الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

3- هناك نقد آخر على هذه النظرية، وهو ان‏اصل قابلية التعميم الذي يقول به، غير عملي وامر عجيب، لانه يبدو في بعض‏الحالات ان‏النظام الاجتماعي لمجتمع ما هو نظامه الاخلاقي ايضا. من جانب آخر نلاحظ ان هذا النظام الاخلاقي يصدراحكاما للافراد الموجودين في مجتمعه، بحيث لا تسري تلك الاحكام على الافراد الموجودين خارج هذا المجتمع اوبالعكس.

فعلى سبيل المثال، انه يحسن ايذاء الافراد الذين هم من خارج المجتمع. ولكنه لا يفعل الشي نفسه تجاه الافراد الذين هم‏من مجتمعه. وهكذا لا يبدي هذا النظام الاخلاقي رغبته في تعميم الاحكام الاخلاقية، ولكنه رغم ذلك يعتبر نظامااخلاقيامقبولا.

ويمكن ان يقال: ان هذه النظم تتبنى ايضاقابلية التعميم، بل وتعمل بها باحسن وجه، لانها تعتقد: ان كون الانسان في‏داخل المجتمع او عدمه، هو جزء من الشروط التي وردت في مؤخرة قابلية التعميم، حيث اشترط في قابلية التعميم،بان‏الانسان يجب ان يكون على استعداد لتنفيذ الاحكام في الظروف المتشابهة.

وبعبارة اخرى، لا يخضع الافراد الموجودون في داخل المجتمع والذين هم خارج المجتمع لظروف متشابهة.

ومن خلال هذا الجواب، يطرح نقد آخر على قابلية التعميم، وهو عبارة عن: ما هو المقصود من الظروف المتشابهة؟ هل‏ان المقصود من التشابه هو في الموقع الاجتماعي، او الخصوصيات الفردية، او في ...؟ وفي كل حال فان الغموض يحيط‏بهذا الموضوع من كل جانب، وان كل عالم ومفكر يعلم بان تعيين ووضع شرط الظروف المتشابهة، في الحقيقة، هو الابقاءعلى الطريق مفتوحا ، لدخول آلاف القيود والشروط من اجل ايجاد الاحكام الاخلاقية، حيث لا تكون النتيجة سوى ترك‏الاحكام الاخلاقية والتخلي عنها، لان‏الانسان في كل زمان ومكان له ظروفه الفردية الشخصية الخاصة به، حتى انه لايستطيع ان يوجد لنفسه تلك الظروف مرة اخرى في موقع آخر.

وبهذا لا تكون الاحكام الاخلاقية الااحكامافردية خاصة، وتكون على خلاف مقاصد (هير)، ولا تحقق وجهات نظره.

تعتبر السيدة (فيليض‏افوت) من اقوى واشد منتقدي نظرية المذهب الارشادي لهير، واوردت عليه عدة ردود((205)).

تقول في احد اهم انتقاداتها:

لا يكفي لحكم واحد وقاعدة اخلاقية منفردة التمتع بالحالة الارشادية، ومع هذا يكون للقائل بهما رغبة في ان يكون‏ذلك الحكم حكما عامالجميع المصاديق والظروف المتشابهة، فذلك الحكم وتلك القاعدة لا يعودان قاعدة اخلاقية.

وعلى سبيل المثال، لو قال شخص: لا يجوز النظر الى القنفذ تحت ضوء القمر، وان النظر الى القنفذ تحت ضوء القمر عمل‏خطا. هنا فضلا عن كون الحكم ارشاديا فالشخص تحدوه الرغبة في ان يصبح هذا الحكم حكما عاما.

فهل من المقبول ان نقول: بان هذا الحكم حكم اخلاقي؟ بالقطع واليقين يكون الجواب لا، وان كون الحكم ارشاديا وقابلا للتعميم لا يكفي ان يكون ذلك الحكم اخلاقيا.

خلاصة البحث بالنظر الى ما تم بيانه، رغم انه لا يمكن انكار ترجيح نظرية المذهب الارشادي لهير على النظريات السابقة لها، يعني‏المذهب الامري والمذهب العاطفي. الا ان وجود المشكلات الكثيرة، من قبيل القضاء على قاعدة عينية الاحكام‏الاخلاقية، ووضع القيود والشروط مثل قابلية التعميم وغيرها على الاحكام الاخلاقية، يجعل هذا التوجه غير كاف وغيرعملي.

وربما كانت نقاط الضعف الكثيرة هذه جعلت من (هير) المدافع الجاد الوحيد عن نظرية المذهب الارشادي، دون ان‏يعير لها بقية المفكرين اهمية تذكر.

 نظام الحكم عند المودودي

تصورات الفكر السياسي عند المدارس الاسلامية الحديثة



 السيد حسن اسلامي اردكاني


توطئة يعتبر ابو الاعلى المودودي (1903 1979) من كبار منظري الاسلام الحركي في القرن العشرين، وهو ممن اثر كثيرافي التنظيمات السياسية الدينية في مختلف البلدان الاسلامية، ومن مؤسسي الدولة الاسلامية في باكستان. المودودي من‏الرواد الاوائل الذين عولوا على الاسلام كدين يقود الانسان المسلم، ورجع الى التراث الديني كمصدر ثري لاستخلاص‏النظام الشامل لكل نواحي حياة المسلمين في القرن الماضي. تاثر به كثير من المفكرين الاسلاميين كسيد قطب ومحمدقطب، وترجمت اعماله من الاوردية الى العربية والانكليزية والفارسية، بحيث قرئت اعماله واخذت كمثال لنظام اسلامي‏شامل وعادل، وحظ‏ي هو بتكريم وحفاوة.

لكن ما نحتاجه اليوم، هو عرض ودراسة هذا الرجل، وقراءة فكره السياسي قراءة نقدية، لتطوير ما وصلنا في تجربتناالسياسية اليها.

اذن، اريد في هذا المقال ان ادرس واقوم ما قاله المودودي وما فعله بعين نقدية، لانه وكما قيل: ان حياة العلم بالنقدوالرد.

وفي قراءتي هذه سوف استند الى اعمال السيد المودودي فحسب.((206)) وفي هذا المقال اود ان القي الضوء على‏قضية الحكم عند المودودي، وما يترآى في هذا الامر، وطرح بعض التساؤلات.

الاسلام كنظام ثيوقراط‏ي (ش‏ح‏چزح‏رحخث)

 المودودي، عندما يعدد مواصفات النظام الديمقراط‏ي، يصل الى ان النظام الاسلامي، وان كان يشبه هذا النظام، الا انه يختلف‏عنه كثيرافيقول: (هذه خصائص الديمقراطية، وانت ترى انها ليست من الاسلام في شي. فلا يصح اطلاق كلمة الديمقراطية‏على نظام الدولة الاسلامية)((207))، فهو لا يقف عند هذا الحد، بل يمتد فكره الى ان يسند كل الشرور الى النظام‏الديمقراط‏ي، حينما يقول: (ان منبع الشرور والفساد الحقيقي انما هو الوهية الناس على الناس، اما مباشرة واما بواسطة.وهذه هي النظرية المشؤومة التي تولد الشر منها اول مرة، وهي التي لا تزال تنفجر منها عيون الشر اليوم في كل‏مكان)((208)).

اما النظام المثالي عند المودودي، كما يصفه، وان كان يشبه الديمقراطية، ولكن يختلف عنها اختلافا ما، كما يقول بهذاالصدد: (الذي يميز الجمهورية الاسلامية عن الجمهورية الغربية السائدة المعروفة اليوم في العالم، ان نظرية الغرب السياسية‏تقول بحاكمية الجمهور، والاسلام يقول بخلافة الجمهور. وبيان ذلك، ان حقوق الحكم والامر في الجمهورية الغربية يستبدبها الجمهور، وهم الذين يمتلكون ناصيتها، فيسنون في الارض ما يشاؤون من القوانين والشرائع، وان قصارى ما تهدف اليه حكومتهم انما هو ارضاء عامة سكان المملكة، وجلب تاييدهم، وقضاء مشيئتهم.

والاسلام بخلاف ذلك، ليس الحكم والامر فيه الا للّه وحده، فهو الذي يستاثر بحق وضع القانون والشريعة لعباده، من‏غير مشارك ولا منازع. واما الجمهور، فليست منزلتهم في الاسلام، الا كمنزلة الخلفاء الذين يضطرون بطبيعة منزلتهم ان‏يقتفوا آثار الشريعة الالهية التي جاء بها الرسول من عند ربهم، ولا يحيدوا عنها قيد شعرة(((209)). فالمودودي يفضل ان‏يستعمل مصطلح ثيوقراطية (اي الحكومة الالهية) بدل ديمقراطية (اي حكم الجمهور).

وينبغي ان يجري انتخاب رئيس الدولة الاسلامية، برضا المسلمين من غير ما عنف ولا تدليس. اما كيف يتبين رضاعامة المسلمين، فان الاسلام لم يضع لهذا الغرض طريقا محدودا، ومن الممكن ان نختار له مختلف الطرق والمناهج، على‏حسب احوال المسلمين وحاجاتهم).((210)) يفوض امر ادارة المملكة الاسلامية وتسيير دفتها، الى امير يضارع في منصبه والقيام بامر المملكة، رؤساء الجمهوريات في‏هذا العصر. فكل من آمن بمبادئ الدستور اذا كان بالغا اشده يبدي رايه في انتخاب الامير. والذي يلاحظ بصفة خاصة‏في انتخاب الامير، هو التقوى والمعرفة التامة بالاسلام.

ثم ينتخب لمساعدته مجلس الشورى الذي ينتخب اعضاءه عامة‏افراد المجتمع. والامير حتم عليه ان يسوس البلاد بمشاورة اهل الحل والعقد، اعضاء مجلس الشورى. بل، يجوز له في‏تلك الحال، ان يستاثر بحق الرفض والرد، ويرد آراء سائر اعضاء المجلس في امر يرى ان الحق على خلاف ما يرون.

ومن‏حق عامة اهل البلاد ان ينتقدوا حكومته اذا راوا فيها ما ينتقد.((211)) وهو يخرج هنا عن دائرة القاعدة العامة فيما يخص الاكثرية، ولا يعطيها اية اهمية، بل، يقول استنادا الى صريح القرآن (ولواعجبك كثرة‏الخبيث(: ان الرئيس يستطيع نقض كل قرارات المجلس، اذا رآها بعيدة عن الصواب. واذا تعارض راي الرئيس‏وراي اعضاء مجلس الشورى في امر من الا مور، ولم يرض احدهما بالنزول عن رايه، واقصى ما يلجئنا الى هذا المنهاج‏هو استفتاء الراي العام في البلاد. فمن يرفض الراي العام يستقيل من وظيفته((212)).

لكن المودودي لم يقدم اي دليل يمكن الاستناد اليه لاثبات صحة الاستفتاء، ولم يعرض لنا مثالا تاريخيا واحدا منه. واذاكان الرجوع الى الاستفتاء عملا صحيحا، فلماذا لم يفعله الخلفاء الراشدون؟ وهل كان مثل هذا الاجراء موجودا في تاريخ‏الاسلام؟ الامير يتحدث المودودي عن الخليفة وامير المسلمين بالتفصيل، ويحصي صفاته وواجباته. ويرى انه باستثناء الحريصين على‏مصالح الناس، فان هذا المنصب الخطير لا يهواه الا مجنون.

(من يكون اليه زمام امور المسلمين... قد تمر عليه الاسابيع والاشهر، من غير ان يرتاح يوما، او يهنا بطعم النوم لحظة،بسبب انشغاله بمصالح الامة، وتفقد احوال العاجزين. فلا ينبغي لامير المسلمين ان يتمتع بلذائذ الحياة، وابهة الملك‏والسلطنة، وكبكبة الحكام. هذا المسكين لا يحق له تشييد بنايات تعلو في عنان السماء، او اخذ نصيبه من الدنيا،...

(وفي ضوء الشروط التي ذكرتها) اذا رايت‏مكباعلى الدنيا، حريصا على نيل هذا المنصب، فاعلم انه احمق وقاصر العقل،ولا يعلم ما في انتظاره، وذلك لان اي شخص من عامة المسلمين، اذا كان يمارس الصناعة او اي عمل آخر مهما كان‏بسيطا، يعيش حياة اكثر رفاها من حياة ولي امر المسلمين، لانه يعمل كل يوم ويحصل على رزق يفوق ما يحصل عليه‏الخليفة، وينام الليل وهو مرتاح البال. الا ان الخليفة المسكين لا يحظ‏ى كما يحظ‏ى التاجر والعامل بالنعم المادية، ولايذوق طعم النوم والراحة كعامة الناس... ويكفي ان نذكر مثالا على ذلك امير المؤمنين، ابا بكر الصديق خليفة رسول اللّه،فهو كان يدير شؤون بلد واسع، ولكنه ما كان يتقاضى من المرتب الشهري الا مبلغا زهيدا. وهكذا الحال بالنسبة الى عمربن الخطاب، الذي كان يستلم مبلغا شهريا قليلا لقوته وقوت عياله)((213)) .

لكن المودودي هنا لم يذكر عثمان ذا النورين، الذي وهب لمروان خمسمئة الف دينار (خمس غنيمة افريقيا)!!((214)) فهل هذه اقوال مفكر باحث عن الحقيقة، ام اقوال رجل مغرم؟! فالمودودي يضع مقاييسه هنا بشكل رئيس وفقا لما كانت عليه الخلافة الراشدة (على حدتعبيره). فهل حق ا ان الخلفاءالثلاثة انتخبوا وفقاللشروط المذكورة آنفا ، والتزموا بالمعايير التي سبق ذكرها؟ فان كان الامر كذلك، فلماذا تحولت‏الخلافة التي يشيد بها لمودودي، خلال فترة وجيزة الى (الملكية) المقيتة لديه؟ لا يمكننا هنا الا ان نقول: ان المودودي‏يريد صياغة نظام باي نحو كان، حتى وان لم يكن ذلك يتطابق مع الاحداث التاريخية.

سنجري دراسة تاريخية للخلافة حسبما يراها المودودي على حدة. ولكننا نريد ان نسلط الاضواء هنا على الشكل‏السياسي للنظام الذي ينادي به المودودي.

كما سبقت الاشارة، فان للامير حق النقض امام مجلس الشورى، وهذا الحق منبثق من البحث التاريخي الذي قام به‏المودودي. هنا يستشهد المودودي بيتين من القرآن الكريم تحثان الامير على مشاورة المؤمنين، ثم العزم والاقدام متوكلاعلى اللّه تعالى، ويقول: (فهاتان الايتان توجبان المشاورة على رئيس الدولة، وتامرانه بانه اذا عزم على شي بعد المشاورة،عليه بتنفيذه متوكلا على اللّه تعالى، ولكنهما لا تكفيان للقطع في المسالة التي نحن بصددها الان. وكذلك ما وجدت حكماقاطعا في هذا الباب في احاديث النبي (ص). غير ان العلماء قد استنبطوا من عمل الصحابة في عهد الخلافة الراشدة، ان‏رئيس الدولة هو المسؤول الحقيقي عن شؤون الدولة، وعليه ان يسيرها بمشاورة اهل الحل والعقد، ولكنه ليس مقيدا بان‏يعمل بما يتفقون عليه كلهم او اكثرهم من الاراء. وبكلمة اخرى، انه يتمتع بحق الاعتراض (رژحج بازائهم)((215)).

وربما قد احس المودودي بغلوه في ما ذهب اليه من القول، فبادر الى تقويم كلامه قائلا: (ويجوز لنا ان ناتي ببعض‏تعديلات في تفاصيل هذه الصورة التي قد وصلتنا، عما كان عليه العمل في ذلك العهد الزاهر حسب الظروف والمقتضيات‏الحاضرة.

فالتعديلات الفرعية التي يجوز ان ناتي بها، انما هي من قبيل ان نحدد لرئيس الدولة صلاحياته الادارية‏والقضائية، بالنسبة لصلاحيات الخلفاء الراشدين في تقواهم وعفافهم وامانتهم)((216)).

المودودي ليس له موقف محدد في بيانه لشكل النظام السياسي في الاسلام. فهو تارة يستنبط اصول الحكم من القرآن،ويدعي تارة اخرى ان القرآن ليس فيه حكم صريح في هذا المجال. وعندما يصل به الدور الى الاحاديث النبوية، يقع في‏المشكلة نفسها ايضا. وحينما يريد انتزاع معايير من سيرة الخلفاء الراشدين (رغم ان كل واحد منهم كانت له سيرته‏الخاصة، وكان كل واحد يعالج الامور على نحو معين)، نراه يؤمن بتطبيق بعض التقييدات، دون ان يعين لذلك قاعدة‏واضحة. وهذا التخبط يعد حصيلة عهد كان منهمكا فيه بالعمل السياسي وتقديم الشروحات التنظيرية لمواقفه، قبل ان‏يكون ناجما عن التعمق وعدم الوصول الى نتيجة. ولابد ان هناك سبباجعل منه المفكر غير العربي الوحيد، الذي تتداول‏آثاره في الكويت والسعودية، كما تتداول اوراق الذهب، وذلك ان امير المودودي، له الصلاحية ان يحل البرلمان بسهولة‏شرب الماء.

القضية المستعصية في النظرية السياسية للمودودي، هي قضية عزل الامير. فان حاد الامير بعد وصوله الى السلطة آعن النهج القويم، واتخذ موقفا معارضا لمجلس الشورى، واخذ ينقض كل واحد من قرارات المجلس، او بادر الى‏حل‏المجلس، فما الموقف الذي ينبغي اتخاذه حياله؟ يقول المودودي بان المسلمين يمكنهم ان لا يمنحوه الثقة، ويمكنهم‏عزله ان لم يكن في عزله مفسدة.((217)) والسؤال الرئيس هنا هو: من الذي يحدد وجود او عدم وجود مثل هذه المفسدة؟ والا يؤدي مثل هذا المقياس الغامض،الى بقاء الامير على راس السلطة مدى الحياة، حتى وان كان منقادا لهواه؟ اليس هذا هو النقد الرئيس الذي يثيره بعض‏المستشرقين، الذين يقولون بان الامير لا يمكن عزله طالما كان مقيما للصلاة، ويستدلون على رايهم هذا بحديث مروي‏عن النبي، وبنظريات مفكرين من اهل السنة؟ لقد حاول المودودي رد هذه الشبهة، عن طريق تاليفه لكتاب ضخم اسمه (الخلافة والملك)، بيد انه لم يقدم فيه اجابة‏عن هذا السؤال. فالمودودي يتحدث عن سلطة الامير بالتفصيل، ولكنه يتعامل مع قضية عزله ب(ليت ولعل). اذا فهل هناك‏منظر افضل منه للمنافحة عن حكم (ضياء الحق) واضرابه؟ من السذاجة طبعا ان نسلم كل مقاليد الحكم الى الامير، ثم نامل بعد ذلك ان يبقى سائرا على النهج القويم، ويحكم‏بالتقوى. يقول الباحث والمفكر السياسي الايراني الدكتور حميد عنايت في هذا المجال: (لا يقدم المودودي اي دليل على‏ان الحكم المثالي الذي ينادي به، مستثنى من التجربة التاريخية المريرة (احتكار السلطة الفاسدة). ((218)) مجلس الشورى بعد انتخاب الامير، يختار المسلمون جماعة من اهل الخبرة لعضوية مجلس الشورى، وهؤلاء ياخذون على عاتقهم‏مهمة سن القوانين (ضمن شروط معينة طبعا):

(لا يجوز للمجلس التشريعي في حال من الاحوال ان يضع ولو باجماع اعضائه كلهم، قانونايخالف كتاب اللّه وسنة‏رسوله (. واما الامور التي تحتمل فيها احكام اللّه ورسوله تاويلات عديدة، لا يرجع فيها الا الى المجلس التشريعي، ليرى‏اي التاويلات اوفق للقانون. فلا بد لهذا الغرض ان يكون المجلس مشتملا على رجال من ارباب العلم يصلحون لتاويل‏الاحكام، والا يخشى من اقضيتهم الخاطئة ان تشوه وجه الحقيقة من احكام الشرع) . ((219)) هذه الاقوال تتطابق مع الموقف العام لاهل السنة ازاء (ما لا نص فيه). وكل ما يمكن قوله حول ذلك الموضوع، يسري‏على هذا الموضوع ايضا.

الملحوظة الاخيرة هي انه يعارض بشدة الدعايات الانتخابية، ووجود الاحزاب، والترشيح، وتحزب اعضاء مجلس‏الشورى، وانقسامهم الى جماعات وما شابه ذلك من هذه المظاهر، ويرى انها غير جائزة ومخالفة للاسلام. ((220)) مقومات نظرية الخلافة وتحولها الى ملكية عقد في الاسبوع الاول من شهر كانون الثاني (يناير) من عام 1958م مؤتمر دولي في لاهور، للتباحث والتداول حول‏الاسلام... وفي هذا المؤتمر... اثار بعض المستشرقين هذه القضية، وهي ان الاسلام لا سبيل فيه الى عزل وازاحة الحاكم‏الظالم. وقد استندوا في ادعائهم هذا، الى احاديث منقولة عن النبي، وجاء فيها انه لا ينبغي الثورة ضد الحاكم، طالما كان‏مصليا...((221)) وقد فتح هذا المؤتمر الباب امام المودودي لتاليف كتاب (الخلافة والملك) الذي شرح فيه بالتفصيل موضوع الخلافة‏ومكانتها في الاسلام، وتحويل الخلافة الى الملكية والنظام الوراثي الملكي. وقد روعي في هذا الكتاب جانب الامانة في‏نقل الكثير من الاحداث والوقائع، ورسمت فيه صورة دقيقة لبعض الخلفاء، الا انه لا يقدم في نهاية المطاف، النتيجة التي‏يفترض ان تكون بمثابة رد على ادعاء المستشرقين، وهو ما يدل على ان المؤلف يقر صحة ادعائهم.

ونظرا الى اهمية بعض الموضوعات المطروحة في هذا الكتاب، ننقل فيما يلي بايجاز ما جاء فيه من آراء المودودي.

تاسيس الخلافة ينطلق المودودي، للقول بمشروعية الخلافة، من هذه النقطة، وهي ان النبي (ص) ما زال قائمابمهمة ادارة الدولة‏الاسلامية، حتى التحق بالرفيق الاعلى، من غير ان يامر المسلمين ويهديهم هداية صريحة قاطعة، في من يكون خليفتهم‏من بعده. والذي فهمه الصحابة من هذا السكوت، ومن قول اللّه عز وجل: (وامرهم‏شورى بى نهم)، ان اللّه تعالى قد خبرهم‏في تولية الرئيس لدولتهم بعد نبيه بالانتخاب... فهذا ما كان عليه تصرف الصحابة في امر تولية رئيس الدولة في عهدالخلافة الراشدة، والظاهر ان الذي اسس عليه بنيان هذا التصرف، هو سكوت النبي (ص) في باب الخلافة، وقول اللّه تعالى(وامرهم شورى بينهم) الشامل لجميع شؤون المسلمين الجماعية.

والذي يثبت من هذه السابقة الدستورية ثبوتا قاطعا ، هوان انتخاب الرئيس في الدولة الاسلامية متوقف على رضا عامة المسلمين، ولا يحق لاحد ان يسلط نفسه على رؤوسهم‏بالقسر والاكراه، ولا اختصاص بهذا المنصب لاسرة او طبقة خاصة.

وينبغي ان يجري الانتخاب برضا المسلمين من غير ماعنف ولا تدليس((222)).

طبعا يمكن اثارة نقاش طويل حول هذا الادعاء، اضافة الى عدم تطابقه مع تاريخ ذلك العصر، وما سجل فيه من المواقف‏المعارضة. ولكن على اية حال، كانت لهذه الخلافة خصائص معينة من وجهة نظر المودودي نعرضها كالاتي:

1 خلافة منتخبة:

يرى المودودي ان الخليفة كان يتبع اصوات المؤمنين، كما يراعي في انتخاب الخليفة مواصفات دقيقة. لكن هذه‏الخصيصة تحولت الى نظام وراثي وملكي. اولى مراحل هذا التغيير بدات عند وصول عثمان الى الخلافة. اذ انه سار على‏خلاف سنة الرسول وسيرة الشيخين، وسلط اقاربه على رقاب الناس. واحيى العصبية القومية: (وبوفاته تحولت الخلافة الى‏ملكية... وقد بدا هذا التغيير في الوقت الذي اخبر فيه عمر عن وقوعه. فهو قبيل وفاته كان اكثرهم خوفا من ان يبدل‏خليفته، النهج الذي كان متبعا ازاء عشيرته واقرباءه، منذ عهد الرسول ( الى حين خلافته... ولكن من بعده... تجاوز عثمان‏هذه السيرة... فولى اقرباءه، الواحد تلو الاخر، المناصب والاعمال الحكومية الخطيرة، ووهب لمروان خمس غنائم افريقيا(نصف مليون دينار)، وولى اخاه في الرضاعة، الوليد بن عقبة على الكوفة... وكان معاوية في خلافة عمر واليا على دمشق‏وحدها، لكن عثمان اضاف على ولايته حمص، وفلسطين، والاردن، وكل اقليم لبنان. وعين بعد ذلك ابن عمه مروان بن‏الحكم معاونا له، وهذا ما ادى الى ان يبسط هذا الرجل نفوذه على جميع مرافق الدولة ومقدراتها.

وهكذا تركزت كل الصلاحيات عمليا بيد عائلة واحدة... وكان لهذه الاعمال اثر غير طيب في نفوس عامة الناس، بل‏حتى في نفوس كبار الصحابة... قال سعد بن ابي وقاص: اعلم انكم ستجعلونها ملكية.

وصرح عبداللّه بن مسعود باقوال مشابهة لهذا القول... وكانت هناك اسباب اخرى ايضا تضافرت مع بعضها وادت الى‏وقوع بعض الاضطرابات في البلاد)((223)).

2- الحكم شورى.

3- بيت المال امانة.

4- الصورة المطلوبة للحكم.

اعلن ابو بكر في اول خطبة القاها في مسجد النبي بعد البيعة العامة:

... اطيعوني ما اطعت اللّه ورسوله، فان عصيت اللّه ورسوله فلا طاعة لي عليكم)((224)).

5- سيادة القانون((225)).

6- حكومة بعيدة عن الاهواء والعصبيات((226)).

7- النزعة الجمهورية((227)).

يستدل المودودي باعمال واقوال الخلفاء الراشدين، لتدوين هذه الاصول، معتبرا اياها امورامسلما بها. وينقل عن كل‏واحد منهم شواهد دالة عليها. لكن هذه الخلافة المثالية لم تدم طويلا، اذ سرعان ما تحولت الى ملكية. وقد عزى‏المودودي في موضع ما، هذه الظاهرة الى زيادة اعداد من كانوا ينتمون للاسلام اسما، وقلة عدد المسلمين‏الحقيقيين((228)). الا انه يحصي في هذا الكتاب عوامل هذا التحول واحدا واحدا، ويعين مراحل حصول هذه الاستحالة‏كما يلي:

1- افراد هذه الاسرة، الذين نزلوا الى الساحة السياسية في عهد عثمان، كانوا كلهم من الطلقاء.

2- كانوا اشخاصا غير كفوئين، ولا مناسبين لتوجيه وقيادة الاسلام.

3- كانت اعمال قسم منهم بالشكل الذي (لم يقدم وجودهم على راس مناصب رفيعة في المجتمع الاسلامي الطاهريومذاك، نتائج مؤثرة في مقابل ذلك) ((229)). وقد خطا المودودي بشدة سياسة عثمان هذه، معتبرا اياها بعيدة عن التدبير،ومعتقدا ان الامويين رغم ما كان لديهم من كفاءات سياسية وعسكرية جيدة فانهم ما كانت تتوفر فيهم مؤهلات القيادة‏الاخلاقية للمسلمين((230)). واعتبر استمرار ولاية معاوية التي افضت بالنتيجة الى خلافته ناجمة عن تغاضي عثمان:

(ان تفويض ولاية اقليم معين لمدة 16 17 سنة الى معاوية...

لم يكن عملا غير جائز شرعا، غير انه لم يكن صائبا من‏حيث التدبير السياسي. لا اقول انه كان يجب عليه عزله من غير تقصير او خطا، وانما كان يكفي ان ينقله بعد مضي عدة‏سنوات من ولاية بلد الى ولاية بلد آخر. ففي مثل هذه الحالة لم يكن يتهيا له اكتساب مثل هذه القوة، بحيث يتسنى له‏التمرد على الحكومة المركزية واشهار السلاح بوجهها)((231)) .

وفي ختام المطاف تسببت تلك السياسات المغلوطة في خلق مشاكل لعثمان، (فقامت ضده اضطرابات وثورات، ادت الى شهادته. وليس هذا فحسب،وانما اضرمت نار العصبية القبلية من جديد، وهي النار التي احرق لهيبها نظام الخلافة الراشدة)((232)) .

ولا ينبغي طبعا الذهاب الى ابعد من ذلك بشان هذا الخليفة الشهيد، بل لابد ان نعرف بانه بقي مثالا لنظام الخلافة التي‏ينشدها المودودي:

(لا شك ان هذا الجانب من سياسة عثمان كان مغلوطا وغير صائب... لكن الحقيقة، هي لو اننا تغاضينا عن هذا الجانب،لاتضح لنا بان سيرته كخليفة، كانت في كل الجوانب الاخرى مثالية، ولا مجال للاعتراض عليها. اضافة الى ذلك فقد سادالخير والاحسان في خلافته، وتحققت اعمال اساسية على طريق ازدهار ورفعة الاسلام، بحيث ان المسلمين في كل بلادالاسلام ما كانوا يفكرون حتى في البغي عليه) .((233)) وعلى اية حال، فان هذا الخليفة المثالي ادى باعماله المثالية، الى اثارة اضطرابات ادت في نهاية الامر الى مقتله.

وقد ادان المودودي الثائرين على عثمان، وقال انهم كان عليهم اتباع الطريق القانوني، والتظلم. وما كان ينبغي لهم‏ارتكاب مثل هذه الجناية، حتى وان لم يحصلوا على نتيجة((234)).

بدات المرحلة الثانية من تحول الخلافة الى الملك، بخلافة الامام علي(ع) فهو كان موضع قبول المسلمين كافة، وكان‏باستطاعته اعادة توحيد الامة الاسلامية التي انقسمت يومذاك الى شقين، والقضاء على بعض الانحرافات. ولكن اعترضت‏طريقه عراقيل. اضافة الى ان مواقف قسم من الصحابة وعدم مبايعتهم له، ادت الى نشوب حروب داخلية، افضت في نهاية‏المطاف الى قيام حكومة معاوية، اي الحكم الملكي:

وعند انتخاب الامام علي(ع) (توفرت الاجواء لرتق الفتق الخطير الذي حصل في الخلافة الراشدة، من جراء مقتل عثمان،واخذ الامام على بزمام الحفاظ على هذا النظام. ولكن كانت هناك ثلاثة عوامل اخرى، اضرمت اللهيب في نار هذا الفتق،ودفعت الامة الى مرحلة اخرى على طريق سوقها نحو الملكية:

1- مشاركة الاشخاص الذين قدموا من خارج المدينة لاثارة الفتنة ضد عثمان، في انتخاب الامام علي(ع) كخليفة.

2- عدم مبايعة بعض كبار الصحابة لعلى ) (7 الى 20 شخصا)، وهذا الموقف الذي اتخذه هؤلاء الصحابة، وان جاء عن‏حسن نية خالصة لاتقاء الفتنة، الا ان الوقائع اللاحقة اثبتت... ان عملهم هذا ادى الى فتنة اكبر.

3- المطالبة بدم عثمان، وهي القضية التي نهض لاجلها فريقان. فمن جهة كانت عائشة وطلحة والزبير، ومن جهة‏اخرى كان معاوية. ومع احترامنا لمكانة ومنزلة وجلالة هذين الفريقين، لابد من القول ان موقفهما لا يمكن اعتباره‏صحيحا ابدا من الناحية القانونية... فقد كانت حكومة الامام علي(ع) حكومة قانونية واصولية شرع فيها قانون لكل دعوى‏وادعاء. فمعاوية بصفته واليا، ما كان من حقه التمرد...

على طاعة خليفة بويع مبايعة قانونية)((235)) .

لكن معاوية واصل السير لتحقيق رغبته الى ان استولى على الحكم، وحوله الى ملك. وهكذا اكتملت ثالث وآخر مرحلة‏من مراحل هذه الاستحالة، وسمى هو نفسه اول الملوك.

الملكية وخصائصها وقد بين المودودي خصائص الملكية، عبر دراسته لحياة معاوية وخلفائه، على النحو التالي:

1- (استبدال مبدا اختيار الخليفة. فخلافة معاوية لم تكن من نوع الخلافة التي جاءت بناءعلى ارادة الامة... فهو كان‏يريد ان يكون خليفة باي نحو كان. ووصل الى الخلافة عن طريق الحرب... وعندما تربع على كرسي الخلافة، لم يكن امام‏الناس بد من مبايعته)((236)).

2- تبدل اسلوب حياة الخليفة. (منذ بداية الملكية تشبه الخلفاء بالملوك، وعاشوا على غرار حياة قيصر وكسرى...وسكنوا في قصور ملكية. وقد بدا هذا التبدل منذ عهد معاوية)((237)) .

3- تغيير كيفية بيت المال (تغيرت كيفية استخدام بيت المال تغيرا تاما في العهد الملكي، بحيث اصبح بيت المال ثروة‏خاصة للملك وافراد اسرته) ((238)).

4- القضاء على حرية التعبير عن الراي. في العهد الملكي حبست الضمائر، وسجنت الالسن... وقد بدا هذا النهج الجديدفي عهد معاوية، منذ قتل حجر بن عدي عام 51 من الهجرة. (كان حجر احد زهاد الصحابة... وفي عهد معاوية عندما بداالخطباء يشتمون الامام عليا (... اخذ حجر يثني على على ويذم معاوية... فاخذوا المتهم (حجر) الى معاوية، فاصدر حكم‏قتله. وقبل قتله قال له الجلادون: انا قد امرنا ان نعرض عليك البراءة من على واللعن له، فان فعلت هذا تركناك، وان ابيت‏قتلناك. فرفض، فقتل هو وسبعة من اصحابه)((239)).

5- نهاية حرية القضاء((240)).

6- نهاية حكم الشورى((241)).

7- ظهور التعصب القبلي((242)).

8- عدم سيادة القانون.

(بدات هذه السياسة في عهد معاوية... قال الحافظ ابن كثير: ان معاوية حرف السنة في معاملة الدية... وبدات في عهدمعاوية بدعة كريهة اخرى، على النحو التالي:

وهو انه امر كل عماله بلعن على والطعن فيه فوق المنابر اثناء خطبهم.

وخالف معاوية الاحكام الصريحة لكتاب اللّه وسنة نبيه في تقسيم اموال الغنائم...

وكان استلحاق زياد بن سمية من افعال معاوية التي تعدى فيها قاعدة شرعية مسلم بها، لاغراض سياسية...

وجعل عماله فوق القانون، وامتنع عن تطبيق الحكم الشرعي ضد تجاوزاتهم الصريحة...

وقطع الرؤوس وارسالها الى اماكن اخرى، وانتهاك حرمة الجثث... وهي عادة كانت في الجاهلية وقضى عليها الاسلام، وقدشاعت في هذا العهد... وكان اول راس قطع في الاسلام راس عمار (... وثاني راس قطع هو راس عمرو بن الحمق...وعندما استولى معاوية على مصر، قبض على محمد بن ابي بكر وقتله، وامر ان يحرق بالنار في جيفة حمار...

والسؤال هو: هل اجاز الاسلام معاملة الكافر بهذه الطريقة؟) . ((243)) هذا السؤال ينبغي ان يجيب عنه المودودي نفسه. فهو يقول بعد ذكر العديد من الشواهد التاريخية، ونقل العديد من‏الفجائع في هذا المجال، فيما استخلصه من كل ذلك:

(وهكذا انتهى نظام الخلافة الراشدة قطعا، وحل محله نظام السلالات الحاكمة ((ژحخژژچذش‏ا ، ولم ينل المسلمون بعدها والى‏يومنا هذا، الخلافة المثالية التي يطمحون اليها. فلمعاوية محامده ومناقبه، وشرف صحبته واجب الاحترام. ولا ينكر مااسداه من خدمة لم شمل العالم الاسلامي مرة اخرى تحت راية واحدة، ووسع دائرة الاسلام. ولا شك في ان من يلعنه‏ويطعن به متجاوز، ولكن يجب ذكر اعماله الخاطئة) . ((244)) الى هنا ينتهي تحليله لتحول الخلافة الى الملك، وثناؤه على من تسبب فيه... اضافة الى ذلك، فانه يعتبر سوء الحظ سببالهذا التحول ايضا.((245)) مجموعة تساؤلات رغم ان هذا التحليل يتسع لكثير من النقاش، الا اننا نتجاوز كل ذلك، ولكن هناك تساؤلات ملحة تتطلب اجابة من‏المودودي، ومنها:

1- اليس الخلفاء الاربعة على درجة واحدة من الاعتبار والحجية؟ فان وقع تعارض بين عمل الخليفة الثاني وعمل‏الخليفة الثالث، ما الذي ينبغي عمله؟
 2
- جاء انتخاب كل واحد من الخلفاء الاربعة بطريقة خاصة، تختلف عن الاخرى. وهذا يعني ان وحدة السياق التي‏يحتاج اليها لاجل تاسيس قانون او اصل متبع، مفقودة في ادعائه ان الخلافة منتخبة. فما تبرير المودودي لعدم وحدة‏السياق في هذه القضية؟ 3 ما الذي ينبغي فعله امام ظاهرة تعنت عثمان وسياسته القبلية؟ فان كانت الثورة ضده مرفوضة حسب قول‏المودودي نفسه ولم يؤدالتظلم الى نتيجة، فما العمل؟ في حين يندد المودودي بسياسة عثمان في تقريب خاصته وقرابته‏وتوليهم امور الحكم، فهو يرفض ما قام به الثوار من اليمنيين [والمصريين، والمدنيين، وبقية الاطراف والنواحي من البلادالاسلامية]، ولا يرى ما قاموا به مشروعا. عندما ندرس ما جرى في قضية عثمان الذي اد ى الى قتله، نعلم ان كل الطرق‏كانت امام الثوار مسدودة، وما كان لهم محيد سوى ما قاموا به. فذهب الامام علي(ع) الى عثمان وطلب منه ان لا يكون مطية‏لمروان، ولكن ما كان جواب عثمان سوى الاصرار في متابعة سياسته، وهذا مما زاد الطين بلة.

4- ما هي الالية التنفيذية لعزل الخليفة الظالم؟

5
- رغم ما يقول به المودودي من ان النظام السياسي في الاسلام هو الخلافة، ورفضه للملكية، ولكن ما الذي ينبغي‏عمله امام الامر الواقع، مثل استيلاء معاوية على السلطة؟ فان كانت تجب طاعته، يتبين عند ذاك ان ادعاء المستشرقين‏صحيح.

6- هل يستطيع المودودي حقا ان يصوغ من هذه النماذج المتناقضة، مثالا للخلافة، في العصر الحديث ومتطلباته‏المستجدة؟

 7
- الكثير من اهل السنة يعارضون بشدة اقوال المودودي في الخلفاء، وقد اشار هو الى ذلك، حتى ان عددا منهم يذهب‏الى ما هو ابعد من ذلك، ويرفض خلافة على (ع) . فكيف يثبت المودودي ان رايه مطابق للقرآن، وراي من يخالفونه مغايرله؟

8- قولنا (ان معاوية قد اخطا
) لا يحل المشكلة. فهل قتله لهذه الانفس المحترمة يجعله مشمولا لقول اللّه تعالى: (ومن‏يقتل مؤمنا متعمدا...)، ام لا؟

9- هل معاوية الذي هو من الطلقاء حسب قول المودودي نفسه يحظ‏ى بشرف الصحبة؟ اذا، فما هو الموقف من قول‏القرآن الكريم: (لا يستوي منكم من انفق من قبل الفتح) (الحديد: 10)؟ هذا اضافة الى اسئلة اخرى كثيرة يحتمل ان تبقى بلا جواب.

وظائف الحاكم ومسؤولياته في الفكر الاسلامي
ا. محمد علي رستميان


ترجمة: عبدالرحيم الحمراني المقدمة :

تتناول المقالة التي بين يديك عزيزي القارئ، وظائف الحاكم ومسؤولياته في ضوء نظرة الامام علي(ع). وقد اشتمل‏البحث على عنوانين رئيسين «الوظيفة‏» و«المسؤولية‏»، وعلى الرغم من عمق الرابطة الوثيقة بينهما الا انهما يختلفان‏معنى‏ومصداقا .

اما الوظيفة، فهي من حيث المعنى تمثل العمل الذي يلتزم الفرد بتركه او الاتيان به. فالامام علي( يرى ان الاحكام‏الشرعية من وظائف العباد: (واخرجوا الى اللّه بما افترض عليكم من حقه، وبين لكم من وظائفه)((246)).

واما المسؤولية فهي الالتزام الكامن في ال‏وظيفة، وهي تعني التعهد وتحمل تبعات العمل الذي ترك او اتى به. ومن حيث‏المصداق فان دائرة المسؤولية اعم من الوظيفة. فوظيفة الفرد انما تقتصر على اطار عمله، فهو مكلف ان يقوم بالعمل الذي‏اسند اليه باحسن وجه. الا ان هناك بعض الافراد يتحملون مسؤولية اعمال الغير دون ان يكون لهم علم بها، كالمسؤولية‏التي ينهض بها ويتحملها رب الاسرة بالنسبة لاعمال افراد اسرته، وعليه فحيثما كانت الوظيفة حلت المسؤولية. ولكن قدتترتب علينا احيانا مسؤولية ازاء عمل، في حين ليس لدينا اية وظيفة حياله. فاغلب المسؤوليات تنشا من خلال المناصب‏التي يتمتع بها الافراد في المجتمع، او التصدي لبعض المهمات مما يحتم ان يتحملوا عب مسؤولية اعمال الاخرين.

وهنا يرد سؤال آخر بشان العلاقة التي تحكم الوظيفة والمسؤولية وهو: هل الشخص مسؤول فقط امام الفرد اوالمؤسسة التي تحدد له وظيفته، ام يمكن فصل الترابط بين الامرين؟ اذا ما طرحنا هذا السؤال بشان الحاكم فاننا نرى ضرورة معرفة من الذي يحدد له وظائفه؟ وازاء من تكمن مسؤوليته؟وسنرى حين تسليط الضوء على هاتين المسالتين، ونعرض لمقارنتهما، ان الحاكم مسؤول امام من يحدد له وظيفته، او انه‏مسؤول امام الاخرين ايضا! سيدور البحث في المقالة التي بين ايدينا حول محورين، المحور الاول بخصوص وظيفة الحاكم، والذي سنستهله‏بالاجابة في ضوء النظرة العلوية عن السؤال المطروح بشان وماهية الفرد او المؤسسة التي تحدد للحاكم وظائفه، وماينبغي له فعله او تركه. فاذا ما اتضحت تلك المسالة، عمدنا لتصنيف وظائف الحاكم الى الوظائف الفردية والاجتماعية، ثم‏نتناول بالبحث والتحقيق حدود عمله في كل منهما.

اما المحور الثاني فيكون البحث فيه بخصوص مسؤوليات الحاكم، ونقصد بها الا مور التي لا تتعلق بوظائفه المكلف بها،الا انه مسؤول بالنسبة للاعمال التي يقوم بها الاخرون.

وسنبدا ايضا بمعرفة وتحديد الفرد او المؤسسة التي يكون مسؤولا امامها، ثم نتطرق لاحقاللحالات التي ليس للحاكم‏فيها من وظيفة، بينما له مسؤولية تجاهها.

الحاكم، الوظيفة، منشا تحديد الوظيفة تعد الرابطة القائمة بين الحاكم والامة، احد اهم العلاقات والروابط الاجتماعية التي تتطلب كسائر العلاقات تعيين‏حدودها واطرها، ليتسنى من خلال رعايتها والعمل بها طبعا على اساس القوانين والمقررات بسط العدل والقسط في‏المجتمع. ويرى الامام علي(ع) ان اصلاح هذه العلاقة يؤدي الى تقوية الحق ومنعته في المجتمع، الى جانب ترسيخ جذورالدين واشاعة العدل والقسط فيقول(: (فاذا ادت الرعية الى الوالي حقه، وادى الوالي اليها حقها عز الحق بينهم،وقامت‏مناهج‏الدين، واع تدلت معالم العدل)((247)).

وموضوع هذا البحث هو حقوق الامة على الحاكم، او وظائف الحاكم بالنسبة للمجتمع والامة والتي تمثل احد طرفي‏هذه العلاقة، وكما ذكرنا آنفا، فان هناك سؤالين مطروحين بشان وظائف الحاكم، وهما:

1- من الذي يحدد وظائف الحاكم؟
2- ما وظيفة الحاكم تجاه الامة؟ وسنستعين بالكلمات الخالدة لامير المؤمنين(ع) في الاجابة عن هذين السؤالين.

الدين منشا تعيين وظيفة الحاكم لقد اشار الامام علي(ع) مجملا في الحديث السابق الى العلاقات الاجتماعية المتعددة السائدة بين الناس، والى القوانين‏والمقررات التي تعين حدودها واطرها على انها تمثل حق اللّه، حيث وردت كاحكام وتكاليف شرعية بهدف اصلاح‏العلاقات الاجتماعية: (ثم جعل سبحانه‏ من ح قوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافا في‏وجوهها، ويوجب بعضها بعضا، ولا يستوجب بعضها الا ببعض)((248)).

فهو ( يرى ان الحقوق الاجتماعية لافراد الامة بعظهم على البعض الاخر ناشئة من حق اللّه، اي ان هذه الحقوق انما هي‏حقوق الهية كسائر حقوق اللّه كالعبادات، كما ان هذه الحقوق انما هي تكاليف وفرائض شرعية كسائر التكاليف الشرعية‏الالزامية التي امر بها الشارع المقدس.

ثم يتناول ( علاقة الحاكم بالامة ليعتبرها من اهم الواجبات تجاه حقوق الامة فيقول: (واعظم ما افترض سبحانه من‏تلك الحقوق، حق الوالي على الرعية، وحق الرعية على الوالي، فريضة فرضها اللّه سبحانه لكل على كل، فجعلها نظامالالفتهم، وعزا لدينهم)((249)).

فقد اكد بادئ ذي بدء في موضعين هذا الامر، وهو ان الحق بين الحاكم والامة واجب من الواجبات الالهية، اي اذاكانت هناك وظيفة للحاكم تجاه الامة، فان اللّه هو الذي فرض عليه تلك الوظيفة. فقد ابان في المرحلة الاولى حق وحقوق‏كل من الحاكم والامة، على انها تمثل اهم الحقوق الاجتماعية التي اوجبها اللّه، ثم اكدها في المرحلة اللاحقة كواجبات‏الهية.

وخلاصة ما يفيده هذا الكلام هو انه اذا كان هناك من حق للامة على الحاكم، وكان مكلفاببعض الاعمال تجاه الامة،فان هذا التكليف انما فرضه اللّه عليه، اي ان اللّه اراد من الحاكم ان يرد على طاعتهم له بالنظر في امورهم واحقاق‏حقوقهم، لا ان وظائف الحاكم قضية تعاقدية بينه وبين الامة، وانها قلدته الحكومة ضمن عقد واشترطت عليه كيفية‏ممارسة وظائفه.

ثم يتعرض لهذه المسالة من زاوية اخرى، وهي انه اذا سلمنا بان الامة هي التي تفوض زمام الامور للحاكم، وتعين له‏وظيفته، فستكون الغلبة والهيمنة لها، فتشرط عليه ما تشاء، ليمارس مهامه في ادارة الامور العامة للبلاد وفق رغباتهاومطالباتها.

وهذا ما يرفضه الامام علي(ع) جملة وتفصيلا ، دون ان يهمل ذكر الفساد والانحراف الذي يترتب على ذلك فيقول:

(واذاغلبت الرعية واليها، اواج حف الوالي برعيته، اختلفت هنالك الكلمة، وظهرت معالم الجور، وكثر الا دغال في الدين، وتركت محاج السنن، فعمل بالهوى)((250)).

فغلبة الرعية للحاكم، او اجحاف الحاكم لحقوق الرعية، انما يؤدي للقضاء على نظام المجتمع وسيادة الظلم والجور،وتعني غلبة الرعية للحاكم ائتماره باوامرها، وتعيين وظيفته من قبلها، وهذا ما يختزن اساليب الظلم والاضطهاد الذي‏سرعان ما يمارسه الحاكم بحق المجتمع. ولعل ما اجاب به على(ع) على ابن عباس حين اقترح عليه امرا، انما يمثل‏مصداقا لهذا المعنى، حيث رد عليه: (لك ان تشير علي وارى، فان عصيتك فاطعني)((251)).

انه ( يرحب بكل اقتراح واستشارة، غير انه لا يرتضي غلبة الامة للحاكم من جراء النظريات والاقتراحات التي تفرض‏عليه.

وقد تجسدت هذه النظرة في احاديثه التي ساقها للامة حين حذرها من تحكيم الاهواء والاراء الشخصية فيما تمارسه‏من اعمال، على ان‏الاوامر الالهية هي التي تصرح بوظائفه ووظائف الحاكم الاسلامي: (انه ليس على الامام الا ما حمل من‏امر ربه)((252)).

ثم طالب مالك الاشتر حين ولاه مصر في عهده الذي عهده اليه ان يقوم بوظائفه في ضوء القرآن وسنة النبي (ص)،والرجوع اليهما في كل صغيرة وكبيرة: (واردد الى اللّه ورسوله ما يضلعك من الخطوب، ويشتبه عليك من الامور فقد قال‏اللّه تعالى لقوم احب ارشادهم (يا ايها الذين آمنوا اطيعوا اللّه واطيعوا الرسول واولي الامر منكم فان‏تنازع تم في شي فردوه‏الى اللّه والرسول( فالرد الى اللّه الاخذ بمحكم كتابه والرد الى الرسول، الاخذ بسنته الجامعة غير المفرقة)((253)).

ان الامام علي (ع) جعل القرآن مرجعاللحاكم في جميع الامور وشؤون الحكومة، ولذلك حين احتج عليه البعض بعدقضية التحكيم على انه رجع للافراد كمرجع لتشخيص امور الحكومة، اجابهم بانه لم يحكم سوى القرآن، قائلا : (انا لم‏نحكم الرجال، وانما حكمنا القرآن ... فاذا حكم‏بالصدق في كت اب اللّه، فنحن احق الناس‏ب ه، وان حكم بسنة رسول اللّه( فنحن احق الناس واولاهم به)((254)).

سيرته العملية ( هي الاخرى تفيد ان الحاكم مكلف بالعمل على اساس احكام الكتاب والسنة النبوية فقط. وقداستعرض نهجه في ادارة دفة شؤون الحكم على اساس العنصرين الاساسيين للدين الاسلامي اي الكتاب والسنة حين‏تسلم زمام الامور وبويع بالخلافة، بعدما عتب عليه طلحة والزبير عدم مشورتهما والاستعانة بهما في تسيير الامور، فقال(:(فلما افضت الى نظرت الى كتاب اللّه، وما وضع لنا، وامرنا بالحكم به، فاتبعته، وما استسن النبي (ص) فاقتديته، فلم احتج‏في ذلك الى رايكما ولا راي غيركما)((255)).

انه( يرى ان وظيفة الحاكم لا تقتصر على اجراء الاحكام الالهية فحسب، بل يرى انه يتوجب على الحاكم ان يعمل‏ببعض الامور التي لم يرد فيها حكم من الشارع، طبق ما لو صدر حكمه بشانها.

ومصداق هذا المعنى يمكن ان نلمسه فيما حصل في عهد عمر بن الخطاب حين كثرت حلي الكعبة، فاقترح عليه قوم‏قائلين:

لو اخذته فجهزت به جيوش المسلمين كان اعظم للاجر، وما تصنع الكعبة بالحلي؟ فهم عمر بذلك، وسال عنه‏اميرالمؤمنين(ع)، فقال: (ان هذا القرآن انزل‏ع لى النبي (ص)، والاموال اربعة: اموال المسلمين فقسمها بين الورثة في‏الفرائض، والفي فقسمه على مستحقيه، والخمس فوضعه اللّه حيث وضعه، والصدقات فجعلها اللّه حيث جعلها.

وكان‏ح‏لي‏الكعبة فيها يومئذ، فتركه اللّه على حاله، ولم‏يت ركه نسيانا، ولم يخف عليه مكانا، فاقره حيث‏اقره اللّه ورسوله. فقال له‏عمر: لولاك‏لا فتضحنا. وترك الحلي بحاله)((256)).

والجدير بالذكر ان جعل القرآن الكريم وسنة النبي (ص) محورا، يتطلب دراسة ومطالعة اعمق، وذلك للوقوف على‏حدود وثغور هذه القضية.

ونخلص مما سبق الى ان وظائف الحاكم واقعة ضمن دائرة الاحكام الالهية، وامتثال التكاليف الدينية. وكذلك حقوق الامة‏التي كلف الحاكم برعايتها وتحقيقها الى جانب اهم حق للحاكم على الامة، جميعها واقعة في الدائرة المذكورة، اي ان‏الحاكم‏اذا عامل الام ة في ضوء الاسس والاحكام الشرعية، ساعيا لاجراء الاحكام الدينية وتطبيقها، فان حقه الالهي يكمن في‏طاعته من قبل الامة، وهذا حق ثابت له. والا فلا يلزم اطاعته فيما اذا خرج من ذلك النهج والاطار. ولذلك بعث على (ع)بكتاب لاهل مصر حيث ولى عليهم مالك الاشتر فامرهم بطاعته، ثم قيد تلك الطاعة باعماله الموافقة للحق، فقال فيه:(فاسمعوا له واطيعوا امره فيما طابق الحق)((257)).

ان وظيفة الحاكم تتلخص في اجراء احكام اللّه التي تتكفل بسعادة المجتمع الاسلامي، واصلاح العلاقات السائدة بين‏المسلمين، وعزة دينهم ودنياهم. وسنتناول بالتفصيل وظائف الحاكم التي اشار اليها الامام علي(ع) في كلماته وخطبه بهذاالشان.

وظائف الحاكم يمكن تقسيم هذه الوظائف الى قسمين: الوظائف الفردية، والوظائف الاجتماعية.

ويقصد بالوظائف الفردية ما يمارسه من اعمال تجاه نفسه وذاته، اما الاجتماعية فهي الاعمال التي يقوم بها وتخص الامة‏والمجتمع. وسنتعرض لكل واحدة منهما بالتفصيل.

وظائف الحاكم الفردية

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية