مثنويات الرودكي
المثنوي هو اسلوب في النظم الشعري استخدمه الفرس
كثيرا، ويقول المستشرق
(ادوارد جرانفيل براون): انه فارسي
النشاة،لم تعرفه الاشعار العربية القديمة، وان كان بعض الشعرا
الذين كانوا من اهل فارس قد استخدموه في نظم الاشعار
العربية المتاخرة التي عرفت باسم(المزدوج)((196))، منذ
نهاية القرن العاشرالميلادي (اواخر الرابع الهجري).
ويذكر ايضا ان اكثر الشعر الاوربي الذي له قافية يقع على غراره،
دون ان يشير الى منشئة الاول في بحر الرمل العربي وغيره من
البحور، الا ان قافيته تتعدد دون ضابط.
وقد اثبت الاستاذ نفيسي ست مثنويات للرودكي نذكرها على
وجه الاختصار:
1 - المثنوي المطوي المشتق من بحرالسريع:
جامه ض ر صورت دهي اي جوان مفتعلن مفتعلن فاعلان
ولم يصل منه الا ثلاثة ابيات.
2 - المثنوي المسدس المقبوض المحذوف من بحر الهزج:
بگرفت به چ نگ وچ نگ وبنشست مفعول مفاعلن فعولن
ولم يصل منه الا ثلاثة ابيات ايضا.
3 - المثنوي المسدس المحذوف من بحرالمضارع:
جواني گسست وچ يره زباني مفاعيل فاعلات فعلون
ولا يوجد منه الا ثلاثة ايضا.
4 - المثنوي الاصلم المسبغ من بحرالخفيف:
گرچ ه نامرد مست آن ناكس فاعلاتن مف - اع لن فع لان
ويتوفر منه 28 بيتا فقط.
5 - المثنوي المثمن المقصور من البحرالمتقارب:
چ ون گشت آن ض ري روي بيمارغنج فعولن فعولن فعول
وقد وصلنا منه 43 بيتا فقط.
6 - المثنوي المسدس المقصور من بحرالهزج:
بهشت آيين سراي را بض رداخت مفاعلين مفاعيلين مفاعيل
ولم يصل منه الا 13 بيتا.
وقد اضافت طبعة طهران لديوان الرودكي سبعة عشر بيتا من
المثنوي المسدس الاصلم في بحر الرمل:
اي زتو ذره كند خورشيدي فعلاتن فعلاتن فعلن
الامر الذي تثبته بعض نسخ ديوان قطران التبريزي ايضا، الا ان
الاستاذ نفيسي يعتقدبان هذا الشعر هو من مثنويات
(ساقي نامه) للطهوري الترشيزي شاعر القرن العاشر.
الديوان الموضوع
هنالك نسخة خطية لكتاب صغير باسم(ديوان رودكي)، كتب
فيه المستشرق الانجليزي (دنيس رايس) مقالا اثبت من خلاله
ان هذا الديوان ليس للرودكي، وهوديوان موضوع ومنحول،
يظهر انه وضع اواخر القرن العاشر ومطلع القرن الحادي عشر،
لان من جملة المصادر التي ذكرت اشعار الرودكي، واقدم
كتاب ذكر قطران التبريزي باسم الرودكي، هو
(فرهنگ جهانگيري) المؤلف عام 1005م.
ولم تذكر اشعار الرودكي باسم قطران التبريزي الا بعد القرن
الحادي عشر، وبماان سبعة من هذا الكتاب نشر في الهند
مع نسبته الخاطئة، لذا كان اغلب الظن ان بادرة هذا الخطا هي
من الهنود انفسهم، ويحتمل ان يكون الديوان قد وضع هناك
ايضا، وهويتضمن بعض القصائد ومقطوعة من اشعارقطران
نسبوا جميعها او قسما منهاللرودكي.
وقد طبع الكثير من هذه النسخة الموضوعة في ايران وممالك
الشرق والمكتبات الغربية، وفي طهران ايضا طبع الديوان
سنة 1315ه - مع زيادة ما ورد في اشعارالرودكي في (تاريخ
البيهقي) و(چ هار مقاله)وغيرهما من كتب السير، وقد
تضمنت نسخة طهران 1170 بيتا، بينما تثبت النسخ المخطوطة
بين 951 و1121 بيتالقطران باسم الرودكي((197)).
ومع ان النسخة الموضوعة باتت مفضوحة الامر، الا انها قد تكون
لا تخلو من الفائدة اذا خضعت للتحقيق والفحص في
بعض جوانبها، تاركين ذلك لذوي الاختصاص في النقد
الفارسي.
شاعر السامانيين
حظ ي الرودكي بعناية بالغة من قبل السامانيين، ومع كثرة
شعرائهم الا انه يكاديكون شاعرهم الاول. وتؤيد هذه
المكانة المرموقة القصص والشواهد التاريخية لهذه الفترة، وما
شهدتها من حكايات ومفارقات بين الرودكي وبين الامير نصر
بن احمدالساماني. يقول العوفي في هذا الصدد:«ثلاثة شعرا
لهم جاههم في دولهم، ولم ينل مكانتهم رابع: الرودكي في
زمن السامانيين، والعنصري في دولة الغزنويين،والمعزي في
دولة سلطان ملك شاه في عهدالسلاجقة((198))».
يظهر من الاخبار ان الرودكي كان شاعربلاط نصر بن احمد،
ومرافقا له في حضره وسفره، ومن المقربين له. وكان
لشعرالرودكي وقعه على مسامع هذا الامير،حتى انه يذكر عن
الامير الساماني كان ذات مرة في رحلة من رحلاته
الصيفية للصيد والاستجمام، فطال به المقام خارج عاصمته
بخارى، الامر الذي ازدرى منه مرافقوه، فطلبوا من الرودكي ان
يتدخل كي يقنع الامير بالعودة، فاستجاب لهم وقرر ان يلتجئ
للشعر في اقناعه، فنظم قصيدة في بخارى والحنين اليها، فلما
سمعها الاميرامتلات جوانحه بالشوق لها، وقرر العودة في
اللحظة ذاتها.
كان ابو الفضل البلعمي وزير الاميرالساماني معجبا كل
الاعجاب بالرودكي وشعره، حتى روي عنه قوله: «لا
مثيل للرودكي بين شعرا العرب والعجم»، لذالعب دورا كبيرا
في تقرب الرودكي من البلاط الساماني حتى تبوا مكانته
هناك،الاان اقصا الرودكي من البلاط كان ايضابسبب انتها
دور البلعمي هناك او متزامنامعه.
ويذهب البعض الى ان الرودكي هو اول شاعر فارسي يسن سنة
شعرا القصوروالبلاط في ايران، وانه بذر البذرة الاولى في هذا
الجانب، ثم قلده العنصري والمعزي في ذلك في الحكومات
المتتابعة للسامانيين((199)).
وهنا اود الاشارة لما جا في كتاب العلامة الشبلي النعماني
الذي ارخ لتاريخ الادب في ايران وترجمه الى الفارسية
السيدمحمد تقي فخر داعي الجيلاني، ذكريقول:
«لا شك ان الشعر الفارسي هو وليد للشعرالعربي، الا ان الشعر
العربي في هذه الفترة(عصر الرودكي) كان قد فقد
مصداقيته،واقتصر على المديح والترحيب بالامراوالملوك، ولم
تحتو صحف المتنبي وابي تمام والبحتري - وهم انبيا
الشعرآنذاك - الا على تلك المدائح في حق الخلفا، ولم يكن
الشعر في نظر الخلفاسوى محطات يتعللون ويتسامرون بها،
اماالامرا السامانيون فقد افادوا منه ودونوه،كما هو الحال في
امرهم بنظم كليلة ودمنة من قبل الرودكي، فوصلوه باربعة
آلاف درهم» ((200)).
وانا لا اتصور ان هذا الكلام يصدر ممن هومطلع على تراث
العرب في هذه الفترة، لاسيما ما خلفه هؤلا الشعرا الثلاثة
من حكمة وفصاحة اعتبرت من النوادر، اماموضوع المديح فهي
عادة جارية آنذاك ابان الخلافة الاسلامية في الدول العربية،بل
ولعلها معلم من المعالم الحسنة لاولئك الخلفا، ثم ان الكاتب
ذكر هذا ونسي في ختام كلامه ما رواه من هبة الاميرالساماني
للرودكي، اما مسالة الترجمة والنظم بهذه الطريقة فهو لم يكن
معهوداعند شعرا العرب، ليس لعجزهم، وانما قدتركوا ذلك
للمختصين في بابه ومجاله،ناهيك عن ان كليلة ودمنة
ترجمت الى العربية قبل ولادة الرودكي باكثر من مئة عام. وقد
ذهب البعض، ومنهم الدكتور(ذبيح اللّه صفا) الى ان الرودكي
نظم كليلة ودمنة بعد ان ترجموا له نصها العربي
لابن المقفع((201)) .
غزليات الرودكي
ولا نعني من الغزل معناه اللغوي عندالعرب، فالفرس
يصطلحون كلمة الغزل على نمط من انماط النظم الشعري
ليس بالضرورة ان يحتوي على غزل ونسيب. واليوم يطلق ادبا
الفرس هذا الاصطلاح على النظم الموحد القافية او في كل
بيت قافية واحدة، بعبارة اخرى هو ذلك النظم المتكون من
مصراعين سوا اتحد في القافية حتى نهايته او احتفظ كل بيت
منه بقافية. وهو يشبه الى حد كبير تعريف القصيدة العمودية في
الشعر العربي،لان اسلوب الغزل الفارسي يمكن فيه استخدام
سائر الاوزان الشعرية المعروفة.
هذا الاسلوب يصدق على الغزل
والقصيدة في تعريفهما عند الفرس.
والغزل لا يختلف عن القصيدة الا من حيث الموضوع وعدد
الابيات، فهو لايتعلق الا بموضوع صوفي او غزلي(بحت)،
وكذلك لا تزيد ابياته عن الاثني عشر بيتا الا في القليل النادر،
اما القصيدة الفارسية فقد يتعلق موضوعها بالمديح اوالهجا او
التعليم او الفلسفة اوالدين((202)) .
الا ان الشبلي النعماني الهندي نفى ان يكون ذلك مستخدما
ابان عصر الرودكي، وان الغزل من شعر الرودكي هو ما عند
العرب تماما، اي النسيب، ويقول: «لم يكتسب الغزل آنذاك
(عصر الرودكي) عنوانامستقلا، وانما كانت قصائد التشبيب
تسمى غزلا او قصائد غزلية»، ثم يذكر لذلك نموذجا للرودكي:
مشوش است دلم از كرشمه سلمى
و گل شكر دهيم درد دل شود تسكين
ببرده نرگس تو آب جادوي بابل
نانكه خاطر مجنون زطره ليلى
و ترش رو شوي وارهاني از صفرا
گشاده غنچ ه تو باب معجز عيسى
ترجمته:
هام قلبي بطرف سلمى، كما هام مجنون ليلى بجدائلها
فحلواك تذيب الاه مني، ومرك شفا لي من الصفرا
بز حسن طرفك حسن ملكة بابل الساحرة،
وتفتح العناب على ثغرك صار بابا لمعاجزعيسى
وكيف كان مفهوم ومصداق الغزليات، يبقى الرودكي هو اول
من نظم((203)) بهذه الطريقة بين شعرا الفرس في مطلع
تاريخ الادب الفارسي، ولم يكن رائدا في ذلك وحسب، انما كان
صاحب مدرسة من الطراز الاول دعت شاعرا مثل
(العنصري)بعد قرن من الزمن لان يقول بانه لا مثيل لغزليات
الرودكي في المعنى واللفظ((204)) .
الرودكي في المصادر العربية
ان الامر الذي يعزز مكانة الرودكي ومقامه الادبي والاجتماعي،
وروده في الكثير من المصادر العربية نثرا وشعرا، وهوفي
الصدارة من الشعرا الفرس الذين حظواباشادة كتب التاريخ
العربي، مع انه لم ينظم بالعربية كما نظم حافظ الشيرازي
وسعدي الشيرازي، وهما ايضا من عمالقة الكلام المنظوم في
فارس القديمة.
اما في الشعر العربي، فقد ورد ذكر شاعرناالرودكي في جملة
من الابيات المشهورة لابراهيم بن يحيى بن عثمان العزي
من قصيدة يمدح بها ابا عبداللّه المكرم ابن العلا صاحب كرمان:
لولا جرير والفرزدق لم يدم
وترى ثنا (الرودكي) مخلدا
وملوك غسان تفانوا غيرما
ذكر جميل من بني مروان
من كل ما جمعت بنو سامان
قد قاله حسان في غسان((205))
وان كان الوزير الخواجه علا الدين عطاملك بن محمد
القزويني في تاريخ جهانكشاي جويني((206)) نفى ان
يكون البيت المذكور فيه الرودكي من هذه القصيدة وباسم
العزي، وهذا لا يختلف كثيرا في النتيجة، فالمهم ان الرودكي
ذكرفي شعر عربي سوا كان للعزي او لشاعرعربي آخر.هذا في
جانب الشعر اما في مجال النثر وكتب التاريخ فالشواهد
كثيرة،منها:
ما رواه ابو نصر محمد بن عبدالجبار العتبي(ت/427ه) في
كتاب اليميني فيما يتعلق بيمين الدولة محمود الغزنوي عند
توليه الحكم ..«ان ورث السلطان المؤيد يمين الدولة وامين
الملة فخلفه في ترتيب الامور، وتلف الاخوة والاقارب،
واستمالة القلوب ببذل الرغائب الى ان استقل به سرير الملك
مطاعا، وتناهضت ولاة الاطراف الى بيعته سراعا، فوجدتهم
قدغولوا في معانيها على ما سار في اكناف الحضرة من الاشعار
الفارسية، لازدحام شعرائها على بابه الرفيع بقصائد هي التي قد
عبروا بها في ديباجة الرودكي وصبغة الخسروي
والدقيقي((207))».
وذكر احمد بن علي بن عمر المنيبي في كتاب الفتح الوهبي
يقول:
...«وهو شاعر مفلق، جيد الشعر بالفارسية،متين القول، حتى
قيل انه اول من قال الشعر الجيد بالفارسية، وقال ابو
سعدالادريسي الحافظ: ابو عبد اللّه الرودكي كان مقدما في
الشعر بالفارسية في زمانه على اقرانه((208))».
ولحميد الدين ابي عبداللّه محمود بن عمرالنجاتي النيشابوري
تعليق على هذه السطور في شرح اليميني، قال فيه:«ويخاطب
الرودكي بالشاعر المفلق،والمطرب، وفائق الاستاذ، منسوب
الى رودك نسف، كان يلازم نوح بن منصور،
وقد سمل آخر
عمره، واشعاره الف الف وثلاثمئة بيت، كذا ذكره الرشيدي
في قصيدة له انشدها في كتابه الموسوم بسعدنامه».
ويقول عبدالكريم بن محمد السمعاني في كتاب الانساب في
كلمة روذك:
...«والمشهور منها الشاعر المليح القول بالفارسية، السائر ديوانه
في بلاد العجم ابوعبداللّه جعفر بن محمد بن حكيم
بن عبدالرحمن بن آدم الروذكي((209)) ،الشاعر السمرقندي.
كان حسن الشعر،متين القول، قيل: اول من قال الشعر
الجيدبالفارسية هو، وقال ابو سعد الادريسي الحافظ: ابو عبداللّه
الروذكي كان مقدما في الشعر بالفارسية في زمانه على
اقرانه...وكان ابو الفضل البلعمي وزير اسماعيل بن احمد والي
خراسان يقول: ليس للروذكي في العرب والعجم نظير..((210))».
وفاة الرودكي
الوفاة ايضا لم تستثن من الترديدات التاريخية، وتعددت
الروايات حالها في ذلك كحال الولادة، والحياة، والاشعار
لهذاالشاعر في تلك الحقبة الزمنية، التي يظهران ابرز سماتها
انعدام الدقة في الاخباروالتواريخ المهمة. لذا سوف
نستعرض جملة من اقوال المؤرخين في هذاالجانب:
يذكر مؤلف (آتشكده) في موضوع وفاة الرودكي فيقول: «كان
ذلك في شهور سنة 33»، وواضح ان هذا الرقم غير
دقيق،والارجح انه قد اسقط منه رقم ثالث، ولعل سبب ذلك
توالي الطبعات، لان مؤلف مجمع الفصحا يؤرخ الوفاة بسنة
304،ومؤلف تذكرة خلاصة الافكار بسنة 343،
وهذا فارق كبير
بين التاريخين.
اما كاتب مقدمة الديوان طبعة طهران فيقول: «ان ما ذكره
صاحب مجمع الفصحامن ان تاريخ وفاة الرودكي كان عام
304ليس صحيحا، ذلك لان ممدوح الرودكي الامير نصر بلغ
سن الثامنة سنة 301 فتولى الحكم، ولا بد ان يكون موت
الرودكي بعدثلاث سنين من هذا التاريخ، هذا في اقل تقدير،
ناهيك عن ان التاريخ المحقق واشعار الرودكي اثبتت ان الامير
لم يكن في سن الحادية عشرة.
اذن، يرجح ان تكون وفاة الرودكي سنة 340((211))».
وهذا الاستدلال لا يمكن ان يكون القسم الاول منه صحيحا،
لانه بالاضافة لهذه الادلة، قد ثبت ان الشاعر كان قد نظم قصائد
في سنة 311، وفي سنة 321،ونظم في مدح الامير ابي جعفر
ايضا، ورثى الشهيد البلخي الشاعر عند وفاته سنة 325، ولا شك
انه كان حيا حتى العام 325في اقل تقدير، الا ان ادعا كاتب
مقدمة الديوان في تقرير سنة الوفاة بعام 340ليس صحيحا، لان
ذلك يقضي ان يكون الرودكي قد عاش بعد وفاة الامير نصرتسع
سنوات، اي عاصر حكم نجله نوح بن نصر الساماني (331 -
343)، والحال ان اشعار الرودكي لم يرد فيها ما يدل على حياته
بعد وفاة نصر بن احمد، او ادراك حكومة ابنه نوح بن نصر
ليمدحه، ولم يردايضا حتى رثا الحاكم الاب.
اما صاحب المجمل الفصيحي الخوافي،فذكر في حوادث سنة
سبع واربعمئة يقول:«وفاة الرودكي الشاعر وهو ابو عبداللّهجعفر
بن محمد الرودكي، الرودك موضع من نسف».
هذا، ووردت ارقام اخرى من قبيل: 343في مفتاح التواريخ،
و304 في تذكرة الشعرا لعبد الغني خان غني، و329 في تاريخ
ادبيات افغانستان، وجميع هذه التواريخ لا صح ة لها باستثنا
سنة 329،كما جا في كتاب الانساب للسمعاني:«توفي في
رودك سنة 329»، وتبعه في ذلك كل من الشيخ المنيني في
شرح تاريخ اليميني، وابن الاثير في كتاب اللباب.
اذن، فالاصح ان وفاته كانت عام 329 في(بنج رودك) في
نواحي سمرقند. وكونه توفي في مسقط راسه، ولم يكن
في العاصمة السامانية بخارى، هو دليل آخرعلى ان الرودكي لم
يكن قريبا من بلاط نصر بن احمد في اواخر حياته، وانه
قضى بعيدا عن العاصمة.
ومما يؤيد وفاة الرودكي في بنج رودك الاخبار الواردة في
مكان دفنه، كما يروي السمعاني نقلا عن ابي سعد
الادريسي الحافظ مؤلف تاريخ سمرقند. ويذكرالمؤرخون
لطاجيكستان وسمرقند ان الناس كانوا يزورون مرقد
الرودكي معتقدين بمقامه الرفيع وقدره العظيم.
يذكر ان الطاجيكيين في ذكرى الفية الرودكي حفروا في
الموضع الذي اشار اليه الادريسي وعثروا على بقايا عظام
اعتقدواانها للرودكي.
خاتمة
في ختام هذه الجولة السريعة في حياة الرودكي الكبير، لا بد لنا
من وقفة مع اشعاره التي شغفت بها القلوب عبر هذاالزمن
الطويل لولادتها.
وسنحاول هنا ترجمة بعض النصوص، ثم نختم بقصيدة
الشيخوخة (ض يري) ترجمة ونظم الدكتور فكتور الكك.
وسوسه عاشقي
روي به محراب نهادن چه سود؟
ايزد ما وسوسه عاشقي
دل به بخارا وبتان طراز
از تو ض ذض رد نض ذيرد نماز
الترجمة:
وسواس العشق
ما فائدة الوقوف في المحراب؟
بل سافر بقلبك نحو بخارى وبتان
ان اللّه يقبل منك وسواس الغرام
ويرد عليك الصلاة
من رباعياته
مع ان هجرك لي ادمى كبدي،
الا ان فرحي بهذا الهم يفوق حزني
في كل صبح ابحث عن حيلة فاقول،
هكذا هو هجرانه وهكذا الوصال
2 - بي روي تو خورشيد جهان سوزمباد
با وصل تو كس چ و من بد آموزمباد
هم بي تو چراغ عالم افروز مباد
روزي كه ترا نبينم آن روز مباد
الترجمة: لا شعت الشمس دون طلعتك البهية، وكذا لا شع ضيا الكون دونك لم يدمن على وصلك غيري، فلا اتى اللّه بيوم فيه لا اراك قصيدة ض يري (الشيخوخة) نخر الاسنان مني واستراحا رصف در ، فضة كانت ومر قد تهاوت كلها واندثرت لم يرعني النحس او طول البقا داول الايام بين الضد والضد داؤها يغدو دوا شافيا خلق يغدو جديدا ناضرا((212)) جنة صارت يبابا مثلما وجه بدر وسط ليل اليل صولجان الشعر ان يزهو به فهوت، كانت منارا بل صباحا جانا، وقطر الغيث، نجم الصبح لاحا زحل بالنحس وافاها وباحا ذا قضا اللّه قد ارخى الجناحا هي الافلاك قد دارت مراحا والدوا يمسي بدا مستباحا وجديد مثله تلفيه راحا حالت الصحرا اخضرارا ووشاحا لو راى قاضي الصبا مني لناحا قد وهبناه بكورا ورواحا((213))
نظام العلاقة بين القرآن والسنة
(قل هو نبا عظيم - انتم عنه معرضون)((214)) .
(عم يتسالون - عن النبا العظيم - الذي هم فيه مختلفون - كلا
سيعلمون - ثم كلاسيعلمون) ((215)) .
نشرت مجلة (المنهاج) الفصلية على الصفحات 240 - 281 من العدد (32)لسنة 1424هـ/ 2004م مقالا بعنوان الجري والتطبيق
القرآنيان: قراة انموذجية روائية لتطبيقات القرآن على اهل
البيت(ع)واعدائهم للدكتور محمد كاظم شاكر.وانني اذ اتفق
معه في بعض او معظم ما وردفيه من وجود تطبيقات خاطئة
في الجري على النصوص القرآنية، ولكنها بقيت في بطون
الكتب دون ان تظهر علنا او ينادي بصحتها احد، لان الزبد
يذهب جفا. ولكنه اخطا في البعض الاخر، اذ ظنه من
التطبيق الخاطئ، ولم تنهض الادلة التي ذكرها في مثل هذه
النصوص على صحة ما يراه، فقدغابت عنه بعض الامور، واخطا
في اخرى.
ولقد وقفت خلال قراتين للمقال على نقطتين لم يوفق الكاتب
في تحليلهما، لعدم الاحاطة منه بجميع جوانب الموضوع،وهذا
لا يعني ان غير هاتين النقطتين لايشملهما النقد، او لا تخلو
مناقشاته من اخطا، وانما لانني لا املك اية معلومات لمناقشة
غير هاتين النقطتين.
واليك ما كتبه الكاتب عن آيات (النبا / 1- 3):
الحديث: المراد ب (النبا) هو على (ع)وولايته، وفي اسناد
الروايات المفسرة لهذه الاية محمد بن الفضل، وعبدالرحمن
بن كثير، وابراهيم بن اسحاق النهاوندي، وهم غلاة وضاعون.
المناقشة: وفي هذا التفسير عدة مناقشات:
1 - ان قوله تعالى: (الذي هم فيه مختل فون)يخبر عن خلاف
حاصل بين المشركين في (النبا العظيم). ومن المعلوم ان
مسالة ولاية الامام امير المؤمنين (ع) لم تكن مثارة في ذلك
الوقت قطعا!
2 - ان الايات التي بعدها تتحدث عن الخلق وعودة الحياة
للاموات، ما يدل على ان المراد بالنبا (القيامة).
3 - قد ورد في هذه الروايات، مقولة تنسب الى الامام على (ع)
انه قال: «ما للّهآية اكبر مني، ولا للّه نبا اعظم مني». ولايكون هذا
الا ان ندعي ان الامام (ع) هواعظم من جميع المخلوقات بمن
فيهم رسول اللّه (ص)، وهذا هو الذي تعتقده الغلاة((216)) .
انتهى
في هوامش المقال نجد ان الكاتب قد نقل الحديث او مضمونه
عن كتابي (الكافي،وتهذيب الاحكام)، ذاكرا الجزء
والصفحة.ووصف الرواة:
ا - محمد بن فضيل الازدي.
ب - عبدالرحمن بن كثير الهاشمي.
ج - ابو اسحاق، ابراهيم بن اسحاق النهاوندي.
بانهم: قد عدوه من الضعفا والغلاة للاول،وضعيف غال للثاني،
وضعيف في الحديث،متهم في دينه بالغلو، لا يعتمد على شي
من حديثه للاخير. وجميع ما اورده عن كتاب(جامع الرواة)
وحسب((217)) .
وفي متن المقال ذكر اول الرواة باسم(محمد بن الفضل)، وفي
الهامش اسماه الكاتب (محمد بن فضيل الازدي).
يتضح للقارئ من خلال ملاحظة توثيقات كاتب المقال الدكتور
شاكر لرجال السند،بانه نقل ما يعجبه للاساة الى الرواة،
لكي يضعف الحديث. فهو قد اتخذ موقفه من هذين الحديثين
مسبقا، وهذا ما لا يتفق مع المنهج العلمي، لذا فاننا نقول في
الرد على ما يراه كاتب المقال، بايجاز:
1 - ان الكاتب غير دقيق في نقل الارابخصوص الرواة، وان
اعتماده على (جامع الرواة) فقط في تحديد صفات
رواة الحديث، لا يعد دليلا على صحة ما يراه.
2 - ورد وصف الامام على (ع) بالنباالعظيم ضمن:
ا - دعا الافتتاح المشهور((218)) .
ب - زيارة امير المؤمنين المخصوصة يوم ميلاد رسول اللّه (ص)
. ((219))
ج - زيارته المخصوص في يوم الغدير((220)).
ان الاسلوب والبلاغة، والمضامين العالية،والمعاني الجيدة،
والمنهج القويم، وعدم التعارض مع نصوص القرآن الكريم
لدعاالافتتاح والزيارتين اعلاه، لتؤكد صدورهاعن
المعصومين(ع)، فمثل هذا الدعاوالزيارتين لا يمكن لغير
الرسول (ص)والائمة (ع) صياغتها وانشاها.
3 - ان نصوص القرآن الكريم لا يمكن دائما ربطها بما يسبقها
وبما يلحقها، كماسوف ياتي بيانه بعيد نقاط هذا الرد.
فقول الكاتب: بان آيات النبا العظيم جات بعدها آيات (تتحدث
عن الخلق وعودة الحياة للاموات، ما يدل على ان المراد
بالنباالقيامة). لا يعد دليلا على صحة رايه،خصوصا وان آية يوم
القيامة وردت بعداحد عشر (11) آية بعد آيات النبا
العظيم،وذلك قوله تعالى: (ان يوم الفصل كان ميقاتا) النبا: 17.
فاذا كان السياق القرآني هو الذي حدد معنى النبا العظيم، فان
الاولى ان نقول: ان السياق يدل على ان المرادبالنبا العظيم هو
الارض او الجبال اوالانسان او النوم، وهي الايات اللاحقة مباشرة
بعد آيات النبا العظيم، حيث قال تعالى بعد الاية الخامسة من
سورة النبا:
(الم نجعل الارض مهادا - والجبال اوتادا- وخلقناكم ازواجا -
وجعلنانومكم سباتا - وجعل نا الليل لباسا - وجعلنا النهار معاشا)
النبا/ 6 - 11.
واذا كان السياق القرآني يسمح لنا بالقفز،فما المانع ان يراد
بالنبا العظيم الصور اوالنفخ فيه او السما او ابوابها او الجبال
اوسرابها.
(ان يوم الفصل كان ميقاتا - يوم ينفخ في الصور فتاتون افواجا -
وفتحت السمافكانت ابوابا - وسيرت الجبال فكانت سرابا) النبا /
17 - 20.
4 - ان آيات سورة (ص) تشير الى انه لايمكن ان يكون يوم
القيامة هو المراد بالنباالعظيم((221)) ، لان معنى عرض في
اللغة يعني ظهر كما جا في (المختار من صحاح اللغة) ولها عدة
معان، منها: الاعراض عنه:الصد عنه، وعارضه: جانبه وعدل
عنه،والمعنيين الاخيرين هما المراد من قوله تعالى: (انتم عنه
معرضون)، وضميرالمخاطب بصيغة الجمع يدل على
ان المخاطبين هم اصحاب الرسول (ص)،وهم المسلمون او
بعضهم ممن صد عن القبول بالنبا العظيم او عارضه وعدل
عنه،وذلك يشير الى ان هناك شيئا ما قد صدواعنه، وهم قد
كلفوا به خلال الحياة الدنيا،لان يوم القيامة لا يمكن الصد عنه،
لانه غير موجود في الحياة الدنيا، فليزم الايمان به او الكفر،
وليس الصد عنه.
وعليه، فان قول الكاتب بان الخطاب في آيات سورة النبا موجه
الى المشركين، وهو(يخبر عن خلاف حاصل بين المشركين في
النبا العظيم)، يناقضه نص آيات النباالعظيم في سورة (ص)،
علما ان الاختلاف في يوم القيامة ينتظم في صنفين من
الناس،فهم بين مؤمن بها وغير مؤمن (او كافر)بها، بينما
اختلف الناس في الامام على (ع)الى ثلاثة اصناف من الناس،
كما نقل ذلك كاتب المقال عن رسول اللّه (ص)، وهم:شيعته
وعدوه والغلاة، فعدوه هم الشاكون في ولايته، والغلاة هم
الجاحدون((222)).
كما ان الخلاف في ولاية الامام على (ع)بدا منذ دعا الرسول
(ص) عشيرته الاقربين، وما زال الخلاف والنقاش والجدال قائما
ومستمرا لحد الان، بين المسلمين، ولم نشهد ذلك في يوم
القيامة،وهذا يؤكده قول الامام ابي جعفر (ع): ان القرآن حى لا
يموت، والاية حية لا تموت.وقول الامام ابي عبداللّه (ع): ان
القرآن حى لم يمت، وانه يجري كما يجري الليل والنهار، وكما
تجري الشمس والقمر((223)) ، لان استمرار الخلاف والجدال
في ولاية الامام على (ع) لحدالان، يؤكد ان آية (الذي هم فيه
مختلفون)النبا / 3، حية لا تموت، وحية لم تمت.واخيرا فقد
اشار العلامة السيد الطباطبائي في تفسيره (الميزان) في بحثه
الروائي لسورة النبا، فقال: «في بعض الاخبار ان النبا العظيم
على (ع)، وهو من البطن ((224))».
5 - اما قول الكاتب (ان مسالة ولاية الامام امير المؤمنين (ع) لم
تكن مثارة في ذلك الوقت قطعا!)، فهو خلاف الواقع. فقد امراللّه
تعالى رسوله (ص) في بداية الدعوة ان ينذر عشيرته الاقربين،
فجمعهم (ص)واعلمهم ان عليا (ع) هو خليفته ووصيه،فقالوا
لابي طالب: بان محمدا قد الزمه بطاعة ولده على، وراحوا
يضحكون.
6 - كل اتباع الاديان السماوية وبعض الاديان غير السماوية
يؤمنون بيوم القيامة،ولا ينكرونها. كما ان كل المسلمين
يؤمنون بها تبعا لايمانهم بنبوة محمد (ص)،فالحديث المتواتر
عن الرسول (ص)بافتراق امته الى (72) او (73) فرقة كلهافي
النار عدا واحدة هي الناجية - يشير الى سؤال افراد الفرق غير
الناجية عن يوم القيامة وهم في الحقيقة لا ينكرونها - لايعد
حجة للّه تعالى لالقائهم في النار، لذانستنتج ان هناك ما هو
اعظم اهمية ومنزلة من يوم القيامة، يسئل عنه كل
المسلمين عند الحساب في يوم القيامة، فتكون الحجة للّه بالغة
لمن ينكره وانكره خلال حياته الدنيا ان يلقيه في النار، ولا نجد
ذلك واضحا الا في ولاية الامام على (ع)، حيث يقول: وتؤمن به
فرقة واحدة دون بقية الفرق.
7 - جات الاشارة الى يوم القيامة في القرآن الكريم واضحة
وصريحة بالاسم اوباحدى صفاتها او احداثها التي تمتاز بها،دون
استعمال الفاظ مبهمة او اشارات، لان القرآن الكريم كان صريحا
في ذلك، ولم تكن هناك حاجة الى استعمال التقية اوالتورية او
الالغاز، بينما لم يرد اسم الامام على (ع) صريحا في القرآن
الكريم، ولم تتم الاشارة الى ولايته الا بالفاظ لم يعرفهابعض
الصحابة الا بعد ان صرح بها الرسول(ص)، حتى وصل الامر الى
الحد الذي خشي الرسول (ص) من الاعلان عن التصريح باسمه
وليا للمؤمنين وخليفة بعده،الا بعد ان نزل الامر الالهي في آية
التبليغ بالتبليغ ((225)) وجوبا بالاعلان صراحة عن اسمه
للولاية والخلافة، فاعلن ذلك الرسول (ص) بعد حجة الوداع في
غديرخم.
8 - ان استنتاجه بان حديث الامام على(ع) يشير الى انه (ع)
اعظم من الرسول(ص)، باطل، لان آية المباهلة - آل عمران: 61 -
اكدت ان الامام عليا (ع) هونفس رسول اللّه (ص)، والى ذلك
اشارت ايضا بعض احاديث الرسول (ص) فاكدت ان الرسول (ص)
لا يمتاز على الامام على(ع) الا بالوحي والنبوة والرسالة، وانه
(ع)من رسول اللّه (ص) بمنزلة هارون من موسى عدا النبوة.
فاذا كان الامام على (ع) اكبر آية للّه تعالى،واعظم نبا للّه تعالى،
فلا يعني ذلك انه (ع)اعظم درجة ومنزلة من الرسول
(ص)،وانما الرسول (ص) يوصف كذلك، سوى ان المسلمين لم
يختلفوا فيه وفي رسالته،كما اختلفوا في ولاية الامام على (ع)
بين منكر ومؤمن وغال جعله نبيا او الها.
ولكن من قال ان اكبر آية للّه واعظم نبا للّهمن المناصب التي
تعلو على منزلة النبوة والرسالة؟ بل، هذا يعني ان مقام
النبوة ومنصب الرسالة اللتين خص بهما الرسول(ص)، اعظم
درجة واعلى منزلة وارفع مقاما من الاية الكبرى والنبا العظيم
اللتين خص بهما الامام على (ع)، وهذا يؤكده ان الانبيا والرسل
(ع)قد خصهم اللّه تعالى بيات كثيرة (معجزات بالمصطلح
الشائع)،لاظهار حججهم على العباد وتاكيد نبواتهم،فكذلك
خص اللّه تعالى رسوله محمدا(ص) بيات (معجزات كثيرة).
فقول الامام على (ع): «ما للّه آية هي اكبرمني...» ، يعني انه (ع)
اكبر آية للّه تعالى اظهرها لاثبات نبوة ورسالة محمد (ص)،فهو
(ع) اذن، معجزة لرسولنا الاعظم (ص)،فقد ولد (ع) في الكعبة
دون الرسول (ص)،فلم يقل احد ان عليا (ع) بسبب ذلك
هواعظم من الرسول (ص)، وانما قالوا ان ولادته تؤكد خلافته
للرسول (ص).
اما النقطة الثانية التي وقفت عليها، هي استعراضه لاية
(فاستبقوا الخيرات اين ماتكونوا يات بكم اللّه جميعا)((226))
،فقال الكاتب: واستبقوا الخيرات وسارعوااليها بالاستباق فان
اللّه سيجمعكم الى يوم لا ريب فيه، وانكر ان تكون منزلة
في اصحاب القائم (عجل اللّه تعالى فرجه) من باب الجري
والتطبيق، كما ورد عن الائمة(ع) وقال: قد ورد في احاديث
كثيرة انهافي اصحاب القائم((227)) ، وفي الهامش((228))
نقل ذلك عن (تفسيرالبرهان)، ثم قال بان: في اسانيدها
ضعاف ومجهولون مثل محمد بن سنان، والمفضل بن عمر،
وسهل بن زياد، وبعض مهمل ومجهول.
ولنا تعقيب آخر على اعتبار المفضل بن عمر من الضعفا
والمجهولين، وانه فاسدالمذهب، ومن الخطابية، سياتي بعيد
هذاالرد استكمالا له.
وقال كاتب المقال: وردت هذه الاية في سياق الايات التي تشير
الى تعيين الكعبة قبلة للمسلمين، ثم نقل عن احد
المفسرين رايه الذي ختمه بقوله: فاتركوا ذلك واستبقوا
الخيرات وسارعوا اليهابالاستباق، فان اللّه سيجمعكم الى يوم
لاريب فيه.
وقد نقل سابقا عن نفس المفسر بانه يرى بان الروايات تعد من
باب الجري والتطبيق((229)) .
وللرد على ذلك نقول بايجاز:
1 - ما علاقة تعيين الكعبة قبلة للمسلمين،او ان لكل قوم قبلة
مشرعة، او البحث والمشاجرة بين الاقوام والامر بتركه،
وبين الجمع ليوم لا ريب فيه؟
3 - نصوص كثيرة من القرآن الكريم لايمكن تفسيرها بالسياق
القرآني، اي ربط بعضها بما يسبقها وبما يلحقها، فقد وردالنص
الخاص باكمال الدين واتمام النمة ضمن آية اكمال الدين
(المائدة: 2) بين نص سبقه يحدد ما حرم اللّه تعالى، وبين نص
لاحق يحدد الاستثنا عند الاضطرار،وان آية التبليغ (المائدة:
67) وردت ضمن آيات تسبقها تتحدث عن اهل الكتاب،وآيات
لاحقة تخاطب اهل الكتاب،وكذلك القول بالنسبة الى آية
التطهيروغيرها.
4 - ارى ان المعنى المشار اليه هو راي شخصي، فالنص (اينما
تكونوا) يشير الى قدرة المخاطبين على اختيار الاماكن
التي يرغبون ان يكونوا فيها، بينما في يوم القيامة يكون الناس
جميعا امواتا في القبور، ولا يملكون القدرة على الاختيار،وبعد
اعادتهم الى الحياة يجمعهم اللّه تعالى في مكان واحد دون
اختيار منهم، لانهم مسيرون ولا يملكون حرية
الاختيار،خصوصا ان الاية قد ختمت بقوله تعالى:(ان اللّه على
كل شي قدير)، فقدرة اللّهتعالى في يوم القيامة واضحة لا تحتاج
الى دليل، بينما يلزم اللّه تعالى عباده خلال الحياة الدنيا الحجة
من خلال اظهار قدرته التي لا يعجزها شي، بسبب ان اللّه
جعلهم مخيرين يملكون حرية الاختيار، فتكون الحجة للّه بالغة
على الجميع.
وان النص (يات بكم اللّه جميعا) ليس بالضرورة ان يعني ان
ياتي بكم اللّهويجمعهم في يوم القيامة، وانما يمكن ان يعني ان
ياتي بهم اللّه ويجمعهم في مكة اوالمسجد الحرام خلال الحياة
الدنيا.
نستنتج انه لا مانع من تفسير النص القرآني(البقرة: 148)
باصحاب القائم (عجل اللّهتعالى فرجه) يوم ياذن له اللّه
تعالى بالظهور، فياتي بهم اللّه عز وجل الى مكان وجوده، حيث
دلت الروايات انه (عجل اللّهتعالى فرجه) سيظهر في المسجد
الحرام في مكة المكرمة، ونستبعد ان يراد بالنص جميع الناس
في يوم القيامة.
واصبح من المؤكد وبما لا يقبل الجدل ولاالاعتراض ان المراد
بالنبا العظيم، هو حصراالامام على (ع) وولايته التي اختلف،
في الايمان بها، المسلمون بين مؤمن ومنكروغال، والتي عنها
يسالون في يوم القيامة،وقد اعرض عنها كل الفرق الاسلامية
عداالفرقة الناجية منها، وكما اكد ذلك الامامان الصادق والنقي
(ع)ضمن زيارتي الامام على (ع) المخصوصتين يوم ميلاد
رسول اللّه (ص) وعيد الغدير.
كما نود ان نوضح للكاتب بان النص القرآني (وما يعلم تاويله الا
اللّهوالراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) (آل
عمران: 7) قد اكدت روايات المعصومين (ع)ودراسات
كبارمفكري الشيعة، ولدينا بحث في ذلك، بان الرسول (ص)
يعلم تاويل القرآن، وان الائمة (ع) قد ورثوا ذلك، وان دلالة
وصف الامام على (ع) بالنبا العظيم هو من التاويل الذي خصه
اللّه تعالى للمعصومين (ع)دون غيرهم، وان دلالة صحة هذه
الروايات،اضافة الى ما ورد اعلاه، بان اللّه تعالى لايسال الناس
عن مدى ايمانهم بيوم القيامة،لان ايمانهم بيوم القيامة خلال
احداثه اصبح من الامور التي اضطروا للايمان بها،ولكن يبقى
الكثير في شك من ولاية وامامة امير المؤمنين (ع)، حتى
يعلمونهاعلم اليقين (النبا: 4 - 5) بالاحداث اللاحقة التي توضح
وتؤكد ولايته وامامته، وان سؤالهم عنها لا يبقي اي شك في
ذلك.
ارجو ان اكون قد وفقت في ذلك.
المفضل بن عمر بين الخطابية والحقيقة
مدخل
بالرجوع الى الهامش رقم (143) من مقال الدكتور نجده يقطع
بلا تردد في الطعن بالمفضل بن عمر، حيث يقول: المفضل
بن عمر الجعفي، فاسد المذهب ومن الخطابية.راجع جامع
الرواة.
وفي نظرة سريعة الى هوامش المقال وتعريفه بالرواة، نراه قد
اعتمد في وصف رواة الاحاديث (جامع الرواة) 25 مرة، و(معجم
رجال الحديث) 4 مرات، و(رجال الطوسي) 3 مرات، و(رجال
النجاشي)مرتين، و(تهذيب التهذيب) مرة واحدة فقط. ولا
اعرف الاسس التي اعتمدها في ذلك. فان الاقتصار على مصدر
واحد(جامع الرواة)، الذي اسا الى المفضل بن عمر غير مقبول
علميا، وهو ان دل على شي، فانما يدل على ان الكاتب يريد
ان يتمسك باي مصدر يسي الى الرواة، كي يستدل به على وضع
الحديث وضعفه،وهذا ما يتعارض مع المنهج العلمي الذي يلزمه
نقل جميع الارا الذامة والمادحة، ثم في ضوئها يميل الى ما يراه
الارجح مع ذكر الادلة عليه.
ويؤكد ما ادعيناه على الكاتب انه نقل في الراوي محمد بن
سنان ما قيل في ذمة دون ما قيل في مدحه، وهذا خلاف
الامانة العلمية((230)) . ولما كان عدد من الرواة يعرفون
بمحمد بن سنان، فان الكاتب لم يحدد ايهم المقصود، فقد جا
في معجم رجال الحديث مثلا ستة (6) ممن يحملون هذا الاسم.
واذا كان الدكتور قد حدده في اسناد آخر بابي جعفر محمد بن
سنان الزاهري، فانه لم((231)) ينقل جميع الاقوال في حقه.
فقد ذكر مثلا في معجم رجال الحديث برقم (10916) واورد
روايات عديدة عن الامام ابي جعفر الثاني (ع) في مدحه،وذلك
من قبيل قوله في صفوان بن يحيى ومحمد بن سنان: رضي اللّه
عنهما برضائي عنهما... .
وعنه (ع) قال: جزى اللّه صفوان بن يحيى، ومحمد بن سنان،
وزكريا بن آدم خيرا، فقد وفوا لي.
وعلق السيد الخوئي على الروايتين بانهماصحيحتان، ثم قال
:(رحمه اللّه) بانه ممدوح، فان ثبت فيه شي من المخالفة،فقد
زال ذلك، وقد رضي عنه المعصوم سلام اللّه عليه، ولاجل ذلك
عده الشيخ - يعني الطوسي - ممن كان ممدوحا حسن الطريقة.
ونظرا لما نسبه كاتب المقال الدكتور محمدكاظم شاكر الى
المفضل بن عمر، وما نسبه اليه آخرون غيره، وما قد ينسبه
غيرهم ويقع بما وقع به بعض المتقدمين من الشك والتردد في
وثاقة المفضل بن عمر كالدكتوركاتب المقال، رايت من
المناسب التعرض بنحو من التفصيل في بحث شخصية المفضل
وكتابه في التوحيد، للوقوف على حقيقة الامر بعد جلائها
وبيانها بموضوعية،بمقدار ما يسمح لنا شغله من مساحة
على صفحات (المنهاج).
توحيد المفضل
ابتدا اقول: شرح الاستاذ محمد الخليلي(توحيد المفضل) في
(4) اجزا، كما علق عليه الاستاذ كاظم باقر المظفر
وطبع الكتاب مزينا بالتعليق في جزء واحد،واوضح كل منهما
في مقدمته حقيقة شخصية المفضل بن عمر الجعفي،
ومنزلته الفعلية عند الائمة (ع)، وناقشا ما قاله الاخرون من
اساة الظن به.
وانتها اقول: لا بد لكل راو وعالم ومفكروفيلسوف وكاتب ان
يتاثر بالعلوم السائدة في عصره، وهو امر طبيعي، كما اننا
اليوم متاثرون بالعلوم والمكتشفات الحديثة. وماجا في كتاب
(توحيد المفضل) يتناقض الكثير منه مع ما كان سائدا من
معارف علمية ونظريات. فمن غير المعقول ان يكون المفضل بن
عمر قد اطلع على هذه العلوم وحررها في كتابه (التوحيد)
- والذي عرف باسمه، لتعدد ما كتب في التوحيد - ونسبها الى
الامام الصادق (ع)،لذا ينبغي القول: ان المفضل قد دون
هذه العلوم املاعن الامام الصادق، الذي ورث علوم جده رسول
اللّه (ص)، الذي اوحي له والهم علوم الاولين والاخرين.
ومما يؤيد صدق المفضل انه لم يسع الى تحريف النصوص، لكي
تتلائم مع ما كان سائدا في عصره من معارف ونظريات خاطئة،
حتى لا يتهم هو او من نقل عنه بالجهل والخروج عن المالوف.
فهو اذن،عالم ثقة، وناقل امين عندما خصه الامام الصادق (ع)
دون غيره بمثل هذه العلوم التي املاها عليه.
عرفه النجاشي بانه كتاب فكر، وقال عنه:انه كتاب في بدء
الخلق والحث على الاعتبار.
هذا عن الكتاب، واما عن الكاتب:
فمن هو المفضل بن عمر؟
ابو عبداللّه او ابو محمد، المفضل بن عمرالجعفي الكوفي. ولد
في الكوفة في نهاية القرن الاول، وقال المظفر في مقدمته
على توحيد المفضل: بانه ولد بين اواخر القرن الاول واوائل
القرن الثاني الهجري، واستنتج انه عاصر الامام الباقر (ع)، ثم
اتصل بالامام الصادق (ع)، ومن ثم الامام الكاظم(ع)، وروى
عنهما، وعاش حتى عاصرالامام الرضا (ع).
بينما راى الخليلي في مقدمته على شرح التوحيد انه كان
صغيرا في زمن الباقر (ع)،ولم يسمح سنه بالرواية عنه، لكن لا
يبعدان التقاه وجلس مجلسه وهو صغير.
اما وفاته فكانت في اواخر المئة الثانية الهجرية، او نحو سنة
(180) على الارجح،عن عمر ناهز الثمانين سنة. قيل: لما
بلغ موته الامام الكاظم (ع) قال فيه: «كان الوالدبعد الولد، اما انه
قد استراح((232))». وفي خبر آخر ان الامام (ع) خاطب
احداصحابه بقوله: «اما ان المفضل كان
انسي ومستراحي((233))».
كانت للمفضل شرف الوكالة عن الامامين الصادق والكاظم (ع)،
وكان مفوضا في قبض الاموال وصرفها بما يراه.
اما ما قيل في حقه من انه من اعيان الثقات، واكابر الفقها
والرواة، وانه جمع العلم الى الصلاح والورع، فشاهده ما ذكرمن
كتبه التي كتبها، ومنها: (الاهليلجة)،وهو من املا الامام
الصادق (ع) في محاجة طبيب. وفيه رد على
الملحدين والمنكرين للربوبية، وكتاب (التوحيد)،وهو غني عن
التعريف، وقد تقدم، وسماه البعض (كنز الحقائق والمعارف)،
وسماه النجاشي (كتاب فكر)، وله (الوصية)،اوصاه بها الامام
الصادق (ع) فيما يتعلق باحوال المسلمين ومعائشهم
واهوائهم..،وكتاب (ما افترض اللّه على الجوارح من الايمان)،
وسم اه النجاشي (الايمان والاسلام)، وكتاب (يوم وليلة)،
وكتاب(علل الشرائع).
ولكي لا نتهم بالانحياز الى جانب مدح المفضل بن عمر، باننا
اهملنا النصوص القادحة به، فقد راجعنا كتاب (اختيارمعرفة
الرجال)، والمعروف برجال الكشي،فوجدنا ان مجموعة
الاحاديث التي نقلهاالشيخ الطوسي عن شخصيته
تتضمنهاالاحاديث رقم (581) الى (598)، والتي يمكن
تقسيمها الى مجموعتين((234)) :
اولا : مجموعة تسي الى شخصية المفضل بن عمر، نوردها
مختصرة بتصرف رجاالاختصار وعدم التطويل، كما يلي:
581 - ابو عبداللّه (ع) قال له: يا كافر، يامشرك، ما لك ولابني؟
586 - ابو عبداللّه (ع) قال لاحدهم: ائت المفضل قل له يا كافر، يا
مشرك، ما تريدمن ابني؟
587 - قيل لابي عبداللّه (ع): بان المفضل يقول بانكم تقدرون
ارزاق العباد. فلعنه وتبرا منه، وطلب لعنه والبراة منه.
588 - نقل عن المفضل بانه وصف البعض بانهم مرسلين، ونقل
عنه بانه وصف من قتل مع ابي الخطاب بانهم (70) نبيا،
وان الصادق (ع) خاطب (12) من اصحابه باسما الانبيا، وانه
نقل عن الامام الصادق(ع) منكرات مما اسا الى سمعته (ع).
589 - خرج المفضل مع جماعة لزيارة الحسين (ع)، فطلع
عليهم الفجر على اربعة فراسخ من الكوفة، فنزلوا للصلاة،
ولكن المفضل لم ينزل للصلاة. فقيل له: الاتصلي! قال: قد
صليت قبل ان اخرج من منزلي.
590 - ان المفضل كان يدعو بامامة اسماعيل.
ثانيا: مجموعة تمدح المفضل بن عمروتوثقه، نوجزها بتصرف
ايضا.
582 - ابو الحسن [الاول](ع) لما مات المفضل قال: رحمه اللّه،
كان الوالد بعدالوالد، اما انه قد استراح.
583 - محمد بن كثير الثقفي لما ساله ابوعبداللّه (ع): ما تقول
في المفضل بن عمر؟قال عنه: لو رايت في عنقه صليبا،
وفي وسطه كستيجا((235)) لعلمت انه على الحق.
585 - عن ابي عبداللّه (ع) قال: نعم، واللّهالذي لا اله الا هو،
المفضل بن عمرالجعفي، انما هو والد بعد والد.
592 - حديثان في مدحه خلاصة احدهما: ان بعض اهل الكوفة
سعوا به الى الامام الصادق بانه يجالس الشطارواصحاب الحمام
ومجالس الشراب، فاثبت للساعين انه وهؤلا من شيعة
الامام المخلصين، بما بذلوا له من اموالهم.
والثاني: ان الامام الصادق (ع) سئل ان يعين لهم احدا يفزعون
اليه في امر دينهم، فقال:قد اقمت عليكم المفضل، اسمعوا
منه واقبلوا عنه، فانه لا يقول على اللّهالاالحق.
593 - كان جماعة عند ابي الحسن الثاني(ع) ثم التفت الى
شخص فقال له: يرحم اللّه المفضل، انه كان ليكتفي بدون هذا.
594 - وصف ابو الحسن (ع) قوما يقولون عن المفضل بانه
يهودي او نصراني قائلا:ويلهم، ما اخبث ما انزلوه! ما عندي
كذلك،وما لي فيهم مثله.
595 - كان ابو الحسن (ع) لا يقبل من الرجل اي شي ويقول:
اوصله الى المفضل.
597 - ابو ابراهيم((236)) (ع) قال: رحم اللّه المفضل، قد
استراح.
وثمة توثيقات اخر في مصادر متفرقة نمرعليها
باختصار((237)) :
1 - امره الامام الصادق (ع) بالصلح بين اي رجلين يتنازعان، وان
يفتديهما من مال الامام. (اصول الكافي، تنقيح المقال)((238)).
2 - قال له الامام الصادق (ع): الى يا مفضل، فوربي اني
لاحبك واحب من احبك.. يا مفضل لو عرف جميع اصحابي ما
تعرف ما اختلف اثنان... (الاختصاص، مستدرك وسائل
الشيعة)((239)) .
3 - ان المفضل كان من البوابين في العلوم والاسرار. (مستدرك
الوسائل، رجال الخاقاني، توضيح المقال)((240)) .
4 - انه من شيوخ اصحاب الامام الصادق(ع) وخاصته وبطانته
وثقاته الفقهاالصالحين. (الارشاد)((241)) .
5 - طلب منه الامام الصادق (ع) ان يكتب علمه ويبثه في اخوانه،
وان مات فليورث كتبه بنيه. (اصول الكافي)((242)) .
6 - امره الامام الصادق (ع) ان يستوصي من بعده بولده الامام
موسى بن جعفر، وان يضع امره - اي الامامة - عند من يثق به من
اصحابه. (اصول الكافي، الارشاد)
((243)).
|
|---|