياسات الاقتصادية للعدالة الاجتماعية والاقتصادية
المنسجمة والمقرونة بالتنميةالثابتة. وينبغي التاكيد على ان
الحكومة لها حق على الشعب كما هو الحال بالنسبة للشعب
تجاه الحكومة، ولا يمكن انتتحقق العدالة دون تطبيق هذه
الحقوق. فدفع الضرائب وقبول السياسات المالية الاقتصادية
للحكومة، والمشاركة والتعاونمعها في المجال السياسي
والاقتصادي والثقافي ... الخ هي بعض حقوقها على الشعب،
والتي ينبغي دراستها في موضع آخربالتفصيل. فالاسلام يرى
ان تطبيق واجراء الحقوق الاقتصادية المتبادلة بين الحكومة
والجماهير (القطاع العام والخاص)يستتبع العدالة الاقتصادية،
ومن الواضح ان هذه الرؤية تختلف عما يعتقده افلاطون
وارسطو وفون هايك بشكل جذري.
الخلاصة
تؤكد العدالة الاقتصادية من وجهة نظر افلاطون وارسطو على
عنصر تناسب واهلية الافراد، وتوزيع الاعمال والمهامالمؤثرة
وفقا لهذه الاهلية الطبيعية.
كما تقوم العدالة الاقتصادية لدى فون هايك على منجزات آلية
السوق، وحاكمية اساس المنافسة. ويهتم الاسلام
لتحقيقالعدالة الاقتصادية على القيام بالحقوق المتبادلة بين
الحكومة والشعب. وقد بين الاسلام اساس هذه الحقوق في
مصادرهالاصلية، ولم يدعها عرضة للاراء والاجتهادات والرؤى
الفردية. وينبغي البحث عن نقطة الافتراق بين الاسلام
والنظرياتالاخرى في النكتتين التاليتين: اولا: ان بين العدالة
والحق علاقة الزامية. وثانيا: لم يتم ايكال الاحكام العامة
للحقوقالمتبادلة بين الحكومة والشعب الى آراء وافكار فرد ما.
الاقتصاد والايديولوجيا العقدية، العلاقة والارتباط
تقوم مسالة (معرفة اللّه) وفق الرؤية الاسلامية على مبنى
الاعتقاد بالخالقية والربوبية والهداية الالهية، بمعنى ان اللّه
هوخالق الوجود ومدبره وهاديه، بل تؤسس الى ابعدمن ذلك، اذ
ان اللّه - وفي كل لحظة - هو في حال الخلق، والامروالتدبير،
وجميع الموجودات مرتبطة به ومحتاجة اليه في جميع
حالاتها.
وعالم الوجود لا يمكن ان يبقى او يدار ويهدى لحظة واحدة
بدونه.
|