الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

فالحرب، واراقة الدماء، كانت محرمة خلال اربعة اشهر كاملة من كل عام، اي في الاشهر الحرم، فضلا عن ان تزامن هذه‏الشهور مع فترة التجارة هذه،((395)) وهذا ما كان يعزز تامين حركة القوافل التجارية الى مكة، وعودتها سالمة مؤمنة مرة‏اخرى الى بلدانها، دون اية تعرض او عراقيل، كما ان معاهدة حلف الفضول بين القبائل العربية، كانت هي الاخرى قدساهمت في زيادة الشعور بالامان والاطمئنان لدى تلك القوافل، وعززت الامن التجاري في مكة اكثر من اي وقت‏مضى((396)).

لهذه الاسباب تحديدا، كانت التجارة هي النشاط الاكثر اهمية في اقتصاد الجزيرة العربية.

وبسبب الظروف المناخية لم تكن هناك اية امكانية للزراعة باستثناء اليمن، وبعض الواحات فقط في بعض مناطق‏الحجاز، ومركز الجزيرة العربية، مثل يثرب التي نشات فيها بعض النشاطات الزراعية المحدودة جدا.((397)) ناهيك عن‏محدودية الحرفيين المهرة، ومعهم اعمال رجال التجارة المحليين، والتي كانت نشاطاتهم محدودة جدا هي الاخرى، ولهذاالسبب، فان تلك القبائل العربية التي لم تكن تحب الهجرة او السفر، ولم تكن تشارك في معارك او غزوات، كانت امامتاجرة، او تقدم خدمات تجارية لقوافل التجار المارة عبر اراضيها((398)).

ومن الواضح تماما ان التجارة كانت اساس الاقتصاد في الجزيرة العربية قبل ظهور الاسلام، كما ان اي اتفاق ابتدائي‏لاي تبادل تجاري او صفقة تجارية كان يعتمد اجواء المقايضة، اي المقايضة في السلع، في تلك الفترة. وكما ذكرنا آنفا، فان‏الجزيرة العربية والمناطق المجاورة لها كانت خاضعة اما بشكل مباشر او غير مباشر لامبراطوريتي فارس او الروم، اوتحت تاثيرهما.

اما العملة النقدية التي كانت مستخدمة في هذه الدول، فكانت الدرهم والدينار، وبالاحرى الدينار والدرهم حسب‏التناوب. اذ ان هاتين العملتين كانتا مقبولتين، ويتم تداولهما في شبه الجزيرة العربية. اضافة الى ذلك، وبسب القوة السياسية‏لهاتين الدولتين، والتي جعلت من اجوائهما التبادلية، معتمدة في كافة المقاطعات التي تقع تحت تاثيرهما، فان الشركاءالتجاريين للعرب كانوا بشكل رئيس من الفرس والرومان، الذين كانوا يستخدمون الدرهم والدينار اثناء معاملاتهم عندالبيع والشراء. كما كان لكل من هاتين العملتين النقديتين وزن خاص وثابت، وتحتويان على كمية ثابتة ايضا من معدني‏الذهب او الفضة.

ومع ذلك، واثناء الحكم الاموي والعباسي، فقد تغير هذا الوزن، وفي بلاد فارس نفسها كذلك، وبعد الاسلام فان كمية‏الفضة في الدرهم صارت تختلف من منطقة الى اخرى. ولكن، واثناء فترة الصدر الاول للاسلام، فقد كان وزن هاتين‏العملتين، او هذين النقدين، ثابتا ولم يتغير.

واليوم، وحين تذكر كلمة (الزكاة) مثلا، اي زكاة الذهب والفضة في الكتب الدينية الفقهية، فانها تشير بالاساس، اي ترتكزعلى نفس وزن الدرهم والدينار كما كانا عليه في تلك الفترة المبكرة من عمر الاسلام.((399)) علما بان قيمة الدينار كانت‏تساوي عشرة دراهم.

من الطبيعي، وفي الصفقات والمبادلات التجارية التي كانت تجري في مصر وبلاد الشام، كان الدينار هو عملة التبادل‏الرئيسة، بينما في الامبراطورية الفارسية فكان الدرهم هو المستخدم في هذه العملية. وبعد انتشار الاسلام واتساع رقعته‏الجغرافية في دول الامبراطورية الفارسية كالعراق وايران والبحرين وما وراء سكسونيا، وكذلك مقاطعات الامبراطورية‏الرومانية التي ضمت الشام ومصر والاندلس، فان انتشار هذه الانواع من النقد قد ازدادت منذ الصدر الاول للاسلام، وحتى ‏فترة حكومة الامام على، حيث لم يكن هناك بديل لهذه العملة.

اما القيمة المثبتة للدرهم والدينار، فلم تكن لتحدث اية مشكلة في انتشار العملة او تداولها. فحين يجري التعامل‏بالدرهم مثلا كوحدة نقدية، فان الدينار سياتي بمضاعفاته بشكل طبيعي، واذا ما قيل ان الدينار هو عملة التداول، فان‏الدرهم سيكون واحدا من عشرة، اي عشر الدينار. ومع ذلك يمكن القول بان الدرهم كان اوسع انتشاراعلى العموم من‏الدينار، والسبب هو، ان اغلب المقاطعات التابعة للامبراطورية الفارسية كانت مفتوحة من قبل القوات الاسلامية، في تلك‏الفترة المبكرة بعد مجي الاسلام، بينما لم تكن سوى القلة من مقاطعات الامبراطورية الرومانية تحت الحكم الاسلامي.

ونقطة اخرى تجدر الاشارة اليها، وهي انه اثناء خلافة عمر بن الخطاب، فان ادارة امور المسلمين المالية كانت مفوضة‏الى الفرس، لان الخليفة عمر استخدم عددا كبيرا من المحاسبين والمراقبين لدواوين المال من الفرس، لان هؤلاء كانوامطلعين على ديوان المحاسبة الحكومي، اي ديوان الحسابات، في بلاد فارس، اوكل اليهم واجب حفظ الحسابات، بما فيهاحسابات الدخل والواردات، وكذلك حسابات الصرف والنفقات الصادرة والواردة من والى بيت المال (المال العام)((400)) ،ولما كانت هذه الحسابات محفوظة بشكل طبيعي بلغة الدرهم، فان ذلك ساعد كثيراعلى زيادة انتشار هذه العملة‏وتداولها.

هناك نوع آخر من المال تم اعتماده في صدر الاسلام الاول، وهو ما يسمى (الائتمان، او الاعتماد)، او ما يمكن ان يطلق‏عليه التوثيق. اذ ان انتشار التجارة في شبه الجزيرة العربية، وحتى قبل قرون من ظهور الاسلام، كان يتطلب الثقة اوالاعتماد او الائتمان. فعلى الرغم من المحاسن الكثيرة التي كان يقدمها وجود الدرهم او الدينار كعملتي تبادل في التجارة، ولكنهما كانا في ذات الوقت بحاجة الى توثيق او اعتماد سندات.

فاذا كانت قيمة الصفقة التجارية كبيرة مثلا ، فانها تحتاج الى كمية كبيرة من النقد الذي يجب تبادله، وهذا يعني ان وزن‏وحجم العملة المتبادلة كلاهما يقللان من الرغبة في طرحهما وسيطا او وسطا للتبادل التجاري. اضافة الى ذلك، فمن‏المحتمل ان يعجز طرف من الشركاء عن توفير الكمية الكبيرة اللازمة للصفقة من الدراهم والدنانير بالسهولة او السرعة التي‏يفترض توفيرها لعقد الصفقة. ومع ذلك، وربما يكون احد الطرفين لا يمتلك الخبرة الكافية، ولكنه اهل للثقة والاعتماد، فحينها يكون رصيده او اوراقه الاعتبارية تجعلانه مقبولا او موثقا عند التجار الاخرين.

كما ان التجارة المتزايدة بين الشام واليمن، والتي كانت تقوم على رحلتين على الاقل في العام الواحد (رحلة الشتاءوالصيف)((401)) ، وقبل مجي رسالة النبي محمد(ص)، اوجدت ارضية كافية للثقة المتبادلة، وكان تبادل الاعتبارات‏والصكوك والحوالات التجارية او اوراق التعهدات بين كل من تجار قريش وتجار اليمن، وعلى امتداد سنين، هو الطريقة‏المتبعة.

من ناحية اخرى، ليس محتملا ان تقوم جميع الصفقات التجارية في تلك الفترة المبكرة من الاسلام على اساس النقد.اذ ان انتشار الصفقات القائمة على الاعتماد والثقة المتبادلة قبل الاسلام، وحقيقة كون هذا النوع من التعامل مسموح به مع‏بعض التعديلات البسيطة عليه بعد الاسلام، يدل‏دلالة واضحة على استخدام المسلمين لهذا النمط من التعامل التجاري،وشيوعه في اوساطهم. وفي الحالة الاخيرة، وكقاعدة عامة، كان هناك عقد مكتوب يجري تبادله، بعد توقيعه، من قبل‏طرفي الصفقة التجارية المحد دة بالطبع.

وهذا العقد الموقع كان معتبرا هو الاخر، ومقبولا من قبل التجار الاخرين خارج هذه الصفقة، بمعنى انه كان مقبولاكوسيلة للتداول المعادل للعملة، او وسيط مكافئ لهذه المقايضة او تلك الصفقة.

ان استخدام هذا النوع من اوراق التعهدات المالية كان شائعا بشكل مكثف، بحيث ان الخليفة عمر بن الخطاب نفسه كان‏يحرر بعض هذه (الصكوك) ويوقعها بنفسه اثناء خلافته، وكانت هذه الصكوك مقبولة عند عموم الناس.

ووفقا لليعقوبي، انه اثناء خلافة عمر، وبموجب اوامره، وتعهداته، كانت هناك كميات هائلة من البضائع والسلع تم‏ارسالها من مصر الى المدينة مثلا. ومع هذا الكم الهائل من السلع المستوردة، الاان التاريخ لم يشر الى استعجال او سوء اوخلل في توزيعها، وهذا يعني ان عمر وقع صكوكالاناس معتبرين، ومؤهلين، واصحاب كلمة، للحد الذي جعل الناس‏يذهبون بالتناوب وبهدوء مطمئنين الى بيت المال لياخذ كل منهم حصته بامان وبلا استعجال.((402)) ان استخدام الصكوك من قبل عمر، وقبولها من قبل الناس، يشير بلا ادنى شك الى الاستخدام الشائع لهذا النمط من‏التبادل التجاري في تلك الفترة المبكرة من صدر الاسلام.

وهناك طريقة اخرى للتبادل التجاري، كانت مستخدمة في الجزيرة العربية، وقد قبلها الاسلام ايضا مع تعديلات طفيفة،وهي طريقة شراء دين شخص ما، او التزام هذا الدين، والتعهد بدفعه من قبل شخص آخر((403)). ففي مثل هذه الصفقات‏يتم‏عادة التعامل باوراق الاعتماد او التعهدات الشخصية. كما ان شرعية مثل هكذا صفقات في الشريعة الاسلامية يدل على‏ان المسلمين استخدموها في فترة صدر الاسلام الاول، وتدل دلالة اخرى على استخدام وثيقة الشرف هذه او الائتمان ((ژخححزا في تلك الفترة.

ولكن، وفي الوقت نفسه، يجب الا يزعم بان قيمة هذه الوثيقة، مقارنة بقيمة المال في التداول، متساوية وبنفس الاعتبار،اذ ان مساحة استخدام اوراق الاعتماد والحوالات هذه كانت محصورة في عدد محدود من التجار المعروفين. كما ان‏وجودعدد كبير من القبائل، والنزاعات او السجالات المستمرة بينهم، والمسافات الطويلة بين مناطق الجزيرة العربية الشمالية‏والوسط‏ى والجنوبية، اضافة الى مشاكل السفر التي كانت تقتضي استعدادات كبيرة، كل ذلك يشير الى وجود اجواء من عدم‏الاستقرار، او عدم الاطمئنان الكافي في تلك المناطق، مما يؤدي الى القبول، ولو على مضض بوسائل التبادل هذه، اي غيرالدرهم والدينار.

العرض والطلب للمال في الصدر الاول للاسلام في هذا المبحث، نقصد بالمال، الدرهم والدينار اللذين كانا الوحدتين الماليتين النقديتين الوحيدتين المستخدمتين في بلادالروم وبلاد فارس((404)) في تلك الفترة. واثناء حكومة النبي (ص) في المدينة، كان الدينار يستورد من بلاد الروم، فيماكان الدرهم يستورد من بلاد فارس. واعتمادا على حجم البضائع والسلع المصدرة الى هاتين الدولتين، والدول التابعة لهما.

كان الدرهم والدينار او البضاعة هي الاشياء المستوردة والمستخدمة في الاقتصاد في تلك الفترة المبكرة من ظهورالاسلام.

وطبيعي، اذا زاد الطلب على المال في السوق المحلية، كان استيراد المال يتقدم على البضاعة. وبالعكس اذا قل الطلب‏على المال زاد استيراد البضائع. الملاحظة اللافتة هنا، هي انه لم تكن هناك اية حدود لاستيراد المال، ما دام الطلب المحلي‏للدرهم والدينار في بلاد الحجاز قليل نسبيا، وما دام لا يشكل اي تاثير على العرض والطلب في اقتصاد كل من بلادفارس وبلاد الروم.

وعلى الرغم من ذلك، واثناء فترة حكومة النبي (ص)، لم يكن المال يعرض من قبل بيت مال المسلمين، وانما كان يقدم‏من الخارج وعبر التجارة، ولعدم وجود الحاجة الى اية تعريفة جمركية او ضريبة على الواردات، فكان المال يستوردبكميات كبيرة وكافية لسد حاجة السوق المحلية.

ومن ناحية اخرى، ولما كانت قيمة الذهب والفضة الموجودة في الدينار والدرهم مساوية للقيمة الحقيقية للنقد نفسه،فكان يمكن صناعة هذين النقدين في محلات بيع الذهب والمجوهرات، ولهذا السبب يمكن القول بان عرض المال كان‏مطاطا ومرنا تماما، وللحد الذي ياتي متساوقا مع الدخل المعروف في تلك الفترة الاسلامية المبكرة.

وحتى بعد اندحار الامبراطورية الفارسية، فان دور ضرب العملة او سكها استمر العمل به في مناطقها ولم تتبدل((405)).من جانب آخر، وبعدما تعلم المسلمون انفسهم سك العملة تدريجيا، وتعرفوا على تقنية ضربها اثناء خلافة الامام‏علي(ع)((406))، شرع بيت مال المسلمين رسميا بضرب العملة وباسم الحكومة الاسلامية.

ربما يشكك، او يشك بعض المؤرخين بهذه الحقيقة التاريخية، ويقولون بان العملة النقدية كان يجري سكها في زمن‏الخليفة عمر بن الخطاب، الا ان الحقيقة تقول: بان الباقي فعلا من تلك العملة، من ذلك الوقت او من تلك الحقبة، يشير بان‏ضرب العملة بدا فعلا اثناء خلافة الامام علي(ع) .((407)) ولذلك، وحتى لو كان بيت مال المسلمين قد تمضبطه او السيطرة‏عليه، وعلى نوعية العملة المستوردة التي طرحت ايام الامام علي(ع)، فتكفي الاشارة الى ان اشرافا مباشرا على عرض العملة‏النقدية الاسلامية آنذاك، جاء بعد ضربها او سكها.

ومعلوم جيدا ان خلافة الامام علي(ع) كانت قصيرة جدا، لانه سلام اللّه عليه استشهد بعد اربع سنوات فقط من حكمه.وبما ان الحوادث والاضطرابات كانت غطت كل سنة من سنوات حكمه او خلافته((408))، فان العملة المسكوكة من قبل‏بيت مال المسلمين، لم تجد رواجا كبيرا في سوق التداول، وعليه، فان عرض المال في زمن الخلفاء الاربعة، يمكن اعتباره‏نفسه كما كان عليه في زمن حكم النبي محمد(ص)، اي انه لم يتغير كثيراعن تلك الفترة.

هذا بالنسبة لعرض المال، اما بالنسبة للطلب، فغالبا ما يؤدي وجود الصفقات التجارية وخدمات الاقتصاد الى زيادة في‏الطلب. ولهذا السبب فقد كان الطلب على المال في تلك الفترة يتاتى من الاقدام على تبادل الصفقات التجارية الكبيرة.

اضافة على ذلك، فقد كانت الظروف الطبيعية غير المفضلة التي وسمت تلك الفترة، بما فيها عداوة قريش تجاه‏المسلمين، وانشغال المسلمين بما لا يقل عن 26 غزوة (وهي الحروب التي شارك فيها النبي (ص) شخصيا)، واكثر من 32سرية، وهي الحروب التي قامت اثناء وجود النبي، ولكنه ( لم يشارك فيها، بل كان يرسل السرايا لتنفيذها)((409)). وهذايعني ان معدل ستة حروب في كل عام كانت فرضت على المسلمين بعد الهجرة، الامر الذي اوجدت طلبات احترازية‏للمال لتلبية الحاجات الملحة والطارئة التي فرضتها تلك الظروف الاستثنائية وغير المحسوبة.

ونتيجة لذلك، كان الطلب على المال يتزايد في تلك الفترة بسبب تلك الاوضاع، وتلك الاحترازات، وخارج هذين‏السببين لم تكن هناك اية حاجة للنقود. ولما كان الاكتناز (كنز الاموال) محرما في الاسلام((410))، لم يكن يحق لاي فردان يحتفظ بالنقود لنفسه، ويحرم المسلمين من تداولها، او عدم ادخالها في المضاربات التجارية واسواق المقايضة.

ان تحريم الاكتناز في الاسلام يسري على البضائع والسلع كما يسري على النقود من الذهب والفضة وسائرالاموال((411)).

اضافة الى ذلك، ان تحريم الشارع الاسلامي تلقي الركبان قبل دخولهم السوق، اي عدم التعرض الى‏القوافل التجارية، وعدم اخبارها باي شي((412))، لم يترك هو الاخر اى مجال لاستخدام الاموال الا في المسائل المذكورة‏آنفا.

ان مسالة تلقي الركبان هذه كانت ممارسة معروفة وشائعة قبل مجي رسالة النبي (ص)، وتعني انه قبل وصول القافلة‏التجارية، اي قبل دخولها المدينة، فان عددا من التجار الاغنياء يقومون باستقبالها خارج المدينة، مستفيدين طبعامن قلة‏المعلومات التي يمتلكها تجار القوافل القادمين عن السوق والاسعار، فيقومون، اي هؤلاء المستقبلين، بمساومتهم وشراءبضائعهم بارخص سعر ممكن ليقوموا هم ببيعها باكبر سعر ممكن على الناس بعدئذ. هذه الممارسة كانت حرمت من قبل‏رسول اللّه ( تحريما مطلقا، (معتبرا ذلك منافيا للقيم والاخلاق ومبادئ الاسلام).

والان، وبعد ان عرفنا كيف تحدد الاموال من ناحية العرض والطلب في الصدر الاول للاسلام، نستطيع ان نوضح كيف‏كانت قيمة العملة واستقرارها يحدد هو الاخر، فعندما اعتنق سكان الجزيرة العربية الاسلام، زاد عدد المسلمين طبعابشكل‏كبير((413)). اضافة الى ذلك، ان الغنيمة وهي الاموال التي يحصل عليها المسلمون من اعدائهم بعد انتصارهم عليهم في كل‏معركة، كانت تقسم فيما بينهم، مما كان يرفع نسبة دخلهم ومستواهم المعاشي. وفوق كل ذلك، كان النبي الاكرم(ص) ومن‏خلال سياساته الخاصة، يشجع الكفاءات المنتجة، ويحث المسلمين دائما على العمل، كما سياتي ذكره لاحقا.

كل هذه العوامل كانت تساهم في زيادة صفقات المال التجارية وتؤثر في الوضع الاقتصادي لتلك الفترة. اضافة الى‏ذلك، ان مسالة عرض المال كانت مسالة مطاطة ومرنة، اي لم تكن هناك اية موانع او حدود لتوريدها، اذا كان الطلب عليهاملحا او ضروريا، من جانب آخر، وكلما كان الطلب متزايدا، فان زيادة بسيطة في كمية الذهب او الفضة يمكن ان تضاف‏الى النقد كانت تحل المشكلة.

وبالتالي فلم تكن هناك اي ازمة في مسالة العرض والطلب بالنسبة للذهب والفضة، وكان سوق العرض والطلب على‏الدوام مستقرا وفي حالة توازن دائم. وبالتالي فان قيمة النقد كانت مستقرة دائما هي الاخرى.

نعم، ان الذي كان يساهم في عدم استقرار المال، ويساعد في تذبذب قيمته، وبشكل موجز، هي النشاطات اوالممارسات المحرمة التي اعلنت الشريعة الاسلامية حرمتها، بل حرمها الشارع المقدس بشكل مطلق. ويمكن القول، ان‏هناك سببا آخر يؤدي الى هذا التذبذب او عدم التوازن في السوق، وهو استبدال الاموال بالممتلكات او العقارات، وهذه لايكون لها تاثير حاد الا اذا حصلت بصفقات ضخمة وكبيرة جدا تؤثر على مجمل حركة السوق، او كان لها دور مباشر على‏السوق المالية لهذه المنطقة او تلك. وهذا ما لم نلاحظه في اسواق تلك الفترة بشكل واضح.

وهذا يعني:

اولا وقبل كل شي، ان حجم التعهدات مقارنة‏بحجم النقد المتبادل، لم يكن ذا اعتبار كبير، اي ليس مهما فعلا.

وثانيا: ان نمط المعاملات المالية التي كانت تقوم على الاعتمادات واوراق الائتمان، لم تكن ذات قيمة مقابل المعاملات‏النقدية المعروفة، او مقارنة بالصفقات الضخمة التي كانت تقوم على اساس الدينار والدرهم المتداولان في الاسواق.

ولذلك‏فان صفقات البيع والشراء القائمة على الاليات التفاوضية لم تكن معروفة في تلك الفترة، ناهيك عن ان الشواهد التاريخية‏كلها لا تشير الى وجود مثل هذه الصفقات حتى قبل ظهور الاسلام، الا نادرا.

نتيجة كل ذلك، يمكن القول: ان السوق في تلك الفترة من عمر الاسلام كان يشهد توازنا كاملا، ويخلو من اي‏اضطرابات مالية، كما ان قيمة النقد كانت مستقرة هي الاخرى، ولم تكن تتعرض لاية اهتزازات في طابعها العام، وفي‏مجمل الحركة الاقتصادية للسوق.

سرعة تداول العملة هناك عامل آخر مؤثر على قيمة العملة، وهو سرعة تداولها في السوق. فقبل الاسلام، كان النظام القانوني الحاكم، لاسيما قوانينه واداراته وحدوده المرسومة للتجارة واستخدام المال، له الاثر الفاعل والمهم على تفعيل مسالة السرعة في‏تداول العملة. كما ان تحريم الاكتناز (كنز المعادن الثمينة)، ساهم مساهمة كبيرة في منع الدينار والدرهم من الاختباء، بل‏دفعهما الى الدخول في دائرة التداول، كما ان الضوابط الموضوعة على المصلحة الخاصة، وتحريم (الربا) قللت الطلب على‏المال والحيلولة دون حجبه، الامر الذي ساعد في سرعة تداول المال وزيادته باضطراد.

اضافة الى ذلك، ان المعايير المشجعة المقدمة للناس، والتي تحضهم على الدخول في مواثيق وعهود شراكة تجارية،وتشجعهم على تقديم القروض للمحتاجين بدون فائدة، او ما يسمى (القرضة الحسنة)، ساعدت هي الاخرى في دعم‏عملية تداول الاموال، وسرعة انتشارها بين الناس، ولذلك يمكن القول: ان السياسات والاجراءات والتوجيهات كلهاساهمت في سرعة تداول العملة.

ومع كل ذلك، يبقى بناء السوق او بنيته لهما التاثير الاكبر على مسالة التداول هذه او سرعتها.

ان التجارة واحتكار قريش لها قبل ظهور رسالة النبي محمد(ص)، واثناء فترة اقامته في مكة، قد تمت ازاحتها او القضاءعليها تدريجيا.

وبعد الفتح الاسلامي لمكة، تم الاجهاز على آخر المواقع الاحتكارية للقريشيين، لاسيما تلك التي كانت متعلقة‏بادارتهم للكعبة، والاشراف والادارة على اسواق عكاظ، وذو المجاز((414))، وسحبهما من قريش. اذ من المحتمل ان يكون‏القضاء على البنية التحتية لاحتكار السوق، قد ساهم مساهمة فعالة في تنمية سوق التبادل، وتوجيهه نحو كفاءة تجارية‏افضل، وتداول للمال اسهل واسرع.

وهناك يمكن القول ايضا ان الطلب على المال قد زاد في السوق وجنبا الى جنب مع زيادة الطلب على الصفقات‏التجارية، وهذا في محصلته النهائية يعني زيادة سرعة التداول بطبيعة الحال.

في الاقتصاد الزراعي البدوي، في فترة الصدر الاول للاسلام، كان تبادل البضائع يقوم على اساس المقايضة، ولذلك لم‏يكن الدينار والدرهم يستخدمان كثيرا في التجارة. وحتى البضائع التي تجري مبادلتها بالمال، كان الاتجار بها بطيئا، وهذاما كان له تاثير، ولو بشكل محدود، على سرعة تداول الاموال في عموم الاقتصاد. والامر الذي يمكن ملاحظته بوضوح،بعد هجرة النبي (ص) من مكة الى المدينة، هو الازدياد التدريجي لسرعة تداول المال، كما ان انتصارات المسلمين في‏حروبهم قوت مشاعر الثقة، ودعمت مشاعر التفاؤل والامل في مستقبل افضل للمسلمين بين عموم الناس. وبعد صلح‏الحديبية((415)) ازداد هذا اليقين بشكل واضح وجلى، وبعد فتح مكة هيمن‏النظام الاسلامي، بل تم بناؤه على امتدادالجزيرة العربية.

ولذلك، ومن المحتمل جدا، واضافة الى زيادة حجم النشاطات الاقتصادية، يمكن ان يكون هذا الوجودالجديد للاسلام مساهما في زيادة تداول المال بين عموم المسلمين.

اثر السياسات المالية على قيمة العملة في فترة الصدر الاول للاسلام باستثناء السنوات القليلة الاخيرة من حكومة النبي الاكرم(ص)، كان الاقتصاد يعاني من نقص واضح في الفاعلية‏والنشاط، اذ ان هجرة المسلمين من مكة الى المدينة، والذين لم تكن لديهم اية ثروات او مدخرات، ولا حتى مهارات‏اقتصادية يمكن استثمارها في المدينة، كانت سببا رئيسا في هبوط مسالة التوازن الاقتصادي في تلك الفترة، كما ان‏الحروب العديدة التي نشبت بين المسلمين وخصومهم كانت استنزفت طاقة هائلة جدا من القوة العاملة، والتي كان يمكن‏توظيفها في فعاليات واعمال منتجة ومفيدة على الصعيد الاقتصادي، ولذلك كان ضروريا تبني سياسات مناسبة من اجل‏زيادة وتفعيل عجلة الاقتصاد وحركة الحياة.

السياسات التي تم تبنيها، والتي تزامنت مع زيادة ملحوظة نسبيا في طلب المال، كانت ساعدت بشكل ما في دفع بعض‏القابليات الاقتصادية، واستخدام بعض الطاقات، الامر الذي ساهم ايجابيا في تحديد او تثبيت قيمة الاموال.

المشكلة‏الرئيسة الاولى والاكثر اهمية في فترة حكومة النبي (ص)، وعلى صعيد السياسات المالية، هي ترتيبات تدبير المؤن‏ونفقات الحروب العديدة المكلفة التي خاضها النبي، والتي كانت بمعدل حرب واحدة في كل شهرين تقريبا.((416)) نعم، ان‏تدبير مؤونة الحرب، بما في ذلك من سلاح، ووسائل النقل، والضرورات التي تتطلبها المعارك عادة، كانت فرضت تكاليف‏ونفقات ثقيلة على بيت مال المسلمين، ناهيك عن ضرورة توفير الحد الادنى من المعيشة لكل مسلم في تلك الظروف، مماساهم في زيادة عب الالتزامات المالية على هذا البيت المثقل بالمصروفات في الاصل. هذا اذا لم نحسب مرتبات القضاة‏والحكام، ورجال الاعلام والدعوة، ونفقات الموظفين والمحاسبين وجباة الضرائب التي كانت كلها تدفع من بيت المال.

ولكن، وعلى الرغم من كل هذه النفقات والتكاليف، فان بيت المال لم يعان من اي نقص في الميزانية العامة، وعلى‏امتداد تلك الفترة العصيبة من حكم الاسلام. ومع ذلك، وفي فترة حكم الخليفة عمر بن الخطاب، وبسبب تجميع اموال‏الخراج (ضرائب الارض) التي تؤخذ من البلدان المحتلة حديثا من قبل المسلمين، فان عائدية بيت مال المسلمين، اي‏ميزانيته قد زادت زيادة معتبرة. آخذين بنظر الاعتبار كل النفقات المذكورة والمفروضة على الحكومة الاسلامية في اوائل‏سنى الهجرة، لكن الملاحظ ان بيت المال هذا لم يكن يعاني من اى نقص او عجز مالي((417))، الا في مناسبة واحدة فقط‏اضطر معها النبي (ص) الى الاقتراض بعد فتح مكة من اجل ان يدفع بعض المال لاولئك الناس الذين اعتنقوا الاسلام‏حديثا، وتمت محاربتهم من قبل بعض تجار قريش المناوئين للنبي واتباعه((418)). ومع ذلك، فان هذا القرض تمت اعادته‏الى اصحابه بعد سنة واحدة فقط، وبعد العودة من معركة حنين.

السياسات الاخرى التي اتبعها النبي الاكرم(ص) زادت كثيرا من فرص العمل وتوفيرها، بخصوص النشاطات‏الاقتصادية الانتاجية، وتشغيل الكثيرين من القادرين على العمل. فلقد حث النبي (ص) كل من المهاجرين والانصار، منذلحظة وصوله الى المدينة، الى الدخول في مشاريع وعقود تجارية كالمضاربة مثلا (وهي شراكة اقتصادية يقوم بها طرفان:الطرف الاول يوفر راسمال المشروع، فيما يقوم الثاني بادارة الاعمال)، وكذلك المزارعة (وتتعلق بزراعة الارض، وبنفس‏الشروط)، ومثلها المساقاة (وهي ان يقوم احد الاطراف بتوفير البستان، فيما يقوم الطرف الثاني بالاهتمام بالسقاية والرعاية،وخدمات العمل الاخرى التي تقوم على خدمة هذه البستان وتنميتها، واستثمار منتوجها)((419)).

اثمرت هذه السياسة عن توظيف المهاجرين والاستفادة من مدخرات ورؤوس اموال الانصار، والتي كانت على هيئة‏حقول زراعية او بساتين عامرة بحاجة الى المزيد من الاعمار والاستثمار، ومن هنا جاء توسع او توسيع النشاطات‏الزراعية المثمرة في المدينة المنورة، هذه السياسات التي ضاعفت الناتج الاجمالي لمجتمع المدينة، انتهجت بعد ان وضع‏عقد الاخوة بين المهاجرين والانصار موضع التنفيذ.((420)) وفي ضوء نتائج عقد الاخوة هذا، توسعت القدرات المالية اجمالا، وعادت كل هذه الاثار الايجابية التي سنها النبي(ص) لاتباعه عليهم بالخير والبركة، بحيث تضاعفت هذه القدرات، وادت الى قيام توازن اقتصادي جيد، ساهم في رفع‏المستوى المعاشي للناس، فضلا عن الاستقرار الاقتصادي الذي حافظ بدوره على قيمة العملة بعيدا عن الاضطراب‏والتذبذب.

ومن بين الاجراءات التي اتخذها النبي الاكرم(ص)، والتي ساهمت في تنمية النشاطات الزراعية في المدينة، هي قيامه (بتوزيع اراضي المندحرين من يهود بني النضير، على المهاجرين واثنين من رجال الانصار((421)). اجراء آخر انتهجه النبي‏خلال السنتين الاوليتين بعد وصوله الى المدينة، هو توزيعه للارض على المسلمين من اجل بناء دور سكنية لهم.

وهذا ماساهم في رفع مستوى المسلمين من ناحية الراحة والرفاهية، من جانب، وساهم في توظيف القادرين على العمل والبناء،اي توفير فرص عمل لهم، من جانب آخر. وكلا الاجرائين ساهما في رفع مستوى الانتاج والخدمات في اقتصاد المدينة،الامر الذي ادى الى ايجاد حالة من التوازن الاقتصادي المطلوب على المستوى الاجمالي للعرض والطلب.

ومن خلال زيادة الموارد المالية للمسلمين، وفي الفترة المبكرة المباشرة بعد رحيل النبي (ص)، كانت استثمارات البنية‏التحتية للاقتصاد الاسلامي قد توسعت، الامر الذي تطلب موارد طبيعية اضافية داعمة اخرى. ومن هنا جاء التركيز على‏اصلاح وتطوير شبكات الزراعة، وقنوات الري، في مصر مثلا، فمن اجل التسريع في عملية نقل البضائع البحرية من مصرالى المدينة، تم شق قناة من مدينة الفسطاط (عاصمة مصر آنذاك) الى البحر الاحمر((422))، ومن اجل تسهيل مشروع‏التطوير هذا، تم بناء مدينتين هما البصرة والكوفة((423)).

كل هذه المشاريع والاجراءات سمحت بتراكم الثروات ورؤوس الاموال في تلك المرحلة المبكرة من حكومة الاسلام.ولهذا السبب، حافظت العملة على قيمتها المستقرة من جانب، فضلا عن حفاظها على مستوى التسعيرة من جانب آخر،باستثناء سنوات قليلة برز فيها نوع من التضخم. ولذلك، ورغم ان بعض السياسات المالية تبدو توسعية ومهيمنة، الا انها،بتحصيل الحاصل، لا يترتب عليها آثار غير مرغوب فيها في تحديد قيمة العملات، والحفاظ على مستويات المعيشة‏والانتاج في الحدود الاجمالية المعقولة.

توظيف المدخرات والاستفادة منها في الاستثمار واحد من الاهداف الاقتصادية الرئيسة في فترة الصدر الاول للاسلام، هو توظيف وتوجيه المدخرات والاموال في‏مشاريع استثمارية مهمة، وقد تم تنفيذ هذا الهدف بطريقتين:

الاولى: بتطوير وتنمية الفرص الاسلامية المشروعة على شكل استثمار.

والثانية: تحريم او منع الانجرار او الوقوع في تنفيذ مشاريع لاهداف غير اسلامية.

وتشكلت الطريقة الاولى في تبني وضبط السبل التي يتمكن من خلالها اصحاب المدخرات، والمقاولون في شراكات‏ومساهمات، وفق اتفاقيات وحصص تقبل الزيادة او النقصان حسب الارباح المترتبة على توظيف المال. ولما كانت‏النشاطات الاقتصادية الرئيسة تتكون من خدمات وزراعة وتجارة واعمال يدوية((424))، فان الاشكال الشرعية المناسبة‏لهذا النمط من النشاطات، كان ياتي على شكل مضاربة او مزارعة او مساقاة او مشاركة. فالمدخرات او التوفير بناءعلى‏ذلك، كان يخصص للتجارة والاعمال اليدوية، بينما الاراضي والاملاك فكانت تخصص او يستفاد منها في الزراعة.

وبناء على حث النبي (ص) او تشجيعة للمهاجرين والانصار، فقد تقدم هؤلاء، بل بادروا لمثل هكذا مشاركات او عقودشراكة((425))، وتقاسموا الخسائر والارباح على قاعدة المناصفة اي (50%)((426)).

وحين يؤخذ عجز المهاجرين عن توفير راس المال بنظر الاعتبار، وكذلك نقص خبراتهم للمهارات الزراعية والتجارية،فقد كانت الحصة المخصصة لهم من الارباح اكثر في نسبتها قياساباخوانهم الانصار. ومن خلال هذه العقود، فقد قام‏الانصار بتعليم المهاجرين بعض المهارات الضرورية الممكن تعلمها، وبذلك استطاعوا ان يرفعوا من معدلات الانتاج،ويحصلوا على حقول مناسبة لتنمية الاستثمارات، تاتي بريعها على الطرفين.

الحسنة العظيمة لمثل تلك المساهمات او الممارسات، هي في كون اصحاب المدخرات هم انفسهم الذين ساهموا في‏تنمية وتطوير تلك الاستثمارات، وشاركوا في تطويرها. فقد كانت تجاربهم، ومعلوماتهم وخبراتهم، وطرق اشرافهم،وادارتهم، انعكست جميعها آليا في استثمار ترتيبات شراكة اقتصادية ومالية، تاتي بالنفع والخير على الطرفين المتشاركين‏او المتعاقدين. بهذه الطريقة كانت الخسائر المحتملة التي كانت تترتب على بعض الفعاليات الاقتصادية تتوزع ايضا على‏الطرفين المتعاقدين.

اما الخبرات والمعلومات التي كان يستحصل عليها المشاركون فكانت تنقل الى مستثمرين آخرين او اصحاب رؤوس‏اموال آخرين، لتنفيذ عقود او مشاريع جديدة على اساس الخبرة او المعلومة السابقة. وهكذا، بالتدريج كان تراكم المعرفة‏هذا يزداد كما في تلك الفترة من حكم الاسلام، وبذلك كانت المخاطر او الخسائر تقل‏تدريجيا ايضا في تلك الاستثمارات‏الاقتصادية.

وعليه، كانت هذه التجارب بمثابة خبرات مضافة، وزيادة في المعلومات، ساهمت في اعداد اداريين متمكنين،واصحاب تجربة في النشاطات الاقتصادية، الامر الذي قادهم الى زيادة في الانتاج، وزيادة في الدخل، وذلك عبرالاستفادة من الاخطاء في تلك التجارب. بل ان هذه الخبرات بحد ذاتها شكلت ادوات تحفيز، ودوافع جيدة لاصحاب‏المدخرات، لان يستثمروا رؤوس اموالهم وممتلكاتهم في مشاريع اكثر نفعا وفائدة.

في تلك الفترة ايضا كان القطاع العام، ومن خلال طرق متعددة، يقدم تسهيلات كانت تقوم بدور غير مباشر لتوظيف تلك‏المدخرات وتوجيهها في مشاريع استثمارية مفيدة، نذكر هنا اربعة منها:

اولها: ايجاد امكانيات انتاج متنوعة، وخلق فرص مغرية للمنتجين.

وثانيا: فرض ضرائب على النجاحات الكبيرة التي كانت تحققها بعض الوحدات الانتاجية المهمة. علما بان الطرق‏الاسلامية في فرض الضرائب لم تكن مؤذية، ولم تشكل ضررا على دوافع تلك الوحدات، كما لم تخل بكفاءات وقدرات‏تلك النشاطات الاقتصادية. اذ كانت تلك الضرائب تناسبية، ولم يكن بالامكان تجاوزها، وليست خاضعة للمساومة‏والتفاوض، وهي تعتمد على كمية الربح، ومقدار الاجارة ومعدلاتها المتباينة في تلك النشاطات والمشاريع((427)).

الطريقة الثالثة: استطاع القطاع العام رفع مستوى الكفاءة في نشاطات القطاعات الخاصة، والنتيجة كان له دور في تشجيع‏المزيد من الاستثمارات، ودفع الموسرين واصحاب رؤوس الاموال لتوظيف اموالهم، فضلا عن تطوير التقنية الانتاجية،وتوفير الاحتياج اللازم للمزيد من المهارات والاستعدادات الناشئة من قبل عموم المسلمين.((428)) العلوم الحديثة والفنون كانت تنقل بشكل مستمر ومتواصل من بلاد الروم وفارس، لتوضع بين ايدي المسلمين. وفي‏الحالات التي يكون هناك عجز لتوفير مقدمات تلك التقنية من قبل القطاع الخاص، اي خارج قدراته المالية، وفي حالة‏الشعور بحاجة المجتمع الاسلامي الملحة لاية صناعة في تلك البلدان، يقوم بيت مال المسلمين نفسه بتحمل المسؤولية‏واستيراد تلك التقنية((429)).

اما تقنية صناعة الاسلحة، ومعدات العلوم الطبية، فكانت تستورد من بلاد فارس بجهود النبي الشخصية، والمواردالمالية للمسلمين ومن قبل بيت المال العام نفسه((430)).

البنية التحتية للاستثمارات، والتي ساهمت في رفع القدرات والقابليات الانتاجية للقطاع العام، كانت دعمت وتطورت‏في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب. اذ جرى تطوير المحاسبات، ووسائل التوظيف، والحسبة عبر الاستفادة من‏الخبرات المتوفرة في بلاد فارس، بينما جرى تطوير التقنية الصناعية والزراعية، والهندسة والعمران من خبرات بلاد الروم،والتي كانت تقدم للمسلمين في الوقت نفسه ومن كلا الامبراطوريتين في آن واحد.

في خلافة الامام علي(ع) تم تطوير طرق ضرب العملة او سكها، وكذلك تنمية الادب والعلوم الانسانية وتطويرها بشكل‏ملحوظ((431)). جميع هذه القضايا كانت مؤشرات على دور الجهود التى((432)) بذلها القطاع العام لزيادة الانتاج، والخروج‏من عنق الزجاجة والطرق الخانقة، وصولا لكفاءات وقدرات اقتصادية عالية قياسا بما كان متوفرا في بلدان العالم، وخاصة‏الامبراطوريتين المذكورتين.

وفي الحقيقة، لم تكن هذه التوجهات لتساهم في بناء الكفاءات الاستثمارية وتطويرها وحسب، وانما ساهمت، بل‏سرعت، وبشكل غير مباشر في توظيف المشاريع الاستثمارية المعتبرة، وادخالها كعامل مهم لبناء الاقتصاد الاسلامي.

هناك نشاط آخر ساهم في تحويل المدخرات الى قنوات استثمار، وهو مسالة القروض بدون ربا، والذي يسمى(القرض الحسن). كانت هذه الممارسة قد جرى مباركتها والتشجيع عليها من قبل النبي الاكرم(ص)، بل تم اعتبارها واجبادينيا في القرآن الكريم، وله ثواب كبير من عند اللّه سبحانه وتعالى((433)). وهذا ما ظهرت آثاره بشكل واضح، حيث‏اعتبر دافعا استثنائيا لاصحاب رؤوس الاموال، شجعهم على تقديم اموالهم ومدخراتهم وثرواتهم الى المنتجين. وبهذه‏الطريقة فان كلا من النشاطات الانتاجية الكفوءة، وشعور المستهلكين بالراحة، وقناعات المقرضين، كلها زادت وفي وقت‏واحد.

وعلى الرغم من ان القروض بدون ربا، اي اللاربوية، ربما لا تساهم او لا تعتبر مساهمة في النشاطات الاستثمارية من‏الزاوية الاقتصادية البحتة، الا انها من زاوية النظرة القرآنية، تعتبر نشاطا انتاجيا ما دامت تعود على صاحبها بعشرة اضعاف‏امثالها او اكثر، كما نص على ذلك القرآن الكريم. ولذلك اعتبر القرض الحسن، في تلك الحقبة من حكم الاسلام، وبدون‏ربا، او نظر اليه على انه راس مال عائد بربح مضاعف، وضمان اكيد من عند اللّه طبعا.

وبعيدا عن هذه الزاوية، ولما كان القرض اللاربوي قد اعتبر واجبا دينيا، ويجلب رضا اللّه تعالى على الانسان، فان‏المسلمين، ومنذ اللحظة الاولى لظهور الاسلام، قاموا بتقديم مدخراتهم وعرضها على المسلمين، بدون اية فائدة ربوية، من‏اجل نيل رضا اللّه تعالى ومباركته.

ومن وجهة النظر الاقتصادية التفصيلية، فان‏القرض بدون فائدة، يمكن ان يخلق نظامااقتصاديا شفافا ، تكون عوائدالانتاج والاستهلاك فيه واضحة، وتقد م فيه الارباح برضا وطيب خاطر، تجعل كلا من الدائنين والمدينين يمتلكون‏المعلومات الكافية عن كل منهما، علما بان هذه القروض تجري اعادتها الى اصحابها عادة بدون اي تاخير او تكلف، اوحاجة الى اجراءات ادارية، او تبعات قانونية. ولذلك، فان هذه القروض تساهم مساهمة كبير في تنمية السعادة العامة‏للمجتمع، وتوفير او توسيع العرض الاجمالي للمال، مما يعود على الامة عمومابالرفاه والازدهار.

الطريقة الرابعة المستخدمة لتوجيه المدخرات في مشاريع استثمارية، هي الانفاق (صرف الصدقات)، والوقف (الهداياالدينية). وبسبب استشعار الانسان المسلم لمكافئات روحية ومعنوية عالية على تنفيذه لمثل هكذا نشاطات، فانه يندفع‏بحماس اكبر لتقديم النفقات والنذور والاوقاف((434)).

ان الحماس نحو الانفاق كان كبيرا بشكل، بحيث قام عدد من‏المسلمين بتقديم صور من الايثار الخالدة، (وهو تقديم حاجات الانسان الاخر على حاجات الانسان نفسه)((435)).

وللثناء على هذا النوع من الممارسة او السلوك، يعلن القرآن الكريم بان ثواب الانفاق يمكن ان ياتي سبعمئة ضعف اكثرمن قيمته الحقيقية.((436)) ولهذا السبب لم يكتف الاصحاب واتباع النبى الاكرم (ص) بتنفيذ الوان من الانفاق المستحبة في‏الاسلام، ولكنهم نذروا الكثير من اموالهم واملاكهم كاوقاف لمصلحة المسلمين. وهذا ما عبرت عنه الهبات التي قدمها الامام‏علي(ع)، وسيدتنا الزهراء(س)، والعديد من صحابة النبي الكرام، وتم تداولها في التاريخ لتدل على عظمة تلك المواقف والمثرالخالدة((437)).

ان مصدر الانفاق ياتي عادة على شكل نقد او اية ممتلكات منقولة، ما دام يحق لكل فرد مسلم اشباع او سد حاجاته‏الخاصة والبيتية بما يناسب وضعه الاجتماعي، وبعدها يمكنه ان ينفق ما شاء من الاموال الفائضة او المتبقية. ويمكن ان‏يكون الوقف على هيئة عينات مدخرة، كان تاتي على شكل بيت، او حقل، او بستان، او كل ما يمكن استخدامه في النفع‏العام كالمساجد، والمدارس، والمستشفيات، والجسور، وقنوات المياه، والسقاية، وتمويل القوافل التجارية وما شابه ذلك.

ان التزام المسلمين وحرصهم على تنفيذ هاتين الممارستين، ومنذ صدر الاسلام الاول ولحد الان، كان من العظمة‏بشكل ان هناك في كل بلد اسلامي نسبة كبيرة من الثروات كانت تخص ص كهبات لسد حاجات المرافق العامة‏للمسلمين، سعيا وراء احياء سبيل اللّه سبحانه وتعالى، ووصولا لقبول اللّه تعالى ورضوانه((438)).

الضوابط والمحددات لقد حدد الشارع المقدس في الاسلام سلسلة من السياسات لتوظيف المدخرات في مشاريع استثمارية نافعة، الا انه،في الوقت نفسه، وضع محددات وقيود معينة لمنع الانحراف او الانجرار عن هذه السلسلة المقبولة او الطريق المشروع،والحيلولة دون استخدام هذه النشاطات الاقتصادية في سبل او اهداف غير مرغوبة او غير نافعة.

نذكر مجموعة قليلة من هذه القيود بايجاز وكما يلي:

1 تحريم الاكتناز (كنز العملة):

ونعني بالكنز هنا هو كنز الدرهم والدينار. فالاكتناز يقلل من تداول العملة، ويسبب طلباعاجلا لها في السوق. وكماذكرنا سابقا، فان هذا الاجراء محرم تحريما مطلقا في الاسلام، ومدانا بنص القرآن الكريم((439))، وان هذا التحريم يؤدي‏بوضوح الى خلق حالة من التوازن في السوق، لانه سيضع العملة موضع التداول، وهذا ما يقود بدوره الى الحفاظ على قيمة‏العملة، ودورها في حفظ الاستقرار والقدرة الشرائية لافراد المجتمع.

2 تحريم الربا:

كان الاستخدام الاكثر شيوعا للمدخرات قبل الاسلام هو الربا، او الفائدة الربوية والقرض المشروط اما للتجارة اوللاستهلاك.

اذ كانت التجارة قبل الاسلام تتطلب راسمال معتبر، يتطلب هو الاخر الى قيام طلب جوهري واساسي على‏القروض (النفعية) هذه. فاثناء اجراء القرض، يضع المقرض شرطا، بان القرض يجب اعادته مع كمية اضافية محددة وفي‏زمن محدد((440)).

النوع الثاني من هذا الاستخدام الربوي للثروة، يسمى فائدة الصفقة، حيث كان المرابي يبيع بضاعته بمدة زمنية اضافية‏مقابل كمية من نفس البضاعة تضاف الى كميتها الاصلية اثناء الاعادة.

من وجهة نظر اثرياء قريش، كانت هذه الوسائل تعتبر المرجحة والاكثر فائدة للحصول على منافع مؤكدة من مدخراتهم،وذلك لان الممول المرابي، وبدون ان يقدم اي جهد او يتعرض لالام عمل او سفر او نقل لبضاعته، والتي هي جزء لا يتجزامن تبعة التجارة طبعا، الا انه اي الممول يجني ربحا سهلا ومعتبرا دون ان يتحمل اية معاناة من قبله يقدمها مع امواله‏المباعة.

ولما كانت المدخرات محدودة بين عدد من سكان الحجاز العاديين، الذين كانوا عموما من البدو، وان التجارة كان لهادور كبير في تهيئة الطلب على رؤوس الاموال، فكانت هناك ارباح طائلة يجنيها هؤلاء المرابين من تلك الصفقات الربوية‏الكبيرة.

بالاضافة الى ذلك، ان هؤلاء المرابين لم يكونوا ليتحملوا اية مخاطر او تبعات التي عادة ما ترافق تلك النشاطات‏التجارية.

ان المسافات الطويلة في الصحاري غير الامينة، التي كانت تقطعها القوافل التجارية، والتي كانت عرضة‏للعديد من‏مخاطر تلك الطرق الطويلة الوعرة، الا ان راس المال المقدم من قبل المرابين يجب ان يعود كاملا لهم من قبل المدينين،وفي حالة عدم قدرتهم على اعادة ذلك المال كاملا غير منقوص، فانهم يتحولون الى عبيد لدى الدائنين المرابين((441))،حسب الاعراف والتقاليد المتبعة آنذاك.

وبعيدا عن هذه المحاسن، فان المرابين لم يكونوا ليقلقوا حول نجاح او فشل هذه الصفقة التجارية، ولم يكن عليهم‏ليتحملوا اية مسؤولية في ادارة تلك الحملات او يهتموا بنتائجها، بقدر ما يهتموا بضمان عودة راسمالهم مع فائدة ربوية‏اكيدة.

كما انهم غير معنيين بتدقيق الحسابات سواء كانت على مستوى المصاريف او البيع او الشراء، ولم يكن يعنيهم حساب‏الارباح او الخسائر التي تترتب على نتائج وخط تلك الحملات، كما هو الحال مع المشاركين او المساهمين عادة.

وهذا يعني ان المرابي ليس عليه ان يزعج نفسه باحوال السوق ودراستها والاهتمام بها، ولا ان يجري اي حوار مع‏المدين لتنبيهه او تدريبه على نشاطات السوق والاسعار والبضائع، او اي شي من هذا القبيل. وبالتالي، فان هؤلاء المرابين‏ليسوا بحاجة الى ازعاج انفسهم واقلاقها بكل ذلك، ولذا تراهم يفضلون هذا النوع من الصفقات، اي القروض الربوية على‏الشراكات التجارية، والتي تدر عليهم ارباحا اكيدة دون عناء.

لقد ادان النبي (ص) هذا النوع من التعامل، اي المراباة، ومنذ اللحظة الاولى لنزول رسالته للناس، وكثيرا ما حذرالمسلمين من الانجرار الى هذا العمل، بل حرم عليهم ذلك تحريما مطلقا.

وفي اثناء قيامه ( بتعليم الناس الاخلاق الاقتصادية، وادانته للمراباة، فانه استطاع تدريجياان يحدد دائرة تلك الممارسة‏الى ادنى حد ممكن((442)). وبعد فترة قام بتحريم الربا المرك ب، وبعدها، وفي السنوات الاخيرة للهجرة، كادت هذه‏الممارسة والصفقات المترتبة عليها ان تضمحل تماما، وخاصة بعد ان عرف او اعلن ان هذا النوع من العمل التجاري يعتبرمن اشدالذنوب واعظمها في الاسلام.((443)) واخيرا انكمشت هذه الممارسة تماما، بعد هيمنتها الطويلة على الحياة الاقتصادية، حتى انتهت تماما في تلك الفترة‏المبكرة من حكم الاسلام، واصبحت الاموال والمدخرات تستخدم فقط وفقط وفق الاهداف والوسائل المشرعة في‏الاسلام، ولخدمة اهداف الاسلام الكبرى المارة الذكر.

ان تحريم الربا والمراباة حدد وبشكل كبير دائرة استخدام المدخرات والاموال الوفيرة في الحركة الاقتصادية. وهذايعني انه لم يبق امام اصحاب رؤوس الاموال الا استخدام اموالهم في ما يسمى المشاركات او المساهمات، والارباح‏الموزعة بعدالة، ووفق القوانين المعروفة في الشريعة الاسلامية.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية