الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

وبسبب التناقض بين تطلعات الانسان الفردومصالح المجتمع، ياتي تمزق شمل الانسجام المفترض بينهما، ومع ذلك، فان اللّه سبحانه وتعالى وبسبب حبه لمخلوقاته، منح هذا الانسان علاجا شافياهو الاسلام، دين التوحيد، القادر على توجيه وتلبيه تطلعات الافراد ورغباتهم،وتوحيدهم في عمل مشترك، باعتباره عزوجل يدرك جيدا مصالح المجتمع المتعددة والمتباينة. ولذلك فان الحياة الانسانية بحاجة الى دين صاف ونقي، قادرعلى ادارة هذه المصالح المتشابكة بشكل صحيح، وعلاج الصعب المستعصي فيهاوفي عموم المجتمع البشري، ولهذا يجب ان تحكم النشاطات الاقتصادية باحكام وقيم هذا الدين، الذي بامكانه قيادة الافرادوالمجتمعات ووضع الجميع على الجادة الصحيحة، وتطبيق الاقتصاد كوسيلة من وسائل العيش الكريم في هذه الحياة.

خاتمة ((407))واستنتاج كما ذكرنا من قبل، ان كلمة (اقتصاد) تعني حرفيا حالة الاستوا او التوازن والاعتدال،ولقد اشتق هذا المصطلح من الفعل(اقتصد)، والذي اصله كلمة الجذر (قصد)،هذا الجذر او هذه الكلمة وغيرها من الاشتقاقات مذكورة في القرآن، وقداستخدمت من قبل الرسول (ص) واصحابه واتباعه.

اذن، فالمصطلح تاريخيا - اعني مصطلح اقتصاد - يرجع الى الورا الى الحقبة المبكرة من تاريخ الاسلام، وله ميراث يزيد على الاربعة عشرة قرنا من الفكروالتجربة الانسانية.

من ناحية اخرى، ان كلمة(ژح خذرذرح ب )بمعنى الاقتصاد ليس لها مثل هذا التاريخ الطويل، لانها لم تستخدم الاقبل حوالي مئتي سنة مضت.

ورجال الاقتصاد الماديون يرتكزون اساساعلى فائض القيمة والمنفعة والربح والثروة وغيرها. وهذا يعني ان مضاعفة الربح اوالمنفعة تقود بالضرورة الى الاحتكار الذي يسب ب الظلم وفقدان العدالة.

وعلى العكس من ذلك يدعو الاقتصادالاسلامي ويقود الى الاعتدال والمساواة والتوازن في كل شي. وهذه تنسجم تمامامع قيم وقوانين الاسلام، حيث يقول اللّهسبحانه وتعالى:

(انا كل شي خلقناه بقدر) (القمر: 49).

ويقول ايضا: (والارض مددناها والقينا فيهارواسي وانبتنا فيها من كل شي موزون - وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين - وان من شي الا عندناخزائن ه وما ننزله الا بقدر مع لوم) (الحجر:19 - 21).

وهذه هي حالة الاقتصاد بكامل معناهاوتفسيرها، حيث كل شي مخلوق باعتدال وتوازن، وموجود وفق معيار ومقياس دقيقين محكمين. ولهذا، فلا مجال للتجاوزاو الاسراف او الابتعاد عن الحد في الاقتصاد، لانه سبحانه وتعالى خلق كل شي بقدر.

ولذلك، فان على الانسان ان يطبق مبادئ الاقتصاد في جميع اعماله وافعاله ومواقفه((408)). وان عدم اتباع قوانين الاقتصادبالمفهوم الاسلامي، يعني ارتكاب الخطاالذي يقود بالضرورة الى الظلم والفسادوفقدان العدالة، وهذا يعني بالنتيجة اوبالمحصلة النهائية دمار المجتمع الانساني((409))، ومعه دمار الحضارة الانسانية بطبيعة الحال.

ان اتباع الاقتصاد يعني تطبيق سنة اللّه، اي قانون اللّه واوامره التي لا تتغير ولاتتبدل((410)). وهذا يعني ايضا، ان الاقتصاد، بمعنى الاسراف، ليس خيارا من عدة خيارات، ولكنه الخيار الوحيد الذي يمكن للانسان تطبيقه بشكل صحيح،لانقاد المجتمع الانساني والكائن البشري من الامراض الاقتصادية والاجتماعية المحيطة به من كل حدب وصوب، وهذه الحقيقة مذكورة جليا في القرآن، حيث يقول عزمن قائل:

(وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى اللّهورسوله امرا ان يكون لهم الخيرة من ام رهم ومن يعص اللّه ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) (الاحزاب: 36).

واخيرا وليس آخرا، ان الاقتصاد بمفهومه الاسلامي، طبعا، هو الحل الممكن الوحيدلتحقيق العدالة والمساواة، وانقاذ العالم من ازماته الاقتصادية او حلها حلا مناسبا.

 

مشروع التنظير الاقتصادي الاسلامي
 
عند السيد محمد باقر الصدر((411))

 السيد عمار ابو رغيف

نقله عن الانجليزى ة: مختار الاسدي ولد السيد الشهيد محمد باقر الصدر في بداية النصف الثاني من القرن الرابع عشرالهجري (في بداية الثلاثينات 1930الميلادية) في مدينة الكاظمية، احدى ضواحي العاصمة العراقية بغداد، حيث الاقامة الدائمة لجده الامام موسى الكاظم(ع)، وحيث يحكي كل (شبر) في هذه المدينة حكاية صراع الاجداد ضد الظلمة والطواغيت.

ولد السيد الصدر من اب متنسك عابد،هادئ الطبع، عرف بالتواضع والبساطة والزهد، رغم كونه معروفا بعلمية متميزة وثقافة نيرة وعائلة نبيلة.

كان محمد باقر طفلا لم يبلغ من العمرسوى اربع سنوات عندما توفى والده تاركااياه تحت رعاية اخيه الاكبر (اسماعيل الصدر) مع اخته الطفلة آمنة، الاصغر منه سنا، وهكذا نشا الطفلان تحت رعاية امهمها وحنان اخوالهما.

والدة السيد محمد باقر هي ابنة العالم العظيم السيد عبدالحسين آل ياسين،وشقيقة ثلاثة من كبار علما الاسلام المعروفين. وهكذا اهتم هؤلا الاخوال بالسيد الشهيد اهتماما بالغا، حرم ايضا من اعمامه المقربين الذين اختاروا العيش في ايران، حيث كان جده قد هاجر الى هناك واستقر في ذلك البلد.

جده الكبير السيد صدر الدين العاملي كان قد هاجر من منطقة جبل عامل في جنوب لبنان الى مدينة النجف الاشرف في العراق،بحثا عن العلم والمعرفة في هذه الحاضرة وجامعتها العلمية المعروفة.

بعد اتمام دراسته انتقل هذا الجد الى مدينة اصفهان في ايران، حيث استقر فيها ورزق عدة اولاد، منهم: السيد اسماعيل، جدالسيدمحمد باقر والذي كان قد ذهب الى العراق ليعود بعدها بفترة قصيرة الى اصفهان،ويمضي بقية حياته في هذه المدينة.

اما السيد حيدر - والد السيد الشهيد الصدر - فهو الابن الوحيد للسيد اسماعيل الذي كان قد اختار البقا في العراق. فقد رحل السيد حيدر الى ربه دون ان يترك حتى قوت يوم لعائلته، الا ان هذه العائلة كان لهاايمان عميق جعلها او ساعدها على تحمل كل صعوبات الفاقة والفقر.

السيد اسماعيل الصدر، الابن الاكبر للسيدحيدر، توجه الى طلب العلم والمعرفة، فنشاالسيد محمد باقر وشقيقته آمنة في اجوااسلامية كاملة النقا، شا اللّه تعالى ان يختارها لهما بكامل لطفه وعطفه ورعايته.

فتح السيد الشهيد الصدر عينيه في بيئة علمية راقية، تقدر المعرفة تقديرا عاليا،وتحترم القيم والالتزامات، ويعتبر فيهامصدر الافتخار الاول هو البحث العلمي والاخلاص والاستقامة.

وحال دخول السيد الشهيد المدرسة الابتدائية تعلم على الفور جميع قواعدالقراة والكتابة. ومنذ الايام المبكرة في هذه المرحلة اظهر من الذكا والعبقرية شيئا متميزا وغريبا اثار اهتمام جميع اقرانه وادهش اساتذته ومعلميه.

ومنذ ذلك الوقت، لم يشكل المنهج الدراسي او المدرسي المتبع في المدرسة اي تحد حقيقى بالنسبة لهذا التلميذ الذكي،ولذلك بدا دراسته خارج اطار المنهج المدرسي، وراح يقرا مختلف النتاجات الادبية المنشورة في زمانه، حتى تلك المتعلقة ببيئة او محيط غير بيئته او محيطه،بل وخارج تلك المحددة له من قبل اساتذته. وبالاحرى، يمكن القول انه كان يصغي بشكل جيد الى محاضرات معلميه،ويستفيد منها ويثريها.

ومن هنا، اصبح محمد باقر ظاهرة فريدة في مدرسته، ليس لعبقريته الفذة وحسب،وانما لشخصيته المتميزة، وعرضه الرائع،وحججه او محاججاته الدقيقة، ناهيك عن قوة طرحه، وحتى علاقاته الشخصية.

لقد استحوذ هذا الطالب على قلوب جميع اصدقائه وزملائه، الذين اعتادوا ان يتحوطوه في باحة المدرسة، ويستمعوا الى طرحه المتميز حول الاسلام والفلسفة،والمفكرين العظما، والثقافة، والفكر، ومايدور حول هذه المحاور والمواضيع في شرق الارض وغربها. وفيما كان اساتذته يغبطونه ويثنون عليه، كان من جانبه يظهرقدرا كبيرا من الحيا والتواضع.

لم تقتصر علاقاته الاجتماعية على محيطه وبيئته، او لم تتوقف، وانما راح مشاركاوفاعلا في جميع الفعاليات والنشاطات والمناسبات التي يدعى اليها. وكان لايتوقف، بل لا يكل عن القا الدروس والمحاضرات على جماهير الناس الذين كانوا يتجمهرون في باحة مرقد الامام على(ع)، وفي كافة المناسبات الدينية، وفي مختلف الموضوعات وعلى مدار السنة.

في عامه الحادي عشر درس السيد محمدباقر المنطق الارسط ي، وبعد اتمامه ذلك كتب اول دراسة تحليلية حول هذا المحور،وكانت هذه اشارة ابتدائية لافتة الى نقاش جاد ومحوري في هذا الاتجاه، حيث شكلت فيما بعد معالم شخصيته كفيلسوف ومفكر.

ومن هذه الانطلاقة انخرط السيد محمدباقر الصدر في الحوزة العلمية لينال موقع الاستاذية على كل من سبقه في هذاالتوجه.

وفي تلك الاثنا بدا هذا الشاب،ومن فترة لاخرى، انقطاعات وغيابات ابعدته رويدا رويدا عن مدرسته العامة ودروسه الاكاديمية في المدرسة. ثم وباجازة اساتذته الذين قدروا مواهبه الخارقة، سمحوا له بالعودة الى المدرسة لادا الامتحانات في نهاية كل عام دراسي.وكالعادة، كانت نتائج امتحاناته المدرسية متميزة ومدهشة، ولكنه لم يكمل تعليمه الرسمي في المدارس الاكاديمية، وانما ترك المدرسة وهو بعد لم يتم المرحلة الابتدائية فيها، والتحق بالنجف الاشرف، حيث كانت جامعتها الكبرى تعج بكبار العلما في الشريعة، وطلبة العلوم الدينية من جميع انحا العالم الاسلامي في تلك الفترة،وحيث وجد فيها ما كان يرنو اليه، او يرنوجاهدا لتحقيقه.

التقليد المتبع في حوزة النجف العلمية، وفي المدارس الفكرية الشيعية، يقتضي بان على طالب العلوم الدينية ان يعبر ثلاث مراحل:

الاولى: اجتياز مرحلة دراسية تهتم باسس وقواعد اللغة العربية، والبلاغة، والمنطق،والفقه على مستوى الفتوى.

المرحلة الثانية: وتعنى بتوجيه الطالب نحوالتركيز على دراسة اسس اصول الفقه الاسلامي، وقواعد استنباط الحكم الشرعي، جنبا الى جنب مع دراسة تطبيقية مستفيضة للفقه الاستدلالي، ولا تنفك هذه الدراسات عن دراسته الاصولية في المرحلة الاولى.

اما في المرحلة الثالثة: فيفترض بالطالب حضور دروس مركزة لكبار الفقها من اجل حيازة او استيعاب ما حاز عليه الفقهاانفسهم في بدايات تعلمهم. اذ ان الطالب في هذه المرحلة يدرب على اتقان طريقة بناالقاعدة الاصولية، وطريقة انتقا هذه القاعدة او تلك كوسيلة من وسائل البرهان او الاستدلال. اضافة الى ان الطالب يؤهل في هذه المرحلة على اسلوب استنباط الفتوى وفقا الى القواعد والاصول المعدة لهذا الهدف.

ان معدل ما يستغرقه الطالب في المرحلتين الاولى والثانية ربما يصل الى ثماني سنوات تقريبا، كما عليه في ذات الوقت اوبالضرورة دراسة الكتب المتعلقة بالمنهج الدراسي، اضافة الى ضرورة استيعابه للمحاضرات التي يتلقاها من اساتذته في الدروس المنهجية الخاصة او خارجها.

كان شهيدنا على هذا الصعيد استثنائيا، فقداشغل نفسه عبر الدراسة في النجف الاشرف((412)) ، فكان معدل ما يستوعبه من دروس في يوم واحد ما لا يستوعبه الاخرون من طلبة العلوم الدينية في اسبوع. لقد اعتاد ان يقضي اياما متواصلة وحيدا داخل البيت، ومنفردا مع نفسه وكتبه، منهمكا تماما في الدراسة والمطالعة دون ان يقوم باي عمل آخر. ومع ذلك فان دراسته لم تقتصر على مدرس واحدومحدد خلال المرحلتين الاوليتين من دراسته في الحوزة، ولكنه في الواقع حضردروسا متنوعة، واستمع الى محاضرات ومحاضرين متعددين دون ان يكون تلميذامنتظما لاي واحد من اولئك الاساتذة اوالمحاضرين. كان يستشهد بعبارات الفلاسفة والمفكرين مرات متكررة، اشعارامنه انه استفاد من الكتب ونهل منها اكثربكثير مما تعلمه من اساتذته في مرحلة السطوح، وهي المرحلة الثانية من الدراسة.

لقد شرع في تلك الاثنا حضور دروس على يدي خاله واستاذه، فقيه تلك الحقبة،الشيخ الكبير الراحل محمد رضا آل ياسين(رضوان اللّه تعالى عليه)، الذي كان المستمعون لمحاضراته يتشكلون من كبارالفقها وجهابذة العلما في النجف الاشرف، وذلك للمعلومات الغزيرة والعميقة التي كان هذا الشيخ الجليل يتوفر عليهاويقدمها الى مستمعيه.

كان مظهر هذا الشاب الحاضر بين هؤلايعطيهم الانطباع انه لن يستطيع مواصلة الحضور معهم، وذلك بسبب عمره الصغيرآنذاك، وانه (اي السيد محمد باقر الصدر)سوف لن يستفيد كثيرا من تلك المحاضرات ذات المستوى المتقدم بعض الشي. وحينما كان الاستاذ المحاضريعرض هذه المشكلة الفقهية او تلك على التلاميذ، من اجل حلها او التعاط ي معها،كانت استجابة السيد الشهيد الى تلك المعضلة تجعل من استاذه يدرك مبكراوبوضوح بان ابن اخته الصغير يمتلك من المؤهلات ما لا يمتلكه اي واحد من المستمعين او الطلبة الكبار الحاضرين.

وهكذا اضحى السيد محمد باقر الصدر اواصبح نجما لامعا في دائرة الفقه، واستمرمواظبا على الحضور في دروس خاله الفقهية حتى رحيل الاخير الى ربه.

كان السيد الشهيد في تلك الفترة ايضايحضر دروس الفقه والاصول التي كان يلقيها العالم البارز السيد ابو القاسم الخوئي الذي تنبا هو الاخر او ادرك ملامح العبقرية والذكا في تلميذه الشاب، واعترف في اكثر من مناسبة، بقابلياته العلمية وعبقريته وتفوقه مفتخرا ومتباهيا به طبعا.

الطلبة، هم الاخرون، لم يكونوا ليحرموا من موهبة وعبقرية السيد الصدر، لانه كان يعرض مؤهلاته وقدراته العلمية عملياامامهم وبحضورهم، وذلك وفقا للطريقة المالوفة في الدراسات الحوزوية، عندمايقوم الطالب بتدريس المادة، التي كان اتقنها، وعرضها امام الطلبة، اذ كان في الحقيقة قد درب العديد من الطلبة الذين كانوا يواصلون دراستهم في مراحلهاالثانية. وهنا يمكن القول، ان بعض هؤلاكان قد رافق السيد الشهيد علميا وعملياحتى النهاية.

لقد كان الرجل في الغاية، او اصبح شخصية متميزة في التصدي لاصدار الفتاوى الشرعية، وهو لم يزل بعد في العشرينات من عمره، كما اعلن بذلك او صرح به عددمن الفقها المعاصرين له. انني اعتقد بان مدرسته في الفقه والفكر الاسلاميين اصبحت متميزة ومعروفة عندما كان في منتصف الثلاثينات من عمره الشريف.وهذا يعني ان مبادئ مدرسته الفكرية في اكثر ملامحها اشراقا وابداعا، كانت قدتاسست في تلك الفترة من عمره.

لقد ذكرنا توا، بانه خلال المرحلة الثالثة من الدراسة، اي مرحلة اعداد المعلمين، كان السيد منهمكا ومباحثا لاساتذة متميزين في الفقه والحكمة، وكان من بين اولئك المبرزين الشيخ صدرا البادكوبي الذي تحمل مسؤولية تدريس الفلسفة في حوزة النجف، والتي كان موقفها - اي موقف هذه الحوزة - سلبيا تجاه الحكمة وتدريسها في تلك الفترة.

السيد الصدر لم يهمل الاستفادة من استاذه،ولكنه طلب منه ان يتوسع ويجتهد في دراسة الاسفار((413)) ، ولذلك فانه قرامعه بعض مجلداتها.

ان تركيزه على الفقه لم يمنعه، بين فترة واخرى، من النظر في المواضيع المعاصرة المتعلقة بالثقافة والفكر في بلده او في العالم، ولم يحل بينه وبين تقديم نتاجات بالغة الاهمية على هذا الصعيد، ولذلك رايناه يكتب في اعقد المسائل المتعلقة بالفقه والاصول، لا سيما تلك التي تتناول اشكاليات وعلم الاصول العويصة، وانتج بحوثا في هذا المجال سميت (غاية الفكرفي اصول الفقه) في الوقت الذي كان يدرس اشكاليات ما يسمى (العلم الاجمالي)، وكذلك كتب كتابا تناول فيه،كباحث قدير، واحدة من اهم المواضيع التاريخية الحساسة في العصور الاولى للاسلام، وكتب فيها وباسلوب الخبيرالمتخصص الكفوء، وجات في كتاب تحت عنوان (فدك في التاريخ).

لقد اتسعت آفاقه الفكرية والثقافية بحذروحساسية بالغة، فيما تحولت حالة اليتم لديه او حولته الى طاقة ايجابية هائلة اضحت تكن حبا عظيما للناس، مع ضميرمرهف، وشخصية انسانية فذة، وكانهاتحمل عب الانسانية كلها، مع ارادة حازمة تتعاط ى مع اي تحول اجتماعي، وهذا يعني ان الفقر لم يقلل من فاعلية قيمه العليا التي يؤمن بها، بل على العكس تركت في اعماقه شعورا كبيرا بالمسؤولية تجاه الفقراوالمعوزين، مبرهنا وبشكل لا يقبل الشك بان الثروة او المال ليسا كل شي في الحياة، ولذلك تراه فضل الزهد في حياته،ولم يترك اية ثروة او تركة يمكن لاية سلطة شرعية او سياسية - صديقة اومعادية - ان تكتب ولو كلمة واحدة عنها.

لقد كان فصيحا بليغا بشكل، كما انه يعدواحدا من المفكرين القلائل الذين جعلوابحوثهم وكتاباتهم تجسد القمة في التحليل والعمق ووضوح الفكرة. اضافة الى ذلك،كان السيد ماهرا جدا في بنا افكاره اوالتعبير عنها.

لقد عاش النصف الاول من حياته البالغة خمسين عاما تقريبا دون ان يتاثر باية تحولات سياسية، ولا باية ازمات اجتماعية، ولذلك تراه قضى هذا النصف من حياته - كما قال لي مرة برتابة وهدوء - مشددا على بنا نفسه فكريا وروحيا. ثم شرع في النصف الثاني من عمره اتجاهاعمليا، وراح منهمكا تماما في علاج المشاكل الاجتماعية. ومع ذلك، فان هذه الاهتمامات والانشغالات لم تحل بينه وبين برنامجه اليومي في بنا ذاته.

لقد اعتاد ان ينام مبكرا ويستيقظ مبكراعند الفجر. اذ انه يبدا نهاره بذكر اللّه وتنقية نفسه او تطهيرها عند صلاة الفجر، ثم يبداالقراة والتدريس والبحث على امتدادالنهار.

وبعد ان انهى النصف الاول من حياته المباركة، وحيث نضجت شخصيته العلمية وتكاملت، كانت النجف قد استيقظت من سبات عميق وطويل لمواجهة الغزو الثقافي والغارات العدوانية المنظمة، والتي كانت في جوهرها معارضة لمبادئ الاسلام، وفي مقدمة هذه الافكار والغارات والنظريات النظرية الماركسية.

لمواجهة هذا التحدي الخطير، لم يكن امام النجف من خيار الا ان تجمع قوتها وتعدعدتها. وهكذا، او لهذا تشكلت ماسمى(جماعة العلما) لمواجهة هذا الغزو فكرياوثقافيا واجتماعيا. وراس هذه الجماعة الشيخ مرتضى آل ياسين، خال السيدالشهيد.

اصدرت الجماعة مجلة تحت عنوان «الاضوا»، والتي كان محركها الثقافي وموجهها ورائد جماعتها، كما ظهر في افتتاحياتها، هو السيد الشهيد ايضا، الذي مارس دورا مبرزا في دحض وابطال النظريات المادية الشائعة في حينها.

وما دام العرف السائد لا يسمح لاي شخص في مثل عمره الصغير ان يكون عضوا رسميا مسجلا في تلك الجماعة، فقداختار السيد الشهيد ان يبقى جنديامجهولافي كل نشاطاتها، ورائدا فذا بذهن متوقد يعتمد عليه خاله في كل مهماته الصعبة، ويستفيد منه كل من شا الاستفادة من موهبته.

وهكذا اصبح القلم المتميزالابرز في مجلة الاضوا بدون اي اسم اوعنوان او لقب. المدهش ان هذه الجماعة - اي جماعة العلما - تحوز اليوم سمعتهامن ذلك الاستحقاق التاريخي الخالد،وكونها تنحدر قانونيا واصالة عن ذلك الثرا، وعبر الانتساب الى هذا العلم الكبيروعنوانه الضخم السيد الشهيد محمد باقرالصدر.

بالنسبة للسيد الشهيد، كان حصاد المواجهة تلك يتطلب هجوما مباشرا على كافة المواقع الايديولوجية للفلسفة الماركسية،والانظمة الغربية، ولذا تراه انبرى كناقدجاداستطاع بكفاة ان يجهز على جميع الاسس النظرية للفلسفة المذكورة،واستبدالها بالرؤية الاسلامية في كتابيه المعروفين «فلسفتنا »و «اقتصادنا».

تلك الهجمة الثقافية على الاسلام لم تكن فقط من خلال كتيبات وكراريس كانت توزع على القر ا هنا وهناك، ولكنها كانت هجمة منظمة، ومخطط مدروس انطوى على الابعاد والملامح السياسية - الاجتماعية كافة، التي تؤهله للسيطرة على افكار الناس والهيمنة على عقولهم وقلوبهم.

هذا، وبالاضافة الى عوامل ثقافية وتاريخية اخرى كثيرة ومتنوعة، جات الضرورة لتشكيل واجهة ثقافية اسلامية للقيام بدور المتحدي لتلك المخططات،فتولدت حصيلة ذلك فكرة تشكيل حزب الدعوة الاسلامية، كاول وجود او مؤسسة اسلامية او تنظيم اسلامي للقيام بهذا الدور،اي دور التحدي والمواجهة.

كان السيد الشهيد هو المؤسس، او الطاقة المحركة، والقائد الروحي في تاسيس وتنظيم هذا التحرك الاسلامي.

في نهاية الثلاثينات من عمره الشريف، بداالسيد الشهيد تدريس المرحلة الثالثة في الحوزة العلمية وبشكل مستقل.

وبعد فترة قصيرة اصبح استاذا مبرزا ولامعا في حوزة النجف الاشرف.

في هذا العقد من عمره اقترن السيد الشهيدبابنة عمه السيد صدر الدين الصدر وضمهاالى عائلته التي لم يتركها على الاطلاق،ولم تتخل عنه هي الاخرى ايضا.

كانت عائلته تتشكل من والدته وشقيقته واخيرا ابنة عمه هذه، التي اورثته عدة ابنامعظمهم من الاناث، ولذلك تراه اهتم برعايتهن اهتماما كبيرا، واولاهن رعاية خاصة. اما رفيقة دربه، وتلميذته بنت الهدى (آمنة) شقيقته، فكانت خير عون له على ادارة البيت والعائلة. اذ انها لم تؤخراي جهد في مشاطرته طريقه الصعب الشاق، وتخفيف صعوبات البيت وترطيب اجوائه، والتي كانت بالتاكيد تتاثر تاثراكبيرا باجوا مدينة النجف وطقسهاالصحراوي الملتهب.

لا ننسى ان التي ساعدته في هذه الرحلة،ليس زوجته الوفية المطيعة فقط، فوالدته الحنونة الرؤوفة كان لها دور ايضا، الامرالذي جعل من هذا البيت عشا يرفل بالمحبة والرحمة والاخوة الصادقة في كل جنبة من جنباته.

اما عن علاقة السيد الشهيد بتلامذته، فلم يكن (رضوان اللّه عليه) مجرد استاذ بارع،ومفو ه بليغ، وشخص محبوب، وصديق مقرب. ولكن، والاهم من كل ذلك، انه كان رجلا صاحب رسالة وهدف في الحياة.ولهذا السبب كان قد اعد نفسه لتدريب وتاهيل عدد من الطلبة داخل وخارج الحوزة العلمية فلقد كانت حوزته في الحقيقة حوزة متنقلة، وصلت الى تخوم العراق الجنوبية والى جميع المدن الفقيرة في هذا الجنوب المحروم، وحتى جبل عامل وايران واماكن اخرى.

كما ان السيد الصدر لم يحصر نفسه وآفاق فكره في تدريس الفقه والاصول في مداخلها التقليدية، وانما وجهها في اطار ماتتطلبه الحياة المعاصرة ومتطلباتها الانية.وبذلك، ومن خلال تدريسه استطاع ان يترك اثرا كبيرا على العديد من الناس، بمن فيهم الفلاسفة والاقتصاديون والسياسيون وعلما الاجتماع والمؤرخون وجماهيرالمؤمنين وقاعدتهم الشعبية العريضة.

لقد شهدت الستينات من القرن الماضي نشوء جيل من الشباب انتهجوا عمليا افكارواجتهاد السيد الصدر، ولما كان همه الاكبرالذي عاهد نفسه وربه عليه هو وحدة الامة الاسلامية وسؤددها، فانه لم يدخل في صراع او عملية تحد للمرجعية الدينية التي كانت متمثلة آنذاك بالسيد محسن الحكيم،وحتى بعد سنين طويلة على رحيله.

ومع ذلك، وبسبب المعية السيد الشهيدوقدراته المتميزة، وبسبب الظروف السياسية والاجتماعية التي كانت محيطة بالعراق عموما وبشخصه تحديدا، فلقدوجد نفسه مجبرا ان يتحمل مسؤولية المرجعية او يتصدى لها وفي عموم الامة الاسلامية. ولذلك تراه انبرى لطباعة تعليقة على (منهاج الصالحين)، وهي رسالة الراحل السيد محسن الحكيم (المرجع السابق)، وبعدها قام بطباعة رسالته العملية المعروفة ب (الفتاوى الواضحة)، والتي اوضح فيها افكاره، وكيف ينبغي ان يطرح الفقه الاسلامي، ويقدم لعموم الناس.

جدير ذكره هنا، بان السيد الشهيد، وفي الاربعينات من عمره كان اصدر كتابيه التوامين (الاسس المنطقية للاستقرا)، و(البنك اللاربوي في الاسلام)، وكان الاخيرجوابا عن سؤال او استجابة لحاجة عملية كانت فرضتها ظروف الواقع المعاش آنذاك.

في الخمسينات من عمره الشريف، ركزالسيد الشهيد على انتاج او اصدار رائعته الفقهية في اطار اصول الفقه والحكمة،اضافة الى قيامه بعملين مهمين ضمن برنامج يومي هما:

1 - تدريس الفقه صباحا، والاصول عصرا.

2 - الانفتاح على الامة.

وكان العمل الثاني (اي الانفتاح على الامة)قد جا بسب الالحاح الشديد من قبل جمهور المريدين والاصحاب، الذين كان معظمهم يشكلون الطبقة الطليعية الواعي؟في الامة، ممن يحملون الفكر والثقافة.وحين اصبحت هذه الطبقة واقعا حقيقياعلى الارض، كان مجرد وجودها يسبب ازعاجا الى السلطة الحاكمة في العراق.ادرك الصدر منذ البداية، ومن لحظة الشروع في هذا العمل، ومنذ لحظة الصراع بين مرجعية النجف والنظام الحاكم في العراق، ادرك عظمة المشاكل والصعوبات التي سيواجهها عند معارضة هذا النظام الدكتاتوري الغاشم، كما ادرك ان العقدة الحقيقية في ذلك النظام، والمشكلة التي تقف خلفه هو شخص راس النظام صدام الذي كان حينها نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة في العراق.

جدير ذكره هنا، الاشارة الى ان السيدالصدر كان قد اعتقل اكثر من مرة من قبل السلطة الحاكمة في العراق، وكان الاعتقال الاخير الذي ادى الى اعدامه او استشهاده حصل عام 1400هجرية.

ان الفضا العام لافق السيد الشهيد السياسي والاجتماعي يتطلب بحثا خاصا، وليست هذه المقالة مناسبة لشرح هذا الافق، لان ذلك يحتاج الى دراسة موضوعية لاستعراض مواقفه السياسية، ورسالته الاجتماعية، والظروف المحلية والاقليمية والعالمية التي احاطت به وقادت الى استشهاده (رضوان اللّه عليه).

لقد شخص السيد الصدر منذ بداية لمعان نجمه انه مفكر ومنظر متعدد الابعادوالافاق، وذو قابليات وقدرات فائقة.

لقدكان فقيها اصل واثرى اصول وقواعدالمنهج الفقهي، اضافة الى تاصيله لمدرسة فلسفية فريدة خاصة به. ناهيك عن كونه رجلا مبدعا في دراسة المنطق، فقد اضاف في كتابه المعروف (الاسس المنطقية للاستقرا) افقا جديدا وفضا رحبا، اتى بفائدة معتبرة وقيمة للعديد من باحثي المنطق الاوربيين والغربيين عموما. ومع كل ذلك، فان صورة السيد الصدر لا يمكن ان تاتي متكاملة بدون الاشارة ولو بلمحة سريعة الى مساهماته المهمة كمنظراقتصادي مطلع وضليع.

يمكن القول انه لا يوجد في تاريخ الفكرالاقتصادي - اذا صح التعبير - رجل يمكن ان يكون بمستوى السيد الصدر. اذ انه ليس من النمط المشابه ل (كينيز) (ژحذش حپ )،وليس امتدادا لادم سمث او ريكاردو اوماركس او لينين، ولذلك فليس مناسبامقارنته مع اي من امثال هؤلا الناس. وفي الحقيقة اننا لا نستطيع ان نفهم السيد الصدردون التعريف بمواقفه ودوره المتميز في حركة الفكر الاسلامي الحديث.

ان الناظر الى اعماق الفكر الاسلامي الحديث من الداخل، يجد بانه يعتمد اساساعلى مصدرين رئيسين، هما: القرآن الكريم، والسنة النبوية. وبسبب المشاكل المتنوعة التي واجهت الفكر الاسلامي عبرتاريخه الطويل، كان هذا الفكر قد تطورونما في مدارس مختلفة ومتعددة، تختلف جوهريا احيانا في آفاقها ومناهجهاوموضوعاتها عن آفاق ومناهج الاخرين.

كان قدر السيد الصدر ان يتبنى واحدة من هذه المدارس، التي كانت متميزة ليس فقط بانفتاحها الواسع على باب الاجتهاد،والتفكير الحر للعلما والباحثين، وانمابالاعتماد على ذلك الانفتاح كونه مؤثرا في شرعية التوجه وفهم الاسلام، وقاعدة ضرورية لصحة التطبيقات الاسلامية في هذه الحياة.

وكان ذلك منسجما تماما مع فقه وافكاروتوجهات السيد الابداعية وثورته على الركود والجمود.

ومن هنا، يمكن تصنيف السيد الصدر في انه واحد من المبدعين والمجددين في الفكر الاسلامي عموما. اذ انه قدم تعريفاحادا لمنهج الفكر الاسلامي العام في كتابه «الاسس المنطقية للاستقرا»، الذي وضعه في مرتبة كبار المفكرين والحكماوالمناطقة في العالم. هذا التعريف كان له اثركبير وعميق على قواعد المنهج الفقهي فعلا، كما ان مدرسته في الاصول اصبحت نقطة تحول كبرى في تاريخ الفكرالاصولي الاسلامي. ويمكن القول ايضا بان المواضيع التي تعاطاها او تعامل معها كانت غطت مساحات واسعة في فضا تجديدالفكر الاسلامي بوجه عام.

لم يكن عمله الابداعي المتنوع ليمثل انعكاسا عقليا متناثرا، يجري انشاؤه من قبل العقل المتوثب والفريد للسيد الصدر،وانما عبر استيعاب وفهم كاملين، وضمن نظرة عالمية وكونية غطت مختلف المحاوروالمواضع.

هذه الخصيصة شاخصة في معظم افكارالسيد ومشاريعه. بدات ببحوثه المنطقية والثقافية العامة، وفقهه الاستدلالي، وانتهت بعرضه المتميز للاسلام او الفكر الاسلامي عموما. انه يمتاز بنظرة شمولية ثاقبة للاسلام، وينطوي على استيعاب كامل لمفاهيمه القيمة، التي احتوتها اعماله الفكرية مشتملة على تحكيم الدين في الحياة، وادخاله له الى عالم الانسان والواقع.

هذا الفهم الشمولي للاسلام، والذي عد من ملامح مدرسة الصدر الفكرية المتميزة، كان مقترنا مع العمق والاصالة الاسلاميتين.

ومن هنا، نلاحظ ان العديد او معظم المفكرين الذين يندرجون في مراتب المفكرين الموسوعيين، يقعون في مازق الحاجة الى العمق المطلوب والاصالة الكافية في اعمالهم الفكرية والثقافية.

وهذاشي طبيعي، لان الباحث الموسوعي المتنوع الابعاد لا يستطيع، في معظم الاحيان، الاحاطة بالافق العلمي الاصيل،ناهيك عن التوفر على العمق والثراالمطلوبين. ولكننا نشاهد في (ظاهرة)الصدر نمطا جديدا من المفكرين، يختلف تماما في مشخصاته وخصائصه غيرالمالوفة، عن غيره، كباحث خصب، كثيرالانتاج، فضلا عن كونه دقيقا ومركزاوعميقا.

ومن نظرة خارجية، وعند التامل في الفكرالاسلامي وعلاقته مع التيارات الفكرية المعاصرة، يكتشف المرء ان الدراسات والبحوث الاسلامية القائمة فعلا تفتقر الى العمق والخصوبة، لا سيما في مواجهتهاللتحديات والاخطار المتباينة المتنوعة المطروحة في عالم اليوم، وخاصة ما يتعلق بالاصالة والحداثة.

في الماضي، وعندما انفتح الاسلام على الثقافة اليونانية، لم يكن لهذه الاشكالات وجود في الواقع اولا، وثانيا لم تكن تلك الثقافة مهيمنة لتشكل تحديا حقيقيا للفكرالاسلامي، وخاصة بلحاظ الانتصارات العسكرية والسياسية التي كان المسلمون يحققونها على من يتحداهم في تلك الفترات. وفي الحقيقة، يمكن القول هنا، بان اغلب التوجهات الفكرية والثقافية آنذاك،كانت توظف او يمكن توظيفها لخدمة المشاريع والاطروحات الاسلامية في تلك الحقب الزمنية، لانها لم تكن باي شكل من الاشكال، لا في عددها ولا في عدتها اومناهجها، متفوقة على ادوات الفعل الاسلامي.

من جانب آخر، تشكل الحضارة الاوربية المعاصرة اليوم تحديا كبيرا امام الفكرالاسلامي والمفكرين المسلمين، وسبب ذلك، ان فترة السبات التي مر بهاالمسلمون، جعلت الفكر الاسلامي ينطوي على نفسه داخليا، ويركز او يتعاط ى مع همومه ومشاكله الخاصة وبطريقة متعبة ومملة، معنيا فقط بجوانب ثانوية واهتمامات ضيقة، فصلته عن العالم الحقيقي، واحدثت بينه وبين هذا العالم هوة تحسب مدتها بحسابات الزمن عدة قرون.

في تلك الاثنا استطاعت اوربا ان تطلق العنان لثورتها التكنولوجية الهائلة امام جمود المسلمين وتخلفهم التقني، لتحدث طفرة علمية، وقفزة تقدمية هائلة ايضا،مرتكزة طبعا على قيم ومنظومة معرفية بعيدة تماما عن قيم واعراف المسلمين اوتطلعاتهم وتصوراتهم.

استتبع ذلك، طبعا، نهضة كبيرة بايديولوجيات خاصة بالغرب ومنطقه وقيمه، ازاحت - بطبيعة الحال - الكثير من قيم المسلمين وثقافتهم الاسلامية. هذه الايديولوجيات احدثت مشاكل كبيرة للمسلمين وعلمائهم لم يكونوا قدتصوروها او تعاملوا معها من قبل.

نعم، ان هذا التحدي الجديد ساهم في تقسيم المسلمين الى جماعات مختلفة ومتباينة في افكارها وتوجهاتها.

فبعضهم اندفع منفعلا الى رفض الغرب وحضارته الاوربية رفضا مطلقا، مع كل ما تحتويه هذه الحضارة او جات به من صناعة وثقافة ومناهج تعليمية او تربوية.

من جانب آخر، رفع آخرون راية الاستسلام وقبول انجازات تلك الحضارة جميع، وفي جميع الحقول والمجالات مهماتعددت وتنوعت.

فيما ذهب فريق ثالث الى استيعاب هذه الحضارة او مزاوجتها مع حضارة المسلمين، بان يرفض منها كل ما يتناقض مع مبادئ الاسلام وقيمه، ويجري القبول بكل ما يمكن ان يساعد او يساهم في تقدم المسلمين وتطورهم ورقيهم.

اضافة الى ذلك، ظهور فئة اخرى كانت قدانبهرت بكل ما احدثته الحضارة الاوربية،فاستغرقوا في شعاراتها ورفعوها مقابل فئة اخرى رفعت او راحت ترفع شعارات المعسكر الشرقي. وهكذا وقع الجميع في ارتباك وهرج ومرج، متذبذبين ومتارجحين بين هذا وذاك، او هذه الرؤية وتلك، او قل مرتبكين بين الميل الى الاصالة ام اختيار الحداثة.

من ركام هذه الازمة وضبابها ظهر عدد من العلما الاسلاميين، ممن لعب دورااصيلافي حل هذه الاشكالية وتجاوزهابنجاح كبير اعتمادا على فكر اسلامي اصيل ونقى، من بين هؤلا العلماوالمفكرين الافذاذ، كان السيد الصدرنموذجا يقتدى به فعلا.

على اية حال، ان المشكلة الاقتصادية في واقعها الراهن، تثقل اليوم كاهل اصالة هؤلا المفكرين والباحثين، وتتحداهم بجدية وقسوة. وسبب هذا التحدي في الحقيقة هو ان ادواته المعاصرة جميعهاكانت قد نشات وتطورت ونمت في اجواوظروف ثقافية ومادية، تبتعد تماما عن اجوا وظروف وثقافات المسلمين، ولاتمت لهم باية صلة لا من قريب ولا من بعيد.

نعم، ان هذا التحدي هو ثمرة الثورة الصناعية، وما رافقها من تحولات ومتغيرات جوهرية، شكلت مجتمعة تحديات حقيقية كان لها اكبر الاثر على الحياة المادية في الغرب، وحيث جات لهم باهم ما يمكن التاثر به، وهو التفوق والنهوض عبر سوق التجارة الخارجية.

وبذلك كان تاثير هذه الحضارة وحصادثقافتها، وكونها منتوجا غربيا، مترشحا عن قيمه ومثله كانسان اولا، ونمط حياة ثانيا.وكنتيجة لذلك، يخفي التعامل مع هذه الاشكالية مدلولا كبيرا، لا سيما في بعده الثقافي والحضاري الذي يقف بالضد تمامامع ثقافة وحضارة الانسان المسلم.

وهذا يعني، ان الانسان المسلم او العالم الاسلامي يحاول ان يتجاهل التقدم المادي الاستثنائي الرهيب الذي حصل في الغرب،وكيف استطاع هذا الغرب بنا مؤسسة مادية ضخمة تعتمد على الصناعة والتكنولوجيا المتطورة، فيما بقي الانسان في العالم الاسلامي يستهلك امجاده الثقافية التليدة وفكره القديم، حتى وجدنفسه غاطسا في ظلام ثقافة دامس، وفترة مظلمة جديدة.

مقابل ذلك، نجد الانسان الاوربي يبدامشواره بنهضة ثقافية راديكالية ثائرة ومتوثبة، طارحا فكرا جديداورؤى ومفاهيم جديدة، تجاه الحياة والانسان والمجتمع.

عندما ينظر المرء الى الحركة العامة للنظرية الاقتصادية المعاصرة، ومنذ فترة التجارية او مذهب التجارية (الماركنتلية) ذژخدخژذچح زحت وحتى النظم والنظريات الاقتصادية الحديثة، يكتشف بان الاقتصادي، اي رجل الاقتصاد، يبدا عادة بتقييم الموضوع الذي يبحثه من الخلفية الثقافية التي يتبناها او يعتمدها، والاهداف التي يتوخى انجازها او ايصال المجتمع لهامن خلالها، بينما يفترض ان ينتزع الاطارالقانوني من النظرية الاقتصادية المتبناة.

وبهذا، فان المنظر الاقتصادي يتبنى ابتداالمبادئ الاثنية والاجتماعية والفلسفية التي يعتقد بها، ومن ثم يشرع في تثبيت رؤيته وفق تلك المتبنيات والمبادئ والافكار التي يقوم بطرحها.

جدير ذكره في هذا السياق، ان موضوع التداخل بين العلم والايديولوجيا، وهوالموضوع الذي يغط ي على جميع المبادئ والنظم في الفكر الانساني، وكذلك الثقافة الانسانية، يعكس آثاره بوضوح على جميع النظريات الاقتصادية. وفي الحقيقة ان رواد رجال الاقتصاد لعبوا دورا مزدوجافي دراساتهم وبحوثهم المتعلقة بهذاالموضوع، فبالاضافة الى كونهم علمايدرسون ويحللون الظواهر الاقتصادية بشكل هادف ودقيق، فانهم كانوا يتبنون ايديولوجيات محددة، تترك بصماتهم واضحة على النموذج المطروح للحياة الاقتصادية.

هاتان الوجهتان المزدوجتان تركتامداخلات ملحوظة في افكار العديد من رواد الفكر الاقتصادي ورجاله الكبار، من امثال آدم سمث وكارل ماركس وغيرهما،وللحد الذي ترك العلم والايديولوجيايشتبكان او يتشابكان، وربما يتعانقان احدهما مع الاخر، او يترك احدهما اثره على الاخر. ومع ذلك، نحن نزعم بان العلوم الاقتصادية بقيت ذات قيمة كبيرة وحرة.

وبالرغم من كل ذلك، فان التيارات الرئيسة للافكار الاقتصادية قد تم تصديرها الى العالم الاسلامي. احد هذه الانظمة يؤيداقامة المشاريع الحرة، ويدافع عن الملكية الخاصة، فيما يقوم نظام آخر على الغاالتفاوت الطبقي ويدعو الى حق العمال في امتلاك وسائل الانتاج، ويبدو بان هذاالطرح السطحي لم يعرض او يقدم صورة واضحة لحالة التعقيد الموجودة في العالم الاسلامي.

وفي وسط هذا المازق او هذه الازمة،حاول بعض المفكرين المسلمين ان يعثر،في ثنايا الموروث الثقافي الاسلامي، على شي يمكنه من خلاله الاشارة الى (نظرية الاجور) مثلا، من اجل ان يكتب ولوصفحات معدودة للبرهنة او الاستدلال على صلة الاسلام او الفكر الاسلامي او(الاقتصاد الاسلامي) مع هذا الموضوع.

كما حاول بعض المفكرين الاسلاميين مناقشة نظريات القيمة وفائض القيمة في ضوء الفكر الفلسفي الاسلامي او سياقاته،لعلهم يستطيعون بذلك استنباط نظرية جديدة، يمكنهم من خلال حشرها - حسب وجهة نظرهم طبعا - لمواجهة القانون الحديدي للاجور في الانظمة الاقتصادية الاخرى، وهكذا مع نظرية فائض القيمة.

فيما حاول آخرون جاهدين العثور في النصوص الشرعية على اصول اخرى لاستنباط وجهة نظر اسلامية مقاربة للمواضيع العديدة المشابهة مثل:الاستخدام، والتوظيف، وحدود الفقر،زاعمين ان جهدهم هذا يقع في اطار مايسمى او يمكن تسميته (النظام الاقتصادي الاسلامي).

اكثر هذه المحاولات بؤسا، والتي تستحق الرثا، هي ان عددا من الباحثين المسلمين المتاثرين بالدعاية الغربية، والغزو الثقافي الغربي عرفوا الاسلام وب(ماركة غربية مسجلة) بانه فكر اشتراكي، بينما اعتبره آخرون وب (ماركة اخرى) انه المشروع الحر، اي مشروع الملكية الخاصة.

تحت هذه الظروف والاجوا الضاغطة،جات مساهمة السيد الصدر كمنظراقتصادي لامع، وجات رؤيته في هذاالسياق فريدة ومتميزة.

اول اشارة لافتة للسيد الصدر في هذاالاطار جات في كتابه المعروف(اقتصادنا)، حيث ميز بشكل دقيق بين علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي في دراسته للمشكل الاقتصادي في العالم. وبنا على ذلك، او تاسيسا على هذه الفكرة، بين السيد الصدر ان وظيفة العلم هو اكتشاف الظاهرة الموجودة، بينما يقدم المذهب الاسس التي يجب ان تستند اليها تلك الظاهرة.

هذا التميز او هذا المبنى، ساعدالسيد الصدر بالضرورة، او بالتلازم في منهجه البحثي لتحاشي الاشتباك اوالتداخل بين المفهومين، وبالتالي في طريقة تحليله ونقده للمدرسستين الرئيستين المعاصرتين في الفكر الاقتصادي:الماركسية، والراسمالية، وكذلك في طريقة عرضه او اكتشافه للمذهب الاقتصادي في الاسلام.

يتكون كتاب (اقتصادنا) من جزاين، يعرف السيد الصدر في الجزء الاول نقده للمدارس الاقتصادية الموجودة. ويركز في الفصل الاول على عرض وتحليل ونقدالنظرية الماركسية، ويظهر من خلال ذلك قدرة فائقة في العرض والنقد والتحليل، لم يستطع احد قبل السيد الشهيد التعامل مع الماركسية، بنفس الدرجة من الشمولية والعمق والاصالة العلمية.

فلقد كان عرضه للنظرية الماركسية من الوضوح والدقة بدرجة وكانه واحد من اتباعها. ثم راح يهاجمها بنقده العلمي المتين، مجتثا جذورها واسسها والقواعدالتي ترتكز عليها. كما كان تمييزه بين العلم والمذهب، هو الالة المنهجية البارزة في هذا الفصل، مؤكدا ذلك في اطار العرض والنقد والتحليل بطبيعة الحال.

اما في الفصل الثاني، فقد تعامل في عرضه للنظرية الراسمالية كنظرية تعني ببناالاقتصاد في الحياة او التعاط ي مع الحياة الاقتصادية في المجتمع. وهذا يعتبرفصلاقصيرا بالمقارنة مع الفصل الاول، لان الراسمالية كمذهب لا تعتمد نفس البناالايديولوجي المعقد الذي يعتمد او يعتبراساسا في النظرية الماركسية.

في الجزء الثاني من هذا الكتاب، قام السيدالصدر بدراسة المذهب الاقتصادي في الاسلام، منطلقا من عرض الخصائص اوالملامح العامة للاقتصاد الاسلامي.

بعد ذلك اكد السيد الصدر بان الاقتصادالماركسي وكذلك الراسمالي كليهما يعتبران نتاج الحكومات والانظمة الخاصة بهما،بينما الاقتصاد الاسلامي الذي كان السيدينوي دراسته، هو المذهب في الاسلام،والاسلوب الذي ينتهجه، او يمكن انتهاجه لتنظيم الحياة الاقتصادية. وما دام لا توجدهناك تجربة محددة لنظام عمل حقيقي في الاقتصاد الاسلامي، لا يستطيع المرء ان يدرس في ضوئه قوانين السوق، ولا ان يحلل الظاهرة الاقتصادية من اجل التاسيس لعلم محدد في هذا المجال (اي مجال الاقتصاد).

فكيف يمكن تعريف هذا المذهب اذن؟ لم يغفل السيد الصدر عن هذا السؤال، بل تعامل معه بالتفصيل من خلال مقدمة مستفيضة اسس من خلالها القواعدالمنهجية الرئيسة لدراسة الاقتصادالاسلامي. لقد اكد بان دور المنظرين الاسلاميين يختلف تماما عن دورالاخرين، والسبب هو ان الاسلام لم يقدم لنا اطارا نظريا محددا لعلم اقتصادي اسلامي كامل، وانما قدم تشريعا عاما على هيئة مجموعة من القوانين والتشريعات تدعو في مجملها لتنظيم الحياة الاقتصادية في المجتمع المسلم، وفي اطار مفاهيم عامة وقيم يعتقد بها المسلمون،ويحث عليها دينهم.

ومن هنا، فان مسؤولية المنظرين والباحثين المسلمين تتاتى في سعيهم لاكتشاف المذهب، وتعريف ملامحه وخصائصه في ضوء المفاهيم الاسلامية العامة، وعلى اسس ومبادئ الشريعة وقوانينها وثوابتها،التي تتعامل مع المجتمع وحاجاته الاقتصادية. وكذلك فان المنظر الاقتصادي المسلم لا يمكنه ان يكون مؤسسا لمدرسة جديدة في الفكر، ولا ان يكون مغايرا اومعارضا لقوانين الشريعة او المبادئ التي يقدمها اي مفكر مسلم آخر بشان الحياة الاقتصادية، كما هو الحال مع المنظر((414)).

الماركسي او الراسمالي وفي الحقيقة، ان قوانين الاسلام والشريعة الاسلامية الثابتة وغير المتغيرة، والقادرة على حل مشاكل البشرية، لا تكمن في مسالة الاقتصاد الاسلامي، ولا في المذهب الاقتصادي في الاسلام، وبالاحرى هي ليست هذه. فان هذا المذهب يتضمن اوينطوي على الاسس والقواعد التي تبتني عليها الشريعة الاسلامية.

وتاسيسا على ذلك، او استنتاجا، فان المنظر المسلم ينبغي عليه ان يكتشف هذاالمذهب من خلال انتزاع ودمج ومقاربة السلوك، او قواعد السلوك الاسلامي مع ماتدعو اليه الشريعة الاسلامية من قيم وفضائل.

وهنا اثار السيد الشهيد الصدر العديد من التساؤلات، وحاول دراستها مقدما من خلالها معايير دقيقة تحول بين الباحث وسقوطه في الخلط او الخطا، كان يتطرق مثلا من خلال تطبيق حادثة معينة في العصور الاولى للاسلام، وعرضها كحل لمشاكل اليوم، وكذلك التمييز بين النص الشرعي للدين والموجود في المصادر الرئيسة للشريعة (كالقرآن والسن ة)، وذلك الذي يقع في مدار السلطة،ومسؤولية ولى الامر، اي (السلطة الشرعية السياسية). وبعدها تاتي مشكلة القطع بهذاالنوع من الحكم او ذاك من خلال مقاربة اواستنباط الاحكام والقرارات ذات الصلة بهذه القضية او تلك، وفي اطار ما يسمى تعددية الاجتهادات في الفقه الاسلامي اواجتهادات الفقها.

السيد الصدر، من جهته اسس منهجه في استنباط الاحكام المتباينة والمتعددة،وبعدها بنى او اصدر قراراته عليهاباكتشاف الاسس والقواعد والاصول التي يمكن ان تبتني عليها تلك المباني.

وفي ضوء تلك الاسس المنهجية، فان السيد الصدر قام بدراسة كاملة وشاملة للشريعة الاسلامية ومن خلال مفاهيمهاالكونية العامة، لياتي تعامله او تعاطيه مع المشكل الاقتصادي في اطاره المعاصر.ولهذا تراه اثار اسئلة حساسة مطروحة من قبل علما الاقتصاد المعاصرين في اطارالشريعة الاسلامية، من اجل ان يحصل على اجوبة من احكام الشريعة المتعددة والمتباينة، وعلى اساس قواعد ومرتكزات واسس هذه الشريعة المتنوعة ايضا.

ومن هذه الاجوبة المختلفة والمتعددة،حاول من جانبه التاسيس لقواعد واسس فريدة لنظرية المذهب الاسلامي في الاقتصاد. واخيرا، قام بعقد مقارنة بين هذه الاسس وتلك التي تطرحها او طرحتها كل من النظريتين الماركسية والراسمالية.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية