الاولويات الثقافية وحاجات البحث الديني المعاصر تتغير الاوضاع الثقافية والاجتماعية والسياسية في الحياة
البشرية، ويترك تغيرها اثرا على رسم مسلسل الاولويات الثقافية
والعلمية، ومعنى ذلك ان اولوية ماقد تغدو امرا هامشيا نتيجة
وضع جديد،فيما ترتفع الى الواجهة امور
كانت هامشية في حساب الفكر والثقافة.
1- واذا اردنا - بداية - ان نقدم نماذج من الموروث الديني، امكننا
الاشارة الى ملفات عديدة، كانت تصنف موضوعات من الدرجة
الاولى، فيما غدت اليوم على درجة ثانية او ثالثة او.. من
الاهمية، ففي الكلام الاسلامي لم تعد اغلب نظريات الصفات
والاسما، كما الرد على البراهمة في امر المعاد، او العديد من
الردودالمسجلة على بعض الفرق الاسلامية في قضايا الامامة، او
الجدل في بعض جوانب القضا والقدر من اولويات الفكر
والمعرفة،على الصعيد الفقهي تراجعت موضوعات عديدة
كاحكام الرقية والحرية، ومباحث الظهار وكثير من احكام
الدواب و..
ولا نعني بتراجع هذه الملفات البحثية،سقوطها تماما، بل قد
يظل البحث العلمي بحاجة اليها ولو لمتابعة ملفات اخرى
على صلة، انما نقصد تراجعها عن درجة الصدارة التي كانت
تمتلكها، يجب ان نصل الى قناعة بان تجميد بحث ما في زمن
ماضمن وضع ما لا يعني دعوة لحذفه، بقدرما يعني تعليقا له
الى حين خلق اوضاع قدتفرضه مجددا.
2- وينعكس هذا الامر على العقلية الحاكمة على العمل الفكري
الديني، وعلى القيمين على هذا العمل، فاذا حكمتهم سلسلة
خاطئة من الاولويات فان كوارث في العمل الثقافي سوف
تحدث، وسوف تضيع جهود عملاقة، واموال طائلة،واوقات
ثمينة، اما لو جرى تصويب الاولويات واعادة رسمها عند كل
مفصل اجتماعي او سياسي او ثقافي، فان الحركة الفكرية
الاسلامية سوف تعيش اللحظة، بل ستكون ثقافة اللحظة، وفكر
اللحظة، ووعي اللحظة.
لكننا - مع الاسف - ما زلنا نجد في بعض الاوساط العلمية من
يفتخر بعدم مواكبة اللحظة، والحياة الثقافية المعاصرة،
ومن يزعم ان ثقافة اليوم هي ثقافة آنية،سطحية.. الى غير ذلك
من اوصاف توحي ان من المفيد استهلاك العمر العزيز في
فهم شخصية في التراث، وليس كل التراث،وتحليل كلماتها
ونصوصها، بل هو خير من فهم كل الحراك الفكري ومنتجات
الفكر في القرن الاخير برمته.
هناك من لا يفقه ابسط مفاهيم العصر،ونؤكد على كلمة
«ابسط »، وهي ازمة جادة،ترجع الى الخطا في رسم
السياسات 6الثقافية في بعض اوساط المؤسسة الدينية،والى
مسلسل الاولويات المعاصرة، فلاينبغي ان ننزه انفسنا ونطهرها
عن وعي العصر وتداول مقولاته، فهذه سلفية قاتلة،لا تحيا في
الان، بل لا تسمح لاحد بان يحيا عصره.
3- انطلاقا مما تقدم اجد ان هناك ملفات فكرية لابد من جعلها
في قائمة الاولويات البحثية اليوم لدى الباحثين الدينيين،
واركزهنا - من باب النموذج - على بعضها:
ا - دراسات الاديان، فالملاحظ في الاوساط الدينية في الاعم
الاغلب وجودفقر معلوماتي مذهل عن الاديان الاخرى،وبعض
هذه الاديان مما يحتك به المسلم اليوم حتى في البلاد
الاسلامية مثل مصرولبنان، نحن بحاجة اليوم الى مادة
درسية في الاديان في الجامعات والحوزات كافة،لانها من اهم
وظائف المفكر والعالم والمبلغ والخطيب، ووجود فقر معلوماتي
على هذاالصعيد يوقع في اخطا حقيقية، كثيرا مالمسها
المختصون في هذا المجال.
وليست الحاجة مقتصرة على الاديان الابراهيمية، فهناك
مذاهب وفرق يفترض بالمفكر والعالم والباحث الديني ان
يكون على اطلاع عليها، سيما ما حامت حوله التباسات، مثل
المذهب الدرزي في بلادالشام، والمذهب العلوي في
سوريا،والصابئة في العراق و..
ب - الدراسات العقلانية حول العرفان الديني، فالملف الصوفي
والعرفاني ملف شائك، ويغزو اليوم الاوساط الدينية على نطاق
كبير، وتكثر التساؤلات حوله،وقد ادت بعض حالات الفوضى
فيه الى حصول ارباكات ومشاكل جادة وحقيقية،لم يعد الوضع
يحتمل مضاعفاتها احيانا،من هنا، فالوضع بات بحاجة الى
فريق عمل جاد يدرس الفكر الصوفي والعرفاني،تاريخيا ونقديا
وعقلانيا ومقارنا وهادئا،ويشرح مدارسه واتجاهاته، سيما تلك
التي باتت تهيمن اليوم على بعض الاوساط دون ان تكون هناك
عمليات رصد لمعالم مدرستها بسبب حداثة هذه
الاتجاهات احيانا، بما لا يعود الى فترة تتجاوز القرن الواحد.
ج - على الصعيد الشيعي بالخصوص،هناك تجاهل شبه تام،
سوى في بعض الاوساط في العالم العربي، للمنجزات الاخيرة
في البلاد العربية، سيما تلك ذات الطابع النقدي، مثل دراسات
ابي زيد،اركون، الجابري، حرب، شحرور، حنفي،العروي،
عبدالرحمن و.. ولهذا قلما نجدمساهمة شيعية على هذا
الصعيد، رغم ان الملفات التي يفتحها هذا الفريق اذا عنت في
بعضها الفكر السني، فان اكثرهايستوعب اساسيات الفكرين معا.
د - التركيز على موضوع الاسرة عبردراسات اخلاقية وتربوية
تحفظ تماسكهافي ظل الوضع الاسري المتردي اليوم في اكثر
من مجتمع اسلامي وعربي، ولم يعديكفي في الموضوع
التربوي اطلاق شعارات هلامية، بل صار المطلوب متابعة الواقع
للعودة به الى الكتاب والسنة والعقل والموروث، بغية استخلاص
حلول لمشاكل نحياها، لا لمشاكل ماتت منذ زمن مع من سبقنا.
ه - - الاهتمام الفكري الجاد بموضوع العلاقات المذهبية، ونشر
سياسة التسامح المذهبي، وقد بذلت جهود مشكورة على هذا
الصعيد، لكن الواقع ما زال بعيدا عن المرتجى، والمطلوب اليوم
تجاوزالدراسات التعبوية في موضوع التقريب، الى النفوذ الى
اعماق البنى الفكرية والكلامية والفقهية للمذاهب، والتفتيش
- غير المنحاز - عن فرص زحزحة لبعض المفاهيم، التي تغذي
الفرقة، والتكفير، والتفسيق، والتضليل، واعادة قراتها على ضوء
مكونات اجتهاد معاصر، لا يريد ان يسقط مقولات مسبقة، بقدر
ما انكشفت له ثغرات في المقولات القديمة التي مورس عبرها
الاسقاط احيانا، ومن حق هذاالاجتهاد الحراكي ان يعيد النظر
فيما ارتابه شك فيه، ليكون لنفسه تصورات من الداخل، تسمح
لنظرية التسامح المذهبي بالانبعاث الحقيقي.
يجب دراسة موضوع التكفير على اكثر من صعيد، نفسي،
واجتماعي، واقتصادي، وسياسي، الا ان المطلوب ايضا
من المؤسسة الدينية ان تدرس الموضوع على مستوى جذوره
الكلامية والفقهية، وتنظرفيه بجدية عالية على اسس
فكرية موضوعية مدروسة، لا على اساس شعارات مرحلية ما
تلبث ان تلفظها سلطة الموروث بعيدا عند اى اهتزاز.
و - الدراسات الفقهية والاصولية المقارنة،فهناك الكثير من
التطور الذي شهده اصول الفقه الشيعي خلال القرون الثلاثة
الاخيرة،ما زال غائبا - بل مغيبا على بعض الوجوه - عن الساحة
الاصولية السنية، ولا نجدادنى متابعة جادة للفكر الاصولي
الشيعي في الوسط السني، وهكذا الحال على صعيددراسات فقه
الدولة شيعيا، بل لا اطلاع ايضا على التجربة القانونية في
النظام الاسلامي في ايران، وهي تجربة تستحق رصدها
والاهتمام بها بعناية وتامل.
وهذا ما نجده ايضا على الصعيد الشيعي، اذثمة علوم اخذت
بالتكون في الوسط السني تتصل بالفقه واصوله، الا ان الجو
الشيعي مايزال بعيدا في اكثر اوساطه عنها، فمقاصدالشريعة،
ودور العقل في الاجتهاد، وملف حجية السنة وما قيل حولها،
وآخرمنجزات قراة النص و.. كلها موضوعات باتت اساسية اليوم
في المعرفة الفقهية عموما.
عندما يعايش المرء اوساط البحث الديني يجد مدى الحاجة الى
حضور الاخر في دراساتنا الدينية، فنحن مطالبون
باجتهاداسلامي، ولم يعد مسموحا اليوم ان يقدم انسان نظرية
الاسلام في موضوع ما، ولايمر ابدا على موروث هائل للطرف
الاخراستمر تكوينه بنظام المراكمة المعرفي قرونا عديدة.
4 - واذا كانت الضرورات العلمية تستدعي في مرحلة التركيز
على محور، وفي مرحلة اخرى على غيره، فانها تتطلب دائما
- تقريبا - توفير الظروف لخلق بواعث على تكوين اجيال مهتمة
بالجانب العلمي البحثي المعاصر، وهذا ما نجد بعض الفراغ فيه
شيعيا على الاقل على بعض المستويات في العالم العربي، اذ
هناك اهتمام مضاعف لدى العديد من علماالدين والجامعيين
الدينيين بالامساك باهتمامات سياسية، او اجتماعية، وهو
امرضروري ولازم، لا نشك في ذلك ولانرتاب، الا ان المشكلة
ان الجانب الفكري البحت لا يولى كبير اهتمام الا في
بعض الاوساط المحدودة جدا، وغالبا ما تواجه بالنبذ والتقريع.
ان المواقف المتحفظة - بل واكثر من المتحفظة - التي تتخذها
بعض الاوساط العلمية الدينية من الفكر الجديد، تقتل في اجوا
النخب المتحضرة للانطلاق كل احساس بالامل، وتذيب فيها
مشاعرالاندفاع، بل تخيف الكثير منها، وتدفعهاالى مزيد من
التحفظ المعاكس او الاحتياط المبالغ فيه او العمل المراحلي
الطويل المدى ازيد من الحد الطبيعي، ومعنى ذلك ان احساس
الامان ضرورة يطالب بهاالمعنيون لدفع حركة التفكير نحو
الامام،حتى لو تورطت في بعض الاخطا التي يجب اعتبارها
مترقبة وعادية، فلا تحسب مثل هذه المشاريع بحساب تجزيئي،
بل ينظر اليها بالمجموع من حيث النتائج التي تعطيها على
مستوى تطور حركة الفكروالمعرفة الدينيين.
5 - وعلى راس الحاجات الفكرية كافة،وفي سلم الاولويات
الاولى، تقع الحاجة لمركز دراسات، فاين هي مراكز
الدراسات الاسلامية اليوم؟! مراكز الدراسات التي تتخط ى
تحقيق التراث وطبعه وتغيير لغته و..، لتدخل الى تكوين
نظريات جديدة، بمالكلمة «جديدة » من معنى، اننا نفتقر
الى مراكز دراسات جادة، تجمع حولها رجال الفكر، واصحاب
القلم، واهل الراي والنظر،تنسيهم التفكير في وضعهم
المعاشي،ليفرغوا لحمل حقائب بحثية معرفية، يقضي عليها كل
فريق منهم ردحا من الزمن،وتؤمن لهم مؤسساتنا ودولنا
وجامعاتناوحوزاتنا كل ما يحتاجون من دعم،وتامين مصادر
ومواد علمية.
ان ندرة - ان لم يصح القول: انعدام - هذه المراكز مع كثرة المراكز
التعليمية و.. يعط ي دلالة على اننا ما زلنا في مرحلة لا ننتج فيها
المعرفة، بل نستهلكها، وهذا ماسيفضي الى كارثة محققة على
المدى البعيد، وتاريخ الامم الغابرة شاهد على مانقول.
(قل سيروا في الارض فانظروا كيف كان ع اقبة الذين من
قبل...)
[الروم: 42]. حيدر حب اللّه
الدكتور محمد البشير الهاشمي مغلي
ولما كانت قيمنا الاسلامية نابعة من نصوص الوحي، لا من
ايحاات البيئة اوالمجتمع او نتاج فكر الاناسى. وبما انه مقرر
علميا وعلى وجه اليقين ان (لاتبديل لخ لق اللّه) (الروم: 30)،
و(لاتبديل لك لمات اللّه) (يونس: 64) تعين بذلك لزوما
وبالتبعية انها ثابتة.
