الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

كثيرة جدا هي المحاولات التي انطلقت خلال العقدين

الاخيرين، والتي تبحث في ازمة الواقع من خلال ارجاعها الى ازمة في العقل. ولكثرة هذه المحاولات تصح الملاحظة التي تجعل من مقولة «نقد العقل» عربيا كان هذا العقل او مسلما اواسلاميا، احد ازمنة الثقافة العربية المعاصرة.((79)) وبرغم تباين المنهجيات التي طرقت هذه المقولة، لكن لا ريب ان احداها هي التي تمثلت بنقد سلفية هذا العقل اونصوصيته او اشعريته لما ينتهي الى اعادة تاسيسه اعتزاليا. وهذا هو ما يهمنا من هذه المحاولات، وليس تلك التي تكتفي من الاطروحة بعنوان ضخم خال من اي جديد، هذا ان لم تعزز بنفسها المنحى اللاعقلاني وتزيد في الغيبوبة والضياع!((80)) المحاولة الاولى: السلطة في الاسلام في بادرة استقطبت شيئا غير قليل من عناية الناقدين بها، سعى الكاتب المصري عبد الجواد ياسين الى دراسة السلطة في الاسلام عبر تحليل ما اطلق عليه «العقل الفقهي السلفي» بين سلطتي «النص والتاريخ».((81)) يسج ل الكتاب صراحة ان القضية التي تعنيه، هي: «موقف العقل الاسلامي الراهن في مجمله، من قضيتين في غاية الاهمية والخطر، اعني بذلك موقفه من ;ژرس ز÷العقل;ژرس ز÷، وموقفه من ;ژرس ز÷الحرية;ژرس ز÷ في مضمونها السياسي على وجه التحديد». ((82)) هذا الشاغل قاد المؤلف للابحار عبر الماضي الى حيث ما تكمن مرجعيات هذا العقل، فانتهى به تحليله الى ان: «العقل والحرية قيمتان غائبتان»((83)) في المنظومة السلفية بخطها الاشعري الذي كانت له ولا تزال الهيمنة على ساحة كبيرة من مكونات هذا العقل، ومن ثم التاثير على فعاليته.

راح الباحث يحث خطاه باحثا عن ضالتيه في المنظومات الاخر داخل الفضاء الاسلامي، فانتهت به الرحلة الى ما يلي:

اولا: هناك ضرب من العقلانية النسبية بحسب راي المؤلف في التشيع الامامي. بيد ان المشكلة في ان تتحو ل هذه العقلانية الى حل لازمة العقل المسلم، تكمن بحسب رايه ايضا في ان هذه العقلانية، هي: «مجرد عرض من اعراض النزعة اللاسلفية»،((84)) وهي بهذا الوصف تعبير عن:

«مسلكية مكتسبة وليست فطرية»((85)).

ثم انها تعد عقلانية اذا «ما قيست الى الموقف السلفي، وبالذات الى موقف اهل الحديث». واخيرا: «ان الفكر الشيعي لم يمارس هذه العقلانية الا خارج نطاق الامامة، وهي اصل الاصول في بنيانه كله».((86)) ثانيا: اما مع المعتزلة فان المسالة تختلف تماما، «فقد ولد الفكر الاعتزالي مفطورا على العقل، مبصوما بخاتم الحرية»،((87)) بحسب تعبير الكاتب.

في هذا الضوء لابد للكاتب وهو يحمل هواجس البحث عن العقلانية والحرية، ان ينحاز الى المعتزلة. وهذا ما يخلص اليه فعلا وهو يكتب تحت عنوان دال هو «العقل والحرية» ما نصه:

«لقد كان الحضور البارز لهاتين المفردتين الرائعتين [العقل والحرية ]داخل المنهج الاعتزالي هو سراحتفالنا بالمعتزلة على وجه التحديد»((88)).

طبيعي ان النص عرضة لاسئلة كثيرة لسنا الان بصدد بحثها مفصلا، من بينها: ما معنى ان يكون فكر المعتزلة مفطورا على العقل؟ وكيف جاز لفكر هؤلاء وحدهم ان يفطر على العقل دون بقية خلق اللّه؟ ثم اين هم المعتزلة الان؟ وما هي امكانات فكرهم، وقد توقف عن الانتاج في القرن الخامس الهجري، في الاجابة عن اسئلة الواقع وازماته ومشكلاته المحاولة الثانية: ازمة العقل المسلم ثمة محاولة اخرى انطلقت قبل عقد من السنين، بيد انها لم تحظ بالاهتمام الكافي قراءة ونقدا برغم اهميتها. هذه المحاولة تنطلق باختصار من فهم يرى ان ما ينقص الامة هو: «منهج الفكر السليم»، وان الاشكال الذي تواجهه بالعمل يكمن ب :

«العقلية والمنهج»، ومن ثم فان الفكر التطبيقي في بعديه الحركي والنهضوي ينبغي ان يقاس: «في نوعية العقلية والمنهج» الذي يستند اليه وينطلق منه((89)).

وبذلك تصير مشكلة الامة الكبرى هي ازمتها مع العقل، ومع ان صاحب هذه المحاولة لا يصرح بان الحل يكمن باستعادة المنهج الاعتزالي او الرشدي، الا انه يدرك تماما ان الامة لا يمكن ان تتوفر على منهج الفكر السليم الذي ينقصهاوهي واقفة تراوح في اطار منطلقات المنظومة السلفية في صياغتها الاشعرية والغزالية (نسبة الى ابي الحسن الاشعري وابي حامد الغزالي)، او في نطاق السلفية المتشددة ماثلة في مدرسة ابن تيمية ومن يليه.

على ان في الكتاب وفرة من النصوص ذات المنحى النقدي للاطر السلفية الموروثة، ونزوعا لا تخطئه العين الى العقلانية وان جاء متوازنا. ففي الوقت الذي ينقد فيه الكتاب ما يسميه ب «الحل الاجنبي»، لا يتوانى المؤل ف نقد الحلول التي تنطلق من التقليد التاريخي او «الحل التقليدي التاريخي الاسلامي» الذي يمثل «مجموعة الحلول المنقولة جوهريا من بطون التاريخ، مع الغاء الابعاد الزمانية والمكانية وآثارها».((90)) لكن، ربما كان الاهم من ذلك كله، جراة الكاتب في وضع اصبعه على مكامن حساسة لخلفية ازمة المسلمين وجذورهاالتاريخية، من دون ان تاخذه هيبة كبيرة كتلك التي تسود عند السواد الاعظم من الكتاب المسلمين، حيال البواكير الاولى من تاريخ المسلمين، تحت ذرائع القداسة والمطلقات والثوابت: «مما ساعد على غبش الرؤية الاسلامية المعاصرة، تلك العوائق النفسية التي روضت العقل المسلم ترويض الحيوانات الكاسرة، فلا يجرؤ على امعان النظر التحليلي في تراثه ومقدساته بالقدر والعمق المطلوب، لكي يدرك كنهها وموضع اللباب منها... لقد شل ما غرسناه في انفسنا من معاني الخوف والرهبة وانعدام الثقة بالنفس قدرتنا على النظر في احداث الماضي وملابساته ونقائصه، ولذلك ظل العقل المسلم حتى اليوم اسير مفاهيم ومنطلقات اساسية تجعله حبيس اخطاء الماضي وانحرافاته دون القدرة على الفهم والتمييز وتصحيح المسارات والغوص في القضايا التي يواجهها».((91)) التقويم ان وجود ازمة يعيشها المسلمون حاضرا على صعيد غياب العقلانية عن منطقة التفكير، والافتقار الى الحرية والعدل في المجالين السياسي والاجتماعي الى جوار وجود ازمات اخر هي حقيقة لا نقاش فيها.

بيد ان ذلك لا يعني التسليم ببقية عناصر اللوحة، فمن جهة احسب ان هناك مبالغة في ايكال جميع اسباب انهيارالمسلمين وتخلفهم الى العقلية الاشعرية او الكلام الاشعري. كما ان هناك خطا في تقويم الاشعرية والنظر اليها كقطعة موحدة ومنسجمة، او ككيان مطلق يمارس تاثيره من وراء الزمان والمكان ويرمي بثاره على حاضرنا.

في المقابل ثم مبالغة في تضخيم دور المعتزلة في التاريخ، وعدهم عاملا وحيدا لتقدم المسلمين في القرنين الثالث والرابع الهجريين. كما ان هناك خطا في تقويم الاعتزال والنظر اليه قطعة موحدة ومنسجمة، او كيانا مطلقا يتحرك فوق فضاء الزمان والمكان، ويفرض تاثيره بمعزل عن الاوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

يبدو ان المبالغة في دور المعتزلة هو الذي اغرى مفكرا شيعيا من وزن مرتضى مطهري (ت: 1979) الى ان يسجل: «لابدان نعتبر خطوة المتوكل العباسي ضد المعتزلة، وتركيزه للمبدا الاشعري فاجعة عظمى للعالم الاسلامي».((92)) وان عادليوازن ذلك بحساب منطق المقارنة بين المعتزلة والاشاعرة، حين كتب: «لا شك في اننا لو قارنا المعتزلة بالاشاعرة راينا ان المعتزلة كانوا يمتلكون حرية فكرية واستقلالا ذهنيا لائقا».((93)) الراجح لدى ان الاستاذ مطهري كتب ما كتبه في تقويم المعتزلة تحت تاثير احمد امين في «ضحى الاسلام»، تحديداقوله: «وعندي ان الخطا في القول بسلطان العقل وحرية الارادة والغلو فيهما خير من الغلو في اضدادهما، وفي رايي انه لوسادت تعاليم المعتزلة الى اليوم، لكان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحالي، وقد اعجزهم التسليم وشلهم الجبر، وقعد بهم التواكل»((94)).

بديهي لا نقصد تبرير خطوة المتوكل العباسي في ضرب المعتزلة، انما نقصد ان نقلل من دور هذه الخطوة التي رفعهاالنص الى مستوى ان تكون فاجعة عظمى للعالم الاسلامي. على ان انحياز مطهري للمعتزلة جاء من زاوية ايمانه بالعقلانية وحرية الراي والتفكير، ونفوره من التحج ر والجمود واسباغ القداسة الكاذبة على الافكار، مما لا يقتصر على هذا الكتاب وحده، بل يتعداه الى غيره.((95)) على ان المبالغة بدور المعتزلة لا تقتصر على هذه النصوص وحدها، بل هي منحى يسبغ اتجاهات لا تزال فاعلة في الفكر العربي، ليوقعها بالتهافت. على سبيل المثال يؤرخ احدهم لسقوط الانتاج الفكري كمنظومة، وللواقع السياسي كبنية،بسقوط المعتزلة انفسهم: «يمكننا ان نقول بان الفكر العربي توقف عن انتاج البنى الثقافية والفكرية السياسية منذ ان سقطت تجربة المعتزلة على ايدي الحنابلة والاشعرية».

يضيف: «وهذا السقوط كان ايذانا بانتهاء حركة الفكر التي سادت نحو مئتي عام»!((96)) لا اعرف حقيقة ماذا يعنيه الكاتب بحديثه عن حركة الفكر خلال نحو مئتي عام، هل يعني به تاريخ المعتزلة الذي يفترض انه بدا مع واصل بن عطاء (80 131ه)، وعمر بن عبيد (ت:

144ه)؟ ام يعني به تاريخ تدوين العلوم وتنظيم المعارف في الحياة العامة للمسلمين، وهذا لم يبدا الا بعد عام 140ه على احسن التقديرات؟! احسب ان الحماسة الزائدة هي التي توقع بمثل هذه المبالغات التي لا طائل من ورائها، خاصة اذا اخذنا بنظر الاعتبار ان حركة الفكر بقيت مستمرة بالازدهار في القرنين الرابع والخامس الهجريين، بل حتى اكثر من ذلك خاصة اذا نظرنا الى واقع المسلمين بمختلف اتجاهاتهم وفي بلدانهم كافة.

هكذا يتبين ان هناك مبالغة في قراءة دور المعتزلة جاءت على حساب اقصاء الاخرين بالاخص الشيعة. ثم ان هذا المسارفي البحث عن العقلانية والعدل والحرية لا يمكن ان يثمر شيئامهما لصالح نهضة الامة حاضرا في ضوء اندثار المعتزلة،ومن ثم ينبغي تصحيح المسار باتجاه آخر.

اقصاء الغير! ان هذه القراءة الاسترجاعية الاسقاطية في البحث عن هموم الحاضر وشواغله في فكر المعتزلة، كانت ولا تزال عرضة لمشكلات كثيرة على صعيد المنهج والمحتوى والنتائج، كما المحنا اليه قبل قليل.

فلا شك ان المبالغة بدور المعتزلة جاء على حساب اهمال القوى العقلانية والثورية الاخر، التي يهمنا منها الشيعة الاثناعشرية. فلغة الاقصاء واضحة في اهمال الشيعة والتشيع والتمجيد بالمعتزلة والاعتزال، مع ان الشيعة ليسوا اقل من المعتزلة عقلانية وفق المعايير ذاتها التي يستخدمها هؤلاء الدارسون في قراءاتهم، بل كان لفظ العدلية يطلق حين يستخدم على الشيعة والمعتزلة معافي مقابل الاشاعرة. فقيم العقلانية تطفح من فكر الشيعة ومصادرهم في مختلف ضروب المعرفة. اماعن الثورية، فلم ينتقع تاريخ المسلمين بدم كما انتقع بدماء ائمة الشيعة وثوارهم، وفي الطليعة دم الامام الحسين سيدالشهداء وصحبه من دون ان يعني ذلك التقليل من تضحيات الاخرين والاغضاء عنها.

الغريب في هذه المحاولات انها لم تقف عند حدود تضخيم المعتزلة، انما عمدت الى التقليل من شان المنجز الشيعي في عناصر قوته. ففي سياق مقارنة بعض الدارسين بين التصور السني للتوحيد والتصور المعتزلي، تراه يخرج عن الموضوع وهو يلمز بتوحيد الشيعة ويخفض من قيمته في مقابل اعلاء شان التوحيد المعتزلي، ناسبا ضعف التصور التوحيدي الشيعي ل «فقرها النظري» كما يزعم! وجدت هذا الكاتب مبهورا بالتوحيد المعتزلي من خلال بعض النصوص، منها نص ابي القاسم البلخي في قوله:

«المعتزلة مجتمعة على ان اللّه جل ذكره شي لا كالاشياء، وانه ليس بجسم ولا عرض، بل هو الخالق للجسم والعرض، وان شيئامن الحواس لا يدركه في دنيا ولا في آخرة، وانه لا تحصره الامكان ولا تحده الاقطار، بل هو الذي لم يزل ولا مكان ولازمان ولا نهاية ولا حد. ثم خلق ذلك اجمع واحدثه مع سائر ما خلق لا من شي، وانه القديم وكل ما سواه محدث، وهذاهو التوحيد».((97)) بصرف النظر عما يذهب اليه بعض الباحثين من ان ابا القاسم البلخي (ت: 317 او 319ه) تحول من الاعتزال الى التشيع، او اسس في الاقل لمنهج اسبغ فيه اللون الشيعي على حركة الاعتزال. بغض النظر عن ذلك كل ه، وعن نقاط اللقاءوالتفاعل بين الشيعة والمعتزلة، بودي ان اقف عند نص او نصين من غرر النصوص التوحيدية عند الشيعة.

فكلنا يعرف ان الصفات الالهية اثارت في فكر المسلمين معركة انتهت الى عدد من الاتجاهات الكلامية. عند هذاالمنعطف يروي المتكلم الامامي هشام بن الحكم ان زنديقا دخل على الامام جعفر الصادق (ع) يساله: «اتقول: انه سميع بصير؟ فقال ابو عبد اللّه(ع) : هو سميع بصير، سميع بغير جارحة، وبصير بغير آلة، بل يسمع بنفسه، ويبصر بنفسه، وليس قولي: انه سميع بنفسه، انه شي والنفس شي آخر، ولكني اردت عبارة عن نفسي اذ كنت مسؤولا، وافهاما لك اذ كنت سائلا،فاقول: يسمع بكله، لا ان كله له بعض، لان الكل لنا بعض، ولكن اردت افهامك والتعبير عن نفسي، وليس مرجعي في ذلك كله الا انه السميع البصير العالم الخبير، بلا اختلاف الذات ولا اختلاف معنى» ((98)).

يدل حديث الامام على عينية الذات للصفات، وعدم تحيث الصفات في الذات، بلغة مذهلة في دقتها، تكشف عن حذرالامام من ان يتبادر اي التباس الى ذهن السامع. فاذ يصف الامام(ع) اللّه جل جلاله بالسمع، سرعان ما ينفي ان يكون ذلك من خلال آلة، بل هو سميع بذاته بصير بها. واذ يقول الامام: «ان اللّه يسمع بنفسه ويبصر بنفسه» لا يلبث ان يلفت نظرالسامع الى ان هذا لا يعني انه سبحانه شي ونفسه شي آخر، بل عبر عن المعنى بهذه الصيغة للافهام، ولان اللغة لا تطيق اكثر من ذلك.

وعندما يذكر الامام ان اللّه جل جلاله: «يسمع بكله»، لا يبرح ان ينفي عن ذهن السامع ما قد يتبادر اليه من تجزئة وتبعيض.

عند مبحث العلم الالهي تاهت اتجاهات الفكر الاسلامي في تقديم تفسير للمسالة، وتوزعت بين البحث الفلسفي والكلامي والنقلي. سنعزف عن التفاصيل ونكتفي بنصين نختارهما عن الامامين الباقر والصادق (ع) :

نقرا في النص الاول: «لم يزل اللّه عز وجل ربنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر،والقدرة ذاته ولا مقدور، فلما احدث الاشياء وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم».((99)) وفي الثاني: «كان اللّه عز وجل ولا شي غيره، ولم يزل عالما بما يكون، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه».((100)) فيما يدل النص الاول على ان الاشياء كلها كانت موجودة في العلم، فان النص الثاني يؤكد دون شائبة ان علمه سبحانه بالاشياء حين الخلق وبعد ان كانت، هو كعلمه بها قبل ان تكون، من دون فرق بين الحالين، وذلك كاشارة لها مغزاها في مواجهة تيار في فكر المسلمين كان يذهب الى ان علم البارئ قبل الخلق هو علم اجمالي يصير تفصيليا بعده.((101)) اجل، نعترف ان الفكر الشيعي يفتقر، على هذا الصعيد، الى دراسات وبحوث منهجية، كالتي استخدمت في اظهار فكرالمعتزلة وتراثهم، يستوي الامر بين باحثي الشيعة والدارسين له من خارج دائرته. فلا يزال النقص واضحا بل فاضحا في الحقلين معا، اذ لم يستطع الباحثون الشيعة الارتقاء الى مستوى ابراز القيم العقلانية المكثفة في الفكر الشيعي، وتسليط الاضواء على مسارهم المضي بالعدل والحرية والثورة والتغيير ومناهضة الظلم((102))، وان كان حظ التشيع في الجانب السياسي والاجتماعي افضل منه في مجال الدراسات النظرية المنهجية الرامية الى اكتشاف الجوانب العقلية وتقديمها بصيغة منظمة وبارزة.

على سبيل المثال، تحفل حواضر العلم الشيعي في النجف الاشرف ومدينة قم بشكل اساس بكثافة عظيمة في البحث والدراسة والانتاج. بيد ان غياب المنهجية والافتقار الى اللغة الحديثة، وغياب الرؤية الواعية في توظيف هذا الكم الهائل وتوصيله الى ساحة التداول الثقافي، رسخ انطباعابعدم وجود ابداع عند الشيعة.

ولا اتصور ان هذه الحواضر ببنيانها التقليدي تستطيع ان تنجز مهمة التواصل مع العالم العربي والاسلامي في اطار رؤية منهجية هادفة، ولغة مفهومة، باستثناءات قليلة اوتيت الوعي والقدرة الكافيتين. لذلك تبدو الحاجة كبيرة الى توظيف دورالمثقف الديني في هذا المجال، الذي يكون بمقدوره ان ياخذ من هذه الحواضر علمها، ويدفع به عبر المنهجيات الحديثة الى ساحة التداول الثقافي.

وعند الانتقال الى الدائرة الثانية من البحث، التي ترتبط بدراسة التشيع من قبل الاخرين، فان التشيع واجه اغضاء بلغ في كثير من الاحيان حد الاقصاء، تحت ذرائع متعددة مذهبية واقليمية وقومية، يتلفع بعضها بدثار العلم والمنهجية العلمية! غياب الاعتزال وحضور التشيع يقينا لو ان جهدا مماثلا لما بذل في دراسة المعتزلة قد بذل على التشيع، لجاءت النتائج اثرى واعمق، لسبب بسيط يتمثل في ان المعتزلة لا وجود لهم عمليا في حياة المسلمين وواقعهم الحاضر، حيث اندثروا منذ قرون وتوقف عطاؤهم.

اماالتشيع فلا يزال يواصل حضوره المكثف في حياة المسلمين، وعطاؤه المتواصل على الصعيد العلمي، وفي المضمارالسياسي والاجتماعي، بالاخص بعد التحولات التي عصفت بالعالم الاسلامي بعد عام 1979، وتحول التشيع الى الصدارة في هذه الرقعة من العالم.

بصراحة: ان العالم الاسلامي المعاصر لا يمكن ان يشبع حاجاته الى العقلانية والعدل والحرية بالجمود على تراث توقف عن العطاء والابداع في حدود القرن الرابع والخامس، بينما يهمل نبع ثرالى جواره ما يزال يواصل مسيره في العطاءوالابداع.

وبصراحة ايضا: ان كثيرا من متطلبات الحاضر لم يعد يلبيها تراث الاعتزال بوجهيه البصري والبغدادي، ولم يعد يكفي فيها العودة الى مصنفات النظام والجاحظ وابن اشرس والشحام، ولا الى كتابات قاضي القضاة، والاسكاف والخياط وابي هذيل، بل هي تحتاج الى ابداع مستانف برز قويالامعا خلال لحظتنا الحالية عبر انجازات محمد باقر الصدر، ومحمدحسين الطباطبائي، ومحمد جواد مغنية، ومحمد امين زين الدين، وعبد الهادي الفضلي، ومحمد مهدي شمس الدين،ومحمد الصدر، وغيرهم عشرات ممن اغنى المكتبة الاسلامية بمئات المصنفات. مضافا الى سيل عارم من الكتابات التحليلية والنقدية في مضمار البحوث الكلامية وخاصة الكلام الجديد، وفي مضمار الفكر السياسي وما يرتبط به من قضاياومسائل واشكاليات، واخيرا في مضمار الاجتهاد والتجديد، حيث شهدنا على هذا الصعيد رؤى جريئة في المنهج والموضوعات وما له صلة بهذه الدائرة.

الخلط! لسنا بصدد مناقشة ما يقصده سيل الكتابات الحديثة والمعاصرة من العقل، وما يريده من العقلانية. فهذا واد لا قرار له من كثرة ما يكتنفه من تشويش واضطراب، يكفيك فيه ان ما يكون عقلانيا عند احدهم يعود ليصير غير عقلاني عند آخر! ان كثيرا من هذه الكتابات يكشف عن جهل كاتبيها او خلطهم على اقل تقدير بين العقل النظري كقوة مدركة للكليات،والعقل العملي الذي ينهض بوظيفة ادراك ما ينبغي ان يعمل، او ما يقتضي ادراكه من التاثير المباشر في العمل، فيقيس بعض مناقشات الفكر الاسلامي، بالاخص في المجالين الكلامي والاصولي، لاخطاء العقل العملي ويسحبها على العقل النظري،ليحولها الى ذريعة يطلق على اساسها دعواه في عجز العقل النظري.

بودي لو ينفتح الباحثون في العالم العربي على مناقشات السيد محمد باقر الصدر (ت: 1980) في هذا المجال، فمع ان ما ذكره جاء في سياق بحثه الاصولي عن الدليل العقلي، الا ان فيه اشارات نافذة عن العقل عامة،((103)) كما يحسن مراجعة كتاب السيد الصدر «الاسس المنطقية للاستقراء» كنموذج للبحث الابداعي، الذي يخرج بابداعات العقل المسلم على ساحة الفكر العالمي.

ولو عدنا الى مسالة الخلط لراينا ان حشداهائلا من الكتابات المعاصرة يستخدم العقل والعقلانية في غير مجالهماالنظري، او انه يخلط بين العقل ولوازمه، كما هو الحال في جملة من الكتابات التي تخلط بين العقل كقوة مدركة وبين نظام السببية او قانون العلية بوصفه لازما لايمان الانسان بالعقل.

اغلب الظن ان الكتابات المعاصرة عن العقل والعقلانية مهمومة بالواقع الاجتماعي، وهي تشتكي في دعوتها الى العقل،غياب العقلانية في هذا الواقع الذي يرسف في اغلال الجمود والخرافة، وربما السحر والشعوذة وطغيان الاحلام والمنامات،ويشكو تعطيل الفعل الانساني الخلاق، وغياب السببية، حيث يجري كل ذلك تحت غطاء من قشرة دينية تنسب نفسهازورا الى مفاهيم الاسلام، فياتي الناقدون ليصبوا جام غضبهم على هذا الدين، وينعتوه بالغيبية والتواكل الكاذب وغياب العقلانية.

ما واجهه هؤلاء هو مشكلة الاستبداد في المجال السياسي، وغياب العدل وتفشي الفقر والجهل في المجال الاجتماعي،والتخلف المريع الذي يضرب ارجاء العالم الاسلامي الاربعة، فنادوا بالعقلانية حلا بعد ان صار العقل المفقود سببا.

والخطورة المنهجية في هذه الكتابات تكمن، في احد وجوهها، بهذا الاستقطاب الحاد بين الاشاعرة والمعتزلة، وكان عقول المسلمين عاجزة عن تاسيس قول ثالث وراي جديد في دور العقل، مع اني احسب ان انفتاح هؤلاء على الفكرالشيعي يوفر لهم الالتقاء مع ابداع مستانف في قضايا العقل والعقلانية.

ينظر كمثال على ذلك الى ما يسعى صاحبه فيه الى تاسيس قول ثالث بين الاشاعرة والمعتزلة، معززا اياه بفكر ابداعي عن دور العقل، حيث ضيق الطباطبائي من حد المعجزة الى مستوى اثبات اتصال النبي بالسماء وحسب. اما ما سوى ذلك فان: «الانبياء والرسل ( لم ياتوا بالايات المعجزة لاثبات شي من معارف المبدا والمعاد مما يناله العقل كالتوحيد والبعث وامثالهما، وانما اكتفوا في ذلك بحجة العقل».((104)) كذلك استعرض في موقع آخر وناقش الشبه والدعاوى التي اثيرت وتثار ضد استخدام العقل والبحث العقلي من قبل طوائف متعددة من المسلمين، منتهيا الى ما يعزز مكانة العقل وقيمة البحث العقلي.((105)) وفي موقع آخر يطلق الباحث نفسه الدعوة الى تاسيس قول ثالث بين الاشاعرة والمعتزلة في دور العقل وحدوده((106)).

التلوين! من المشكلات الاخر للقراءة الاسترجاعية الاسقاطية، هي التلوينات التي يكتسبها التاريخ الفكري والثقافي والسياسي والاجتماعي للمسلمين، او ما يطلق عليه «التراث» بحسب الدراسات المعاصرة. فهذا التاريخ يغدو تقدميا اذا اسقط عليه الدارس همومه ونزعاته المنهجية الحاضرة، كما يعود ليصير رجعيا عند دارس آخر مع انه هو هو! فعند عدد من الدارسين اصطبغ التاريخ الفكري والثقافي للمسلمين باللون المادي، متاثرا بطبيعة المنهجية الماركسية التي قراته. وربما كان ابرز مشروعين فكريين على طريق هذه المنهجية، مشروع حسين مروة بالاخص في كتابه «النزعات المادية في الفلسفة العربية والاسلامية»،((107)) ثم مشروع طيب تيزيني الذي صدر مجلده الاول من مجموع اثني عشرمجلدا «من التراث الى الثورة: حول نظرية مقترحة في قضية التراث العربي».((108)) يضاف الى هذين الباحثين، وعلى المنهجية ذاتها، كتابات مهدي عامل، وهادي العلوي، ومحمود امين العالم. وفي مسالة التلوين تبلغ المشكلة احد مدياتها القصوى، حينما يتباين الموقف ازاء الشخصية الواحدة تبعا لاختلاف المنهج، حيث يغدوابن سينا رمزا للغنوصية واللاعقلانية عند دارس (هو محمد عابد الجابري في كتابه: نحن والتراث)((109)) ، في حين يتحول الى رمز للتقدم عند آخر! (هو حسين مروة في كتابه: تراثنا كيف نعرفه) ((110)).

الطريف ان اثنين من ذوي هذه النزعات يختلفان على نحو فاضح في تفسير واقعة واحدة، رغم انتمائهما الى المنهج نفسه.

ففي واقعة تقريب المامون العباسي (ت: 218ه) للمعتزلة، وصراعه مع اخيه الامين (ت: 198ه)، يذهب الاول الى تفسير ما حصل بين الاخوين على انه «صراع دموي بين زعامات القوى الاقطاعية وامرائها التي كانت تؤيد اخاه الامين،وبين القوى الاخر الممثلة لاقتصاد المدينة ومجتمعها التجاري».((111)) ومن ثم اختار المامون المعتزلة، واختارت هي الانحياز اليه على خلفية كونها من القوى الفكرية التي تمثل اقتصاد المدينة ومجتمعها التجاري.

هذا التفسير على اساس المنهجية الماركسية، ليس فقط لم يعجب صاحبنا الثاني، انما بادر الى مهاجمته واصفا اياه بمحض تخى لات مادية مسرفة لا تقوم على واقع ولا تسندها وثيقة، وان هذا التفسير يعكس «اشكالية رؤية التاريخ وحركته من خلال ;ژرس ز÷قوانين!;ژرس ز÷ مسبقة».((112)) والا ما حركة المامون في تقريب المعتزلة سوى «مناورة ايديولوجية سياسية قام بها المامون، لاستخدامهم لاستمالة الشيعة، وتجاوز اشكالية المنشا غير العربي الصرف له (امه فارسية) واعتماده على فئة ما من الاقليات (الخراسانيين) للوصول الى السلطة»((113)).

في ظل هذا النمط من القراءة، يكتسب هذا التاريخ اوصافا شائهة من مصطلحات هذا العصر وثقافته ومنهجياته لم تكن لتخطر على بال القدماء،((114)) فضلا عن ان يكونوا عرفوها وساروا على منوالها((115)). وكمثال على ذلك يكتب عبد اللّهالعروي ما نصه: ف «الرجل الليبرالي يرى في المعتزلة وفي الفلاسفة، انصار العقل... اما البرجوازي الصغير التواق الى تحقيق العدالة، فانه من جهته يميل الى الشيعة»((116)).

وبشان المعتزلة لا تكتفي الدراسات الاسقاطية من ان تجعلهم «فرسان العقلانية في تراثنا»((117))، بحيث «تعد مدرسة المعتزلة النموذج المجسد لها»((118))، كما يكتب محمد عمارة، بل يذهب به الشطط حدا يقول فيه ان:

«الكثيرين لا يعرفون ان المعتزلة قد كانوا طلائع المبشرين بالفكر القومي العربي».((119)) ونحن بلا شك من هؤلاء الكثيرين الذين عناهم الدارس بما كتب! الغريب اننا نقرا هذا الكلام في الوقت الذي نعرف فيه ان بعض هؤلاء، ولا سيما احد ابرز اقطابهم القاضي عبد الجبارالهمداني، لم يكن عربيا اصلا! الحال ان المنهج الموضوعي الصحيح يقضي ان يدرس التاريخ الفكري والسياسي والاجتماعي او حضارة المسلمين عامة، من خلال اطرها التي انتجتها تاريخيا، ومن داخل مناخها الخاص بعيداعن اسقاطات الحاضر ومنهجياته، من دون ان يعني ذلك الغاء فكرة استلهام بعض حلقات الماضي، والتواصل مع المفيد من آثاره، واستحضار الروح التي كانت تحرك رجاله بحسب مقياس الجدوى، وما يحققه الماضي من نفع في الحاضر.

على ان هذه الملاحظة لا تعني الامتناع عن استخدام المنهجيات الحديثة، قدر ما تعني ضرورة ايجاد نوع من السنخية بين الموضوع ومنهجه، بحيث لا يحمل الموضوع حملا على منهج شاذ يفضي الى نتائج شوهاء.

كلمة اخيرة توفر هذا المقال على استعراض عدد من الرؤى التي طرحها الفكر العربي المعاصر، مما يفيد وجود ازمة في واقع العرب والمسلمين تكمن بغياب العقلانية عن حيز التفكير، والافتقار الى الحرية في المجال السياسي، والعدل في المجال الاجتماعي.

على خلفية هذه الرؤية راحت هذه الاتجاهات في الساحة العربية والاسلامية تبحث عما يمكن ان يستعيد هذه العناصرالغائبة، فوجدت ضالتها في المعتزلة، وما يمثله هذا التيار من قيم العقلانية والعدل والحرية. لكن المشكلة ان هذه القراءة واجهت ولا تزال اشكالين اساسيين:

الاول: اقصاء التيارات الاخر في حياة المسلمين، ممن له نصيب لا يقل في العقل والعدل والحرية عن المعتزلة ان لم يزدعليهم.

الثاني: ان المعتزلة فرقة مندثرة في التاريخ لم يعد لها وجود قائم، ومن ثم توقفت عن العطاء الفكري والفعلي منذ مايقارب عشرة قرون، ولا يعقل للامة ان تنشد عناصر نهضتها في فرقة مندثرة توقفت عن العطاء والابداع كل هذا الوقت،بل هي بحاجة الى ما يلبي تطلعاتها في الوقت الحاضر.

فما الحل اذن، بالاخص مع وجود قناعة تامة بصحة التشخيص الذي يشير الى غياب العقلانية والعدل والحرية عن الواقع الحاضر؟ لقد سعى المقال ان يقدم الحل في موقع آخر ليس بعيدا كل البعد عن الاعتزال، بل تربطه معه قرابة فكرية في المنطلقات، وتجمعه به وشيجة تاريخية تشهد عليها النشاة والمسار التاريخي. هذا من حيث الفكر.

لكن واقع الامة عامة، وكل شعب من شعوبها خاصة يقول غير شي، يقول: ان مرحلة الفكر تشخيصا للواقع وبحثا عن العلل وتقصيا للحلول قد طالت كثيرا، وربما لم نجد امة نعرفها في الحاضر او التاريخ استهلكت كل هذا الوقت في التفكيروالبحث النظري بحثا عن مخرج لازمتها.

اجل، ان الفكر هو الخطوة الاولى في عملية التغيير والنهوض، والفكر السليم هو شرط ضروري للتقدم((120)). لكن! من قال بان الامم والشعوب تنهض بالفكر وحده، وهذه تجارب الدنيا بين ايدينا؟ لقد كتب هشام جعيط قبل اكثر من ثلاثة عقود ان الامة العربية اليوم هي امة ثقافية((121))، وذلك في اشارة الى غياب الكيانية السياسية عنها. وما اراه ان العرب والمسلمين اصبحوا الان امة كلام، اقصد شعوبا ونخبا وانظمة لا تتقن سوى الكلام. لقد سقطت كل مشاريع النهضة والاصلاح والتجديد التي افرزتها عقول المسلمين خلال ما يزيد على القرن، بل تحولت الى ضدها كما يشهد الواقع، وتكشف عنه المراجعات التي تتحلى بشي من الصراحة والجراة،((122)) وآن الاوان لكي نلتزم طريقة جديدة تكثر من العمل وتقلل من الكلام.

التاريخ وفلسفة التاريخ، قراءة اسلامية الدكتور رضا داوري(#) ترجمة: علاء رضائي تمهيد:

اود ان اتقدم بجزيل الشكر والامتنان الى عارف فاضل عزيز دفع بي وبشوق لكتابة هذه المقالة، لا لجهة ان هذه الدعوة كانت وراء اهتمامي مرة اخرى ولو لفترة زمنية قصيرة بمطالعة كتاب نهج البلاغة، واشباع الروح منه معنويا، بل لان هذا التشجيع ساعدني وبقوة لمراجعة بعض الشروح والكتب والنصوص والاحاديث التي تدور حول شخصية الامام علي(ع).

وقد تناول العديد من المؤلفين هذه الشخصية العظيمة، الا ان اصحاب هذه الاقلام ليسوا جميعامن طبقة الباحثين والمحققين. وكل من حاول الاقتراب ولو قليلا من هذا الرجل، صاحب الولاية العظمى، سيصاب دون شك بالرهبة من هيبته العظيمة، ليشعر حينئذ بمدى الحب والاحترام له في الاعماق. ومن الطبيعي ان تجد ذكره الجميل في افواه الجميع،ليحلوا لمن اراد ان يتحدث او يكتب عنه بما يشاء.

وعلى هذا تجد الكثير من الحديث والكلمات، وعلى مختلف الضروب من الكتابة حول شخصية على (، فمنها: الموزون، واللائق، والبسيط، والسطحي.

فمن جهة قد يبعث هذا على السرور والاشادة، ومن جهة اخرى قد يشك ل امرا مؤسفا، ومدعاة للقصور والندم.

ولو لم يكن للبعض من هؤلاء المؤلفين مقاصد حسنة، ونوايا تنم عن الاخلاص والمحبة، لكنا عندها نجد الفرصة لتوجيه اللوم لهم ولناشري كتاباتهم وخطاباتهم، على انهم لماذا لم يدركوا او على الاقل لم يظهروا نواياهم الحقيقية في هذا الاتجاه من خلال نتاجاتهم المتواضعة بحق تلك الشخصية العظيمة، والتي لا تعدو ان تكون كرجل جرادة يقدم في طبق الى حضرة نبي اللّه سليمان (؟ فهل يا ترى ان بحثي هذا هو ايضا مثيلا لذلك النوع من الكتابات؟ اتمنى ان يكون مقالي هذا سفرا مختصرا مفيدافي رحاب فضله وكرمه (، وان لا يبخل على بالقبول.

والنقطة المهمة والجديرة بالذكر تجاه هذا البحث، تتمثل في فقدان هكذا نوع من الابحاث التفصيلية في آثار المتقدمين.وان كان مطروحا ، فانه لا يحتمل ان يخلو من بعض الاشكالات.

ولما لم استطع ان اتطرق الى الموضوع كما هو الحال المتبع في اسلوب ابحاثي من خلال مراعاة الاطر والاساليب التقليدية، لذا فالمؤمل ان لا تخضع مقالتي هذه الى مقياس اسلوب البحث، لئلا احرج امام القراء.

وفي الحقيقة فان مقالتي هذه لا تمثل بحثامستقصى او مفصلا، بل انها تمثل تتبعا معبراعن مدى الولع والهاجس في آن واحد، لفهم وادراك النظرة التاريخية لنهج البلاغة. وعلى الخصوص، مع وجود رغبة وتوسل الى سلطان الكلام، للعثور على سبيل لفتح طريق الهداية امامي، لادراك وفهم المعاني الصعبة للتاريخ في نهج البلاغة، وللخلاص والخروج من دائرة البائسين وانقاذي منها.

التاريخ والعبر في كلمات وسيرة الامام علي(ع):

المقالة التي امامك، تتضمن سيرا اجماليا في كلمات مولى المتقين وامير المؤمنين سيدنا على ( حول التاريخ، فالباحث الذي ينظر بهذا القصد والهدف الى كلمات واحاديث هذه الشخصية العظيمة، سوف يقف عند نقاط ومحطات بديعة تفوق التصور، متجسدة في مواقف تاريخية تعدمن جواهر العبر.

فالعبد الصالح مهما يرى ويتمعن، سوف يرى ظل اللّه امامه، ويستنبط العبر من الاحداث التي تلاقيه يوميا . الا ان الوصول الى مرتبة ودرجة العبد الصالح ليس بالامر اليسير، ولا الحصول على السعادة باكتساب العبر هو بالامر الهين.فنحن ننظر بعين البصيرة الى الاشياء ونكتسب العبر، اننا ننظر باعيننا القادرة على الابصار، وامتلاك البصر يكفي لغرض النظر والالتقاء فقط.

صحيح انن ا ننظر باعيننا، وان فقدان البصر يعني الحرمان من النظر الى الاشياء المنظورة والمحسوسة.

ان النظر بالعين المجردة لا يعد حركة آلية (اتوماتيكية) وفسيولوجية، فلو كانت هكذا لما استطاع الناظر ان يشخص الاشياء، او ان جميع الناظرين كانوا يتحسسون ويدركون الاشياء بدرجة واحدة. واساسا فان حاستي النظر والسمع تمثلان في الحقيقة مدى العلاقة والارتباط بيننا وبين نظم وترتيب الكلام، والعالم المحيط بنا.

فلننظر الى حديث مولى الموحدين عندما يؤكد ويقول: «ما رايت شيئا الا ورايت اللّه قبله». فمن لم يفتح قلبه قبل النظرالى الاشياء بعين البصيرة سوف لا يرى الاشياء على حقيقتها. وان راى، سوف لا يرى سوى الفوضى والاضطراب والتناثر.

ان النظر بالعين المجردة يمثل ادراكا متقدماعلى ماهية الشي، وهذا ما يطلق عليه الفيلسوف ملا صدرا ب (الادراك البسيط)، ونظير هذا الادراك هو موضع اهتمام في مجال استكشاف الظواهر المعاصرة. وفي الحقيقة ان موضوع وجود وعدم وجود هذا الادراك البسيط، يدفع ببعض الناس كي يكونوا من اهل الذكر والتذكير، وبالبعض الاخر لان يبقوا من اهل الغفلة،او ايجاد الخلل بالزيادة والنقصان في ميزان الغفلة والوعي خلال الازمنة المختلفة لدى قوم او ام ة ما. ولان الافراد هم ايضايتاملون في الاحداث والوقائع، لذا نراهم لا يتساوون في الادراك تجاهها. اي ان الذي لا يملك قلبا متعظا، يفتقد بالطبع الى العين البصيرة.

اى هذا القلب يا قلبي اعتبر بالذي حل بايوان المدائن 1 من الذي يملك قلبا متعظا؟ قبل الاجابة عن هذا السؤال، يجب الاشارة الى اننا لا ننوي البحث في فلسفة التاريخ لدى سيدنا على (، وتصنيف هذه الشخصية العظيمة في عداد فلاسفة التاريخ، لان توجيهات نهج البلاغة وبشكل اجمالي الكلمات العلوية او اى حديث منقول عن ائمة الدين هي عبارة عن احاديث ارشاد وهداية، وليست لغة تعبير اصحاب العلوم النقلية.

ان نهج البلاغة ينبوع من دروس التذكير والعبر، وكل درس تذكير وعبر لا يمثل فلسفة التاريخ. فهدف صاحب نهج البلاغة لم يكن كتابة فلسفة التاريخ ولا اى علم خاص آخر. وقد قال مولانا على(: «وفي القرآن نبا ما قبلكم، وخبر مابعدكم، وحكم ما بينكم».((123)) ومع هذا، فلا القرآن ولا نهج البلاغة من كتب الفلسفة. وسيدنا على ( لم يبغ تدوين فلسفة التاريخ، بل كان يملك قلبامتعظا، وكان يشعر بالالفة مع الموت الذي لا يستثني احدا. وبهذه الالفة، كان يرى السالفين والسابقين ليحتل بذلك مكان ومقام الولاية والفخر عند اهل البصيرة والراي.

ان القائلين باكتساب العلم من خلال التجربة، هم على صواب من امرهم. اما اذا كان هذا القول يستند الى فرضية: ان كل واحد من الخلق هو عبارة عن لوح ناصع، وخال من اى تاثير كان. فان هذا الاعتقاد سيصل دون شك الى طريق مسدود.فالانسان ليس عبارة عن لوح ناصع وخال من اى اثر، بل وحتى لو كان لوحا لم ينقش عليه شي، فهو يمتلك ذاتيا، وعلى الاقل، القدرة والقابلية الفريدة على نقش آثار التجربة عليه. او من الافضل القول ان التجربة تكتسب قيمة ومعنى في هذااللوح، لان التجربة لا تسبق الادراك والفهم، وان فقدان الادراك سوف يؤدي الى عدمية تحقيق التجربة. والاحداث التاريخية هي معيار للتجربة لمن كان ذو خلفية لفهم وادراك التاريخ. هذا الادراك لا يمثل فهما لاية حادثة معينة اومحددة، بل هو ادراك بسيط وغير حدوثي للمعاني التالية:

اولا: نحن اصحاب عهد وميثاق، وان نقضنا العهد سوف نجدده.

ثانيا: الحياة الدنيوية هي حياة مع الموت، ومع الموت نعيش.

ثالثا: عندما نتذكر الموت لوحدنا، سوف نتعلم بشكل افضل من حوادث التاريخ.

نحن ومن بدء الخليفة قطعنا العهد على ان لا نعبد الا الخالق الحقيقي لنا. الا ان هذا الموضع، اي الارض، هو مكان للاختبار، ودار بلاء وابتلاء. بحيث ان اللّه تبارك وتعالى عندما خلق آدم، وامر ملائكته باطاعته والسجود له، ابى ابليس مستكبراالاطاعة لامر اللّه. عندها انتخب الباري عز وجل مكانا آمنا لادم للتمتع بالحياة، محذرااياه من عداء ابليس، الا ان ابليس استطاع في النهاية من ايقاع فريسته في حبائل مكره، محولا يقين آدم الى الشك، وحيويته الى الخوف والاضطراب بقوة حيلته وخداعه.

عندها استشعر آدم بعمق ندمه.

ومع كل هذا فان اللّه سبحانه وتعالى فتح ابواب التوبة على مصراعيه لادم، كي يجد مخرجامما هو فيه من الضيق،ويتمكن من الخروج من الطريق المسدود الذي هو فيه، ويسلك مراتب النجاة، بعد ان علمه ربه كلمة رحمته، ووعده للعودة ثانية الى الجنة.

وعندئذ ابتلي آدم بالصعاب والاختبار في الدار الدنيا، وليكون مصداقا لقول الشاعر:

ما الذي نفعله ان لم ندر مع الدهر..

فكل شخص ساقط لا محال في فلك الايام..

من خطبة له ( في اول يوم من ايام خلافته قال: «كل من نظر بعين البصيرة الى مصير السالفين سيتعظ ويزهد ولن يعدوخلف الاساءة والتنافر والخلافات»((124)). وفي وصفه للدهر وملازمة الموت له يشير قائلا: «الدهر يخلق الابدان، ويجددالامال، ويقرب المنية، ويباعد الامنية من ظفر به نصب، ومن فاته تعب»((125)). ثم يذكر ( باناس باتوا ضحايا غرورهم،ويرون موت ابدانهم امراجسيما، وموت قلوبهم لهو الحياة((126)) حين يقول: «هيهات بعد اللتيا والتي! واللّه لابن ابي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي امه»((127)) .

هذه الروح الوقادة تلقت الدروس من سيدنا محمد المصطفى (ص) خلال نزول القرآن. ولم يكن ( مفسرا للقرآن او معلما له فقط، بل كان قرآناناطقا. وقد تعلم مولى الموحدين من القرآن: ان العلم، والعبرة، والخشية، والحكمة هي مفردات متصلة وملازمة لبعضها البعض. تمعن في هذه الكلمات النافذة بدقة:

«واليقين منها على اربع شعب: على تبصرة الفطنة، وتاول الحكمة، وموعظة العبرة، وسنة الاولين. فمن تبصر في الفطنة تبينت له الحكمة، ومن تبينت له الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة فكانما كان في الاولين» .((128)) وفي رسالة لابنه الامام الحسن (ع) يؤكد مرة اخرى على هذه النقطة فيقول: «اني وان لم اكن عمرت عمر من كان قبلي، فقدنظرت في اعمالهم، وفكرت في اخبارهم، وسرت في آثارهم، حتى عدت كاحدهم». ((129)) وفي خطبة له قال(ع): «ان من صرحت له العبر عما بين يديه من المثلات، حجزته التقوى عن تقحم الشبهات((130))».

وايضا في خطبة اخرى وبالاستناد الى الاية المباركة (ان ذلك لعبرة لمن يخشى) (النازعات / 26) يرى ان جميع المخلوقات والحوادث هي دلالات للعبرة. وهنا يؤكد: ان افضل العبر تكمن في ادراك ماضي الامم، التي سقطت في حبائل غرور التمسك بالدنيا وزخارفها واستسلامهم لمكرها. وخلال شرحه لاية (ما غرك بربك الكريم)، يصف مولانا على (ع) الدنيا كالاتي: «وحقا اقول! ما الدنيا غرتك، ولكن بها اغتررت، ولقد كاشفتك العظات، وآذنتك على سواء، ولهي بما تعدك من نزول البلاء بجسمك، والنقص في قوتك، اصدق واوفى من ان تكذبك، او تغرك. ولرب ناصح لها عندك متهم، وصادق من خبرها مكذب.

ولئن تعرفتها في الديار الخاوية، والربوع الخالية، لتجدنها من حسن تذكيرك، وبلاغ موعظتك، بمحلة الشفيق عليك، والشحيح بك! ولنعم دار من لم يرض بها دارا، ومحل من لم يوطنها محلا! وان السعداء بالدنيا غدا هم الهاربون منها اليوم» .((131)) الملاحظ ان هذه الكلمات تحوي نقاطاومفاهيم شفافة تبعث على الاعجاب والحيرة. ان مفردات كالدنيا والحياة والموت والتاريخ والاحداث في نظر الامام على (ع) تختلف عما هي عليه عند الاخرين من عوام الناس. بل ان هذه المفاهيم في نظر سيدنا على (ع) هي مرآة حق. واذاراى الحق فيها، فان ذلك سيكون له بمثابة المعلم والمربي والقدوة. ان المفردات والمفاهيم كالدنيا والحياة، مرتبطتان بنسبة تاثيرهما في تحقيق المعاني المختلفة لهما. ان الاعتزاز بالنفس او الغرور هي صفات غير مرغوب فيها، الا انه في بعض الاحيان يتطلب وبعيدا عن هموم الدنيا ومشاغلها النظر الى الذات ومراجعة همومها واحزانها بشكل خاص.

وقد يطرح سؤال علينا، او بالاخص على الذين لهم وازع خلقي، حيال افضلية الاهتمام بهموم الاخرين على حساب هموم الذات واحزانها.

فيكون الجواب محصورا بالتاكيد على الشق الاول من الهموم.

ومن البديهي ان يكون الاهتمام بهموم الاخرين هو الراجح في ساحات الاخلاق.

وهذا لا يعني الغاء الاهتمام بالهموم الذاتية كلياوعدم تفضيلها، وذلك لوجود حالة خاصة نابعة من الاخلاق ايضا ، عندهايتوجب الاهتمام باحزاننا. وبالعودة الى ذلك الميدان الاخلاقي، يشير الشاعر حافظ الشيرازي قائلا:

ارتباط العمر يتعلق بشعرة منذرة احزن لنفسك واترك حزن الايام لربما هناك اراد الشاعر وصف همومه، التي قد نجد مصداقا لها في بداية رسالة اميرالمؤمنين لولده الامام الحسن (ع)، التي يشير فيها قائلا: «اما بعد، فان فيما تبينت من ادبار الدنيا عني، وجموح الدهر على، واقبال الاخرة الى، ما يزعني عن ذكرمن سواي، والاهتمام بما ورائي، غير اني حيث تفرد بي دون هموم الناس هم نفسي، فصدفني رايي، وصرفني عن هواي، وصرح لي محض امري» .((132)) فمن خلال التمعن في هذه الكلمات، تتبين لنا مدى العلاقة بين الهموم الذاتية بمعنى التذكير الى حقيقة الوجودالانساني وادبار الدنيا واقبال الاخرة. اذن، فكيف يمكن لرجل لا تساوي عنده الدنيا غير عفطة عنز، ان يشيد بها ويعدهابالناصحة والراشدة؟ ان هذه الدنيا التي لا تساوي عفطة عنز، والاحقر من نعل بالية، هي ذاتها اضحت تمثل دنياالمغرورين والمخدوعين، وعلى هذا يقول: «دنياكم لا تساوي عندي.. اما الدنيا التي خلقها اللّه فهي الممر ومقر الادميين ودار البر والصلاح».

فالدنيا لذاتها ليست سيئة، بل بمقدار علاقتنا بها تصبح سيئة او حسنة. فاذا عرفنا حدودها ومنزلتها من خلال علاقتنابها، في هذه الحالة ستصبح خير دار لنا ومحل اختبارنا. اما اذا اضحينا العوبة لافكار الاخلاد الى الارض، حينئذ ستصبح الدنيا مكانا للضياع والخسران.

لقد خلقنا لهذه الدنيا كي نخرج منها. وبذكر الموت نؤطر ارتباطنا معها. ومن خلال العبرة من هذه العلاقة، اي بمعرفة الدنيا وذكر الموت، تكون الحياة يسيرة وممكنة. الا ان الموت ليس امرايسيرا قابلا للوصف، كي تهوي قلوب الناس اليه، وترضى به.

وفي خطبة رقم (113) يذكر  مخاطبية وهم جميع الناس الذين يمثلون التاريخ، وليسوا المجتمعين في مجلسه فحسب بان ذكر الموت قد غاب عن القلوب، وحلت محله الامال الخداعة. وبعبارة اخرى، ان التعلق بهذا العالم انسى ذكرالعالم الاخروي.

هنا قد يطرح سؤال، هو انه في حالة تقديم الاخرة على الدنيا، فاين سيكون موضع التاريخ من الاهمية؟

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية