الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

ان المنصب الخطير للحكومة يتطلب بعض الخصائص والصفات التي ينبغي ان يتحلى بها الحاكم. في حين تكون ضرورة هذه الخصائص والصفات اقل بالنسبة للافراد الذين يتمتعون ببعض المناصب الاجتماعية الاقل شانا. والذي ينبغي الالتفات اليه هنا هو اننا لا نريد ان نخوض في مواصفات الحاكم وخصائصه، بل ان ما نروم اليه التعرض للامور التي ينبغي ان يتوفر عليها الحاكم طيلة مدة حكومته. وسنبحث هنا في ثلاث وظائف بهذا المجال وهي: اصلاح النفس، الاخلاق،والالمام بالعلوم.

1- اصلاح النفس:

يعتمد فلاح الانسان وسعادته على اصلاح نفسه وتهذيبها، وقد ورد الحث على ذلك من قبل القرآن الكريم والنبي (ص)واهل بيته (عليهم السلام)، وبالطبع فان هذا الامر يبدو اعظم خطورة بالنسبة للحاكم الاسلامي. فما انفك الامام(ع) يوصي عماله وامراءه وولاته بتقوى اللّه وتهذيب انفسهم، الى جانب تذكيرهم برباطة الجاش، وكبح جماح النفس من طغيانهاوغلبتها. وسنتعرض هنا لبعض وصاياه واوامره لعماله والتي تهدف لاصلاح النفس وردعها عن الهوى والشهوات:

ا- ضبط النفس عند الوساوس واصلاحها بذكر الموت:

لقد اوصى امیر المومنین علی (ع) في غير موطن من عهده الذي عهده لمالك الاشتر بالحذر من اهواء النفس وكسرجماحها قائلا: (هذا ما امر به عبد اللّه علي امير المؤمنين مالك بن الحارث الاشتر... امره ب تقوى اللّه... وامره ان يكسرنفسه من الشهوات، ويزعها عند الجمحات، فان النفس امار ة بالسوء، الا ما رحم اللّه... فاملك هواك، وشح بنفسك عما لايحل لك، فان الشح بالنفس الانصاف منها فيما احبت او كرهت)((258)).

وهذا ما اكده ( لامراء الجيش ايضا. فقد قال لشريح بن هاني، حين جعله على مقدمة الجيش الذي سار به لقتال معاوية: (اتق اللّه في كل صباح مساء، وخف على نفسك الدنيا الغرور، ولا تامنها على حال... فكن لنفسك مانعا رادعا، ولنزوتك عند الحفيظة واقما قامعا)((259)) .

وقال في كتاب آخر بعثه لصاحب جند حلوان يذكره فيه بان اتباع هوى النفس يميل بالحاكم عن اداء وظائفه وبسط العدل والقسط بين الرعية: (اما بعد فان الوالي اذا اختلف هواه، منعه ذلك كثيرا من العدل)((260)).

ثم يوصي (بالاكثار من ذكر الموت، واصفا ذلك بالدواء الشافي لردع النفس عن شهواتها ثم اصلاحها وتهذيبها: (ولن تحكم ذلك من ن فسك، حتى تكثر همومك بذكر المعادا لى ربك)
 

 ب- الابتعاد عن حب الرئاسة:((261))

 يعد حب التسلط والرئاسة من الاهواء النفسانية، الامر الذي يشكل خطرا جديا على الحاكم، ولذلك وردت تحذيراته (لولاته من هذا المرض العضال. فقد حذر ( مالك الاشتر من هذه الخصلة المقيتة، كيلا يعتقد بان الاخذ بزمام الامور، وتولي منصب الحكومة، انما يعني الرئاسة، واصدار الاوامر دون تريث وتفكر،مع نسيان العفو والصفح والرافة: (فاعطهم من عفوك و صفحك مثل الذي تحب وترضى ان يعطيك اللّهمن عف وه وصفحه... لا تسرعن الى بادرة وجدت منها مندوحة،ولا تقولن اني مؤمر آمر فاطاع، فان ذلك ادغال في القلب، ومنهكة للدين، وتقرب من الغير)((262)) .

ثم يذكره بان العظمة والجبروت من الصفات الذاتية المختصة باللّه، ومن نازعه في ذلك وارادها لنفسه اذله اللّه، فقال:(اياك ومساماة اللّهف ي عظمته، والتشبه به في جبروته، فان اللّه يذل كل جبار، ويهين كل مختال)((263)) .

ثم يصف ( العلاج الناجع لمرض حب الرئاسة الذي يهدد بخطره كل حاكم والعلاج انما يكمن في امرين، الاول:استحضار مقام اللّه وعظمته التي تتضاءل امامها سائر المقامات والقدرات في كل حال: (واذا احدث لك ما انت فيه م ن سلط انك ابهة او مخيلة، فانظر الى عظم ملك اللّه فوقك، وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نف سك، فان ذلك يطامن اليك من طماحك، ويكف عنك من غربك ويفي اليك بما عزب عنك من عقلك)((264)) .

اما الامر الثاني فيكمن في النظرة العميقة الصحيحة للمقام والمنصب، الذي كان يصفه( بانه امانة ومسؤولية خطيرة في عنق الحاكم، وليس موقعا يدر المعاش والارباح، فنراه في وصيته الى الاشعث بن قيس عامله على آذربيجان يقول: (ان عملك ليس لك بطعمة، ولكنه في عنقك امانة)((265)) .

انه تمحيص وامتحان للحاكم من قبل اللّه سبحانه وتعالى: (وقد استكفاك امرهم وابتلاك بهم( .((266)) ج الانقطاع للّه تعالى:

ان الانقطاع للّه والتبتل اليه في العبادة يعداحدى الوظائف الفردية المطلوبة التي يجب ان تدرج في جدول اعمال ووظائف الحاكم، وان كان المطلوب منه معالجة شؤون الام ة والنظر في امورها، وان جميع افعاله واعماله انما تعتبر عبادة اذا ما قام بها بنية التقرب الى اللّه تعالى، غير ان افضل اوقاته هي تلك التي يتفرغ فيها لعبادة اللّه والانقطاع اليه: (ثم امور من امورك لا بد لك من مباشرتها... واج عل لنفسك فيما بينك وبين اللّهافضل ت لك المواقيت، واجزل تلك الاقسام، وان كانت كلها للّه اذا صلحت فيها النية، وسلمت من ها الرعية)((267)).

وما يتوجب على الافراد في عبادتهم وفي مقدمتهم الحاكم الاخلاص للّه تعالى. لذا ينبغي الا تختلف علانية الحاكم عن سريرته، لكي يبلغ درجة الاخلاص. فقد امر على ( عماله على الخراج والصدقات قائلا: (وامره الا يعمل بشي من طاعة اللّه فيما ظهر فيخالف الى غى ره فيما اسر، ومن لم يختلف سره وعلانيته، وفعله ومقالته، فقد ادى الامانة واخلص العبادة) . ((268)) والذي نستفيده من كلمات الامام(ع)ان العبودية هي امانة الهية في عنق الانسان، ولا تؤدى هذه الامانة الا من خلال الاخلاص في العبادة. وعلى الحاكم ان يؤدي امانته الالهية بانقطاعه الخالص للّه تعالى وتبتله الذي لا يشوبه مثقال ذرة من رياء او سمعة، فاذا ما كان كذلك كان موفقا في ادائه لامانته الاخرى التي تتمثل في زعامة وقيادة الامة وهداية العباد.

والا فان عجز عن اداء امانته الالهية الاولى فهو عن اداء امانات الامة اعجز.

د- الكفاف في الدنيا كان ( يمثل منتهى التشدد والصرامة في هذا المجال. فقد بلغه بان واليه على البصرة عثمان بن حنيف قد دعي لمادبة فخمة، فبعث له ) بكتاب يدعوه فيه لتقوى اللّه ويحذره من عذاب نار جهنم، ثم يامره بالتزود من الدنيا على قدر الكفاف:(فاتق اللّه يا ابن حنيف ولتكفف اق راصك لى كون من النار خلاصك)((269)) . وقد اكد الامام(ع) هذه القضية مرارا وتكرارامع سائر الولاة. فقد بلغه بان شريح القاضي كان قد اشترى دارا بثمانين دينارا، وكتب لها كتابا واشهد عليها شهودا،فاستدعاه فقال له: (اما انك لوكن ت اتيتني عند شرائك ما اشتريت لكتبت لك كتابا على هذه النسخة ، فلم ترغب في شراءهذه الدار بدرهم فما فوق. والنسخة هذه: هذا ما اشترى عبد ذليل، من ميت قد ازعج للرحيل، اشترى منه دارا من دارالغرور ، من جانب الفانين، وخطة الهالكين. وتجمع هذه الدار ح دود اربعة: الحد الاول ينتهي الى دواعي الافات، والحدالثاني ينتهي الى دواعي المصيبات، والحد الثالث ينتهي الى الهوى المردي، والحد الرابع ينتهي الى الشيطان المغوي...)((270)).

ان هذا الاسلوب الذي اتبعه الامام(ع) تجاه زعماء المجتمع الاسلامي انما يفيد وجوب مراعاة الحاكم لضعفة طبقات المجتمع، والا يعيش الحالة المرفهة وان كانت من الطرق المشروعة ، وان ينتهي عن مجالسة الاغنياء التي تؤدي لاعتزال الناس والابتعاد عن الطبقات المحرومة.

فقد وصف نفسه ( قائلا: (ااقنع من نفسي بان يقال: هذا امير المؤمنين، ولا اشاركهم في مكاره الدهر، او اكون اسوة لهم في جشوبة العيش ).((271)) وقال في موضع آخر: (ان اللّه تعالى فرض على ائمة العدل ان يقدروا انفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقيرفقره)((272)).

2- الاخلاق الاسلامية:

التحلي بالاخلاق الاسلامية في التعامل مع الامة هي الوظيفة الفردية الاخرى التي عدها الامام علي(ع) ضمن وظائف الحاكم. وقد ورد التاكيد والحث عليها في اغلب كتبه ( لعمال البلاد وولاتها. ونتناول هنا بعض وصاياه للولاة في المحاورالتالية:

ا- الرحمة والرافة:

ان الرحمة والرافة تمثل قمة الاخلاق الاسلامية التي ينبغي ان يتحلى بها الحاكم، ويمارسها باسمى صورها تجاه الامة.عليه ان يعامل الامة بالمحبة والعطف والرحمة، وهذا ما امر به امير المؤمنين ( واليه على مصر فقال: (واشعرقلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم، واللطف بهم... )((273)) .

وخاطب محمد بن ابي بكر حين و لاه مصرقائلا: (ف اخفض لهم جناحك، والن لهم جانبك)((274)).

ويطالب ولاته بالعفو والصفح، بحيث لا يبقى هنالك من مجال للعقوبة: (يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على ايديهم في العمدالخطا، فاعط هم من عفوك وصفحك مثل الذ ي تحب وترضى ان يعطيك اللّه من عفوه و صفحه )((275)).

بالطبع لا يمكن نفي العقوبة بشكل كلي فيما يتعلق بتنفيذ القوانين وادارة المجتمع والدولة، الا ان لها مواضعها المحددة،والامام(ع) يحذر الحاكم من التبجح بها حين اجرائها، او الندم على العفو حين يصدره: (ولا تن دمن على عفو، ولات بجحن بعقوبة)((276)) .

ب- الاحتكاك باوساط الامة والبشر بوجه الناس:

الوظيفة الاخرى التي تعتبر عنصرا حيويا آخر من عناصر الخلق الاسلامي، ويرى الامام علي(ع) وجوب ممارستها من قبل الحاكم، تكمن في احتكاكه عن قرب بالامة واستقبال الناس بوجه سمح بشر.

وهذا ما طالب به محمد بن ابي بكر قائلا: (فاخفض لهم جناحك والن لهم جانبك، وابسط لهم وج هك، وآس بينهم في اللحظة والنظرة)((277)).

وكذلك عماله على الصدقات: (... وامره الا يجبههم ولا يعضههم، ولا يرغب عنهم تفضلا بالامارة عليهم، فانهم الاخوان في الدين، والاعوان على استخراج الحقوق)((278)) .

لا شك ان البشر وطلاقة الوجه يمكن ان تكون من العوامل المهمة التي تساهم في اعادة حالة التوازن الى الحاكم الذي قد يتسلل اليه بعض الشعور بالغرور والتكبر اثر تسلمه لزمام الامور، من جانب آخر يجب على الحاكم ان يراقب سلوكه في تعامله مع الامة ومقارنة ذلك مع مرحلة ما قبل تسلمه للسلطة: (فان حقا على الوالي الا يغيره على رعيته فضل ناله،ولا طول خص به، وان يزيده ما قسم اللّه له من نعمه دنوا من عباده، وعطفا على اخوانه).((279)) ج ستر عيوب الناس:

ان طبيعة الموقع الاجتماعي الذي يتميز به الحاكم، اضافة الى الوسائل والامكانات التي يتمتع بها، تجعله على علم واطلاع باوضاع واحوال وعيوب الناس المخفية عن الاخرين. الامر الذي يفرض عليه ممارسة وظيفة خطيرة تكمن في عدم خرق ستار اسرار الناس، بل يجب عليه ان يستفرغ ما بوسعه لستر تلك الاسرار والعيوب، والحيلولة دون اعلانهاوظهورها. ويرى الامام علي(ع) ان وظيفة الحاكم تقتصر على اصلاح الظاهر من الامور وان يفوض ما خفي منها للّه: (فان في الناس عيوبا، الوالي احق من سترها، فلات كشفن عما غاب عنك منها، فانما عليك ت طهير ما ظهر لك، واللّه يحكم على ماغاب عنك، فاستر العورة ما استطعت يستر اللّه منك ما تحب ستره من رعيتك)((280)) .

ومن هنا تتضح وظيفة الحاكم ازاء النمامين الذين يقتفون آثار عيوب الناس. حيث لا ينبغي له الاندفاع وراءهم والذهاب الى تصديقهم، بل يجب عليه اتخاذ كافة الاجراءات اللازمة لردعهم وابعادهم عنه.

اخيرا فان ادارة شؤون الامة تتطلب احاطة الحاكم والمامه باغلب الامور التي تجعله يقود المسيرة بكفاءة وحزم، ولذلك يرى الامام علي(ع) قضية متابعة ومواصلة العلم والتعلم، بهدف اصلاح شؤون البلاد، تمثل احدى وظائف الحاكم، الامر الذي كان يؤكده على ولاته: (اكثر مدارسة العلماءومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه امرب لادك واقامة ما استقام به الناس قبلك)((281)).

ولذلك يوصي (لحاكم باقتفاء آثار واساليب الحكومات الصالحة الماضية، والاستفادة منها في الحكومة: (والواجب عليك ان تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة، او سنة فاضلة)((282)) الوظائف الاجتماعية للحاكم اهم وظيفة ينهض باعبائها الحاكم تتمثل في ادارة شؤون الحكومة. ويمكن خلاصة وظائفه في هذا المقام بتصنيفها على ثلاثة مستويات، الاعمال المتعلقة بالامة والتي تشمل افراد المجتمع، والاعمال المتعلقة باعضاء الحكومة مثل نصب وتعيين الولاة والعمال الذين يديرون شؤون الولايات والامصار، واخيرا الاعمال المرتبطة بالناس كافة اي الاعمال التي ينبغي ان تمارس بحق المجتمع ككل.

1- الحاكم والامة:

للناس جملة من الحقوق على الحاكم يجب عليه تحقيقها وبسطها بينهم. ويمكن ايجاز هذه الحقوق فيما يلي:

ا- العدل:

يرى الامام(ع) ان قرة عين الولاة انما تكمن في اقامة العدالة في المجتمع: (وان افضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد)((283)) .

ويعتقد (ع) ان بسط العدالة في البلاد ينبغي ان يشمل ثلاثة امور: الشخصية، والاقتصادية، والاجتماعية.

الامور الشخصية:

يكمن الامر الذي حظ ي بالاولوية في مجال العدالة عند الامام علي(ع) في رعاية المساواة بين الناس في الامورالشخصية، من خلال السياسة الفردية للحاكم في هذا المجال. فقد كان يوصي عماله بالمساواة بين الافراد حتى يصل الى مستوى النظرة والتحية والسلام، حيث يرى ان من شان هذه المساواة ان تقضي على الظلم في اكثر المجالات، ثم يذك ربان عدم رعاية المساواة في هذا الخصوص تؤدي لطمع الاقوياء وجشعهم من جانب، وياس الضعفاء من اجراء العدالة من جانب آخر: (وآس بينهم في اللحظة والنظرة ، والاشارة والتحية، حتى لا يطمع العظماء في حيفك، ولا يياس الضعفاء من عدلك)((284)) .

الامور الاجتماعية:

يتمتع كافة المسلمين في المجتمع الاسلامي بذات الحقوق، وليس هنالك من حق اضافي ينشا من جراء القرب او البعدعن الحاكم، او السبق في الاسلام، وما شاكل ذلك. وتبرز اهمية هذه المسالة من صعوبة وتعقيد المشاكل التي تواجه الحاكم بهذا الخصوص. وقد ابتلي الامام علي(ع) حين تسلم زمام امور خلافة المسلمين بمشاكل من هذا القبيل، حيث كانت الظروف الاجتماعية مناسبة لنمو مثل تلك الامتيازات التي لا تنسجم وروح العدالة الاسلامية بفعل السياسة التي افرزتها مرحلة ما قبل نهوض الامام (ع) بامر الخلافة، فقد كانت اغلب فئات المجتمع حتى كبار صحابة رسول اللّه (ص) تطمع ببعض الامتيازات والحقوق الخاصة، وقد ثارت حفيظتهم وعز عليهم رفض الامام بصورة قاطعة لتلك الظاهرة المرضية.

فما كان من اكثرهم الا ان هبوا لمعارضته والابتعاد عن مساندته، ثم الالتحاق بركب معاوية، الا انه بقي مصرا على سياسته القائمة على اساس العدل والقسط. وقد وصف في رسالته الى سهل بن حنيف عامله على المدينة دوافع اولئك الذين انفرجوا عنه ولحقوا بمعاوية قائلا: (فقدبلغني ان رجالا ممن قبلك يتسللون الى معاوية، فلا تاسف على ما يفوتك من عددهم... فانما هم اهل دنيا مقبلون عليها ومهطعون اليها، وقد عرفوا العدل وراوه وسمعوه ووعوه، وعلموا ان الناس عند نافي الحق اسوة، فهربوا الى الاثرة، فبعدا لهم وسحقا)((285)) .

ان مساواة الافراد في الحقوق الاجتماعية لا تعني وحدة التعامل مع الافراد كيفما كان سلوكهم سواء كان حسنا ام قبيحا في المجتمع، بل المقصود هو ان وحدة اوضاع الافراد تتطلب وحدة الحقوق ومساواتها، ولذلك كان ( يوصي ولاته بعدم المساواة في التعامل بين الفرد الصالح والطالح ...):

ولا يكونن المحسن والمسي عندك بمنزلة سواء، فان في ذلك تزهيدالاهل الاحسان في الاحسان، وتدريبا لاهل الاساءة على الاساءة والزم ك لا منهم ما الزم نفسه)((286)). فالمساواة في التعامل مع المحسن والمسي تدعو الاول للزهد في الاحسان والثاني للايغال في الاساءة. وعليه فلا بد من مجابهة كل حسب اعماله وتصرفاته، فلا بد من التمييز بين المحسن الذي يسعى جادا للقيام باعمال الاحسان والبر، والمسي الذي يشيع الاساءة والرذيلة في صفوف المجتمع. وهنا نقول: ان الاساس في التعامل هو اعمال الفرد وافعاله، لا نفس الفردومنصبه وموقعه الاجتماعي، ثم الثناء على المحسن وتوبيخ المسي على مقدار عمله واساءته: (ثم اعرف لكل امرئ منهم ما ابلى، ولا تضمن بلاء امرئ الى غيره لا تقصرن به دون غاية بلائه، ولا يدعونك شرف امرئ الى ان تعظم من بلائه ماكان صغيرا، ولا ضعة امرئ الى ان تستصغر من بلائه ما كان عظيما) ((287)).

الامور الاقتصادية:

تشكل الشؤون الاقتصادية احد المحاور المهمة للعدالة التي يمارسها الحاكم. وان ادنى تمييز وظلم واجحاف في هذاالمجال، انما يفرز تضييعاوهضما لسائر الحقوق الاجتماعية، وقد اكد الامام علي(ع) هذا الجانب من العدالة، اضافة لاستعراضه الوسائل العملية الناجعة التي من شانها ان تيسر امر اجراء العدالة في هذا الجانب، ومن ذلك:

الاشراف على سير اعمال التجار وذوي الصناعات والحرف كان من بين الامور التي اكدها الامام(ع) ضمن وظائف الحاكم في عهده الذي عهده لمالك الاشتر (رحمه اللّه) حين ولاه مصر، هي العناية الخاصة التي ينبغي ان يوليها للافراد الذين ينهمكون في توفير اسباب الرفاه والرخاء الاقتصادي للمجتمع (التجار واصحاب الصناعات والحرف)، ومعالجة مشاكلهم، والنظر في امورهم. غير انه لا بد ان يحيط باخبارهم ومتابعة شؤونهم، ليتسنى له الاشراف على نشاطاتهم الاقتصادية بالرغم من كونهم يمثلون شريحة مسالمة في المجتمع،وليسوا من اهل البلابل والقلاقل والاضطرابات وذلك لاحتمال ان يكون البعض منهم حاملا لبعض الخصال السيئة، من قبيل: البخل، وضيق الرؤية، وما الى ذلك من الامور التي تشكل خطرا جديا على سلامة وامن المجتمع. الى جانب تهديدهم للعدالة الاقتصادية من خلال اعتبارهم يمتلكون زمام المبادرة، وامكانية التاثير سلبيا على الاوضاع الاقتصادية القائمة من خلال احتكار الثروات والامكانات الاقتصادية مثلا وجعلها متداولة بين فئة معينة من فئات المجتمع فيقول:(ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات واوص بهم خيرا... وتفقد امورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك واعلم مع ذ لك آان في كثير منهم ضيقا فاحشا، وشحاقبيحا ، واح تكارا للمنافع، وتحكما في البياعات، وذلك باب مضرة للعامة)((288)).

تقديم المصالح العامة يتضح مما مر معنا سابقا، ان الامام علي(ع) يرى وظيفة الحكومة في القطاع الاقتصادي تتمثل بمراعاة اوضاع الامة باسرها، ولا تقتصر على طائفة معينة.

مما يوجب على الحاكم سن القوانين والمقررات، واتخاذ كافة الاجراءات اللازمة لضمان الحقوق العامة والاخذ على يدمخالفي القانون فيما اذا طالت عامة الامة بعض الاضرار والخسائر.

ولذلك كان يوصي مالك الاشتر واليه على مصر بالعمل الجاد الذي يجلب رضى العامة،وان استبطن سخط الخاصة،وذلك لان هذا المعنى اقرب للعدالة وابعد عن الظلم والجور: (وليكن احب الا مور اليك اوسطها في الحق، واعمها في العدل،واجمعها لرضى الرعية، فان سخط العامة يجحف برضى الخاصة، وان سخط الخاصة يغتفرمع رضى العامة)((289)).

ويطالب  الحاكم في موضع آخر بالحيلولة دون تدخل خاصته وبطانته من الذين يتصفون بالانانية وعدم مراعاة الانصاف في المجالات الاقتصادية، ولا يهمهم سوى ضمان مصالحهم الشخصية في الشؤون الاقتصادية للبلاد. وكذلك اجتثاث جذور الظلم المتاصلة فيهم من خلال اغلاق كافة السبل التي تمهد لتحقيق اطماعهم وجشعهم: (ثم ان للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول وقلة انصاف في معاملة فاحسم مادة اولئك بقطع اسباب تلك الاحوال)((290)).

اغاثة الفقراء يؤكد الامام(ع) على الحاكم ان يولي اهتمامافائقالفقراء المجتمع، بهدف اجراء العدالة الاجتماعية في مجالها الاقتصادي.في حين يقود عدم الاكتراث لهذا الامر وعدم الاهتمام بالفقراء وايجاد السبل التي تكفل رفع حالة الفقر عنهم بالتدريج، الى شيوع المفاسد الاجتماعية والاقتصادية والاخلاقية، وبالتالي تفشي الجريمة في المجتمع. ولذلك يوصي ( الولاة باستخدام افراد يضطلعون بهذه الوظيفة، ليمدوه بالتقارير والمعلومات المفصلة التي تستعرض اوضاع الفقراء والمعوزين بغية تلبية حاجاتهم والقضاء على فقرهم.

مما لا شك فيه ان هذه الطبقة انما استحقت هذه العناية الخاصة بفعل ضعفها وعدم قدرتها على المطالبة بحقوقها، وعليه فالحاكم مكلف بالنظر في امرهم واحقاق حقوقهم، والحذر من اى غفلة واهمال بهذا الشان: (ثم اللّه اللّه في الطبقة السفلى م ن الذين لا حيلة لهم، من المساكين والمحتاج ين واهل البؤسى والزمنى... فلا يشغلنك ع نهم بطر، فانك لا تعذر بتضييعك التافه لاحك امك الكثير المهم)((291)).

ب التساهل والرفق:

المحور الاخر من محاور وظيفة الحاكم تجاه الامة الرفق بالناس حين التعامل معهم، عليه الايكلف الام ة فوق طاقتهابما يرهقها ويثقل كاهلها، وان ادنى ما يترتب على الرفق بالامة كسب ودها وثقتها. الامر الذي يجعل الحاكم يشعر بالدعم والاسناد الذي يتطلبه في مواقع الحاجة: (واعلم انه لى س شي بادعى الى حسن ظن راع برعيته من احسانه اليهم، وتخفيفه المئونات عليهم، وترك استكراهه اياهم على ما ليس له قبلهم)((292)). وقال(ع) بشان الضرائب وضرورة التخفيف من عبئهاعلى الامة: (فان شكوا ثقلا او علة اوانق طاع شرب... خ ففت عنهم بما ترجو ان يصلح به امرهم و لا يثقلن عليك شي خففت به المئونة ع نهم فانه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك... فربما حدث من الامور ما اذا عولت فيه عليهم من بع داحتملوه طيبة انفسهم به)((293)).

ان الرفق والتخفيف عن الاعباء لا يختص بالامور المادية فقط، بل يشمل حتى الامور العبادية ومراعاة احوال الناس،وهذا ما اكده ( وطالب به ولاته حيث قال: (واذا قمت في صلاتك للناس، ف لا تكونن منفرا، ولا مضيعا، فان في الناس من به العلة وله الحاجة، وقد سالت رس ول اللّه ( حين وجهني الى اليمن كيف اصلي بهم؟ فقال: صل بهم كصلاة اضعفهم، وكن بالمؤمنين رحيما).((294)) ج المباشرة بالنظر في امور الناس ومعالجة مشاكلهم:

يرى  ان احدى وظائف الحاكم تتمظهر في سماعه مباشرة لشكاوى الناس والنظر فيها بدون واسطة: ( واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلسا عامافتتواضع فيه للّه الذي خلقك، وتقعد عنهم ج ندك واعوانك من احراسك وشرطك، حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتع).((295)) د تعليم الناس وايقافهم على الحقائق:

الوظيفة الاخرى التي يمارسها الحاكم انما تتمثل في تعليم الامة وجعلها ملمة باغلب الامور، وهناك اسلوبان يمكن من خلالهما تحقيق هذا الامر. احدهما: الاسلوب التعليمي الذي يمكن ملاحظته من خلال تاكيدات الامام(ع) لولاته بالاهتمام بهذا الموضوع. فقد جاء في تاكيده لوالي مكة: (اما بعد، فاقم للناس الحج وذكرهم بايام اللّه ، واجلس لهم العصرين، فافت المستفتي، وعلم الجاه ل، وذاكر العالم، ولا يكن لك الى الناس سف ير الا لسانك، ولا حاجب الا وجهك، ولا تحجبن ذاحاجة عن لقائك بها)((296)).

الاسلوب الثاني: ويتجسد هذا الاسلوب بايقاف واطلاع الامة على الحقائق. فقد تسود المجتمع بعض حالات سوء الظن تجاه الحاكم او الحكومة، الامر الذي يتطلب منه ممارسة وظيفته في كشف النقاب عن الامور الغامضة التي تساور اذهان الناس.

فقد اوصى  مالكا بهذا الشان قائلا: (وان ظنت الرعية بك حيفا فاصحر لهم بعذرك و اعدل عنك ظنونهم باصحارك فان في ذلك رياضة منك لنفسك، ورفقا برعيتك)((297)). وقد كان هذا الاسلوب مشهودا في سيرة الامام علي(ع)، بحيث لم تطرا ادنى شبهة لاي من الافراد، الا وانبرى ( لازالتها والقضاء عليها من خلال التعرض لها بكلماته او كتبه ورسائله التي كان يبعثها.

2- الحاكم والولاة:

بنظر الامام(ع) ان وظيفة الحاكم تجاه ولاته تكمن في ثلاثة امور: النصب والاختيار، تفقد احوالهم، والاشراف على سيراعمالهم.

لقد اعتمد الامام علي(ع) بعض الملاكات في مسالة نصب الولاة واختيارهم، الى جانب تميزهم واتصافهم ببعض المواصفات التي تؤهلهم لذلك، ونلمس ذلك بوضوح في عهده الذي عهده لمالك الاشتر حين قلده ولاية مصر. فكان مماامره به في هذا الشان: (ان شر وزرائك من كان للاشرارقبلك وزيرا، ومن شركهم في الاثام فلا يكونن لك بطانة، فانهم اعوان الاثمة، واخوان الظلمة، وانت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم ، وليس عليه مثل آصارهم واو زارهم وآثامهم، ممن لم يعاون ظالما على ظلمه، ولا آثماعلى اثمه: اولئك اخف عليك مئونة ، واحسن لك مع ونة، واحنى عليك عطفا، واقل لغيرك الفا، فاتخذ اولئك خاصة لخلواتك وحفلاتك، ثم ليكن آثرهم عندك اقولهم بمر الحق لك، واقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره اللّه لاوليائه، واقعا ذلك من ه واك حيث وقع. والصق باه ل الورع والصدق، ثم رضهم على الا يطروك ولا يبجحوك بب اطل لم تفعله، فان كثرة الاطراءتحد ث الزهو وتدني من العزة).((298)) من جانب آخر فان على الحاكم ان يتفقد احوال ولاته، ويتابع اوضاعهم ويحل مشاكلهم، بحيث يشعرون بالعزة والسموعلى الصعيد المعنوي، والغنى وعدم الفاقة على الصعيد المادي، كيلا يتطاولوا على اموال الاخرين وممتلكاتهم: (ثم اسبغ عليهم الارزاق، فان ذلك قوة ل هم على استصلاح انفسهم، وغنى لهم عن تناول ما تحت ايد يهم، وحجة عليهم ان خالفواامرك اوثلموا امانتك)((299)).

اما الوظيفة المهمة الثالثة للحاكم فهي اشرافه الدائم على سير اعمال الولاة، ولا بد له هنا من الاستفادة من العيون الامنية للوقوف على حالات الخيانة او الظلم، من ثم اتخاذ الاجراءات اللازمة بشانها: (ثم تفقد اعمالهم وابعث العيون من اه ل الصدق والوفاء عليهم)((300)). وقد كان الامام(ع) يمارس هذه الوظيفة حيال ولاته وعماله، وقد استفاض نهج البلاغة بالكتب والرسائل التوبيخية التي كان يبعث بها اليهم حين تبدر منهم اية خيانة بالنسبة لاموال الامة او ما شاكل ذلك.

ومن ذلك كتابه الذي بعثه الى زياد بن ابيه: (واني اقسم باللّه قسما صادقا، لئن بلغني انك خنت من في المسلمين شيئاصغيرا او كبيرا...)((301))، وكذلك ما جاء في كتابه الى بعض عماله: ...) وكانك انما كنت تكيد هذه الامة عن دنياهم،وتنوي غرتهم عن فيئهم، فلما امكنتك الشدة في خى انة الامة اسرعت الكرة، وعاجلت الوثبة، واختطفت ما قدرت عليه من اموالهم المصونة لاراملهم وايتامهم... ) ((302)).

وفي كتاب آخر: (بلغني... انك تقسم في الم سلمين الذي حازته رماحهم وخيولهم ، واريقت عليه دماؤهم، فيمن اعتامك من اعراب قومك...،)((303)) وشواهد اخرى عديدة.((304)) 3 الحاكم والمجتمع الاسلامي:

البعد الاخر من ابعاد الوظائف الاجتماعية للحاكم، هو ما يرتبط بكل المجتمع الاسلامي. ويمكن تقسيمها الى قسمين:

ا- الاحكام الشرعية التي سنها الشارع بهدف اصلاح المجتمع من قبيل: الجهاد، واقامة الحدود، وما افترض في الاموال،كالخمس والزكاة الفي.

ب- الشؤون ذات الصلة باوضاع المجتمع الاسلامي. وقد اشار الامام(ع) في احد كتبه لهذين القسمين قائلا: (الا وان لكم عندي... ولا اطوي دون كم امرا الا في حكم)((305)) .

ولا نروم بحث الاحكام الشرعية التي يتوجب على الحاكم ان يجريها في المجتمع، وسنكتفي بالاشارة الى بعض الوظائف الاخرى للحاكم ومنها العلم والالمام بشؤون المجتمع:

يجب ان يكون الحاكم محيطا بشؤون المجتمع واموره واوضاعه. ويرى الامام(ع) ان احد آثار الاحتجاب والبعد عن الناس يبرز بشكل ظواهر سلبية منها التباس الحق بالباطل، وتعظيم صغائرالامور، والاستهانة بعظيمها، الامر الذي يجعل الحاكم بعيدا عن امتلاك الصورة الواقعية لاوضاع المجتمع: (فلا تطولن احتجابك عن رعيتك، فان احتجاب الولاة عن الرع ية شعبة من الضيق، وقلة علم بالامور، والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، فيصغر عندهم الكبير، ويعظم الصغير، ويقبح الحسن، ويحسن القبيح، ويشاب الحق بالباطل)((306)).

اعمار البلاد:

اعمار البلاد هو الوظيفة الاخرى التي ينهض بها الحاكم. وقد اشار الامام علي(ع) في عهده الذي عهده لمالك الى هذه الوظائف، حيث منحها الاولوية قبل جباية الضرائب والخراج، على ان جباية الخراج قد تؤدي لخراب البلاد وهلاك العباد مالم ترافقها عملية اعمار وبناء. الامر الذي يؤدي في خاتمة المطاف الى زوال الدول والحكومات: (وليكن نظرك في عمارة الارض ابلغ من نظرك في استجلا ب الخراج، لان ذلك لا يدرك الا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة اخرب البلاد،واهلك العباد، ولم يستقم امره الا قليلا).((307)) النظام:

الوظيفة الاجتماعية الاخرى التي يمارسها الحاكم تكمن في رعايته للنظام في اعماله وسلوكه. ويرى الامام(ع) ان نظم سير اعمال الحاكم يتجسد في امرين:

1- انجاز الاعمال اليومية في مواعيدها، وعدم تاجيل عمل اليوم الى الغد، وذلك لان لكل يوم عمله المختص به:(وامض لكل يوم عمله، فان لكل يوم ما فيه)((308)) .

2- عدم مباشرة الاعمال قبل حينها، وعدم تاخى رها عن وقتها:

(واياك والعجلة بالامورقبل اوان ها او التسقط فيها عندامكانها)((309)) مسؤوليات الحاكم .

لقد ذكرنا في بداية البحث ان المسؤولية تختلف عن الوظيفة معنى ومصداقا، رغم العلاقة الوثيقة التي تحكمهما، ثم قلنابان المسؤولية اوسع واعم دائرة من الوظيفة، وقد خلصنا حينها الى ان الدين هو المرجع الذي يعين للحاكم وظائفه المختلفة..

وما نريد التعرض اليه هنا، هو ان ه هل الحاكم مسؤول امام غير اللّه سبحانه وتعالى؟ لابد من الالتفات هنا الى ان البحث يقتصر على الحاكم العام للمجتمع الاسلامي، والا فليس هناك من شك في مسؤولية الجهاز الحكومي اعضاء الحكومة او النظام الذين يمارسون بعض صلاحيات ومسؤوليات زعماء المجتمع الاسلامي آامام الحاكم العام للدولة الاسلامية. وسنشير في خاتمة المطاف الى بعض الحالات التي ليست للحاكم فيها من وظيفة الا انه مسؤول عنها.

الحاكم مسؤول امام اللّه والامة:

خلافا لوظيفة الحاكم التي اقتصر تعيينها له من جانب الدين، فانه مسؤول امام الامة ايضا. فللامة الحق في سؤال الحاكم والاستفسار منه عن اعماله. فقد اوضح الامام علي(ع) لمالك في عهده الذي عهده اليه بان الناس ينظرون من اموره في الحكومة مثل الذي كان ينظر فيه من امور الولاة قبله. ويقولون فيه من انتقادات واعتراضات كالتي كان يقولها بشان اولئك الولاة. ثم يذكره بان صالح العباد هم المعيار في هذا الخصوص: (وا نمايس تدل على الصالحين بم ايجري اللّه لهم على السن عباده)((310)) .

والذي يدل عليه كلام الامام(ع) ان للامة حق ابداء الراي بالنسبة لشؤون الحكومة. وان هذه الاراء ووجهات النظر هي المعيار لمعرفة كون الحكومة صالحة ام طالحة.

وقد ناشد  اهل الكوفة عند مسيره من المدينة الى البصرة الالتحاق به في معركة الجمل، ثم يطرح عليهم هذاالفرض في انه لو خرج ظالمااو مظلوما ، باغيا او مبغيا عليه فليلتحقوا به، فاذا كان مظلوما اعانوه ونصروه واذا كان ظالمامنعوه واخذوا على يده: (واني اذكر اللّه من بلغه كتابي هذا لما نفر الي، فان كنت محسنا اعانني، وان كنت مسيئااستعتبني)((311)) .

ثم يعرض في خطبة لبيان حق كل من الفرد من الامة والحاكم: (اما بعد، فقد جعل اللّهس بحانه لي عليكم حقا بولاية امركم، ولكم علي من الحق مثل الذي لي عليكم، فالحق اوسع الاشياءف ي التواص ف، واضيقها في التناصف، لاى جري لاحد الا جرى عليه، ولا يجري عليه الا جرى له)((312)).

واخرى خاطب بها امراء جيشه((313))، قيد فيها طاعة الحاكم بما اوجب اللّه عليه من حقوق للامة، وبخلافه فانه يفقدحق الطاعة. وقد ذكرنا آنفا وظيفة الحاكم في التصدي للشبهات وسوء الظن الذي يساور اذهان الناس، ولذلك اختتم الامام(عهده لمالك بان يعينه اللّه ومالك لقبول اللّه والامة عذره في بعض الاعمال: (وانا اسال اللّهبسعة رحمته، وعظيم ق درته على اعطاءكل رغبة، ان يوفقني واياك لما فيه رضاه من الاقامة على العذر الواضح اليه والى خلقه) ((314)).

والذي نخلص اليه مما سبق ان للامة حقوق على الحاكم، فلها ان تطالب بحقوقها، فان لم تظفر بها سقطت طاعتهاللحاكم.

ولها ايضا ان تبدي وجهات نظرها بشان محاسن الحكومة ومساوئها. وعلى الحاكم ان يعد الحجة والعذر المقبول والمبرر لاعماله عند اللّه والناس، فهو مسؤول امام اللّه وامام الامة التي لها سؤاله والاستفسار منه.

مسؤولية الحاكم تجاه اعمال ولاته:

المسؤولية بالنسبة لاعمال الولاة والعمال، تمثل احدى مسؤوليات الحاكم، والتي ترتبط بوظيفته بصورة غير مباشرة،وان لم يكن مطلعا على جميع اعمالهم. ان الحاكم وان تولى مسؤولية نصب وعزل ولاته وعماله، غير ان اعمالهم التي يمارسونها تقتصر وظيفتها عليهم، وليس لها من صلة بالحاكم، مع ذلك فهو مسؤول عن تلك الاعمال. ولذلك ورد في عهده( لمالك بشان اختيار عماله ومن يستعين بهم: (ثم انظر في حال كتاب ك، فول على امورك خيرهم، واخصص رسائلك التي تد خل فيها مكائدك واسرارك باجم عهم لوجوه صالح الاخلاق ... ثم لا يكن اختيارك اياهم على فراستك واستنامتك وحسن الظن منك...)((315))، فالحاكم مسؤول عن كل خطا ونقص يشوب اعمال من ياتمرون باوامره، وان لم يكن له علم باعمالهم: (ومهما كان في كتابك من عيب فتغابيت عنه الزمته)((316)).

مسؤولية الحاكم حيال عجز الولاة عن بعض الاعمال:

الحالة الاخرى التي يكون الحاكم مسؤولا فيها، وجود بعض الاعمال التي تستعصي على ممن دونه من بطانته وعماله،وان كانت هذه الاعمال ليست من وظائفه. وفي ضوء تلك الحالة فانه يتوجب عليه التدخل مباشرة للقيام بتلك الاعمال ويكون مسؤولا عنها وعن انجازها. وهذا ما امر به على ( مالك الاشتر:

(ثم امور من امورك لابد لك من مباشرتها: منهااجابة عمالك بما يعيا عنه ك تابك) ((317)).

 

الصاحب بن عباد، الشخصية المثيرة والملامح الفريدة

ا. صائب عبدالحميد

يعد الصحاب بن عباد واحدا من اشهر الوزراء في دول الاسلام.

من اكثرهم حزما وعبقرية، واكثرهم ادبا وحبا لاهل الادب، وعلما وتصنيفاواجلالا لاهل العلم والتصنيف، وربما جمع من المحاسن والفضائل ومواضع المدح والاجلال ما لم يحظ به غيره من الوزراء، بل كثير من السلاطين والخلفاء.

فليس غريبا ان تجد ترجمته تشغل مئة وخمسين صفحة في (معجم الادباء)((318))، ومئة واثنتي عشرة صفحة في(يتيمة الدهر)((319))، وخصه الصفدي بواحدة من اطول تراجم كتابه، وهو الذي اعتمد الاختصار والتركيز في تراجمه،فافرغ له ست عشرة صفحة من (الوافي بالوفيات)((320))، مستهلاترجمته بالقول:

(كان نادرة الدهر، واعجوبة العصر، في فضائله ومكارمه وكرمه..(.

ويختلف الناس، حتى اهل العلم والادب، في كبار الرجال ذوي الافاق الواسعة التي تجتاز الافاق المالوفة عند اهل العصر، والصاحب بن عباد واحد من هؤلاء الكبار الذين اختلف اهل العلم في تصنيف رؤاهم، في حياته، وبعد مماته..

فمن هو الصاحب بن عباد؟ هو ابو القاسم، اسماعيل بن عباد بن العباس بن عباد بن احمد بن ادريس، الديلمي، الاصفهاني، القزويني، الطالقاني.

كان مولده منتصف ذي القعدة سنة 326ه، وقيل: 324ه، باصطخر فارس، وقيل: بالطالقان من بلدة قزوين، ووفاته ليلة الجمعة 24صفر سنة 385ه، بالري، ونقل الى اصفهان، وقبره فيها معلوم مشيد يزار.

هو العلامة الكبير، والاديب البارع، والوزير المؤيد، الملقب بكافي الكفاة..

قالوا في مدحه وتعداد خصاله الحسان ما يملا صفحات، ويجمعه كله فقرتان، الاولى لابي منصور الثعالبي، وهو يقول في حقه: ليست تحضرني عبارة ارضاها للافصاح عن علو محله في العلم والادب، وجلالة شانه في الجود والكرم، وتفرده بالغايات في المحاسن، وجمعه اشتات المفاخر، لان همة قولي تنخفض عن بلوغ اوفى فضائله ومعاليه، وجهد وصفي يقصر عن ايسر فواضله ومساعيه.

والثانية لياقوت الحموي، في ذكر ابي حيان التوحيدي بعد ان قصد ابن عباد في الرى، اذ يقول: وكان ابو حيان مجبولاعلى الغرام بثلب الكرام، فاجتهد في الحط من ابن عباد، وكانت فضائل ابن عباد تابى الا ان تسوقه الى المدح وايضاح مكارمه، فصار ذمه له مدحا.. هذا ولابي حيان كتاب في الشين من ابن العميد والصاحب بن عباد معا، اسماه (اخلاق الوزيرين).

كان والده عبادا يلقب بالامين، دينا خيرا، مقدما في صناعة الكتابة، وكان كاتبا لركن الدولة البويهي.

وكان الصاحب قد صحب ابن العميد، الكاتب الشهير ووزير ركن الدولة، ومنه سمي الصاحب، وقيل بل سماه به مؤيدالدولة بن ركن الدولة حيث اختصه للكتابة عنده ومجالسته.

واصبح الصاحب وزيرا لمؤيد الدولة بعد وفاة ابن العميد، ثم وزيرا لفخر الدولة حتى توفي.

كان حازما في امره، سريع الغضب، مهيبا، الاانه كان مع ذلك حسن المعاشرة، يقول لجلسائه: (نحن في النهار سلطان، وفي الليل اخوان).

شديد اللسان اذا جرح انسانا، سريع البديهة، حاضر الجواب.

وكان الوزير القوي المهيمن على الامر ايام فخر الدولة،والملك يدب ر برايه، فكان اذا قال فخر الدولة قولا وقال الصاحب قولا، امتثل قول الصاحب وترك قول فخر الدولة.

ونقل ياقوت عن هلال بن المحسن، عن ابي نصر بن خواشاده، انه قال: ما غبطت احدا على منزلة كما غبطت الصاحب ابا القاسم بن عباد... رايت وجوه الديلم واكابرهم من اولاد الامراء يعدون بين يديه كما تعدو الركابية (اي السائرون في الركب).

وقال الثعالبي: واحتف به من نجوم الارض، وافراد العصر، وابناء الفضل، وفرسان الشعر من يربى عددهم على شعراءالرشيد، ولا يقصرون عنهم في الاخذ برقاب القوافي وملك رق المعاني.

فعن هلال بن المحسن: ما رؤي احد وفي من الاعظام والاكبار بعد موته ما وفيه الصاحب، فانه لما جهز ووضع في تابوته واخرج على اكتاف حامليه للصلاة عليه، قام الناس باجمعهم فقبلوا الارض بين يديه، وخرقوا عند ذلك ثيابهم ولطموا وجوههم، وبلغوا في البكاء والنحيب عليه جهدهم.

بلاغته:

عده اهل الادب احد كتاب الدنيا الاربعة: عبدالحميد، وابن العميد، والصابئ، والصاحب. وانشد بعض الشعراء مقرا بهذا:

امخطئا عبدالحميد، وهازئا بابن العميد، ولا عبا بالصاحب! قال الثعالبي: (بلغ من البلاغ ما يعد في السحر، ويكاد يدخل في حد الاعجاز( وبعد ان ذكر قطعامن رسائله وكلماته،قال:

(ومحاسن فقر الصاحب تستغرق الدفاتر، وتستنزف في الانتخاب منها الخواطر، وليس يتسع هذا الكتاب لغيض من فيضها، وقطرة من سيحها).((321)) اختلافهم في مذهبه:

نسب ابن عباد ووالده الى الاعتزال بحجة تاليف والده كتبا في احكام القرآن، قيل: نصر فيه الاعتزال، وان للصاحب كتابا في الامامة، فيه تفضيل علي(ع)، ويثبت فيه امامة من تقدمة.

وقال بعضهم: كان يتشيع بمذهب ابي حنيفة، ومقالة الزيدية((322)).

لكن هذا غير كاف في اثبات اعتزاله، ما دام هناك ما يقابله من دلائل تشيعه التي تسمح بتفسير ما نسب فيه الى الاعتزال، فالشيعة والمعتزلة يتفقون في مبدا العدل ونفي الجبر، ولاجله عرفوا بالعدلية، كما انهم معا خلاف الظاهرية والحشوية في تقديم العقل.. ومن هنا يقع التوافق الكبير بينهم في كثير من مواضع الجدل والخلاف الكلامي.

انشد السلامي يهجو ابن عباد لمقالته بالعدل ونفي الجبر:

يا ابن عباد بن عبا تنكر الجبر واخرج س بن عبدالله حرها ت الى دنياك كرها!((323)) وفي بعض مجالسه مع اهل العلم، وفيهم الزعفراني، رئيس اصحاب الراي في عهده، قال له الصاحب: وما كان عندي انك تقدم على ما اقدمت عليه وتنتهي في عدوانك لاهل العدل والتوحيد الى ما انتهيت اليه)((324)).

وهو القائل شعرا:

لو شق عن قلبي يرى وسطه العدل والتوحيد في جانب سطران قد خطا بلا كاتب وحب اهل البيت في جانب((325)) فكان ابن عباد ينتصر لهذه المقالات، وهي مقالات مشتركة بين الشيعة والمعتزلة، ومثلها الى حد كبير قضية القول بخلق القرآن التي انتصر لها المعتزلة، وتوزع فيها الشيعة بين قائل بمثلها، انه (محدث( ولا يستجيز اطلاق لفظ (مخلوق)كما هو عند الشيخ المفيد (ت 413ه) وبين فريق آخر كان يقول (هو كلام الله، لا خالق ولا مخلوق(. فكان ابن عباد مع الفريق الاول، فهذه المقالات كلها لا تدل مجتمعة على الاعتزال، ما دامت مشتركة بينه وبين التشيع.

اما تثبيت امامة المتقدمين على الامام علي(ع) فيقول به الزيدية من الشيعة ايضا، ولكن للصاحب كلاما محفوظا يفهم منه بوضوح ان اثباته تلك الخلافة ليس لاعتقاده صحتها في نفسها، بل لمبايعة الامام علي(ع) مثلا، او اسباب اخرى خارجة عن هذا النوع.

فقد نقل عنه في استقباله الوصي ابا الحسن العلوي الهمداني الذي اتاه رسولا من قبل السلطان انه استقبله بقوله:(مرحبا بالرسول ابن الرسول، الوصي ابن الوصي) فهو رسول من قبل السلطان وهو ابن رسول اللّه(ص)، وهو ((326))وصي السلطان وابن وصي رسول الله علي(ع).

وفي رسالته الى الاشراف العلويين بقزوين، يقول: (.. وبيت الرسالة يجمعهم، وظل النبوة يكنفهم، ورحم الوصية تؤلفهم).

وفي كلام له في وصف الامام علي(ع): (.. وامامته لواء خافق..

نظير هارون عند المشاكلة، وباب المدينة عندالمشابهة.. واخو المصطفى بل نفسه.. ولداه الشمس والقمر، ولولا على لهلك عمر.. قسيم الجنان، وباب الرحمة والرضوان..ثاني اصحاب الكسا في اذهاب الرجس، وحامل لواء الحمد في يمين العرش، وصاحب الحوض يسقي من شايع وبايع،ويمنع من ناصب ونازع.. ذاك امير المؤمنين صلوات الله عليه تختص اوصافه عن المشاركة وتخلص معرفته عن المزاحمة(.

وفي طرائفه ما يجري مجرى التهكم في طريقة تولية ابي بكر الخلافة، فنقل عنه انه كان في مجلسه جماعة وهم خائضون في الجدل، فانفلتت من احدهم (ضرطة)، فقال على حدته:

(كانت بيعة ابي بكر، خذوا في ما انتم فيه يعني فلتة،لانه قيل في بيعة ابي بكر: كانت فلتة)((327)).

وفي غير هذا الاسلوب يثبت تشيعه من امور عدة، من اظهرها اربعة امور:

الاول: في وصفهم لمكتبته والكتب التي خلفها بالرى..

قال ياقولت: كان صاحب خراسان الملك نوح بن منصور الساماني قد ارسل الى الصاحب في السر يستدعيه الى حضرته، وبذل البذول السنية، فكان من جملة اعتذاره ان قال: كيف يحسن لي مفارقة قوم بهم ارتفع قدري وشاع بين الانام ذكري؟ ثم كيف لي بحمل اموالي مع كثرة اثقالي، وعندي من كتب العلم خاصة ما يحمل على اربعمئة جمل او اكثر؟! ثم نقل عن ابي الحسن البيهقي قوله: وانا اقول: بيت الكتب الذي بالرى دليل على ذلك، بعدما احرقه السلطان محمودبن سبكتكين، فاني طالعت هذا البيت فوجدت فهرست تلك الكتب عشرة مجلدات، فان السلطان محمودا لما ورد الى الرى قيل له: ان هذه الكتب كتب الروافض واهل البدع، فاستخرج منها كل ما كان في علم الكلام وامر بحرقه.((328)) فعامة كتبه اذن هي الموصوفة بكتب الروافض، والروافض يطلقها اهل ذلك الزمان على الشيعة الامامية الاثني عشرية، دون الزيدية، وهو معروف.

والثاني: معرفة جمهور الشيعة..

كان في الشيعة من يروي ان في الطالقان كنزامن ولد فاطمة يملا الله به الارض عدلا كما ملئت جورا، فلما ولد سبط حسني للصاحب وهو عباد بن علي الحسني، احتفل به الشيعة احتفال الصاحب الذي ابتهج به كثيرا، وانشد فيه اشعارا يعبرفيها عن فرحته بانه يكون له سبط هو سبط لرسول الله وابن لعلى والحسن، اذ يقول:

احمد الله لبشرى اذ حباني الله سبطا مرحبا ثمت اهلا نبوى علوي اقبلت عند العشي هو سبط للنبي بغلام هاشمي حسنى صاحبي وراى رواة ذلك الخبر من الشيعة ان بشارتهم وقعت في هذا الغلام، فانشد شاعرهم:

هلم للخبر الماثور مسنده فذلك الكنز عباد وقد وضحت في الطالقان فقرت عين ناقله عنه الامامة في اولى مخايله((329)) والثالث: تصريح معاصره الشيخ الصدوق:

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية