الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

3- الاسئلة المنطقية وقضايا الاخلاق المنطقية: ( دچح خخ رپ ژذرخژژحس ز) في هذا النوع من التحقيقات الفوق اخلاقية، تجري دراسة علاقة العبارات الاخلاقية مع بعضها البعض، وكذلك علاقتها مع العبارات غير الاخلاقية، وهي مسالة مهمة للغاية،وهنا يجب دراسة (العلم والقيمة).

والجدير بالذكر هنا، هو ان هذه الابعاد الثلاثة ترتبط بشدة ببعضها البعض، وان نتائج التحقيقات في كل قسم تؤثر على التحقيقات في الاقسام الاخر. بل يمكن ان يطرح بعدان او الثلاثة معا في كل بحث، وتسوقنا الى نتيجة في مسالة الفوق اخلاق.

وعلى هذا الاساس، فان فصل هذه الابحاث عن بعضها البعض جاء فقط من اجل تبسيط تناولها، والوصول باسهل الطرق الى النتائج الفاعلة والمفيدة. وكما سيتضح في الابحاث المقبلة، ياتي البحث في المذهب الارشادي الاخلاقي في نهاية الابحاث الفوق اخلاقية، علما باننا سوف نستفيد من بعض النتائج الحاصلة في القسم الثالث من التحقيقات الفوق اخلاقية، اي قطع العلاقة بين العلم والقيمة، وندرس من خلالها معنى المفاهيم الاخلاقية، ((165)) وفي نهاية الامر ندرس نظرية معرفة العبارات الاخلاقية.

اذن يمكن اعتبار هذا البحث نهاية نظرية معرفة الفاظ العبارات الاخلاقية، ومعرفة دلالاتها. وعلى هذا الاساس فانناندرس اولا نظرية معرفة العبارات الاخلاقية، ونطرح بعد ذلك ابحاثا حول معرفة دلالات الفاظ هذه العبارات، تمهيدا لطرح نظريات في هذا البحث.

ولا بد من الاشارة هنا الى ان نظرية المذهب الارشادي الاخلاقي، قد طرحت بشكل مكتوب ومبوب على مدى ظهورعدة نظريات في مجال نظرية معرفة الفاظ العبارات الاخلاقية، ومعرفة دلالاتها، وكانت في حقيقة الامر محاولة للتغطية على نقاط ضعف سائر نظريات هذا المجال، ومن هنا، فاننا ومن اجل ان ندرس هذه النظرية بشكل دقيق، نضطر الى حد ماان نطرح وجهات النظر السابقة في هذين القسمين، ونصل من خلال دراستهما الى المذهب الارشادي في نهاية المطاف.

في البداية يجري في ابحاث نظرية المعرفة طرح هذا السؤال:

هل ان العبارات الاخلاقية خبرية ام انشائية؟ وبعبارة اخرى، هل ان مثل هذه العبارات تمنح المعرفة ام انها لا تمنح المعرفة؟ وهل ان هذه العبارات تتحمل الصدق والكذب ام لا؟ وسوف نجيب في بحث معرفة دلالات الالفاظ عن السؤال التالي:

هل ان المفاهيم الاخلاقية تقبل التعريف ام لا؟ العبارات الاخلاقية خبرية ام انشائية؟ يعتبر البعض ان العبارات والاحكام الاخلاقية مثل (زيد حسن الاخلاق) هي عبارات خبرية ذات مفهوم، حيث يعين انطباقه او عدم انطباقه معها صدق او كذب تلك العبارات. وبعبارة اخرى، فان العبارة الاخلاقية تخبر عن امر معين، له وجود في العالم، وان تطابق هذه العبارة مع ذلك الامر يعتبر محكا لمعرفة صدق تلك العبارة.

وهناك فريق آخر من علماء فلسفة الاخلاق يعتبرون تلك العبارات عبارات انشائية، ويرون ان تلك العبارات ليس لهامفهوم خاص، وبالنتيجة تفتقد العبارات الاخلاقية الى احتمالات الصدق والكذب، لانه ليس وراءها امر حتى يحددتطابقه او عدم تطابقه مع العبارة صدق او كذب العبارات.

ويعتقد بعض الذين يعتبرون العبارات الاخلاقية خبرية، ان هذه العبارات تخبر عن امور في عالم خارج وجودنا نحن البشر، بحيث ان هذه الحقائق والاوصاف لها وجود في العالم الخارجي، بغض النظر ان كان هناك بشر ام لا، باعتباره يدرك هذه الاحكام.

فعلى سبيل المثال، اذا كان «زيد حسن الاخلاق»، فان الحسن حقيقة وواقعا هو ثابت اصلا ل«زيد»، مثلما نقول: «الثلج بارد» او «النار حارة»، علما بان العمل الذي يقوم به الانسان تجاه تلك الحقائق هو كشفها في الخارج، وليس له بعد ذلك اي دور فيها.

ولكن يوجد هناك فريق آخر من الذين يعتبرون العبارات الاخلاقية عبارات خبرية، ويعتقدون ان حسن امر ما او قبحه يتوقف على رغبات وميول ونفسية الانسان ذاته.

وهؤلاء بدورهم ينقسمون الى قسمين:

قسم يعتقد بان هذه العبارات تخبر عن حالة نفسية في الانسان. على سبيل المثال، عندما نقول عن شي: انه «حسن»، فهذايعني ان ذلك الشي «يبعث على اللذة»، ونخبر عن حالة نفسية كامنة في وجودنا نحن البشر. وهو يعني ان ذلك الشي يثيرفينا اللذة، وان التلذذ هو حالة نفسية ايضا.

ويعتقد القسم الاخر بان هذه العبارات تخبر عن نوع من كيفية الفهم والتلقي (ححس ژخژژآ) ، وعلى سبيل المثال عندما نقول لشي ما: «حسن»، يعني «اننا نتفق مع ذلك الشي»، وهذا يعني نوعا من الموقف والنظرة الايجابية والتاييد والاتفاق مع الشي المفترض حسنه.

وبذلك يمكن تسمية هذين القسمين الاخيرين:

اما خبرية خاصة، وتعني بان الشي الحسن يبعث على اللذة بالنسبة لي انا فقط، او انه يتفق مع رغبتي ونظرتي.

واما خبرية عامة، تتحدث عن رغبات ونظرات الاخرين ايضا.

اما الفلاسفة الذين يعتبرون العبارات الاخلاقية انشائية، فاما انهم يرون ان تلك العبارات تعبير عن طلب وانشاء امر ما،حيث ان نتيجة ذلك هي المذهب الامري .(ذژخسخژچزحرذپ) واما انهم يعتبرونها تعبيرا عن مشاعر الانسان المتحدث، ونتيجة ذلك هي المذهب العاطفي .(ذژخسخژرذب) وهناك فريق آخر، مثل ( ث . ت هير)، يرى ان العبارات الاخلاقية تستلزم الامر، ويعني ان العبارات الاخلاقية يجري التعبير بها لتوجيه وترشيد اعمال البشر، ويجري طرح هذه الرؤية بعنوان المذهب الارشادي.

وبناء على ما تقدم، يوجد ثلاثة انواع مختلفة من التفسير للعبارات الاخلاقية هي:

1- انها تخبر عن العالم الخارجي وليست لها علاقة بارادتنا وذوقنا.

2- انها تخبر عن اذواق ورغبات وارادة البشر.

3- انها اساسا ليست خبرية، وانما هي من الامور الانشائية التي اما ان تكون تعبيرا عن العواطف وانشاء لها، واما انشاءلامر مباشر، واما ان العبارة الاخلاقية جملة تستلزم الامر.

وبذلك وعلى اساس التفسير الذي نقدمه عن المذهب الواقعي يمكن ان نعتبر النوع الاول فقط ضمن وجهات النظرالواقعية. علما ان النوعين الثاني والثالث سيكونان واقعيين، ومن هنا تسمى عبارات النوعين الاول والثاني التي تخبر عن حقيقة، وتتحمل الصدق والكذب، معرفية. فيما تعتبر عبارات النوع الثالث غير معرفية، لانها ليست خبرية((166)).

وعلى اساس رؤية اخرى يعتبرون التفسير الاول هو «المذهب العيني»، فيما يعني التفسيران الثاني والثالث «المذهب الذهني» ويستندان على الفرد((167)).

حتى الان تبين بان اصحاب «المذهب الارشادي» واتباعه يعتبرون العبارات الاخلاقية اساسا غير معرفية، بل مرشدة للعمل، واما مبحث معرفة دلالات الالفاظ المتعلقة بالمفاهيم والعبارات الاخلاقية فانه هو الاخر مؤثر وضروري لشفافية جو البحث. وهنا نخلص بشان معرفة دلالات الالفاظ الى هذا السؤال: هل ان المفاهيم الاخلاقية تقبل التفسير ام لا؟ هل يمكن تفسير المفاهيم الاخلاقية؟ توجد هناك ثلاث نظريات مختلفة في الاجابة عن هذا السؤال:

1- نظريات المذهب التفسيري :(ژحخزرحخث ژژخذخح حا) وتعني النظريات التي تعتقد بامكانية تفسير المفاهيم الاخلاقية مثل الحسن، القبح، الصحيح، الخطا، يجب، لا يجب، والتكليف بشكل لا يكون فيه اي مفهوم اخلاقي((168)). وينقسم هذاالنوع من النظريات تلقائيا الى قسمين:

ا- النظريات التي تفسر المفاهيم الاخلاقية بالمفاهيم الطبيعية (المذهب الطبيعي الاخلاقي ب النظريات التي تفسر.(ذژخدچزس ژچذ دچح خژب المفاهيم الاخلاقية بالمفاهيم الفلسفية او الكلامية .( ژحخزرحخژ دچح ژش خرچژحت) وينقسم اصحاب المذهب الطبيعي الى عدة اقسام، وهم الذين يفسرون المفاهيم الاخلاقية بمفاهيم علم الحياة (البيولوجيا)،وبمفاهيم علم الاجتماع، وبمفاهيم علم النفس.

2- نظريات المذهب اللاطبيعي، المذهب البديهي : ( ذژخذرخژخس ژذپ ،ژحخزرحخث ح خژژخدچزس ژچذ) - ذرت يعتقد هؤلاء المنظرون انه بالامكان تفسير بعض هذه المفاهيم بالبعض الاخر. الا انه من جهة لا يمكن بشكل عام تفسير هذه المفاهيم بالمفاهيم غير الاخلاقية، ومن جهة اخرى، فان بعض هذه المفاهيم غير قابلة للتفسير اساسا((169)).

3- النظريات التي تعتقد اساسا ان هذه المفاهيم لا تقبل التفسير :(ذژخسخژخذخ را) - ذرت ويعتقد هذا الفريق ان المفاهيم الاخلاقية ليست امورا تراقب الواقع وتشرف عليه، حتى يمكن تفسيرها،بل انها غير قابلة للتفسير اساسا.

وتاتي نظرية المذهب العاطفي، ونظرية المذهب الارشادي في مؤخرة هذه النظريات. والمخطط التالي يوضح هذاالبحث:

نظريات تفسير المفاهيم الاخلاقية نظريات المذهب نظريات المذهب نظريات غير التفسيري اللاطبيعي معرفية تفسير المفاهيم تفسير المفاهيم المذهب العاطفي المذهب الارشادي بالمفاهيم الفلسفية بالمفاهيم الطبيعية والكلامية مفاهيم مفاهيم مفاهيم علم الحياة علم الاجتماع علم النفس دراسة عامة للنظريات الفوق اخلاقية بعد ان قام اصحاب المذهب الطبيعي الاخلاقي بتفسير المفاهيم الاخلاقية على اساس الواقعيات التجريبية، وقالوا:«الصدق، يعني الانتهاء الى السعادة الموزونة»، و«الحسن، يعني العلاقة الايجابية» ((170)).

طرح مور (حزررت .ب .ب) في نقد هؤلاء مغالطة على غرار المذهب الطبيعي (ش ح چددچح ح خژژخدچزس ژچت) ، واستخدم البرهان في مطلع التساؤل (ژذحذس خ زچ ذرخژژحس ز ذحرت) ليجعل بذلك نقده مستدلا. وكان يعتقد انه وان كانت للاوصاف الاخلاقية وجود في الخارج، الا انه ليس من الصحيح ان نتصور في تفسر هذه الاوصاف استخدام الاوصاف غير الاخلاقية.

وكان يعتقدايضا انه يمكن الاستعانة ببعض مفاهيم الاوصاف الاخلاقية لتفسير سائر مفاهيم الاوصاف الاخلاقية، الا ان هناك مفهوما اخلاقيا واحدايعتبر اساس جميع التفاسير، وان جميع التفاسير تعود اليه، غير ان هذا المفهوم نفسه غير قابل للتفسير.

ويرى (مور) ان هذا المفهوم هو مفهوم وتعريف للاخلاق «الحسنة»، وهو تعريف له دلالة على المعنى. وبما انه تعريف بسيط، فلا يمكن تفسيره بشي. ولكن رغم ذلك فاننا نفهم معنى هذا التعريف البسيط عن طريق البداهة الذاتية.

وبعبارة اخرى، فاننا نفهم معنى «الحسن» عن طريق البداهة.

ومن خلال استخدام هذا المفهوم نفسر سائر المفاهيم.((171)) فعلى سبيل المثال نقول في تفسير «الصحيح»: ان «الصحيح» هو الشي الذي يحقق اكبر قدر ممكن من الحسن، علما ان هناك فلاسفة آخرون ايدوا هذه الرؤية (المذهب البديهي).

غير ان هناك ايضا فلاسفة آخرون اختلفوا مع (مور) حول عدم المفاهيم البديهية، وكذلك حول اي المفاهيم بديهية، وعلى سبيل المثال، فقد اعتبر راس  (ژژرث .ث .ا .ج) مفهوم «يجب»بديهيا ايضافضلا عن مفهوم «الحسن»، فيما اعتبر سيجويك  (دح خسخ حخژ ش زذحب) ان مفهوم «يجب» يحمل في نفسه بداهة ذاتية.((172)) ان من ثمار ونتائج نظرية المذهب البديهي، هي انها لا تحتاج في تبرير قبول الاعتقادات الاخلاقية الاساسية الى استدلالات على غرار المذهب الطبيعي. وعالجت هذه المسالة بمفهوم البداهة الذاتية، بالاضافة الى ذلك ان هذه النظرية اقرت العينية بنوع ما للاخلاق ورفضت كونها امرا ذوقيا.

لقد واجه المذهب البديهي احتجاجات قائمة على اساس علم الوجود، وعلم المعرفة. منها ان مفهوم «البداهة الذاتية»مفهوم غامض وغير شفاف بما فيه الكفاية. ومنها ايضا ان وجود اوصاف بسيطة غير قابلة للتفسير امر لا يمكن الدفاع عنه كثيرا و...((173)) . والاهم من كل ذلك هو الاستدلال الذي طرحه اصحاب المذهب اللامعرفي، وهو ان هذه النظرية لاتطرح مبررا مناسبا للدافع الاخلاقي. «في هذه النظرية تظهر العلاقة بين الاحكام الاخلاقية وبين العمل على شكل فرضية  ضعيفة، حيث لا يوجد بشان ذلك ما يمكن قوله» ((174)).

والاشكال الاخر على هذه النظرية هو انه اذا كانت هناك في الاخلاق مفاهيم عقلية وبديهية، بحيث ان جميع الموجودات العاقلة تستطيع ان تدرك ذلك، وان تفسير سائر المفاهيم من خلال تلك المفاهيم العقلية، ثم اذا كان العقل لدى جميع البشر وجميع الموجودات العاقلة يصل الى مفهوم واحد من هذه التعاريف.

اذن، ما هو السر في وجود الاختلافات الاخلاقية؟ وبعد القبول بان الاعتقادات الاخلاقية الاساسية تتضح لنا بواسطة العقل، وان العقل هو شي مشترك بين جميع الموجودات العاقلة، هل يمكن تبرير وجود الاختلافات الاخلاقية عند الامم والشعوب المختلفة؟((175)) وبالنظر لوجود هذه الشبهات، وكذلك ظهور الفلسفة الوضعية المنطقية في النصف الاول من القرن العشرين، والتي كانت تعتقد بان العبارة ذات المعنى اما هي نفس ما تعنيه، واما تشير الى حقيقة يمكن ان تتحقق عن طريق التجربة((176))، فقددخلت ساحة الفلسفة الاخلاقية نظريات على غرار المذهب اللامعرفي وغير التعريفي، حيث كان اصحاب هذه النظريات يعتقدون بان العبارات الاخلاقية لا هي تعبر عن نفس معناها، ولا هي حالة تجريبية، كما اثبت ذلك (مور) بمغالطة المذهب الطبيعي بالبرهان الممهد للسؤال.

وبناء على هذا فان هذه العبارات اساسا هي عبارات خالية من المعنى، يجب وضعها جانباوالتخلي عنها، واستنادا الى التقارير الاكثر تطرفا لهذه الرؤية، فلا تعريف ووصف للواقع في هذه العبارات، غير ان الامر ليس بهذه البساطة التي كان يتصورها الوضعيون المنطقيون، لان الاحكام والعبارات الاخلاقية ترسخت في جميع انحاء حياة البشر، وليس من السهل التخلي وصرف النظر عنها. وعلى هذا الاساس فلا بد ان يطرح هؤلاء مبررات لهذه العبارات، ويجعلوها في نهاية نظريات خاصة.

من هنا سيجري طرح سلسلة من النظريات غير المعرفية، حيث سنشرع بتناولها بدءا باكثرها تطرفا وصولا الى المذهب الارشادي.

المذهب الامري (ذژخسخژچزحرذپ) يعتقد رودلف كارناب (رچذزچا ح درحس ث) من مؤسسي الفلسفة الوضعية المنطقية: رغم ان العبارات الاخلاقية هي قضاياحملية في الظاهر، ولكنها في الواقع قضايا انشائية تشير الى طلب وارادة المتحدث والناطق لتلك العبارات الاخلاقية.ويقول ايضا: في عبارة «قتل النفس خطا» هناك في الحقيقة نهي يتحدث عنه المتكلم، يعني «لا تقتل»، او انه اذا قيل لنا:«الصدق حسن»، فان هذه العبارة تتضمن في الحقيقة طلبا من المتكلم وهو «اصدق»، علما انه لا يوجد هناك الى جانب هذاالمضمون الامري الموجود في العبارات الاخلاقية اي مضمون تعريفي، وان كان على شكل تابع وعرضي((177)).

ويكون هذا الامر اوضح عندما تتضمن عبارتنا الاخلاقية الزاما.

المذهب العاطفي (ذژخسخژرذب يعتبر اي. جي. اير)  (زحش آ .پ .آ) ان الاحكام والعبارات الاخلاقية هي تعبير بحت عن مشاعر وعواطف المتكلم، يطرحهادفعة واحدة وبشكل مفاجئ.. (طبقا لهذه النظرية، فان القول بان السرقة خطا، يعني ان المتكلم اعرب صرفا عن استيائه وعدم رضاه من السرقة. وبناء عليه يمكن اعادة كتابة جملة «السرقة خطا» بشكل جديد هو «اف للسرقة». وهكذا ايضايمكن التعبير عن عبارة «اللّه جميل» بعبارة «تحية للّه».

وليس من العجيب ان تلقب هذه النظرية في فلسفة الاخلاق بآ«نظرية ه ه الاستحسان» )((178)) .

ويعتبر هذا النوع من النظرى ات لغة الاخلاق لغة اداتية، ويرى ان وجود المفاهيم الاخلاقية يفتقر الى المحتوى والمضمون.

ويقول (اير) في هذا الصدد: (ان وجود نموذج اخلاقي في عبارة ما لا يضيف شيئا الى محتواها الحقيقي. وعلى هذاالاساس لو اريد ان يقال لاحد: «لقد ارتكبت عملا خطا بسبب سرقة ذلك المال»، فانه لا يقال له شي اكثر من: «لقد سرقت ذلك المال»، وان الاتيان بعبارة «ان عملك خطا» لا يضيف شيئا على تلك العبارة») ((179)).

وطرح ستيفنسن (ذرژذحسحژث .پ .ا ) نظرية هي اكثر اعتدالا تقريبا من نظرية (اير)، وقال: تمثل الاحكام الاخلاقية وتظهراسلوب فهم وتلقي المتكلم، وان هذه الاحكام توجد فهما مشابهالدى المستمع، او انها تعمل على ايجاد ذلك الفهم((180)).وبدلامن ان تصف هذه الادعاءات بشكل محض منافع البشر، تسعى الى تبديل تلك المنا فع، او التاكيد عليها، وتوصي الناس بالحصول عليها((181)).

وكما تمت الاشارة اليه، فان نظريات مثل المذهب الامري، والمذهب العاطفي، وبشكل عام نظريات المذهب اللامعرفي، طرحت في مواجهة ثلاث مشاكل اساسية:

1- المغالطة على غرار المذهب الطبيعي التي تقضي على المذهب الطبيعي، وتقوي المذهب البديهي.

2- وجود اختلافات اخلاقية بين الامم والشعوب المختلفة، حيث لا يوجد لدى المذهب البديهي اي مبرر لذلك.

3- الدافع الاخلاقي وكيفية سوق الانسان نحو العمل. علما ان الذين يقررون مضمونا وصفياللعبارات الاخلاقية، يبدوعليهم الفشل في الظاهر في هذا الميدان.

ويقول اصحاب المذهب العاطفي في تبرير وتفسير الاختلافات الاخلاقية: من الممكن ان يوجد نوعان من الاختلاف في هذا الشان:

ا- الاختلاف في الاعتقادات .(ژح خدحچ ب الاختلاف في الميول) (ژحزخژحح ، والرؤى والمواقف). ( ژححس ژخژژآ) وعلى سبيل المثال، حينما يقول زيد: «سرق خالد»، ويقول عمرو: «لم يسرق خالد»، فان زيدا وعمرا اختلفا بينهما،واختلافهما هنا هو في اعتقادهما. ومن جهة اخرى لو ان زيدا على سبيل المثال دافع عن نزع السلاح، وان عمرا لم يدافع عن ذلك، فان هذا يعني انهما يختلفان في الرؤى والمواقف، وهذا يعود الى الاختلاف في الميول والاتجاهات.

والان يمكن ان يتفق زيد وعمرو معا في اعتقادهما، وفي نفس الوقت يمكن ان يختلفا في مواقفهما. ومن هنا يحاول اصحاب المذهب العاطفي وخاصة (ستيفنسن) ان ينسبوا الاختلافات الاخلاقية الى الاختلاف في الرغبات والمواقف والرؤى، فهم يقولون: ان نوعا من الترجيحات الشخصية يلعب دورا في تعيين وصدور الاحكام الاخلاقية، وان هذه الاحكام امور قائمة على الفرد، ويتصور (ستيفنسن) ان بهذه الوسيلة تزول مسالة وجود الاختلافات الاخلاقية، ويكون هناك مبرر مناسب لها.((182)) وقد برر هؤلاء ايضا مسالة الدافع الاخلاقي بنظرية (الرغبة الاعتقاد)، ويعتقدون انه لو اعتبرنا العبارات الاخلاقية عبارات خبرية صرفة، بحيث انها تخبر عن كيفية العالم، فان هذه العبارات لا تستطيع ان تشجع الانسان للقيام بالعمل.ولكن اذا ما جعلنا الى جانب هذا الاعتقاد رغبة للعمل، هذه الرغبة التي تزيد انطباق العالم مع ارادة الشخص القائل بالحكم، عند ذاك يساق المخاطب والمتلقي الى العمل، وان هذه الرغبة تعمل بمثابة القوة الدافعة لحركة الانسان، فهذه حالة غير معروفة وغير مدركة.

يقول (ديفيد ماك ناوتن) في شرح هذا الموضوع: «ان الرغبة لتناول التفاح، توجد قوة محفزة ترغم الفاعل على الفعل،غير انها لا تقدم توضيحات وتعليمات حول كيفية تحقيق هذه الرغبة. ولكن الاعتقادات التي تفتقر هي الاخرى الى القوة المحفزة، توفر هذه التوضيحات والتعليمات، وبذلك توجه ذلك الضغط وتسوقه الى الاتجاه المناسب. فالاعتقاد بانني اقدرعلى شراء التفاح من متجر المحلة، يوجه ويسوق القوة الكامنة في رغبتي الى التفاح الى جهة المتجر، وهكذا يعتبر مركب(الاعتقاد الرغبة) ضروريالاثارة ودفع الفاعل على العمل. فالرغبة بدون الاعتقاد عمياء، والاعتقاد بدون الرغبة مشلول».((183)) كانت هذه سبل الحل التي طرحها غير المعروفين، وكان آخرهم اصحاب المذهب العاطفي، في حل مسالتي الاختلاف الاخلاقي، والدافع الاخلاقي. علما ان هذا الفريق قبل مسالة مغالطة اصحاب المذهب الطبيعي التي حلها (مور)، واصحاب المذهب البديهي. وقد واجه المذهب العاطفي في نهاية الامر بعض المشكلات التي افقدته مبرراته، غير ان الاشكال الجادوالحقيقي في مثل هذا النوع من التفكير، هو انه يقضي على اصول عقلانية الاخلاق.

«فالانسان قد تكون له الرغبة في ان يعرف فيما يتعلق بالاوامر لماذا يجب ان تكون الاحكام الاخلاقية بهذه الصورة؟ لانه ليس من الممكن ان لا يكون هناك بين الاوامر او التعليمات او الاعراب عن المشاعر اي شي قد تم انتخابه على اساس العقل.

ومن الممكن كما هو الحال في القضايا ان تتزاحم الاوامر والتعليمات مع بعضها البعض. ومن الممكن ان يكون بعضها معقولا ومبررا دون بعض.

فهل نستطيع ان ندافع بالدليل عن المشاعر التي نعرب عنها، او ننتقد مشاعر الاخرين باعتبارها ظهرت في غير محلها،وفي حال غير مناسب؟ ان اصدار الامر يكون مقبولا ومبررا عندما يتعلق باداء عمل صحيح، ويكون الامر الاخلاقي حسنا عندما يكون اسلوب التعامل المقرر اسلوبامقبولا، ويكون الاعراب عن الاستياء عن شي صحيحا، عندما يثير ذلك الشي الاستياء فعلا» ((184)).

حتى الان اصبح واضحا ان المذهب العاطفي استطاع ان يبرر وجود الاختلافات الاخلاقية وكذلك الدافع الاخلاقي، الا انه في نهاية الامر اغلق الطريق علالعقلانية في الاخلاق، لوقوعه في شراك نوع من النزعة الفردية والنزعة الذهنية. وتعتبرهذه النقطة ضعفا كبيرافي هذه النظرية، اذ يبدو انها لم تكن موجودة في المذهب الطبيعي والمذهب البديهي.

ولا يخفى ان نقطة الضعف هذه دفعت بعض الافراد مثل (هير) الى البحث والتقصي، وطرح نظرية اللامعرفة بشكل اكثراعتدالا ، حتى يستطيعوا مع المحافظة على امتيازات المذهب العاطفي ازالة نقاط الضعف الموجودة فيها. علماان الرؤى التي طرحها هي (المذهب الارشادي).

المذهب الارشادي في اعقاب النظريات والمذاهب التي طرحت في موضوع الفوق اخلاق، مثل المذهب البديهي والمذهب الامري والمذهب العاطفي، طرح ايضاالمذهب الارشادي في هذا الموضوع، والوجه البارز بين اصحاب هذه النظرية هو (هير)،الذي يجري التاكيد على آرائه وتصوراته اكثر من غيره.

يقول (لويس ض ويمن) في وصف المذهب الارشادي ل(هير):

هناك خصوصيتان اصليتان للنظرية الاخلاقية عند(هير) هما:

المذهب الارشادي، وقابلية التعميم. فهو يتبنى في نظريته استدلال المغالطة الذي طرحه (مور) على غرارالمذهب الطبيعي ضد اصحاب المذهب الطبيعي، ويرى ان نظرية المذهب الطبيعي لا مبرر لها، ويقرتبعا لاصحاب المذهب العاطفي بوجود تمايز بين الحقائق والقيم.

من جانب آخر يعتقد (هير) مثل اصحاب المذهب العاطفي، بان نا لا نستطيع ان ننسب الصدق او الكذب الى العبارات الاخلاقية، كما يعتقد بان الاحكام الاخلاقية تراقب الرؤى والتصورات وليس الاعتقادات. الا ان (هير) وعلى خلاف العاطفيين، يسوق التاكيد على المشاعر في باب تاييد وعدم تاييد (المقبول وغير المقبول)، الى التاكيد على نوع خاص من الحكم، حيث يوجد فيه من جهة عنصر الارشاد، ومن جهة اخرى توجد فيه خصوصية قابلية التعميم، ويعني انه عندمايقولون لاحدهم: يجب الا تسرق من صاحب منزلك.

اولا تتضمن هذه العبارة عنصرا ارشاديا، حيث يرشدك بعدم السرقة من صاحب المنزل.

ثانيا تتضمن عنصرا يطلق عليه: قبول التعميم، وهو يقتضي الا يسرق احد في الاوضاع والحالات المشابهة.

ومن خلال هذه الخصوصية يصدر الحكم الكلي الذي يجب على الجميع ان يلتزموا به ويطبقوه.

في هذه النظرية، اللغة الاخلاقية تعني انه لو اصدرنا حكما اخلاقيا، فيجب الا يكون فقط ارشادا للاخرين، بل ان الشرط الضروري والكافي لتبريره هو ان يعتبر الانسان نفسه ملزما بمراعاة ذلك الاصل واحترامه((185)).

هنا، نتناول اولا تفسير المذهب الارشادي، ثم ندرس عنصري كون الاحكام الاخلاقية ارشادية، وقابلة للتعميم، ثم نتناول نقاط القوة في هذه النظرية، واخيرا نبين الانتقادات التي وردت على هذه النظرية.

تفسير المذهب الارشادي يقول (هير) في تفسير المذهب الارشادي: «المذهب الارشادي نظرية فوق اخلاقية في اطار معنى العبارات الاخلاقية...بالاضافة الى المعنى الوصفي او الواقعي اللذين يمكن ان تحملهما العبارات الاخلاقية، هناك ايضا عنصر ارشادي في معنى هذه العبارات، والذي لا يمكن تحويله الى اى معنى وصفي وواقعي ذي قيمة واحدة ومعنى واحد، بل ان هذا العنصر يريدان يكون مرشداوموجها وهاديا لاعمال وافعال خاصة((186))».

وفي هذا التفسير يضع (هير) نفسه بشكل كامل امام الطبيعيين، لان هؤلاء يحولون المعنى الارشادي للعبارات والاحكام الاخلاقية الى معناها الوصفي، حيث يقولون على سبيل المثال : «الحسن يعني كل ما يجلب اللذة»، وكانوايعتقدون باننا نستطيع ان نستنبط من المقدمات الوصفية حكما قيميا، ونتيجة اخلاقية.

ويعتقد (هير) ان النظرة على غرار المذهب الطبيعي تقضي على القوة الارشادية والتوجيهية للعبارات الاخلاقية، وان احدى اهم الفوائد التي يدعيها لرؤيته ونظريته هي ان هذه النظرية تثبت كيف ان حكما اخلاقيا تفاعل بالضرورة في تلك العبارة من خلال اختيار واداء الفعل والصفة الموجودة فيها((187)).

وبعبارة اخرى، كيف يؤمن الدافع الاخلاقي او يحل المشكلة التي كان الطبيعيون والبديهيون يواجهونها.

وقد اشار الاستدلال الذي جاء به اصحاب المذهب اللامعرفي على نظريتهم الى انه عندما تفتقر المقدمات الى المعنى القيمي، فان نتيجة تلك المقدمات لا تستطيع ايجاد المعنى القيمي، وان كل شي يحصل في النتيجة، لا بد ان يكون اولا في المقدمات.

«في معظم الاحيان يجري بيان هذه المسالة بصورة اكثر مهارة، باعتبار ان اية مجموعة من المقدمات الواقعية لا تستطيع ان تلزم وجود نتيجة قيمية» ((188)).

اما السؤال الذي يجري طرحه هنا فهو، هل ان الاحكام والعبارات الاخلاقية التي تتضمن معاني قيمية وارشادية، تفتقرالى اى معنى وصفي؟ ويعني انه بسبب كون العبارات الارشادية والقيمية لا تقبل التحول الى العبارات الوصفية، ولا يمكن استنتاجها من العبارات الوصفية، هل يجب الحكم بان العبارات الاخلاقية تفتقر الى اى نوع من المضمون الوصفي؟ يعتقد (هير) ان المسالة ليست كذلك، وان هناك فرقا بين ان نقول: بان العبارات القيمية لا تستنتج من العبارات الوصفية،وبين ان نقول: ان العبارات الاخلاقية تفتقر الى المعنى الوصفي، وحسب تصور (هير): «ان العبارات الاخلاقية وعلى خلاف الاوامر تتمتع بالمحتوى والمضمون الوصفي او الواقعي».

ومن خلال طرح هذه القضايا فقد فصل (هير) نفسه اولا عن اصحاب المذهب الامري، من امثال (كارنب)، لان الامريين يتصورون ان العبارات الاخلاقية اوامر صرفة، ولا يمكن استنتاج شي منها سوى انشاء الطلب، وتحقيق طلبات القائلين بها، ولا يوجد فيها اى وصف للواقع.

ثم يبتعد في المرحلة التالية عن اصحاب المذهب العاطفي، من امثال (اير)، لانهم يفسرون الاحكام الاخلاقية بانها فقط تعبر عن المشاعر، واظهار التعجب والاستياء، وليست وصفا لامر واقعي((189)).

وفي المرحلة الثالثة يرفض نظرية ستيفنسن، لان (ستيفنس) تصور ان الاحكام الاخلاقية تبين فقط اسلوب فهم المتحدث بتلك الاحكام، ليدعو الطرف الاخر الى المشاركة في هذا الاسلوب للفهم. ويظهر هذا الحكم القيمي رغبة وارادة المتكلم في قبول المستمع او اظهاره لرؤية خاصة ((190)).

ويعتبر (هير) ان هناك علاقة بين وجود عنصر وصفي في العبارات والاحكام الاخلاقية، وبين خصوصية اخرى في العبارات الاخلاقية، ويعني بها قابلية التعميم. علما اننا سنتحدث عن هذا الموضوع بتفصيل اكثر في محله. وعلى اى حال،فان (هير) يرى في نظريته الاخلاقية ان للاحكام الاخلاقية خصوصيتان:

ا- كونها ارشادية.

ب- قابلة للتعميم.

وفيما يلي نتناول بالشرح هاتين الخصوصيتين:

ارشادية العبارات الاخلاقية يقول (هير) في كتاب مقالات حول النظرية الاخلاقية: «لو اجبنا بالايجاب عن هذين السؤالين:

هل التحق بالجيش ام لا؟ هل يجب ان التحق بالثوار ام لا؟ فاننا نكون قد الزمنا انفسنا بالالتحاق بالجيش وبالثوار. وقد فسرت هذه الخصوصية احيانا بكون الاحكام الاخلاقية ارشادية.

فاذا اجبت بالايجاب عن هذين السؤالين، وقلت: «نعم يجب ان التحق بالجيش»، وكان هذا الجواب تعبيرا صادقاعن رغبتي، واردت المعنى الكامل لذلك، يعني ان الهدف كان حقا التحاقي بالجيش، حينئذاك يجب على ان التحق بالجيش»((191)) .

وفي راي (هير) انه لو لم يترتب اثر على الجواب المذكور، سيكون ذلك السؤال بلا معنى. بل، وكان سؤالا لم يطرح في البين.

ولا يرى (هير) بان اساس الكلام الاخلاقي يكمن في التاثير ورد الفعل، بل يعتقد بان المقصود من الارشاد والتوجيه هوالافعال والاعمال، وعلى سبيل المثال، عندما نقول لاحدهم: «يجب ان تعيد ذلك المبلغ من المال» فاننا لا نقصد من ذلك ولا ننوي ان نطلب منه القيام بعمل ما، بل اساسا نريد ان نجيب عن سؤاله الذي يقول فيه: «ماذا يجب ان اعمل؟»، فنقول له ماذا عليه ان يفعل.

ان ميزة كون الاحكام الاخلاقية ارشادية، هي ان الشخص الذي جرى ارشاده يستطيع ان يطلب من المرشد السبب، ويستطيع ان يدرس تلك الاسباب ويحكم في ضوئها: هل ان تلك الاسباب كافية وصحيحة ام لا؟ لان المرشد يريد ان يوجهه ويرسم سلوكه، وان هذا العمل بدون سبب مناسب يكون بلا معنى وغير عقلاني. وبناء عليه فان «وظيفة الكلام الاخلاقي هي ارشاد العمل او حسب قول هير التوجيه».((192)) وعندما يقبل الانسان هذا الحكم الاخلاقي، فانه يكون قد الزم نفسه منطقيا باداء ذلك العمل. واذا لم يؤد ذلك العمل، فانه في الحقيقة يرفض الحكم الاخلاقي قابلية التعميم الخصوصية الثانية للاحكام الاخلاقية من وجهة نظر (هير)، هي قابليتها التعميم. يقول (هير) في تفسير قابلية التعميم:«ان كل من يطرح حكمااخلاقيا، وحتى يتخلص من الازدواجية في القول والعمل، فلا بد ان يطرح حكما واحدا بشان جميع الحالات التي لها اوصاف غير اخلاقية متشابهة، مهما كان للافراد مورد النظر او الذين تجري مقاضاتهم على تلك الاحكام من ادوار مختلفة.

وبعبارة اخرى، فان من التناقض القول بان هناك حالتين متساويتين في جميع خصوصياتهما غير الاخلاقية العامة،ولكن توجد لاحداهما خصوصية اخلاقية، ولا توجد تلك الخصوصية للاخرى» .((193)) ويقتضي كون الاحكام الاخلاقية ارشادية ان يلتزم كل من الشخص الذي يصدر الحكم والشخص الذي يقبل به،باحترام ذلك الحكم.

اما قابلية التعميم فانها تقتضي انه اذا اصدرنا في ظروف خاصة حكما اخلاقيا بشان شخص ما، وقلنا مثلا : «يجب شتمه»، فاذا كانت تلك الظروف تنطبق على الاخرين، ومنهم نحن، فيجب ان نصدر ذلك الحكم بشان الاخرين ومنهم نحن ايضا.

وبعبارة اخرى، فانه ليس من المنطقي ان نصدر حكمين اخلاقيين مختلفين بشان افراد يخضعون لظروف متشابهة بشكل كامل، اي انه يجب على احدهما ان يعمل عملا معينا، ولا يجب على الاخر ان يرتكب ذلك، او ان يقع على احدهمافعل معين ولا يقع الفعل نفسه على الاخر، علما ان التشابه في الظروف والحالات يشمل الخصوصيات الشخصية والعلاقات والاذواق و... .

وعلى سبيل المثال: هناك شخصان، لا يطيق احدهما زيد العذاب الجسدي، والاخر عمرو يطيق ذلك، بل ويبحث عن العذاب. هنا بما انه يجب عدم تعذيب زيد، فاننا لا نستطيع ان نستند الى ذلك ونستنتج انه يجب عدم تعذيب عمروايضا، لانهما لا يخضعان لظروف متشابهة، وكذا يقال في الشتم.

وفي كل الاحوال تقول قابلية التعميم: اذا كنت قد اعتبرت ان لي جوازا اخلاقيا بالاساءة الى شخص آخر، فيجب ان اعطيه الحق ايضابالاساءة الى، طبعا مع كوننا معا في ظروف متشابهة بشكل كامل، حيث لا يكون هناك فرق بين من هوالضحية ومن هو الفاعل. فالحكم الاخلاقي الواحد يجب العمل به بشكل متساو في جميع الحالات المتشابهة.

وكما قلنا فيما سبق، فان (هير) يربط بين المعنى الوصفي للعبارات الاخلاقية، وخاصية قابلية تلك العبارات للتعميم.فيقول في مقال حول المذهب الارشادي: «اذا كانت العبارات الاخلاقية في هذا المعنى قابلة للتعميم، فانها تحتاج الى فعل وصفي باعتباره جزءا من معناه، لانه يجب على الذي يطلق مثل هذه العبارة، ان يفكر ويعلم ان الاوصاف الاخلاقية لتلك الحالة التي اوجدت بشانها العبارة الاخلاقية، تتطابق مع اصل يمكن استخدامه في جميع الحالات المتشابهة، وتكون عارضة على الاوصاف غير الاخلاقية لتلك الحالة، هذه العارضة هي علة ايجاد تلك العبارات الاخلاقية.

وبناء على هذا يقال: ان هناك حقائق توجه العبارات الاخلاقية، وان هذه العبارات تحتاج الى المعنى او المحتوى الواقعي والوصفي...».((194)) حتى هنا تبين ان وجهة نظر (هير) هي اكثر النظريات غير المعرفية اعتدالا، وذلك بسبب خاصية القابلية على التعميم، التي ترى ان تبرير الاحكام الاخلاقية يتوقف على الاوصاف والحقائق غير الاخلاقية.

وفيما يلي نتناول بالدراسة والتحليل نقاط القوة في هذه النظرة:

نقاط قوة المذهب الارشادي بشكل عام يمكن الحديث عن نقاط قوة المذهب الارشادي في ثلاثة محاور هي:

1 بيان الدافع الاخلاقي.

2 تبرير وجود الاختلافات الاخلاقية.

3 بيان معقولية الاحكام الاخلاقية وعينية الفكر الاخلاقي.

واليك تفصيل ذلك:

1 بيان الدافع الاخلاقي: كما قلنا، فان احد اهم الاشكالات الواردة على نظريات المذهب الطبيعي وكذلك المذهب البديهي، هو بيان الدافع الاخلاقي. فاصحاب المذهب اللامعرفي يعتقدون ان وضع المقدمات المتعلقة بالواقع الى جانب بعضها البعض، لا يستطيع اجبار احد وترغيبه على القيام بعمل معين:

«في الاستدلال بالمقدمات الواقعية ونتيجتها القيمية، لا يكون للمقدمات معنى وصفي، اما النتيجة فسيكون لها معنى قيمي فضلا عن المعنى الوصفي»((195)). وفي كل الاحوال فان هذه مشكلة يواجهها اصحاب المذهب المعرفي، ولا بد لهم ان يجدوا لها حلا.

وقد طرح (هير) منذ البداية كون العبارات الاخلاقية غير معرفية، على امل حل هذه المشكلة. ويبرز فيها عنصر كونهاارشادية: «تدعي نظرية المذهب الارشادي، ان العبارات الاخلاقية لها عنصر من المعنى، وذات نتيجة عمل ارشادي اوتوجيهي للاعمال»((196)) ، وهذا العنصر يفتقر اساسا الى المضمون الوصفي، ولا يخبر عن عالم واقع، الا انه يتمتع بخصوصية توجيه اعمال وسلوك الاخرين، او انه يدعو الاخرين الى العمل (يرشدهم)، وان الانسان بمجرد حديثه بهذه العبارة، واظهاره الحكم او القبول بها، يلزم نفسه باحترام ذلك، والعمل على اساسه، وهذا ليس الاوجود الدافع للفعل الاخلاقي.

وهنا يد عي (هير) من دون ان يهمل الفجوة الموجودة بين العلم والقيمة، ومن دون ان يقضي على المحتوى والمضمون والعنصر الوصفي في العبارات الاخلاقية ان الدافع الاخلاقي مضمون في المذهب الارشادي، ومسالة الترغيب تتحقق في العمل.

2 تبرير وجود الاختلافات الاخلاقية: كما سبق ان ذكرنا، يواجه البديهيون هذا الاشكال، وهو اذا كانت الاحكام الاخلاقية مبنية على اصول بديهية، وان جميع البشر قادرون على الوصول اليها من باب البداهة الذاتية، فلماذا اذن توجدالاختلافات الاخلاقية الى هذه الدرجة بين البشر؟ ولماذا تختلف اخلاقيات البشر الى هذا الحد؟ لقد لوحظ ان الامريين والعاطفيين طرحوا نوعامن النزعة الفردية، وهم يظنون انهم حلوا المشكلة، الا ان (هير) اتبع سبيلا آخر للحل، فهو يعتبر ان لكل عبارة اخلاقية محتوى ومضمون ارشادي ووصفي، حيث يشكل العنصر الارشادي محتواها الاصلي، وان المحتوى الارشادي يلعب دور توجيه الاعمال. اما المحتوى الوصفي فانه يشكل معيارا وقاعدة واصلا ودليلا للمحتوى الارشادي.

علما ان هذا المحتوى الوصفي امر نسبي، يختلف من قوم الى آخرين ومن جماعة الى اخرى. وان هذا الاختلاف في الاصول والادلة والقواعد والمعايير، يؤدي الى الاختلاف ايضا في الاحكام والعبارات الاخلاقية، ولذلك تبدو الاختلافات الاخلاقية امرا مبررا ومعقولا.

3 بيان معقولية الاحكام الاخلاقية وعينية الفكر الاخلاقي:

من نقاط الضعف الاخر التي يعاني منها الامريون والعاطفيون، هي عجزهم عن طرح مفهوم عيني ومعقول عن الاحكام والعبارات الاخلاقية، لانهم يعتبرون الاخلاق والاحكام الاخلاقية دفعة واحدة ذهنية، وقائمة على الفرد، حيث تستند الى الرغبات والتصورات والعواطف.

اما (هير) والارشاديون، فانهم يسعون الى ازالة هذا النقص، واعتبار الاخلاق والاحكام الاخلاقية ذات معنى عيني خاص، واظهار معقوليتها.

يقول (هير) في شرح هذا الموضوع: «بخلاف ظاهر الامر، عندما يريد المذهب الارشادي تاسيس معقولية وعينية الفكرالاخلاقي، فانه يحقق منافع اكثر مما تحققه نظريات المذهب الوصفي. وربما يمكن وصف العينية باعتبارها قابلة للقبول من قبل جميع المفكرين العقلاء، وهكذا ليس امام جميع الوصفيين الا ان يستندوا ويلجؤوا الى الاعتقادات الاخلاقية، التي اصبحت مقبولة بشكل عام، والتي يمكن ان تختلف من ثقافة الى اخرى. او ان يلجؤوا ويستندوا الى معاني مصطلحات وكلمات تكمن فيها قيم مبنية على الثقافة.

ويستطيع الارشاديون وحدهم ان يستندوا الى منطق العبارات الاخلاقية التي ثبتت بين الثقافات، ويستطيعون مثل(كانت) ان يسالوا: ما هو الشي الذي يستطيع الانسان ان يستند اليه باعتباره قانونا عاما، ويمكن لكل انسان وفي اى موقع كان ان يتمسك به ويستفيد منه؟ وللاجابة عن هذا السؤال سيتفق المفكرون العقلاء على اصول تشرح شروط صدق العبارات الاخلاقية، وهي الاصول التي تحظ ى بالقبول من قبل جميع المفكرين العقلاء، وتستند فقط الى المنطق والحقائق غير الاخلاقية. ويعتبر هذاالاسلوب السبيل الوحيد للمحافظة على العينية المتعلقة بصدق وثقافية العبارات الاخلاقية»((197)) .

من ذلك يتبين ان (هير) يفسر امتلاك العينية، بمعنى امكانية القبول والتلقي من قبل جميع المفكرين العقلاء، ويخصص هذه الميزة للمذهب الارشادي وحسب، لان المذهب الارشادي حسب زعمه يستند الى منطق العبارات الاخلاقية التي ثبتت بين جميع الثقافات، ويقبل بها جميع المفكرين العقلاء.

اما في باب معقولية الاحكام الاخلاقية فقد لوحظت هذه المسالة، وهي ان الانسان مستعد للاستدلال باستخدام المحتوى الوصفي للاحكام الاخلاقية، ويستطيع المتلقي ان يطالب بالدليل والسبب لقبول تلك الاحكام.

المذهب الارشادي، نقد وتقويم بعد الشرح الاجمالي الذي قدمناه للسير المنطقي وتمهيدات ظهور نظرية المذهب الارشادي، وكذلك عناصر واركان هذه النظرية، وايضا نقاط قوتها، نقدم فيما يلي تقييما مختصرالهذه النظرية:

1 الاشكال الاول الذي يرد بشكل طبيعي على هذه النظرية، هو ان العبارات الاخلاقية ليست بالضرورة عبارات الزامية، بل ان بعض تلك العبارات قيمية، وان بعضها يبين المسؤولية.

وبشكل مختصر ليس بالضرورة حصر العبارات الاخلاقية بالالزامات، وبينبغي ولا ينبغي، الا ان يكون هناك دليل على ذلك يشير الى ان سائر العبارات تعود الى العبارات الالزامية، حيث لم يجر التطرق الى هذا الموضوع في كتب (هير) والارشاديين.

يقول ناول سميث ( (خژخذث دححسرت في عبارات لا تحظ ى بشكل كامل بقبولنا: «ان الكلمات التي يتداولها فلاسفة الاخلاق بشكل خاص.. تلعب ادوارا مختلفة، حيث يجري استخدامها لشرح الاذواق والاستحسانات.. لشرح القرارات والاختيارات، للانتقاد والترتيب، للتقييم، للارشاد، للتوبيخ، للانذار، للاقناع والحمل على التخلي، للثناء والتشجيع والمحاسبة، لتعريف القواعد ولفت الانتباه اليها، وللكثير من الامور الاخر بلا شك»((198)).

وبناء على ما تقدم، فلو اردنا ان نقبل بالمذهب الارشادي، ينبغي ان نقدم تبريرا مناسبالسائر العبارات الاخلاقية التي لايلاحظ فيها شي من الارشاد، ونبرهن على ان العبارات القيمية تعود الى العبارات الالزامية، وهو ما لم يشاهد على مايبدو في هذا القسم.

2 على الرغم من ادعاء (هير) بان نظريته في المذهب الارشادي، تؤمن عينية الاخلاق والفكر الاخلاقي اكثر من نظريات المذهب الوصفي((199)). الا ان الكثيرين ومن بينهم صاحب المذهب الشكي المشهور (جي. ال. مكي)، يشهدون بان هذه النظرية قضت على كون القيم الاخلاقية عينية، وفرضت نوعا من المذهب الذهني.

ولتوضيح ذلك نقول: انه حتى الى ما قبل القرن العشرين، كان الفكر الغالب كما قلنا يقوم على اساس عينية القيم الاخلاقية. وعلى سبيل المثال، كان المثالي في الفكر الافلاطوني، وعلى اساس نظرته المثالية، موجودا تحت عنوان «الحسن»، حيث كان يجري تصور المثالية باعتبارها حقيقة فوق ذهنية وازلية، وان البشر يبلغون تلك المثالية بعد ان يكونواقد عبروا مراحل خاصة، وحين يبلغونها يتغير سلوك الفرد بشكل كامل، ويترك كل عمل قبيح.

وبعبارة اخرى، تعتبر القيم الاخلاقية جزءا من اجزاء وعناصر العالم.((200)) وحسب تعبير (كانت)، تساق نحو العقل العملي، ويعتبر اساس ومنشا جميع التصورات الاخلاقية بشكل مسبق في العقل((201)).

وحسب تعبير (سيجويك)، ينظر الى الاخلاق باعتبارها علم دراسة السلوك.

وعلى كل حال، بما ان (هير) يقلل من اهمية المعنى الوصفي للمفاهيم والعبارات الاخلاقية، ويعتقد بان الجانب الارشادي لهذه الاحكام اقوى، ولا يرى بان هذه العبارات اولا وبالذات لا تعبر عن الحقيقة العينية في العالم، بل ينظر اليهاباعتبارها تعبيرا عن ارشادات وتوجيهات الشخص المتحدث.

ومن الضروري هنا الاشارة بان (مكي) ينقل عن (هير) قائلا:

«قال ار. ام، هير بانه لا يعرف ما هو المقصود من (عينية القيم) ولا يعلم احدا بانه يعرف ما هو المقصود من هذا الموضوع»((202))، ويضيف قائلا ايضا: «يختصر هير حديثه بالشكل التالي: تصور عالما توجد فيه قيم اخلاقية عينية، وتصور عالما آخر اهملت فيه مثل هذه القيم العينية، وتذكر بان الناس في كلا العالمين يتعاملون مع امور متشابهة. والان [يجب القول:] لا يوجد اختلاف في الحالات الذهنية لهؤلاء الناس فيمايتعلق بالاشياء والامور المذكورة. الا ان تكون هناك قيمة عينية في مجتمع، ولا توجد تلك القيمة العينية في مجتمع آخر»((203)).

ان ما يمكن استنتاجه من هذه العبارة هو ان(هير) لا يعتقد بوجود قيم اخلاقية عينية في العالم، ولا يعير ذلك اهمية.

في حين ان القيم امور عينية، ولكن بمعناها الخاص الذي سنتناوله في نظرية الاختيار، وسوف نقول: ان عينية القيم هي مثل عينية المعقولات الثانية الفلسفية، علما ان هناك اختلافات كثيرة لا تحصى بين عالم فيه القيم الاخلاقية عينية مفروضة، وبين عالم ليس الامر فيه كذلك. وان الحالات الذهنية للافراد الموجودين في العالمين المذكورين سوف تختلف ايضابالتاكيد.

ويمكن ان يقال: بان عينية القيم الاخلاقية تحصل عن طريق قابلية التعميم. ونقول في الرد على ذلك: «ان الانسان يستطيع ان يعمم الاحكام الارشادية او ما ارتضاه هو لافعاله واعماله، بمعنى انه يعتبر الارشادات وقناعاته جائزة لجميع الحالات والظروف المشابهة، حتى في الحالات التي يتعاط ى معها باشكال وصور مختلفة، او ليس له تماس معها بالاصل..ولكن رغم ذلك، يجب ان يعتقد ويعلم بان هذا الارشاد وهذه القناعة ليس اكثر من ممارساته ونشاطاته الفردية والشخصية». ((204)) وبعبارة ا خرى، ان هذا الارشاد لا يستند الى مسالة عينية، بل ان الشخص هو الذي يطرح مثل هذا الارشاد والقناعة طبقالرغباته وذوقه الذهني.

وبناء عليه، لا يمكن اثبات عينية القيم الاخلاقية عن طريق كون الاحكام الاخلاقية قابلة للتعميم.

ان نتيجة نظرية (هير) هي انها لا تعير اهمية للاحكام والقيم الاخلاقية، وتعتبرها بمستوى ارشادات من اجل توجيه سلوك الاخرين، رغم انه يدعي وجود معنى وصفي الى جانب المعنى الارشادي يتطابق مع التوضيح الذي سبق ذكره. ولكن توجد فاصلة كبيرة بين هذا الادعاء وبين قبول القيم الاخلاقية العينية، ذلك وجودالقيم الاخلاقية العينية الذي ينكره في مكان آخر.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية