|
المعرفة، يختلف عما استعرضناه لحد الان في ما يرتبط
بالمنطق العقلي والمنطق التجريبي وعلم النفس، حيث يحقق
في اصل الافكار ومصدر المعلومات البشرية وقيمتها. وانتم تعلمون ان هناك خلافا رئيسيا في نظرية المعرفة
ومحاولة تحديد مصدرها، وهل انه العقل ام التجربة. والفلاسفة بشكل عام انقسموا الى قسمين:
1- القسم الاول يمثله انصار المذهب العقلي وهم اتباع
ارسطو الذين ذهبوا الى ان العقل هو مصدر المعرفة،
بمعنى ان هناك معلومات يعتقد بها الانسان ويؤمن بها بصورة
سابقة على التجربة، وهذه المعلومات هي اصل المعرفة
البشرية.
2- وقسم آخر يعتبر ان التجربة هي اصل المعرفة، وان الانسان
لا يعرف شيئا بمعزل عنها. ولا بد من الاشارة هنا الى ان مراد العقليين من (السبق) في
اعتبارهم ان هناك مبادئ عقلية سابقة على التجربة، هوالسبق
الرتبي لا السبق الزمني، فلا ينقض عليهم بما وجهه اليهم
الفلاسفة الاوروبيون، من ان الطفل عندما يولد لا
يعرف استحالة اجتماع النقيضين او استحالة اجتماع الضدين.. فان هذا الاشكال مبنى على ان مرادهم هو السبق الزمني،
والحال ان مرادهم ليس هذا. نعم، هنا ينفتح باب السؤال حول سبب ظهور هذه المعارف
لدى الانسان في مرحلة زمنية متاخرة. وقد ذكر ارسطو واتباعه من المسلمين وغيرهم وجوها
وشروحات للجواب عن هذا السؤال، اصحها ما اشرنا اليه
في كتاب (فلسفتنا): من ان المعرفة التصديقى ة تتوقف على
تصور اطرافها، والتصور ينبع من الحس، لانه هو المصدر
الاساسي له، وحيث لا يمارس الحس وظيفته فلا يحصل التصور
الكامل للاطراف، وحيث لا يحصل ذلك فلا تحصل المعرفة
لدى الانسان، حتى الضرورية منها، لان معنى كونها ضرورية هو
ان النفس تصد ق بالحكم بمجرد تصورها للاطراف،
وتصورالاطراف يتوقف على وجود استعداد خاص في النفس،
وهذا الاستعداد الخاص انما يحصل عن طريق الحس. وهذا
هوتفسير ارسطو لتاخر ظهور المعارف الضرورية. وعلى اية حال، فان مراد المنطق العقلي من وجود معارف
اولية سابقة على التجربة هو السبق الرتبي لا الزمني كما
قلنا،ثم يتم على اساسها استنباط سائر المعارف عن طريق
التوالد الموضوعي. وتعليقنا على ما تقدم هو ان ما قدمه المنطق العقلي صحيح
باحد شقيه، وخطا بشقه الاخر: فهو محق في ذهابه الى
ان هناك معارف اولية مصدرها العقل، وانها سابقة على التجربة
سبقارتبيا ، وانها مصدر سائر المعارف لدى الانسان. ولكنه اخطا
في حصره طريقة توالد المعرفة من هذه المعارف الاولية
بالتوالد الموضوعي، لان المعرفة تتولد من هذه المعارف الاولية
بطريقتين: احداهما موضوعية والاخرى ذاتية، ولكن العقليين
وعلى راسهم ارسطو لم يلتفتوا الى طريقة التوالدالذاتي،
وقصروا نظرهم على طريقة التوالد الموضوعي، فاوجب ذلك
ظهور نقطة ضعف كبيرة في المنطق العقلي. وقد فتحت هذه
الثغرة المجال للنظرية الثانية لتقول: ان العقل عاجز عن ان
يمثل مصدر المعرفة البشرية، لان كثيرا من هذه المعارف
لايمكن تفسيره على اساس العقل الضروري. ومن هذا المنطلق قام هؤلاء بقلب الامر راساعلى عقب، فبعد
ان عجزوا عن ارجاع كثير من المعارف الحاصلة عن طريق
التجربة في الحقول العلمية والحياتية الى المعارف الضرورية،
قاموا بارجاع المعارف الضرورية الى التجربة، وادعواان التجربة
هي اساس المعارف البشرية. والصحيح ان هذين الاتجاهين اخط معا في ما ذهبا اليه وتبنياه،
وقد اوقعهما في ذلك غفلتهما عما يبتني عليه المنطق الذاتي،
فنحن نعتقد في نظرية المعرفة ان مصدر المعرفة هو العقل لا
الحس والتجربة، ودليل هذه الدعوى وبراهينهاواشكالاتها
بالشكل المفصل خارجة عن محل الكلام، ولكن ما نقوله هو ان
مصدر المعرفة عبارة عن المعارف الضرورية للعقل، غاية الامر
ان توالد المعارف منها تارة يتم وفق طريقة التوالد الموضوعي،
وهي الطريقة المتبعة في المنطق الصوري والرياضيات وغيرها،
واخرى يتم وفق طريقة التوالد الذاتي، وهي الطريقة المتبعة
في مجال العلوم الطبيعية. فالاختلاف اذن يكمن في طريقة
التوالد واستقاء المعارف من المعارف الاولية. وبهذا يكون المنطق الذاتي قد عمل على حل الاختلاف بين
وجهتي النظر المذكورتين، وساهم في ازالة نقاط
الضعف الموجودة، ومن هنا تظهر قيمة ما يقد مه في نظرية
المعرفة. هل يعتمد المنطق الذاتي على الصيغة القياسية؟((5))
بعد ان اوضحنا الاختلاف بين المنطق الذاتي وبين المنطق
الموضوعي، لا باس بالاجابة عن سؤال يطرح نفسه في المقام،
وهو انه: هل يلجا المنطق الذاتي في طريقة التوالد الذاتي الى
القياس؟ ام ان القياس من مختصات المنطق العقلي القائم على
التوالد الموضوعي؟!
وفي مقام الجواب عن هذا السؤال نقول: ان المنطق الذاتي
يعتقد بوجود مرحلتين لتولد المعارف: المرحلة الاولى
هي مرحلة التوالد الذاتي، والثانية هي مرحلة التوالد الموضوعي. وفي المرحلة الاولى لا نلجا الى القياس، لانه من
مختصات التوالد الموضوعي. لكن بعد ان نفترض انتهاء عملية
التوالد الذاتي وحصولنا عن طريقها على معارف كلية، حينئذ
ياتي دورالتوالد الموضوعي في المرحلة الثانية، حيث نقوم
بتطبيق المعارف الكلية المتولدة في المرحلة الاولى على
مصاديقهاالخارجية، وهنا يمكن اللجوء الى القياس، وتكون
الاستعانة به صحيحة. ولمزيد من التوضيح نعود الى المثال السابق، حيث يقترن
ولمرات عديدة زوال الصداع عند تناول حبة الاسبرين:
فهناتحصل لنا معرفة بالتوالد الذاتي تفيدنا بان تناول حبة
الاسبرين علة لزوال الصداع. وهذا التوالد توالد ذاتى لا يستخدم
عادة القياس المنطقي. ولكن بعد ان نحصل على هذه المعرفة،
يمكننا اللجوء الى القياس من اجل الحصول عبر
التوالدالموضوعي على معارف اخرى اخص منها، فنقول:
«هذه حبة اسبرين، وكل الاسبرين مزيل للصداع، فهذه الحبة
مزيلة للصداع». اذن لا يمكن استخدام القياس في مرحلة التوالد الذاتي، ولكن
بعد الحصول على معارف كلية في هذه المرحلة يمكننافي
المرحلة التالية اللجوء اليه من اجل الحصول على معارف جزئية
تتولد وفق طريقة التوالد الموضوعي. وهنا نعود لنثير مجددا اشكال الدور الذي اثير حول المنطق
العقلي، لنقول: ان هذا الاشكال لا يجري هنا ولا يمكن توجيهه
الى المنطق الذاتي، وبيان ذلك: ان المنطق العقلي لا يمكنه
التوصل الى الكبرى التالية: «كل الاسبرين مزيل للصداع»
الامن
خلال ما يصطلح عليه ارسطو بالاستقراء التام، اي استقراء تمام
حبات الاسبرين، وهذا ما سمح للتجريبيين بتوجيه اشكال الدور
اليه كما تقدم شرحه سابقا. اما بالنسبة الى المنطق الذاتي
فالوصول الى الكبريات وكما ياتي ان شاء اللّهتعالى يتم من
خلال ما يصطلح عليه ارسطو بالاستقراء الناقص، حيث تتولد
المعرفة الكلية تولدا ذاتيا بحكم الطبيعة، وبعدذلك يمكن
اللجوء الى القياس ليولد لنا بطريقة التوالد الموضوعي معارف
جزئية. وتطبيق القياس في هذه الحالة لن يستبطن الدور، لان
الكبرى قد سبق ان توصلنا اليها في المرحلة السابقة عندما كان
التوالد ذاتيا. ومن هنا يتحدد دور الصيغة القياسية في منظومة المنطق
الذاتي. مصادرات المنطق الذاتي
كنا الى الان نتحدث عن علاقة المنطق الذاتي بمنطق
البرهان، وعن علاقته بعلم النفس، وعن موقف المنطق الذاتي
من نظرية المعرفة، ودور الصيغة القياسية فيه. والان ننتقل الى الحديث عن مصادرات المنطق الذاتي، فان
كل معرفة لها مصادرات، وهي ما نصطلح عليه في علم الاصول
ب «الاصول الموضوعية». وهذه الاصول الموضوعية تؤخذ في
البحوث اخذ المسلمات ولا يقام عليها برهان، وهي تسمى في
العرف الحديث ب«المصادرات». وهذه المصادرات على قسمين: فمنها ما تشترك فيه جميع
حقول المعرفة البشرية، من قبيل الاوليات، ومنها ما
يختص ببعض الفروع دون البعض الاخر. ولناخذ مثالا على ذلك من علم الهندسة: فاقليدس اعتبر ان
هناك مجموعة من القواعد مسلمة الصحة، ولم يقم
عليهابرهانا، بل ادعى انها بديهية، وبنى عليها المعارف
الهندسية الاخرى، من قبيل قوله: «ان الخط المستقيم هو
اقصر مسافة بين نقطتين»،((6)) حيث فرغ عن صحتها وبنى
عليها مسائل هندسية اخرى. ونذكر مثالا آخر من علم الحساب: فقولهم: «ان مساوي
المساوي مساو لما يساويه ذلك المساوي» عبارة عن
مصادرة اعتبروها من مبادئ علم الحساب الاولية التي لا يقام
عليها برهان، وبنوا عليها مسائل حسابية اخرى. وهنا ناتي الى تحديد مصادرات المنطق الذاتي التي لا يكون
مطالبا بالبرهنة عليها، وهي عبارة عن ثلاث مصادرات،نتناولها
في الابحاث التالية:
المصادرة الاولى من مصادرات المنطق الذاتي
المصادرة الاولى من مصادرات المنطق الذاتي هي حصول
العلم والجزم لدى الانسان، بمعنى ان المنطق الذاتي ياخذ
حصول العلم لدى الانسان امرا مفروغا عنه ولا يسعى للبرهنة
عليه وايجاده عند من لم يحصل لديه. فعند اقتران زوال
الصداع بتناول الاسبرين لمر ات عديدة، يحصل العلم لدى
الانسان بان تناول الاسبرين علة لزوال الصداع، وليس من
وظيفة المنطق الذاتي البرهنة على حصول هذا العلم او ايجاده
لدى الانسان، وانما يتعامل معه بوصفه امرا مفروغا عنه. ثم
تبداوظيفته من حيث يحصل العلم المذكور ليفلسف الموضوع
ويقدم تفسيرا لحصوله. ثم ان المنطق الذاتي عندما يتحدث عن العلم لا يقصد به
اليقين بالمصطلح المنطقي، وهو الموصوف هناك بانه
«مضمون الحقانية»، وانما يتحدث عن العلم بمعناه اللغوي، وهو
الجزم الذي لا لبس فيه ولا شك. فالانسان عندما يضع الماء
على النار، لا يحتمل ان الماء سيبقى على حاله من عدم الغليان
حتى لو طال بقاؤه على النار، بل يجزم بانه سوف يغلي. وجزمه بغليان الماء يستوي مع جزمه بسائر المحسوسات، من
قبيل جزمه بالنار مثلا. اذن حصول العلم بمعنى الجزم لا بمعنى اليقين المنطقي
يؤخذ في بحثنا بوصفه اصلاموضوعيا. ولذلك، لو اتانا من ينكر
حصول الجزم لديه بان النار علة لغليان الماء، مدعيا ان ذلك
مرد ه الى الصدفة، فعندها لا يمكن للمنطق الذاتي ان يقدم له
شيئا او يزيل هذا الشك من نفسه. الاان نا مع ذلك نعتقد بان
الشك في هذه الامور لا يحصل لدى الناس، وانما كثير
منهم اصطنعوه. وعلى اية حال، فالواجب علينا ان ننظر في مدى تقبل الناس
لهذه المصادرة، اي في مدى تقبلهم لفكرة ان التجربة يمكن
ان تفيدنا بان «ا» علة ل«ب». ونحن نجد ان هذا الامر متسالم عليه في بلادنا وفي ثقافتنا،
كما نجد ان الفلاسفة العقليين التابعين لارسطو تلقوا هذاالامر
على نحو القبول، حيث قالوا: ان التجربيات قضايا جزمية لا
مجال للشك فيها، وعدوها ضمن اليقينيات [لدى حديثهم عن
مبادئ الاقيسة، وهناك ذكروا انه يحصل لدينا بتكرر المشاهدة
ما يوجب رسوخ حكم في النفس لا شك فيه،
كالحكم بان كل
نار حارة، وان الجسم يتمدد بالحرارة. وقد ذكروا في مقام تبرير
حصول هذا العلم ان الاستنتاج في التجربيات هو من نوع
الاستقراء الناقص المبني على تعليل افترضوه وذكروا انه يفيد
القطع بالحكم، لاعتماده بحسب زعمهم على قياسين خفيين:
احدهما استثنائي والاخر اقتراني، وهما قياسان يستعملهما
الانسان في قرارة نفسه من غيرالتفات غالبا].((7))
وفي مقابل هذا التيار ظهر تيار قوى لا يستهان به في اوساط
الفلاسفة التجريبيين الذين آمنوا بالتجربة واعتبروهامصدر
المعرفة البشرية، وهذا التيار انكر فكرة العلية والسببية، وقصر
اعترافه بحصول الجزم على مجال التجربة الحسية المباشرة
فحسب، وما يقع في حدود الحس المباشر هو نفس النار لا على
تها للاحراق. ومن هنا نجد ان جماعة من التجريبيين ذهبوا الى ان المعارف
الحاصلة من التجربة عبارة عن قوانين ثابتة على نحوالاحتمال
لا على نحو الجزم. واذا ضممنا الى هذا الاعتقاد اعتقادهم
بان جميع المعارف البشرية قائمة على اساس التجربة،خرجنا
بنتيجة، وهي ان كل معارفنا عرضة للشك، حتى المعارف
الرياضية من قبيل ان «الواحد نصف الاثنين» الناتجة آعندهم
عن التجربة.. نعم، حت ى هذه عرضة للشك، شانها في ذلك
تماما شان القضية القائلة بان «كل نار محرقة». والحقيقة ان المجال لا يسع للدخول في هذا البحث بشكل
مفصل لبيان مختلف الاتجاهات الموجودة لدى تيارات المنطق
التجريبي، ومدى اعتراف كل منها بالشك واليقين، فانه بحث
مفصل، غير اننا نكتفي بالاشارة الى مسالة، وهي انه من
المحتمل احتمالا قويا ان يكون عجز الفلاسفة التجريبيين
عن تفسير حصول العلم هو الذي يقف وراء انكارهم له،فكانهم
اثر عجزهم عن ذلك منوا ببلبلة اصابت فكرهم، فادت بهم الى
انكار اصل حصول العلم. وهذا الانكار يمكن تفسيره على اساس
ما ذكرناه، وان حالة الشك الحاصلة لديهم ناجمة عن انحراف
في سير فكرهم، فانهم من ناحية انكرواوجود معارف عقلية
اولية، ومن ناحية اخرى ارجعوا جميع المعارف الى التجربة،
ومن ناحية ثالثة راوا ان دائرة الكليات اوسع من دائرة التجربة،
فما كان منهم الا ان انكروا من راس حصول العلم. اذن مسالة الانكار لديهم لم تعد مشكلة منطقية بقدر ما تعبر
عن مشكلة نفسية عاشوها، والا فهل يشك احد حقيقة في ان
عنق الانسان اذا حزت فانه يموت؟! او في ان من يدخل النار
يحترق؟!
وهنا ياتي دور المنطق الذاتي ليعالج المشكلة النفسية التي
عاشها هذا الاتجاه من التجريبيين. ولو استطاع هذا المنطق
ان يقدم تفسيرا معقولا يقبله هؤلاء حول كيفية حصول العلم
من خلال التجربة، فان هذا سيعيد بصيص الامل في
رجوعهم الى حظيرة اليقين. المصادرة الثانية من مصادرات المنطق الذاتي
بعد افتراض حصول العلم بان «ا» علة ل«ب»، ياتي دور الحديث
عن المصادرة الثانية من مصادرات المنطق الذاتي. وحاصل هذه المصادرة هو الاعتراف بان هذا الجزم الحاصل
ليس مجرد وهم يعيشه الانسان نتيجة لغفلته عن برهان
عقلي، وانماهو بالفعل ناتج عن قوة العقل. وتوضيح ذلك: ان الفلاسفة العقليين ذكروا ان لدى الانسان
الى جانب ملكة العقل ملكة اخرى يطلقون عليها
«ملكة الوهم»، وهذه الملكة تدعو الانسان الى الاعتقاد بجملة
من الامور اعتقادا اولى ا، بمعنى انها تنتج اعتقاداتها
مباشرة وابتداء ،دون ان تفترض اعتقادات سابقة عليها كانت
سببا في حصولها. وكثيرا ما يخيل للانسان الذي لم يمارس صناعة البرهان ان
معطيات الوهم عبارة عن معطيات العقل الاول، وانهامعارف
عقلية اولية لا كلام فيها. ويبقى الحال على ما هو عليه الى ان
ياتي دور العقل في ممارسة ما يشبه الحيلة، ليفسدبذلك على
الوهم ما هو فيه، فيبدا بترتيب المقدمات ثم يصل منها الى
النتائج، والوهم غافل عما يدبره له العقل. وتستمرعملية
البرهان بين العقل الاول والثاني الى ان يفضي الامر الى نتيجة
تتصادم مع بعض معطيات الوهم الاولية. وهنابالتحديد
يستيقظ الانسان من غفلته، ويعي ان ما قدمه له الوهم بصفته
مبادئ عقلية ومعارف اولية لم يكن كذلك، وانما كان مجرد
وهم. وهو لا يستطيع البقاء على موقفه السابق من تلك
المعارف، لان الفرض ان النتيجة التي توصل اليها
العقل وتصادمت مع هذه المعارف كانت نتيجة مبرهن عليها
وموضع قبول لديه، وحيث ان العقل لا يكذب نفسه، فلا يبقى
حينئذشك في ان ما حسبه من المعارف العقلية الاولية لم
يكن كذلك. ومن باب المثال نقول: ان قوة الوهم لا تتصور ان يكون العالم
متناهيا، بحيث يتاح للانسان ان يصل الى مكان يمد يده خارجه
فتقع خارج هذا العالم. ولذلك نجد ان هذه القوة تقذف في
نفس الانسان وتنفث فيها بان العالم غير متناه. هنا ياتي العقل كما قلنا ليحتال على الوهم، فيبدا بترتيب
المقدمات والوصول الى النتائج، الى ان يقيم البراهين القاطعة
على تناهي الكميات المتصلة. وخلال هذه العملية تكون
النفس بصدد مواكبة ما يجري والمصادقة عليه، حتى تصادق
على النتيجة، بينما تصادق قوة الوهم على المقدمات وترفض
الاذعان للنتيجة. وهنا يظهر للنفس ان ما تلقته بوصفه من
مدركات العقل الاول لم يكن سوى مجرد وهم. ومع تكرر هذه
العملية وانس النفس بالبرهان، تزداد قوتها على التمييز بين
مدركات العقل الاول وبين مدركات الوهم، حتى اعتبر بعض
فلاسفتنا ان علم المنطق هو صناعة يميز بها بين مدركات
العقل الاول وبين مدركات الوهم، وان الغرض من تاليف هذا
العلم هو ترويض النفس على هذا التمييز. وفي ذيل الحديث عن قوة الوهم لا باس بالاشارة الى ان
السيطرة على هذه القوة ليست بالعملية السهلة، وهي
مرتبطة بما يمنحه اللّه تعالى للانسان من قدرة على السيطرة
عليها اكثر من ارتباطها باقامة البرهان على كونها مجرد وهم. فاقامة البرهان العقلي على كون شي وهما لا يكفي على
الاطلاق لاجتثاث جذور هذا الوهم من النفس. ومن هنا نجد ان
الانسان الذي يعلم بالوجدان او البرهان ان الموتى لا يمكن
ان يرقصوا امامه، يخيل له عندما يذهب الى المقبرة انهم
يفعلون ذلك، اللهم الا قوي الجنان، وهذا معنى ما ذكرناه من
ان العملية مرتبطة بما يمنحه اللّه للانسان. ومن هذه المقدمات نخرج بنتيجة، وهي اننا عندما نتحدث عن
المعرفة الوهمية، فاننا نقصد منها تلك المعرفة التي يحكم
العقل الاول ببطلانها لدى اعمالنا الطريقة البرهانية في
التفكير. وهنا نعود الى اصل المصادرة الثانية التي ذكرناها، وهي ان لا
يكون العلم بعلية «ا» ل «ب» الناتج عن تكرر الاقتران علماولدته
قوة الوهم، بحيث يزول اذا لجا العقل الاول الى صناعته
البرهانية، بل ان يكون علما يحصل لدى الانسان فيما لوعزل
تماما عن قوة وهمه. ومن هنا تتحدد وظيفة المنطق الذاتي
بتفسير العلوم غير الناتجة عن الوهم. وقبل الانتقال الى الحديث عن المصادرة الثالثة، يبقى ان نشير
الى موقف كل من المنطق العقلي والمنطق التجريبي من هذه
المصادرة:
اما المنطق العقلي فيصادق على ما قلناه، لانه يعترف بان العلم
الحاصل هو عبارة عن معرفة عقلية صحيحة وليس وهما،فلا
يمكن ان تخالفه احكام العقل الاخرى، لان العقل لا يعارض
نفسه. واما التجريبيون فهم على قسمين، تبعا لموقفهم من اصل
حصول العلم: فمن انكر منهم اصل وجود هذا العلم، لم يعد
من الممكن لديه الحديث حول منشئه، وهل انه من مدركات
العقل ام مدركات الوهم. واما بعض من يعترف منهم بحصول
علم من هذا القبيل، فيفسره بما يقرب من الوهم، لانه في
الحقيقة يفسره على اساس العادة، والعادة قريبة الى الوهم. وعلى اية حال، سياتي التعرض لهذا الموضوع في الابحاث
القادمة باذن اللّه تعالى مع بقية الاشكالات والتفاصيل. المصادرة الثالثة من مصادرات المنطق الذاتي
المصادرة الثالثة من مصادرات المنطق الذاتي عبارة عن فرض
الايمان بالعقل الاول، على فروق سوف تظهر بين
المعارف المولدة بالمنطق الذاتي، من حيث مساحة المبادئ
العقلية الاولية التي تتطلبها، فبعضها يتوقف على مبادئ اولية
اكثر ممايتوقف عليه البعض الاخر: فكل تطبيقات المنطق
الذاتي تتوقف على مبدا استحالة اجتماع المتناقضين، وهو
المبدا الذي لاتتم بدونه معرفة على الاطلاق، بينما يزيد بعضها
في توقفه كذلك على مبدا العلية الذي هو ايضا من مكتشفات
العقل الاول.وحينما نشرح المنطق الذاتي وكيفية تفسيره
للعلم التجريبي، سوف تتضح حينئذ الحاجة الى فرض هذه
المبادئ الاولية،التي هي عبارة عن مصادرة بالنسبة الى
المنطق الذاتي. تعميم حصول العلم على حدوث العالم
وفي هذا المقام يمكن ان نستفيد فائدة دينية مهمة، وذلك
انطلاقا من تفسير المنطق الذاتي لطريقة حصول العلم
من خلال التجربة، فان المنطق الذاتي يفترض مبدا العلية في
مرحلة متقدمة على التجربة، وهذا يعني ان مبدا العلية مبدا
عقلي وليس مبدا تجريبيا، وهذا يعني بدوره عدم امكانية تفسير
العلوم الطبيعية بمعزل عن هذا المبدا. هنا نقول: اننا اذا تناولنا شخصا يعتقد بحصول العلم من خلال
التجربة وان ما ينتج منها ليس وهما، ثم استطعنا ان نبين له انه
لا يمكن تفسير هذا العلم الا على اساس الاعتراف بمبدا عقلي
اولي سابق على التجربة هو مبدا العلية، فان ذلك سيكون من
ناحية تاييدا للالهيين الذين يعتقدون بهذه الفكرة، ومن ناحية
اخرى سيكون من الممكن تعميم هذا المبدا الى اصل العالم
والى اصل الكون، باعتباره قانونا من قوانين العقل العامة. واما اذا فرضنا ان مبدا العلية مستفاد من التجربة، فان التعميم
سيكون مرهونا بمقدار ما تسمح به التجربة من التعميم.
مبادئ العقل الاول لدى المنطق العقلي
عندما نتحدث عن العقل الاول، فاننا نتفق مع المنطق
الارسط ي من بعض الجهات حول المراد منه، ونختلف معه
من جهات اخرى:
اما المقدار الذي نتفق فيه معه فهو ان العقل الاول عبارة عن
المعلومات الثابتة في النفس دون برهان، فلو كانت كل معرفة
ثابتة ببرهان للزم التسلسل او الدور كما يقولون، فلا بد اخيرا
من الانتهاء الى معارف غير مكتسبة عن طريق البرهان، ومن
هنا اطلق على هذا العقل اسم العقل الاول. والى هنا نحن
متفقون مع المنطق العقلي في اطلاق العقل الاول على
المعارف الاولية التي لم تكتسب عن طريق البرهان. الا ان
اختلافنا معه يكمن في تحديد اصناف العقل الاول
وانواعه.والمعروف عند المنطق العقلي ان معارف العقل الاول
عبارة عن ستة:
1- الاوليات: [وهي قضايا يصدق بها العقل لذاتها، اي بدون
سبب خارج عن ذاتها، بان يكون تصور الطرفين مع توجه النفس
الى النسبة بينهما كافيا في الحكم والجزم بصدق
القضية]((8))، وذلك من قبيل استحالة اجتماع النقيضين. 2- المشاهدات: او المحسوسات، وهي عبارة عما يحكم بوجوده
الانسان عن طريق الحس في الخارج، من قبيل الحس بوجه
زيد في الخارج، وهكذا .. 3- التجربيات: [وهي القضايا التي يحكم بها العقل بواسطة
تكرر المشاهدة منا في احساسنا، فيحصل بتكرر المشاهدة ما
يوجب ان يرسخ في النفس حكم لا شك فيه]((9))، من قبيل
حكم الانسان على النار بانها علة للحرارة، وذلك عن طريق
وضع الورقة على النار مرات كثيرة، فيرى انه متى ما وضعها
على النار احترقت. 4- المتواترات: وهي القضايا التي يقطع بها الانسان عن طريق
كثرة النقل الذي يصل حدايمتنع معه تواطؤ الناقلين
على الكذب، من قبيل الاخبار عن وجود الكعبة. 5- الفطريات: وهي القضايا التي تكون قياساتها معها، من قبيل
ان الاثنين نصف الاربعة. 6- الحدسيات: وهي كالتجربيات، الا ان الفرق بينهما بحسب المنطق الارسط ي يكمن في ان[الحدسى ات لم تستفد من التجربة المباشرة وان جربت آثارها وعلائمها وقرائنها، من قبيل الحدس بكروية الارض من خلال مشاهدة السفن في البحار، حيث تبدو اعاليها ثم تظهر بتمامها، وذلك بخلاف التجربيات التي تحصل من التجربة المباشرة لمؤدياتها ].((10))
التجربة بين المنطق العقلي والعلم الحديث
وينبغي هنا ان نلفت النظر ونحن نتناول بعض المصطلحات
الى ان التجربة التي تحدثنا عنها لدى حديثنا عن اصناف العقل
الاول تختلف عن التجربة في مصطلح العلم الحديث. والاختلاف بينهما على نحو العموم والخصوص، اي ان
التجربة في المصطلح القديم اعم منها في المصطلح الحديث،
لانها في المصطلح القديم عبارة عما ذكرناه، واما في
المصطلح الحديث فهي اضيق من ذلك، لان
التجربة التي يعيشها الناس في حياتهم لا يسمونها تجربة،
والتجربة عندهم عبارة عن الفروض التي يفترضها العالم
ثم يتامل فيها، ويتساءل: ماذا سيجد اذا كان هذا الفرض صادقا،
وماذا سيجد اذا كان كاذبا.. وبعد ان يحدد الاشياء التي يترقب ان
يجدها على فرض صدق هذا الافتراض، وكذلك الاشياء التي
يترقب ان يجدها على فرض كذب ذاك، حينئذ يفكر
كيف يمكنه ان يحقق في المصنع والمعمل الاثار التي يترقب
وجودها على فرض صدق هذه الفرضية، والاثار التي
يترقب وجودها على فرض كذبها. ونحن نلاحظ ان هذا العالم يتامل في هذه المسالة ويرسم
مخططا عمليا ويمارس العمل بقصد علمى معين، وهذا
هومفهوم التجربة في مصطلح العلم الحديث. عودة الى قضايا العقل الاول
ذكرنا فيما سبق ان قضايا العقل الاول عند المنطق العقلي
عبارة عن القضايا الست آنفة الذكر:
1، 2- اما الاوليات والفطريات: فلا شك في كونها من مبادئ
العقل الاول. 3- واما في باب المشاهدات او المحسوسات، فنحن نواجه في
الواقع تصورا وتصديقين:
اما التصور: فهو عبارة عن الصورة المحسوسة المنقوشة في افق
من آفاق الادراك البشري، وهي المعبر عنه بالمحسوس بالذات
في مقابل المحسوس بالعرض، والاخير هو عالم الخارج نفسه. والى جانب هذا التصور هناك تصديقان:
التصديق الاول عبارة عن اصل وجود عالم خارجي وراء هذا
التصور، خلافا للاتجاهات المثالية والسوفسطائيين
الذين ينكرون وجود واقع خارجي. ونحن نصادق على كون هذا
التصديق من مبادئ العقل الاول. والتصديق الثاني عبارة عن مطابقة الصورة المحسوسة بالذات
للواقع الخارجي المحسوس بالعرض. وبعبارة اخرى:اعطاء
المحسوس بالعرض تمام الصفات والخصوصيات الثابتة لما هو
محسوس بالذات. والحقيقة ان تصديق الانسان بمطابقة ما يحس به للواقع
الخارجي ليس مستفادا من العقل الاو ل ولا من غيره
من العقول، وانما هو ناجم عن مجرد توهم ينشا وينمو مع
الانسان منذ طفولته، هو الذي يقف وراء ذلك، ولا يمكن
السيطرة عليه الا للصديقين. وهذا التوهم منشؤه عدم تمييز
الانسان بين المحسوس بالذات وبين المحسوس بالعرض،
نتيجة ضعف الفكر وعدم دقة النظر وقلة ممارسته للبراهين
الفلسفية. اذن، عندما يحكم الانسان بان الواقع الخارجي ابيض نتيجة
بياض الصورة المحسوسة لديه بالذات، فهذا الحكم لايمكن
ارجاعه الى العقل الاول، فكثيرا ما يخطئ الانسان في حكمه
ذاك، والبياض في الواقع من الصفات الذاتية التي تثبت للصورة
المحسوسة. الان يدعى بحسب المفهوم العلمي السائد ان الالوان عبارة
عن صفات ذاتية وليست صفات واقعية، وهي دعوى لم يبرهن
عليها بعد. ولكن سواء قدم لها برهان ام لم يقدم، فاننا لا
نستطيع القول بانها خلاف البداهة، وان حال مدعيها حال من
ينكر بان الخط المستقيم هو اقصر مسافة بين نقطتين، فان كل
من ينكر القضية الاخيرة يمكن لك ان تكذبه. يبقى مسالة تتعلق بالمحسوسات، وهي ان اختلاف الصورة
المحسوسة بالذات يكشف عن اختلاف الواقع الخارجي، وان
التمييز بين الاشياء في عالم الخارج يقوم على اساس التمييز
بين آثار هذا العالم لدى الانسان، وهي عبارة عن
الصورة المحسوسة بالذات. ولكن هذا لا يعني اضفاء صفة
الصورة المحسوسة على هذا الواقع، وانما غاية الامر ان كل
موجود في عالم الخارج يقابله رمز، وعلاقة الصورة المحسوسة
بالذات بالواقع المحسوس بالعرض تكون حينئذ علاقة الرمز بما
يرمزاليه. واذا تحدثنا عن المطابقة فالمقصود بها هذا المعنى،
اي المطابقة على نحو الرمزية. 4- الان ياتي دور الحديث عن المتواترات، وهي في مصطلح
المنطق التقليدي القضايا التي يحصل لدى النفس علم
بهابشكل قاطع، عن طريق اخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على
الكذب،((11)) من قبيل حصول العلم بوجود الكعبة لدى
اخبارجماعة عن وجودها بعد فرض امتناع تواطئهم على
الكذب. فهنا في الواقع حكمان عقليان: احدهما يستند الى الاخر. والاول هو حكم العقل بوجود الكعبة. الا ان هذا الحكم مستند
الى حكم عقلي آخر سابق عليه، وهو استحالة تواطؤ الجماعة
على الكذب. ومن هنا يظهر الفرق بين المحسوسات والمتواترات: ففي
المحسوسات يستند العقل في حكمه الى الاحساس،
بينمايستند هنا الى حكم عقلي آخر هو امتناع التواطؤ على
الكذب. وعلى هذا الاساس نحن لا نعد القضايا المتواترة من القضايا
الاولية، لاستنادها الى حكم عقلي آخر سابق عليها،
ولكنناسنبرهن في الابحاث الاتية ان الحكم العقلي السابق هذا
هو بدوره ليس حكما عقليا اوليا، وانما هو ناتج عن
الطريقة الذاتية في التفكير. 5، 6- يبقى التعليق على التجربيات والحدسيات، حيث الحكم
في كلتا الحالتين قائم على اساس تكرر المشاهدة والممارسة
بحيث يمتنع معه الاتفاق.((12)) وهنا ياتي نفس ما سجلناه
على المتواترات، لان هذا التعريف يفترض وجودحكم عقلي
سابق باستحالة الاتفاق عند تكرر المشاهدة، وسنوضح في ما
ياتي ايضا ان هذا الحكم ليس حكما عقليا اوليا،وانما مرده الى
الطريقة الذاتية في التفكير. مقدمات منهجية في تحليل النص القرآني، آيات الاحكام
المقدمة:
دواعي الاختيار
يعتقد المتخصصون بتحليل البنية الثقافية، ان ثقافة الاسلام
ثقافة نص، ومن ابرز سماتها انها تقدم اولا معرفة
تستوعب الواقع، لذلك فان الاجيال الاولى المعاصرة لنزول
النص، لم تكن بحاجة الى التفكير بنظرية منهج علمي لتطور
المعرفة،وذلك لوجود معرفة مباشرة يقدمها النص القرآني،
ذات الطبيعة المعصومة من جهة، والشمولية والاستيعابية
للواقع من جهة اخرى. وعلى تلك الفرضية يفسر هؤلاء مجموعة من الظواهر الثقافية،
ومنها:
1- غلبة الاتجاه الماثور في الفقه والتفسير على الاتجاه
الاجتهادي العقلي، وبقاء هذا الاتجاه منافحا تمدد
وانتشارالاجتهاد كاصل من اصول الثقافة، رغم تعاقب الازمان
والاصول. 2- تاخر التصنيف بعد ان هرت الثقافة الاسلامية بالاداء
الشفاهي، ثم التدوين غير المنتظم على معيار موضوعي
حتى القرن الثالث الهجري. 3- تاخر نظرية المنهج للابحاث العلمية حتى منتصف القرن
الثاني، فظهر مخاضا على يد الخليل في (المعجم،والعروض)،
وسيبويه في (قواعد النحو)، والشافعي في (قواعد الاصول
العامة للفقه). 4- تصاعد المعارك ضد: القياس، والاستحسان، وفقه المقاصد،
وبقاء هذه المعارك الفكرية حتى عصرنا الحاضر، متسمة بالرفض
الكامل للقياس او الاستحسان.. الخ.((13))
ان الاستخدام المتطرف للماثور قد قابله استخدام متطرف
للراي، مما خلق اتجاهين منهجيين لم يعمدا الى
التقابل والحوار، واجراء التعديلات في خضم غياب مقدمات
منهجية، كانت ضرورية ان تتبلور في واقع انتاج الثقافة او
اعادة انتاجها.((14))
لهذه الاسباب:
ياتي الجهد في تحليل البنية المنهجية كمقدمة لتطوير نظرية
منهج للجهود العلمية معادلاموضوعيا للنسق المنتج
للفكرالذي ساد منذ القرون الاولى المغمورة بالمعرفة.. ورغم
حاجة هذه الثقافة في عصورنا الى آليات لاستنطاق النص، لم
تزل الكثير من الاتجاهات تعول على التعامل مع النص او ثقافة
النص على اسس ان المفسر هو من النص ايضا، مما ادى
الى الاحباط الذي وقع فيه مشروع التراث الحضاري الذي لم
ينتج معرفة للتقدم، واذا كان وحد من علاجات هذه
المعضلة(ضرورة نقد التراث(، فلابدمن اسس موضوعية
لممارسة هذا النقد، لكي لا نتجنى على التراث فنبخسه حقه،
ولا نعتمده على علا ته او على كثرة الافكار الميتة والافكار
القاتلة في ذلك التراث. لكل ما تقدم: فان ابحاث تحليل البنية الثقافية، واكتشاف
القواعد المنهجية المبثوثة في ثنايا المعرفة في
المصنفات القديمة والحديثة، ضرورة منتجة للمقاربة مع الفكر
المنهجي المفقود وجودااو تكاملا في الثقافة الاسلامية. المبحث الاول
مقدمة منهجية في اصالة مقاصد الدلالة
في جهود المفسرين والاصوليين
يعد تراجع العلوم من غائية المقاصد، الى غائية تقنين المعرفة
تطورا احادي الجانب، وقد حصل ذلك في كثير من
علوم التراث، ولعل ذلك يرتبط طوليا بالعلاقة بين الواقع الفعلي
وبين مقولة الاجتهاد. فقد بدا الاجتهاد بوصفه منحى منهجيا يشق طريقه بصعوبة
بالغة وسط العقل التبسيط ي الذي يتغافل مع المعلومة الجاهزة،
وتحت ضغوط الواقع اثبت ضرورته لتطور هذه الثقافة، فداب
اللغة وعلومها اعتمدت في مراحل اعادة تنظيم المعرفة على
اساس انها جميعا تسعى الى تحقيق مرامي الدلالة. فلم تكن الدلالة (ژح خژذچذحث ) شيئا مستقلا في علوم العربية،
بل كان النحوي، والصرفي، والبلاغي، والمفسر،
والاصولي والفقيه، كل يسعى الى ايضاح الدلالة، وربما كان
معيار جودة الفن مقدار اسهامه في انضاج الدلالة، وربما كان
معيار جودة الفن مقدار اسهامه في انضاج الدلالة،((15)) حتى
ان الشافعي حينما كتب كتابه المنهجي (الرسالة) عول كثيرا
على مفردة البيان، وتطور هذا المنحى حتى صار البيان خطا
معرفيا تاريخيابحسب راي الجابري((16)). فالضاغط التاريخي على مقاصد الفنون اللغوية كان يهدف الى
ايضاح مراد النص القرآني، وشروح الحديث النبوي،واستنطاق
النص، فحصل التشابك بين الدرس اللغوي كمقدمة وادوات
والدرس التفسيري والفقهي كنتائج ومقاصدواهداف بحيث
لا يمكن التفكيك بينهما، ولثبات اللغة خمسة عشر قرنا بسبب
هذا التشابك الادواتي مع ثابت النص القرآني الذي يعد النص
المستنطق، لم تحصل فجوة بين لغة الاقدمين والاستخدام
المعاصر للغة، بحيث لم تنتج اللغة العربية الى فرع جديد من
فروعها، وهو (الدلالة(، كما هو حال الوضع في اللغات الاوربية. فالقاء نظرة سريعة في كتاب سيبويه توصل الى ان الهدف من
القاعدة النحوية تجلية معنى التركيب، وسمى نحو سيبويه نحو
المعاني،((17)) ورغم تراثية الخليل واعتماده السماع، الا انه
كان يضع للمفردة الواحدة المعنى المركزي ومدارات
هذاالمعنى. وتطور هذا الاساس في المعاجم التي تلته، حتى
انك تجد تناولا للترادف والاشتراك، وتحولات المعنى من
الوضع الى الاستعمال. فحملت المفردة المعجمية اضاءات
السياق والمجاز والتطور الدلالي، واختزنت فيها المعاني
المتعددة،وتداخل الجهد البلاغي للربط بين جمال العبارة
والاداء مع وضوح الدلالة وشفافية المعنى. وامتد هذا التطلع الى نقد النص الادبي، وشروح القصائد والنثر،
ووضع معيار الجودة على قوة الاداء،((18)) وبنى علم الصرف
على ترتب زيادة المعاني على زيادة المباني. واستفاد العلماء من القراءات القرآنية احكامامغايرة لبعضها اذا
تعددت القراءة. واستثمر علماء التفسير هذا المنحى في تقليب النص على
وجوهه وتناولوا آليات الظهور القرآني وقواعده، وضوابط
المعنى الباطن ومعاييره. وشاطرهم علماء الاعجاز فلم يقفوا عند اسرار جمال عبارة
القرآن، بل ربطوا الجمال نفسه باداء المعاني وشفافية التبادر. وانتقل هذا الارث المعرفي ذا الاصول المنهجية التبسيطية الى
الاصوليين، فاعملوا النظر العقلي لوضع القواعد
المنهجية للدلالة، لانهم في مقام استنطاق النص للحكم، فكانوا
بصدد وضع آليات الاستنباط ((ذخژخذچح حذ سرذپ ، وبداوا
حفرياتهم في طيات المعاني لاعادة انتاج النص على شكل
منظومات قانونية. مما تقدم يتبين لنا: ان الوجهة المنهجية لعلوم اللغة العربية
كانت ترنو الى تحقيق الهدف الدلالي، لكن تراجع
مفهوم الاجتهاد من (حقول المعرفة كافة) الى حقل الفقه فقط،
ثم القرار الرسمي بغلق الاجتهاد حتى في مجال الفقه، ادى الى
ان تتخلى، العقول المؤسسة للمعرفة عن هذه المقاصد الى
تقنين التخصيصات، فتحول النحو من نحو المعنى الى نحو
الاعراب،وحفظ القاعدة النحوية وشاهدها، وتحول الصرف الى
حفظ الميزان الصرفي، والبلاغة الى اعادة ضبط القوانين
والتعريفات،وانجاز المفسرون الى الماثور، وتردى الاصوليون
الى الانسحاب من تحليل الواقع الى تحليل القاعدة الكبرى الى
قوانين فرعية مشتقة منها. وحصل الفصل في كتلة اهل البيان بحجة التخصص الاضيق،
فلم يعد المفسر نحويا، ولا النحوي دلاليا، الا ان دورالاصولي
والفقيه الذي عليه فهم النص اولا، ثم تحليل النص وفقا لادواته
(اللغوية والنحوية والصرفية والبلاغية والسياقية)اجبره على
البقاء في حيز اكتشاف الدلالة وتوظيفها، فلزمه التمكن الارقى
في علوم العربية لاداء مهماته، والاستزادة عليهابقية اشتراطات
التخصص ومقدمات تحقيق اغراض المعرفة، مما يجب ان
يؤسس على ذلك:
انه الفقيه ليس كالقانوني المعاصر، او القاضي المعاصر، لانه
مكتشف القاعدة القانونية من نص رفيع الاداء والمضمون،فعليه
ان يتفوق في فقه المفردة المعجمية، وفقه الجملة، وفقه
الكتلة المعرفية (السياق بانواعه الاضيق والاوسط
والاشمل)،وفقه الاداء البلاغي، وفقه الابنية الصرفية، وتداعيات
المعنى، ثم فقه العلوم الاخرى المضيئة للنص، مثل المحكم
والمتشابه،واسباب النزول، والبيان التفسيري من الحديث
النبوي وتراكم الاراء التفسيرية. وعليه، فهو الفقهي احتاج لذلك الغرض في (استنطاق
النص(، ان يضبط قوانين: العموم والاعم، والخاص والتخصيص،
والاطلاق والتقييد، والاجمال والتفصيل والتبيين، محولا الفكر
اللغوي الى قاعدة تفسيرية بيانية لتداعيات السياق، فضلاعن
فهم النص، يقوم الفقيه بتحليل النص، وتتكامل عنده تبادرات
الظاهر وتداعيات الباطن، وله ادواته في حضريات المعاني
المخبؤة، حتى يتمكن من تحديد (الحكم الشرعي المستنطق
من النص). ولعل هذا ما دعا علماء الاصول الى ان يفردوا في
مدوناتهم مباحث مستقلة سميت (مباحث الالفاظ)، لتاسيس
منهج فهم النص. بينما القانوني المعاصر اذا طلب منه وضع القاعدة الامرة، فانه
يلجا للاعراف وتجارب المجتمعات، ليضع القاعدة، فلايحتاج الا
اقل قدر من آليات تحليل النص، لتفسير ما وضع له من قواعد
آمرة. لذلك، فان الاعتقاد العلمي ان تدرس اللغة العربية على اساس
تضافر الجهود الدلالية، وبمنحى ابتسمولوجي
يستعين بالمعارف المتعددة المتقاربة في الاليات والاهداف،
ومن تلك مثلا مباحث التاويل وضوابطه واسسه التي هي مزيج
بين فلسفة اللغة، علم اللغة، ونصوص اللغة، والممارسة الدلالية
على تلك النصوص. واذا كان القرآن الكريم نص مهيمن على الزمان والمكان
والوعي اللغوي لمرحلة ما، فلابد من حشد القدرات
للتعامل معه، لانه لطبيعته الشمولية الاطلاقية المهيمنة
ضمين بمعانيه، لا يتخلى عن مد خراته دون كدح معرفي،
حتى تنقدح المعاني في وعي الممارس للنص. نظرية الخطاب عند المفسرين
الخطاب: مفاهيم مترابطة تقدم مبرهنة بمستوى ما من
البرهان تهدف لاقناع الغير في مضمونها ومقتضيتها. ولان لكل خطاب غرض، ولان لكل متلق اسبقيات، فليس
هناك خطاب بري، كما انه ليس هناك فهم بري للنص
نظراللقبليات ونماط الوسائط التي لها دور خطير في تشكل
الخطاب واستنطاقه، لذلك تكامل جهد المفسرين والاصوليين
على دراسة الوسائط لقراءة النص، وتركز مفهومهم للخطاب
على انه ما يكشف عن الحكم وليس الحكم ذاته، وهو يقارب
مفهوم الدال عند المناطقة، لذلك يعرفه الامدي: (انه اللفظ
المتواضع عليه المقصود به افهام المبتهيئ للفهم،((19)) فما
لا يفهمه المخاطب لا يكون خطابا معه، كما يعبر الغزالي)
. ((20))
فالخطاب اذن: عند الاصوليين الكاشف عن الحكم وليس
الحكم ذاته((21)). وقد سبق الاصوليون علماء الالسنية المعاصرة في تحديد اركان
الخطاب باربعة فقد قسموه الى: الحاكم بدل
المخاطب،والمحكوم عليه بدل المخاطب، والمحكوم به بدل
الاداة، والحكم بدل مضمون الخطاب، لكنهم زادوا على
الالسنية المعاصرة انهم ضبطوا زوايا النظر الى النص على ثلاثة:
زاوية الوضع، زاوية الاستعمال،وزاوية الحمل. فمن مباحتهم في زاوية الوضع مثلا دلالة المشترك اللفظ ي
ودلالة المعنى الحرفي، ومن زاوية الاستعمال بحثوا
قضاياالحقيقة والمجاز، ومن زاوية الحمل درسوا مسال;ژرس ز÷ الدلالة
كدلالة العبارة، ودلالة الاشارة، والدال بالنص، والدلال
بالاقتضاء،ودلالة المفاهيم (مفهوم الموافقة، ومفهوم
المخالفة). واظن انه لو اعيد انتاج المنهج الدلالي عند
الاصوليين لمضاق نواتج ابحاث الالسنية المعاصرة. واذا كانت الالسنية المعاصرة تدور في نظريات الخطاب الثلاث
وتنقسم عليها، فان الاصوليين منذ زمن بعيد قد
اسسواللنظرية التكاملية مبتعدين عن نظرية المحتوى
الدلالي، التي تدعو المحورية اللفظ، ولا تعترف بما هو خارج
المبنى اللفظ ي، بمستوياته المعجمية والنحوي، لتعويلها على
ان المعاني تبادرية، والتبادر ما ينسبق اليه الذهن بمجرد
السماع، وماتراه من ان كل القرائن الخارجية وان كانت كاشفة
عن المعنى منفكة عن النص، وتتخلص رؤيتها على ان الاصل
الذي لاينازع ما دل عليه الوضع، مما يحتم عليها الاتعترف
بالسياق، ولا شبكة التداعيات، ولا مقتضى العلاقات المركبة
بين وحدات الخطاب سواء داخل كتلة المعنى او خارجها. ان الاصوليين يرون في هذه النظرية انها بسيطة،وحصرية،
ونهائية، وانها في مجال تحليل النص القرآني ستلجا
الى التفسير التجزئي لنص، وتستبعد ادوات البيان الخارجية،
وتقع في اضطراب نواتجي خطير مؤداه انها من جهة
تقصرالخطاب على المشافهين، وتعيش مشكلة مع طبقات
المعنى، ومع التطور الدلالي، وترى ان الظهور يتم في عصر
الكلام لاعصر السماع، ومن جهة اخرى تتعامل مع النص بوصفه
نصا اطلاقياخارجا عن تموضعات الزمان والمكان والوعي. واشتراكات كل من هذه المحددات، كما انها ترى ان لكل
خطاب مستوى واحدا، وتلغي هذه النظرية عم
المناسبة وتناسب الايات والسور، وتجانب تماما الاصول
المنهجية للتفسير الموضوعي. كما انهم الاصوليين لم يتوقفوا عند نظرية المدلول السياقي
لاعتبارهم اياه كاشفا وليس مؤسسا، فالتاسيس للوض متى كان
محكماوواضحا ، لكنه حينما يكتنفه نوع غموض ويجدون في
السياق اضاءة، فحينئذ يفيدون من فضاءات اللفظ وما يوجبه من
تحديدات لبلورة المراد. ان السياق عندهم (آلية) لضبط
الحركة التداولية للمفردة، ويعبرون عنه في مباحثهم بالمراد
الاستعمالي. ان اختيار الاصوليين للنظرية التكاملية التي تعول على
(المحتوى الدلالي للوضع)، وتستعين بالمدلول السياقي
تم بالبيانات الخارجية كالقرائن الاخرى، يخرجون من الانحصار
في التصورات الى التصديقات، زيادة على انهم فرعواالتصديق
الى نوعين: احدهما، الارادة الاستعمالية لصاحب النص،
والثاني، الارادة الجدية له التي سموها (مقدمات الحكمة). فالدلالة التصديقية عند الاصوليين ليست لغوية محضة، لانها
معط ى حال المتكلم، وانه اساس الحجية عندهم الظهورعلى
مستوى التصديق، لان مدار الحجية اثبات مراد الكلام. وبهذا يمكننا القول: ان الدلاليين الملمين ادركوا قبل ديكارت استراتيجية المعرفة في انموذجها الديكارتي، الذي تاسست عليه حضريات مشيل فوكو، ونظريات التلقي واشكاليات قراءة النص.((22)) المبحث الثاني
مقدمة منهجية لتحليل منهج المفسرين في آيات الاحكام
اذا حاولنا تحليل مضمون النص القرآني، نجد ثلاث منظومات
اساسية تشكل المحتوى: احداها، التصور العقائدي للكون
والوجود والحياة، والذي تشكله آيات العقيدة التي نشا عنها علم
العقيدة، او علم الكلام، والثانية المعيارية الاخلاقية القيمية
للفضلة، التي تشكلها يات الارشاد والاخلاق التي نتج عنها علم
الاخلاق، وتفرع عنها علم التصوف والعرفان،
والثالثة، المضمون
التشريعي الذي وضع قواعد اللوك الفردي، والمجتمعي،
والدولي تحت قاعدة الحلال والحرام، والتي نتج عنها علم آيات
الاحكام، ثم الفقه الاسلامي، ثم منهج ذلك الفقه المسم ى
باصول الفقه، وقد ترادف معها حشد من الاحاديث النبوية
والروايات عن ائمة اهل البيت(ع) المعصومين الشارحة
والمبينة لتلك الايات التي اندرجت تحت عنوان احاديث
الاحكام، وتهيكل العلم بالقواعد الاجتهادية، ومورست هذه
العلوم في اللحظات الاولى للنزول القرآني. فقد ورد عن ابن ابي حمزة، عن على(ع) انه قال: (لو شئت ان اوقر سبعين بعيرا من تفسير ام الكتاب لفعلت).((23)) وعن بن مسعود، قال: ان رسول اللّه (ص) كان يقرؤهم القرآن عشرا عشرا، فلا يجاوزونها حتى يتعلموا ما فيها من علم وعمل، فيعلمنا القرآن والعمل جميعا).((24)) |
|---|