|
3- هناك نقد آخر على هذه النظرية، وهو اناصل قابلية
التعميم الذي يقول به، غير عملي وامر عجيب، لانه يبدو في
بعضالحالات انالنظام الاجتماعي لمجتمع ما هو نظامه
الاخلاقي ايضا. من جانب آخر نلاحظ ان هذا النظام الاخلاقي
يصدراحكاما للافراد الموجودين في مجتمعه، بحيث لا تسري
تلك الاحكام على الافراد الموجودين خارج هذا المجتمع
اوبالعكس. فعلى سبيل المثال، انه يحسن ايذاء الافراد الذين هم من خارج
المجتمع. ولكنه لا يفعل الشي نفسه تجاه الافراد الذين هممن
مجتمعه. وهكذا لا يبدي هذا النظام الاخلاقي رغبته في تعميم
الاحكام الاخلاقية، ولكنه رغم ذلك يعتبر نظامااخلاقيامقبولا. ويمكن ان يقال: ان هذه النظم تتبنى ايضاقابلية التعميم، بل
وتعمل بها باحسن وجه، لانها تعتقد: ان كون الانسان فيداخل
المجتمع او عدمه، هو جزء من الشروط التي وردت في مؤخرة
قابلية التعميم، حيث اشترط في قابلية التعميم،بانالانسان
يجب ان يكون على استعداد لتنفيذ الاحكام في الظروف
المتشابهة. وبعبارة اخرى، لا يخضع الافراد الموجودون في داخل
المجتمع والذين هم خارج المجتمع لظروف متشابهة. ومن خلال هذا الجواب، يطرح نقد آخر على قابلية التعميم،
وهو عبارة عن: ما هو المقصود من الظروف المتشابهة؟ هلان
المقصود من التشابه هو في الموقع الاجتماعي، او
الخصوصيات الفردية، او في ...؟ وفي كل حال فان الغموض
يحيطبهذا الموضوع من كل جانب، وان كل عالم ومفكر يعلم
بان تعيين ووضع شرط الظروف المتشابهة، في الحقيقة، هو
الابقاءعلى الطريق مفتوحا ، لدخول آلاف القيود والشروط من
اجل ايجاد الاحكام الاخلاقية، حيث لا تكون النتيجة سوى
تركالاحكام الاخلاقية والتخلي عنها، لانالانسان في كل زمان
ومكان له ظروفه الفردية الشخصية الخاصة به، حتى انه
لايستطيع ان يوجد لنفسه تلك الظروف مرة اخرى في موقع
آخر. وبهذا لا تكون الاحكام الاخلاقية الااحكامافردية خاصة، وتكون
على خلاف مقاصد (هير)، ولا تحقق وجهات نظره. تعتبر السيدة (فيليضافوت) من اقوى واشد منتقدي نظرية
المذهب الارشادي لهير، واوردت عليه عدة ردود((205)). تقول في احد اهم انتقاداتها:
لا يكفي لحكم واحد وقاعدة اخلاقية منفردة التمتع بالحالة
الارشادية، ومع هذا يكون للقائل بهما رغبة في ان يكونذلك
الحكم حكما عامالجميع المصاديق والظروف المتشابهة،
فذلك الحكم وتلك القاعدة لا يعودان قاعدة اخلاقية. وعلى سبيل المثال، لو قال شخص: لا يجوز النظر الى القنفذ
تحت ضوء القمر، وان النظر الى القنفذ تحت ضوء القمر
عملخطا. هنا فضلا عن كون الحكم ارشاديا فالشخص تحدوه
الرغبة في ان يصبح هذا الحكم حكما عاما. فهل من المقبول ان نقول: بان هذا الحكم حكم اخلاقي؟
بالقطع واليقين يكون الجواب لا، وان كون الحكم ارشاديا
وقابلا للتعميم لا يكفي ان يكون ذلك الحكم اخلاقيا. خلاصة البحث
بالنظر الى ما تم بيانه، رغم انه لا يمكن انكار ترجيح نظرية
المذهب الارشادي لهير على النظريات السابقة لها،
يعنيالمذهب الامري والمذهب العاطفي. الا ان وجود
المشكلات الكثيرة، من قبيل القضاء على قاعدة عينية
الاحكامالاخلاقية، ووضع القيود والشروط مثل قابلية التعميم
وغيرها على الاحكام الاخلاقية، يجعل هذا التوجه غير كاف
وغيرعملي. وربما كانت نقاط الضعف الكثيرة هذه جعلت من (هير) المدافع
الجاد الوحيد عن نظرية المذهب الارشادي، دون انيعير لها
بقية المفكرين اهمية تذكر.
نظام الحكم عند المودودي
لكن ما نحتاجه اليوم، هو عرض ودراسة هذا الرجل، وقراءة فكره
السياسي قراءة نقدية، لتطوير ما وصلنا في تجربتناالسياسية
اليها. اذن، اريد في هذا المقال ان ادرس واقوم ما قاله المودودي وما
فعله بعين نقدية، لانه وكما قيل: ان حياة العلم بالنقدوالرد. وفي قراءتي هذه سوف استند الى اعمال السيد المودودي
فحسب.((206)) وفي هذا المقال اود ان القي الضوء علىقضية
الحكم عند المودودي، وما يترآى في هذا الامر، وطرح بعض
التساؤلات. الاسلام كنظام ثيوقراطي (شحچزحرحخث)
المودودي، عندما يعدد مواصفات النظام الديمقراطي، يصل
الى ان النظام الاسلامي، وان كان يشبه هذا النظام، الا انه
يختلفعنه كثيرافيقول: (هذه خصائص الديمقراطية، وانت
ترى انها ليست من الاسلام في شي. فلا يصح اطلاق كلمة
الديمقراطيةعلى نظام الدولة الاسلامية)((207))، فهو لا يقف
عند هذا الحد، بل يمتد فكره الى ان يسند كل الشرور الى
النظامالديمقراطي، حينما يقول: (ان منبع الشرور والفساد
الحقيقي انما هو الوهية الناس على الناس، اما مباشرة واما
بواسطة.وهذه هي النظرية المشؤومة التي تولد الشر منها اول
مرة، وهي التي لا تزال تنفجر منها عيون الشر اليوم في
كلمكان)((208)). اما النظام المثالي عند المودودي، كما يصفه، وان كان يشبه
الديمقراطية، ولكن يختلف عنها اختلافا ما، كما يقول
بهذاالصدد: (الذي يميز الجمهورية الاسلامية عن الجمهورية
الغربية السائدة المعروفة اليوم في العالم، ان نظرية الغرب
السياسيةتقول بحاكمية الجمهور، والاسلام يقول بخلافة
الجمهور. وبيان ذلك، ان حقوق الحكم والامر في الجمهورية
الغربية يستبدبها الجمهور، وهم الذين يمتلكون ناصيتها،
فيسنون في الارض ما يشاؤون من القوانين والشرائع، وان
قصارى ما تهدف
اليه حكومتهم انما هو ارضاء عامة سكان المملكة، وجلب
تاييدهم، وقضاء
مشيئتهم. والاسلام بخلاف ذلك، ليس الحكم والامر فيه الا للّه وحده،
فهو الذي يستاثر بحق وضع القانون والشريعة لعباده، منغير
مشارك ولا منازع. واما الجمهور، فليست منزلتهم في الاسلام،
الا كمنزلة الخلفاء الذين يضطرون بطبيعة منزلتهم
انيقتفوا آثار الشريعة الالهية التي جاء بها الرسول من عند
ربهم، ولا يحيدوا عنها قيد شعرة(((209)). فالمودودي يفضل
انيستعمل مصطلح ثيوقراطية (اي الحكومة الالهية) بدل
ديمقراطية (اي حكم الجمهور). وينبغي ان يجري انتخاب رئيس الدولة الاسلامية، برضا
المسلمين من غير ما عنف ولا تدليس. اما كيف يتبين
رضاعامة المسلمين، فان الاسلام لم يضع لهذا الغرض طريقا
محدودا، ومن الممكن ان نختار له مختلف الطرق والمناهج،
علىحسب احوال المسلمين وحاجاتهم).((210))
يفوض امر ادارة المملكة الاسلامية وتسيير دفتها، الى امير
يضارع في منصبه والقيام بامر المملكة، رؤساء الجمهوريات
فيهذا العصر. فكل من آمن بمبادئ الدستور اذا كان بالغا
اشده يبدي رايه في انتخاب الامير. والذي يلاحظ بصفة
خاصةفي انتخاب الامير، هو التقوى والمعرفة التامة بالاسلام. ثم ينتخب لمساعدته مجلس الشورى الذي ينتخب اعضاءه
عامةافراد المجتمع. والامير حتم عليه ان يسوس البلاد
بمشاورة اهل الحل والعقد، اعضاء مجلس الشورى. بل، يجوز له
فيتلك الحال، ان يستاثر بحق الرفض والرد، ويرد آراء سائر
اعضاء المجلس في امر يرى ان الحق على خلاف ما يرون. ومنحق عامة اهل البلاد ان ينتقدوا حكومته اذا راوا فيها ما
ينتقد.((211))
وهو يخرج هنا عن دائرة القاعدة العامة فيما يخص الاكثرية، ولا
يعطيها اية اهمية، بل، يقول استنادا الى صريح القرآن
(ولواعجبك كثرةالخبيث(: ان الرئيس يستطيع نقض كل
قرارات المجلس، اذا رآها بعيدة عن الصواب. واذا تعارض راي
الرئيسوراي اعضاء مجلس الشورى في امر من الا مور، ولم
يرض احدهما بالنزول عن رايه، واقصى ما يلجئنا الى هذا
المنهاجهو استفتاء الراي العام في البلاد. فمن يرفض الراي العام
يستقيل من وظيفته((212)). لكن المودودي لم يقدم اي دليل يمكن الاستناد اليه لاثبات
صحة الاستفتاء، ولم يعرض لنا مثالا تاريخيا واحدا منه. واذاكان
الرجوع الى الاستفتاء عملا صحيحا، فلماذا لم يفعله الخلفاء
الراشدون؟ وهل كان مثل هذا الاجراء موجودا في
تاريخالاسلام؟
الامير
يتحدث المودودي عن الخليفة وامير المسلمين بالتفصيل،
ويحصي صفاته وواجباته. ويرى انه باستثناء الحريصين
علىمصالح الناس، فان هذا المنصب الخطير لا يهواه الا
مجنون. (من يكون اليه زمام امور المسلمين... قد تمر عليه الاسابيع
والاشهر، من غير ان يرتاح يوما، او يهنا بطعم النوم
لحظة،بسبب انشغاله بمصالح الامة، وتفقد احوال العاجزين. فلا
ينبغي لامير المسلمين ان يتمتع بلذائذ الحياة، وابهة
الملكوالسلطنة، وكبكبة الحكام. هذا المسكين لا يحق له
تشييد بنايات تعلو في عنان السماء، او اخذ نصيبه من الدنيا،... (وفي ضوء الشروط التي ذكرتها) اذا رايتمكباعلى الدنيا،
حريصا على نيل هذا المنصب، فاعلم انه احمق وقاصر العقل،ولا
يعلم ما في انتظاره، وذلك لان اي شخص من عامة المسلمين،
اذا كان يمارس الصناعة او اي عمل آخر مهما كانبسيطا،
يعيش حياة اكثر رفاها من حياة ولي امر المسلمين، لانه يعمل
كل يوم ويحصل على رزق يفوق ما يحصل عليهالخليفة، وينام
الليل وهو مرتاح البال. الا ان الخليفة المسكين لا يحظى كما
يحظى التاجر والعامل بالنعم المادية، ولايذوق طعم النوم
والراحة كعامة الناس... ويكفي ان نذكر مثالا على ذلك امير
المؤمنين، ابا بكر الصديق خليفة رسول اللّه،فهو كان يدير
شؤون بلد واسع، ولكنه ما كان يتقاضى من المرتب الشهري الا
مبلغا زهيدا. وهكذا الحال بالنسبة الى عمربن الخطاب، الذي
كان يستلم مبلغا شهريا قليلا لقوته وقوت عياله)((213)) . لكن المودودي هنا لم يذكر عثمان ذا النورين، الذي وهب
لمروان خمسمئة الف دينار (خمس غنيمة افريقيا)!!((214))
فهل هذه اقوال مفكر باحث عن الحقيقة، ام اقوال رجل مغرم؟!
فالمودودي يضع مقاييسه هنا بشكل رئيس وفقا لما كانت عليه
الخلافة الراشدة (على حدتعبيره). فهل حق ا ان الخلفاءالثلاثة
انتخبوا وفقاللشروط المذكورة آنفا ، والتزموا بالمعايير التي
سبق ذكرها؟ فان كان الامر كذلك، فلماذا تحولتالخلافة التي
يشيد بها لمودودي، خلال فترة وجيزة الى (الملكية) المقيتة
لديه؟ لا يمكننا هنا الا ان نقول: ان المودودييريد صياغة نظام
باي نحو كان، حتى وان لم يكن ذلك يتطابق مع الاحداث
التاريخية. سنجري دراسة تاريخية للخلافة حسبما يراها المودودي على
حدة. ولكننا نريد ان نسلط الاضواء هنا على الشكلالسياسي
للنظام الذي ينادي به المودودي. كما سبقت الاشارة، فان للامير حق النقض امام مجلس
الشورى، وهذا الحق منبثق من البحث التاريخي الذي قام
بهالمودودي. هنا يستشهد المودودي بيتين من القرآن الكريم
تحثان الامير على مشاورة المؤمنين، ثم العزم والاقدام
متوكلاعلى اللّه تعالى، ويقول: (فهاتان الايتان توجبان المشاورة
على رئيس الدولة، وتامرانه بانه اذا عزم على شي بعد
المشاورة،عليه بتنفيذه متوكلا على اللّه تعالى، ولكنهما لا
تكفيان للقطع في المسالة التي نحن بصددها الان. وكذلك ما
وجدت حكماقاطعا في هذا الباب في احاديث النبي (ص). غير
ان العلماء قد استنبطوا من عمل الصحابة في عهد الخلافة
الراشدة، انرئيس الدولة هو المسؤول الحقيقي عن شؤون
الدولة، وعليه ان يسيرها بمشاورة اهل الحل والعقد، ولكنه
ليس مقيدا بانيعمل بما يتفقون عليه كلهم او اكثرهم من
الاراء. وبكلمة اخرى، انه يتمتع بحق الاعتراض (رژحج
بازائهم)((215)). وربما قد احس المودودي بغلوه في ما ذهب اليه من القول،
فبادر الى تقويم كلامه قائلا: (ويجوز لنا ان ناتي ببعضتعديلات
في تفاصيل هذه الصورة التي قد وصلتنا، عما كان عليه العمل
في ذلك العهد الزاهر حسب الظروف والمقتضياتالحاضرة. فالتعديلات الفرعية التي يجوز ان ناتي بها، انما هي من قبيل
ان نحدد لرئيس الدولة صلاحياته الاداريةوالقضائية، بالنسبة
لصلاحيات الخلفاء الراشدين في تقواهم وعفافهم
وامانتهم)((216)). المودودي ليس له موقف محدد في بيانه لشكل النظام
السياسي في الاسلام. فهو تارة يستنبط اصول الحكم من
القرآن،ويدعي تارة اخرى ان القرآن ليس فيه حكم صريح في
هذا المجال. وعندما يصل به الدور الى الاحاديث النبوية، يقع
فيالمشكلة نفسها ايضا. وحينما يريد انتزاع معايير من سيرة
الخلفاء الراشدين (رغم ان كل واحد منهم كانت له
سيرتهالخاصة، وكان كل واحد يعالج الامور على نحو معين)،
نراه يؤمن بتطبيق بعض التقييدات، دون ان يعين لذلك
قاعدةواضحة. وهذا التخبط يعد حصيلة عهد كان منهمكا فيه
بالعمل السياسي وتقديم الشروحات التنظيرية لمواقفه، قبل
انيكون ناجما عن التعمق وعدم الوصول الى نتيجة. ولابد ان
هناك سبباجعل منه المفكر غير العربي الوحيد، الذي
تتداولآثاره في الكويت والسعودية، كما تتداول اوراق الذهب،
وذلك ان امير المودودي، له الصلاحية ان يحل البرلمان
بسهولةشرب الماء. القضية المستعصية في النظرية السياسية للمودودي، هي
قضية عزل الامير. فان حاد الامير بعد وصوله الى السلطة آعن
النهج القويم، واتخذ موقفا معارضا لمجلس الشورى، واخذ
ينقض كل واحد من قرارات المجلس، او بادر الىحلالمجلس،
فما الموقف الذي ينبغي اتخاذه حياله؟ يقول المودودي بان
المسلمين يمكنهم ان لا يمنحوه الثقة، ويمكنهمعزله ان لم
يكن في عزله مفسدة.((217))
والسؤال الرئيس هنا هو: من الذي يحدد وجود او عدم وجود
مثل هذه المفسدة؟ والا يؤدي مثل هذا المقياس الغامض،الى
بقاء الامير على راس السلطة مدى الحياة، حتى وان كان منقادا
لهواه؟ اليس هذا هو النقد الرئيس الذي يثيره
بعضالمستشرقين، الذين يقولون بان الامير لا يمكن عزله
طالما كان مقيما للصلاة، ويستدلون على رايهم هذا بحديث
مرويعن النبي، وبنظريات مفكرين من اهل السنة؟
لقد حاول المودودي رد هذه الشبهة، عن طريق تاليفه لكتاب
ضخم اسمه (الخلافة والملك)، بيد انه لم يقدم فيه اجابةعن
هذا السؤال. فالمودودي يتحدث عن سلطة الامير بالتفصيل،
ولكنه يتعامل مع قضية عزله ب(ليت ولعل). اذا فهل
هناكمنظر افضل منه للمنافحة عن حكم (ضياء الحق)
واضرابه؟
من السذاجة طبعا ان نسلم كل مقاليد الحكم الى الامير، ثم
نامل بعد ذلك ان يبقى سائرا على النهج القويم،
ويحكمبالتقوى. يقول الباحث والمفكر السياسي الايراني
الدكتور حميد عنايت في هذا المجال: (لا يقدم المودودي اي
دليل علىان الحكم المثالي الذي ينادي به، مستثنى من
التجربة التاريخية المريرة (احتكار السلطة الفاسدة). ((218))
مجلس الشورى
بعد انتخاب الامير، يختار المسلمون جماعة من اهل الخبرة
لعضوية مجلس الشورى، وهؤلاء ياخذون على عاتقهممهمة
سن القوانين (ضمن شروط معينة طبعا):
(لا يجوز للمجلس التشريعي في حال من الاحوال ان يضع ولو
باجماع اعضائه كلهم، قانونايخالف كتاب اللّه وسنةرسوله (. واما
الامور التي تحتمل فيها احكام اللّه ورسوله تاويلات عديدة، لا
يرجع فيها الا الى المجلس التشريعي، ليرىاي التاويلات اوفق
للقانون. فلا بد لهذا الغرض ان يكون المجلس مشتملا على
رجال من ارباب العلم يصلحون لتاويلالاحكام، والا يخشى من
اقضيتهم الخاطئة ان تشوه وجه الحقيقة من احكام الشرع)
. ((219))
هذه الاقوال تتطابق مع الموقف العام لاهل السنة ازاء (ما لا نص
فيه). وكل ما يمكن قوله حول ذلك الموضوع، يسريعلى هذا
الموضوع ايضا. الملحوظة الاخيرة هي انه يعارض بشدة الدعايات الانتخابية،
ووجود الاحزاب، والترشيح، وتحزب اعضاء مجلسالشورى،
وانقسامهم الى جماعات وما شابه ذلك من هذه المظاهر، ويرى
انها غير جائزة ومخالفة للاسلام. ((220))
مقومات نظرية الخلافة وتحولها الى ملكية
عقد في الاسبوع الاول من شهر كانون الثاني (يناير) من عام
1958م مؤتمر دولي في لاهور، للتباحث والتداول
حولالاسلام... وفي هذا المؤتمر... اثار بعض المستشرقين هذه
القضية، وهي ان الاسلام لا سبيل فيه الى عزل وازاحة
الحاكمالظالم. وقد استندوا في ادعائهم هذا، الى احاديث
منقولة عن النبي، وجاء فيها انه لا ينبغي الثورة ضد الحاكم،
طالما كانمصليا...((221))
وقد فتح هذا المؤتمر الباب امام المودودي لتاليف كتاب
(الخلافة والملك) الذي شرح فيه بالتفصيل موضوع
الخلافةومكانتها في الاسلام، وتحويل الخلافة الى الملكية
والنظام الوراثي الملكي. وقد روعي في هذا الكتاب جانب
الامانة فينقل الكثير من الاحداث والوقائع، ورسمت فيه صورة
دقيقة لبعض الخلفاء، الا انه لا يقدم في نهاية المطاف، النتيجة
التييفترض ان تكون بمثابة رد على ادعاء المستشرقين، وهو ما
يدل على ان المؤلف يقر صحة ادعائهم. ونظرا الى اهمية بعض الموضوعات المطروحة في هذا الكتاب،
ننقل فيما يلي بايجاز ما جاء فيه من آراء المودودي. تاسيس الخلافة
ينطلق المودودي، للقول بمشروعية الخلافة، من هذه النقطة،
وهي ان النبي (ص) ما زال قائمابمهمة ادارة الدولةالاسلامية،
حتى التحق بالرفيق الاعلى، من غير ان يامر المسلمين
ويهديهم هداية صريحة قاطعة، في من يكون خليفتهممن
بعده. والذي فهمه الصحابة من هذا السكوت، ومن قول اللّه عز
وجل: (وامرهمشورى بى نهم)، ان اللّه تعالى قد خبرهمفي
تولية الرئيس لدولتهم بعد نبيه بالانتخاب... فهذا ما كان عليه
تصرف الصحابة في امر تولية رئيس الدولة في عهدالخلافة
الراشدة، والظاهر ان الذي اسس عليه بنيان هذا التصرف، هو
سكوت النبي (ص) في باب الخلافة، وقول اللّه تعالى(وامرهم
شورى بينهم) الشامل لجميع شؤون المسلمين الجماعية. والذي يثبت من هذه السابقة الدستورية ثبوتا قاطعا ، هوان
انتخاب الرئيس في الدولة الاسلامية متوقف على رضا عامة
المسلمين، ولا يحق لاحد ان يسلط نفسه على رؤوسهمبالقسر
والاكراه، ولا اختصاص بهذا المنصب لاسرة او طبقة خاصة. وينبغي ان يجري الانتخاب برضا المسلمين من غير ماعنف ولا
تدليس((222)). طبعا يمكن اثارة نقاش طويل حول هذا الادعاء، اضافة الى عدم
تطابقه مع تاريخ ذلك العصر، وما سجل فيه من
المواقفالمعارضة. ولكن على اية حال، كانت لهذه الخلافة
خصائص معينة من وجهة نظر المودودي نعرضها كالاتي:
1 خلافة منتخبة:
يرى المودودي ان الخليفة كان يتبع اصوات المؤمنين، كما
يراعي في انتخاب الخليفة مواصفات دقيقة. لكن
هذهالخصيصة تحولت الى نظام وراثي وملكي. اولى مراحل هذا
التغيير بدات عند وصول عثمان الى الخلافة. اذ انه سار
علىخلاف سنة الرسول وسيرة الشيخين، وسلط اقاربه على
رقاب الناس. واحيى العصبية القومية: (وبوفاته تحولت الخلافة
الىملكية... وقد بدا هذا التغيير في الوقت الذي اخبر فيه عمر
عن وقوعه. فهو قبيل وفاته كان اكثرهم خوفا من ان
يبدلخليفته، النهج الذي كان متبعا ازاء عشيرته واقرباءه، منذ
عهد الرسول ( الى حين خلافته... ولكن من بعده... تجاوز
عثمانهذه السيرة... فولى اقرباءه، الواحد تلو الاخر، المناصب
والاعمال الحكومية الخطيرة، ووهب لمروان خمس غنائم
افريقيا(نصف مليون دينار)، وولى اخاه في الرضاعة، الوليد بن
عقبة على الكوفة... وكان معاوية في خلافة عمر واليا على
دمشقوحدها، لكن عثمان اضاف على ولايته حمص،
وفلسطين، والاردن، وكل اقليم لبنان. وعين بعد ذلك ابن
عمه مروان بنالحكم معاونا له، وهذا ما ادى الى ان يبسط هذا
الرجل نفوذه على جميع مرافق الدولة ومقدراتها. وهكذا تركزت كل الصلاحيات عمليا بيد عائلة واحدة... وكان
لهذه الاعمال اثر غير طيب في نفوس عامة الناس، بلحتى في
نفوس كبار الصحابة... قال سعد بن ابي وقاص: اعلم انكم
ستجعلونها ملكية. وصرح عبداللّه بن مسعود باقوال مشابهة لهذا القول... وكانت
هناك اسباب اخرى ايضا تضافرت مع بعضها وادت الىوقوع
بعض الاضطرابات في البلاد)((223)). 2- الحكم شورى. 3- بيت المال امانة. 4- الصورة المطلوبة للحكم. اعلن ابو بكر في اول خطبة القاها في مسجد النبي بعد البيعة
العامة:
... اطيعوني ما اطعت اللّه ورسوله، فان عصيت اللّه ورسوله فلا
طاعة لي عليكم)((224)). 5- سيادة القانون((225)). 6- حكومة بعيدة عن الاهواء والعصبيات((226)). 7- النزعة الجمهورية((227)). يستدل المودودي باعمال واقوال الخلفاء الراشدين، لتدوين
هذه الاصول، معتبرا اياها امورامسلما بها. وينقل عن كلواحد
منهم شواهد دالة عليها. لكن هذه الخلافة المثالية لم تدم
طويلا، اذ سرعان ما تحولت الى ملكية. وقد عزىالمودودي في
موضع ما، هذه الظاهرة الى زيادة اعداد من كانوا ينتمون
للاسلام اسما، وقلة عدد المسلمينالحقيقيين((228)). الا انه
يحصي في هذا الكتاب عوامل هذا التحول واحدا واحدا، ويعين
مراحل حصول هذه الاستحالةكما يلي:
1-
افراد هذه الاسرة، الذين نزلوا الى الساحة السياسية في عهد
عثمان، كانوا كلهم من الطلقاء. 2- كانوا اشخاصا غير كفوئين، ولا مناسبين لتوجيه وقيادة
الاسلام. 3- كانت اعمال قسم منهم بالشكل الذي (لم يقدم وجودهم
على راس مناصب رفيعة في المجتمع الاسلامي
الطاهريومذاك، نتائج مؤثرة في مقابل ذلك) ((229)). وقد خطا
المودودي بشدة سياسة عثمان هذه، معتبرا اياها بعيدة عن
التدبير،ومعتقدا ان الامويين رغم ما كان لديهم من كفاءات
سياسية وعسكرية جيدة فانهم ما كانت تتوفر فيهم مؤهلات
القيادةالاخلاقية للمسلمين((230)). واعتبر استمرار ولاية
معاوية التي افضت بالنتيجة الى خلافته ناجمة عن تغاضي
عثمان:
(ان تفويض ولاية اقليم معين لمدة 16 17 سنة الى معاوية... لم يكن عملا غير جائز شرعا، غير انه لم يكن صائبا منحيث
التدبير السياسي. لا اقول انه كان يجب عليه عزله من غير
تقصير او خطا، وانما كان يكفي ان ينقله بعد مضي عدةسنوات
من ولاية بلد الى ولاية بلد آخر. ففي مثل هذه الحالة لم يكن
يتهيا له اكتساب مثل هذه القوة، بحيث يتسنى لهالتمرد على
الحكومة المركزية واشهار السلاح بوجهها)((231)) . وفي ختام المطاف تسببت تلك
السياسات المغلوطة في خلق مشاكل لعثمان، (فقامت ضده
اضطرابات وثورات، ادت الى شهادته. وليس هذا فحسب،وانما
اضرمت نار العصبية القبلية من جديد، وهي النار التي احرق
لهيبها نظام الخلافة الراشدة)((232)) . ولا ينبغي طبعا الذهاب الى ابعد من ذلك بشان هذا الخليفة
الشهيد، بل لابد ان نعرف بانه بقي مثالا لنظام الخلافة
التيينشدها المودودي:
(لا شك ان هذا الجانب من سياسة عثمان كان مغلوطا وغير
صائب... لكن الحقيقة، هي لو اننا تغاضينا عن هذا
الجانب،لاتضح لنا بان سيرته كخليفة، كانت في كل الجوانب
الاخرى مثالية، ولا مجال للاعتراض عليها. اضافة الى ذلك فقد
سادالخير والاحسان في خلافته، وتحققت اعمال اساسية على
طريق ازدهار ورفعة الاسلام، بحيث ان المسلمين في كل
بلادالاسلام ما كانوا يفكرون حتى في البغي عليه) .((233))
وعلى اية حال، فان هذا الخليفة المثالي ادى باعماله المثالية،
الى اثارة اضطرابات ادت في نهاية الامر الى مقتله. وقد ادان المودودي الثائرين على عثمان، وقال انهم كان
عليهم اتباع الطريق القانوني، والتظلم. وما كان ينبغي
لهمارتكاب مثل هذه الجناية، حتى وان لم يحصلوا على
نتيجة((234)). بدات المرحلة الثانية من تحول الخلافة الى الملك، بخلافة
الامام علي(ع) فهو كان موضع قبول المسلمين كافة،
وكانباستطاعته اعادة توحيد الامة الاسلامية التي انقسمت
يومذاك الى شقين، والقضاء على بعض الانحرافات. ولكن
اعترضتطريقه عراقيل. اضافة الى ان مواقف قسم من الصحابة
وعدم مبايعتهم له، ادت الى نشوب حروب داخلية، افضت في
نهايةالمطاف الى قيام حكومة معاوية، اي الحكم الملكي:
وعند انتخاب الامام علي(ع) (توفرت الاجواء لرتق الفتق
الخطير الذي حصل في الخلافة الراشدة، من جراء مقتل
عثمان،واخذ الامام على بزمام الحفاظ على هذا النظام. ولكن
كانت هناك ثلاثة عوامل اخرى، اضرمت اللهيب في نار هذا
الفتق،ودفعت الامة الى مرحلة اخرى على طريق سوقها نحو
الملكية:
1-
مشاركة الاشخاص الذين قدموا من خارج المدينة لاثارة
الفتنة ضد عثمان، في انتخاب الامام علي(ع) كخليفة. 2- عدم مبايعة بعض كبار الصحابة لعلى ) (7 الى 20 شخصا)،
وهذا الموقف الذي اتخذه هؤلاء الصحابة، وان جاء عنحسن نية
خالصة لاتقاء الفتنة، الا ان الوقائع اللاحقة اثبتت... ان عملهم
هذا ادى الى فتنة اكبر. 3- المطالبة بدم عثمان، وهي القضية التي نهض لاجلها
فريقان. فمن جهة كانت عائشة وطلحة والزبير، ومن
جهةاخرى كان معاوية. ومع احترامنا لمكانة ومنزلة وجلالة
هذين الفريقين، لابد من القول ان موقفهما لا يمكن
اعتبارهصحيحا ابدا من الناحية القانونية... فقد كانت حكومة
الامام علي(ع) حكومة قانونية واصولية شرع فيها قانون لكل
دعوىوادعاء. فمعاوية بصفته واليا، ما كان من حقه التمرد... على طاعة خليفة بويع مبايعة قانونية)((235)) . لكن معاوية واصل السير لتحقيق رغبته الى ان استولى على
الحكم، وحوله الى ملك. وهكذا اكتملت ثالث وآخر مرحلةمن
مراحل هذه الاستحالة، وسمى هو نفسه اول الملوك. الملكية وخصائصها
وقد بين المودودي خصائص الملكية، عبر دراسته لحياة
معاوية وخلفائه، على النحو التالي:
1-
(استبدال مبدا اختيار الخليفة. فخلافة معاوية لم تكن من
نوع الخلافة التي جاءت بناءعلى ارادة الامة... فهو كانيريد ان
يكون خليفة باي نحو كان. ووصل الى الخلافة عن طريق
الحرب... وعندما تربع على كرسي الخلافة، لم يكن امامالناس
بد من مبايعته)((236)). 2- تبدل اسلوب حياة الخليفة. (منذ بداية الملكية تشبه الخلفاء
بالملوك، وعاشوا على غرار حياة قيصر وكسرى...وسكنوا في
قصور ملكية. وقد بدا هذا التبدل منذ عهد معاوية)((237)) . 3- تغيير كيفية بيت المال (تغيرت كيفية استخدام بيت المال
تغيرا تاما في العهد الملكي، بحيث اصبح بيت المال ثروةخاصة
للملك وافراد اسرته) ((238)). 4- القضاء على حرية التعبير عن الراي. في العهد الملكي
حبست الضمائر، وسجنت الالسن... وقد بدا هذا النهج
الجديدفي عهد معاوية، منذ قتل حجر بن عدي عام 51 من
الهجرة. (كان حجر احد زهاد الصحابة... وفي عهد معاوية عندما
بداالخطباء يشتمون الامام عليا (... اخذ حجر يثني على على
ويذم معاوية... فاخذوا المتهم (حجر) الى معاوية، فاصدر
حكمقتله. وقبل قتله قال له الجلادون: انا قد امرنا ان نعرض
عليك البراءة من على واللعن له، فان فعلت هذا تركناك، وان
ابيتقتلناك. فرفض، فقتل هو وسبعة من اصحابه)((239)). 5- نهاية حرية القضاء((240)). 6- نهاية حكم الشورى((241)). 7- ظهور التعصب القبلي((242)). 8- عدم سيادة القانون. (بدات هذه السياسة في عهد معاوية... قال الحافظ ابن كثير: ان
معاوية حرف السنة في معاملة الدية... وبدات في عهدمعاوية
بدعة كريهة اخرى، على النحو التالي:
وهو انه امر كل عماله بلعن على والطعن فيه فوق المنابر اثناء
خطبهم. وخالف معاوية الاحكام الصريحة لكتاب اللّه وسنة نبيه في
تقسيم اموال الغنائم... وكان استلحاق زياد بن سمية من افعال معاوية التي تعدى فيها
قاعدة شرعية مسلم بها، لاغراض سياسية... وجعل عماله فوق القانون، وامتنع عن تطبيق الحكم الشرعي
ضد تجاوزاتهم الصريحة... وقطع الرؤوس وارسالها الى اماكن اخرى، وانتهاك حرمة
الجثث... وهي عادة كانت في الجاهلية وقضى عليها الاسلام،
وقدشاعت في هذا العهد... وكان اول راس قطع في الاسلام
راس عمار (... وثاني راس قطع هو راس عمرو بن
الحمق...وعندما استولى معاوية على مصر، قبض على محمد
بن ابي بكر وقتله، وامر ان يحرق بالنار في جيفة حمار... والسؤال هو: هل اجاز الاسلام معاملة الكافر بهذه الطريقة؟)
. ((243))
هذا السؤال ينبغي ان يجيب عنه المودودي نفسه. فهو يقول
بعد ذكر العديد من الشواهد التاريخية، ونقل العديد منالفجائع
في هذا المجال، فيما استخلصه من كل ذلك:
(وهكذا انتهى نظام الخلافة الراشدة قطعا، وحل محله نظام
السلالات الحاكمة ((ژحخژژچذشا ، ولم ينل المسلمون بعدها
والىيومنا هذا، الخلافة المثالية التي يطمحون اليها. فلمعاوية
محامده ومناقبه، وشرف صحبته واجب الاحترام. ولا ينكر
مااسداه من خدمة لم شمل العالم الاسلامي مرة اخرى تحت
راية واحدة، ووسع دائرة الاسلام. ولا شك في ان من
يلعنهويطعن به متجاوز، ولكن يجب ذكر اعماله الخاطئة)
. ((244))
الى هنا ينتهي تحليله لتحول الخلافة الى الملك، وثناؤه على
من تسبب فيه... اضافة الى ذلك، فانه يعتبر سوء الحظ سببالهذا
التحول ايضا.((245))
مجموعة تساؤلات
رغم ان هذا التحليل يتسع لكثير من النقاش، الا اننا نتجاوز كل
ذلك، ولكن هناك تساؤلات ملحة تتطلب اجابة منالمودودي،
ومنها:
1-
اليس الخلفاء الاربعة على درجة واحدة من الاعتبار
والحجية؟ فان وقع تعارض بين عمل الخليفة الثاني
وعملالخليفة الثالث، ما الذي ينبغي عمله؟ 4- ما هي الالية التنفيذية لعزل الخليفة الظالم؟
6- هل يستطيع المودودي حقا ان يصوغ من هذه النماذج
المتناقضة، مثالا للخلافة، في العصر الحديث
ومتطلباتهالمستجدة؟
9- هل معاوية الذي هو من الطلقاء حسب قول المودودي
نفسه يحظى بشرف الصحبة؟ اذا، فما هو الموقف من
قولالقرآن الكريم: (لا يستوي منكم من انفق من قبل الفتح)
(الحديد: 10)؟
هذا اضافة الى اسئلة اخرى كثيرة يحتمل ان تبقى بلا جواب. وظائف الحاكم ومسؤولياته في الفكر الاسلامي ا. محمد علي رستميان ترجمة: عبدالرحيم الحمراني المقدمة :
تتناول المقالة التي بين يديك عزيزي القارئ، وظائف الحاكم
ومسؤولياته في ضوء نظرة الامام علي(ع). وقد اشتملالبحث
على عنوانين رئيسين «الوظيفة» و«المسؤولية»، وعلى الرغم
من عمق الرابطة الوثيقة بينهما الا انهما
يختلفانمعنىومصداقا . اما الوظيفة، فهي من حيث المعنى تمثل العمل الذي يلتزم
الفرد بتركه او الاتيان به. فالامام علي( يرى ان الاحكامالشرعية
من وظائف العباد: (واخرجوا الى اللّه بما افترض عليكم من
حقه، وبين لكم من وظائفه)((246)). واما المسؤولية فهي الالتزام الكامن في الوظيفة، وهي تعني
التعهد وتحمل تبعات العمل الذي ترك او اتى به. ومن
حيثالمصداق فان دائرة المسؤولية اعم من الوظيفة. فوظيفة
الفرد انما تقتصر على اطار عمله، فهو مكلف ان يقوم بالعمل
الذياسند اليه باحسن وجه. الا ان هناك بعض الافراد يتحملون
مسؤولية اعمال الغير دون ان يكون لهم علم بها،
كالمسؤوليةالتي ينهض بها ويتحملها رب الاسرة بالنسبة
لاعمال افراد اسرته، وعليه فحيثما كانت الوظيفة حلت
المسؤولية. ولكن قدتترتب علينا احيانا مسؤولية ازاء عمل، في
حين ليس لدينا اية وظيفة حياله. فاغلب المسؤوليات تنشا من
خلال المناصبالتي يتمتع بها الافراد في المجتمع، او التصدي
لبعض المهمات مما يحتم ان يتحملوا عب مسؤولية اعمال
الاخرين. وهنا يرد سؤال آخر بشان العلاقة التي تحكم الوظيفة
والمسؤولية وهو: هل الشخص مسؤول فقط امام الفرد
اوالمؤسسة التي تحدد له وظيفته، ام يمكن فصل الترابط بين
الامرين؟
اذا ما طرحنا هذا السؤال بشان الحاكم فاننا نرى ضرورة معرفة
من الذي يحدد له وظائفه؟ وازاء من تكمن مسؤوليته؟وسنرى
حين تسليط الضوء على هاتين المسالتين، ونعرض لمقارنتهما،
ان الحاكم مسؤول امام من يحدد له وظيفته، او انهمسؤول امام
الاخرين ايضا!
سيدور البحث في المقالة التي بين ايدينا حول محورين،
المحور الاول بخصوص وظيفة الحاكم، والذي
سنستهلهبالاجابة في ضوء النظرة العلوية عن السؤال
المطروح بشان وماهية الفرد او المؤسسة التي تحدد للحاكم
وظائفه، وماينبغي له فعله او تركه. فاذا ما اتضحت تلك
المسالة، عمدنا لتصنيف وظائف الحاكم الى الوظائف الفردية
والاجتماعية، ثمنتناول بالبحث والتحقيق حدود عمله في كل
منهما. اما المحور الثاني فيكون البحث فيه بخصوص مسؤوليات
الحاكم، ونقصد بها الا مور التي لا تتعلق بوظائفه المكلف
بها،الا انه مسؤول بالنسبة للاعمال التي يقوم بها الاخرون. وسنبدا ايضا بمعرفة وتحديد الفرد او المؤسسة التي يكون
مسؤولا امامها، ثم نتطرق لاحقاللحالات التي ليس للحاكمفيها
من وظيفة، بينما له مسؤولية تجاهها. الحاكم، الوظيفة، منشا تحديد الوظيفة
تعد الرابطة القائمة بين الحاكم والامة، احد اهم العلاقات
والروابط الاجتماعية التي تتطلب كسائر العلاقات
تعيينحدودها واطرها، ليتسنى من خلال رعايتها والعمل بها
طبعا على اساس القوانين والمقررات بسط العدل والقسط
فيالمجتمع. ويرى الامام علي(ع) ان اصلاح هذه العلاقة يؤدي
الى تقوية الحق ومنعته في المجتمع، الى جانب ترسيخ
جذورالدين واشاعة العدل والقسط فيقول(: (فاذا ادت الرعية
الى الوالي حقه، وادى الوالي اليها حقها عز الحق
بينهم،وقامتمناهجالدين، واع تدلت معالم العدل)((247)). وموضوع هذا البحث هو حقوق الامة على الحاكم، او وظائف
الحاكم بالنسبة للمجتمع والامة والتي تمثل احد طرفيهذه
العلاقة، وكما ذكرنا آنفا، فان هناك سؤالين مطروحين بشان
وظائف الحاكم، وهما:
1- من الذي يحدد وظائف الحاكم؟
الدين منشا تعيين وظيفة الحاكم
لقد اشار الامام علي(ع) مجملا في الحديث السابق الى
العلاقات الاجتماعية المتعددة السائدة بين الناس، والى
القوانينوالمقررات التي تعين حدودها واطرها على انها تمثل
حق اللّه، حيث وردت كاحكام وتكاليف شرعية بهدف
اصلاحالعلاقات الاجتماعية: (ثم جعل سبحانه من ح قوقه
حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافا
فيوجوهها، ويوجب بعضها بعضا، ولا يستوجب بعضها الا
ببعض)((248)). فهو ( يرى ان الحقوق الاجتماعية لافراد الامة بعظهم على
البعض الاخر ناشئة من حق اللّه، اي ان هذه الحقوق انما
هيحقوق الهية كسائر حقوق اللّه كالعبادات، كما ان هذه
الحقوق انما هي تكاليف وفرائض شرعية كسائر التكاليف
الشرعيةالالزامية التي امر بها الشارع المقدس. ثم يتناول ( علاقة الحاكم بالامة ليعتبرها من اهم الواجبات
تجاه حقوق الامة فيقول: (واعظم ما افترض سبحانه
منتلك الحقوق، حق الوالي على الرعية، وحق الرعية على
الوالي، فريضة فرضها اللّه سبحانه لكل على كل، فجعلها
نظامالالفتهم، وعزا لدينهم)((249)). فقد اكد بادئ ذي بدء في موضعين هذا الامر، وهو ان الحق
بين الحاكم والامة واجب من الواجبات الالهية، اي اذاكانت
هناك وظيفة للحاكم تجاه الامة، فان اللّه هو الذي فرض عليه
تلك الوظيفة. فقد ابان في المرحلة الاولى حق وحقوقكل من
الحاكم والامة، على انها تمثل اهم الحقوق الاجتماعية التي
اوجبها اللّه، ثم اكدها في المرحلة اللاحقة كواجباتالهية. وخلاصة ما يفيده هذا الكلام هو انه اذا كان هناك من حق للامة
على الحاكم، وكان مكلفاببعض الاعمال تجاه الامة،فان هذا
التكليف انما فرضه اللّه عليه، اي ان اللّه اراد من الحاكم ان يرد
على طاعتهم له بالنظر في امورهم واحقاقحقوقهم، لا ان
وظائف الحاكم قضية تعاقدية بينه وبين الامة، وانها قلدته
الحكومة ضمن عقد واشترطت عليه كيفيةممارسة وظائفه. ثم يتعرض لهذه المسالة من زاوية اخرى، وهي انه اذا سلمنا
بان الامة هي التي تفوض زمام الامور للحاكم، وتعين
لهوظيفته، فستكون الغلبة والهيمنة لها، فتشرط عليه ما تشاء،
ليمارس مهامه في ادارة الامور العامة للبلاد وفق
رغباتهاومطالباتها. وهذا ما يرفضه الامام علي(ع) جملة وتفصيلا ، دون ان يهمل
ذكر الفساد والانحراف الذي يترتب على ذلك فيقول:
(واذاغلبت الرعية واليها، اواج حف الوالي برعيته، اختلفت
هنالك الكلمة، وظهرت معالم الجور، وكثر الا
دغال في الدين، وتركت محاج السنن، فعمل بالهوى)((250)). فغلبة الرعية للحاكم، او اجحاف الحاكم لحقوق الرعية، انما
يؤدي للقضاء على نظام المجتمع وسيادة الظلم والجور،وتعني
غلبة الرعية للحاكم ائتماره باوامرها، وتعيين وظيفته من
قبلها، وهذا ما يختزن اساليب الظلم والاضطهاد الذيسرعان ما
يمارسه الحاكم بحق المجتمع. ولعل ما اجاب به على(ع) على
ابن عباس حين اقترح عليه امرا، انما يمثلمصداقا لهذا المعنى،
حيث رد عليه: (لك ان تشير علي وارى، فان عصيتك
فاطعني)((251)). انه ( يرحب بكل اقتراح واستشارة، غير انه لا يرتضي غلبة الامة
للحاكم من جراء النظريات والاقتراحات التي تفرضعليه. وقد تجسدت هذه النظرة في احاديثه التي ساقها للامة حين
حذرها من تحكيم الاهواء والاراء الشخصية فيما تمارسهمن
اعمال، على انالاوامر الالهية هي التي تصرح بوظائفه ووظائف
الحاكم الاسلامي: (انه ليس على الامام الا ما حمل منامر
ربه)((252)). ثم طالب مالك الاشتر حين ولاه مصر في عهده الذي عهده
اليه ان يقوم بوظائفه في ضوء القرآن وسنة النبي
(ص)،والرجوع اليهما في كل صغيرة وكبيرة: (واردد الى اللّه
ورسوله ما يضلعك من الخطوب، ويشتبه عليك من الامور فقد
قالاللّه تعالى لقوم احب ارشادهم (يا ايها الذين آمنوا اطيعوا اللّه
واطيعوا الرسول واولي الامر منكم فانتنازع تم في شي
فردوهالى اللّه والرسول( فالرد الى اللّه الاخذ بمحكم كتابه والرد
الى الرسول، الاخذ بسنته الجامعة غير المفرقة)((253)). ان الامام علي (ع) جعل القرآن مرجعاللحاكم في جميع الامور
وشؤون الحكومة، ولذلك حين احتج عليه البعض بعدقضية
التحكيم على انه رجع للافراد كمرجع لتشخيص امور
الحكومة، اجابهم بانه لم يحكم سوى القرآن، قائلا : (انا لمنحكم
الرجال، وانما حكمنا القرآن ... فاذا حكمبالصدق في كت اب اللّه،
فنحن احق الناسب ه، وان حكم بسنة رسول اللّه( فنحن احق
الناس واولاهم به)((254)). سيرته العملية ( هي الاخرى تفيد ان الحاكم مكلف بالعمل
على اساس احكام الكتاب والسنة النبوية فقط. وقداستعرض
نهجه في ادارة دفة شؤون الحكم على اساس العنصرين
الاساسيين للدين الاسلامي اي الكتاب والسنة حينتسلم
زمام الامور وبويع بالخلافة، بعدما عتب عليه طلحة والزبير
عدم مشورتهما والاستعانة بهما في تسيير الامور، فقال(:(فلما
افضت الى نظرت الى كتاب اللّه، وما وضع لنا، وامرنا بالحكم به،
فاتبعته، وما استسن النبي (ص) فاقتديته، فلم احتجفي ذلك
الى رايكما ولا راي غيركما)((255)). انه( يرى ان وظيفة الحاكم لا تقتصر على اجراء الاحكام الالهية
فحسب، بل يرى انه يتوجب على الحاكم ان يعملببعض الامور
التي لم يرد فيها حكم من الشارع، طبق ما لو صدر حكمه
بشانها. ومصداق هذا المعنى يمكن ان نلمسه فيما حصل في عهد عمر
بن الخطاب حين كثرت حلي الكعبة، فاقترح عليه قومقائلين:
لو اخذته فجهزت به جيوش المسلمين كان اعظم للاجر، وما
تصنع الكعبة بالحلي؟ فهم عمر بذلك، وسال
عنهاميرالمؤمنين(ع)، فقال: (ان هذا القرآن انزلع لى النبي
(ص)، والاموال اربعة: اموال المسلمين فقسمها بين الورثة
فيالفرائض، والفي فقسمه على مستحقيه، والخمس فوضعه
اللّه حيث وضعه، والصدقات فجعلها اللّه حيث جعلها. وكانحليالكعبة فيها يومئذ، فتركه اللّه على حاله، ولميت ركه
نسيانا، ولم يخف عليه مكانا، فاقره حيثاقره اللّه ورسوله. فقال
لهعمر: لولاكلا فتضحنا. وترك الحلي بحاله)((256)). والجدير بالذكر ان جعل القرآن الكريم وسنة النبي (ص) محورا،
يتطلب دراسة ومطالعة اعمق، وذلك للوقوف علىحدود وثغور
هذه القضية. ونخلص مما سبق الى ان وظائف الحاكم واقعة ضمن دائرة
الاحكام الالهية، وامتثال التكاليف الدينية. وكذلك حقوق
الامةالتي كلف الحاكم برعايتها وتحقيقها الى جانب اهم حق
للحاكم على الامة، جميعها واقعة في الدائرة المذكورة، اي
انالحاكماذا عامل الام ة في ضوء الاسس والاحكام الشرعية،
ساعيا لاجراء الاحكام الدينية وتطبيقها، فان حقه الالهي يكمن
فيطاعته من قبل الامة، وهذا حق ثابت له. والا فلا يلزم
اطاعته فيما اذا خرج من ذلك النهج والاطار. ولذلك بعث على
(ع)بكتاب لاهل مصر حيث ولى عليهم مالك الاشتر فامرهم
بطاعته، ثم قيد تلك الطاعة باعماله الموافقة للحق، فقال
فيه:(فاسمعوا له واطيعوا امره فيما طابق الحق)((257)). ان وظيفة الحاكم تتلخص في اجراء احكام اللّه التي تتكفل
بسعادة المجتمع الاسلامي، واصلاح العلاقات السائدة
بينالمسلمين، وعزة دينهم ودنياهم. وسنتناول بالتفصيل
وظائف الحاكم التي اشار اليها الامام علي(ع) في كلماته
وخطبه بهذاالشان. وظائف الحاكم
يمكن تقسيم هذه الوظائف الى قسمين: الوظائف الفردية،
والوظائف الاجتماعية. ويقصد بالوظائف الفردية ما يمارسه من اعمال تجاه نفسه
وذاته، اما الاجتماعية فهي الاعمال التي يقوم بها وتخص
الامةوالمجتمع. وسنتعرض لكل واحدة منهما بالتفصيل. وظائف الحاكم الفردية |
|---|