الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

في خطبة كتابه (عيون اخبار الرضا) يهدي الصدوق كتابه هذا الى الوزير الصاحب بن عباد، وهو ابن بلدته (الرى)، فيقول:وقع الى قصيدتان من قصائد الصاحب الجليل كافي الكفاة ابي القاسم اسماعيل بن عباد اطال الله بقاءه وادام توفيقه‏ونعماءه، في اهداء السلام الى الرضا علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب (ص).فصنفت هذا الكتاب لخزانته المعمورة ببقائه، اذ لم اجد شيئا آثر عنده واحسن موقعا لديه من علوم اهل البيت(ع)، ولتعلقه‏ادام الله عزه بحبلهم واستمساكه بولايتهم واحسانه الى شيعتهم.((330)) هذا وقد كان الصاحب قد جعل نقش خاتمه:

شفيع اسماعيل في الاخره محمد والعترة الطاهره وله خاتم ثان نقشه: (على الله توكلت، وبالخمس توسلت) يعني اصحاب الكساء صلوات الله عليهم.

والرابع: هو اكثر كفاية في حسم النزاع، تصريح القاضي عبدالجبار المعتزلي.

لقد كان الصاحب هو الذي وضع عبدالجبار في منصب قاضي القضاة، مما جعله بعضهم دليلاعلى اعتزاله، لكن‏القاضي عبدالجبار العارف بسيده الوزير هو الذي سيبطل هذه الدعوى..

فقد جي به ليصلي على الصاحب عند وفاته، فقال:(ما ادري كيف اصلي على هذا الرافضي)((331))!! ولا ينبغي بعد مثل هذا ان يقع في الامر نزاع.

واما اشعاره في علي(ع) فهي وحدها علم على تشيعه، ولو لم يقل منها سوى هذين البيتين لكفتا دلالة:

حب علي بن ابي طالب ان كان تفضيلي له بدعة هو الذي يهدي الى الجنة فلعنة الله على السنة((332)) والتورية صارخة في البيت الاخير، مع مبالغة في الحدة لا تناسب وزيرا كبيرا كالصاحب، يلتقي عنده كبار علماءالمذاهب كافة، وقد اخذ هو عن بعض كبار علماء اهل السنة، كابن العميد، واحمد بن فارس القزويني، الذي كان شافعيا،واستدعاه مجد الدولة البويهي الى الرى ليقرا عليه النحو هو والصاحب، وهناك في الرى تحول مالكيا حمية لمالك، اذ لم‏يجد في بلاد الرى احدا على مذهبه، وكان الصاحب يجله كثيرا ويكرمه..((333)) كما له كلام في بعض ائمة الاحناف(ابي طاهر، وابن القطان) فيه احسن الاطراء والاجلال((334))، ويكفيك قبل هذا كله ان من الناس من نسب الصاحب الى‏المذهب الحنفي. لكن الصاحب مع كل ذاك تخرج منه مثل هذه الكلمات السريعة والحادة والتي يظهر بها ذكاءه باستخدام‏المجاز والاستعارة والمترادفات ونحو ذلك كثير.

كتب الى عامله على مدينة قم:

ايها الوالي بقم قد عزلناك فقم ومن الماثور عنه انه اذا شرب ماء بثلج، انشد على اثره:

قعقعة الثلج بماء عذب تستخرج الحمد من اقصى القلب ثم يقول: اللهم جدد اللعن على يزيد((335)).

ضد الشعوبية:

اما في عصبيته، فرغم كونه فارسي الاصل الاانه كان خصما للشعوبية منتصرا للعرب، وحكاياته في هذا كثيرة، منهاقوله: لا ارى احدا يفضل الفرس على العرب الا وفيه عرق من المجوسية! اختلافهم في سيرته:

لم يجد من ارخ له قدحا فيه غير عند ابي حيان التوحيدي، الذي اطال الكلام في ذمه وتنقيصه، فوصفه بحب المديح‏له والثناء عليه، وانه يطرب لذلك ايما طرب، ويعط‏ي بعده ايما عطاء، وانه شديد اللسان على اهل العلم، يغريهم بالكلام‏حتى اذا تكلموا وبادلوه الكلام، تنمر لهم، وتغير عليهم، وامر بحبسهم وضربهم، وقد تفنن ابو حيان في البحث عن معايب‏الصاحب، حتى ذهب يستخبر المنجمين عن طالعه، ليقول: ان الحظ هو الذي رفعه بلا استحقاق! واما عظمة سلطانه، فلانه لم يعرف احدا يقول له: لم فعلت كذا، ولم لم تفعل كذا! واما بلاغته في حديثه فهي عند ابي حيان كلف بالسجع ما بعده كلف، وهكذا يقلب كل ما تحدثوا به من محاسن‏الصاحب مساوئ.

وقد فسر ياقوت الحموي والصفدي سر هذه الحملة الشعواء من ابي حيان على الصاحب، فقال ياقوت الحموي: ان اباحيان كان قصد ابن عباد الى الرى، فلم يرزق منه، فرجع عنه ذاما له، وكان ابو حيان مجبولا على الغرام بثلب الكرام،فاجتهد في الغض من ابن عباد، وكانت فضائل ابن عباد تابى الا ان تسوقه الى المدح وايضاح مكارمه، فصار ذمه له‏مدحا((336)).

وقال الصفدي بعد ان نقل شيئا من كلام ابي حيان: (قلت:

وعلى الجملة، من رجالات الوجود، واين آخر مثله؟ ولكن‏ابو حيان زاد في التمالي عليه، لنقص حظ ناله منه، فتمحل له مثالب، وادعى له معايب)((337)).

لكن غير ابي حيان يذكرون من سيرته واخباره كل جميل، نذكر منه هذه القطعة، اختتم بها احدهم ذكر مناقبه، فقال:(وتظلمت اليه امراة من صاحب لفولاذ بن مانادر، وذكرت انه كان ينازعها في حق لها، فما زاد على ان التفت الى فولاذ،وكان في موكبه يسير خلفه، فبهت وتحير، وارتعد ووقف، ولم يبرح الى ان سار كافي الكفاة (ابن عباد)، ثم ارسل مع المراة‏من ارضاها وازال ظلامتها( قال: (ومثل هذا كثير، يطول الكتاب ببعضه، فكيف يتسع لكله).((338)) قال ياقوت: وذكر الوزير ابو سعد منصور بن الحسين الابي في تاريخه من جلالة قدر الصاحب، وعظم قدره في‏النفوس، وحشمته، ما لم يذكر لوزير قبله ولا بعده مثله.((339)) جلساؤه من اهل العلم والادب:

تقدم قول الثعالبي: (واحتف به من نجوم الارض، وافراد العصر، وابناء الفضل، وفرسان الشعر من يربى عددهم على‏شعراء الرشيد، ولا يقصرون عنهم في الاخذ برقاب القوافي...( ثم‏قال:

وجمعت حضرة الصاحب باصبهان والري وجرجان، مثل: ابي الحسين السلامي، وابي بكر الخوارزمي، وابي سعيدالرستمي، وابي القاسم الزعفراني، وابي العباس الضبي، والقاضي الجرجاني، وابي القاسم بن ابي العلاء، وابي محمد الخازن،وابي هاشم العلوي، وابي الحسن الجوهري، وبني المنجم، والبديع الهمداني، واسماعيل الشاشي، وابو دلف الخزرجي، وابي‏الفياض الطبري((340)).

في ورعه وشهامته:

قال ياقوت: ومما وجدت في بعض الكتب من مكارم الاخلاق للصاحب: انه استدعى يوما شرابامن شراب السكر،فجي بقدح منه، فلما اراد شربه، قال له بعض خواصه: لا تشربه! فانه مسموم وكان الغلام الذي ناوله واقفا .

فقال للمحذر: وما الشاهد على صحة ذلك؟ قال: بان تجربه على من اعطاكه.

قال: لا استجيز ذلك، ولا استحله. قال: فجربه على دجاجة.

قال: ان التمثيل بالحيوان لا يجوز.

ثم امر بصب ما في القدح، وقال للغلام: انصرف عني ولا تدخل داري بعدها.. واقر رزقه عليه، وقال: لا ندفع اليقين‏بالشك، والعقوبة بقطع الرزق نذالة.((341)) من ظرفه وطرفه:

كان لديه منشد يدعى مكي، قديم الصحبة له، وكان يسي اليه، والصاحب يتجاوز له، فلما كثر ذلك منه امر الصاحب‏بحبسه في دار بجواره، فاتفق ان الصاحب صعد يوما سطح داره، واشرف على تلك الدار، فناداه مكي قائلا: (فاطلع فرآه‏في سواء الجحيم)! فضحك الصاحب وقال: (اخسؤوا فيها ولا تكلمون). ثم امر باطلاقه.((342)) كان بعض الفقهاء، ويعرف بابن الحضيري، يحضر مجالس الصاحب بالليالي، فغلبته عينه ليلة، وخرجت منه ريح لهاصوت، فخجل وانقطع عن المجلس، فقال الصاحب: ابلغوه عني:

يا بن الحضيري لا تذهب على خجل فانها الريح لا تسطيع تحبسها لحادث كان مثل الناي والعود اذ لست انت سليمان بن داود((343)) كان عبدالجبار بن احمد المعتزلي قد ولاه الصاحب قضاء همدان والجبال، فكان يكتب في عنوان كتابه الى الصاحب:(الى الصاحب: داعيه، عبدالجبار بن احمد( ثم كتب (وليه عبدالجبار بن احمد( ثم كتب بعدها: (عبدالجبار بن احمد(.

فقال‏الصاحب لندمائه: اظنه يؤول امره الى ان يكتب (الجبار(! مؤلفات الصاحب:

ذكر له المؤرخون ثلاثين كتابا، تتوزع على معارف شتى، نذكرها هنا بحسب موضوعاتها:

اولا اللغة والادب:

1- الوقف والابتداء: وهو اول مؤلفاته في ايام شبابه.

2- المحيط: عشرة مجلدات. معجم لغة.

3- ديوان رسائله: عشرة مجلدات.

4- الكافي: رسائل، معظمها في الادب، ويمكن ان تندرج في التاريخ ايضا.

5- الكشف عن مساوئ المتنبي: رسالة مطبوعة.

6- العروض الكافي.

7- نقض العروض.

8- الاقناع في العروض: منه نسخة بدار الكتب المصرية واخرى بالمكتبة الاهلية بباريس.

9- جوهرة الجمهرة: مختصر كتاب الجمهرة لابن دريد.

10- رسالة في فنون الكتابة والرسائل.

11- كتاب الشواهد.

12- ديوان شعره.

ثانيا العقائد والفرق:

13- مختصر اسماء الله تعالى وصفاته.

14- كتاب الامامة: في تفضيل علي بن ابي طالب وتصحيح امامة من تقدمه.

15- كتاب الزيدية.

16- التذكرة للاصول الخمسة: وهي اصول مذهب الاعتزال.

17- كتاب الانوار.

18- الابانة عن مذهب اهل العدل بحجج من القرآن والعقل.

19- الاصول المهذبة للعقول: نسبه اليه الكفعمي في كتاب (مجموع الغرائب).

20- كتاب في علم الكلام.

21- القضاء والقدر.

ثالثا التاريخ:

22- اخبار ابي العيناء.

23- تاريخ الملك واختلاف الدول.

24- عنوان المعارف وذكر الخلائف: تاريخ مختصر يشمل السيرة النبوية وسير الخلفاء الى المطيع العباسي الذي كان‏في زمانه، نسخته عند السيد محسن الامين مكتوبة بتاريخ 420ه، وهي بخط جيد.

25- رسالة في احوال عبدالعظيم الحسني: المدفون بالرى.

26- كتاب الوزراء: مختصر.

27- كتاب الاعياد وفضائل النوروز.

رابعا في الطب:

28- رسالة في الطب: صغيرة، قال عنها ابو جعفر الطبيب البلاذري: لو علمها ابن قرة وابن زكرياء لما زادا عليها.

خامسا موضوعات متفرقة:

29- كتاب التعليل.

30- كتاب سفينة: ذكره الثعالبي ونقل منه قطعا، ويبدو انه جامع لفنون مختلفة من ادب وتاريخ وحكم واشعار.

نماذج من شعره في اهل البيت(ع):

يا امير المؤمنين المرتضى كلما جددت مدحي فيكم من كمولاي على مفتيا من دعي للطير ان ياكله من وصى المصطفى عندكم ان قلبي عندكم قد وقفا قال ذو النصب نسيت السلفا خضع الكل له واعترفا ولنا في بعض هذا مكتفى ووصى المصطفى من يصطفى((344)) وقوله:

قالت تحب معاويه قالت اسات جوابنا يا زانيه! يا زانيه! ااحبه؟ ااحب من فعلى يزيد (لعنتي) قلت اسكتي يا زانيه فاعدت قولي ثانيه يا بنت الفي زانيه شتم الوصى علانيه وعلى ابيه ثمانيه((345)) وله ايضا:

انا من شيعة الرضا الامام المطهر اب واخي المصطفى ومن في ابيات عديدة سيد الناس حيدره ن الحصان المطهره حسد الفخر مفخره((346)) ووقع على ظهر ورقة بعث بها اليه رجل اموي يتقرب اليه، بهذه الابيات:

انا رجل يرمينى الناس بالرفض دعوني وآل المصطفى عترة الهدى ولو ان بعضي مال عن آل احمد فلا عاش حربى((347)) لدى على خفض فان لهم حبي كما لكم بغضي لشاهدت بعضي قد تبرا من بعضي((348)) في اغراض شتى:

كتب الى عضد الدولة يحثه على الاستيلاء على بخارى:

يا ايها الملك الذي كل الورى فمناصح قد فاز سهم طلابه هذي بخارى تشتكي الم الصدى ماذا عليه لو يهم بعرصتي قسمان بين رجائه وحذاره ومداهن قد جال قبح بواره وتقول قولا نبت في اخباره((349)) فاكون بعض بلاده ودياره وقال في اخريات ايامه وجاءه المنجمون ينبؤونه بقرب اجله:

يا مالك الارواح والاجسام مدبر الضياء والظلام ولا اخاف الضر من بهرام والعلم عند الملك العلام ووقني حوادث الايام هبني لحب المصطفى المعتام وخالق النجوم والاحكام لا المشتري ارجوه للانعام وانما النجوم كالاعلام يا رب، فاحفظني من الاسقام وهجنة الاوزار والاثام وصنوه، وآله الكرام((350)) وكان تلك الايام قد اتخذ لنفسه بيتا اسماه (بيت التوبة( للتعبد، واخذ خطوط الفقهاء بصحة توبته، وخرج مرة فقعدللاملاء، وحضر كثير من الناس فكان يملي وهم يكتبون، وفيهم: ابن الزعفراني الحنفي، وهو رئيسهم، وما بقي احد من اهل‏العلم الا وقد كتبه حتى القاضي عبدالجبار وهو قاضي القضاة بالرى.((351))

 هكذا تكلم العقل .. المفهوم العقلاني للدين

د. هاشمية رسلان

لو كان لنا من توصيف معرفي لكتاب الدكتور حيدر غيبة (هكذا تكلم العقل المفهوم العقلائي للدين)، فلن يستوي‏لدينا الا انه يدخل في نطاق الدراسات المتجددة في الاصلاح الديني.

فالمحاولة التي سعى في اتجاهها صاحب الكتاب لاتفارق الجدل الممتد على مساحة مئة سنة منصرمة. فهي في هذا المعنى تنتمي الى حركة النهضة التي ابتدات في مستهل‏القرن العشرين مع اولئك الرواد المعروفين، امثال: الافغاني، والكواكبي، ومحمد عبده، ورشيد رضا، والمازني.. وسواهم.لكن (الانتماء) التاريخي للحركة المذكورة، ياتينا هذه المرة مكتظا بلغة الحداثة (البعدية) اذا صح القول. وذلك امر بديهي لواخذنا بنظر الاعتبار حركية الزمن وتطوراته المعرفية الحاصلة اليوم.

وان نحن مضينا مسافة ابعد في رؤية المنطق الداخلي لبحث الدكتور غيبة، لوجدناه مندرجا في دائرة المعارف العلمية‏الحديثة، حيث ان ابحاثاكهذه تتصل اتصالا وثيقا ب (فلسفة الدين) او ب (علم الكلام الجديد)، على ما بين العلمين من تمايزمنهجي في النظر الى موضوع الدين، وآليات تناوله في نطاق ما اصطلح على تسميته ب (البحث الديني).

ونستطيع القول: ان البحث الديني الذي يدخل الكتاب ضمن فضائه الواسع، انما يتموضع في ما نعتبره المنطقة الوسط‏ى‏بين (فلسفة الدين) و (علم الكلام الجديد). فاذا كانت فلسفة الدين تعتمد نهاجية النظر الى الدين كظاهرة تاريخية، وتمضي‏الى معالجتها وتفكيكها من خارج الدين، فان علم الكلام الجديد هو ذاك الذي يحاول الدفاع عن الدين والشريعة من داخل‏الدين، ولكن بادوات ومناهج علمية حديثة.

وهكذا يبدو الكتاب على الصعيد المنهجي، جامعا للفلسفة والكلام في آن. ذلك على الرغم مما يتركه عمل الباحث من‏انطباعات متباينة، واحيانا متقاطعة لدى القراء المطلعين والمتخصصين في الشانين معا.

سوف يتوضح الاشكال المنهجي لو نحن قرانا المقدمة، فسنرى منذ البداية سعيا للجواب عن السؤال التالي: ليس مؤلف‏هذا الكتاب رجل دين، فلماذا بحثه عن الدين، اذن؟ ان هدف بحوث هذا الكتاب كما تقول المقدمة هو المساهمة في تنمية المجتمع الانساني فكريا وثقافيا ومادياوروحيا، اي بلوغ التنمية الشاملة.

وفي سبيل السير في طريق الانماء المادي والبشري، وفي سبيل الكشف عن عناصره الاجتماعية والروحية، والتخلص‏من عوائقه المختلفة، كان لابد من ركوب هذا المركب الصعب كما يشير الباحث اي البحث الموضوعي في الدين كنص‏وممارسة، باعتباره عاملا بشريا مؤثرافي الانماء، مدركا بصورة خاصة لما هو سائد في بعض اجزاء الوطن العربي من‏تكبيل للفكر الحر، سواء من قبل السلطة او من بعض الجماعات المتعصبة لرايها، والرافضة لحق الغير في التفكير والتعبير.

ومن باب الاعراب عن (حسن النية)، والتزام روح البحث العلمي، يفصح واضع الكتاب عن انه لا ينطلق من نظرة سلبية‏ناكرة او معادية للدين، بل انه بعد امعان النظر، ودراسة النصوص المقدسة للديانات السماوية دراسة متانية وفاحصة..

يقدرهذه الرسالات، ويؤمن بصورة خاصة برسالة النبي محمد(ص)، ايمانا مبنيا على صدق النبي وصدق مضمون رسالته،ممثلة بالكتاب العزيز: القرآن الكريم.

النظر العقلاني اذن، هو الهاجس الذي يحكم رؤية الكتاب للموضوع الديني. والعقلانية هنا، لا ينبغي ان تؤخذ على‏النحو الذي الفناه منها في تجربة الحداثة الغربية سحابة اربعة قرون.

ذلك ان الباحث في هذا المجال، لا يتوخى التعاط‏ي مع‏المعط‏ى الديني من زاوية السلب، اي من الزاوية التي سعت فيها (عقلانية الغرب) الى فصله عن الدولة، وتحقيق ما اصطلح‏على تسميته بالمجتمع العلماني اللاديني. على العكس، فان مسعاه ينطلق من هم اصلاح امر الدين عن طريق نقد التفكيرالديني السائد، اي تعيينا نقد المؤسسة الدينية ممثلة برجال الدين الذين حولوا الشريعة الى مؤسسة تحد من الاجتهاد،وتغلق على اسئلة العقل.

داعية من باب الحداثة سوف يتبين لنا من العناوين الاساسية التي توزعت عليها فصول الكتاب، وعناوينه الفرعية، الى اي مدى تتبدى فيه‏هواجس الكتاب واهدافه الدينية. فعلى امتداد خمسة عشر فصلا يظهر البعد الديني العميق في منطق البحث. ولنا من باب‏الايضاح ان نذكر على التوالي عناوين هذه الفصول:

تعريف الدين، نشاته، اسبابه، واهدافه العقلانية والتاويل العقلاني للنص غاية الاديان الموحدة وعقلنة رموز الدين الاله: من هو؟ واين هو؟ وحدانية اللّه الوصي والنبوة الانبياء والرسل الكتب المقدسة التوراة والدين اليهودي التوراة وموسى في كلمات الانجيل والمسيحية القرآن ودين الاسلام خلاصة مقارنة للتوراة والانجيل والقرآن الملائكة، والشياطين، والجن في العقل والدين الحياة الاخرة البعث، الحشر، الجنة، وجهنم...

هذه العناوين تدخل في السياق الاجمالي للقصدية من وراء الكتاب، وهي قصدية ترى الى ضرورة جلاء الحقيقة الدينية‏من خلال اعادة الاعتبار للنصوص المقدسة، وقراءتها قراءة عقلانية وموضوعية. ويلاحظ الباحث ان انسداد باب الاجتهادابتداء من القرن الرابع الهجري، هو الذي حمل عددا من الشخصيات التاريخية في التاريخ العربي الاسلامي الى الدعوة‏النقدية، واعادة الاعتبار الى العقل.

ربما كانت محطة ابن رشد المعرفية ظاهرة مفصلية في التاريخ النقدي للاجتماع الديني. غير ان عودة الجمود الى الفكرالديني بعد تحوله، على الاجمال، الى مؤسسة للسلطة باحوازها المختلفة، السياسية، والدينية، والثقافية، والاجتماعية،سيجعل العقل في المرتبة الدنيا. بينما اكتسى الفكر الديني جلباب الطقوسية، واكتفى بما توصل اليه السلف، وتمنطق بنطاق‏الاوامر السلطانية، حتى لم يتجاوز في بعض المقاطع الزمنية على فقه السلطان، واجترار مسائل السلف.

وهنا، يبين الكاتب ان الدين والفكر الديني تجاذبته ثلاثة اتجاهات بعد مخاضات عسيرة، هي:

الاتجاه الاول: اتجاه التزمت الديني، ورفض كل تفكير او محاولة ادخال مستجدات العصر على حياة الانسان، بدعوى‏مخالفة الشريعة، والمساس بالمقدس، او التلاعب بالدين، وضرورة المحافظة على قوالب دينية ثابتة، ورفض كل ما هو غيرديني بالعودة الى اصول الرسالات، والاكتفاء بما وصل الينا، وان كل جديد وتجديد يجب رفضه، لان عقل الانسان قاصروعاجز عن فهم الكون ومعرفة الحقيقة. بل، وعن وعي وادراك مصلحته الدينية والدنيوية الا بهدي الدين الذي اوحاه اللّهالى انبيائه، وكما فهمه الاولون رغم ما بينهم من فروق، ورغم تطور الاحوال مع مرور الزمن.

الاتجاه الثاني: فهو اتجاه الزهد الكلي في الدين. بل، انكار ومحاربة مظاهره، والمعتقدين به، بحجة ان قوالبه الجامدة‏مسؤولة عن التخلف في العالمين العربي والاسلامي.

وبدعوى عدم وجود فائدة له او مصلحة عامة منه، وباعتباره قائماعلى افكار غيبية غير ثابتة، بالتالي النظر الى الدين بوصفه عائقا امام اي تطور او دور ايجابي في الحياة والمجتمع.

اما الاتجاه الثالث الذي يبينه المؤلف، ويرى اليه كطريق وسط ومعتدل وتجديدي، فهو الذي يقع بين هذين الاتجاهين‏المتطرفين آنفي الذكر. وهو الاتجاه الذي وجد تعبيراته في رواد عصر النهضة الذين اتينا على ذكرهم فيما سبق. فعندهؤلاء المصلحين لا تغيب النظرة النقدية الا انها لا تبلغ حد الانكار.

وهنا، لا بد من الاعتراف بان الدين كان محرضا قويا لامعان النظر في مظاهر الحياة، والكون، وللتفكير، والاجتهاد.وهناك حقيقتان لا مناص من التذكير بهما في هذا المجال:

الاولى: هي ان علم الناس لا يزال على درجات متفاوتة بينهم، وان هناك كثرة كبيرة من الناس لا تني تمكث في اسفل‏السلم المعرفي، وبعضهم في وسطه، ولا تزال الفئة الاولى عاجزة عن فهم ظواهر الطبيعة والكون وسلوك الانسان. وبالتالي،فان وضع هذا السلوك في اطار اخلاقي معقول انما يوفره الدين، ومقاصد الشريعة. ولا حاجة للتاكيد على اهمية هذاالاطار الاخلاقي، لضبط النظام الاجتماعي، وصيانة مصلحة الفرد والجماعة.

الحقيقة الثانية: هي ان العلوم الحديثة اصبحت تفسر وتبين اسباب الكثير الكثير من ظواهر الكون، وسلوك الانسان، وهوامر يطرح اشكالية علاقة الدين بالعلم، بل ويحسمها في الاتجاه الذي يؤكد على ايجابية هذه العلاقة، بحيث تستقيم على‏نحو التكامل والتواصل.

وايا يكن الجدل في الكتاب، وما اثارته موضوعاته من اسئلة اشكالية، تبقى اهميته النقدية حاضرة في منطقة وسط‏ى‏بين الكلام والفلسفة، حيث يتساوى بذلك حد النقد وحد الدفاع عن مقاصد الشريعة، وخصوصا في جانبها الاخلاقي‏التدبيري، ناهيك عن بعدها الايماني كحاجة وجودية للكائن البشري فردا كان او جماعة. الاقتصاد الاسلامي بين الاوهام المزيفة والحقائق العلمية الحلقة الثالثة المشاركون:

؟ د. عباس ميراخور؟ الدكتور كاظم الصدر ؟ الشيخ ابو القاسم مقيمي حاجي

 الخصائص العامة لمبادئ النظام الاقتصادي‏الاسلامي

د. عباس ميراخور

نقله عن الانجليزية: مختار الاسدي المقدمة:

على الرغم من ان الاسلام كان قدم برنامجامتكاملا في كيفية تنظيم المجتمع، وطريقته في قيادة شؤون الافرادوتوجيههم وفق قيمه واعرافه، الا انه لم يطبق تطبيقا كاملا الا لفترة محدودة جدا في بدايات نزول الوحي.

نعم، بدا المسلمون في العقود الحديثة يبدون اهتماما ملحوظا في حرصهم على تطبيق مبادئ الاسلام، ومحاولة تنفيذتعاليمه او وضعها موضع التنفيذ على المستويين الاجتماعي والعالمي.

وعلى هذا الاساس، فان البحث النظري المتعلق بخصوص النظام الاقتصادي الاسلامي، ومقاربته مع نظريات اليوم ذات‏الصلة، يعتبر في مراحله الابتدائية الاولى. اما الذي يجعل الاسلام مختلفا عن الانظمة الفكرية الاخرى، فهي نظرته‏الوحدوية المتكاملة التي ترفض التمييز بين المقدس والمجدف، او بين الديني والدنيوي، والتي تسعى دائما، بل تلح على ان‏تضع جميع عناصره الدينية والدنيوية لتشكيل وحدة عضوية دستورية متكاملة.

ونتيجة هذا الاندماج، لا يستطيع اي باحث موضوعي ان يدرس بعدا خاصا من ابعاد الاسلام وليكن البعد الاقتصادي‏مثلا بمعزل عن معرفته الموضوعية بالابعاد المفاهيمية الاخرى، او احاطته بكامل الاطار الاسلامي. بمعنى انه لا يستطيع‏تاطير اية دائرة من دوائر الاسلام، بعيداعن الاطار الكلي للدين، الذي يلقي بظلاله على الدوائر والابعاد كافة، ويمنحها بعدامفاهيميالا يمكن الفكاك منه باية حال من الاحوال.

اضافة الى ذلك، ان الاسلام كدين، يؤطر، او يشكل علاقة فريدة وملتحمة بين اللّه والانسان والمجتمع والقانون‏المقدس، اي الشريعة المقدسة. وهذه العلاقة تنعكس بشكل مباشر على جميع اعمال وواجهات النظام الاقتصادي واطره‏العامة.

ولذلك، فان اية محاولة لفهم الشؤون الاقتصادية، وكيفية توجيهها في نظام اسلامي، لا بد ان يسبقها فهم كامل لطبيعة هذه‏العلاقة بين اللّه والانسان، او بين الدين والدنيا، اي بين المفاهيم الغيبية والواقع الاجتماعي.

نموذج الانسان((352)) يقوم الاسلام على حقيقة ان اللّه هو خالق وحافظ ومسبب الكون والانسان. ولكن، يبقى الانسان من وجهة نظرالاسلام ووفق نظام الخلق، متفردا في كونه هدفا لهذا الخلق، والحصيلة المركبة والمنتخبة في برنامج الخليقة.

فجسمه مثلا يعكس البعد الكوني الذي هو جوهر جميع الموجودات في العالم، لا سيما وانه يرتبط به من الناحية المادية‏البحتة. كما انه يمتلك البعد الكوني من ناحية الارتباط الروحي والذي يعد بمثابة رحلة ابدية متواصلة وبلا توقف، حيث‏اللّه تعالى الهدف النهائي الذي يوجه هذه الروح ويقودها نحو الخلود. وتعتبر هذه الرحلة برنامجاواضحا وابديا في اطارالتكامل، الذي ينطوي على الجهد الحقيقي لولوج عالم الانجازات الروحي والثقافي وعلى جميع المستويات والابعاد،وصولا الى اللقاء النهائي مع خالق الكون سبحانه وتعالى.

ان ادراك الانسان، والايحاء المستمر في دخيلته، بان كل شي في الكون مرتبط باللّه ومعتمد عليه، تجعلانه يتذكر دائماوبفهم متزامن ان العلاقة بين الانسان وخالقه هي علاقة (العبد مع المعبود)، فالهدف المعلن الوحيد للانسان في مقاربة هذه‏العلاقة هو (العبودية) للّه، من خلال الالتزام بتنفيذ اوامره ونواهيه. هذه العبودية، او الالتزام بها هي السبيل الحقيقي نحو اللّه،وما جاءت الا لمصلحة الانسان نفسه. كما ان مفهوم العبودية هذا، يعني العبادة، وهي الفعل الذي بموجبه يمكن ان يزيل‏الانسان كل العوائق المادية وغير المادية التي تقف في طريقه نحو اللّه.

هذا الموقع المتميز للانسان، والذي يجعله مغايرا لكل المخلوقات الاخرى، يتجلى من حقيقة كون هذا الانسان معيناكخليفة للّه على ارضه. وهذا الاستخلاف يعبر عن الثقة الالهية المقدسة بهذا الانسان والتي تكرمه بتحمل مسؤوليات‏خاصة ومحددة، تجعله مستعدا لتطوير مؤهلاته الخاصة ايضا، ملتحمة مع نضال وكفاح مستمرين لتحقيق نظام اجتماعي‏وقيمي عادل على وجه هذه الارض.

ولانجاز هذه المسؤوليات والالتزامات، التي كلف بها الانسان، منح وسائل مادية وفوق مادية لمساعدته في تحقيق هذاالغرض. اول هذه الوسائل واهمها هي تزويده بفطرة الهية او طبيعة لاهوتية تتشكل من كل من: قوى ادراك، وقدرات تفكيرووعي، وارادة حرة، وقدرة على الكلام والنطق لمعرفة اللّه والوصول الى الخالق الاكبر. ومن خلال التحقيق والارادة‏يستطيع الانسان ان يشخص ويميز اولا، وبعدها يختار بين الحق والباطل، او بين العدل والظلم، او بين الصدق والزيف، اوالحقيقة والوهم، وهكذا. وعلى الرغم من ان قدرة التمييز هذه كانت قد طبعت في روح الانسان وفطرته، لتساعده على‏التذكر، اي تذكر اهدافه والتزاماته، فانه وهب ايضا قدرة على الاستذكار والهداية عن طريق الوحي او الالهام، وعبر منذرين‏ومبشرين ومذكرين، في اشخاص الانبياء والائمة والاولياء احيانا وعن طريق اناس آخرين من بني البشر احيانا، اخرى،ليقوده هؤلاء جميعا الى الصراط المستقيم (طريق الحق والهدى)((353))، كما زود الانسان بمنهج عمل او فهرسة مدروسة‏يتمكن من خلالهما معرفة الاحكام التي سيقف مسؤولا عنها امام خالقه في يوم موعود، ويذكرانه كذلك بنوع العقوبات‏التي سينالها بسبب التجاوزات التي يمكن ان تقترفها يداه، وكذلك الوان الثواب والمكافئات التي سوف يحصل عليها مقابل‏طاعته للّه وعبوديته له سبحانه، والتي سوف ترسم حياته وتحددها في اليوم الاخر.

اذن، فمن خلال الالهام، واشارات المذكرين والمنذرين، يعلم الانسان يقينا ان هناك يوم حساب و(ساعة قيامة). بل،لحظات يقف فيها كل انسان ليهتز ويرتجف، وفي لحظة ذاتية فريدة مع النفس لمواجهة اعماله الصالحة والطالحة، وكيف‏يتحتم عليه قبول نتائجها في ذلك اليوم او تلك الساعة الرهيبة؟ من خلال هذه الوسائل، يستمر تذكير الانسان بالطبيعة الانتقالية المؤقتة لهذه الحياة، والديمومة والخلود للحياة‏الاخرى، وكيف يجب عليه الحرص على نيل السعادة المحدودة في هذه الحياة، والسعادة الخالصة والهناء الخالد في‏الاخرى، وكذلك كيفية معرفة الواجبات واداء المسؤوليات في هذه النشاة، من اجل تحقيق الهدف الكبير في اللاحقة.

واخيرا، فان كل الظواهر المخلوقة في هذا الوجود المادي، انما هي من اجل مصلحة الانسان وخدمته، ومن هنا جاءتزويد الانسان بالوسائل المادية الضرورية لاداء مهماته ومسؤولياته.

ومن خلال الادراك والوعي وامتلاك هذه الوسائل‏تتم‏مساءلة الانسان، لانه وهب القدرة على التمييز بين كل ما هو نافع ومفيد لاستثمار المصادر الطبيعية الى اقصى طاقاتهاالممكنة مثلا، وازالة جميع الموانع والمعوقات المادية التي تحول دون ذلك، وصولا لخدمة الجنس البشري، وتحقيق‏التكامل الكامن المطلوب لبني الانسان في هذا العالم.

لهذا يخلق اللّه الانسان ويحفظه ويقوده، واخيرا يحاكمه على ضوء الاعمال والمسؤوليات التي التزم بها او لم يلتزم.

وما دام قد اتضح الهدف من ايجاد الانسان، وتحددت الوسائل التي يستطيع من خلالها تنفيذ التزاماته الالهية، وما دام‏المنذرين والمذكرين، اي الانبياء والائمة قد جاؤوا لتذكيره باليوم الموعود، اي يوم القيامة، وحددوا الوان العقاب والثواب‏المترتبان على العبادات والطاعات، او بالعكس على العصيان والعدوان. يكون الانسان وضمن ارادته الحرة، واختياره آقادرا تماما على تحديد الطريق الذي يسلكه للوصول الى السعادة الابدية او الشقاء الابدي.

فالاسلام اذن، يصنف الانسان على انه مخلوق مسؤول، وذو تصرف او سلوك غائي بالفطرة، بما في ذلك سلوكه‏الاقتصادي.

وكل ما يفعله او يقوله يحاسب على وفق الهدف او النية الموجودة طبيعيافي سريرته، وهذا يعني ان سلوكه‏يتوجه او يمكن توجيهه على اساس الهدف المرسوم له.

اما الاشياء الموجودة في هذا العالم، بما في ذلك الممتلكات المادية، فكلها وسائل يستطيع من خلالها ان يقترب او يبتعدعن الاهداف النهائية التي يريد تحقيقها. ومن خلال افكاره وممارساته وفطرته، فانه على وعي كامل ومتواصل مع حضوراللّه تعالى، الذي هو (اقرب اليه من حبل‏الوريد(. علما بان هذا الوعي لا يقتصر فقط على صعيد الشؤون الخاصة، بل يمتدويمتد ليشمل جميع تعاملاته وعلاقاته اليومية مع الاخرين.

هذا الادراك الفطري الحاضر ابدا مع الانسان، يعتبر اساسا جوهريا حاسما في الالهام، ويمثل الخوف الدائم، والرقابة‏الدائمة، والحذر الدائم الذي يستشعره الانسان المؤمن، وهو يدرك تماما، بل يعتقد، ان اللّه حاضر وشاهد ورقيب على‏جميع افعاله وحركاته وسكناته، اي في كل تفاصيل علاقته مع نفسه ومع الاخرين. هذا الاحساس يحمل في طياته شعورابان الانسان مسؤول عن جميع افعاله، وانه سوف يحاسب عليها يوم القيامة الموعود، ان خيرا فخير وان شرا فشر.

وهذا،بحدذاته، يمث ل آلة دفاع ذاتي، او (مشعل داخلي) يستطيع الانسان من خلاله ان يميز بين الصحيح والخطا، وبين الوهم‏والحقيقة، وبين المؤقت والدائم، ويستطيع في ضوء ذلك ايضا، الدفاع عن نفسه وتحصينها ضد كل الاغراءات والاغواءات‏التي تستدعيها الغرائز السفلى احيانا.

هذا المنهج التكاملي او السعي المتواصل نحو التكامل، يتهيا من خلال الحرص المستمر على حفظ ورعاية هذا المشعل،الذي يسمى (التقوى) بالمفهوم الاسلامي. وهذا الدفاع الذاتي هو الذي يمكن الانسان من الاطمئنان على حقيقة توفيقه في‏نهاية المطاف.((354)) المجتمع((355)) الهدف الرئيس للاسلام هو بناء نظام اجتماعي عادل ومتين ومتطور يقوم على اساس الاخلاق والقيم، وبنيابة الانسان‏واشرافه على هذه الارض. ومن هنا ينظر الى الفرد والمجتمع على كونهما شريكين لتحقيق هذا الهدف، كما ان موقع النيابة‏او الخلافة وتعهداتها والتزاماتها تعود بالنفع او الضرر على ابناء الجنس البشري كافة، وهم المسؤولون عنها ايضا.

ان الانسانية جمعاء التي تمتلك المسؤولية الكاملة حيال هذا الوضع، والتي تقع عليها مسؤولية ضمان توفير الفرص لكل‏كائن انساني من اجل ان ينتخب خياراته الكامنة، وازالة جميع العوائق التي تحول بينه وبين تحقيق اهدافه المطلقة في حياة‏حرة كريمة، وهذه نظرة شمولية واعية يمكنها ان تحرك قضية وحدة الجنس البشري وصولا للمساواة امام القانون وامام‏الاخرين.

ويؤكد الاسلام، من جهته، بان جميع ابناء الجنس البشري كانوا منحوا نفس الفطرة، او نفس الطبيعة البشرية، وانه يدعودائما ويؤكد ايضا على المساواة المطلقة بين بني الانسان، ويعتبرهم جميعا عبيد اللّه وعياله، وقد وهبوا شكلا كونياموحداوصفات انسانية وخلقية واحدة. كما انه يلغي جميع اسباب التمييز والتفرقة العنصرية بين بني البشر، ولا يعتمد في اي تمييز اذ حصل الا على اساس فعل الخير والفضائل، والانتساب الى اللّه واللّه وحده.

وهذا يعني ان اساس الوحدة البشرية التي تاتي قبال التنوع الواضح والتعددية الملحوظة في دنيا الناس، مشتقة هي‏الاخرى من احدية الخالق وواحديته، اي كونه واحدا احدا.

وهذا المفهوم له بعد ومحور مركزي في الدين الاسلامي تدورحوله المحاور والابعاد الاخرى كافة. وهذا المبدا يؤدي في خاتمته الى القول بان المجتمع الاسلامي مجتمع منفتح،وحدوده هي الانسانية باجمعها وبلا استثناء.

نعم، يستحضر الاسلام الاجتماع البشري كله في وحدة واحده، وبوسطية واعتدال وتوازن، ويقف شاهدا على الجميع،فيما تنحصر خصائصه الرئيسة في الاعتقاد بخالق واحد مطلق، كما يعتبر الاسلام وظيفته الاولى هداية الانسان وتوجيهه‏نحو معاني الخير كلها وتحريم الشر، وان المنتمين اليه حقا يدركون تماما مسؤوليتهم واهدافهم، ويمتلكون القيم الاخلاقية‏الكافية التي تؤهلهم لادراك هذه المسؤولية، والالتزامات المترتبة عليها تجاه اخوانهم في الانسانية فردا فردا من جهة،وتجاه المجتمعات، كل المجتمعات البشرية، من جهة اخرى. وهذا المجتمع هو الذي يشكل، بالنسبة للمؤمن، نواة الاخوة‏الانسانية، التي تدعو وتؤسس لكل القيم الكونية الفاضلة ومعانيها السامية.

ان الاسلام يتعامل مع المجتمعات والشعوب تعاملا خاصا، باعتبارها تمتلك حقوقا وعليها واجبات تختلف عن حقوق‏وواجبات الافراد والمنتسبين اليها، الا ان الجميع جماعات وفرادى مسؤولون عن اعمالهم ويتحملون تبعة النتائج‏المترتبة على عصيانهم او طاعاتهم. كما يطالب الوحي المسلمين النظر والاعتبار بمصائر الامم والشعوب والحضارات التي‏سبقتهم، وينظرون كيف انهم دفعوا ضريبة اعمالهم، وكيف ان بعض التفاصيل الدقيقة في تلك الاعمال كانت سببا او اسبابامهمة لانحطاطهم او رقيهم فعلى المسلمين اخذ العبر من تلك الدروس والاستفادة منها، وان على ابناء الامة المسلمة‏مسؤولية تطوير ونشر الدعوة الاسلامية، والترويج لمبادئ الاسلام وقيمه وفضائله، بل السعي لتطبيق قوانينه ونشرمفاهيمه، هذا اذا ارادوا لامتهم النجاح، ولاهداف دينهم ومثله السامية التطبيق على ارض الواقع.

نعم، وادراكا من الاسلام بان جميع الافراد يوجدون في اجواء ثقافية واجتماعية متباينة، ويخضعون في تشكيل رؤاهم‏وتصوراتهم الى العالم الذي يعيشون فيه وظواهره، وهكذا تصرفاتهم وردود افعالهم، ويتعاطون مع آفاق وآراء الافراد في‏هذه الاجواء او تلك، فانه يعتبر المجتمع الاسلامي غير معذور في انجاز الهدف الالهي المقدس. فالكثير من اولويات اواهتمامات هذ المجتمع تتاتى بسبب الحاجة الى التبادل الثقافي، والتاثير المشترك، واكتساب القيم الاسلامية الاساسية،والعكس صحيح في تمثيل او تنمية شخصية الانسان المسلم.

ان طريقة صياغة الحياة في المجتمع الاسلامي هي التي تشكل السلوك الفردي وتصبغه بنكهتها الخاصة، فالمبادئ‏الاسلامية التي تتعاط‏ى مع تمظهرات الامة المسلمة المستمرة، وتصوغ تصوراتها وديمومتها هي التي تعكس تشابكات‏العلاقة الديالكتيكية (اي الجدلية)، ومتطلباتها النفسية والاجتماعية على مستوى الافراد من جهة، وضرورات النظام‏الاقتصادي والاجتماعي المرسوم من قبل الدين الاسلامي من جهة اخرى.

ان هذا التشابك او التداخل هو الذي يشكل احتياجات الافراد، ومتطلبات ابناء الامة، ويرسم معالم تقديراتهم او قيمهم.نعم، ان هذه الاحتياجات والتطلعات والتشابكات المرسومة في ضوء الاسلام وتعاليمه بالاصل، لها اكبر الاثر، بل الاثرالجوهري في تشكيل سلوك الافراد وتطورهم، بما في ذلك الابعاد والملامح الاقتصادية، وهذا يعني انها تصبها في اطارهاالاسلامي الشمولي في نهاية المطاف. وباختصار، انها تتشكل به ويتشكل بها.

القانون او الشريعة ان الاسلام يشرع القوانين للانسان وفقا لفطرته وطبيعته البشرية، وكذلك وفقا للاستعدادات المجبول عليها في الحالة‏الانسانية، اذ ان الاسلام ينظر الى ضعف الانسان وقدراته المحدودة على الاصعدة كافة، ويتصوره على اساس طبيعته‏البدائية التي خلق فيها كمخلوق ديني، او ذي فطرة دينية، وجد كخليفة لخالقه على هذه الارض، وممثلا لصفات اللّه تعالى،موفرا له جميع الامكانات التي تتطلبها هذه الحقيقة، اي حقيقة النيابة والاستخلاف.

انه ينظر الى الانسان باعتباره يمتلك امكانية التكامل والسمو، ولكنه يتعاط‏ى مع ميول خاصة قد يتماهى معها، بما في‏ذلك بعض الصفات الهابطة الكامنة التي تجعله ينظر الى مستوى ادنى من مستوى انسانيته الراقية. ولذلك يطرح الاسلام‏بالمقابل ان الانسان الذي وهب كل مقومات التكامل، ولكنه وبين فترة واخرى لا يغفل او يتجاهل طبيعته البشرية‏مستحضرا رحلته الدنيوية، باحثا عن التكامل المطلوب، وجاهداعلى ازالة كل العوائق التي تقف للحيلولة دون تنفيذ وظيفته‏الصحيحة وعبقريته الكامنة.

ولكي ينظم الاسلام حياة الانسان في القالب الذي اوجده بسببه خالقه الكريم، فان هذا الانسان رزق حقنات ولقاحات‏مضادة،وعبر صفات كامنة، وقوانين واضحة تعكس التجسيد الصلب الكامل للارادة الالهية، وعبر ممارسات وسلوك خاص‏يمثل القيم الاخلاقية والفضائل التي تمثل ارادته الحرة، والتي من خلالها يستطيع هذا الانسان الفاضل ان يكون مسلماصادقا ويعيش على اساسها حياته الخاصة، اضافة الى حياته الاجتماعية العامة. ان شبكة هذه القيم والاصول والقواعدتسمى (الشريعة)، والمشتقة ايتمولوجيامن كلمة الجذر (الطريق) التي تقود الانسان نحو عيش هادئ مستقر في هذه الحياة،وحياة سعيدة وهانئة في الحياة الاخرى، اي في الاخرة.

ان تاكيد الاسلام على مبدا القيم الاخلاقية والجمالية للاسرة البشرية يشكل الاساس والقاعدة الاولى للاعتقاد الاصيل،حيث لا يرى الاسلام اي تمييز ولا يضع اي فاصل بين الروحي والمادي، وبين المقدس والدنيوي، وبين الديني والعلماني،وعلى جميع الصعد التي تبدو متباعدة او منفصلة في ظاهرها.

نعم، ان الاسلام يسعى الى الاستجابة لكل احتياجات الانسان وميوله ورغباته من خلال اعتناق هذا الانسان لجميع‏مبادئ الشريعية الاسلامية. فالحياة واحدة وغير قابلة للقسمة او للتجزئة. ولذلك، فان قوانين الشريعة وقواعدها لا تسري‏على الحياة الاقتصادية اقل من سريانها على الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية، وبالتالي فان هذه القواعد تتحكم‏وتقرر وتنظم جميع مناحي الحياة. فمن خلال تقبل الفرد وانسجامه مع قوانين الشريعة هذه، فانه لا يذوب نفسه في الامة‏والمجتمع وحسب، ولكنه يحلق مع المنظومة العليا للحقيقة، حيث المعاني الروحية ومركز الالهام الالهي. كما ان اي انتهاك‏لهذه القواعد سيكون له اثر سلبي على الحياة برمتها، سواء كانت على مستوى الفرد ام على مستوى الجماعة.

ولما كان الوحي الالهي وحدة متكاملة لا تتجزا، فان الشريعة هي الهادية للعمل الانساني الذي يقود جميع الاوجه على‏صعيد الحياة الانسانية. ومن هنا، فانها (اي الشريعة) تقرر، بل تطهر وتعط‏ي الشرعية الدينية لجميع الاعمال والنشاطات‏التي يمكن ان تبدو ارضية او دنيوية.((356)) هذه الارضية للحياة المثالية هي التي تفعل الف‏هم المطلوب للارادة الالهية‏وتضعها موضع التنفيذ، وذلك عبر ايجاد موازنة دقيقة يمكن من خلالها قياس الاعمال وفق استجابتها لهذه الارادة المقدسة.ومن هنا فان جميع الاعمال الانسانية سوف تقيم على ضوء الموازين الدينية ومنظومة القيم الالهية، التي تصنفها ضمن‏خمسة جداول هي: الواجبة، والمستحبة، والمندوبة او المباحة، والمكروهة، والمحرمة. ومن خلال هذا الميزان يمكن تقييم‏الاعمال الانسانية، وعندها يستطيع الانسان التمييز بين الاعمال التي تؤدي الى (الطريق المستقيم)، وتلك الاخرى التي‏تقود الى التيه والضلال. ومن خلال الحرية الممنوحة لهذا الانسان يمكن ان يختار ايا من الطريقين((357)).

هذا وتتالف الشريعة من قوانين دستورية وقواعد موضوعة طبقا لقدرة الفرد المسلم، والتي بامكانها ان تقود او توجه‏شؤونهم الاجتماعية. ويعتبر القرآن الكريم الاساس او المصدر الرئيس للتشريع، والذي تعتبر مركزيته في حياة المجتمع‏الاسلامي محورية، وليست بحاجة الى اية تاكيدات. فسوره الكريمة تشكل النسيج الكامل الذي تصاغ حياة الفرد المسلم‏على اساسه، كما ان آياته تمثل خيوط هذا النسيج الذي منه تحاك روح وجوهر هذا الفرد. ويتضمن هذا النسيج جميع‏القواعد الدستورية الضرورية للشريعة التي بامكانها هداية الجنس البشري باجمعه، وليس المسلمون وحدهم. اي ان هذاالدستور يتضمن العديد من التشريعات الكونية التي تحتاج الى بعض التوضحيات قبل ان توضع كتشريعات وقواعد هداية‏مثالية للفعل الانساني، هذه التوضيحات او التطبيقات كانت قدمت كجزء من السيرة العملية النبوية من قبل النبي (ص)، الذي بصمت ايام حياته افضل واهم تجربة حياتية اسلامية في فترة تطبيقه لاحكام الاسلام في المدينة، والتي‏جاءت تطبيقا واقعيالهذه الشريعة. فقد كان ( القائد الروحي والمنظم والموجه للنظام الاسلامي في تلك الفترة.

ان الوحي الذي انزل عليه، والذي كان ( تطبيقاكاملا لاوامره ونواهيه، لم يترك شيئا مهمابدون توجيه او رعاية او الفات‏نظر.

كما ان المبادئ الملهمة في القرآن الكريم، كانت وضحت وطبقت، وتم تبنيها وتجسيدها من قبل النبي (ص) نفسه،والذي اعتبر في حينها مثال الانسان الكامل او الشخصية الانسانية الكاملة، ومثال النموذج والقدوة وال (اسوة الحسنة)للمجتمع المسلم.

لقد ساهم النبي (ص) في صياغة الحياة الاجتماعية بكامل الامكانات المتاحة، ورسم كيفية صناعة الواقع بجميع ابعاده،وكيف ان الحياة يمكن ان تنسج وتقام على اساس الوحي، ومحورية البعد الروحي والاخلاقي. وكانت مهمته الاولى (مكرسة بالاساس لبناء المجتمع المسلم، والنموذج، كما جاءت المفاهيم القرآنية وفقا لارادة اللّه من جهة، وواجبات‏الانسان من جهة اخرى. وكانت شخصيته ( المتمثلة في اعماله واقواله، والتي حملت معها نكهة الوحي وكانت لصيقة به، قدتركت بصماتها الواضحة على ادراك ووعي الفرد المسلم اينما حل ورحل.

وهنا، يمكن القول: ان افعال النبي واقواله تعتبر بعد القرآن الكريم المصدر الاهم للتشريع، والاساس الملهم الاخر للحياة‏الاسلامية والفكر الاسلامي.

ان اتساع او توسيع القواعد التنظيمية للتشريع الاسلامي وامتدادها الى الواقع الجديد او المستحدث، والناشئة عن نمووتطور المجتمع المسلم، كانت تممت بمساعدة الاجماع في الامة الاسلامية والقياس او الاجتهاد، والمشتقة من دراسة‏وتحليل المعايير بين المشاكل المستحدثة وتلك المشابهة لها والموجودة في المصادر الرئيسة الاصلية، والتي من قراءتهاوتحليلها يمكن للمتخصصين في علوم الشريعة ان يستنبطوا احكامهم المستقلة ويطبقونها على المسائل المستحدثة. هذه‏المصادر الخمسة اذن، هي التي تشكل المكونات الاساسية للشريعة الاسلامية.((358)) وبما ان الاسلام يعتمد في مبداه الاساسي على التوحيد، وانه لا شي يعلو على قوة القيم والاخلاق الكريمة الفاضلة،فانه يوفر مبدا المساواة امام القانون، كما يوفر عناية متكافئة للجميع من قبله، فضلا عن حرصه لان يحصل الجميع على‏فرص متكافئة تحت ظله ولكل فرد من افراد المجتمع وبدون اي تمييز، والفكرة المطروحة هنا هي لتاكيد اكبر قدر من‏الحرية، وتحديدا حرية العمل، ولكل فرد على حدة، ولكن في اطار ما تقره الشريعة او تعترف بشرعيته. فلكل شخص‏مطلق الحرية في عمل اي شي شريطة الا تمس هذه الحرية او تنتهك حريات الاخرين، وعلى صعيد الفرد والمجتمع علی ‏حد سواء.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية