7 - ان حجر بن زائدة وعامر بن جذاعة كانا يقعان في
المفضل بن عمر، فطلب منهما الامام الصادق (ع) ان يكفاعنه،
فلم يكفا. ثم دعاهما وسالهما وكتب اليهما ان يكفا، فلم يكفا
عنه، عندئذ دعاعليهما الامام وقال: فلا غفر اللّه لهما، فواللّه
لكثير عزة اصدق في مودته منهما فيما ينتحلان من مودتي...
اما واللّه لواحياني لاحبا من احب. (الروضة من الكافي)((244)).
8 - تاييد الصادق (ع) رجوع الفيض بن المختار الى المفضل فيما
يشك فيه من احاديث اهل البيت (ع)، فتستريح اليهانفسه،
ويطمئن قلبه، وقول الامام (ع): اجل،
هو كما ذكرت يافيض.
(معجم رجال الحديث) ((245)).
9 - بعد وفاة عبد اللّه بن ابي يعفور كتب الامام الصادق (ع) الى
المفضل عهده الذي كان عند ابن ابي يعفور. (معجم
رجال الحديث)((246)) .
قال الاستاذ كاظم المظفر في مقدمته لتوحيد المفضل: ان
المكانة السامية للمفضل في نفوس آل البيت دعت اعداهم الى
نصب الشراك له وايقاعه فيها،كرميه بالتهم والاباطيل، وقذفه
بالاكاذيب والافتراات. ثم اكد بان الصادق (ع) اضطربالعمل
بالتقية، فكان يعيب اصحابه كي يبعد الشبه التي تحوم حولهم،
والتي طالماهددتهم بالموت والفنا، وذلك بدافع
الشفقة عليهم لاخفا حالهم، لكي لا يتعرضواللشر. وضرب مثلا
لذلك بما روي عن عبداللّه بن زرارة بن اعين بان الامام الصادق
(ع) قال له: اقرا والدك السلام وقل له: انما اعيبك دفاعا مني
عنك، فان الناس والعدو يسارعون الى كل من قربناه وحمدنا
مكانه لادخال الاذى فيمن نحبه ونقربه، فيذمونه لمحبتنا له
وقربه ودنوه منا، ويرون ادخال الاذى عليه وقتله،
ويحمدون كل
من عبناه، فانما اعيبك لانك رجل اشتهرت بنا وبميلك الينا،
وانت في ذلك مذموم عند الناس، وغير محمود الاثر،لمودتك
منا وميلك الينا، ويكون ذلك منادفع شرهم عنك...الخ((247)) .
لذا فان الاحاديث المروية في ذم المفضل والقدح به، ينبغي
حملها على التقية، ثم قال الاستاذ الشارح: بان الحديث الذي
اورده الكشي، المتضمن ان المفضل يؤمن بامامة اسماعيل ابن
الامام الصادق، لا صحة له،لان المفضل كان علما في الدعوة
الى الامام الكاظم (ع)، حيث دعيت الفرقة المتمسكة بامامة
الكاظم (ع) والتي اتبعت المفضل في رايه، دعيت هذه الفرقة
بالمفضلية، نسبة اليه، حيث اكد ذلك الشهرستاني في
(الملل النحل) فقال: الموسوية او المفضلية بانها:
فرقة واحدة
قالت بامامة موسى بن جعفرنصا عليه، ثم قال: واجتمعوا عليه
مثل المفضل بن عمر وزرارة بن اعين وعمارة الساباط ي.
ثم نقل خبرا بان البعض تعرض للمفضل في الكوفة، وبلغ ذلك
الصادق الامام (ع)،فقال للمفضل بان هؤلا: ما هم لنا
بشيعة،ولو كانوا لنا شيعة ما غضبوا من قولك، ولااشمازوا منه،
لقد وصف اللّه شيعتنا بغير ماهم عليه، وما شيعة جعفر الا من
كف لسانه وعمل لخالقه ورجا سيده وخاف اللّه.
اما الاستاذ محمد الخليلي فيرى ان السبب هو تشابه الاسما،
فقد قال في مقدمة(شرح توحيد المفضل) بان: هناك فرقة
من الخطابية تنسب الى المفضل العجلي الصيرفي تعرف
بالمفضلية، كما قال الشهرستاني في (الملل والنحل):
وزعمت طائفة ان بعد ابي الخطاب مفضل الصيرفي،وكان يقول
بربوبية جعفر دون نبوته وامامته، وقد تبرا من هؤلا كلهم جعفر
بن محمد الصادق (ع) وطردهم ولعنهم((248)) .
وتاييدا لما ذكره الخليلي، فقد اشار الدكتورعبداللّه سلوم
السامرائي الى وجود فرقة المفضلية وقال: بان نشاطها قد امتد
حتى وصل الى القرن الرابع الهجري، حيث اشارالاشعري الى
نشاطهم في حياته((249)) .
ثم قال الخليلي: ان اتفاق هاتين الفرقتين بالاسم، اعني
الموسوية المفضلية والخطابية المفضلية، هو الذي سوغ
للمتهم وجعل المجال امامه واسعا لان يصم ابن عمر بالخطابية،
لان المفضل (بن عمر) هذا،ومنشئ المفضلية الخطابية اسمه
مفضل ايضا.
ثم قال: فما المانع من ان يكون المفضل كزرارة؟ ولماذا لا
نحتمل ان اعدا الامام(ع) واعدا المفضل قد الصقوا به هذه
التهم،كتهمته بانه كان اسماعيليا او خطابياليكذبوا روايته
وليبغضوه عند الشيعة؟ ثم استند الخليلي الى كتاب (الملل
والنحل)للشهرستاني في عدم كونه اسماعيليا، وقال بعد كلام
آخر: نرى ان الاخبار والروايات المتسلسلة عن العلما والرواة
الثقات عن الائمة (ع)كتبت لنا صلابة ايمانه، وصدق عقيدته،
وقربه من آل البيت (ع)واعتمادهم عليه.
واخيرا لو رجعنا الى (معجم رجال الحديث) لسماحة السيد
الخوئي(رحمه اللّه)، نجده قد استعرض مختلف الارا والاقوال
والروايات في حق الرجل،
ثم خلص الى نتيجة هي: ان نسبة
التفويض والخطابية الى المفضل بن عمر لم تثبت.
وقال: بان المفضل كان مستقيما ثم صارخطابيا، الا ان هذا لا
شاهد عليه.
واما ما تقدم من الروايات الواردة في ذمه فلا يعتبر بما هو
ضعيف السند منها. نعم، ان ثلاث روايات منها تامة السند، الا انه
لا بدمن رد علمها الى اهلها، فانها لا تقاوم ماتقدم من الروايات
الكثيرة المتضافرة التي لا يبعد دعوى العلم بصدورها
من المعصومين (ع) اجمالا، على ان فيها ما هوالصحيح سندا،
فلا بد من حملها على ماحملنا عليه ما ورد من الروايات في
ذم زرارة ومحمد بن مسلم واضرابهم((250)).
ويؤكد ذلك ان الاختلاف انما هو في الروايات التي رويت عن
الصادق (ع)، واماما روي عن الامامين الكاظم والرضا(ع)فكلها
ما دحة على ما تقدم، وهذايكشف عن ان القدح الصادر عن
الامام الصادق سلام اللّه عليه انما كان لعلة.
ثم يضيف السيد الخوئي قائلا: ويكفي في جلالة المفضل
تخصيص الامام الصادق(ع) اياه بكتابه المعروف (توحيد
المفضل)،وهو الذي سماه النجاشي بكتاب فكر، وفي ذلك دلالة
واضحة على ان المفضل كان من خواص اصحابه ومورد عنايته.
اضف الى ذلك ما تقدم من توثيق ابن قولويه والشيخ المفيد اياه
صريحا، ومن عدالشيخ [الطوسي]اياه من السفراالممدوحين.
واما ما ذكره النجاشي من انه كان فاسدالمذهب مضطرب
الرواية لا يعبا به، وقدذكرت له مصنفات لا يعول عليها،
ففيه تفصيل:
اما قوله: فاسد المذهب..
فيعارضه ما تقدم من الشيخ المفيد من عده من الفقها
الصالحين، ومن خاصة ابي عبداللّه (ع) وبطانته، ولا يسعنا الا
ترجيح كلام الشيخ المفيد على كلام النجاشي. ثم اوضح الخوئي رايه النهائي قائلا: بان المفضل بن عمر جليل ثقة، واللّه العالم.
تاريخ المؤسسة الدينية الشيعية
الشيخ عباس النابلسي
اسم الكتاب: تاريخ المؤسسة الدينية الشيعية
المؤلف: جودت القزويني
عدد الصفحات: 462 من القطع الكبير
الناشر: دار الرافدين - بيروت 2005م
«تاريخ المؤسسة الدينية الشيعية » هو احدثلاثة كتب صدرت
للمؤرخ الدكتورجودت القزويني، تتناول قضايا
المرجعية الدينية الشيعية.
يتسم كتاب المؤسسة الدينية الشيعية بمنهجية مغايرة لما هو
سائد في تحليل تاريخ المرجعية الشيعية، ففي حين ان معظم
الكتب التي تتناول هذا الموضوع،تبحثه اما من الزوايا الشخصية
للمرجعية،او من الجانب العلمي البحت. يطل عليناالمؤرخ
القزويني، برؤية مختلفة في قراته للاحداث التاريخية عموما،
ولتاريخ المرجعية خصوصا، حيث يتجلى المنهج النقدي في
سياق العلاقة الجدلية بين الديني والسياسي.
يشرع المؤرخ في مقدمة كتابه بوضع الاسس المنهجية العامة
لقراة التاريخ،ويدخل في نطاق نقدي واسع للاسس المعتمدة
لدى المؤرخين والمحللين للقضاياالتاريخية. وقد ارتكز في
رؤيته هذه الى امرين اساسيين:
الاول: ان القراة السائدة تتشكل رؤيتها من خلال اعتمادها على
النص، وهذا بدوره يوصل الى التفسير الواحدي للتاريخ، وهولا
يتعدى التفسير الطائفي القائم ضمن نطاق الملل والنحل،
فهذه النظرة اذا مبنية على العنصر الديني المذهبي بكل
جزئياتهاودلالاتها.
الثاني: رفض اعتبار النص اساسا لقراة الاحداث، لانه نص (مضل
ل)، ومربك،وخال من الانسجام. فالنصوص التاريخية - بنظر
المؤرخ - مفتعلة وتدخل ضمن دائرة التاريخ المموه، ولحل هذه
الاشكالية - اشكالية التاسيس على النص - فانه عمل على الخروج
من هذا (المقدس)،ليضع مكانه الواقع التاريخي. فيتم
التاسيس بعد ذلك عبر الانتقال من الواقع الى النص،وليس
العكس. ويتقوم هذا الواقع - بنظره - من خلال ترابط سلسلة
احداث تدورحول الواقعة سوا اكانت خارجية ام داخلية. وتشمل
هذه القراة (الانقلابية)حتى الحوادث الميتة التي لم
يعرهاالباحثون ادنى اهتمام. فهو بهذا المنهج يعطل النص
التاريخي، ويقلل من وثاقته،الامر الذي يقوده الى التخلص من
اشكالية التعامل مع النص.
ولم يقتصر منهج المؤرخ القزويني على معرفة الوقائع القديمة
المتعلقة بخبرة الماضي، وانما تعدى الى اللجوء لخبرة الحاضر
في تفسير الغامض من الاحداث واللامرئي، فهو يستفيد من
مفردات الحاضر المعرفية في الكشف عن مفردات الماضي
كوحدة ترابطية عضوية، فالصلة بين الماضي والحاضر هي صلة
تقمص،والتاريخ لا يتشكل الا من مزجهما معا،وعدم فصلهما
عن مجريات الاحداث المتدفقة في الماضي والحاضر.
يطلق الدكتور جودت القزويني مصطلح المؤسسة الدينية
الشيعية على تاريخ الفقهاالسياسي والعلمي، واطلاقه اسم
(المؤسسة)على هذا التاريخ ليس في محله! فهويحاول ان
يوحي للقارئ ان ثمة هيكلية منظمة تشمل القضايا الفكرية
والسياسية والادارية للمرجعية الشيعية على مر الزمن، والباحث
القزويني لم يتعاط في سياق بحثه على ان المرجعية الشيعية
هي وحدة متناسقة تحكمها انظمة مترابطة، وعلاقات عضوية.
والدليل على ذلك ما ذكره من الصراع الذي نشا بين علما
الدولة الصفوية، وبالتحديد بين المحقق الكركي والشيخ
القطيفي، اللذين وصل بهما الامرالى حد القذف والاتهام بسبب
النزاع الناشئ من علاقة الفقيه بالسلطان. ومن ذلك ايضا الرؤية
المتباينة بين علما الدولة الصفوية المتمثلة بالشيخ الكركي
وعلماالشيعة في الدولة العثمانية المتمثلة بالشهيدزين الدين
الجبعي العاملي، حيث عمل هذاالاخير داخل النظام السياسي
السني العثماني ، وقام بتوحيد الجهود المعرفية لدى علما
السنة والشيعة، في حين ان علما الدولة الصفوية كانوا على
عدا كامل مع الدولة العثمانية السنية، حيث الشحن المذهبي
اخذ بعدا كبيرا لدى علما الدولة الصفوية بالتزامن مع التحريض
المضاد من علما الدولة العثمانية.
وقام جودت القزويني باستخدام مصطلح(المدرسة) على
المكان الذي ازدهر فيه التعليم الديني الشيعي في بغداد
والحلة والنجف وقم وجبل عامل، في حين انه ابعدمصطلح
(الحوزة العلمية) عن التداول على اعتبار ان هذا المصطلح هو
من المفردات المستحدثة التي لم يتعد وجودها القرن الرابع
عشر الهجري (العشرين الميلادي).
ارخ القزويني في كتابه هذا لثلاث مدارس رئيسة حفل بها
النشاط الديني والسياسي الشيعي وهي: مدرسة بغداد - مدرسة
الحلة - مدرسة جبل عامل، والتي شملت العهودالسياسية
الرئيسة التالية: البويهيين ،السلاجقة، الدولة المغولية
الاليخانية،المماليك، العهد الصفوي الاول والعهدالعثماني.
وقد شملت هذه الدراسة ايضا لتغط ي مدارس علمية شيعية
اخرى، مثل: النجف،حلب، طبرستان (مازندران)، البحرين.
يستعرض الدكتور جودت القزويني في الفصل الاول من كتابه
المدرسة الاولى،وهي (مدرسة بغداد)، فيؤرخ لها من
حين دخول البويهيين اليها (334ه - /945م) .ويعتقد وفقا لاغلب
المؤرخين ان هذاالعصر قد شهد ازدهارا فكريا لا مثيل له
في تاريخ الحضارة الاسلامية، من حيث تنوع الارا واختلاف
المذاهب الدينية، وتعددالمشارب الفكرية. وقد كان
للتشيع حظوافر في هذه الحقبة، اذ استطاع ان يقوم بنشر اهم
واكبر انتاجاته الفكرية والدينية، كالفقه وعلم الكلام
وعلم الحديث. كذلك استطاع التشيع ان يكون احد الدعامات
الاساسية للفكر السياسي الاسلامي عبر نشاط معظم علما
تلك الحقبة.
وكان على راس هذه المجموعة العلمائية التي اغنت المكتبة
الاسلامية الشيعية بالعلوم والمعارف ثلاثة علما هم:
الشيخ محمد بن محمد بن النعمان العكبري الشهير بالشيخ
المفيد (413ه - /1022م)،يتبعه اثنان هما: علي بن الحسين
الموسوي الملقب بالشريف المرتضى(436ه - /1044م)، والشيخ
محمد بن الحسن الطوسي الملقب بشيخ
الطائفة(460ه - /1068م).
ادى هؤلا الفقها والمتكلمون الثلاثة ادوارهم العلمية تبعا
للظروف التي احاطت بهم ، كما اسسوا اركان المذهب
الشيعي،واستفادوا من تنقية التراث الذي وصلهم في ارسا
الاسس العقائدية للطائفة، وقدامتدت حياتهم لتشمل حكم
عضد الدولة البويهي (367 - 372ه - /978 - 983م)،ثم استمرت
حتى سقوط البويهيين واحتلال السلاجقة لبغداد
عام(447ه - /1055م)، الا انه وبالرغم من ظهور الشيعة كمدرسة
لها دور هام في شرايين المجتمع الاسلامي ، لم
يرق ليسجل نشاطا سياسيا بارزا خصوصا فيما يتعلق بالعلاقة مع
السلطة البويهية ، فقد حرصت المرجعيات الثلاث على ادا
وظيفتهابطريقة متوازنة، منحصرة نوعا ما بما يتعلق بالشان
الديني والاجتماعي. ومع ذلك فان البويهيين كانوا يدعمون
التيار الشيعي،اسوة ببقية التيارات الاخرى، فقد كان عضد
الدولة يقصد زيارة الشيخ المفيد في داره ، كما كان يعقد
مجالس مناظرات فكرية عامة يحضرها ممثلون عن
المذهب الشيعي.
والجدير بالذكر انه ومع عدم تسجيل اي نشاط سياسي بارز من
هؤلا الزعماالثلاثة - فضلا عن التنظير السياسي، سوى الرسالة
المنسوبة الى المرتضى وهي:(مسالة في العمل مع السلطان) -
فقد كان والد المرتضى وهو الحسين الطاهر يملك نفوذا سياسيا
كبيرا، وقد ظهر ذلك في قدرته على اخماد الفتنة التي حلت
ببعض المناطق المتمردة ضد السلطة البويهية عام(368ه -
/979م)، والتي تمكن من اخضاع اهلها بعد حرب شديدة.
بحث القزويني ايضا في هذه المرحلة اهم الانتاجات العلمية
لعلما الشيعة، وقداعتبرها مرحلة التطور العلمي وليس مرحلة
تاسيس العلوم خلافا لاعتقادات البعض. وما يختص بتراث
المرحلة السابقة فقد اختفى ضمن فصول التاريخ الاسلامي!
اما اهم الانتاجات العلمية لتلك المرحلة،فقد شملت العلوم
التالية: علم اصول الفقه - الفقه المقارن - علم الفقه - علم الحديث
- علم الرجال.
بقيت تلك المرحلة مستمرة حتى سقوط البويهيين على ايدي
السلاجقة ، وقدتضعضع الفكر الاسلامي في هذه
المرحلة،خصوصا المذهب الشيعي، حيث انتقل زعيم الطائفة
آنذاك الشيخ الطوسي من بغداد عاصمة العلم الى النجف التي
لم يكن لها وجود يذكر على خارطة الحياة العلمية والسياسية ،
فحاول ان يبني مدينة علمية ثانية، لكنه وبالرغم من وجوده
اثني عشرعاما فيها، فاننا لم نعثر له على اي مؤلف له،يزيد عما
الفه ببغداد، سوى بعض المحاضرات والكتابات التجميعية.
وبالرغم من ان الشيعة تعرضوا لارهاب السلاجقة ببغداد، حيث
احرقوا مكتباتهم الشهيرة والثمينة، الا انهم لم يتعرضواللوجود
الشيعي بالنجف رغم قرب المسافة بينها وبين عاصمة الخلافة
بغداد، ويرى القزويني ان السبب في ذلك هو التحالف السياسي
الذي كان قائما بين السلاجقة والمز يديين (امرا الحلة الشيعة
آنذاك) .كذلك فان الفقها الشيعة لم يكونوا ليشكلواخطرا
سياسيا حقيقيا للحكم السلجوقي الجديد.
وعلى كل حال، فان الفكر الشيعي،وبالاخص الفقه منه ، لم
يستطع ان تقوم له منارة جديدة في ظل النظام
السلجوقي،الذي دعم التيارات التقليدية ، وبقي جامدالمدة
تقارب المئة عام، اي حتى انتها حكم السلاجقة في المنطقة
العربية، وقد عرف الفقها الذين تلوا الشيخ الطوسي - اي فقها
مرحلة السلاجقة - ب(الفقهاالمقلدة). فبقي الفكر الاجتهادي
الشيعي راكدا حتى زوال السلاجقة، وظهور الفقيه الشيعي ابن
ادريس الحلي(598ه - /1201م).
وقد انتقد القزويني - تبعا لاكثر من باحث - تضخيم علما الحوزة
العلمية لشخصية الطوسي، الذي قيل عنه: ان السبب
الرئيس في عدم تجرؤ العلما الذين تلوه على تجاوز افكاره، هو
مكانته العلمية الكبيرة،والمؤلفات الضخمة التي انتجها ابان
حياته.فهو يرى انه ومع علو مقام الطوسي العلمي الا ان السبب
الرئيس كان سياسيا، وهواحتلال السلاجقة لبغداد، حيث قضوا
فيهاعلى التيارات التنويرية المتمثلة بالشيعة والمعتزلة،
وتبنيهم عقائد المذهب الاشعري.
الا ان سقوط دولة السلاجقة في المنطقة عام (557ه - /1179م)
بفعل تفككهاالداخلي، اتاح للفكر الاسلامي الشيعي النهوض من
جديد، بيد ان هذه المرة اضحت في مناطق مختلفة، وهي
:طبرستان (مازندران حاليا) - حلب - الحلة.
مدرسة الحلة
بدا مركز الحلة بالظهور اواخر القرن الخامس الهجري(الحادي
عشر الميلادي)،الا ان الشهرة العلمية سرعان ما تفجرت بعد
سنوات من نمو الدراسة في هذا المركزالعلمي الفتي الجديد،
لتجعلها مدرسة من مدارس الفكر الشيعي المتميزة
التي تجاوزت شهرتها مركزى حلب وطبرستان،وقد بقيت
الزعامتان الدينية والسياسية للعالم الشيعي متصدرتين فيه
قرابة ثلاثة قرون متوالية.
وقد اقترن اسم الفقيه الشيخ فخر الدين محمد بن ادريس
الحلي بالنهضة العقلية التجديدية التي عبر عنها في كتابه
الفقهي المعروف ب(السرائر)، الذي اودع فيه نظراته
الاجتهادية، وطرق استنباطه الشرعي للاحكام، ومارس نقدا
لتيار(المقلدة) الذين جمدوا على تراث الشيخ الطوسي، ولم
يستطيعوا الافلات منه، الامرالذي اشاع ان جهود ابن ادريس
الاجتهادية اعادت فتح باب الاجتهاد الذي اوشك ان يغلق بعد
وفاة شيخ الطائفة الطوسي.
ان الحركة التي خلفها ابن ادريس في اثارة الجدل بين
المتخصصين، ميزت مرحلته كمرحلة جديدة من مراحل
الانتقال السريع، والتطور في المؤسسة الفقهية التي نضج فيها
الفقه بما فيه من ماثورات ومسائل، سوا اكانت مجمعا عليها ام
لا.
ويمكن ان تكون الانتقادات التي تلقاها من بعض معاصريه
وغيرهم، تتشابه في بعض وجوهها بما حصل من انتقاد حاد
لسلفه المجتهد ابن الجنيد (استاذ المفيد)، الذي اوقعه اجتهاده
في اسار رفض فقها عصره لبعض طرائقه المعتمدة في
استنباط الاحكام الشرعية.
كما ان متطلبات الاجتهاد تعيد الى الاذهان نهضة الاجتهاد
التجديدية التي ولدهاالشريف المرتضى قبله، وربما كان
مبدا(الرفض) في ادبياتهما هو المبدا الذي ميزاجتهادهما من
خلال المرحلتين الزمنيتين اللتين افرزتا هذا المبدا الحاد في
رفض الموروثات المسلمة.
وقد تهيا لهذا المنهج العقلي الاجتهادي من يخفف من حدته
غير المتعارفة ، فيمتص الشيخ الطوسي الصدمة التي
ولدهاالمرتضى في منحى التفكير العقلي،ويتصدى فقيه آخر
هو نجم الدين جعفر بن الحسن الملقب ب(المحقق الحلي)
في القرن السابع الهجري (الثالث عشرالميلادي)، للموازنة بين
آرا ابن ادريس النقدية من جهته، والدفاع عن شيخ
الطائفة الطوسي.
فقد بدات مرحلة جديدة على يد هذاالفقيه، وسيطر على
مقاليد الدراسة والتدريس في مركز الحلة، وتخرج على يديه
جيل من المجتهدين، وقد ساهم المحقق الحلي في مجال
تنقيح مناهج الفقه، واعادة ترتيب ابوابه، واعطا مفهوم نظري
جديد للاستدلال الشرعي من خلال فهمه لكلمة(الاجتهاد)
،حيث نقل مفهوم الاجتهاد من اللفظة السائدة الدالة
على(راي) المجتهد الى مصطلح متكامل يعتمدعلى عملية
استنباط الاحكام من مصادرهاالتفصيلية.
وياتي المؤرخ الدكتور جودت القزويني في هذه المرحلة على
ذكر احدى اهم شخصيات القرن السابع والثامن الهجريين،وهو
الفيلسوف نصير الدين الطوسي(672ه - / 1274م)، الذي لعب
دورا علمياوسياسيا مهما، خصوصا فيما يتعلق بدوره غير
المباشر في التاثير على (المؤسسة الدينية الشيعية) بجرها
للميدان السياسي من خلاله، ومن خلال تلميذه العلامة الحلي،
بالاضافة الى بنا مناهجها الفكرية على اسس جديدة من خلال
مزج العقائدالكلامية بالفكر الفلسفي.
ونصير الدين الطوسي هو احد الشخصيات الملتبسة في التاريخ
الشيعي من ناحية نشاطه الفكري والسياسي.
فمن الناحية الفكرية، فان نصير الدين الطوسي قد قضى اكثر
من ربع قرن في احضان الاسماعيلية، والف عدة كتب
تدل بوضوح على انتمائه لهذا المذهب.
اما من الناحية السياسية، فقد ارتبط اسم الطوسي بامرين
ملتبسين، هما: علاقته بالمغول لاسقاط الدول
النزارية الاسماعيلية عندما كان الجيش المغولي متطلعا الى
الزحف على مدينة بغداد، وكان عليهم اسقاط قلاع الاسماعيلية
.
والثاني: دخوله في عالم السياسة وصيرورته شريكا اساسيا في
سلطة هولاكو المغولية، التي يعتبرها المسلمون السلطة التي
قضت على الكيان الاسلامي، وفتت معالم الدين فيه.
الا ان المصادر الاسماعيلية التي تجيرالطوسي لصالحها، تبرؤه
من تهمة التعامل مع المغول في سبيل القضا على
الدولة العباسية، وتتهم هذه الدولة باستدعاالمغول للقضا على
الاسماعيلية العدواللدود لها.
اما المصادر الشيعية، فتعتبر ان نصير الدين الطوسي هو شيعي
منذ النشاة، وقد تتلمذعلى يد العلما الشيعة، وحاولت
هذه المصادر ان تسلخ نصير الدين عن كل مايمت نسبته الى
الاسماعيلية، ففسرت دعوة حاكم قوهستان ناصر الدين
محتشم الاسماعيلي له انها فرصة لاغتنام هذاالحاكم صحبة
الطوسي والاستفادة منه فقط. حتى ان بعض المؤرخين الشيعة
يعتبران نصير الدين قد حكم عليه بالسجن في قلاع
الاسماعيلية، وذلك اثر اتهامه بالتقرب من الخليفة العباسي،
وبقي هناك مدة ثمان وعشرين عاما.
ومهما يكن، فان عصر الطوسي نصير الدين قد شهد سقوط
دولتين كبيرتين، هما:الاسماعيلية، والعباسية. ففي الاولى
كان فيها متنفذا كبيرا، وفي الثانية وزيرا لعب دورا فاعلا على
انقاض الدولة العباسية في ظل الحكم المغولي الجديد.
بدا نصير الدين الطوسي مرحلة جديدة من مراحل نضوجه
العقلي، واخذ يمارس دوراعلميا واداريا بارزا في الدولة
المغولية. فقدشرع هولاكو في الاستفادة من العقول المتخصصة
في التخطيط لمستقبل هذه الدولة ، وكان الفيلسوف الطوسي
على راس هؤلا، فقد تمكن من تطوير الثقافة المغولية وتحويل
الغزو المغولي الى غزوثقافي ، حينما نقل الغازين الجدد
لمرحلة متقدمة من المشاريع العلمية التي لم تالفهاتلك
الحاضرة بالشكل الذي كانت عليهافي تلك المرحلة، ومن اهم
اعماله:
ف الاشراف على الاوقاف الاسلامية
ف تاسيس اكاديمية علمية وانشا جامعة شاملة متخصصة
ف اقامة اعظم مرصد عرف في الشرق بمدينة مراغة، وتشييده
مكتبة حفلت بالكتب الثمينة
ف ارجاع العقول التي هاجرت بعد الغزوالمغولي والاستفادة
منها في تشكيل لجان عليا تشرف على ثقافة البلاد.
ونصير الدين الطوسي وان لم يشتهر فقيهااو زعيما للطائفة
الشيعية، الا ان شخصيته الفلسفية العلمية، ووجوده في قلب
السلطة المغولية جعلتا منه معلما بارزا من معالم تحول مؤسسة
الفقها ذات المباني العلمية الى مؤسسة تركزت في قلب
السياسة والاحداث.
وبعد وفاة الطوسي انتقلت الزعامة الشيعية الى تلميذه الحسن
بن يوسف بن المطهرالملقب ب (العلامة الحلي) ، وقد
اصبحت الدولة المغولية في ذلك الوقت مجزاة الى ولايات،
فسميت ب(الدولة الاليخانية)،وقد اعتبر الدكتور القزويني ان
العلامة الحلي كان مرشدا للدولة الاليخانية هذه.
ويرى القزويني ان المصادر الشيعية تحاول تنزيه العلامة الحلي
عن الدخول في حقول السياسة ، الا ان الاحداث
التاريخية والمؤشرات تؤكدان على تاثير العلامة المباشر على
سير المجريات الثقافية فيمابعد في عهدي السلطانين محمود
غازان واوليجايتوخان المعروف باسم خدابنده.
فبعد تسلم هذا الاخير الحكم تم اعلان المذهب الشيعي مذهبا
رسميا للدولة المغولية. كان المخطط لهذا الاعلان هوالعلامة
الحلي، والمنفذ له هو السلطان نفسه.وقد تفاوتت الاقوال في
سبب تبني اوليجايتو المذهب الشيعي، بعدما كان اخوه غازان
ايضا قد غازل علما الشيعة من قبل عبر زيارته لمراقد الائمة
الشيعة في العراق.
فمن هذه الاقوال ان خدابنده قد اعلن تشيعه بسبب ردة فعل
جرا خلاف مذهبي وقع بين الحنفية والشافعية، فاراد
السلطان ان يحسم النزاع بين المذهبين بالدعوة للمناظرة في
بلاطه، وقد استطاع احدالشيعة الحاضرين ان يبين صحة
المذهب الشيعي وبطلان المذاهب الاخرى.
ومنها، القصة الشهيرة التي تقول بان السلطان اوليجايتو قد
طلق زوجته ثلاثافي مجلس واحد، وهو ما يستدعي زواجهامن
شخص آخر حتى يستطيع ارجاعها الى ذمته، وهذا الحكم على
المذاهب السنية كافة، سوى المذهب الشيعي الذي يعتبرهذا
الطلاق طلاقا واحدا فقط، فارادالسلطان ان يعرف صحة
الاقوال، فجمع العلما من جميع المذاهب ، فتغلب
العالم الشيعي الحلي على علما المذاهب الاخرى، مما جعل
السلطان يتبنى المذهب الشيعي ويعلنه مذهبا رسميا في
الدولة المغولية.
هذه الحكاية الشهيرة في الاوساط الشيعية والتي لم يتحدد
مصدرها التاريخي بشكل دقيق، قد اعتمد عليها القزويني
وجعلها من الاقوال الاقرب صحة لتحول السلطان المذهبي!
وقد قام العلامة الحلي وقتئذ بكتابة مؤلفات عديدة نزولا عند
رغبة اوليجايتو،واغلبها مؤلفات مذهبية بنيت لاثبات صحة
المذهب الشيعي في قبال المذاهب الاخرى.
ولكن بعد وفاة السلطان خدابنده لم ترد اية اشارة عن صلة
العلامة الحلي بولده ابي سعيد بهادر خان، الذي تولى
منصب الخلافة وهو ابن الثانية عشرة من العمر،وذلك بسبب
انتقال النفوذ الحقيقي للسلطة للامير جوبان ابن الملك تناون
واولاده الذين استولوا على ادارة الحكم بشكل فعلي.
وبعد وفاة العلامة الحلي انتقلت الزعامة الشيعية الى ولده
محمد بن الحسن الملقب ب(فخر المحققين)، الا انه لم تظهر
لفخرالمحققين صلة بالايليخانيين مثل والده،بسبب عدم
استقرار الوضع السياسي،ولتشتت مراكز القوى الحاكمة في
البلاد.
وكل ما عرف عن نشاطه السياسي منذبداية حياته، هو انه كان
شريك والده في رحلاته، كما كان احد الاطراف المشتركة في
المناقشات الجدلية التي كانت تدور في بلاط السلطان خدابنده
مع علما المذاهب الاسلامية في بعض الاوقات.
ولعل اهم ما يذكر في هذا الصعيد في حياة فخر المحققين، هو
تتلمذ احد اهم الفقهاالشيعة على يديه، وهو الشيخ شمس
الدين محمد بن مكي العاملي المعروف بالشهيدالاول.
مدرسة جبل عامل
تعتبر مدرسة جبل عامل العلمية المدرسة الابرز بدا من القرن
الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي)، وقد تجلت اهميتها
مع بروز رائدها الاول الشهيد الاول(786ه - /1384م) .
بقيت الصلة بين ابنا جبل عامل وفقهائهاوفقها مدرسة بغداد
قائمة عبر العصور،وقد شهدت مدينة الحلة نشاطا مميزاللجيل
العاملي، تجلى بتلمذة الشهيد الاول على يد فخر المحققين.
وقد شهدت مرحلة ازدهار المدرسة العاملية ازمة بين الشيعة
ودولة المماليك،فقد امتازت هذه الدولة بالعنف،
واعتمادالوسائل المختلفة في قمع الخصوم. وقد مرالشيعة في
ذلك الوقت بمازقين كبيرين تمثلا اولا: بمذابح كسروان التي
وقعت تحت حكم المماليك البحرية عام(705ه - /1306م)، والتي
غيرت في تركيبتهم الاجتماعية.
وثانيا: بمقتل زعيمهم الشهيد الاول على يدالمماليك البرجية
(الشراكسة).
وكانت بين هاتين المرحلتين فترات اتصال وتفاهم بين الشيعة
والمماليك الاتراك وفرت اجوا من الحرية الدينية لنمو
التشيع في تلك الحقبة.
ويرى القزويني ان تاريخ الاضطهاد الطائفي ضد الشيعة بدا في
مصر وبلاد الشام عندسقوط الامبراطوريات الشيعية،
وهي الدولة الفاطمية في مصر على يد صلاح الدين الايوبي
(567ه - /1171م) ، والدولة الاتابكية البورية على يد نور الدين
زنكي عام (549ه - /1154م) .
وبعد تفكك الدولة الايوبية نهض المماليك الاتراك للسيطرة
على زمام الحكم في مصر، وكانت سياستهم مشابهة -
بحسب النصوص - لسياسة اسلافهم في محاربتهم للتشيع في
مصر وبلاد الشام.
وقد افرد القزويني عنوانا خاصا لمذابح كسروان، وشكك في
كونها مذابح استندت للصراعات المذهبية بين السنة
والشيعة،فبعد ان يستعرض تفاصيل الحادثة التي وقعت
عام(705ه - /1305م)، يظهر بطلان ما يذهب اليه اكثر المؤرخين
من ان الانتقام المملوكي كان بفعل فتاوى صدرت من علما
السنة وعلى راسهم الامام ابن تيمية،والذي شكك ايضا في
نسبة نص الرسالة المنسوبة اليه في وجوب قتال
الشيعة وتصفيتهم.
وضع القزويني ملاحظاته على الحادثة على الشكل التالي:
- الاضطراب في سنة وقوعها.
- والاضطراب في تحديد الهوية المذهبية لسكان كسروان، هل
انهم دروز او موارنة او من النصيرية او من الشيعة.
- والاضطراب في سير المعركة وغموض تفاصيلها.
- كذلك تضخيم دور ابن تيمية في هذه الحادثة.
فكل ذلك يصب، بنظره، ضمن تيار التاريخ المعلب او المنظومة
الوهمية للتاريخ.
وفي سياق الاحداث ذاتها يؤكد القزويني ان مقتل الشهيد الاول
لم يكن بفعل مؤامرة مذهبية نسجها علما السنة ، وانما
كان ذلك بفعل الصراع السياسي الذي قام بين المماليك
البحرية (الاتراك) والمماليك البرجية (الشراكسة) الذين قاموا
بالاستيلاعلى الحكم في بلاد الشام، والذي راح ضحيته الشهيد
الاول، لكونه يعتبر من الرموز السياسية للسلطة السابقة.
وفي الوقت عينه يؤكد القزويني ان الشهيدالاول لم يقتل
بالطريقة التي تناقلتهاروايات المؤرخين، وهي اعدامه
والتمثيل بجثته. بل، كان ضمن معركة شرسة قامت في جزين
بين سلطة المماليك البحرية والبرجية، وهي المعركة المسماة
ب(معركة الشهدا).
ومهما يكن فان الشهيد الاول كان احدالمجددين الافذاذ في مسيرة المرجعية الشيعية، فقد نقل عن الشيخ جعفر
كاشف الغطا (1228ه - /1813م) قوله: »بقي الفقه على بكارته لم
يمسه احد الا انا والشهيدالاول ، وولدي موسى ».
وبالانتقال الى المرحلة التي تليها، فان اية نهضة علمية لم
تحدث في بلاد الشام، وبقي ثقل المؤسسة الدينية الشيعية في
مركزهاالاول مدينة الحلة، وقد مرت مدرسة الحلة بثلاث
مراحل سياسية، وهي:
- الحكم الجلايري (814ه - /1411م)
- الدولة البارانية (814ه - /1411م)
- دولة المشعشعين (857هـ /1453م).
وفي المرحلة الثانية برز الفقيه ابن فهدالحلي، وقد تميز هذا
الفقيه بقدرته على تحويل الدولة البارانية الى مذهب التشيع اثر
مناظرته لعلما السنة في مؤتمر بغدادالشهير، مقتفيا اثر
العلامة الحلي من قبل في تشيعه للدولة الاليخانية. الا ان التشيع هذه المرة اكتسب طابعا سياسيا اكثر منه طابعا فكريا
وثقافيا.
وكما كان لمدينة الحلة امتدادها نحو جبل عامل، كان لها
امتداد نحو البحرين، حيث تتلمذ عدد كبير من فقها البحرين
في هذه المدرسة، وقد ازدهرت مدرسة البحرين ازدهارا كبيرا
بعد ظهور الدولة الصفوية في ايران، وساهم بعض فقهائها بتولي
منصب القضا في ايران الصفوية او في البحرين قيام الدولة
الصفوية
.
يعتبر قيام الدولة الصفوية اوائل القرن العاشر الهجري (السادس
عشر الميلادي)اكبر حدث في تاريخ التشيع الاثني عشري، بعد
تلك التجربة الفريدة التي خاضها السلطان الجايتوخان المغولي
بعداعلانه التشيع رسميا في اطراف امبراطوريته العظمى.
تنطلق هذه الدولة وتنطلق معها جملة من الجدالات حول
علاقة الدين بالسياسة، فقدكان لعلما الدين الشيعة دورهم
البارز في السلطة السياسية لهذه الدولة العظمى، حيث يبرز
الفقيه الاكبر في العهد الاول منهاالشيخ علي بن الحسين بن
عبد العالي الكركي المشهور بالمحقق الكركي ، وقدبرزت
ملامح هذا الفقيه عند مجيئه الى مدينة هراة واقامته في
خراسان، حيث سعى لمساندة تيار الثورة الصفوية وفي محاولة
لفرض سلطته الدينية. وينقدالقزويني الكتاب المعاصرين في
مقولتهم حول اعتماد الدولة الصفوية في بداية نشاتها على
استقطاب العلما الشيعة العرب، فهو يرى على خلافهم
بان الصفويين قد انشدوا الى توحيد البلادالفارسية تحت
سلطتهم قبل مجيئ فقهاالامامية العرب الى بلادهم،
وخصوصاالفقها العامليين، حيث بداوا بالظهور في الدولة
الصفوية ابتدا من حكم الشاه عباس الكبير.
وقد شكك القزويني - كعادته - بالرسالة المنسوبة الى الكركي
وهي (نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت)، حيث تناول
فيها الكركي موضوع الخلافة،وحمل فيها على الخلفا
الراشدين.
شهدت تلك المرحلة ايضا صراعا شيعيا - شيعيا، برز فيه الشيخ
ابراهيم القطيفي كمعارض للدولة الصفوية، وناقدا
الشيخ الكركي دخوله في نطاق الجهاز الحاكم الايراني، حيث
ظهر بوضوح الخلاف الشيعي الداخلي حول موضوع السلطة مجددا، وهو ما ينبئ على عدم وجود مؤسسة دينية
متكاملة لتاريخ علماالشيعة، وان اطلاق المؤسسة على
حركة علما الشيعة لم يكن في محله كمااسلفنا.
ولم تكن الدولة الصفوية في تلك الفترة في احسن حالاتها مع
جيرانها، حيث التهديدالعثماني المستمر.فقد اتجه السلطان
سليم الى ايران وسحق الصفويين في معركة (جالديران) فاحتل
تبريز، وكسر هيبة هذه الدولة. وقد تجلى في تلك الحقبة
الصراع الطائفي على اشده، حيث لم يكن من قبل.
فقد كانت الافعال الصفوية المذهبية تقابلهاافعال عثمانية
مذهبية ايضا، مما حداباغلب الكتاب على الاعتقاد بان
الصراع العثماني الصفوي هو صراع طائفي بالدرجة الاولى.
وبالانتقال الى الدولة العثمانية الموازية للدولة الصفوية، فقد
برز فيها فقيه آخر هوزين الدين الجبعي العاملي الملقب فيما
بعدبالشهيد الثاني ، فعمل على ان يناى عن الصراع العثماني
الصفوي، ويدخل نفسه في نسيج المجتمع العثماني السني،
فاستطاع ان يجعل لنفسه كيانا في هذا الموطن المعارض
لمذهبه، حيث قام برحلة الى العاصمة العثمانية القسطنطينية
برفقة الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي الذي سينتقل الى
الدولة الصفوية فيما بعد.
استطاع الشهيد الثاني في رحلته هذه ان يقنع السلطة
العثمانية بعدم وجود ارتباط بين شيعة بلاد الشام وشيعة الدولة
الصفوية، وان يحفظ الكيان الشيعي فيها من الاضطهاد ، ومن
ثم عمل على اقامة الروابط السليمة مع فقها البلاط
العثماني،وقام بتحسين صورة الشيعة العرب. وبعدعودته من
الرحلة تلك اقام في بعلبك،حيث اصبح معلما في المدرسة
النورية،ودرس فيها مختلف المذاهب الاسلامية واعتبر ايام تلك
الفترة من افضل ايام حياته، حيث كانت العلاقة ضمن
المجتمع السني على افضل ما يرام.
اما قصة مقتله، فمع اكتنافها الغموض كبقية قصص مقتل
العلما الشيعة، والتاريخ الشيعي عموما، فان سر مقتله يعتبر
من الامور الغامضة، وهذا خلاف ما يذهب اليه معظم المؤرخين
الشيعة، فيرون ان السبب المذهبي هو اساس هذا الحدث.
ومن الجدير ذكره ان القزويني حاول ان يبدد التفسيرات
المذهبية الحادة للصراع الناشئ بين الكيانات الشيعية والدول
السنية المتعاقبة، بيد انه اعتبر ان العهدين الصفوي والعثماني
هما العهدان اللذان نشا فيهما الشحن الطائفي على اشده،
وكل المحاولات التفسيرية للحوادث التاريخية السابقة مرتكزة
لدى المؤرخين على انتاجات هاتين المرحلتين. فقد شكك
في وجود مصطلح (الرافضة) قبل هذين العهدين، وشكك في
اكثر من كتاب ورسالة لعلما الاسلام المتضمنة بعدا مذهبيا
قبل هذه الازمنة. فيرى القزويني انه ومع تزامن الدولتين
الاليخانية الشيعية والمملوكية السنية، فان التسامح الديني
كان قد شكل ظاهرة قوية آنذاك، وما حصل من مناوشات
عقائدية حينها لم يتعد النزراليسير، خصوصا ما حصل بين ابن
تيمية والعلامة الحلي، حيث لم يكن هذا الاخيريجيب على
اتهامات الاول، ليؤكد القزويني مجددا ان التاريخ لا يزال يقرا
بلغة الحاضرالمتحيز، وليس من خلال واقع الماضي المتجرد.
الاقتصاد الاسلامي
بين الاوهام المزيفة والحقائق العلمية
- الحلقة الثانية -
المشاركون: «آية اللّه السيد محمود الهاشمي» د. برويزداودي «د. الشيخ حسن النظري» د. حسين ميرجليلي «د. باقرالحس- ني» السيد عمار ابو رغيف «الشيخ محمد علي التسخير»
ملامح الاقتصاد الاسلامي في القرآن الكريم
تمهيد
ان البحث حول مسائل الاقتصاد الاسلامي له ابعاد ومجالات
مختلفة ومتسعة، ومن الطبيعي اننا لا نستطيع - مع هذا
المجال المحدود - ان نستوعب كل ذلك. ولهذا فمايشكل
حديثنا هذا ليس الا عرض لمحة من الاقتصاد الاسلامي على
اساس ما جافي القرآن الكريم بهذا الصدد.
وطبيعي ان نلتفت في مطلع الحديث الى بعض النقاط:
1 - ان القرآن الكريم، هذا الكتاب السماوي العظيم، لم ينزل
لغرض شرح النظريات والقوانين العلمية وتبيينها، بل ان الهدف
الرئيس منه هو الهداية والتربية،وسوق الانسانية نحو الاهداف
العالية التي خلقت لاجلها. وان هذا الموضوع ليرتبط اكثر من
غيره بفلسفة الانسان ومعرفته عن نفسه، وعن العالم والمبدا
والمصير، ولهذانجد القرآن الكريم عموما يتحدث في
اطارالمسائل، ويطرح العلاقات العلمية والقانونية بالقدر الذي
يقرب الانسان الى هذا الهدف.
2 - ان ما جا في القرآن الكريم بلحاظ المسائل الاقتصادية، انما
يتعلق في الواقع بالمذهب الاقتصادي لا علم الاقتصاد،بمعنى:
ان القرآن لم يتحدث مطلقا عن العلاقات الاقتصادية، او علاقات
العرض والطلب والقيمة، او علل التضخم والركودالاقتصادي،
ذلك لان مثل هذه المسائل،وهي علمية محضة ورهينة بكشف
الواقع الخارجي، سوا كانت في مجال الطبيعة والفيزيا، او في
مجال المجتمع والتاريخ يتم الحصول عليها بواسطة قوة
العقل والتجربة الانسانية.
اما ما يكتسب اهمية اكبر لدى الانسان،ولا يمكن الحصول عليه
من خلال العلم والتجربة، فهو المذهب الاقتصادي الذي يشمل
المسائل التقييمية والفلسفية والتربوية والحقوقية في مجال
المجتمع والعلاقات الاقتصادية المسيطرة عليه،ولذلك نجد
القرآن باستمرار يتحدث عن هذه المسائل، وحتى لو تحدث
عن العلاقات الاقتصادية، فانه هنا ايضا يمنحهانظرة مذهبية
عقائدية، وهذا ما نلاحظه في مستقبل البحث.
3 - ان الايات التي نتعامل معها - من الزاوية الاقتصادية - في
القرآن الكريم،تتجه - في اكثر الموارد - الى الكليات الحقوقية،
والاتجاهات والاهداف والاسس والمعالم الاساسية للنظام
الاقتصادي الاسلامي. اما التفصيلات الحقوقية، وفروع المباحث
الاقتصادية الاسلامية، فلا يمكن الحصول عليها كلها من الايات
الشريفة،وانما علينا بهذا الصدد ان نلجا الى المصدرالاخر
للحقوق الاسلامية، اي السنة والاحاديث الشريفة للرسول
الاكرم (ص)والائمة الطاهرين.
ولما كان بحثنا يقتصر على النظام الاقتصادي الاسلامي بالقدر
الذي يعكسه القرآن الكريم، فاننا سوف لن ندخل في تلك
البحوث المفصلة، ونرجئها الى بحث اكثر اتساعا وعمومية حول
الاقتصادوالاسلام.
4 - والنقطة الاخرى التي يجب التوجه اليها بكل تاكيد هي
مسالة الدور الذي تقوم به النظرة الكونية، واسلوب التفكير
الذي يمنحه القرآن للمسلم في مجال النظام الاقتصادي الذي
نرمي اليه.
ذلك اننا لا نستطيع ان نفصل الجوانب الاجتماعية للانسان عن
المحتوى العقائدي ونوع معرفته مطلقا. والحقيقة ان
عقيدة الانسان هي التي تصوغه من الداخل،وتصنع بالتالي
ظروف ايجاد المجتمع وروابطه واهدافه الاجتماعية
المطلوبة.والعقيدة هي لوحدها القادرة على ان تفسروتوجه كل
القوانين والمقررات الاجتماعية المتعلقة بالسلوك والحركة
الانسانية، وعلى اساس من النظرة الكونية يمكن
للقوانين والنظم الاجتماعية ان تقع موقع القبول لدى افراد
المجتمع، وتحصل بالتالي على ضمانات التنفيذ. وبالمحصلة
فان النظرة الكونية هي التي تمتلك الدور الرئيس الحاسم الذي
يؤثر بشكل مباشر او غيرمباشر في ايجاد الانسجام العام،
والايصال الى الاهداف المنشودة لدى مذهب اقتصادي معين.
بل، ان كل النظم الاجتماعية للاسلام تعتمداكثر من اي شي
آخر على هذا البعد، وهوبعد اساسي مضموني بلا ريب، فهو
عبرهذا الاسلوب من التفكير، والقناعات القائمة على اساس
مثل هذه المسائل العقائدية والتربوية، يسعى دائما لتامين افضل
سند للتنفيذ الدقيق للمسائل الاقتصادية في ظل نظام
اقتصادي عام.
هذا مع ملاحظة ان الافراد مع الاحتفاظ بحريتهم واختيارهم
يلتزمون بالعمل بوظائفهم القانونية في المسائل الاقتصادية -
باعتبار ذلك عبادة قائمة على اساس العقيدة - دون اية حاجة
الى الضغط والاجبار من الحكومة، وانما نجدهم يتبرعون
لتحقيق الاهداف الاقتصادية. بل،نجدهم يقدمون حاجات
الناس والمجتمع على مسالة تامين رفاههم الشخصي.
الامرالذي نشاهد له في طول التاريخ الماضي شواهد كثيرة - لا
يمكننا فعلا استعراض بعض منها - في المجتمعات
الاسلامية،رغم عدم توفر المجال الاسلامي المطلوب تماما،
وحاكمية الطواغيت غالبا.
ومع وضوح النقاط السابقة، نعمد الى بيان ملامح النظام
الاقتصادي الاسلامي، وفقالما ورد في القرآن الكريم، ويمكن
تقسيم المقال الى المباحث التالية:
المبحث الاول: المعايير والاهداف
المبحث الثاني: نوع الملكية في النظام الاقتصادي
المبحث الثالث: الحرية الاقتصادية
المبحث الرابع: التحديد من الحرية الاقتصادية
المبحث الخامس: الضرائب الاسلامية ودورها في التوزيع
المجدد
المبحث السادس: دور الدولة في الاقتصادالاسلامي
المبحث الاول: المعايير والاهداف
اولا - التوحيد والايمان بالغيب:
يعتبر التوحيد والايمان بالغيب اول معيارومبنى واهمها في
النظرة الكونية الاسلامية.
(....الذين يؤمنون بالغيب....) (البقرة: 3).
وعلى اساس من هذا المعيار يرى الانسان نفسه وكل شي في
عالم الوجود متعلقاتعلقا تاما باللّه تعالى.
ووفقا لهذه النظرة ينقسم الوجود الى قسمين: عالم الغيب،
وعالم الشهادة
(...عالم الغيب والشهادة انت تحكم بين عب ادك ...) (الزمر:
46)، حيث تسير ا مورعالم الشهادة والمادة وفق هدي من
عالم الغيب وهو اللّه تعالى اذيقول:(وللّهغيب السماوات
والارض واليه ى رجع الامر ك له...) (هود: 123)، ويقول ايضا:
(وع نده مفاتح الغيب لايعلمها الا هو...) (الانعام: 59).
ان ادراك كنه هذه العلاقة وسائر مسائل عالم الغيب، خارج عن
نطاق قدرة الذهن البشري، ذلك لانه نفسه في هذا العالم داخل
في اطار عالم الشهادة، والتعبيرالوحيد الذي يمكن طرحه في
البين عن هذه العلاقة هو ان يقال انها علاقة الاصل والفرع،
وعلاقة (الكنه) و(الجلوة)و(المظهر) و(الحقيقة) و(الظل)،
ذلك لان عالم الغيب هو الاصل والحقيقة، وعالم الشهادة هو
عالم الجلوة والظل، فهو متعلق دائما وتحت سيطرة مشيئة
عالم الغيب ومفتقر اليها. وكل الاشيا، وما يجري في عالم
الشهادة، انما هي تحت رقابة من عالم الغيب وهداية منه، فلا
استقلال لها ابدا،وهذا هو اهم الاصول التي اكد عليهاالانبيا
العظام خلال التاريخ، واعتمدواعليه. فالانبيا جاؤوا اساسا ليركزوا هذا الايمان وهذه القناعة في ذهن الانسان وقلبه، وهوواقع تحت تاثير ما يجرى في عالم الشهودوالمادة، ويرتفعوا بمعرفة الانسان وادراكه من المحسوس الى المعقول، ومن المشهوروالواضح والمحدود الى الغيب والخفاواللامحدود، وعلى هذه الرؤية نفسها تفسرحياة الانسان بشكل آخر، حيث تحتل مرحلة الشهود قدرا ضئيلا جدا من حياته وعمره الواقعي، وتنقسم الحياة الى قسمين:هذه الدنيا المحدودة العابرة، والاخرة اللامحدودة الخالدة، حيث تنفتح امام الانسان آفاق جديدة، وتولد مفاهيم جديدة عن الربح والخسارة هي اسمى من مستوى المفهوم العادي للمنافع في هذاالعالم، ولا تعود الحياة تعني منافع ايام من هذه الدنيا، بل المهم والاكثر بقا هي الحياة المستقبلية. |
|---|