حقيقة الثبات: فما معنى هذا الثبات؟ وهل يتعارض مع التطور؟
كيف والتطور نفسه سنة اخرى؟ وما عهدنا سنن اللّه
متعارضة قط ولا متناقضة، بل متكاملة ومتساوقة(فارجع البصر
هل ترى من فطور) (الملك:3)، (ولو كان من عند غير اللّه
لوجدوافيه اخت لافا كثيرا) (النسا: 82).
اذن، ليس لنا ان نسترسل من مثل الجمودالقاتل او انعدام
الحركة او استبعاد الحيوية،او عدم مسايرة لمتطلبات العصر..
فكل ذلك لا يعر ف الثبات المقصود.
انما الذي نعنيه من الثبات، هو في الواقع ذلك الصمود الواعي
الرشيد امام التيارات الجارفة، وهو الصلابة المصممة بعينها
تجاه التحديات الجائرة، وهو الاصالة الرسالية العتيدة في
مواجهة خضم موجات الذوبان والانحلال والمسخ، ودعوات
الاستلاب والتبعية، ووجوه الانسلاخ الخلقى والعقيدى.
وليس شي ينعى عليه القرآن لتفاهته مثل ما يصفه بالزوال
والانقراض لتوه: (فاماالزبد فيذهب جفا واما ما ينفع
الناس ف يمكث في الارض) (الرعد: 17).
او لهشاشته وانهياره: (ام من اسس بنيانه على شفا ج رف هار
فانهار به في نارجهنم) (التوبة: 109).
او حين ينعته بالذرو المتبدد اباديد: (هش يما تذروه الرياح)
(الكهف: 45).
او لاتصافه بالسطحية والجث او لكونه طيع الاستئصال لا يقر:
(كشجرة خبيثة اجتثت من فو ق الارض ما لها من قرار )
(ابراهيم: 26).
او كمن طوحتهم الطوائح يتململون هناوهناك لا يستمسكون
بشي: (مذبذبين بين ذ لك لا الى هؤلا ولا الى هؤلا)(النسا:
143).
فكل هذه المنعيات لا تعري عن المقصدالصحيح من الثبات،
الا ان تجلي الجانب السلبي فيه او المفهوم (الستاتيكي)
الراكدالمهزوز.
اما الثبات بالمفهوم الايجابى (الديناميكي)،فهو هذا الذي
يمكث في الارض اشارة الى خلوده واستقراره، وهو هذا الذي لا
يتبدد،بل يتابد لثبوته وثباته، وهو الذي لايجتث ولا يستاصل،
لقيامه في قرار مكين يصونه من التطويح ومن
التذبذب.والحاصل مما خلا استقرا، ان الثبات ليست ساحته
مملقة من معاني الاصلح،الانفع، والادوم، الامكن، والاجدر
بالبقاوالخلود...((1)).
واذا نحن اجملنا خلاصة عن جوانب الثبات، الفيناه نقيض
الاهتزاز والارتجاج وطيدا اصيلا: (كشجرة طيبة اصلها
ثابت وفرعها في السما) (ابراهيم: 24).
هذا الاصل الثابت بعبارة التنزيل هو في القيم والاخلاق
والمبادئ والمثل الاسلامية بمثابة طاقة الربط النووي في
ذرات العناصر((2)) باصطلاح علوم الطبيعة، وتلك على قرارها
سنة في القرآن المقروء، وهذه على ثباتها سنة في القرآن
المنظور: (ماترى في خلق الرحمن من تفاوت) (الملك:3).
وعلى هذا ينتصب محور الثبات ليشمل كل ما يتعل ق بالحقيقة
الالهية((3))،وانسانية الانسان، ومقومات التصوروالعقيدة
ومنبثقاتها من قيم، ومثل عليا،ومبادئ واخلاق ومعايير
ومقررات الدين واحكام الشريعة وقواعدها الكلية((4)) .فهذه
ركائز البنا واسس التكوين وعوامل الثبات، شانها شان السنن
الالهية ، لا ينتابهاالتغيير بحال: (ذلك الدين القيم ولكن
اكثرالناس لا يعلمون) (الروم: 30).
الاختلاف النوعي بين النظم الاسلامية والنظم الوضعية
من جملة ما يستعصى ادراكه او يكاد،على من يرفض - ومن هنا
منزلق المناهج والتفسيرات اللااسلامية - ان يتمثل هذه الحقيقة
الكلية: من ان الاسلام انما هو في اخص خصائصه المتفردة نظام
وضع بعناية الخالق طبقا لطبيعة المخلوق، اي برعاية فوق
بشرية محيطة بالكينونة البشرية التي تملك فيها مواد التكوين،
كالشان تماما في امر الكون الذي انما ابدع فيه النظام مكونه من
العدم، بحيث اضحيا متماشيين في صرامة واتساق رائعين وفقا
للسنن الالهية،التي لا خلف فيها الا لمن زود بارادة وحرية، فهو
اذ يخرج من مجال سننى آخربقضا ليتحمل نتائج هذا الانتقال
بتبعاته على مصيره الدنيوى ومله الاخروى.وعليه، فمن الفادح
الاصرار على مقارنته بالانظمة البشرية التي توضع وفقا
للظروف الرديئة المتغيرة بحسب اهوا البشرومحدوديتهم.
فشتان ما بين الثرى والثريا.((5))
ضرورة التمييز بين السنن الالهية
يجدر التفريق في هذا الصدد بين نوعين من السنن الالهية في
الحياة:
بين تلك التي تسير المادة، وتعرف بقوانين الطبيعة.
وبين تلك التي تحكم الناس والمجتمعات،وتعرف بالقوانين
الاجتماعية. ومعلوم ان السنن الكونية سوا منها ما تعلق بالمادة
ام ما اتصل بالبشر، غير قابلة للانشا ولا هي وليدة الابتكار بحال.
وانما الشان في وضعها عائد الى الصانع المبدع سبحانه.وكل
الذي في طوق الانسان، ان يتجه بمبسوط رحمة التسخير
الالهي الى مجالات اكتشافها، وان يجتهد ما وسعه ذلك في
امكانيات الاستفادة منها، فهي من المسخرات بامره((6)) .
لكن ميزة السنن الاجتماعية المتعلقة بجوهر الانسان وروح
المجتمع، تلك التي تنطبق عليها عبارة السنن الالهية،
انهاتتمثل فوق ذلك في سنن جاهزة بارزة شفافة نزل بها
الوحي، لا تتطلب اكثر من ان تخضع لفورية التطبيق وحسن
الاتباع،ما دامت قد جادت بها السما (عطا غيرم جذوذ) (هود:
108)، وساقها كاملة لغرض التنفيذ والبنا عليه في الرقى
الاجتماعي،تشريع رباني فريد.
نواقض الاهلية في تركيب الانسان
لطالما كان الانسان، وما انفك بعد، في غطا عن ادراك الحكمة
من ارادة اعفائه من خصيصة هذا التقنين الوجودى
النوعى،الذي لم يؤهل له اصلا ولا تكوينا((7)) في هذا المجال
الحيوى الذي يكبره، لعجزطبيعى في تحقيق العدل بين
الناس، وانتفاعصمة من ضلالات يحتمها قصور في رؤية
المصالح العامة، وخبط تعيس ملازم لمحدودية التصور البشري
المتعثر للتنظيم الاجتماعي الارغد.
ومتى كان الكمال يبتغى من ناقص واقع في اسر هواه؟
(افمن يهدي الى الحق احق ان يتبع امن لايهدي الا ان
يهدى) (يونس: 35).
لذلك كله نيطت شرعة الاجتماع ومنهاجه بالربوبية، ولم يعهد
بها الى المخلوق.وايلاؤه اياها على غير سابق استعدادتكوينى، او
توليها اشتها، خروج على الفطرة، واسناد للامر الى غير اهله،
وعدوان على الخلق كبير.
وعليه، يتقرر «ان نظام المعاملات في الاسلام جزء من منهاج
اللّه تعالى لعباده،مرتبط باصوله، ومحقق لاهدافه،
ومصبوغ بصبغته الخاصة..((8)) »..وبهذه المثابة، لامرية في ان
تكون تشريعات الجانب الانساني، بما هي لب المقاصد
الدينية لاصلاح الحياة البشرية وفق نمطها الالهي الاسمى،
وضمن رسالات الانبيا، ديناملزما((9)).
نفاسة النص السننى في التشريع الاجتماعي
ومن سعادة المسلم امتنانه تعالى عليه بتنزيل النص في تشريع
الاجتماع البشري وبنا المجتمع الاسلامي.
ولتقريب مبلغ المنة في توفر مثل هذاالنص الس نني، فلينظر
المتامل الى حجم جهود النخب البشرية منذ فجر التاريخ،
كم كابدت من وعثا الاطراق والبحث الكثيف في شتى مجالات
العلوم المختلفة من اجل العثور على السنن، والوقوف على
القوانين لغرض الاستفادة منها؟
لكن القرآن الكريم بالنص على مثل هذه السنة، كم تراه يوفر
علينا من الوقت والتكاليف الباهضة وتاريخ التعثرات الماساوية
على حساب الازدهار والرقى والحضارة؟
مبلغ الاهمية في التشريع القرآني للاسرة
ليس ثمة امر اجتماعي حظ ي في القرآن الكريم بما حظيت به
الاسرة بالاخص، من تشريع كلي متكامل يحوم على
جميع تفاصيلها وابعادها، على غير المعهود من تنزلات الوحي
التي تقتصر في الغالب على تقرير الكليات والقواعد العامة،
لتترك المجال بعد ذلك لتفصيلات السنة النبوية وبياناتها... ما
عدا ما تعلق بالاسرة، فلايكاد القرآن الكريم يسنح للسنة
الشارحة شيئا كثيرا.
ولعل اضيق الاجتهادات الفقهية ما كان في حقل الاسرة، سيما
منها ما تعلق بالثوابت والاصول، وما خلاها فمحدود ايضا.
قصدية التفصيل وارادة التفريغ
السؤال الذي يرد على البال، هو: لماذا فصل القرآن الكريم في
شان الاسرة، وقيد بناهابضوابط تشريعية دقيقة، وانزل فيها
احكاماتفصيلية هي في العادة التنزيلية من صلاحيات السنة
النبوية الشارحة؟
بينما في مجال العبادات، تراه اكتفى بالتنصيص على الاركان او
دونها، والتلميح الى الفروض والواجبات كاصول عامة في التعبد
دون ايراد للفروع فيها او ذكرلتفصيلات ضرورية تتطلبها
العبادات، كي يصح بها التقرب، ويسلم للّه بها التعبد. علمابانها
تكررعلى مر الزمان والمكان وانهامورد ابتلا مستمر.
ذلك ان العبادة، وهي اندر ما يكون فيهاالاجتهاد اصلا، موكولة
في التلقي والممارسة الى شخص الرسول (ص)باعتباره المعلم
الاول الذي يترجم الوحي المنزل الى اقوال منمذجة، وافعال
مسنونة مقننة... ولما كانت العبادة لا تتاتى بهوى العابدين،
ولكن بتشريع المعبود سبحانه،كان على النبى (ص) اعبا
الثقلين القولي والفعلي، وعلى المرسل اليهم واجبات التاسي
والاستنان.
وحين ضيق الشرع الحنيف مصادر التلقي والتاسي، وجعلها
وقفا على المرسل اليهم،ومقصورة حتما على الرسول، كان
غرضه من هذا التضييق ان يخدم قضية التوحيدفي صور
الاداات جميعا، بحيث لم يترك اية حالة شاذة لاجتهاد الفرد
ابتداعا وان كان فقيها. بل، تراه قد ذهب في اعتبارالالتزام
بحرفية الاداات في شتى صورهاواشكالها مذهبا عده في حد
ذاته تعبداينضاف الى العبادة نفسها. وبهذا يكون قدقرر الى
الابد ثبات العبادات ودوام تشريعهاعلى مر العصور، في نشيد
روحي تربوي واحد، يحتضن جميع اجوا التطور الحادث في
الكون من خليفته منذ اقرار ذرية آدم ببلى((10)) .
امتناع التفويض في اشكال التعبد
ثم انه لا يعقل ان يشارك العابد معبوده في صور العبادات
واشكالها. فلا تفاوض في التعبد ولا دخل البتة فيه لغير اللّه
تعالى،والا انخرمت العبودبة باشتراك العبد في وضع محطات
العبادة وتوقيتها ورسم كيفياتها، لانها من شان الاله.
واشراك العابدين فيها بنحو او آخر تاله.
وهذا الامر يفيض بدلالات الشرك، وهوابشع معاصي المعبود،
وانفر وانفى لمفهوم التوحيد الذي اكتملت جوامع
اعتقاده ودلائل اعتقاده في الاسلام الحنيف. وعليه،فالاشراك
شرك ينتقص من حق المعبود في الوهيته فهما وتصورا لا
حقيقة. فعن رسول اللّه (ص) انه قال: «قال اللّه عز وجل: انااغنى
الشركا عن الشرك، فمن عمل عملااشرك فيه غيري، فانا بري
منه، وهوللذي اشرك((11))». ويكبر العابد بوصف لايؤول اليه
بمخلوقيته اطلاقا. فلا شبه له في الظاهر ولا في الباطن، لا
حقيقة ولا مجازابمقام الالوهية.
وعليه، فانه يتقرر من تشريعية العبادات في استنادها الى
تلقينات الرسول (ص)وتفصيلاته البيانية قولا وفعلا تحقيقا
لسنية الاداات فيها:
1- وقف صحة الادا وقبول الطاعة على التلقين المحمدي من
طريق سنته لا غير .
2- الا طاعة ولا تعبد بالمرة، وان صحاتوافقا مع اداات الرسول
(ص) الابالائتماربه خضوعا وتسليما. بل، ان الحيدة المقصودة
او الانحراف المتعمد في التعبددون سنته كفر او هما في عداد
الشرك باللّه...
3- مقصد الثبات الدائم في تعبد الخلق وهيمنة تشريع المعبود
على هوى العابدين،ضمانا لسلامة الخضوع وصحة
الاعتقادوالتسوية بين العباد في مراتب العبادة والاجر عليها.
4- توحيد الالوهية والربوبية والتعبدبتشريعية العبادة من اللّه
سبحانه، فيه تنزيه عظيم له من الشريك في اخص خصائصه وهو
العبادة.
5- هذا التوحيد باقرار تشريع العبادة منه سبحانه، يزكيه توحيد
الخلق جميعا في كيفيات عبادة الخالق، في تعال كلي
عن ملابساتهم البشربة خلال فترة عمرانهم الارض بسنة
الخلافة. فلا حضارة ولامدنية ولا علم ولا تطور ولا اي نوع
من الازدهار والارتقا الانسانى، بل ولانقائض ذلك كله بمؤثر
البتة على تشريعات العبادة. نعم، يثرى مفهومها
وتستجلى ابعادها ومراميها اكثر كلما بلغت مراقي العلم في
الحياة والتحضر والورع مداها في الانسان، ليظهر عمق اثرها في
تقويم سلوكه العام في الحياة وفي علاقته بربه ومولاه...
6- تضييق مصدر التلقي والتلقين والتاسي منفاة لضرورة
الاجتهاد، وتقرير داعم للثبات والدوام، فضلا عن مبدا المساواة
في تعبدات البشر، والعدل في تفاضلهم عبرالعبادات نفسها.
المقاصد التشريعية
اما تفصيلات القرآن الكريم في شان الاسرة المسلمة فراجعة الى
طبيعة هذه الخلية الانسانية في المجتمع. وكلاهمامدعو الى
التطور، وتحكمه قابليات التاثرعلى عكس انتفا عمل المؤثرات
في طبيعة العبادات واشكالها كما تقدم. لذلك اراد الشارع
الحكيم، دونما تعطيل لسنة التطور، ان يشرع للاسرة اصولا
وقواعدتمنعها من العواصف والقواصف التي قدتقذف بها الاهوا
وشتى المؤثرات وسلاسل التطور ودواعي التغيير عبرالاحقاب،
بحيث يكون حراكها في اطارمن المبادئ والمثل والقيم
الاساسية التي لاتتبدل فيها بحال ابدا، ويكون الالتزام بهاتعبدا،
بحيث يقر او يستقر ثابتا. وما هوثابت بالنص تشريعا وبالقرآن
تفصيلا غيرقابل للتغيير، ولا يكون مطلقا موضوع اجتهاد فقهي.
اللهم الا اجتهاد الفهم والادراك والتطبيق.
ذلك ان ما يتقصده الشارع الحكيم سبحانه،تجاه الخلية
الاساسية الاولى للمجتمع بمنة النص الصريح على الحكم فيها
دون اشتباه او غموض او تعقيد او اشكال، في ظل المجتمع
الاسلامى الذي تغييه المصلحة العام ة هو:
- وقايتها من عواصف الاهوا البشرية المتذبذبة على اختلافها:
فتارة هي(ابيسية)، وتارة هي (اميسية)، واخرى
هي(قرمطية)، ورابعة هي (شذوذية) او كما هم يسمونها تنطعا
احادية الجنس، كل ذلك والكنيسة تبع لهم وان فزعت
فزعها،والتقنين خادم، والعلم من كل ذلك برا،والخلق يتيم،
والانسانية البائسة اسيرة في اسفل السافلين. ونح بعد ذلك على
امعية المتخلفين...
- سد ابواب المغامرة بالتقنينات الوضعية المحدودة التي تهزها
شتى التطورات وتبدلات القيم وغيبيات لا تملكها.
وابتغاالبديل عن انظمة الشرع ضلال بعيد وشطط عريض . وان
كان للمزاحمة فهو اشراك.وان كان للمدافعة بتاويل او آخر فهو
كفر.وان كان بزعم التطوير والمعاصرة او ادعاالاستكمال فهو
مرادف لاستنقاص الالوهية، وتربيب العبد، وهو في الجملة سوء
تقدير لعظمة المشرع جهالة.
وبمسح مفردات مادة (بدل) في متن القرآن الكريم، يبرز نحو
من اربعين استعمالا، لاتخرج معاني (التبديل) فيها
بتراكيبهاالمختلفة عن هذه الانواع:
اولا: تبديل الخالق وهو على نوعين:
ا- النوع الاول: في صورة الارادة الالهية.
ويكون:
- دليل القوة والعظموت والتصرف في شؤون الخلق
والابدال((12)) .
- وفي حق العباد ابدال التنفيس والتفريج والرحمة((13)).
ب - النوع الثاني: في صورة النفي الالهي.
ويكون:
- بمثابة ثبات السنن والنواميس((14)).
- وقطعية الاحكام وسرمديتها((15)).
ثانيا: تبديل المخلوق وهو على نوع واحد،كله منهي عنه
ومحرم، لافضائه الى الفسادوالجحود((16)) ، والى البدائل
الرديئة النقيصة((17)).
من المقاصد عدم اقرار التجريب بحال في المجال الاجتماعي
عامة، والاسري منه خاصة، لوخامة تكاليفه ومخاطره
على الانسانية، فالاسلام لا ياذن اطلاقابالتلاعب بمصائر الناس
او المخاطرة بتسطير مشاريع بنا مجتمعاتهم تبعالاهوائهم او
تحت قهر سياساتهم. ولما كان الاسلام يملك حقا منهج الحياة
المتكامل،وتصميم المجتمع المتوازن، فانه حيال هذه النظم
بعينها، جد التشريع العظيم في استلحاقها بالحاكمية حين
نحاها من ميدان الاجتهاد والنظر حسما لمخاطر التنازع فيها،
ومغبات التجريب الخطا بايراد اركان جزئية ثابتة واحكام
تفصيلية، خلافالمعهود المنهج القرآني العام، هي مستندالامة
في وحدتها وآصرة المجتمع في رخائه واستقراره، لا يطبق
عليها مبدا تغيرالاحكام بتغير الازمان((18)) .
وتاكيدا لهذه الحقيقة القرآنية يوضح د. عبدالستار فتح اللّه عيد
قائلا: «ولقد اهتم القرآن الكريم بهذا الجانب الاساسى، وفصل
فيه القول حتى ان الاحكام المتعلقة به هي اكثرالاحكام في
القرآن الكريم تحديداوتفصيلا((19))».
ومن هنا، يتضح ان المعاملات باطلاقهاالفقهي الشامل، لا سيما
في جوانبهاالاجتماعية «هي من لب المقاصد لاصلاح الحياة
البشرية، لذلك دعا اليها الرسل من قديم باعتبارها دينا ملزما لا
خيار لاحدفيه((20))».قال تعالى: (لقد ارسلنا رسلنابالبينات
وانزلنا معهم الكتاب والميزان لى قوم الناس بالقسط وانزلنا
الحديد فيه باس شديد ومنافع للناس) (الحديد: 25).
ولئن استلحقت هذه الش رائع الاجتماعية بالمشرع الاعلى
سبحانه، فالغرض سدلذرائع مجذوذ التصو ر البشرى
القاصر،ودفع لجسيم مخاطر التجريب الاجتماعي والاخلاقي
الفاشل، واتقا لوخيم العواقب ومر التعثر الخاسر الذي اذاق
الخليقة التائهة ويلات البؤس وجرع التعاسة وغصص الانظمة
الجائرة.
ولا جدال في ان الانسانية المعذبة لم تقف بعد على مجتمع
سعيد واحد منذ فجرالتاريخ، كان مصدر السعادة فيه
اساسانسيج التصور البشرى، سوا داخل الدورة الحضارية ام
خارجها.
من تلك المقاصد ايضا تثبيت القيم الاساسية في المجتمع،
كتثبيت السنن في الكون والطبيعة دونما تاثر
بالتطورات وضروب التغييرات، تحقيقا للتوازن والاستقرار،
وتمكينا للاستخلاف الحضاري الدائم، وحرصا على انسانية
المجتمعات الناهضة.
«ان القيم التي ليست وليدة الفلسفة الوضعية او الايديولوجية،
تلك التي ليست من صنع الانسان، وان كانت ثابتة لا تنطلي
عليهاقابلية التطور، لسماويتها المستوعبة للابعادالمختلفة،
فلم تكن وقتية وما انفكت متسمة بربانية المصدر والغاية
والمنهج،حتى غدت روحية تعبدية وايجابية عالمية،ملزمة في
مثاليتها واقعية محركة للتاريخ.بهذا الذي حددنا اجمالا
تستحق ان تكون مرجعية اساسية اصيلة((21))».
ولما انتفى الاجتهاد في هذه المجالات،الاما كان منه في اطار
محدودية محصورة مرعية المقاصد، انعدمت منطقة
الفراغ التشريعي في ميدان الاسرة، دفعا لذريعة انسنة التقنين
فيها او تسريب امتيازات اواستطراق مصلحة معينة من خلال
التشريع البشري الوضعى، مدعاة التغيير المستمرفي المستقبل
الذي تحتمه متطلبات الظروف ونوازع النفس متى رق فيها
الوازع والرادع.
(يريد اللّه ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من ق بلكم ويتوب
عليكم واللّه عليم حكيم - واللّه يريد ان يتوب عليكم ويريدالذين
يتبعون الشهوات ان تميلوا ميلاعظيم ا - يريد اللّه ان
يخفف عنكم وخلق الانس ان ضعيفا) (النسا: 26- 28).
وجماع القول في ذلك تقرير الحق سبحانه:
(ما فرطنا في الكتاب من شي) (الانعام:38).
قدسية البنا الاسري
ولقد احاط الاسلام قدسية البنا الاسرى في منهاجه التربوى
الاجتماعي بما لا نظيرله، فضلا عن خصائص التشريع
الالهي الذي لا استدراك عليه ابدا، لشموليته وابعاده ومراميه.
احاط بسياج ذهبى مكين من الرواسي العقائدية والروحية
في النفوس، بحيث تنهض هي ذاتها بتلقائية ايمانية الى حمايتها
والدفاع عنها.
من ذلك:
ا - ارتسامه لغائية التعبد في الالتزام باحكام الشريعة المتعلقة
بالاسرة . ولعل اجلى مظاهرها ما يبدو من الندب على النكاح
دون السفاح، باعتبار الزواج من مستكملات الدين وضربا من
العبادة فضلاعن كون «فضيلته لاجل التحرز من المخالفة
تحصنا من الفساد((22))».الم يجئ في الحديث الشريف: «من
تزوج فقداحرز شطر دينه فليتق اللّه في الشطرالثاني((23))»،
وان «من نكح للّه وانكح للّهاستحق ولاية اللّه((24))».
ب - توخيه لبعد التوحيد في العلاقات الزوجية الاسلامية، وعيا
واستنانا وجرياعلى سنة التزاوج والتكاثر في الكون .يرشد اليها
الحديث الشريف: «النكاح سنتي فمن احب فطرتي فليستن
بسنتي ».ولما((25))كانت الزوجية سنة في الخلائق جميعا،
وضرورة لبقا حياتهم باستمرارنسلهم من طريق التزاوج
والتكاثر، انفردالخالق سبحانه بالاحادية والفردانية، فهو(لم
يلدولم يولد - ولم يكن له كفوا احد)(الاخلاص: 3 - 4). والتفسير
التحليلى كفيل باستقا مراصد التوحيد في هذاالجانب...
ج - تغليبه للجانب الروحى وترجيحه للامر الاخروي في ثنايا
اولى خلايامجتمع الخلافة الاساسية في الارض المستعمرة
بتكليف من اللّه اياها. لذا حثت التعاليم النبوية على الظفر بذات
الدين والخلق، وفي الاخرة مثوبات نفيسة من حور عين
وخيرات حسان وعرب اتراب،مما لا يخلو عبر امتزاج كلي موفق
من جمالية متفردة في الامتاع والمؤانسة.
د - هندسته الروحية والخلقية الرفيعة في التصور والتعامل
التربوى الانساني الامثل لبنا اسس الخلية الاولى للمجتمع.
قيل في تفسير قوله تعالى: (من عمل صالحا من ذكر او انثى
وهو مؤمن فلنحيينه حياة ط يبة) (النحل: 97)، هو ان يغنم
بامراة صالحة . وفي الحديث الشريف: «اكمل المؤمنين ايمانا
احسنهم خلقا والطفهم باهله((26))»، وقال (ع): «خيركم
خيركم لنسائه وانا خيركم ((27)) لنسائي ».
؟ - سرده لنماذج اسرية عالية تستلهم الاسوة المثلى من
خلقيات المعاملة الزوجية في الحياة النبوية والسير
البشرية النبيلة خلال زمر المرسلين(ع)، تجلية لدعائم القيم
العليا التي يجب ان تتوشح بهاحلة الزوجية من نمط عفاف
يوسف (ع)،وحصانة مريم البتول(ع) ، واستقامة آسيا،ووفا
خديجة للرسول (ص)، وزهادة على وفاطمة (ع)، وطاعة هاجر
لابراهيم،وتضحيات آل ياسر ومصابرتهم...
وصفوة القول، تلك في عجالة بعض معالم على درب التحري
في مقاصد التنزيل من تشريعات الاسرة في الاسلام، على
هذاالنحو التفصيلي الدقيق المقصود، وهذاالايلا الاعظم
بالنص الصريح في الوحي المقدس على النظم والاحكام
المتعلقة، ممايجعلها نسيج وحدها تثبيتا وتركيزا
للسننية الالهية في جوهر الخلية الاجتماعية،وتنحية لدواعي
الاجتهاد في امرها واسها،واقصا لضروب التلاعب
الوضعى والتجريب الاجتماعي عن ميدانها تحقيقالانسانيتها،
وتنمية لخلقيتها، وكفالة لدوامها،وسياسة لاستقرارها، وتدبيرا
حكيمالسعادتها وازدهارها.
ولقد بلغ سبحانه من حرصه على صيانتها،حرصه على تكوينها
وفق ارادته التكوين السننى الصارم، لتنسجم بذلك مع
ناموس خلايا الخلق الاخرى في الكون، ان سلط - وهنا المغزى - على الاخلال بقواعدها والتعدي على حدودها وانتهاك
حرماتها اشد انواع العقاب في الدنيا، واضرى اصناف التنكيل،
واردع القوامع وابلغ المقامع التي قد تبلغ حد القتل رجما او
رميامن شاهق على مشهد جماعى من الناس،بل واشراكهم في
اقامة الحد، او جلدا اوتغريبا ونفيا او نزعا لشرف الشهادة، ما
كان في اقتراف جرائم اسرية وعظائم اجتماعية كرذيلة الزنا،
وخسيسة الشذوذية، وكبيرة القذف، بما لا يضاهيها من ضروب
التعزيراو سائر العقوبات على المخالفة في دائرة الخلقيات، بل
على الجحود في الاعتقادات من مثل الكفر او الاشراك.
بل، الملاحظ من عجب، نوع من التسامح والتراخي في شانها
استتابة حتى في حالة ارداها واخطرها وهي الردة المعلنة. لكن، وللّه الحكمة البالغة، لا امهال في قضايا الاجرام في حق الاسرة والمجتمع. نهج السلم الاجتماعي في الدولة النبوية
لكن ذلك مما يستحيل حصوله عادة في المجتمعات البشرية،
فمن يتصدى للقيادة والزعامة - دينية او سياسية - ، لا يعدم مناوئا
او مخالفا او منافسا، والامتحان الحقيقي لاي قيادة هو في
التعامل مع مثل هذه الحالات.
ان النهج السائد المتبع عند الزعامات السياسية والدينية في
المجتمعات غيرالديمقراطية، هو رفض هذه الحالات وقمعها،
بمختلف العناوين والمبررات،كالحكم عليها بالكفر والمروق، او
ادانتهابالخيانة والانشقاق، او اتهامها بالافسادوالتخريب. وينبثق
هذا النهج من عقلية الاستبداد، وتضخم الذات، وحب
الهيمنة والاستحواذ، ويؤدي الى تهميش المجتمع،وواد طاقاته
وكفااته، كما يؤسس لحالات الانقسام والمواجهة والصراع.
والنبي (ص) كقيادة دينية سياسية، واجه هذه الحالات داخل
مجتمعه الذي اسسه وكان يقوده، فكيف كان منهج
تعامله معها؟
ان الحديث ليس عن الاعدا المناوئين من خارج المجتمع
الاسلامي، كاليهود والكفار،فمعاناة النبي (ص) منهم،
ومواجهته لهم،وحروبه معهم، معروفة واضحة.
انما الحديث عن التيارات المناوئة،والعناصر المخالفة، داخل
المجتمع الاسلامي في المدينة المنورة، حيث تشيرآيات القرآن
الكريم، واحاديث السنة الشريفة، وروايات السيرة النبوية،
الى وجود مثل تلك التيارات والعناصر.
ان الخطاب الاسلامي غالبا ما يركز على صور الاستجابة
والاذعان من قبل الصحابة لرسول اللّه (ص)، وهي بلا شك صور
رائعة مشرقة، تدل على عمق محبة رسول اللّه(ص) في قلوب
اتباعه، وصدق ايمانهم به،وشدة تاثرهم بشخصيته، حتى
قال ابوسفيان بن حرب وهو في موقع المناواة والمواجهة لرسول
اللّه (ص): «ما رايت من الناس احدا يحب احدا كحب
اصحاب محمد محمدا»((28)) .
لكن هذا ينطبق على الصحابة الصادقين المخلصين، وليس
على كل افراد المجتمع المحيط برسول اللّه (ص)، حيث
يؤكدالقرآن الكريم وجود تيار داخل المجتمع الاسلامي يضمر
العدا للاسلام، ويثيرالمتاعب في وجه رسول اللّه (ص)، هوتيار
المنافقين، يقول تعالى:
(وممن حولكم من الاعراب منافقون ومن اه ل المدينة مردوا
على النفاق) (التوبة:101).
والصادقون في اسلامهم مع رسول اللّه(ص) لم يكونوا ملائكة،
ولا معصومين، لاتصدر من احد منهم مخالفة او معارضة،
بل كانوا بشرا معرضين لحالات الجهل والغفلة،وسيطرة
الانفعالات العاطفية، والاندفاعات المصلحية، خاصة وانهم
حديثو عهدبالانتما الى الدين، ومن الطبيعي ان تبقى في
النفوس رواسب وآثار من الحقبة الجاهلية.
لكل ذلك واجه رسول اللّه (ص) من بعضهم مواقف مخالفة،
وتصرفات مزعجة، وذاك امر متوقع، ويهمنا في هذا البحث ان
نتعرف على منهج رسول اللّه (ص) في التعاط ي مع حالات
المعارضة والخلاف، سوا كانت ناتجة عن توجه عدائي مناوئ
للدعوة، كماهو حال المنافقين، او عن خطا وسوءتصرف من
قبل بعض المسلمين.
المنافقون والدور الخطير
استقطب الاسلام ابنا قبيلتي الاوس والخزرج في المدينة،
والتفوا حول رسول اللّه (ص) حينما هاجر اليهم،
وخضعوالقيادته، ثم التحق بهم المسلمون من ابنامكة
وغيرهم، فتاسس في المدينة مجتمع جديد، بقيادة جديدة،
خارج نسق الانتماات القبلية.
لكن بعض العناصر، وخاصة من طبقة الاثريا والنافذين، لم
تذعن قلوبهم للاسلام، وراوا في قيادته وتعاليمه الغالنفوذهم،
وتحجيما لمصالحهم، في ذات الوقت لم يكونوا قادرين على
الوقوف امام التيار الكاسح، فاظهروا الولا للاسلام والخضوع
لقيادته، بينما كانوا يضمرون غيرذلك.
واطلق القرآن الكريم على هذه الازدواجية عنوان (النفاق)، وهو
اسم اسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به، كما
يقول ابن منظور في لسان العرب.
والنفاق ماخوذ من النفق وهو: سرب في الارض مشتق الى
موضع آخر.
وفي التهذيب: له مخلص الى مكان آخر.
قال ابوعبيد: سمي المنافق منافقا للنفق وهو السرب في
الارض، يدخل في الاسلام ثم يخرج منه من غير الوجه
الذي دخل فيه.
وقيل انه ماخوذ من السرب باعتبارالاستتار فيه لستره
كفره((29)).
وكلا الاعتبارين متوفر في حال النفاق، فهواظهار الاسلام
كغطا وستار لواقع الكفر،يشبه استتار النفق تحت الارض،
وهواتخاذ الاسلام معبرا وطريقا وليس قصداوغاية، كاستخدام
النفق للولوج فيه من جهة والخروج من الجهة الاخرى.
كانت هذه العناصر تنتمي الى قبائل المدينة، وبعضها من قبائل
البادية المحيطة بالمدينة، كما يذكر القرآن الكريم:
(وممن حولكم من الاعراب منافقون ومن اه ل المدينة مردوا
على النفاق)، واذاكان المنافقون من قبائل الاعراب في البادية
يمارسون نفاقهم بشي من البساطة،فان منافقي المدينة قد
تكرست عندهم خبرة النفاق (مردوا على النفاق)، اي مرنواعليه
ودربوا به، ومنه الشيطان المارد في الشيطنة.
واغلب المنافقين كانوا من ذوي الثروة والنفوذ، او الطامحين
للزعامة والمواقع، كمايظهر من حديث القرآن الكريم عنهم.
«ان الايات الواردة في حق المنافقين ومرضى القلوب، تلهم
روحا او مضمونا، او روحاومضمونا في آن واحد، ان حركة
النفاق انما قام بها وتولى كبرها افراد من البارزين في قومهم
وعشائرهم قليلا او كثيرا، بل اننالنكاد نقول استلهاما من روح
الايات ومضمونها ان معظم افراد هذه الفئة من تلك الطبقة،
وانه اذا كان اندمج فيها اناس من طبقة السواد او العامة، فانهم
لم يكونواكثيرين وانما انساقوا فيها بتاثير اولئك، من ناحية
زعامتهم وعصبية الارحام التي تربط بينهم، او من ناحية الاغرا
والمنفعة((30))»، ومن ابرزهم عبداللّه بن ابى بن
سلول الخزرجي، وكان مرشحا لتولي زعامة المدينة قبل
الاسلام، وكذلك الجد بن قيس،وكان زعيما في قومه بني
سلمة.
هذه العناصر بمكانتها القبلية، ولتسترهابالاسلام، واستغلالها
للمشاعر العاطفية،وآثار العهد الجاهلي ورواسبه في
النفوس،امتلكت مساحة من التاثير في المجتمع،ويشير قوله
تعالى:
(فما لكم في المنافقين فئتين واللّهاركسهم بما كسبوا
اتريدون ان تهدوامن اضل اللّه) (النسا: 88) الى انقسام الراي
في المجتمع الاسلامي حول المنافقين ومواقفهم، فهناك من
كان يحسن الظن بهم، ويدافع عنهم، انطلاقا من
العصبية الاجتماعية والمصالح المشتركة، او من وحي البساطة
والانخداع، وطلب مزيد من الفرصة لهم للهداية والاصلاح.
ويكفي لمعرفة حجم تاثيرهم، ما ينقله التاريخ من ان زعيمهم
عبداللّه بن ابى حينما انسحب من جيش المسلمين في الطريق
الى احد، انسحب معه ثلاثمئة مقاتل، اي حوالي ثلث الجيش
الاسلامي،وكاد ان يؤثر على بني حارثة من الاوس،وبني سلمة
من الخزرج، لينسحبوا معه.
وحصل مثل ذلك في غزوة تبوك، حيث انسحب عبداللّه بن ابى
ومعه عدد غيرقليل من مؤيديه، حتى قال ابن اسحاق:
ان المعسكر الذي انسحب مع ابن ابى ليس باقل
العسكرين((31)) ، اي انه يوازي المعسكر الذي قاده رسول اللّه
(ص)، ولعل في هذه الرواية شيئا من المبالغة، لكنهاتعبر عن
حجم هذا التيار.
بيد ان الاهم ادراك مدى خطورة هذا التيارعلى مسيرة الدعوة
وبنا المجتمع الاسلامي، فقد لعب دورا خطيرا، وخاصة في
مرحلة التاسيس، حيث كانت تحيط بالتجربة اخطار هائلة،
وكان عود الاسلام غضا طريا، بعد لم تتمكن قيمه ومفاهيمه من
القلوب والنفوس.
من مواقف التمر والعدا
ان كثرة الايات القرآنية التي تتحدث عن النفاق والمنافقين،
وتسلط الاضوا على مواقفهم وصفاتهم، حتى لا تكاد تخلو
منهاسورة مدنية، لتكشف عن مستوى الخطورة التي كانوا
يمثلونها.
1- فقد لعبوا دور الطابور الخامس داخل المجتمع لصالح
مخططات الاعداالخارجيين، كاليهود والمشركين، حيث كانوا
يتواصلون معهم، ويشجعونهم على محاربة الاسلام، وينسقون
معهم الجهودوالمواقف.
انهم جزء من المجتمع ظاهرا، لكن ولاهم ليس للمجتمع، انما
هو لاعدائه، يقول تعالى:
(بشر المنافقين بان لهم عذابا اليما - الذين ى تخذون الكافرين
اوليا من دون المؤم نين) (النسا: 138 - 139)، فهم يخادعون
المجتمع باظهار انتمائهم اليه،بينما هم حلفا للقوى المعادية،
يقول تعالى:
(واذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا واذا خلواالى شياطينهم قالوا انا
معكم انما نحن م ستهزئون) (البقرة: 114)، وشياطينهم هناهم
اليهود كما يقول المفسرون.
وحينما حاصر المسلمون يهود بني النضيربعد خياناتهم
المتكررة، كان عبداللّه بن ابى واتباعه من المنافقين، يتواصلون
مع بني النضير لتشجيعهم على المقاومة والصمود، ولرفع معنوياتهم، مؤكدين
تحالفهم وتضامنهم معهم، يقول تعالى:
(الم تر الى الذين نافقوا يقولون لاخوانهم الذين كفروا من اهل
الكتاب لئن اخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم احدا ابدا
وان قوتلتم لننصرنكم) (الحشر:11).
وواضح خطورة مثل هذا الدور في مجتمع يعيش حالة حرب
ودفاع، ويحيط به الاعدا من كل جهة. 2- وهناك دور اخطر يتمثل في سعيهم المحموم لاضعاف الجبهة الداخلية، ببث الشكوك تجاه الدين وقيادة الرسول (ص)،وقد سجل القرآن الكريم بعض صوراشاعاتهم واراجيفهم، كقوله تعالى: |
|---|