الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

ان الوجه التحليلي المهم لاي نظام اقتصادي، له علاقة مباشرة ومتينة مع البناء التحريضي المشجع والمحفز الذي يتصف‏به هذا النظام، ويسمى نظام المحفزات. الهدف من مناقشة هذا الوجه، هو لتقرير ما اذا كان الفرد في ظل هذا النظام‏الاقتصادي او ذاك يجد او لا يجد منفعة ما في اتباع او عدم اتباع هذه القواعد او الاصول المطروحة من قبل هذا النظام اوذاك. فاذا كان الجواب بنعم، فان النظام عموما حينئذ سوف يعمل وفق تلك الاصول. واذا كانت القواعد التحفيزية غيرمنسجمة مع النظام، فان الانفصال عن النظام سيحصل لا محالة.

الافكار المطروحة سابقا كانت وصفت بعض المفاتيح الاخلاقية للنظام الاسلامي، ومعها بعض قواعد السلوك‏الاخلاقي، وجنبا الى جنب مع بعض الاعتبارات المؤثرة في مسالة التحفيز والتشجيع هذه، والذي يساهم الاسلام في‏زرعها في نفوس اتباعه.

ان الدوافع والمحفزات الموجودة في النظام الاسلامي تجد جذورها في كل الثوابت والاسس العقيدية للايمان بالاسلام،والتي تعتبر الالتزام بالقواعد والاصول الاسلامية ابتداء، بابا رئيسا من ابواب خدمة الفرد في هذه الدنيا وفي الاخرة، وعلى‏الصعيدين الفردي والاجتماعي عموما.

لقد حث الاسلام على تثبيت هذه القواعد، دون ان يتجاهل او يهمل دوافع الربح الشخصي للفرد او مصلحته الذاتية.

في‏الوقت نفسه يزود الاسلام اتباعه بجميع السبل والوسائل التي تجعل الفرد يدافع من خلالها عن الثروة، ويستشعر فائدتهاومنفعتها من جهة، وآثار اهمالها او تجاهلها في تدمير المجتمع والمصالح الاجتماعية من جهة اخرى.

وهناك عامل مهم من عوامل التحفيز في النظام الاسلامي، يعتمد على مفهوم خاص اسمه مفهوم (البركة)، ويقوم على‏الدافع المادي للفرد، وحثه على اتباع سلوك اخلاقي صحيح يصب في مصلحته في نهاية المطاف. وهذا الفهم يشير الى‏بركة مادية ولكنها غير منظورة، والتي يستطيع كل انسان ان يتحسس نتائجها، لا سيما الانسان المؤمن الذي يتبع سلوكااخلاقيا معينا، يقوم على الايمان والتقوى. هذا الاحساس يدفع الانسان المؤمن لمواصلة ذلك السلوك، وخاصة ذلك الذي‏يمكن تسميته بالسلوك الاقتصادي اذا صح التعبير.

هذا السلوك او هذا المفهوم، يجعل السلوك الايماني يقود السلوك الاقتصادي عبر ممارسة وفعل يجعل المؤمن يسعى‏لارضاء اللّه، والذي يقود بدوره الى زيادة عائدية الربح الاقتصادي، بل مضاعفته.

وكلما كان السلوك الاخلاقي اقرب الى اللّه، كلما كان حضور البركة والاحساس بها اكبر. هذا الفهم، ايضا، يؤكد بان‏زيادة الثروة ياتي عبر ما يسمى (الانفاق في سبيل اللّه) دون توقع اجر مباشر من المستلم، وهذا سوف لا يقلل من كمية‏الثروة، بل يزيدها ويبارك فيها.

هذا اللون من الانفاق يقود فعلا الى مضاعفة ثروة الواهب، ولا ينتقص من اصلها اصلا، كما ان هذا الفهم يؤسس لعلاقة‏ايجابية متبادلة بين اخلاقية النظام وتوفيقاته. وهذا ما يشجع الانسان المسلم الى ان يذهب ابعد من العلاقة بين الوفاءبالتزامات الشريعة واداء الواجبات، وانما الى ما يؤدي الى رضوان اللّه تعالى والتقرب اليه، والعكس بالعكس. بمعنى، ان‏السلوك غير الديني وغير الاخلاقي في الحصول على الثروة سوف يسرق هذه الثروة ويحرم حاملها من البركة.

وهذه المسالة لا تتعلق بالفرد وحده وسلوكه الاخلاقي، وانما بسلوك الامة عموما وممارسات ابنائها. نعم، ياتي توفيق‏المجتمع وازدهار اقتصاده مواكبا لمقدار حرص هذا المجتمع على اداء الرسالة، اي رسالة الدين على اساس القواعدالشرعية والالتزام بقوانين الشريعة، وعلى العكس ربما يرحل هذا التوفيق او يضمحل اذا ذابت الاخلاق او ميعت، وجاءت‏التطبيقات خلاف ما تريده الشريعة.

وبما ان نتائج وفاعلية البركة تاتي ملحوظة في اغلب الاحيان، فان ذلك يحفظ دافع الانفاق، ويزيد من التزام المنفقين‏بقواعد الشريعة وحرصهم على تاديتها على اكمل وجه.((378)) سادسا العدالة الاقتصادية ان الاقتصاد العادل هو جزء لا يتجزا من الاهدف المركزية للاسلام، التي يسعى الى تحقيقها المجتمع الاسلامي‏الاخلاقي المعافى في اطار المجتمع البشري عموما. وان الاساس في جميع قواعد السلوك في الاسلام يعتمد جوهريا على‏مفهوم العدالة الذي يدعو السلوك البشري، بصرف النظر عن محتواه وفهرسته، الى وجوب الالتزام بالضوابط المثبتة في‏الشريعة، وصولا لتحقيق رسالة الاسلام في تطبيق مفهوم العدالة بين بني البشر كافة.

ويعتبر الاسلام الاقتصاد الذي يلتزم افراده واتباعه بقواعد السلوك المذكورة آنفا، بمثابة شركة مساهمة او مشروع موفق‏وهادف، يحصل فيه جميع الاعضاء المساهمين على حصتهم العادلة من الريع او الربح. مثل هذا الاقتصاد يتم تصويره‏كوحدة واحدة لا يمكن ان تتفاوت فيها مستويات الاقتصاد الاجمالي الضخم للحد الذي يقود الى التمزق الاجتماعي‏وتفتيت الامة، بل العكس هو الصحيح.

اما مكونات العدالة الاقتصادية في المجتمع الاسلامي فهي:

1- المساواة في الحرية، وتوفير فرص العمل الى جميع اعضاء المجتمع بلحاظ استثمار الموارد الطبيعية والاستفادة‏منها.

2- العدالة المتبادلة (ب‏اپ‏ث‏ثج‏پ اپ‏ث‏اآپ‏پ‏آث‏آا )((379)) 2 العدالة الموزعة.

ان هذه المكونات ياتي تصنيفها في اطار الشريعة. ففي هذا المفهوم، يمكن ان يكون معنى الحرية هو عدم حرمان اي‏شخص من قبل الاخرين باستثمار قابلياته الابداعية للاستفادة من مصادر الطبيعة المندوبة في الشريعة، من اجل تقديم‏الخدمة الى جميع افراد المجتمع، وما يعود اليهم بالنفع العام. اما فرص العمل، فهي من ناحية اخرى تمثل استثمارا جيداومفضلا للظروف، تجعل الفرد قادرا على اقتناص فرصة ما او في دائرة محاولة اقتناص مثل هذه الفرصة، اما مسالة النجاح‏او الفشل فتعتمد على جهود الفرد وقدراته وقابلياته.

ان نوع الفرصة يجب ان يؤمن لجميع الافراد بشكل متكافئ، ومن قبل الجميع. فتكافؤ الفرص هو الاخر لا ينبغي ان‏يغط‏ي مسالة حرية الوصول الى مصادر الثروة بتكافؤ ايضا وحسب، بل ربما يمتد الى التكنولوجيا والتربية، وكل ما له صلة‏بالمؤثرات البيئية. ان قاعدة المساواة وتكافؤ الفرص هذه، فضلا عن حرية الوصول الى الموارد الطبيعية كافة، انما هي‏مسالة من صميم المفهوم الاسلامي، لان الاسلام ينظر الى هذه الموارد على انها ليست من ابداع البشر او جهدهم، وانما هي‏هبة اللّه لعبيده من الناس، وهي منحة لهم جميعامن فضله واحسانه. وعليه، فان حريتهم في استثمارها، وتوفير الفرص‏المتكافئة لهم في تحقيق ذلك، يجب ان تقوم على اساس المساواة الكاملة بين الجميع، وبدون استثناء او تمييز.

واذا لم تكن فرص استثمار الموارد الطبيعية هذه متوفرة لبعض افراد المجتمع، لاسباب طبيعية او بسبب بعض الظروف، فان‏حقهم المشروع في استثمارها يبقى قائما ، وليس لاحد ان يحرمهم من هذا الحق اذا جاءت الظروف المؤاتية. بل، يجب‏تذكيرهم واشعارهم، بين فترة واخرى، بان هذا من حقهم، الا اذا توفر آخرون قادرون على استثمار تلك الموارد بشكل‏افضل ومنفعة اكبر واعم.

العدالة الاخرى تشير الى العدالة المتبادلة، وتقوم هذه الفكرة على القدرة على مزج العمل المبدع مع المصادر الطبيعية‏لانتاج شي جديد يؤدي الى تملك المبدع لثمار عمله وانتاجه، سواء كان هذا الابداع احياء لارض ام انتاجا لشي، حيث‏يجري تبادل المنفعة بين الطرفين والمساهمة في المزيد. ومن اجل ان يحدث هذا التبادل او هذه المقايضة على اسس‏عادلة، يضع الاسلام تاكيدات كبيرة على الاهتمام بالسوق، ولكن وفق الاطر الاخلاقية القائمة على العدل، وعلى هذين‏العاملين لتحقيق نشاط اكفا واتم.

ومن اجل تحقيق هذه العدالة المتبادلة، وضعت الشريعة شبكة من القواعد الاخلاقية، والقيمية للسلوك الانساني، تستطيع ان‏تغط‏ي، وبادق‏التفاصيل، سلوك جميع المساهمين في السوق. الا ان استيعاب هذه القيم الاخلاقية يستدعي المزيد من‏التوعية على الالتزام، وتاكيد الحرص على التطبيق من قبل المساهمين قبل ولوجهم عالم السوق ومداخلاته.

ان السوق القائمة على هذه المنظومة من القيم، والتي تتحرك جميعها لايجاد او توفير اسس هذه العدالة المشتركة، تجعل‏الاسعار، بالنسبة للمنتج والمستهلك، عادلة ومتوازية ولا تلحق اي اذى او حيف لاي منهما. وعلى خلاف المفهوم العلماني(للسعر المتوازن)، الذي يبقى بحاجة الى تعريف عملي واضح، يشير الاسلام، من هذا الجانب، الى ضرورة مراعاة الجهودالمبذولة على صعيد الانتاج والتوزيع، وتداخل القوى الاقتصادية المؤثرة في حركة السوق، والتي ترتكز دائما على السلوك‏الاخلاقي او الممارسات الاخلاقية المتاثرة بقواعد الشريعة، والتوصيات المتلاحقة على ضرورة تنفيذها والالتزام بها من‏قبل جميع المساهمين في هذه الحركة.

ان القواعد المتحكمة بالتبادل في السوق تغط‏ي جميع اصول الشريعة المساوقة لعوامل العرض والطلب، والانتاج‏والتوزيع قبل ادخالها السوق. وبما ان هذه قائمة على الممارسات الاخلاقية المندوبة في الشريعة، وعلى مستوى البائعين‏والمشترين وحركة الاسعار والمزايدات، فانها بعيدة كل البعد عن كل فعل تحرمه الشريعة ولا ترضى به.((380)) وهذا يعني‏ان اى خلل في حركة السوق يشير الى وجود عامل غير شرعي يتحرك سرا، وهو ما لا ترضى به الشريعة.

ان القواعد التي تلحظ مسائل العرض والطلب لا تتحكم فقط بما يمكن عرضه او طلبه من المنتوجات، وانما تنظر الى‏ما هو ابعد من هذه الظاهرة، اي الى الجذور والاسباب الاصلية المؤدية الى ظاهرة العرض والطلب. اذ ان الطلب وحده ليس‏هو الذي يحدد شرعية المنتوج او عرضه، ولا العرض وحده، ولا حتى طريقة العرض باعتبارها مسموح بها في الشريعة.نعم، ان الوسائل التي يتم بموجبها البيع والشراء، والتي تؤثر عادة على الطلب مثلا يجب ملاحظتها، ومثلها طرق الانتاج‏والتي يجب ان تكون لها اصول معروفة ومحددة في الشريعة، ولا يجوز التفريط باى من هذه الضوابط والمحددات.

ان القواعد المتحكمة بسلوك المساهمين في السوق هي الاخرى يجب مراعاتها لضمان العدالة المتبادلة. ان حرية العقودوالالتزام بانجازها تستدعي من الجماعات المساهمة تنفيذ صفقاتهم او معاملاتهم التجارية في عدم التدخل في العرض قبل‏دخولهم السوق، مع تواصل مستمر بين البائعين والمشترين، ومراعاة الامانة والشرف عند التعامل، مع احاطة كاملة في كل‏ما يتعلق بالنوعية والكمية وعوامل تحديد الاسعار لكل من البائع والمشتري قبل الدخول في المحادثات والمزايدات،فضلا عن نظرة فاحصة ودقيقة للاوزان والمعايير الموضوعة لقواعد البيع والشراء.

من ناحية اخرى، ان جميع السلوكيات غير الشرعية ممنوعة وغير مشروعة، مثل: الاحتيال، والنصب، والخداع،واجراءات الاحتكار، والتحالفات المشبوهة بجميع اشكالها، وخاصة بين البائعين والمشترين، والانتاج المغط‏ى بالسوق‏السوداء، وعمليات المضاربة الخادعة، والادخار غير المشروع، والتعمد في رفع الاسعار خلاف نية البيع، كلها ممنوعة‏ومحرمة شرعا.

باختصار، ان اي شكل من اشكال السلوك المؤدي الى امتلاك غير مشروع للثروة، بدون النظر الى مقدار الجهد المبذول،وفي اطار تكافؤ الفرص ممنوع منعا باتا. وهذا يعني ان نمط السوق الذي تصان فيه الحقوق، وتراعى فيه الضوابط، وتحفظ‏فيه العدالة والاسعار المتوازنة، ويتكافا فيه البائعون والمشترون امام القوانين، ليس في اطار قيم العدالة وحدها، انما يجري‏في المزايدات النزيهة، وعدالة الاجراءات المتبعة. وهذه كلها تؤدي الى صياغة الانسان المتشرع، فضلا عن السوق المحترم‏المسؤول.

ان تاكيد الاسلام على السلوك الاخلاقي والعادل في دائرة السوق يبقى واضحا وساري المفعول. فالمنتج او رجل‏الاعمال الذي ينسجم سلوكه مع القواعد الاسلامية، يمكن ان يقال عنه انه مثل الانبياء والشهداء والصديقين. انه يوضع مع‏مرتبة الانبياء، لانه كالانبياء في اتباع طريق العدالة، وانه مثل الشهداء، لانه يقاتل مثلهم بعدة ثقيلة في طريق الوفاءوالفضيلة، وانه مثل الصديقين اتباع اللّه، لانه مثل هؤلاء مرابط في طريق اللّه باصرار وعزم ثابت واكيد.

والاسلام يدعو اتباعه الى الذهاب الى ابعد مما في قواعد الشريعة اثناء تعاملهم في السوق، اذ عليهم ان يفيضوا احساناعلى الاخرين، ويجعلوا من انفسهم رعاة وحراسا للعدالة، ويقفوا مخاصمين للظلم، فالاحسان يشير الى ما هو ابعد من‏العدالة واكثر منها، اذ هو مبادرة من الانسان نفسه لمساعدة الاخرين. وبذلك فانه اي الاحسان يختلف عن العدالة التي‏تصف حدود الانانية فقط ولا تتعداها. فبينما تدعو العدالة الى تحديد الانانية وتضع قيودا عليها، يقف الاحسان في درجة‏اجل وارفع.

اضافة الى ذلك، ان المساهمين في السوق ليسوا فقط مسؤولين عن تصرفاتهم الخاصة بهم، وانما هم ملتزمون في‏ترويج فضيلة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمعنى الامر بالعمل الصالح الشريف ومقارعة العمل الظالم الدني، اي انهم‏مسؤولون عن تصرفات وممارسات اخوانهم الاخرين في السوق، او يفترض فيهم ان يكونوا هكذا. ويفترض الاسلام في‏اتباعه ان احدهم اذا راى شخصا يرتكب ظلما او يمارس اجحافا بحق شخص ثالث، وتلكا عن دفع هذا الظلم والاجحاف‏عنه، فانه يصبح شريكا في هذا الظلم والاجحاف. واذا قصر الانسان عن اداء الاحسان، ولم يحاول دفع الضرر عن اخيه،فانه يعدشريكافي العدوان والضرر وربما داعما له.

ورغم وجود اجراءات السلطة القهرية لتصحيح الاعمال الخاطئة في السوق وبشكل شرعي، لكن يبقى دافع الردع الذاتي‏ورقابة النفس والارادة الخاصة افضل من ذلك، كما ان اي تدخ ل في عمليات السوق كسقف الاسعار، اي (التسعيرة)،والتحكم بها من قبل الافراد يعتبر عدوانا وتجاوزاوعملا مخلا بالعدالة، بل ذنبا واثما يعاقب عليه الانسان اخرويا ان لم‏يكن دنيويا.

ان الاستجابة لقواعد السلوك السوقي الذي اوصت به الشريعة، وتطبيقات المسلمين له، هو الذي قادهم في الحقبة‏الاولى من تاريخهم لبناء الاسواق على هيئة (البازار) اي السوق المركزي، الذي يبدو متشابها في عموم العالم الاسلامي‏اليوم، الامر الذي شجع المراقبين على انتهاج نفس خصائصه الملتزمة باحكام الدين والشريعة طبعا.((381)) عمليا ان الاسواق المركزية كانت شيدت لضمان اكبر قدر ممكن من الانسجام مع قواعد الشريعة. وكل قطعة من السوق‏مخصصة لنوع خاص من الانتاج، ولا يلاحظ في الاسعار الااختلاف بسيط بين هذا الجزء من السوق والجزء الذي يليه.نقابة التجار تحدد شكل الرقابة الذاتية، او التنظيم الذاتي بين كل انواع الاعمال وطرق التجارة بها. بالاضافة الى ذلك تجري‏مراقبة السوق ومقدار انسجامها مع قواعد الشريعة من قبل مشرفين متخصصين يطلق عليهم اسم (محتسبين) ويجري‏تعيينهم من قبل قضاة محليين.

لسوء الحظ، ان مؤسسة السوق المركزي (البازار) لم تتوف ر لها فرصة التطور والنموللاستجابة لكل متطلبات السوق‏الاقتصادية النامية والمتطو رة، كما لم تستجب الى التعقيدات الحاصلة في العلاقات الاقتصادية. فالاسواق الموجودة حاليافي العديد من اجزاء العالم الاسلامي، ما زالت تحافظ على طبيعتها المادية التقليدية غير المتطورة، فيما يبلغ عمر معظمهاقرون مديدة، ولم يجر عليها اي توسيع، وتفتقد الى خصائص العمران الاسلامية ومتطلبات السوق العملية.((382)) ان آخر مكونات العدالة الاقتصادية الاسلامية، كعدالة التوزيع مثلا، بقيت تتصف بميكانيكية محددة، تصالحت خلالهاالحرية المتكافئة والمساواة، ولكن دون توفر الحد الادنى من وسائل معاقبة خرق او انتهاك لاي منهما.

وكلما كان نمط توزيع المصادر الطبيعية عادلا، وطريق الوصول اليها كذلك.. وكلما كانت فرص استثمارها والاستفادة منهامضمونة، كانت دعاوى المساواة على قواعد المكافت والجهد عادلة هي الاخرى. كما ان تقديم القضايا الاخلاقية، في‏الامتلاك تنطلق من مبدا المساواة المنتزع مباشرة‏من الجهود والانجازات الانسانية.

اما اسس الملكية الخاصة في الاسلام فهي:

ا الثروة الناشئة عن القدرة الشخصية والجهد الخاص، وتشمل: الثروة المادية المصنعة او المحاز عليها من المصادرالطبيعية، والتي يضاف اليها المهارات الشخصية، الامكانية، التقنية، الدخل الناتج عن الراسمال الخاص، الممتلكات الماخوذة‏بالتبادل او عبر الانتاج الخاص، وجهد المالك كذلك.

ب- الملكية المنقولة قانونيا من قبل المنتج الى شخص آخر.

ج- الملكية المنقولة عبر الميراث من قبل المنتج مباشرة او غيره.

والقواعد المتعلقة بعدالة التوزيع تعمل فقط من خلال الملكيتين ب و ج.

ان مزاعم الحصول على الحرية والفرص المتكافئة حيثما كان العمل منجزا لانتاج الثروة، فان حصاد الناس المختلفين‏سوف يكون متباينابشكل كبير، سواء كان على مستوى النوعية او الكمية. فالمساواة تتطلب تكافؤا مع الانتاجية، اما اذااختلفت فسوف يستلم الناس المختلفين مكافت مختلفة.وبذلك، فان الابتداء من المساواة في الحرية، وسهولة اقتناص‏الفرص للوصول الى الموارد الطبيعية، ربما يكون سببا من اسباب اختلال الفرص الذي قد يقود الى اختلاف النوعية وتباين‏الانتاج.

اضافة الى ذلك، ان حصة المصادر الطبيعية الناشئة عن عمليات السوق سوف تعكس التوزيع الاولي للثروة، وجنبا الى‏جنب مع بناء السوق. واذا زعمنا ان كلا من العمليات السوقية وبناء السوق عادلة، فلن يكون هناك سبب منطقي للزعم بان‏حصيلة السوق بنفسها ستؤدي الى توزيع متساو للثروة.

تاسيسا على ذلك، فان جميع النتائج، او معظمها، ستكون غير متساوية، لكونها وجدت بشكل غير منصف، ولهامساهمات جيلية اي من جيل الى جيل متداخلة.

وهنا تاتي آلية التوزيع في العدالة الاقتصادية الاسلامية، ساعية الى موازنة او تعديل خلل المساواة الناتج عن خلل‏النوعية او بالعكس. وعلى خلاف المساواة المزعومة، فان الاسلام يميز بين الدعاوى القائمة على تكافؤ الفرص والحرية،وغيرها الناشئة عن سهولة الحصول على المصادر الطبيعية، وكذلك بين درجات ومقادير اهلية الافراد وتفاوت قابلياتهم‏في اقتناص الحرية والفرص، واخيرا قدرتهم على حيازة الملكية ابتداء ومثال ذلك: مبادئ الاختلاف في حيازتهم للحقوق‏الخاصة للملكية.

وهذا يعني ان الاسلام يميز سلفا بين الحقوق التي يحصل عليها الاقل قدرة على التملك، وغيرهم الذين يمتلكون‏قدرات اكبر وفرص اوفر لانتاج ثروة اعظم.((383)) هذا الحق كان له الزعم الاول في الثروة الفائضة الناتجة عن جهودالافراد. وهناك ضرائب اخرى متباينة مثل: (الزكاة، الخمس العشر، الخراج، الصدقة، النفقة، وغيرها...) كلها تفرض من اجل‏علاج هذا الخلل في الحقوق.

ان دفع مثل هذه الضرائب لا يعد احسانا، لان الاحسان في معناه العميق هو تقديم الانتاج والخدمة والمنفعة، او الفضل‏للاخرين وبدافع مساعدتهم فقط، وهو يختلف جوهريا عن مفهوم العدالة. اذ ان دفع الضرائب او الفرائض في الاسلام يعتبرتقديم حق الاخرين في مال المالك او ثروته واجبا، بمعنى انه يعد التزاما لازما لا بد من ادائه للاخرين.

وللمزيد من التاكيد، فان الاسلام يحرض على الاحسان، اضافة الى الواجبات الالزامية، بل فوقها وقبلها. الا ان طبيعة‏هذه الضرائب، اي دفع الحقوق المستحقة للاخرين والكامنة في اموال وثروات المالكين الاغنياء، يعتبر واجباشرعياواخلاقيا (وفي اموالهم حق للسائل والمحروم) (المعارج: 24).

اما التلكؤ والاهتزاز في هذا الالتزام، اي عدم الوفاء به، فهو السبب الرئيس الذي يقود على سوء توزيع الثروة، ويعتبره‏الاسلام ايضا السبب الرئيس او العلة الرئيسة للفقر والحرمان.

ويؤكد الاسلام بشكل لا لبس فيه بان الفقر ليس ناتجا عن ندرة او قلة المصادر الطبيعية، وليس بسبب الحاجة الى‏التزامن الصحيح بين شكل الانتاج وعلاقات التوزيع، وانما يعتبره نتيجة طبيعية للتبذير، والاسراف، وتبديد الثروة عبثا،وكذلك بسبب عدم دفع الضرائب المستحقة في اموال الاغنياء، والتي هي في الاساس حق طبيعي للناس الاقل قدرة اوقابلية على العمل في المجتمع.

هذا الموقف يوضح جليا في قول امير المؤمنين على بن ابي طالب (: (ان اللّه فرض على الاغنياء في اموالهم بقدر مايكفي فقراءهم، وان جاعوا وعروا وجهدوا فبمنع الاغنياء)((384)) .

وهذا هو السبب الذي يجعل التبذير، وتبديد الثروة، والاسراف، والاستهلاك العالي، مداناوظالما، لا سيما اذا جاء مرفقااو متزامنا مع الفقر الذي بالامكان تخفيفه اذا تم علاج هذه (الامراض).

ففي اخلاقيات التملك عموما يحرص الاسلام على ان يكون الافراد في مستوى متساو او عند حد متقارب في مستوى‏المعيشة. وعند هذا الحرص الذي يتطلب قناعة الافراد طبعا، بانهم على درجة مقبولة من المساواة والعدالة، يناشد الاسلام‏رفعهم الى هذا المستوى من الرضا، قبل الوصول الى مسالة الاحسان التي يسعى الى الوصول اليها بطبيعة الحال.

ومن اجل ايجاد وسائل وسبل لتوزيع ونقل الثروة الى الجيل القادم، اي تفتيتها، وضع الاسلام، بل اسس قواعد عامة في‏مسالة الميراث من اجل تفتيت وتوزيع الثروة المكتنزة وسحبها من مالكية صاحبها. ويعتمد هذا التاسيس على مبدا مهم‏مفاده ان حق صاحب الثروة ينتهي بموته. اما قبل وفاته فله ان يوصي بثروته كما يرغب، فهو محفوظ في الاسلام، ولكنه‏محدد بذلك، لكونه لا يستطيع ان يوصي باكثر من الثلث، اي ثلث ممتلكاته لمن يشاء.

المحور الرئيس في نظام الميراث محدد بضوابط الزامية دقيقة، ويعتبر تنفيذها في ضوء الشريعة، واجبات محترمة‏لازمة التنفيذ لحماية ودعم المرضى الذين هم بحاجة الى علاج دائم مثلا، وهذه تعكس قاعدة اخرى ملزمة تفرض على‏الانسان المساهمة في اعالة اقربائه من المحتاجين والمعوزين، والذي تضع الشريعة لهم قاعدة اخرى توضح حقه للوصية‏لهم بجزء من تركته.

ان الاساس الاول لقانون الميراث في الاسلام هو ما جاء في القرآن، حيث يحدد وبشكل واضح وجلى الضوابط الدقيقة‏التي يتم بموجبها توزيع التركة على الورثة،((385)) ولا يوجد هناك تفضيل او تمييز بين الورثة في اطار استحقاقهم‏للميراث.

فالرجال والنساء جميعهم يستحقون جزءا من التركة، وان كانت حصة النساء هي نصف حصة الرجال في اطارالحكم الشرعي المعروف (يوصيكم اللّه في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) (النساء: 11). وان كان هذا التقسيم يبدو في‏ظاهره مجحفا، او قاعدة تمييزية واضحة، الاانها في الحقيقة تاخذ بنظر الاعتبار كون الذكر هو المسؤول عن توفيرمستلزمات العائلة واحتياجاتها، اذ انها تقع على الزوج وليس على الزوجة. ورغم ذلك، وكما يحصل دائما، فان للزوجة‏دخل اكبر وثروة اعظم (يمكن ان تحصل عليها من عملها او حصتها من ميراث ابيها او اخيها او اقربائها)، الا انها غيرمطالبة باعطاء جزء من حصتها او دخلها الى زوجها، ولا يحق للزوج ان يطالبها باي شي من ثروتها، رغم ان المسؤولية‏الشرعية تضع نفقة العائلة على كاهل الزوج وحده، وليس على الزوجة اية نفقة. نعم، ليس على الزوجة اية مسؤولية‏شرعية، ولا اي التزام تجاه العائلة والانفاق عليها من ثروتها الخاصة.

واعتمادا على طبيعة الامتداد العائلي والروابط الاسرية والمسؤوليات المحددة في الاسلام، فان هيكلية الميراث يجري‏تفتيتها عبر كل جيل، ويعاد توزيعها على الجيل اللاحق.

والهدف الرئيس من ذلك هو انها توزع على اكبر عدد من الورثة،وان نصيب هؤلاء منها سيكون اكبر من ميراث فرد واحد او وارث واحد، وهكذا حصة العدد الاكبر من الورثة التي تفوق‏عادة حصة العدد الاقل.

سابعا المنافسة والتعاون:

وفق التفسير الاسلامي لحتمية نهاية الانسان، لا تحتل الحياة الاقتصادية اكثر من دور آلي خالص في دورته الحياتية.وحتى في هذا الدور، فليس للشؤون الاقتصادية اكثر من دور الادوات، واداء الاليات الضرورية لاشباع حاجات الانسان‏المعاشية او الحياتية، لتفسح المجال امام الغاية الحقيقة من خلق الانسانية كافضل مخلوق اوجده اللّه سبحانه وتعالى على‏وجه الارض، لكي يعرف به. ولذلك، فان النظام الاقتصادي المصمم على ضوء المبادئ الاساسية في الشريعة الاسلامية،يؤكد بان الانسان يمكنه ان يؤدي دوره، ويمارس شرف وجوده وحريته ومسؤولياته، وياخذ حقوقه في الاطار الاخلاقي‏للاقتصاد الاسلامي.

وبما ان النظام الاقتصادي كان قد تشكل في اطار خاص، فانه لا يدع مجالا للانسان ان يمارس دوره كاداة اقتصادية،وتحقيق اهداف اقتصادية بحتة، وانما يسعى الاسلام لكي يقود هذا الانسان الى ممارسة دور فردي فاعل، ومساهمة‏مسؤولة في الشؤون الاقتصادية، ولكن في الاطار او السلوك الاخلاقي الذي يلزمه الحفاظ على مبدا التكافل في الامة،وصياغة اطر التعاون التي تنتهي بالمحصلة الى تاسيس اقتصاد متحرك ونام ومتين.

ومن هنا صار الفرد في الاسلام معنيا بتحقيق الاثار الاخلاقية المترتبة على افعاله الاجتماعية، بما فيها المتعلقة‏بالشؤون الاقتصادية، وللحد الذي صار متلازما مع تحول المستوى الروحي الداخلي للانسان، وصلة ذلك مع تقدم المجتمع‏وازدهاره ورقيه.

وتاسيسا على ذلك، فان الاسلام يدعو الى الاستفادة من التنافس والتعاون لبناء المجتمع الامثل، وذلك من خلال ايجادالانسجام والالفة والمصالحة بين هذين البعدين المتناقضين ظاهريا، الا انهما عنصران مفيدان وضروريان، وعلى كل‏المستويات، لبناء المنظومة الاجتماعية المتحركة والفاعلة. ومن هذا المنطلق، يمكن للمرء ان يقول هنا، بان واحدة من اهم‏واروع خصائص الاسلام هو تاكيده المستمر والمتواصل على فكرة التكامل الانساني، باعتبارها ضرورة لا بد منهاللوصول الى توحيد اللّه سبحانه وتعالى.

ومن اجل ذلك، فان شخصية النبي محمد(ص) لم تكن منفصلة اطلاقا عن هذه الغاية، والتي اعتبرها القرآن الكريم‏المدخل الاساسي والرئيس لتجلية ظاهرة التكافل والاخوة في المجتمع الانساني. اضافة الى ذلك، ان كل بعد من ابعادالشخصية الفريدة لهذا النبي العظيم، كان تجسيدا خالصاوتجليا واضحا لدوره الاجتماعي المتعدد الجوانب في كيان الامة،وكان موجها تماما باتجاه الذروة لتحقيق هذا التكامل، وايجاد اطر التكافل والانسجام في اوساطها، ناهيك بان كل قاعدة‏من قواعد السلوك الاخلاقي، بما في ذلك الدائرة الاقتصادية، كانت مصممة لايجاد مدخل التكامل هذا وتحقيقه على ارض‏الواقع. وفي الوقت نفسه، وعلى العكس من ذلك، فان الاسلام كان حرم تحريما مطلقا جميع الممارسات، وبطريقة اواخرى، التي تحول دون تحقيق هذا الهدف، او تقف عائقا امام التكامل الاجتماعي المنشود.

فالقرآن الكريم، والاحاديث الشريفة للنبي الاكرم ( كلها تشير الى ذلك. بل، كلها مصادر واضحة وصريحة لتاكيد الدورالطبيعي المزدوج لكلا البعدين المذكورين: التعاون، والتنافس، اي ان المجتمع البشري بامكانه ان يتعاون ويتنافس على‏اساس الخير او الشر، اللذين يقودان الى التكامل او التسافل، بمعنى تكامل الجنس البشري او تسافله.

نعم، ان المصادر الرئيسة في التشريع الاسلامي تؤكد على ان مبداي التنافس والتعاون يجب ان يستثمرا في تحقيق‏التقوى والاستقامة، وليس طريق الشر والعدوان (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) (المائدة: 2)،وهذا هو ما تقرره وتؤكده هذه الاية الانفة من القرآن الكريم.

وفي نفس السياق، يحث الاسلام المسلمين على التنافس بعضهم مع البعض الاخر في الاعمال الصالحة، ومبادئ‏الاحسان.((386)) ولا يوجد اي دليل في هذه المراجع يسمح بقمع اي بعد على حساب الاخر، ما دام الكل يتنافسون في‏الاطر التي تحددها الشريعة. والاكثر من ذلك، ان جميع القوى المشرفة والمنظمة المترشحة عن السلطة السياسية‏والشرعية، تتجه الى الاستفادة من هذه القوى وبشكل متوازن وبناء. ومثال هذا التوازن او التوجه هو حرص الشريعة على‏بناء اقتصاد السوق، وتنمية اخلاق وسلوك المساهمين فيه((387)).

وعلى الرغم من ان قواعد الشريعة المتعلقة بالشؤون الاقتصادية تضع الحدود والضوابط الضرورية لجميع السلوكيات‏المتعلقة بشاني التعاون والتنافس، لايجاد حالة التكامل وتنمية خصائص التكافل الاجتماعي، فان الفرد في المجتمع‏الاسلامي يبقى هو الوكيل العام او النائب المشخص الذي منه، ومن خلال عمله، ومن اجله تدور جميع النشاطات‏الاقتصادية وعجلة الاقتصاد.

ثامنا دور الدولة او الحكومة يعتبر الاسلام علاقات السلوك وسيلة من وسائل التكامل على مستوى الفرد والمجتمع، ناهيك من كونها مفهوما اخلاقياارفع لفهم الحقيقة، ولهذا الهدف، يطلب من الانسان ان يدرك ان انجازاته الاقتصادية كلها تعتبر وسائل، وليست اهدافا بحدذاتها.

اذ ان قواعد السلوك الاخلاقي كافة، بما فيها المسائل الاقتصادية، جاءت تخاطب الانسان على مستوى الفردوالجماعة. كما اعتبرت هذه الجماعة كتلة منتظمة داخل الدولة التي تمثلها الحكومة. اما الحكومة، فانها تعتبر المؤسسة‏الرئيسة التي لا يستغنى عنها كوجود ضروري لتنظيم الحياة الاجتماعية، وانجاز الاهداف القانونية، فضلا عن كونها وجودارئيسايسعى لتحقيق الازدهار الروحي والمادي للانسان، وكذلك للدفاع والترويج لمفهوم الدين والمعتقد.

ومن هنا، فان جميع المسؤوليات الموجهة للجماعة، مصادق عليها من قبل الشريعة، ليجري تطبيقها من قبل الحكومة‏التي تقوم بمثابة العجلة او الالة لتنفيذ قوانين الشريعة، ولا تستحق شرعيتها الا من خلال تطبيق هذه القوانين. ولذلك، فان‏المطلوب من الحكومة، وفي اطار القانون، توفير او تطبيق جميع الوسائل المتوفرة المطلوب منها توفيرها، لتحقيق اهداف‏وواجبات ومسؤوليات الجماعة التي انتدبتها لتحقيق هذا الهدف النبيل، بما في ذلك التوفيق بين مصالح الفرد ومصالح المجتمع.

ولعل اهم هذه الواجبات الجماعية، هو ضمان توفير العدالة ونشرها في اوجه الحياة الاجتماعية كافة. ولهذا، فان وجودالمنظومة الفقهية او القضائية، بجميع عناصرها، يصبح ضرورة لتنفيذ اوامر المحاكم البعيدة عن المحاسبة والمضمونة‏للجميع، والتي تعتبر هي الاخرى واجبا لا يمكن الاستغناء عنه على الحكومة اداءه. وعليها ايضاضمان توفير الفرص‏المتكافئة للافراد للوصول الى الموارد الطبيعية وبكامل الحرية، ولكن في ضوء مبادئ الشريعة طبعا. وهذا يتطلب رؤية واضحة، وتشخيص دقيق للمهارات، والتربية، ووسائل التقنية وتوفيرها للجميع بتكافؤ.

وما دام توفير الفرص ومنح الحريات للجميع، والذي يعني انتاج الثروة في نهاية المطاف، وتملكها، فهو موضع اهتمام‏وواجب الحكومة، تتعاط‏ى فيها مع الجميع بعدالة ومساواة. يضاف الى ذلك، القيام بكل ما من شانه بناء حركة السوق،ووضع محددات الاسعار، ومبانيها التحتية.

جدير ذكره، ان اول سوق اقتصادي تم بناؤه في الاسلام وللجماعة المسلمة، وهو ذاك الذي اوجده النبي في المدينة‏المنورة، وتحت اشرافه (صلوات اللّه وسلامه عليه)، حيث كانت التجارة فيه حرة، وبدون اية ضرائب او مسؤوليات اواثارات غير مشروعة، مما تفرضه الحكومات عادة على التجار والمساهمين، وبدون اي مشرفين او مراقبين على السوق‏سوى الرقابة الذاتية وملاحظة الاخلاق والقيم التي جاء بها الاسلام او اوصى بها في مسائل البيع والشراء والاجارة‏وغيرها.

وعلى هذه القاعدة او على هذا الاساس بنى الفقهاء تصوراتهم، ومنها عدم فرض اي ارادة او سيطرة على السوق، الا ماراوه ضروريا، وضمن واجبات الحكومة لتحقيق العدالة والامن الاقتصادي للناس.

وكما ذكرنا سابقا، وبينما يضع الاسلام مبادئ العدالة والمساواة على اساس جهد الافراد ومكافاتهم، فانه يوصي من‏ناحية اخرى بوضع حقوق لا يجوز انتهاكها باي حال من الاحوال لاولئك الاقل قدرة، ويمنحهم الحريات والفرص الكافية‏لتفعيل قابلياتهم واستعداداتهم في الحراك الاقتصادي.

وبذلك، فان الاسلام، كضامن للمؤمنين وراع لهم، يدعو الى التوازن بين قيم الحرية والمساواة من ناحية، وبين قيم‏العدالة والحق من ناحية اخرى. كما انه يضمن عدم انتهاك حريات الافراد وحقهم في التملك للاموال والثروة، بل يعتبرذلك حقا مصونا لهم، فانه يفعل ذلك باعتبار هذا الحق مبدا راسخا لا يجوز التفريط به. هذا الحق الممنوح من قبل‏الحكومة لايجاد التوازن بين الحرية والمساواة بين الناس، هو المدخل الحقيقي لتحقيق العدالة في التوزيع.

هذا من جانب، ومن جانب آخر لا يترك الاسلام مجالا للشك بان افضلية الاعمال التطوعية للافراد تاتي في اطارالضرائب واداء الفرائض التي يدفعونها او تفرض عليهم من قبل الحكومة وفي اطار قيم الشريعة ومبادئها طبعا. وكلماجاءت هذه الضرائب ثقيلة على الافراد، جاءت واجبات الدولة، وكبرت مسؤولياتها في الاحتفاظ او الحفاظ على موازين‏التوزيع، او معالجة سوء التوزيع. وكلما جاء التزام الافراد بمفردات التبادل واخلاق السوق والانتاج والتوزيع وفق مبادئ‏الشريعة، كلما كان تدخل الحكومة في ذلك اضعف واقل. وعلى عكس ذلك، كلما انتهكت هذه القواعد او ضعف الالتزام‏بها، كلما كان واجب الحكومة في التدخل اكبر واشد.

ان واجب الحكومة في اجتثاث الفقر يعتبر بلا شك اهم الواجبات الملقاة على عاتقها، وبعده ياتي واجبها في حفظ الدين‏والترويج له، والذي اكثر ما يهدده الفقر والفاقة والحرمان.((388)) فالاسلام يعتبر الفقر ابتداء نتيجة طبيعية، يفترض في‏حالة حصولها التحرش بقسم من اموال الاغنياء في المجتمع، واداء واجباتهم تجاه الاقل حظا في الحصول على الاموال.

ومن هنا، فان المهمة الاولى لتطبيق العدالة في توزيع الثروة، والتي تشكل بطبيعتها جزءا كبيرا من ميزانية الدولة في‏الانظمة الوضعية الاخرى، تقع ابتداء ايضا على عاتق الافراد من اصحاب الامكانات المالية والاقتصادية، لمواجهة اي خلل‏يمكن ان ينشا اثناء تحقيق هذه العدالة. اذ ليس على الشريعة ان تشخص الافراد الذين يفترض بهم دفع الضرائب للدولة اوللناس الاكثر فقراوحسب، وانما ان تضع آليات واجراءات لطريقة ايصال هذه الضرائب الى الفقراء. ولاختصار هذه الاليات،فان الدور الرئيس للحكومة في الاقتصاد الاسلامي ينطلق اول ما ينطلق من واجبات الحكومة في توفير حرية العمل،ومعها الفرص المتكافئة للوصول الى الموارد الطبيعية باعتبارها اول وسيلة من وسائل الحياة، هذا اولا.

وثانيا: ان على الحكومة منح كل فرد في المجتمع حصة متكافئة من العمل، ومن فرص الوصول الى الموارد الطبيعية،ومن هذه الفرص: حرية التعليم والتربية، وتنمية المهارات، وتوفير التقنية للازمة لاستثمار هذه الموارد.

وثالثا: التاكد من ان الاسواق تتم رقابتها والاشراف عليها، لضمان استحصال العدالة اللازمة في التسعيرة وحفظ حقوق‏البائع والمشتري.

ورابعا: ضمان الحكومة حرية تداول الاموال ونقلها من الموسرين الاكثر مالا الى الفقراء الاقل‏حظا منه، ولكن وفق قواعدوثوابت الشريعة.

واخيرا وليس آخرا: على الحكومة ضمان عدالة توزيع الثروة للجيل اللاحق، عبر تفعيل او تطبيق قانون توزيع الميراث‏او التركة، وفق اصول الشريعة ايضا.

وهذا يعني بطبيعة الحال ان على الحكومة ان تت بع منهجا اقتصاديا او سياسة اقتصادية محددة، تتوفر فيها على ضمان‏او تحقيق كل هذه الاهداف.((389)) ومن اجل تحقيق النفقات الضرورية المتعلقة بتنفيذ هذه الواجبات، اوكلت الشريعة اوخولت الحكومة السيطرة او استثمار او ادارة بعض اقسام الموارد الطبيعية، والتي لا يستطيع الافراد التحكم بها او ادارتها،مثل: الموارد المعدنية او تلك التي في باطن الارض.

كما انها، اي الشريعة، خولت الحكومة، ووفقا الى الاراء المجمع عليهابين الفقهاء، فرض بعض الضرائب كلما شعرت ان هناك فجوة كبيرة بين الموارد التي تتحكم بها، والمصاريف المنفقة عليهامن قبل الحكومة للصالح العام. وهذا يعني، او قد يعني ان‏حرية الدولة في الاقتراض من الناس، حين تجد ذلك ضروريا اوفيه مصلحة، امر مسموح به. ونكرر في حالة الضرورة فقط، وليس دائما.

التنمية الاقتصادية والتطور يرى الاسلام ان تحقيق التقدم الاقتصادي يمكن ان يكمن في الاعتقاد باللّه اولا، وتحقيق قدر معين من التقوى في‏اوساط المجتمع المسلم، وذلك عبر التاثير على المحتوى الداخلي للانسان، وتحديد نظرته الى الكون والحياة، ثانيا.

ويؤكد القرآن الكريم غير مرة، وفي اكثر من مناسبة لو (ان اهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماءوالارض...) (الاعراف: 96).

ان فقدان الايمان في المجتمع، اى مجتمع، وعدم الالتزام بتطبيق قواعد السلوك الاخلاقي، هو السبب الرئيس في خواءالمجتمع روحيا، وهذا يعني توريث هذا المجتمع البؤس والشقاء على المستويين المادي والمعنوي. والقرآن الكريم واضح‏هنا ايضا في تجليته لهذه الحقيقة وعبر تكملة قوله عز من قائل الانف: (ولكن كذبوافاخذ ناهم بما كانوا يكسبون(.

ويفترض الاسلام حلا واحدا محتملا وحكيما، لاعادة الامور الى نصابها في هذا المازق، وهو اعادة الانسان والمجتمع‏الى الايمان باللّه سبحانه وتعالى، وتذكيرهم باوامره على ضرورة اداء حقوق اللّه واستشعار وجوده، والالتزام بتطبيق قواعدالشريعة المنصوص عليها في القرآن الكريم والسنة الثابتة.

ان الايمان باللّه تعالى يترك اثرا كبيرا على المحتوى الداخلي للانسان، ويجعله يستحضر وجود اللّه دائما، مما ينعكس‏ايجابيا على جميع فعاليات الانسان واعماله وعلاقته بالفرد الاخر والمجتمع. وهذا بدوره يؤدي الى انشاء تعاملات‏اقتصادية وتجارية اخلاقية ونبيلة تقود الى زيادة في الانتاج، واستهلاك متوازن، وعدالة في التوزيع، وتداول مقبول للثروة.فضلا عن ايجاد افضل سبل الانسجام لتحرير العهود، واحترام المواثيق وحريتها، وتحمل الارباح والخسائر معا، اضافة الى‏التعاون الكامل في النشاطات الاقتصادية كافة، وكل ذلك وفقا لمبادئ الشريعة وحدودها طبعا.

باختصار شديد، اذا مارس جميع افراد المجتمع كامل حريتهم في التعبير عن القيم الاسلامية، وتصرفوا على اساسها، فان‏نموا اقتصاديا قوياوديناميكيا سوف يظهر، ومن خلاله يجري القضاء على جميع مصادر سوء توزيع الثروة، واختلال الدخل‏الوطني.

وتزامنا مع ذلك ايضا، سوف تفتح كل السبل الممكنة امام التنمية الاقتصادية الحرة، وصولا للقضاء على جميع‏اشكال النمو الباطني للثروات والسوق السوداء. اذ ان المصدر الوحيد للقضاء على عدم استقرار السوق في مثل هذا النظام،هو النمو الخارجي المكشوف للاقتصاد.

ففي هذه الحالة، فان تشييد البنية الاقتصادية الاسلامية يؤكد على ان عب الخلل يتوزع على امتداد افراد المجتمع، كماان بناءها يعتمد عليهم، وذلك من اجل الا يتم بناء اي جانب من الجوانب الاقتصادية على حساب الجوانب الاخرى.

وعلى امتداد قرون طويلة، كان المسلمون يتبنون انظمة اقتصادية عديدة من بدء الاقطاع وانتهاء بالشيوعية، ولكن ايا من‏هذه الانظمة لم يكن بامكانه انتاج المجتمع الانساني الذي استطاع النبي (ص) وفي سنوات قصيرة بناءه في المدينة.

ان العرض القصير والموجز المقدم هنا، يجلي بوضوح ان بامكان الاسلام ان يطرح نظاما حيوياقابلا للتطبيق يؤدي الى‏ايجاد العدل من جانب، وخلق المجتمع المؤهل الكفوء من جانب آخر.

والاكثر من ذلك وضوحا، فان المسلمين يمتلكون‏من المصادر الطبيعية والثروات ما يؤهلهم لتطبيق الاسلام وتحكيم اقتصاده في دنيا الناس. يبقى المطلوب فقط هو الايمان‏الحقيقي الراسخ بكلمة (اللّه) سبحانه وتعالى، واحاديث النبي الاكرم(ص)، والاعتقاد بذلك اعتقادا حقيقياوصولا لبناء مثل‏هذا النظام العادل الكفوء.

العملة والسياسة المالية في الصدر الاول للاسلام د. كاظم الصدر نقله عن الانجليزية: مختار الاسدي تمهيد يهدف هذا المقال الى عرض دراسة دقيقة عن اجواء المقايضة في حقبة الصدر الاول للاسلام، كما يعرض لدراسة‏العوامل المؤثرة على قيمة العملة آنذاك، والتي كانت تساهم بشكل او بخر في استقرار مستوى الاسعار او تقلباتها.

الموضوع الاخر الذي يعني به هذا المقال، هو اكتشاف الطرق التي جرى استخدامها من قبل القيادة الاسلامية في تلك الفترة‏المبكرة من عمر الاسلام في جذب المدخرين، واصحاب الاموال، وتوجيههم الى مشاريع استثمار مفيدة ونافعة.

ان دراسة مثل هذه المواضيع والتوقف عندها، ربما يكون مفيدا او مساعدا للحصول على معلومات كافية للاحاطة‏بالسياسات المالية التي كانت متبعة في صدر الاسلام الاول، ودورها في عملية التطور الاقتصادي في ذلك المجتمع‏الاسلامي البدائي الناشئ.

ومن اجل تحقيق هذه الاهداف المذكورة، لا بدفي البدء من عرض تصور موجز حول التجارة والتواصل الاجتماعي في‏تلك الفترة من عمر الاسلام، وذلك لتقديم صورة واضحة عن اهمية التجارة والتبادل التجاري، وتاثير ذلك على الاجواءالاقتصادية للفترة المذكورة.

بعد ذلك، سوف نناقش انواع العملة والنقد المستخدم، والعوامل المؤثرة في قيمة تلك العملة، وفي ثباتها او تقل باتهاالمفاجئة، او تداولها وانتشارها، وكذلك الطرق والاليات التي كانت تستخدم لاجتذاب المدخرين، وتشجيعهم على استثماراموالهم او توظيفها.

وفي نهاية المقال سوف ناتي على مناقشة ادوات وآليات السياسات المالية التي كانت متبعة آنذاك، وضمان حقوق‏المساهمين وحصصهم، وكفالتها في تلك السياسات.

اهمية التجارة واجواء التبادل التجاري (المقايضة) في الصدر الاول للاسلام ان الموقع الجغرافي للحجاز، التي تقع بين ثلاث قارات في الكرة الارضية هي آسيا واوربا وافريقيا، كان منحها اهمية‏كبرى في هذا العالم، وذلك لان التجارة بين بلاد فارس وبلاد الروم وحكومتيهما التابعة لبلاد الشام (سورية العظمى)واثيوبيا واليمن، كانت اخذت موقعها في الحجاز قبل انبثاق الاسلام.

بالاضافة الى ذلك، ان فرعامن الطريق التجاري بين‏روما والهند كان يمر، وعلى مدى قرون طويلة، عبر جنوب وشرق الجزيرة العربية، وكان يسمى الطريق التجاري‏الجنوبي((390)).

وكانت القوافل التجارية تستفيد من الاسواق الفصلية التي كانت تقام في اليمن والحجاز وبلاد الشام (سورية العظمى)،وخاصة في صنعاء (عاصمة اليمن)، وكذلك في يثرب ومكة، التي كانت مؤهلة لتسويق البضائع والسلع التجارية((391)).كما كان هناك طريق تجاري آخر يمرعبر شمال الجزيرة العربية، وجاءت الاهمية التجارية لهذا الطريق، بعد ان فقد الطريق‏الاول اهميته.

ومنذ ذلك الحين كانت البضائع المرسلة من الهند تشحن الى عمان عبر السفن، ومن هناك تحمل او تنقل برا عبر هذاالطريق (اي طريق شمال الجزيرة العربية)، وكذلك عبر طريق الشام الى بلاد الروم. وعلى امتداد هذا الطريق كانت الاسواق‏الفصلية قائمة على قدم وساق، وكانت حكومات ودول هذه المنطقة تعتمد على تلك النشاطات التجارية الحامية، كما كانت‏عواصم هذه الدول مراكز تسويقية للقوافل التجارية المارة عبر تلك الاصقاع والطرق. وكانت عواصم كل من: لقم ((ذدچپ ،وكندة، وغسان ((ذچژژچب ، وهي (الحيرة، ودومة الجندل، والبصرة على التعاقب) كلها تقع على امتداد هذا الطريق التجاري‏الشمالي((392)).

وهناك طريق ثالث، اضافة الى هذين الطريقين الشمالي والجنوبي، وهو الطريق الرابط بين الشام واليمن، والذي تم انشاؤه‏في زمن هاشم عندما تولى زعامة قريش((393)). اذ ان قيام التجارة عبر هذا الطريق، جاء بسبب الجهود الكبيرة التي بذلهاهاشم، ونتيجة الاتفاقيات والمواثيق والاجازات التي حصل عليها من ملوك الروم وفارس واثيوبيا واليمن، بتعهد قريش آطبعا بحماية القوافل. ونتيجة لذلك، انتعشت التجارة في هذا الطريق، وحصل القرشيون على منافع كبيرة وثروات طائلة.

وهنا اكتشفت مكة نفسها، مرة اخرى، واهميتها كمركز تجاري رئيس ومهم، وذلك بسبب وجود الكعبة فيها، ومجي‏القبائل العربية لزيارتها كل عام، والتبرك بالحج اليها من كل فج عميق. وقبل مناسبات الحج هذه، وجدت القبائل فرصة‏مناسبة للتجارة، ولكون الكعبة مكانا مقدسا، باعتباره بيت اللّه، وجد التجار فيها مكانا آمنا، او بقعة امينة لتسويق بضائعهم،والاتجار بها في هذا البلد الامين، وابتياع بضائع تاتي اليه في موسم الحج الكبير هذا من شتى بقاع العالم.((394))

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية