الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

وعن ابي عبدالرحم ن السلمي، قال: (حتى نعرف حلالها وحرامها، وامرها ونهيها((25)) ، لذلك فبيان) النص التشريعي بدافيما تدل عليه البيانات والروايات مقترنا بالنزول نفسه، ثم انفرط عقد الناس على مرجعيتين للتفسير، احداهما: ائمة اهل البيت(ع) باعتقاد عصمتهم، وبذلك استمر عصر التفسير اليقيني، وثانيهما: مدرسة الصحابة، وبذلك ساد عصر التفسيرالاجتهادي المعتبر لما شاهدوه من احوال النزول، وسمعوه من الرسول الاكرم، وما اهلهم اللّه للاجتهاد فيه.

فلما انقضى عصر النص على مبنى الامامية، تساوى الجميع في العمل بالاجتهاد المنضبط بضوابط الاستنباط، فسارت علوم المسلمين على مسلك واحد، سوى ان خزين روايات ائمة آل البيت (ع) اعطت قاعدة بيانات معرفية واسعة للمفسرعموما، لذلك غالبا ما نرى ان مفسري المسلمين قد استدلوا بروايات عن الائمة من ل البيت في كتبهم كما هو حال الطبري، وابن كثير، والقرطبي، والرازي.. الخ.

ومن مخاض البحوث في هذا المجال تفرع علم سمي فيما بعد:

(علم القرآن)، وهو علم يعني بالناسخ والمنسوخ والمكي والمدني، واسباب النزول، والقراءات القرآنية، والمحكم والمتشابه، فافاض في شرح المفاهيم وضبط المصطلحات،مما افاد كثيرا مفسري الكتاب المجيد، فكانت الرواية الحديثية، وقواعد اللغة، واصول البلاغة، ومصطلحات علوم القرن روافد مهمة في ايضاح الدلالة القرآنية على الاحكام. بل، توسع بعضهم فادخل القراءات وكيفية النطق (التلاوة) في روافدالكشف عن الدلالة.

ان اول مقدمة منهجية راصدة للفعل التفسيري في آيات الاحكام تتضح اذا عرفنا خطوات العمل عند المتصدي لشرح آية الحكم، واوجزها بالنقلات العشر الاتية:

1- بناء على تعدد المضمون الفكري للنص كما تقدم عرضه فانه على المتخصص في شرح وتفسير آيات الاحكام ان يحدد منهجه في النقاط ما يعد آلة حكم عن غيرها، وفي ذلك خلاف سترد تفصيلاته، الا انني اجمالا ساضع حدودالخلاف، فمن المفسرين من يرى ان في ثنايا القصة القرآنية، والتذكير بالمعاد، وآية الاخلاق، احكاما يمكن انتزاعها من النص، وفي ذلك يتوسع فيجعل النص كله عبارة عن آيات للاحكام، وبعضهم يعمل على ساس المعط ى المباشر للنص، وان اختلفت ادوات التعبير، وبعضهم اشترط لكي تكون آية حكم ان يتضافر مضمونها وادوات التعبير القرآني على اعطاء حكم تشريعي، لكي تعد آية حكم.

وعلى خلفية هذه الفرضيات تعددت الاراء حول عدد آيات الاحكام في النص الشريف الى اقوال يراها بعضهم خمسمئة آية، ويراها آخرون دون الاربعمئة، ويراها فريق ثالث نها دون المئتين.

والراجح عندي: قوة الانطباق بين التعبير والمضمون، ثم المضمون المتعدد المعطيات، ثم المضمون الانتزاعي، فهذه درجات ثلاث تخدم بعضها بعضا، والا فما المقتضى للحصر والتحديد المتعسف طالما نحن نتعامل مع كتاب اللّه الذي انزله اللّه تعالى هدى للعالمين، وفي الهدى انارة، والسلوك ناتج الاستنارة؟

2- قراءة النص، وفهم معناه الاجمالي، ثم التعرف التام على معاني الفاظه من جهة المعجم اللغوي، ومراعاة الظواهراللغوية كالترادف والاشتراك ولتضاد، وقوانين الفروق، والمعنى الرحفي، ووظيفة المشتق، ووظيفة الفعل الدلالية على المستوى المعجمي، ومعرفة ما تدل عليه اية زيادة صرفية، مثل: (ان يقتلوا او يصلبوا) (المائدة: 33) في آية المحاربة، اومثل القرء في قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بانفسهن ثلاثة قروء) (البقرة: 228)، فاذا تم اتقان معاني مفردات الاية في ضوء علم اللغة الموروث، وضحت اجزاء الاية من حيث هي اجزاء.

3- الانتقال الى فقه التركيب اللغوي، فتلاحظ دلالة المفردة لا من حيث هي، انما من حيث علاقتها بالاخريات، وما يفرزه هذا التجاور، وهنا لابد من ضبط قواعد النحو، وتحليل دور المفردة في الجملة واثره في دلالة الاية على الحكم.

4- رصد تحولات المعنى من مجال الوضع (المعنى الحقيقي المعجمي) الى مجال المجاز واعمال المعرفة البلاغية.

ففي قوله تعالى: (او ينفوا من الارض) (المائدة: 33)، فان النفي لا يمكن حمله على القتل، لتقدم ذلك في آية المحاربة، ولامقتضى للتكرار، حيث نه لابد من اعمال النص فيحمل على (الحبس مدى الحياة).

وكمثال آخر، فان هناك الكثير من المباني التي هي على وفق القاعدة خبرية مثل: (ومن دخله كان آمنا) (آل عمران:97)، فالمراد الخبري، اي كان آمنا يقوم القيامة، الا ان يعبض المفسرين حملوا النص على مراد انشائي رغم المبنى الخبري،فقالوا: المرادان من دخل بيت اللّه لاجئااليه فامنوه.((26))

 5- رصد دلالة السياق القرآني في اعطاء معنى محدد للمفردة، ومعنى للتركيب، فالمشترك ما دل على اكثر من معنى، فاذافاد السياق احد معنييه صار العمل بقرينة السياق، وكذلك الحال في التضاد مثل مفردة: (وعزرتموهم) في الاية: 12 من سورة المائدة، المفيد لمعنى العقوبة ومعنى النصرة.

والسياق عندي متصل ومنفصل، فالمتصل ما سبق الاية وما اعقبها من نص، وما داخلها من وجهة، والمنفصل الايات التي تناولت المضمون ذاته وان وردت في موضع آخر، فبالجمع بينها وبين الاية محل البحث تتضح علاقة العموم بلمخصصات، والاطلاق بالمقيدات، والاجمال بالمفص ل، والغامض بالمفسر، والمحكم بالمتشابه.. الخ.

ولعل هذا هو الاصل فيما اطلق عليه العلماء سابقا بتفسير القرآن بالقرآن.

6- الاطلاع المتامل على ما ينقل من اسباب نزول للاية ن وجد، وتمحيص روايات المؤلفين والرواة لاسباب النزول،حتى اذا تمكنت الضوابط من الظن المعتبر ان هذه الواقعة سبب نزول الاية، لوحظ هل يضي السبب معنى النص، ام لا، وفي الحالة الاولى يمكن لسبب النزول ان يفيد الباحث في تحديد (المقام او الوجهة التي نظرت اليها الاية الكريمة(، ومن الامثلة على ذلك:

قوله تعالى: (ليس على الذين آمنوا وعملواالصالحات جناح فيما طعموا ) (المائدة: 93)، التي نزلت جوابا عن سؤال عمن شرب الخمرة قبل تحريمها، فلو اعملت على اطلاقها لتعارضت،((27)) ومثلها:

(فاينما تولوا فثم وجه اللّه( (البقرة: 115)، ومثلها: (فمن حج البيت او اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف ب هما) (البقرة:158).

وينظر كذلك في دعوى النسخ، ومقتضى القراءات القرآنية، فاذا قرا شخص قوله تعالى: (حتى يطهرن) (البقرة: 222) نتج عنه حكم، واذا قرا النص: (حتى يطهرن( نتج عنه حكم، واذا قرا (ارجلكم( في آية الوضوء على (النصب) نتج عنه حكم،واذا قراها (بالجر) نتج عنها حكم آخر.

7- الاطلع على الحشد الهائل من احاديث الاحكام، وافعال النبي (ص) المبنية والشارحة، وكذلك الروايات عن الائمة المعصومين، لانهم الجهة التي جعلها اللّه تعالى مخولة في اعطاء البيان القطعي للمراد، لحديث الثقلين الذي تسالم المحدثون على انه متواتر او في حكم المتواتر، فقد رواه مسلم ولدرامي والنسائي وابو داود وابن ماجه واحمد والحاكم وصاحب كنزالعمال، حتى قيل فيه: (ما اظن ان حديثا يملك من الشهرة ما يملكه هذا الحديث)((28)) ، ففي الحديث النبوي والروايات اثراء هائل لتحديد المراد من الاية الكريمة.

8- نظرا لتقادم المعرفة فقد عالج المئات من العلماء آيات الاحكام اما على وجه تحليل الاية نفسها، او الاستدلال بهاعلى حكم، او عرضها ضمن تفسيرت النص، وهذا التراكم يعد دراسات سابقة للموضوع لا يمكن ان يغفلها الباحث، الا ان ما يتبقى من الاستئناس بالدراسات السابقة ان الباحث المتمكن يتناول وسائط تلك الافادات، وربما يتفق معها او يختلف معها وعندئذ عليه اثبات ما يرجحه بعرض الادلة المقنعة، مع ضرورة ادراك اسباب اختلاف المفسرين.

9- عوض المستجدات من الوقائع والاشكاليات الجديدة على النص لاكتشاف حكم الواقعة، او حل المشكل، لان الحياة والمدنية وتطورات الحضارة الانسانية في تجدد، ولاجل ان يمارس الابداع لابد ان لا يتوقف الباحث على المباحث التاريخية، ولابد ان يتوسع الاستنتاج من النص بما يط ي مشكلات العالم المعاصر.

10- لما تقدم ان آيات الاحكام ينتج عنها علم الفقه والاحكام، وعلم القواعد الفقهية، وعلم الاصول، فان في آيات النص الشريف في مجال الاحكام، او الارشاد، او آيات العقيدة قواعد منجية تحدد طرق ومسالك البحث العلمي، مثل يقينية المعلومة من قوله تعالى: (ان الظن لا يغني من الحق شيئا) (يونس: 36 والنجم: 28) ونظائرها، بحيث يمكن ان تؤسس نظرية منهج مستنبطة من كتاب اللّه المجيد، اصدق ميدان لها واحوجه ميدان التشريع.

ولقد مر في الفقرة الاولى: ان على الباحث ان يملك الادوات التي تعينه على تحديد الاية، انها آية حكم ام لا، فان من المفيد ان نحدد ابرز المعالم والسمات لايات الاحكام والتي بدلالتها يستطيع ان يجمع الى جانب مضمون الاية بعض القواعد المستقراة التي تسرع في اكتشاف وتحديد آية الحكم.

المعالم المعينة على تحديد آية الحكم كيف نحدد من القرآن الكريم آيات الاحكام؟ هل يتوقف ذلك على ادوات التعبير، ام على المضمون الصريح او المنتزع ام عليهما معا؟ كيف يتم التعامل مع المكرر من النص في المضمون الواحد؟ ربما هذه الافتراضات هي التي دعت المشتغلين في هذا الحقل ان يختلفوا في عدد آيات الاحكام.

فقد نقل السيوط ي ان الغزالي انها خمسمئة آية،((29)) ونقل عمن سماه بعضهم انها مئة وخمسون، واعتذر عنهم قائلا:(لعل مرادهم المصرح به) ((30)).

ومن عبارته يظهر انه يرجح الراي الاول، قال: (ان آيات القصص والامثال وغيرها يستنبط منها الكثير من الاحكام)((31)) ، وتبنى راي الغزالي ابو بكر بن العربي((32))، وعدد من مفسري الشيعة الامامية.

ولعل ابا بكر بن العربي في كتابه احكام القرآن قد تناول من سورة البقرة حتى الانفال ثلاثمئة واثنتين وثلاثين آية، فقدتناول من سورة البقرة تسعين آية، ومن النساء احدى وستين، ومن آل عمران ست وعشرين، ومن المائدة اربع وثلاثين،ومن الاعراف سبع وعشرين، ومن الانعام ثماني عشرة، ومن الانفال خمس وعشرين، ومن سورة التوبة احدى وخمسين آية.((33)) وشاطر المقداد السيوري صاحب كنز العرفان من يراها خمسمئة آية، ولمعاصره ابن المتوج البحراني كتاب مخطوط في آيات الاحكام قال البعض: ان اسمه شرح الخمسمئة آية، وقال آخرون: اسمه النهاية في آيات الاحكام.

يقول المقداد السيوري: (اشتهر بين القوم ان الايات المجوت عنها نحو من خمسمائة آية) واستدرك قائلا: (وانما ذاك بالمتكرر والمتداخل، والا فهي لا تبلغ ذلك.)((34)) ومن الباحثين المعاصرين من اجرى احصاءومسحا فذكر ان الايات المشرعة للعبادات لا تزيد على (14) آية، والايات الشرعة للاحوال الشخصية سبعون آية، وآيات الاحكام المدنية (70) سبعون آية، وكانت الاحكام الدولية مشرعة بخمس وعشرين آية، وآيات التشريع الجنائي ثلاثون آية، اما الايات المشرعة للاحكام الدستورية فهي عشر، واصول المرافعات ثلاث عشرة آية، والايات التي تشرع اقتصاديات الدولة (10) عشر آيات، بحيث يقترب المجموع من ثلاثمئة وسبعين(370) آية، وظهرت عند المفسر((35)) الزيدي صاحب منتهى المرام بما يقرب من مئتين واربعين آية((36)).

والذي يبدو من هذا العرض ان المتكرر من اليات في المضمون لم يدخل في حساب المقلين، ودخل في كل حسابات المتوسعين، وان ما تخلل في ثنايا القصص القرآني لم يلتفت له عند المضيقين، ولوحظ في اعتبار المتوسعين، وربما عول المضيقون على ما نص صريحا على الحكم، واغفل ما كانت ادوات التعبير عنه تلميحية او اشارة او مقتضى، وربما توسع الموسعون الى ما يدخل في مجال الاحكام العقائدية.

والا فبين الخمسمئة والمئة والخمسين بون شاسع.

ولاجل ضبط كيفية التعرف على آيات الاحكام لابد من ان نعترف ان آيات الكتاب الكريم كلها هدى للعالمين، وفي ضمن الايات العقائدية هناك تداخل مضموني للتشريع ويصح العكس، وهكذا نجد في القصص القرآني مثل قوله تعالى:(ابت استاجره ان خير من استاجرت القوي الامين) (القصص: 26)، الذي يستنتج منها جواز اشارة الابن على الوالد في شان التعاملات اليومية بما يراه، وجواز الاستئجار (استخدام قوة عمل الغير:

الاجير الخاص)، وان شروط اختيار الاجير لا سيماللامور العامة للناس ان يتوفر شرطان: الكفاءة، والنزاهة، رغم ان الاية جاءت ضمن قصة من قصص النص.

كما انه تجد في النص استخدامات تعبيرية هي في الغالب تؤدي الى آية حكم وكمثال على ذلك: ان الخطاب القرآني (يااى ها الذين آمنوا( قد وردت في القرآن الكريم اكثر من خمسين مرة، يعقبها جميعا تشريع قرآني، بحيث اصبحت هذه الجملة ممهدة وموطئة لسماع آية من آيات التكليف الرباني للانسان، اما الاقتران بين المضمون التشريعي واداة التعبير، فان استقراء النصوص قد اوصلنا الى مجموعة من الالفاظ والصيغ اللغوية التي متى جاءت في النص كانت معبرة عن نص تشريعي، يندرج ضمن آيات الاحكام، وندرج مجموعة الضوابط التعبيرية وامثلتها فيما ياتي:

1- ان كل آية وردت فيها لفظتا (احل، وحرم) ومشتقاتهما من آيات الاحكام، ومثال ذلك:

(احل اللّه البيع وحرم الربا) (البقرة: 275)، وقوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما احل اللّه لكم) (المائدة:87)، وقد وردت لفظة (احل) تسع مرات، ولفظة (حرم) ثماني عشرة مرة، جاء بعضها في مجال آيات العقيدة، مثل: (ا نه من يشرك باللّه فقد حرم اللّه عليه الجنة) (المائدة: 72) ومن مشتقات مادة حرم (الحرم، الحرمات، حرمت، حرمنا) ومن استعمالات لظفة (احل) المصدر (حل)، مثل قوله: ( وطعام الذين اوتواالكتاب حل لكم) (المائدة: 5)، وحلال وغيرها.

2- ان كل آية ورد فيها لفظة (امر) ومشتقاتها، ولفظة (نهى) ومشتقاتها في الغالب هي آية حكم، قال تعالى: (ان اللّه يامربالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر) (النحل: 90)، وهذا لابد من التفريق بين لفظة (الامر)بمعنى الحال او الواقع، مثل قوله تعالى: (وقضي الا مر) (البقرة: 210، هود 44)، او معنى السلطة مثل اولي الامر، وبين الفعل امر ومشتقاته التي وردت بلفظ (امر) سبع مرات، وكذلك التفلريق بين (امر) اي اشد مرارة، ووردت لفظة (يامر) سبع مرات كلها في الاحكام. ويامركم سبع مرات بعضها في القصص، وبعضها في التحذير،وبعضها في الاحكام. وهكذا في يامرهم،يامرون، ويؤمرون.((37)) 3 ما ورد فيها من سيغ الامر مثل (افعل)، والمضارع المسبوق بلام الامر، والمصدر الدال على طلب الفعل، او النائب عن فعله، كقوله تعالى: (فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) (محمد:4) ((38)) ، واستعمال اسم الفعل الدال على طلب الفعل.

4- ما صدرت به الاية من لفظة (كتب)، او (وصى)، او (فرض)، ومشتقاتهما مثل: (كتاب موقوتا)، و (نصيبا مفروضا)،(وفريضة من اللّه).

5- ما استعمل فيه لام الاختصاص مقرونا ب (على) الوجوبية، مثل: (وللّه على الناس حج البيت) (آل عمران: 97).

6- ما اقترن بالاية مما يدل على الفلاح والنجاح (لعلكم تفلحون)، او ما دل على المطلوبية، او المحبوبية، او الثناء،وكذلك على الخسران والهلاك ووخيم العواقب والجزاء والعقوبات.

7- ما خرج من الاساليب عن دلالة الوضع الى دلالة الاستعمال، كخروج الاستفهام عن دلالته الحقيقية الى النكار اوالتقرير، مثل: (فهل انتم م نتهون) (المائدة: 91).

8- وفي صيغ النهي مثل الفعل (نهى) ومشتقاته، والمضارع المسبوق بلا الناهية، ونفي الحل، مثل: (لا يحل لكم ان ترثواالنساء كرها) (النساء: 19).

9- واسماء الافعال الدالة على طلب الكف واساليب التحذير.

10- والجمل الخبرية التي يتحول معناها الى انشاء (امر او نهي).

يقول بعض العلماء: (ان مجي لفظ الخبر بارادة انشائية ابلغ من عكسه، لانه الناطق بالخبر مريدابه الانشاء كانه نزل المامور به منزلة الواقع.)((39))

11- ولوحظ ان نفي الجناح الذي ورد في النص القرآني اربعا وعشرين مرة كله جاء ليجعل الموضوع في حيز الجوازالعام، او المشروعية المطلقة،((40)) على ان يرد دليل آخر يحدد نمط تلك المشروعية (الوجوب / الندب / الاباحة /الكراهة).

12- يلاحظ ان غالب آيات الاحكام جاءت مستخدمة اسلوب الشرط في القرآن الكريم، مما يغلب راي من يرى ان الجملة الشرطية تقارب جملة الانشاء.

ان هذه المعالم والسمات ليست حصرية واستقرائية تامة، انما هي سمات اغلبية في تكرارها، كظواهر اسلوبية تعبيرته لنصوص آيات الاحكام، واغلبية في دلالتها حصرا على حكم تشريعي.

وقد تجد ظواهر تعبيرية تواصل اليها بعض الدارسين اللامعين، ومثال ذلك ان جملة البناء للمجهو دال على اطلاق النص، وان مجي النكرة في سياق الاثبات كذلك، ووجدوا ان النعت والتوكيد والبدل وعطف النسق ادوات للتقييد، كما ان المفعول به يصلح ان يكون اداة تقييد للنص. وفصلوا في الادوات التعبيرية الدالة على عموم النص،((41)) سواء في المفردات مثل: (كل، جميع، كافة)، او الفاظ الجموع والاسماء الموصولة..الخ ((42)).

وهكذا نلحظ ان المضمون ربما يصلح لوحده دالا على ان النص من آيات الاحكام، وربما تلفت نظرك قضية مضمونية مندرجة في ثنايا سياق قصصي او تحذيري او عقائدي، ولكن العبرة بالمضامين التشريعية التي تنتزعها من طيات النص،وقد تلتمس آيات الاحكام من الفاظ وتعبيرات تكرر استخدام القرآن لها في مجال آيات الاحكام.

منهجيات التناول عند مفسري آيات الاحكام تعد طبيعة التناول المعرفي من صلب القضايا المنهجية، وطريقة تناول النص وتحليله والاستنباط منه تظهر على نحوين:

اولا / المنهج التسلسلي وهو منهج يتناول آيات الاحكام بحسب تسلسلها في المصحف الشريف، فيتناول سورة الفاتحة وما فيها من احكام، ثم ينتقل الى سورة البقرة وبحسب تسلسل الايات فيها، حيث يتناول الاسبق فالاسبق من آيان الاحكام، جريا على منهج المفسرين بصورة عامة، حتى ان الكثير من الدارسين يلاحظون ان القرطبي، وهو يتناول الايات القرآنية كافة، يحاول ان يتستفيد من كل منهما حكما او احكاما. ومثله ابو حيان الغرناط ي الذي يحاول ان يستفيد من الاية حكما نحويا. ومثله الزمخشري الذي يثبت قاعدة بيانية، ويرى البعض ان تلك اسقاطات ثقافة المفسر على طبيعة المعرفة التي يوظفها لبيان الاية، وطبيعة معطيات الاية في مجال المعرفة..

ومن التسلسليين من يضطره التسلسل ان يتناول كل ما له علاقة بالاحكام بالمعنى الاعم، مثل: الجصاص الحنفي في كتابه احكام القرآن. ويستدل لاصحاب هذا النمط من التناول ب:

1- انه متسق مع العرف المتقادم بقراءة النص القرآني بحسب تسلسل المصحف.

2- ولان ترتيب المصحف حصل توقيفا على اشهر الاراء فلابد ان يكون الترتيب منطويا على حكمة، ابرزهااشتراطات الاعجاز.

3- لذلك فان قراءة السورة من آخرها عند المتشددين متفق على منعه بحسب اجتهادهم ودعواهم،((43)) يقابل ذلك من يرى ان من يترك التسلسل في قراءة النص، يترك الاولى لما ورد عن سعيد بن المسيب مرسلا ان النبي (ص) قال لبلال:اقرا السورة على وجهها((44))، حينما وجده ينتقي من السور ما يقرا.

وبسند ينتهي الى ابي هريرة قيل ان رسول اللّه قال له: اذا قرات السورة فانفذها((45)).

الا ان هذه الاثار بعد الاعراض عن اسانيدها، ومدى اعتبارية الاحتجاج بها، في دلالتها اكثر من تامل، ومنه ان القراءة غير العرض والتفسير، وان بيانه معنى النص موضوع مغاير لما يراد منه اعتبار حكمة الترتيب، ثم ان تعارض الاثار بين المنع والكراهة والجواز، او ترك الافضل تجعل من الاستناد مما يحتاج الى ترجيح النص المؤسس.

اضافة لما تقدم فان اتفاق اغلب العلماء على ان اقل الاعجاز ما يعادل من النص ثلاث آيات قصار، يقلل من دعوى ان الاجتزاء وانتقاء نصوص متخصصة بالتشريع، مما يذهب باعجاز النص.

ثانيا / المنهج الموضوعي: وهو المنهج الذي يضع احد موضوعات التشريع محورا يجمع فيه كل الايات الواردة فيه،محللا دلالتها جميعا، ليتوصل الى نظرية قرآنية متكاملة في ذلك الموضوع، وقد سبق المحدثون جمهور اصحاب التفسيرالموضوعي، ففي القرن الثالث كان المحدثون قد صنفوا الاحاديث النبوية على اساس الموضوع، كالبخاري ومسلم وغيرهم.

ويذكر هنا ان التفسير الموضوعي متاخر زماعن المنهج التسلسلي في التناول، لكن اصحاب التفسير الموضوعي يحتجون له:

1- بانه انما تاخر للافادة من تطورات منهجيات التناول.

2- ان هذا المنهج يجمع شتات الموضوع المتناثر في طول النص، ولا يقع بمحاذير الاجتزاء، ويمكن ان تجمع فيه وبه جميع حيثيات الحكم واشكالياته، كدعوى النسخ، او دعوى التخصيص، او التقييد، وبه يستفاد من تفسير القرآن للقرآن.((46))

 3- وحيث انه منهج اصولي لما تقدم، فانه لا يتمكن منه الا المجتهدون، فهو اذن معيار للقدرة الاجتهادية.

4- وان هذا المنهج يعبر بالمجال المعرفي لايات الاحكام من فقه الحكم الجزئي الى فقه النظرية، والحلول القرآنية الشاملة لمجال من مجالات التشريع، وهذا مما لا يستطيع المنهج التسلسلي ان ينهض به.

5- ان هذا المنهج اكثر تمكنا من الكشف عن اسباب اختلاف الفقهاء والمفسرين لضرورة البحث والفحص الاشمل لحيثيات الخلاف.

التي تنحصر في الاسباب اللغوية والنحوية والقراءات، واختلاف العلماء في حجية الاحاديث والروايات المبينة للاية،واختلافهم في ادوات الاجتهاد فيما لا نص فيه.

نشاة تفسير آيات الاحكام وتطوره ينص ابن النديم على ان اول من صنف فيه محمد بن السائب الكلبي (146ه)،((47)) وكان غالب ما وضعه في مصنفه آراء ابن عباس (رض).

وذكر السيوط ي ان الامام الشافعي (204ه) اول من صنف فيه((48)).

وقال صاحب طبقات النحاة: ان اول من صنف فيه القاسم بن اصبغ القرطبي (340ه).((49)) وممن صنف فيه:

ابو بكر الجصاص الحنفي (370ه) في كتابه (احكام القرآن).

ومن الشافعية ابو الحسن الطبري الكيا لهراسي (540ه)، ثم عبداللّه بن محمود الشنفكي كتابه (احكام الكتاب المبين)،ثم احمد بن يوسف الحلبي (756ه) في كتابه (القول الوجيز).

ومن المالكية اشتهر ابو بكر بن العربي (543ه)، ثم القرطبي (671ه).

ومن الزيدية الحسين بن احمد النجدي في كتابه (شرح الخمسمائة آية)، وهو من طبقة القرن الثامن، ثم شمس الدين بن يوسف من علماء القرن التاسع، ثم محمد بن الحسين الزيدي في كتابه (منتهى المرام).

واحتفل التاريخ المعرفي عند الشيعة الامامية يكتب تفسير الاحكام، فكانت التفاسير الاثرية كتفسير العياشي، وعلي بن ابراهيم التي توفرت كثيرا على شرح آيات الاحكام، ثم جاءت مرحلة التفاسير التكاملية المنهج كالتبيان، ومجمع البيان،وبعدهما جاء كتبا فقه القرآن لابن الراوندي (573ه)، ثم كنز العرفان للمقداد السيوري الحلي (826ه)، الذي نص على ان معاصره ابن المتوج البحراني له كتاب اسمه (النهاية في تفسير آيات الاحكام)، ثم المقدس الاردبيلي صاحب زبدة البيان(993ه)، الذي حظ ى بحواش عدة، منها حاشية الفيض الكاشاني (1091ه)، وحاشية نعمة اللّه الجزائري (1112ه)، ثم كتاب احمد الجزائري (قلائد الدرر) وقد فرغ من تصنيفه (1138ه)، ثم مسالك الافهام للشيخ جواد الكاظمي (1065ه)،واخيرا الدراسات المعاصرة في موضوعات قرآنية متخصصته..

اخيرا فان هذه المقدمات ربما تمكن المتصدين لتحليل النص التشريعي في القرآن من اضاءة فهم لنص، واللّه المعين علت كل امر وحاله. ((50)) المسلمون ورحلة البحث عن العقلانية والحرية والعدل

 سعيا وراء العناصر الغائبة في النهضة:

المسلمون ورحلة البحث

 عن العقلانية والحرية والعدل

ا. جواد علي كسار

مدخل ليس من اهداف هذا المقال تقديم دراسة عن الخطاب السائد حيال العقلانية والحرية والعدل، كما تعكسه مختلف اتجاهات الفكر العربي او الفكر الاسلامي بمدارسه المتفاوتة. ضرورة ان ناخذ بالاعتبار ان ما نعنيه ب «الخطاب»، هو نظام الفكر او طريقة التفكير وليس «الاداء» او «المقولة»، كما يشيع خطا في عدد كبير من الكتابات. ((51)) فمنهجية التعاط ي مع الخطاب العربي والاسلامي وصفا لاول وهلة، ثم تحليلا وتفكيكاللخلوص الى نتائج معينة من بعدذلك، هي عملية انطلقت باسمها((52)) مع بداية الثمانينيات من القرن الماضي، قبل ان تتحول بعدئذ الى سمة، بل ثقافة تؤطر العمل الفكري في العالم العربي والاسلامي((53)).

ربما كانت ابرز محاولة اشتهرت على هذا المسار، ما قدمه المثقف المغربي محمد عابد الجابري في كتابه «الخطاب العربي المعاصر»، وايضا كتاب فادي اسماعيل «الخطاب العربي المعاصر: قراءة نقدية في مفاهيم النهضة والتقدم والحداثة»،((54)) مضافا الى عدد كبير من الدراسات التي لم تحمل مصطلح «الخطاب» عنوانا لها، لكنها التقت في المهمة ذاتها وظيفيا من حيث توفرها على وصف وتحليل انظمة الفكر، ونقد انماط التفكير في مختلف المرافق عبرالتفكيك.((55)) قلت: لا يهدف المقال الى مثل هذا، بل كل ما يتوخاه هو التركيز على عينة من الفكر الذي ينتجه عدد غير قليل من الكتاب العرب والمسلمين، عبر تاكيدهم المكثف على المعتزلة. فما يدرسه هذا المقال، هو معرفة بواعث هذه العناية المتميزة بالمعتزلة بحثا في فكرهم عما يفتقده العرب والمسلمون في واقعهم الحاضر، وما هم في امس الحاجة اليه لتحقيق نهضتهم. ثم تمحيص النتائج عبر محك الواقع، وما يزخر به من حقائق لا يكاد يختلف عليها احد.

من يلقي نظرة، ولو عابرة، الى المكتبة العربية يلحظ كثافة لا تخطؤها العين في الاصدارات ذات الصلة بالمعتزلة.والحقيقة ان الاهتمام بالمعتزلة لا يقتصر على العالم العربي وحده، بل يمتد الى اقاليم مسلمة اخرى كايران. فمع ان المناخ الفلسفي التقليدي في البلد يشهد هيمنة واضحة لمدرسة الحكمة المتعالية، وفكر صدر الدين الشيرازي واتباعه، الا ان هناك عناية واضحة بالمعتزلة ومنحاهم العقلي في الجانب الذي يتصل بفكر النهضة.

ففي كتاب مثير يعنى بقضية التخلف في ايران، القى المؤلف باللائمة على هيمنة النزعة الاشعرية المناهضة للعقلانية،التي ازدهرت في ايران عبر افكار ابي حامد الغزالي (505ه)، معزيا اليها لا الى الغرب الجذور التاريخية للتخلف بانقلابها على الفكر العقلاني للمعتزلة.((56)) هذه العناية بالاعتزال، التي اكتسبت خلال العقدين الماضيين طابعا مطردا، لا يبدو في الافق ان ثم نهاية لها، بل هي تزداد كما ونوعا.

لا يخفى ان الاهتمام في تيارات الفكر العربي الحديث والمعاصر لا يقتصر على المعتزلة وحدهم، بل يمتد ليشمل كل ماله صلة بابن رشد، في بواعث وان كانت تشترك بين الاثنين، الا انها تؤكد على العقلانية اكثر بوصفها ابرز عنصر عندفيلسوف قرطبة.

هذا المعنى هو الذي يفسر امتداد ابن رشد خارج نطاقه الشخصي، ليتحول الى ظاهرة تستعاد تحت عنوان الرشدية،ويستحضر منهجها في نطاق ما يعرف ب «العقلانية الرشدية».

لكن المقال يركز على الاعتزال دون ابن رشد، لان الاعتزال فرقة واتجاه، وابن رشد فرد.

القراءة الاسقاطية بديهي ان هذه العناية بالاعتزال ليست من ضرب الممارسة الفكرية المحضة. اقصد ان ما يستحضر من المعتزلة في هذه الدراسات ليس مثلا مقولاتهم في الصفات الالهية، متمثلة بنظرية نيابة الذات عن الصفات، او تفسيرهم العلم الالهي للاشياء قبل الايجاد في ضوء نظرية الثابتات الازلية، او نظريتهم في المجاز، او موقفهم من صاحب الكبيرة، وغير ذلك من مقولاتهم الكلامية، بل يستفاد من فكرهم في هذا وغيره نزوعهم الى السببية، ومسؤولية الانسان ازاء افعاله، ومنحاهم العدلي. اي يصار الى توظيف مدلولات هذا الفكر نظريا وسياسيا واجتماعيا لما يخدم حاجة الواقع الحاضر الى العقلانية والعدل والحرية. بل، من الباحثين من يذهب الى ان الموقفين الاشعري والاعتزالي في المقولات الكلامية تاريخيا ما هماالا تنظير متاخر لصراع على الارض، ومحاولة لصياغة موقف نظري من الواقع الاجتماعي.((57)) تتاكد هذه الملاحظة اكثر اذا عرفنا ان العناية بالمعتزلة تنطلق من شواغل ذات صلة بواقع العرب والمسلمين، وكيفية السبيل الى نهضتهم، وتجاوز ما هم فيه من تخلف وضعف. ومن ثم فهي من نمط القراءات الاسقاطية التي تلقي بهموم الحاضر، وتتلمس شواغله عبر فكر تيار من تيارات المسلمين وممارسته، كان له في برهة من التاريخ حظ ه في اذكاءحركة الفكر، واسباغ طابع محدد على السياسة والاجتماع، وعلى السلطة والناس، من خلال تاثيرات ذلك الفكر.

بيد ان المفارقة التي تبرز كبيرة في هذا الاهتمام المتصاعد بالمعتزلة، ان هذه الفرقة اندثرت كاغلب التيارات الفرقية والمذهبية ولم يعد لها وجود في حياة المسلمين الحاضرة. ثم يكبر حجم هذه المفارقة، وتتكث ف من ورائها علامات الاستفهام عن جدوى الاصرار على استحضار المعتزلة في قضية عملية متغيرة ترتبط بنهضة الامة، تحتاج الى فكر تطبيقي ومنهجيات للتنفيذ ربما اكثر من حاجتها الى التنظير المحض.

في الحقيقة، ان هذه المفارقة هي بنفسها قرينة قوية ترجح القراءة الاسقاطية التي ترمي شواغل الحاضر وهمومه على الماضي، وهي مدفوعة الى ذلك باسباب عديدة، منها الخشية من مواجهة الواقع والتصادم مع القوى المستفيدة منه، سواءكانت قوى سياسية او اجتماعية او دينية محتمية بمرجعية مضادة في محتواها ومنهجها للمرجعية الاعتزالية.

وايا ما كانت الدوافع، فان الاحتماء خلف المعتزلة في تحليل ازمة الواقع الحاضر وترسم الحلول لها، لا ينبغي ان يحجب الاهداف العامة الكائنة وراء هذا الالحاح في دراسة الاعتزال والاصرار المتزايد عليه.

العقلانية والحرية والعدل غياب العقلانية عن منهج التفكير، والافتقار الى الحرية والعدل في المضمار السياسي والاجتماعي، هما مشكلتان التقت حولهما اغلب القراءات التي درست اسباب تخلف العالم العربي والاسلامي. ومن ثم ابدت تيارات النهوض ميولا شديدة الى كل من يجسد هذه القيم الغائبة، بخاصة اذا كان ينتمي الى المسلمين انفسهم.

لم يجد الباحثون غير المعتزلة لهذه المهمة الخطيرة، وهم فرسان العقل ورواد الحرية والعدل، على ما يالفه وعي اغلب المسلمين المتعلمين، وبحسب ما تشيعه الرواية السائدة في قراءة تاريخ المسلمين الفكري والسياسي والاجتماعي.

في الحقيقة، لسنا نريد مصادرة المعتزلة حقهم في مقولات العقل والعدل والحرية، بل نهدف الى استعادة حقوق للاخرين هدرتها القراءات المعاصرة بدوافع الانحياز او الاقصاء، لا تقل عن المعتزلة في اعلاء شان العقل والمناداة بالحرية والعدل ان لم تزد عليهم، كما هو الحال مع الشيعة الاثني عشرية والزيدية، اذ لا معنى للاقصاء وتجميد طاقات الاخرين عندما يرتبط الامر بنهضة المسلمين ونجاتهم من كبوتهم الحاضرة.

على هذا، وجد رادة فكر الاحياء والنهضة في العالم الاسلامي ضالتهم في المعتزلة، كما وجدوا بالعناية بهم وتضخيم دورهم افضل وسيلة لنقد الواقع وضرب مرجعياته التي يحتمي بها في الفكر الديني والسياسي والاجتماعي.

وقد ساهم في اذكاء هذه النزعة وتعزيز مصداقيتها ان احدا، ممن تعنيه قضية نهضة المسلمين، لا يشك بان غياب المنهج العقلي في الفكر والنظر ياتي في طليعة مشكلات المسلمين حاضرا، يضاف اليه مشكلتهم في عدم وجود الحرية، وهيمنة الاستبداد في المجال السياسي، والافتقار الى العدل في المجال الاجتماعي.

فمهما يكن انتماء الانسان ايديولوجيا للاسلام او للعلمانية، ومنطلقه المنهجي في الحركة اصلاحي وسط ي ام تغييرى ثوري،لا يسعه ان ينكر على المسلمين افتقار واقعهم المعاصر الى العقلانية والحرية والعدل، كثلاثة من ابرز اركان ضعفهم وتخلفهم، وان قدم منظورا آخر للتخلف والنهضة يشتمل على عناصر جديدة مثل: التبعية، وتحديات الخارج متمثلة بالاستكبار والاستعمار، او هيمنة المركز الغربي والعولمة، او لاذ بقراءة متغايرة تتباين فيها مواقع الضعف والتخلف بين اولويات الداخل والخارج. بمعنى انه حتى الذي يتحدث عن اولوية الاستعمار في تخلف المسلمين، لا يسعه ان ينكرافتقارهم الى العقل والحرية والعدل، سواء اكان ذلك بسبب الاستعمار الخارجي او بفعل داخلي.

ان ذلك كله لا يعفي احدا من الاذعان الى مشكلة المسلمين حاضرا في العقلانية والحرية والعدل، وحاجتهم الماسة اليهاكحاجتهم للهواء والماء.

نفي الضد الشي البديهي ان الالتقاء على العقلانية والحرية والعدل، كمطالب غائبة لابد منها لنهضة المسلمين، بل لوجودهم الهادف الكريم، يعني نفي الضد ايا ما كانت مرجعيته، ومهما كان منشؤها ومصدرها ولونها، دينيا ام اجتماعيا ام سياسيا.

فاذا ما كان جوهر العقلانية الايمان بالسببية، والارتكاز الى نظام العلة والمعلول، فسيتم رفض اي منهجية في الفكرتغاير هذا النمط وتضاده. وبهذا الشكل وقعت الاشعرية بوصفها طريقة في التفكير، وليست انتماء فرقيا موضعا لنقدالعقلانية، بوصفها الضد النوعي لمنهجية التفكير الاعتزالي.

كما دابت هذه القراءات على مناهضة اي نزعة لاسباغ طابع الحق الالهي على الحكم، واضفاء القدسية على السلطة وهي تمارس باسم الدين ومن خلاله، ورفض المواجهة مع الحاكم واحاطته بهالة من التقديس وما يشبه العصمة تمنع من مساءلته ونقده ومحاسبته، مهما كانت التلوينات الدينية التي تستخدمها في تسويغ هذه الممارسات.

اهل هذه القراءات يتعاملون مع السلطة ونظام الحكم كمنطقة مفتوحة ما بعد المعصوم على اجتهادات عديدة، ولايذعنون الى اجتهاد واحد يكون هو الحق وما سواه الباطل. وياخذون من موقف المعتزلة في حرية الفعل الانساني ومسؤولية الانسان عن فعله، ومن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يعد احد المبادئ الاعتزالية الخمسة، ياخذون من التوفيق بين هذين الاثنين اساسا لموقف يجعل الامة ركنا في شرعية الحاكم، ولها دور اساس في المشاركة بالسلطة،ومراقبة المسؤولين ومحاسبتهم.

اما في العدل، فتجتهد هذه القراءات وتتوسع في مد المبادئ الاعتزالية الى حيث ما يصبح العدل قيمة جامعة لا تقتصرعلى الجانب الحقوقي وحده، بل تشمل الاقتصاد بالاخص الثروات العامة، حيث تميل الى تحديدها ومواجهة اى نزوع لتكدس الثروة بيد فئة او طبقة باسم الدين، ومن خلال توظيف بعض الاحكام الفقهية واحيانا الحيل الشرعية ليبرزمفهوم العدل الاجتماعي مصداقا لا يقل في اهميته عن العدل الفردي والقضائي.

امثلة تطبيقية بودي ان اغتنم فرصة هذا المقال كي اغني هذه الملاحظة، واعززها بعدد من التطبيقات التي اخذتها من مصادر مختلفة في الانتماء والمنهجية، لكنها تتفق في المل العام.

يشهر الباحث المصري نصر حامد ابو زيد العقل كبداية لابد منها تسبق اي فعل، وهو يكتب: «ولا سبيل امامنا الا ان نسعى في تاسيس العقل». هذا التاسيس((58)) الذي يتحول عنده الى شرط للعودة الى الاسلام نفسه: «ان العودة الى الاسلام لا تتم الا باعادة تاسيس العقل في الفكر والثقافة» ((59)).

لقد ذكرت غير مرة ان الاعمال الفكرية لابي زيد لم تحظ بتقييم علمي محايد مبرا من العواطف والانحياز، منزه من شواغل الصراع الحزبي والسياسي، خال من استثارة العواطف الدينية وتاجيجها، خاصة بعد ان دخلت قضيته نفق الفتاوي والتكفير والحكم عليه بالردة، شانه في ذلك شان غير واحد من مفكري الضجة في العالم العربي والاسلامي. ((60)) فاستخدام الفتوى للتكفير في غير موضوعها، وكذا استخدام حكم الردة في غير موضعه، يعدضربا من الاغتيال المعنوي للفكر والمفكر لا يقل اثره، ان لم يزد، على تصفية الفكر باغتيال المفكر جسديا واسكاته بالرصاص.

كنت اميل منذ البداية الى ان لنصر حامد ابي زيد مشكلة مع الاشعرية كمنهجية في التفكير وتنميط العقل، تدفعه بعض الاحيان للانفعال والخروج باحكام عامة تفتقد الدقة. ثم تاكدت هذه الملاحظة بمراجعة قمت بها لاغلب كتب ابي زيد ان لم يكن جميعها.

بديهي لا يحمل هذا الكلام لا مدحا لافكار ابي زيد و لا ذما لها، لان موضوعه ليس تقويم افكاره، بل الاشارة الى منهجية خاطئة بل قل خطيرة في التعامل مع الافكار واصحابها، راحت تزدهر خلال العقود الاخيرة عبر استخدام مكثف للتكفير والتبديع، لقد اثبتت التجربة ان التكفير والتبديع ((61))في غير موضعهما يحنطان الفكر ويجمدان العقل، فضلاعن انهما لا يحلان من مشكلة الافكار شيئا، ولا يساهمان في تجاوز ازمات الواقع.

على خلفية هذه الملاحظة يشكو ابو زيد من الاشعرية التي قلبت الوضع الطبيعي الذي كان عليه علم الكلام عندالمسلمين «واوقفته على راسه»،((62)) وراحت تملي بقبضتها القوية على عقول المسلمين. وعندئذ لم يجد لمواجهة المنظومة الفكرية الاشعرية الا استحضار ضدها، متمثلابالمعتزلة وميلهم الى الاعلاء «من شان العقل»((63))، كخصوصية يضاف اليهامبدا العدل الذي اخذوا به، وهو «يتضمن كل مبادئ المعتزلة عدا التوحيد» ((64))، ويرتبط «باهداف اجتماعية وعملية»((65))كما يقول.

لكن ربما يتبادر الى الذهن سؤال: اذا كان مفهوما ان تلتقى دراسة ابو زيد للاتجاه العقلي عند المعتزلة مع هذه الملاحظة،فكيف يمكن توجيه دراسته للتاويل عند ابن عربي، اذ خصص له كتابا ضخما هو: «فلسفة التاويل: دراسة في تاويل القرآن عند محيي الدين بن عربي»!؟ شخصيا اضع المحاولتين دراسة المعتزلة وابن عربي في اطار التحرر من اطر الاشعرية وقوالبها الفكرية. فاذا كان الباحث يجد في الاعتزال خياراته في العقلانية والعدل والحرية، فهو يعثر عند ابن عربي (ت: 638ه) ورحابة فلسفته التاويلية سعة، ويرتاح اليها عقله، وتطمئن اليها نفسه، ذلك ان الذي يتحرر عن القوالب المنمطة يبحث عن الرحابة دائماويميل اليها. ربما يدرج بعضهم دراسة ابو زيد للاتجاه العقلي عند المعتزلة، وفلسفة التاويل عند ابن عربي في اطار هموم اكاديمية صرفة.

لكن مقدمات كتبه وواقع الرجل، لاسيما بعد الحكم عليه بالردة، يثبتان انه معني بقضية الواقع من خلال رؤية معينة بصرف النظر عن حكمنا على هذه الرؤية.

على ان النزوع الاكاديمي لا يعني دائما اهمال الواقع والانفصال عنه، بل قد يعبر في احايين كثيرة عن خيارات صاحبه ومتبنياته ورؤاه ازاء الواقع، اذ لا ينتظر من الاكاديمي ان يلتزم ازاء الواقع ذات الخيارات التي يلتزمها السياسي والحركي والفاعل الاجتماعي او الاعلامي.((66)) مشروع التراث والتجديد مع حسن حنفي تبدو الفكرة المثارة هنا اوضح. فعندما اصدر مطلع الثمانينات البيان النظري لمشروعه الموسوم «التراث والتجديد»، عزا جزءا من تخلف المسلمين الى هيمنة العقل الاشعري، وبنص تعبيره: «ساد الاختيار الاشعري اكثر من عشرة قرون، وقد تكون هذه السيادة احدى معوقات العصر..

ومن ثم فالاختيار البديل الاختيار الاعتزالي الذي لم يسد، لسوءالحظ، الا قرنا او قرنين من الزمان، بلغت الحضارة الاسلامية فيها الذروة، هذا الاختيار قد يكون اكثر تعبيرا عن حاجات العصر».((67)) بيد ان هذا التردد ب «قد» في تفسير الازمة على اساس هيمنة الاشعرية وترسم سبيل الحل من خلال الاعتزال، يعود بعدثماني سنوات ليتحول عند حنفي الى لغة جزمية مطلقة، وهو يسجل نصا في احد تطبيقات مشروعه، ان: «علم الكلام الاشعري هو المسؤول الاول عن تخلفنا الحالي».((68)) يوضح حنفي ذلك، بان: «علم اصول الدين الاعتزالي قد اعط ى الصدارة لحق الانسان، وهو ما لم يحافظ عليه علم الكلام على الطريقة الاشعرية عندما ابتلع التوحيد العدل، حتى اختفى العدل كلية من وجداننا المعاصر».((69)) عن الطابع العقلاني للتاسيس الاعتزالي ليس في المضمار العقيدي النظري وحده، بل ايضا في مجال التفاعل بين العقيدة والواقع، ومن ثم دور هذه العقلانية في التطور والتغيير الاجتماعي، يسجل حنفي بالصيغة الجزمية ذاتها: «وعلم اصول الدين الاعتزالي هو الوحيد الذي حاول ان يقيم ذاته على اصول، ويحدد بناء العلم عقليا دون ترك ذلك لفعل التطور والعمل والتاريخ جيئة وذهابا».((70)) على هذا تنتهي محاولة حسن حنفي في: «من العقيدة الى الثورة»، التي تعد احد ابرز التطبيقات المكتملة لمشروعه «التراث والتجديد» بجبهاته الثلاث((71))، الى ان تكون مسعى جادا لتحقيق الانتقال من الاشعرية الى الاعتزال.

يكتب:«ومحاولتنا هذه من العقيدة الى الثورة هو انتقال من بناء العلم الاشعري الى بناء العلم الاعتزالي»،((72)) حيث يكرر هذاالمعنى اكثر من مرة((73)).

يبدو ان مرور اكثر من عقد من السنوات على هذا الكلام، لم يغير من قناعات حسن حنفي في هذا المجال، بل بالعكس ازدادت رسوخا وجراة، واكتسبت مرونة اكثر في التعاط ي مع الخيار العقلاني سواء تمثل عند المعتزلة او عند غيرهم،وبالتحديد الشيعة.

ففي حلقة حوار حول فكره عقدت في لندن عام 1999، رد على من اتهم مشروعه انه يهدف الى تصفية التراث باسم التراث، بقوله: «فانا اصفي التراث الاشعري باسم التراث الاعتزالي، وما العيب في ذلك؟» ثم يمضي للقول مدللا على معنى آخر في هواجس هذه القراءة الاسقاطية: «اصفي بعض الجوانب الرجعية المتخلفة في التراث القديم الذي ابدعه فقهاءالحيض والنفاس، من اجل اعزاز تراث آخر قام به الائمة وفقهاء آل البيت والثورة».((74)) في الحوار ذاته ذكر انه ومن ينسج على المنوال الفكري ذاته:

«نسمى احيانا المعتزلة الجدد». وليس ثم ما يزعج حنفي من هذه التسمية، وهو الذي يصرح: «لو خيرت بين المعتزلة والاشاعرة فساختار المعتزلة»((75)).

من بين ما اخذه حنفي على التراث الاشعري تنظيره لفكر الطاعة والاذعان والتسليم للسلطان، ومواجهته لفكر التغييروالثورة والمعارضة، فيقول: «هناك فقهاء الشعب الذين انتهوا الى السجن والتعذيب، وبالتالي يعني تراث المعتزلة وتراث الزيدية وتراث الشيعة هذا تراث لم يكتب في بلاط السلطان، في حين ان التراث الاموي السني كتب في بلاط السلطان»((76)).

في هذه النصوص من حسن حنفي ما يكفي للتدليل على شواغل الحاضر في استحضار المعتزلة، واعادة قراءة فكرهم عبر شواخص الواقع المعاش وحاجاته.

اختراق ظلام الواقع في الحقيقة ان البحث في التراث الاعتزالي عن العقل والحرية والعدل، كثلاث دلالات على حاجة مشروع الامة في النهضة الى هذه العناصر، صار هاجسا يحرك الجميع في مشرق العالم العربي ومغربه.

ففي حلقة نقاشية انطلقت من عاصمة عربية كانت مؤدلجة حتى اذنيها بفكر الطاعة والاستبداد والنسق الفردي المدمرفي الحكم، لم يجد المساهمون فيها افضل من استحضار المعتزلة وابن رشد في كسر اطوقة النسق المغلق ذاك والانفلات من ظلامه، حيث سجل احد الحاضرين بان افضل المسالك المتاحة: «التي من شانها ان تحرر العقل العربي من مازقه[تكمن]بهذا القدر المفعم بالنضارة الفكرية وسط ظلمات موحشة، عبر القاضي المعتزلي وبعده ابن رشد».

ثم يضيف النص مدللا على موقع الحرية والعقل في النهضة:

«ان القانون الاول للنهضة هو ;ژرس ز÷الحرية;ژرس ز÷، فريضة العقل الاولى،ماهيته وحقيقته. وعبر منطق الحرية ارادة واختيارا، وعيا والتزاما، بسط المفكرون العرب براهينهم المتماسكة بياناواضح المرامي والغايات في مرحلة البحث عن النهضة، حتى غدت الحرية حجر الزاوية في مجتمع الحاضر ودولة المستقبل».((77)) انها فضيلة كبيرة تسجلها هذه القراءة الاسقاطية لنفسها، نظرا لما توفره من ادوات نقد للواقع المعاش في ظل استبدادبشع، يكبت الاماني في النفوس فضلا عن التعبير عنها فكراوعملا ، اذ يلوذ هؤلاء بالمعتزلة وابن رشد لايجاد هامش من الامان النسبي.

على ان المطالبة بالعقلانية والحرية والعدالة تتحدى حدود هذا الاقليم وذلك، لتتحول الى موضع لاجماع كل صوت يندبهموم التغيير في هذه الرقعة من العالم، ذلك لان: «القضية الاساسية التي ينبغي على المثقف ان يركز عليها هي كيف نفكربالحرية اليوم؟ كيف يمكن ان نجعل الحرية الموضوع المركزي لكل تفكير؟».((78)) العقل المسلم: محاولتان نقديتان

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية