الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

ونتيجة لذلك، فان تحريم الربا دفع المتمولين من اصحاب رؤوس الاموال بان يعتمدوا مبدا الاستثمارات المباحة لتوفيرالارباح لهم ولمدخراتهم. وهذا ما ادى الى تحولات اخرى، او تغيرات اقتصادية، جاءت كنتيجة طبيعية لتغير الحقوق‏الاقتصادية للافراد، وضمن الاهداف المشروعة او الاستحقاقات الشرعية للاقتصاد الاسلامي في تلك الفترة المبكرة من‏عمر الاسلام، وجنبا الى جنب مع ايجاد محفزات اخرى لكل من المنتجين والمستثمرين، وحثهم على البحث عن ابداع‏وخلق امتيازات شرعية وقانونية وبنسب معقولة ساعدت هي الاخرى في زيادة مشاريع المساهمات والمضاربات‏التجارية المشروعة((444)).

هذه التحولات ادت بالنتيجة الى زيادة الاقدام على الاستثمارات في الصدر الاول للاسلام، واوجدت نوعا من التعاون‏والتوازن بين تداول العملة من جهة، وزيادة معتبرة في انتاج البضائع من جهة اخرى.

3- تحريم صفقات كيلي بكيلي((445)) ان التحولات المذكورة سابقا، اضافة الى التوسع الذي حصل في التجارة والنشاطات الاقتصادية، تطلب بعض‏الاصلاحات الضرورية في بنية السوق، الامر الذي ادى الى زيادة ملحوظة في نشاطات الخدمة العامة وبسرعة اكبر وكفاءة‏اكثر ايضا. وهذا ما يعني ان التحولات والاصلاحات التي احدثها الاسلام، كانت من السعة والشمولية والامتداد بما لا يمكن‏الحديث عنه او مناقشته في هذا البحث الموجز.((446)) ولذلك، فاننا نركز هنا على واحدة فقط من هذه التحولات لنرى كيف انها اثرت على موضوع توظيف المدخرات ومشاريع‏الاستثمار.

ففي الاسلام، يعتبر التعامل التجاري لكل من النقد واوراق التعهد جائزا ومسموحا به. ففي المعاملات التجارية النقدية‏يجري تبادل المال والبضائع في آن واحد، اي يد بيد، بينما في المعاملات التفاوضية (الحوالات)، فان البضائع تسلم في‏وقت العقد، فيما تدفع الاموال بعد فترة معينة، ويكون قد مضى على العقد زمان. وهكذا وبالعكس، فان المال يمكن ان‏يدفع نقدا بينما لا تسلم البضاعة الا بعد فترة محدد يتفق عليها بين المتعاقدين.

اما اذا لم تسلم البضاعة، ولم تدفع النقود في وقت توقيع العقد، فان هذه المعاملة التجارية او الصفقة تسمى كيلي بكيلي،وهذه هي المحرمة فعلا في القانون الاسلامي.

فلو لم يكن هذا النوع من التعامل محرما، لامكن نشوء او حدوث تحولات سوقية مختلفة على الذهب والفضة‏والممتلكات الثمينة الاخرى، وقد توضع نسبة معينة يمكن ان تخصص للمدخرات كنوع من المضاربة غير المشروعة لهذاالسوق او ذاك. ففي هذه القضية، وبدون ايجاد فائض قيمة حقيقي للاقتصاد، فان الدخل يمكن ان يستحوذ عليه من قبل‏اصحاب المدخرات، وهذا يؤدي الى خلخلة التوازن في حركة تداول العملة والبضائع على حد سواء.

ان تحريم الاسلام لهذا النوع من المعاملات، يحول دون تحريف الهدف من انتاجية المدخرات، واحتمال وقوفها حائلابين تداول البضائع والتوزيع العادل للثروة، وخدمة الناس وفتح اسواق جديدة، تماما كما هو دور تحريم الربا او التعامل‏الربوي، الذي يحول دون رواج اسواق القروض التي ليست لها اية فائدة انتاجية او خدمية للمجتمع، «وهذا يعني بايجاز ان‏تحريم الاسلام لهاتين الممارستين، انما يقود الى توظيف المدخرات بشكل نافع من جهة، ويقف دون تحول الاموال بذاتهاالى ادوات غير منتجة بيد فئة قليلة من الناس من جهة اخرى‏» ((447)).

آليات السياسة المالية الاستنتاج الذي يمكن تصوره من النقاش السابق، هو انه ليست هناك اليوم ولا حتى وسيلة واحدة من وسائل تنفيذالسياسة المالية، كانت تستخدم في فترة الصدر الاول للاسلام. فبسبب الحاجة او عدم وجود النظام المصرفي مثلا، وبسبب‏استخدام البضاعة كاداة مالية، لم تكن هناك اية اسس او قواعد لعرض المال خلال معايير اختيارية.

اضافة الى ذلك، ان العهود والمواثيق لم يكن لها دور في ايجاد المال.

اولا: لان العهود كانت تعقد بين عدد قليل من التجار.

وثانيا: لان تنظيم فاعلية استخدام الحوالات التفاوضية وآلياتها كان يجرى بطريقة لا تسمح للتعهدات، مهما كانت‏متينة، لان تؤدي دورها في ايجاد او طرح العملة في السوق((448)).

ان اوراق التفاوض المالي او الحوالات التبادلية، تحرر فقط في حالة بيع بضاعة حقيقية، او عند استلام كمية من المال،اي ان هذه الوثائق والمستمسكات لا يمكن اصدارها لاهداف مجردة تخص التعهد نفسه. وهذا يعني، انه بعد اصدار هذه‏الوثائق يصبح بامكان المتعهد بيع الاوراق الا ان المدين لا يسمح له في بيع المال او البضاعة قبل استلامها. ولذلك، فليس‏هناك سوق للبيع او الشراء بليات تفاوضية، او صفقات مضاربة، او سندات سوق مالية، وهذا يعني، ايضا، ان التعهد لوحده‏لا يمكنه ان يطرح مالا او يسوق لحركة مالية.

ان القاعدة السابقة يمكن ان تؤثر على الاستقرار او التوازن بين سوق البضائع وسوق المال اللذين يعتمدان على‏الصفقات التجارية القائمة على النقد. وفي مسالة النسيئة اي الدفع بعد اجل وبعض المعاملات الاسلامية الشرعية، حيث‏تباع البضاعة الان، ولكن دفع قيمتها ياتي لاحقا، فان المال هنا يؤخذ او يدفع من اجل البضاعة فقط، او كخدمة اقتصادية‏مجانية.

بكلمة اخرى، ان المال هنا يمكن تبادله فقط في التجارة التي تخلق فائض قيمة حقيقي في الاقتصاد. وحتى في هذه‏الحالات، فان المال يجري تبادله في اطار البرنامج الاسلامي الشرعي. اما في الصفقات الاخرى، كالمقامرة والمراباة،وكيلي بكيلي، فان البيع والشراء وكل الوان التعهدات والحوالات في هذه الدوائر محرمة تحريما باتا. وبذلك، فان التوازن‏بين المال وتداول البضاعة في الحركة الاقتصادية يبقى محفوظاومصانا .

واذا اخذنا بنظر الاعتبار الحالة المقاربة لاستقرار وسرعة تداول العملة، لاي فترة من الفترات، فاننا نستطيع القول ان‏حجم المال في الاقتصاد كان دائما مساويا لقيمة البضائع المنتجة في هذا المكان او ذاك.

هناك وسيلة اخرى، تستخدم الان لتنظيم مقدار المال الذي يطرح للتداول، وهي شراء وبيع ادوات التفاوض من قبل‏المصارف والبنوك المركزية، والتي تسمى عملية السوق المفتوح. اذ من الواضح ان هذه الوسيلة لم تكن مستخدمة في صدرالاسلام، وليس هناك ما يشير اليها لا من قريب ولا من بعيد.

وهناك وسيلة ثالثة، ايضا، يجري استخدامها هذه الايام، وهي زيادة او تقليل نسبة الفائدة التي تفرضها البنوك على‏القروض.

وهذه لا وجود لها اصلا في الاسلام، لمجرد طبيعتها المعروفة، لان‏الفائدة في الاسلام محرمة بالاساس، ولاشرعية لها اطلاقا في القانون الاسلامي.

وبدلا من ذلك، فان النظام الذي يتحك م بالاستهلاك، والادخار، والاستثمار، والتجارة صار يتوفر على تقديم وسائل‏مندوبة اخرى لتنفيذ السياسات المالية، والتي تقوم على الاستقرار وضمان التوازن بين المال والبضاعة من جانب، وعلى‏الحيلولة دون انحراف او تحريف هدف المدخرات عن وجهته الصحيحة، لايجاد الاستثمارات الحقيقية، وايجاد الثروة‏والحفاظ على تداولها بين اوساط المجتمع، يضاف الى ذلك منح مكافت روحية ومعنوية ودينية للعمل بحدذاته، وكل‏انماط النشاطات الاقتصادية الشرعية والمساهمات التي قام بها اصحاب النبي الاكرم(ص) انفسهم في مجالات التجارة‏والفاعليات الزراعية، والتي ضاعفت من قيمتها المعنوية في عيون المسلمين ومشاعرهم.

لقد لفت القرآن الكريم انظار المسلمين الى وجوب الاستفادة من المصادر الطبيعية التي وهبها اللّه تعالى لبني الانسان.وبذلك فقد وسع آفاق المسلمين واصل رؤيتهم الى الكون والحياة، ودعاهم الى المساهمة الكاملة والفاعلة في جميع‏النشاطات الاقتصادية المشروعة.((449)) وهذا ما شحذ عزيمة المسلمين، وجذر اصرارهم على المشاركة في استثمار النشاطات الاقتصادية، ونقل ثرواتهم‏ودخلهم الى ما فيه النفع العام، من خلال القرض الحسن، والنفقة، والوقف، كما مر ذكره.

طرق توثيق الاعتماد تطرح هنا اسئلة مهمة مفادها: ماذا كانت طريقة توثيق الائتمان للنشاطات المختلفة، كالاستثمار والقروض بدون فائدة‏او الانفاق؟ وفي اي سوق كان يجري اعتمادها؟ وما هي العوامل التي كانت تتحكم في برنامج الاعتماد هذا؟ وقبل الجواب عن هذه الاسئلة، من الضروري تقديم تعريف لانواع السوق التي كانت موجودة في الصدر الاول للاسلام.وبعد ذلك يمكن ان نوضح معيار القرار او الميزان المعتمد في تلك الفترة، وعلى اى اساس كان قائما.

نقصد بالاعتماد هنا، فائض النقد الذي كان يمكن توفيره للمشاريع الاستثمارية، والقرض الحسن، والانفاق، والوقف.

في الفترة الاولى للاسلام، كما راينا، ونتيجة لتحريم الاسلام للمراباة، والمعاملات التجارية القائمة على الكيلي بكيلي،لم يكن هناك اي سوق للقروض او الاسواق المستقبلية، ولم تكن العملة لوحدها قادرة على تحصيل الفائدة. فالنشاط‏السوقي الوحيد للاقتصاد آنذاك كان قائما على سوق البضائع التي تتم المتاجرة بها لغرض الاستهلاك والاستثمار. كما ان‏السماح او الجواز الشرعي لاستخدام النقد، والمعاملات التجارية القائمة على الثقة، والبيع بالاقساط، والبيع والشراء بليات‏الدين والاقتراض المسموح بها شرعا، وعقود المساهمات والشراكات الشرعية الاخرى، كلها ساهمت في تسهيل مهمة‏النشاطات والفعاليات الاقتصادية. ولهذا السبب فان قواعد وآليات التنظيم الشاملة نمت وتطورت، حيث تحكمت باوضاع‏السوق وتسويق البضاعة، كشروط تبادل البضائع، والقدرة الشرعية للبائع والمشتري، ونوع المعاملات التجارية المطروحة،وحقوق السلطة والجماعات المتعاقدة، والتزاماتهم في تنفيذ تعهداتهم وخياراتهم في تحقيق الاهداف وامثال ذلك.

ان هذه القواعد والاليات اصبحت من السعة والامتداد، بحيث تحتاج الى دراسات مستقلة، لكونها تتحكم بعموم‏الصفقات والمعاملات التجارية الجارية في السوق. ولكن يكفينا القول هنا، بان هذه الترتيبات او الاجراءات تدخلت في‏توجيه بنية السوق وحركته بطريقة قللت كلفة الصفقات والعقود، وسهلت انسيابية المعلومة في السوق او في الحركة‏الاقتصادية عموما، (اي حالت دون رواج ما يسمى اليوم السوق السوداء، وتحكم هذه السوق بالتسعيرة وشفافية الحركة).((450)) ان التقلبات التي كانت تحصل في اسواق فترة الصدر الاول للاسلام، كانت تنشا عن تغيرات القيمة النقدية للبضائع‏والخدمات، وكذلك قيمة الاعتمادات المالية، والمدة المعتمدة في الصفقات والمعاملات التجارية، ونسبة النفع او الربح في‏النشاطات التجارية، ونسبة عوائد الاستثمارات، وقيمة عوامل الانتاج، ومدة القرض الحسن، ومعدل الحسم او الخصم‏المسموح به شرعا في آلية الدين، وغير ذلك. وباخذ هذه المتغيرات في سوق البضائع بعين الاعتبار، فان طريقة توثيق‏الاعتماد يمكن ان تطرح بشكل اوضح، اذ ان‏بعض المتغيرات التي ذكرت كالقيمة النقدية للبضائع، وقيمة الخدمات، وعوامل‏الانتاج، كلها ساهمت في تحديد اتخاذ القرار المعتمد في آليات الاستهلاك والانتاج وفي فترة زمنية معى نة.

اما المتغيرات الاخرى، كمعدل صفقات الاعتماد، ومعدل عوائد الاستثمار، ومعدل الارباح في النشاطات التجارية،ومعدلات الخصم، والتعاط‏ي مع قروض (القرض الحسن)، والمعاملات التجارية القائمة على الثقة، والمدة الزمنية المطلوبة‏لتقدير وحمل النشاط الاستثماري، كلها كانت متعلقة بقرارات زمنية وظرفية تختص بانتاجية دخل الافراد وانتقاله من‏سوق الى اخرى. وبمساعدة هذه المتغيرات، او بدراستها والتامل فيها، يمكن ان نحلل برنامج القرارات او الاجراءات‏المتخذة بشان هذه القضية او تلك.

وربما يكون الاجراء الاكثر اهمية في مجال توثيق قيمة المدخرات، هو الاختلاف والتباين بين قيمة النقد وقيمة‏البضاعة. فالموفر او صاحب المدخرات، يمكن ان يتوقع انه فيما اذا اشترى البضاعة المطروحة بالنقد، وبعدها باعها بحوالة‏اعتماد، فانه في نهاية المعاملة التجارية يمكن ان يكون لديه كمية من الدخل مساو لذلك التباين بين القيمتين.

ولذلك، فان الاختلاف بين النقد وقيمة توثيق البضاعة، هو الذي كان قرر عائدية صفقة الاعتماد، وفي ضوء معدل اية‏مدة زمنية، يمكن ان يتوقعها صاحب الادخار، اي صاحب التوفير.

وعلى هذا الاساس، فانه يستطيع ان يستثمر مدخراته،ويتقبل مخاطر اكبر فقط عندما يتوقع ان معدل عائدية الاستثمار ستكون اكثر من معدل قيمة توثيق انتاجية البضائع نسبة‏الى قيمتها النقدية. وبالنتيجة فان الاستثمار سوف يحصل عند اية نقطة يكون معدل عائدية الاستثمار فيها مساو الى معدل‏عائدية صفقة التوثيق.

من ناحية اخرى، ان الدائنين الذين يريدون ان يبيعوا سندات القروض، عليهم ان يعرضوا هذه السندات بقيمة اقل من‏قيمتها الظاهرية، لكي يوجدوا محفزا للمشتري يشجعه على شرائها. اذ ان المشترين سوف يشترون السندات فقط عندمايضمنون ان قيمة عائدية الصفقة ستكون اما مساوية او اكثر من معدل قيمة عائدية توثيقها. وعلى ذلك، وبالموازنة، سيكون‏هذان المعدلان متساويين، مثله مثل معدل الخصم الذي يكون مساويا الى معدل الاعتماد.

تاسيسا على ذلك، فان الشخص سوف يخصص مدخراته للاستثمار والتجارة ومعاملات الائتمان وحوالات الخصم‏حسب النسبة، وحيث يكون معدل عائدية صفقات الاعتماد مساويالمعدل عائدية الخصم.

وكلما كان معدل عائدية صفقات الاعتماد اقل، او مقارب لمعدل عائد الاستثمار، كان مستوى نسبة الاستثمار اعلى.وهكذا يبدو ان السياسة المالية في صدر الاسلام الاول كانت تتجه باتجاه تخصيص معدل عائد الائتمان التجاري، وكذلك‏الحوالات والسندات الى اقل درجة ممكنة، من اجل تشجيع الاستثمار. كما ان تحريم الفائدة الربوية، والكنز، وصفقات‏كيلي بكيلي لمنع المال من فرض هذه الفائدة، وكذلك ايجاد محفزات الاستثمار، واستخدام جميع السياسات المالية التي‏تحث على زيادة الانتاج، وتوزيع الاسهم المالية العامة، لزيادة انتاجية الراسمال الاجتماعي، كلها مؤشرات ودلالات على‏محاولات القطاع العام لزيادة معدلات ارباح النشاطات الاستثمارية للقطاع نفسه، وفي ذات الوقت تقليل معدل ارباح‏معاملات الاعتماد الخالصة. المحفزات المالية هي الاخرى، فضلا عن القوانين والترتيبات التنظيمية، كانت تستخدم لانزال‏استقطاعات في معدلات الخصم على المدى الطويل.

من وجهة نظر التوازن بين النشاطات المذكورة آنفا من جانب، والانفاق والوقف من جانب آخر، فان النشاطين‏الاخيرين يمكن اعتبارهما على حساب الاستهلاك او الانتاج.

ففي الحالة الاولى: اذا اعتبر الانفاق والوقف استهلاكا، فان التوزيع يمكن ان يقوم على اساس اعتبار الاوقاف والوقف‏بضائع للاستهلاك.

وفي الحالة الثانية: عندما يعتبر الانسان الانفاق والوقف عملا انتاجيا، فان كلا من هذين النشاطين سيكون له عائده‏الاجتماعي الخاص. اذ ان المعدل العام لعائدية الانفاق والوقف سوف يقوم على اساس المنظومة القيمية، وتوقعات اوتطلعات الفرد لهذا النمط من الاستثمار او ذاك. كما ان معدل عائدية الربح الاجتماعي سوف يقاس على اساس عائدية‏وفائدة كل من هذين النشاطين، ودورهما في صياغة المجتمع وقيمه واهدافه.

وما دامت الاهداف الاساسية لكل من هذين النشاطين، تقوم على الحرص على ازدهار المجتمع ورفاهية ابنائه، وجعلهاعلى احسن ما يرام، فان المسلمين كثيرا ما اخبروا او تمت مناشدتهم حول القيام بمسؤولياتهم الاجتماعية، الخاصة منهاوالعامة، وبمعدل متراتب تكون نقطة الالتقاء فيه تتجه على ايجاد حالة من التوازن الاقتصادي مقبولة ومرضية عندالجميع.

الاسلام ومفاهيم التنمية

الشيخ ابو القاسم مقيمي حاجي

ترجمة: محمد عبدالرزاق تمهيد شهدت الحياة الانسانية عبر التاريخ تحولات عديدة على مختلف الاصعدة، فاخذ يكتسب كل قرن طابعا خاصا به،وفكرا جديدا يمتاز به عما يسبقه من قرون، وكان ذلك التحول في القرن الاخير مصحوبا بسرعة فائقة في تغير الملامح‏وتعاقب الافكار والمشارب، فظهرت اتجاهات تسمى بال (حداثة) و(التنمية) وغيرها، فاخذت تحتل حيزا كبيرا في‏الاوساط العلمية، وباتت من شواغل العقل البشري المعاصر من جهة، ومن اعقد بحوث العالم المعاصر من جهة اخرى.

فرضية التنمية الغربية لقد قادت مظاهر التطور الرفاهية والنمو الانتاجي كما وكيفا في العالم الغربي، البعض الى القول بحتمية الانقياد والسيرعلى النهج الغربي من قبل الشعوب كافة، وضرورة ان تحكمها الثقافة الغربية. معتبرين ان السبيل الوحيد هو تقليد الغرب‏على جميع الصعد وان تضمن الفكر الغربي استبعاد الدين واتسم بالنزعات الانسانية والمادية الامر الذي شكل هدفالدى الساسة الغربيين، فدعوا الى تطبيق النموذج الغربي في مجال التنمية والتطور((451)). وقد صور هؤلاء الانسان في‏صورتين:

الاولى: هي تلك المجتمعات القاطنة بالارياف، بعيدا عن النظافة والاصول الصحية وغير ذلك من متطلبات الحياة.

وهم‏ما يزالون في صراع مع الكوارث الطبيعية، مثل: السيول، الجفاف، الاوبئة، الامية والتخلف... وعلى وجل مما يجهلون به،لذا فهم يلتمسون لانفسهم الخرافات التي تربطهم بالجوانب الغيبية.

ويصورون في المشهد الثاني: مجتمعا آخر يسكن المدن المتطورة او النامية، والصناعية او القريبة منها، فهو ينعم بالصحة‏والامان، والعلاقة الاجتماعية والفردية التي تنبؤه بالسيطرة على الطبيعة وتسخيرها لصالحه. وان احصائيات الوفيات في‏هذا المجتمع الاخذة في التراجع هي خير دليل على كل ذلك. وراحوا يرسمون صورة الانسان في مثل هكذا مجتمع، بانه‏الانسان اليقظ، الواعي، المتمتع بجميع وسائل التعليم، بعيدا عن الاضطرابات والمخاوف، مع ثقة بالنفس في طريق يعرف‏احكامها وعللها، ولا يحمل بطبيعة الحال هذا المجتمع اعتقادا دينيا راسخا باللّه والمعاد، بل يعتبر الايمان بالغيب ضربامن عبادة الاساطير والخرافات((452)).

وقد طلب هؤلاء من شعوب العالم الثالث ان تقارن بين الصورتين وتختار قرارها بنفسها.

واعتبر البعض انطلاقا من النظريات الكلاسيكية لمذهب (الحداثة) ان الدين من معوقات التنمية، فطالبوا بحذف القيم‏الدينية والاخلاقية كمقدمة تفسح المجال امام ولادة مبادئ الحداثة والتجديد. يضاف الى ذلك، الرغبة الذاتية في التنمية‏والتطور عند الجميع، الامر الذي كان دافعا وراء اقبال دول العالم الثالث على تقليد التنمية الغربية بجميع مظاهرها.

على صعيد آخر، دعت الحاجة الملحة ل(الدين)، وما نتج من سلبيات عن التنمية الغربية، من قبيل: شيوع الفاحشة،والجريمة، وانهيار النظام الاسري((453))، واستفحال الامراض النفسية، والتمايز الطبقي، والاسراف والتبذير، و...

((454))،دعى البعض الاخر للمطالبة بحماية الدين في قبال اشكاليات الحداثة وآثارها، ضمن اطر (الاصلاح)، مع الابقاء على‏جملة من المبادئ الفكرية ل(الحداثة والتنمية) الغربية، كالنزعة الانسانية والعلمانية و... .

اسئلة جوهرية نظرا لتزامن حاجة الانسان ل(الدين) و(التنمية)، فلا بد من رصد نقاط الالتقاء والافتراق بين الاثنين، وذلك من خلال‏الاجابة المنطقية عن الاسئلة التالية:

هل الدين يرفض كل اشكال التنمية بجميع ابعادها؟ ما هي القواسم المشتركة بين الدين والتنمية؟ هل السير باتجاه التنمية يلغي القيم الدينية والمبادئ الاخلاقية؟ هل النموذج الغربي هو السبيل الوحيد لتحقيق التنمية الشاملة؟ ما هو راي الاسلام بمقولة (التنمية)؟ وما هي مباني واصول التنمية الاسلامية؟ كيف يمكن التوفيق بين ثوابت الاسلام والتجدد في متطلبات الانسان؟ لدراسة مفاهيم الاسئلة المتقدمة، يتعين علينا اولا الخوض في معاني بعض المفردات والاصطلاحات الواردة فيهالتشعب معانيها، ومن ثم نتطرق للاجابة عن الاسئلة.

القسم الاول التعريف ببعض المصطلحات الاساسية 1 التنمية تاريخيا ظهرت بوادر التحول الاقتصادي في انكلترا في القرن السابع، ومن ثم اخذ يشق طريقه الى انحاء اوربا وامريكاالشمالية((455))، حتى اصبح له دور مهم في مجالات الصناعة، والاقتصاد، والثقافة، وترك بصماته ايضا على صعد العلم‏والدين والاخلاق والسياسة والاجتماع.

وكان الابرز بين تلك الارقام، لا سيما في القرنين السابع والثامن، هو التحول الاجتماعي والاقتصادي الذي اثر بشكل‏واقعي على نواحي مختلفة من الحياة.

وعنوان (الثورة الصناعية) هو الاسم الذي اطلقه المحللون والمؤرخون الغربيون على مجموعة تلك التحولات‏الحاصلة((456)).

لقد ادى ظهور (التنمية) و(التجديد) الى ولادة قوى عظمى في الاقتصاد العالمي، مما خلق هوة كبيرة، وبونا شاسعا بين‏تلك الدول المتطورة، وغيرها من الدول الاخرى.

واذا ما سلطنا الضوء على الدول المتطورة صناعيا، سيتضح لنا جليا ان التنمية والتطور فيها كان قائما على التجارة‏وطلب المنفعة، ورفع المستوى الانتاجي. وقد شكلت الرغبة الملحة في التقدم لدى الانسان الحديث، هاجسا مقيماوركنااساسيا لروح التفكر الجديد. حتى باتت بعض الدول الغربية في قلق من التخلف او عدم اللحاق بركب التطور((457))،وكما يقول (هيلبرونر) عالم الاقتصاد الامريكي:

(كما نعلم، ان دافع المنفعة ظهر بظهور (الانسان الحديث)، وما تزال الفكرة النفعية ملتبسة المفهوم لدى الغالب من شعوب‏العالم، نظرا لدخول مفردة المنفعة في اطارها. في حين خلت منها صفحات التاريخ في السابق تماما... ان هذه النفعية،ومنطلق ان كل فرد يجب عليه التفكير دائما بتحسين حياته المادية، لم يكن معروفا لدى الطبقات السفلى والمتوسطة في‏مصر واليونان والرومان، وكان هجينا ايضا بالنسبة لاوربا في القرون الوسط‏ى. انما انتشر كل ذلك ابان عصر النهضة‏والاصلاح، في حين كان غائبا عن اغلب الحضارات الشرقية.

ان هذه الظاهرة الاجتماعية التي اخذت تنتشر كالمطبوعات هي حديثة العهد.. وان انعدام الفكر النفعي لدى البعض‏بصفته مرشدا مرافقالهم... كان سببا في ايجاد ذلك البون الشاسع بين العالم الجديد في القرن العاشر وحتى السادس عشر،وبين العالم الذي جاء بعده).((458)) 2 الحداثة وسماتها ثمة خلط بين مفهومي (التنمية) و(الحداثة) لدى البعض، ولده التحامهما العملي في الظهور الخارجي، فلم يفرقوا بين‏تداعيات المعنين. وهذا تعريف بهما:

ان مصطلح (الحداثة) مشتق من الكلمة اللاتينية ((رحرذ ، وتدل بمفهومها الاصلي على المعايشة اليومية ( (ش‏رحرژ ح‏ر اوالمتابعة (.(ژذحززس‏ح ژخ ژچخس فاستخم مصطلح الحداثة للتمييز بين الاساليب المعاصرة للحياة الفردية والاجتماعية، وما اعقب مرحلة عصر النهضة في‏الغرب، وبين الاساليب التقليدية.

اذن، فهي الحداثة مبنية وفق تقاليد وثقافة واقتصاد الغرب، ولها جذور وارتباط بمعارفهم الحسية والعقلية((459)).

ان المذهب (الحداثوي) يحمل في معانيه، العقلانية المعاصرة، والحضارة الجديدة في اوربا وامريكا الشمالية خلال‏القرون الاخيرة((460))، لا سيما مطلع القرن العشرين. وكان من مميزات (الحداثة) الذاتية، هو رصدها السريع للتحول في‏العصر الحديث، واتساع رقعتها ومحتواها الواقعي. ففيما يخص سمات المحتوى التي تميز الحداثة عن التنمية يمكن‏الاشارة لسماتها الخاصة في المجال المعرفي، والوجودي و... ((461)).

يرى المذهب الحداثوي، في الجانب المعرفي، ان الانسان لا يملك سوى ادراك الظاهر، ولا يمكنه ادراك الواقع ايضا،ومن خلال القول باصالة العلوم التجريبية، جعلها من افضل سبل المعرفة، معتمدا عليها في جميع تفاصيل الحياة((462)).

وعلى صعيد الانطولوجيا، رفض هذا المذهب تحكيم العناصر الميتافيزيقية، ونفى ان يكون اللّه حاكما مطلقا على الانسان،وانما قال باصالة الانسان.

اما الانثروبولوجيا من وجهة نظر المذهب الحداثوي، فهي عبارة عن تفعيل الفردية، وتقديم الانسان على كل شي،والحكم بحريته المطلقة. فكان ذلك عاملا في ظهور الليبرالية، وكان حياة الانسان وسعادته مقصورة على سعادته الدنيوية‏المادية فقط.

وفي علم الاجتماع ((ش‏خ‏ردرخح‏رث ، يمكن الاشارة الى رايه في التاسيس للمدنية الحديثة وفقا لمبدا استقلالية وحرية‏الانسان، واتحاد المصلحة العامة مع قدسية الفرد، حيث ان مذهب الحداثة يقدم الحياة الاجتماعية على امور الغيب وعبادة‏اللّه، ويقول باخلاقية نسبية بدل الاخلاقية القطعية، ولا يرى واجبا على الدولة سوى المحافظة على المصالح الفردية.

ويتطلب البحث في جوانب تعارض الدين مع الحداثة الى فرصة اخرى، ليس محلها هذه العجالة.

3 آراء العلماء في تعريف التنمية يقابل مصطلح التنمية في اللغة الانجليزية كلمة ( ( ژذحذرردحسحح المشتقة من المصدر ((رردحسحح ، ويعني التطوير والانماءالتدريجي، وهي مفردة مستعملة منذ السابق، الا انها اكتسبت في القرون المتاخرة معنى جديدا.

قدم كل من: (آدم سميث)، و(جان ستوارت ميل)، و(ماركس) بعد القرن السابع عشر البوادر الاولى لبلورة مفهوم التنمية،الذي تحول فيما بعد الى نظرية مدروسة اسمها (التنمية).

ذكر (سميث) اركانا للاقتصاد المتقدم (النامي)، من قبيل: توفر راس المال الكافي، وتخصيص الانتاج، وتوزيع الاعمال‏والارباح حسب الاستحقاقات. ودعا من خلال ذلك، الاقتصاد الصناعي لبسط سيطرته على الشعوب((463)).

ويسعى (ستوارت ميل) من خلال نظريته ايجاد سبل تعزيز رؤوس الاموال، ورفع الارباح((464)).

اما (ماركس)، وانطلاقا من مفهوم (العمل وراس المال)، فهو الاخر ايضا كان بصدد تحقيق التنمية، لكن في قوالب‏الراسمالية حسب النظام الاشتراكي، وليس الليبرالية((465)).

وفسر (سمول) في مطلع عام (1905) تحقيق التنمية بالمدينة المقننة((466)).

وفي عام (1911) جاء (شامبير) ليضيف لاراء (سميث) والاخرين عنصر التجديد في مجال الانتاج، او كما يسميه(ثورة الانتاج)، وايجاد التحول في آلياته((467)).

ثم اخذ مفهوم التنمية يكتسب انماطاجديدة خلال الخمسينيات والستينيات في آراء (كينز)، و(روي هارد) الانجليزي،و(آوسي دومادر) الامريكي، و(التروستو) وخصوصا فيما يتعلق بالدول المتاخرة عن ركب التنمية((468)).

لقد اكدت غالبية نظريات التنمية على الجانب الصناعي والاقتصادي، وانتقال المجتمع من القديم الى الجديد، معتبرة‏ذلك من الضروريات التاريخية لجميع الشعوب. وبعبارة جامعة، قد اعتبرت تلك النظريات التنمية هي عملية تغريب. (ذرخژچشذزحژژحج) وهناك العديد من دول العالم الثالث قد طبقت النموذج الغربي بحثا عن التنمية، معتبرة اياه مصداقا للمدينة ‏الفاضلة((469)).

لكن تصرم الزمن اظهر اخفاق هذه الدول، واثبت عجز تلك النظريات، الامر الذي دعا المنظرين في الثمانينيات‏والتسعينيات الى الاذعان بان التنمية مسالة متعددة الاطراف والتحولات الاساسية، ولا بد في انجاحها الى توفير اجواءمساعدة في مجالات الثقافة والاجتماع والسياسة.((470)) وقد اعتبر (هوبرمس) العقلنة (ش‏ژخدچذرخژحث) من مقومات التنمية الاساسية، فلا بد في نظره الى جانب تطوير وسائل‏ التنمية وتحقيق النمو الاقتصادي وزيادة الانتاج، من الاخذ بعين الاعتبار العقلانية في الرؤى والثقافات التي تتجلى في‏الابعاد العقلية، المنطقية، التفهيم، اقامة العلاقة وتفعيل الخطاب.

وهذا النوع من التنمية محسوب على التنمية السياسية((471)).

تعاريف التنمية:

بعد ان قدمنا كيفية تبلور مفهوم التنمية عبر المراحل الزمنية، مما يساعد ويمهد للولوج في تقديم بعض التعاريف لمفهوم‏التنمية:

ا- (فريدمن): (التنمية: هي حركة خلاقة في التجديد وتطوير البنى التحتية للنظام الاجتماعي)((472)).

ب- (مايكل تودارو): (هي تيار مترامي الابعاد يقضي بتحول جذري في كيان المجتمع، وعقائد الشعب، ومؤسسات‏الدولة، وايضا يدفع عجلة النمو الاقتصادي الى الامام، ويحد من التمايز الطبقي ويستاصل الفقر المدقع)((473)).

ج- (غونار ميردل): (التنمية: هي عبارة عن حركة النظام او المجتمع الى الامام. بعبارة اخرى، ليس المراد من التنمية‏الجانب الانتاجي وحجمه وموارده فقط، بل يدخل في مفهومها ايضاتطوير مستوى المعيشة، ومؤسسات المجتمع،والافكار، والسياسات) ((474)).

د طائفة من التعاريف الاخرى: التنمية: هي توظيف القوى والقابليات المادية والانسانية في المجتمع بافضل نحوممكن.((475)) التنمية: عملية معقدة تحتوي في تكاملها على ادوات انتاج، وتقديم خدمات رفاهية، من خلال نمو وازدهار مجموعة‏ المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهي تحول اساسي في شتى مجالات الحياة الاجتماعية((476)).

وعرفها آخرون: بانها السبيل الى تحقيق العدالة من خلال توظيف الامكانات الطبيعية في العلاقات الاجتماعية، وامكانية نمو القابليات الانسانية في شتى المجالات ((477)).

يلاحظ من هذه التعاريف ان الغالب منها جاء من منطلق تامين احتياجات الانسان المادية في حياته. وان تضمن‏التعريف الاخير بعض الابعاد القيمية. وسنطرح تعريفنا للتنمية في القسم الثالث، وذلك في موضوع التنمية من وجهة نظرالاسلام.

4 الدين الاسلامي لن نكون هنا بحاجة الى التعريف بمعنى (الدين) طالما ان مرادنا منه هو الدين الاسلامي خاصة، اما معنى (الاسلام)، فهوتلك التعاليم والارشادات المستنبطة من الكتاب والسنة المعتبرة. ولا يمت للاسلام بصلة شي من تلك المذاهب المنحرفة‏عن طريق الصواب، والناتجة اما عن جهل وسطحية معتنقيها او عن ايمانهم ببعض الخرافات والاكاذيب.

ويثمن الاسلام ايضا كما جاء في الكتاب والسنة دور العقل((478))، والتجربة((479)). وتمثل لنا تعاليمه في هذا الباب‏نوعا من المنهجية في الجانب المعرفي.

القسم الثاني القواسم المشتركة بين الدين والتنمية لابد لنا، ونحن نبين العلاقة بين الاسلام ومفهوم التنمية، من تناول القواسم المشتركة بينهما، وذلك من خلال ما تقدم من‏تعاريف:

اولا: يتلقى البعض مفهوم التنمية بمعنى قبول (التجدد) و(الحداثة)، لتصوره ان وجود التنمية ضمن اطار الحداثة، يقضي‏بان كل تنمية لا بد ان تكون وليدة للحداثة، ولا بد في تحقيق التكامل والنمو من الانقياد لها، وتوفير الارضية اللازمة لها.

وهنا تتضح جليا نقطة الافتراق بين التنمية والدين، نظرا لما تتبناه حركة (الحداثة) من مفاهيم مغايرة للمنطق الديني،كما في مجالات الانطولوجيا والانثربولوجيا. ومن قبيل ما طرحه‏ارباب هذا الاتجاه في مبحث (العلم والدين)((480)) ،وفقالبعض النظريات العلمية، كالقول بميكان‏يكية نظام الكون، والتشكيك بتدبير الخالق له من قبل بعضهم ك(نيوتن)، وهذاكله‏يتنافى مع التعاليم الدينية، وهكذا بالنسبة لارائهم في المجالات الا خرى، كمنح الانسان الاصالة المطلقة، وتنصيبه‏كغاية للحياة، وغير ذلك من المباحث المعرفية التي لا تتماشى مع النظريات الدينية.

من هنا، ذهب بعضهم ومنهم سيد قطب الى رفض الحداثة ومواجهتها، وذهب آخرون مثل: (كسروي) و(ميرزاملكم خان) في مصر والهند الى الغاء الدين والتشبث بالعلمانية، وهناك من جمع بين النفي والاثبات امثال: (سيد جمال) و(الشهيد مطهري) وغيرهم بطرق مختلفة، لا يسع المقال لنقل تفاصيلها وتفاصيل معالجة وجوه التعارض.((481)) تجدر الاشارة هنا الى مسالة هامة وهي: صحيح ان ما في واقع الغرب هو تحقق التنمية والتطور، لكن هذا لا يعني انه لم‏يكن وراء التنمية مصدر آخر غير (الحداثة)، ولعل ما مر من شرح لمفهومي التنمية والحداثة كفيل ببيان الفرق بينهما، زدعلى ذلك، ثمة العديد من مفكري الغرب كانوا مخالفين لمذهب الحداثة، لكنهم لم يخالفوا بحال من الاحوال مبدا التنمية،بل قالوا ان النهوض بالاقتصاد والرقي الثقافي والاجتماعي ليس بحاجة في تحقيقه الى اللجوء للحداثة((482)).

البروفسور (ولاندبيتش) استاذ الفلسفة بجامعة اوكرانيا واستاذ مؤسسة الديانات بجامعة ميليان بميونخ الالمانية، يقول:(ليس معنى الحداثة توظيف الادوات والاشياء، كما كان عليه الحال في الصين القديمة من تكنولوجيا وابداعات، او ماكانت عليه الحضارة الاسلامية في بغداد من تطورات مشهودة، انما هي كامنة في جوهر الايديولوجيا).((483)) ثانيا: اذا اعتبرنا التنمية ذلك النمو الصناعي وامتلاك التقنية الموجودة في الغرب، فلا بد هنا من النظر الى راي الاسلام في‏ذلك، وهل يؤيده؟ لقد ذهب البعض الى القول بوجود تضاد بين الانتفاع بالانتاج الصناعي وبين الدين، وان وجود مظاهر الحضارة الغربية‏يستلزم نفي الدين والمذهب((484)). مستدلين على ذلك بما شهده العالم من نمو صناعي، صاحبه ظهور مذاهب فكرية‏جديدة تحارب الدين.

تجدر الاشارة في تحليل هذا الراي الى النقاط الثلاث التالية:

1- ان الانتفاع من التقنية الصناعية ومحصولاتها وتحقيق النمو والتقدم في الحياة لا يتعارض اطلاقا مع المفاهيم‏الدينية، وان حاول البعض فرض تلازم بين تحقيق الحداثة المطلوبة التي لا مناص منها وبين التخلي عن القيم الاخلاقية‏والدينية.

وعندما نراجع منظومة المفاهيم الاسلامية نجدها لا تعارض مبدا الاستفادة من الوسائل المتطورة في الصناعة الحديثة،وان بامكان الانسان المسلم ان ينتفع بعلوم وتجارب حضارات سائر الشعوب.

يقول الشهيد مطهري في معرض التوفيق بين استخدام المظاهر الغربية والثقافة الدينية:

(ان الاسلام لم يتعرض للشكل الظاهري للحياة المبنية على مستوى العلم البشري، ومن خلال وضع الاهداف ضمن‏اطرها، وفسح المجال للتحكم بظاهرها وسبلها العلمية والفنية، تجنب اي نوع للتعارض السلبي مع الثقافة والحضارة، بل انه‏تبنى الدور الاساس في التطور الحضاري من خلال دعوته لذلك، والتحفيز على تحصيل عناصر التنمية والحضارة من علم،وعمل، وتقوى، وارادة قوية، وعزيمة ثابتة).((485)) انما المهم في القضية هو ما يؤول الى تجريد الانسان من معتقداته الدينية الاصيلة، ومعقتداته الفكرية، فعليه ان يعلم انه‏والى جانب انتفاعه بالتقنية الصناعية ومواكبة التطور، قد خلق من اجل هدف اسمى، لا تؤثر عليه مباهج ومظاهر الحياة اوتحرفه عن مسيره.

2- لم ينه النبي (ص) المسلمين في صدر الاسلام عن الانتفاع بمنتوجات الدول غير الاسلامية، انما كان يدعوهم الى‏التعلم والتقدم الذي تسبب في نهضة المجتمع العربي، حتى وصل المسلمون الى مرحلة الترجمة الشاملة لمختلف العلوم‏السائدة آنذاك، ثم اخذوا يحققون وينتجون فيها، فاسسوا حضارة الاسلام العظيمة، التي عاد علماء الغرب فيما بعد ليترجموانصوصها التي باتت الموروث العلمي الوحيد للعالم بعيد القرون الوسط‏ى((486)).

وقد كان لتلك الافكار والعلوم المترجمة دور في التمهيد لولادة عصر النهضة والتنمية الثقافية والعلمية في اوربا، فمن‏الواضح ان‏المسلمين قاموا بتشييد حضارتهم العظيمة المبتنية على تعاليم دينهم واسسه خلال مدة وجيزة، وسنتعرض في‏القسم القادم لعناصر التنمية في الاسلام بشكل مفصل.

3- ان زعم بعضهم بمدخلية استبعاد الدين في التطور الحاصل لدى الغرب، وانه كان عنصرا مهمافي تحقيق الانجازات‏العلمية والنصاعية ليس صحيحا، وان كان للكنيسة في فترة من الفترات موقف سلبي تجاه العلم والتحقيق خارج اطارها،لكن لا يمكن ان يعمم ذلك، ليستنتج منه ضرورة استبعاد الدين من اجل التنمية والتطور الصناعي، فقد شهدت الكنيسة‏نهاية القرن العاشر تقدماملحوظا في العلم والمعرفة، وقد كان هناك العديد من المراكز العلمية والجامعات الاكاديمية التي‏تضم المئات من علماء تلك الفترة بالتحديد (القرون الوسط‏ى). بالاضافة الى ما استلهمته اوربا من المصادر المترجمة عن‏كتب المسلمين، والتي كانت مستقاة من ثقافة دينية ايضا، فمثل ذلك الخطوة الاولى نحو عصرها الحديث النامي((487)).

ثم ان نفرتهم من الدين لم تكن نتيجة للانجازات المتطورة، بل كانت وراء ذلك عوامل اخرى متعددة، من قبيل:ازدواجية التعامل لدى الحكام الجائرين باوربا، واهمالهم للتطبيق السليم في مفاهيم الدين((488))، والاداء السلبي للكنيسة‏تجاه المجتمع والناس، وهزالة الافكار والمعتقدات الدينية، وتحريف التعاليم المسيحية، وربط بعض من الانجازات العلمية‏بالدين من قبل آباء الكنيسة((489))، واخيرا نشوء الليبرالية في الغرب((490)). وتتفرع من هذه العوامل الاساسية عوامل‏اخرى سهيمة في ذلك.

يضاف الى ذلك، ان العديد من علماء الغرب المعروفين الذين ساهموا في بناء الصروح العلمية والصناعية كانوا متدينين.ويقولون بوجود العلاقة بين الدين والعلم، امثال:

غاليلو، نيوتن، انشتاين، جون لوك، روبرت بويل الكيميائي‏وغيرهم((491)).

ان ما تتطلبه التنمية هو المناخ الثقافي للتنمية، وما يتناسب مع مساعي وحركة التنمية، ولا يعني ذلك كون هذا المحيط‏المساعد عليها ان يكون غير ديني، كما حصل في الغرب، فانه امر متعلق باجواء اوربا آنذاك، لا ان يتحول الى ضرورة‏منطقية كلية لمفهوم التنمية، فقد كان في التاريخ امم شيدت حضارات عظيمة وهي متدينة ومؤمنة بما وراء الطبيعة من‏امور.

وهذا النوع من التنمية هو الذي يتناغم مع مبتنيات الفكر والدين الاسلامي، وان كان في تحديد مصداق التنمية بهذا نظرنشير اليه في الصفحات القادمة.

ثالثا: يظهر من التعاريف التي مر ذكرها لمفهوم التنمية ان الغالب منها يركز على الجانب المادي خاصة، ويسعى الى‏توفير احتياجات الانسان في مجال حياته الدنيوية. وحتى اولئك الذين قدموا خطوطا عامة للتنمية، اكتفوا بدورهم‏بموضوع النمو والتقدم في مختلف المجالات من اجل نيل السعادة الدنيوية فقط.

بديهى، ان هذه النظرة للتنمية نابعة من نظرة الغرب للانسان والكون. لكن، هل يحقق هذا وحده السعادة الحقيقية‏للانسان؟ من جهة اخرى، ذكرنا سابقا، ان التنمية الغربية اسست على مبدا المصلحية الفردية، وتكديس رؤوس الاموال، وطلب‏الدنيا وعبادتها، وهو امر يتنافى مع العرف الاخلاقي والقيم السامية.

وحسب عالم الاجتماع الالماني (ماكس ويبر): لا يمكن تحقيق التنمية بعيدا عن هذه الشروط والمزايا الدينية والاخلاقية،التي تدعو الانسان الى حب الاخر، والاجتماع، والتضحية، ونبذ الدنيا.

ا نقد الفكر المادي في التنمية:

تقدم الراي في انه لا منافات بين التطور الاقتصادي والتنمية مبدئيا، وبين الفكر الديني، لكن من جملة نقاط الضعف في‏ذلك، هي نظرة الفكر المادي الاحادية البعد، حيث ان ارتكاز التنمية الغربية على النزعة العلمانية، والانسانية المطلقة، قدحصر وسائلها وعناصرها في بعد واحد هو البعد المادي، مما دعا علماء هذه التنمية الذين نشاوا في الثقافات المادية آالى تجاهل الجانب المعنوي للحياة الانسانية كليا او جزئيا.

ان هذا الاتجاه من التفكير ذي الاسس والنتائج الواهية، لا يمكن ان يحظ‏ى بتاييد الفكر الاسلامي، لان نظرة الاسلام‏للانسان لا تقتصر على وجوده المادي، ولا الكون مقتصر على الجانب المادي ومحدود به.

من هنا، لا بد للتنمية، وكل عملية اخرى تهدف الى تامين الاحتياجات الواقعية للانسان، وتحسين حياته وفكره، ان‏تحتوي على الاهتمام بالجوانب غير المادية للانسان والكون.

فاذا كانت هناك نظرة شاملة للوجود، سيتسنى لنا حينئذ درك الماهية الحقيقية للانسان، ومن خلالها يمكن ايضاتحديد احتياجات جسم وروح الانسان الواقعية، وذلك عندما تكتسب التنمية مفهوما شاملا، يضم جميع ابعاد حياة الانسان‏ووجوده.

وليست التنمية الدنيوية هي غاية الاديان الالهية من وجهة نظر الاسلام، انما هي هدف مرحلي، او وسيلة لنيل المكارم‏الاخلاقية، وتحقيق السعادة الحقيقية للانسان، وتطبيق العدالة بنحو اكمل، وصولا الى المقام القريب من المنزلة الالهية.

لقد اشارت آيات القرآن الكريم الى ضرورة تامين الاحتياجات المادية للانسان، والتمتع بالنعم الالهية،((492)) فان اللّهخلق الانسان من الارض، ليكون من اهل الاصلاح((493))، والاعمار((494))، وليتمتع بالطيبات ويشكر المنعم الحق‏تعالى((495))، لتشمله في آخر المطاف الرحمة الالهية((496)).

اذن، هناك تلاحم شديد حسب الفكر الديني بين الدنيا والاخرة((497))، وان كانت الغاية الاهم دينيا هي الاخرة، الاان صلاح الاخرة((498)) متوقف على الاستفادة الصحيحة من العطايا المادية.

لقد ادت النظرة الاحادية في التنمية الغربية الى عواقب وخيمة، من قبيل: حب الدنيا والشهوات المفرط، والاسراف‏والتبذير، والتلوث البيئي، وضياع المعنويات، وانحلال النظام الاسري، و... .

ب- تحليل التعارض بين التنمية والقيم الاخلاقية:

لا بد هنا من الاشارة الى العلاقة الوثيقة بين التنمية والثقافة والقيم السائدة فيها، من هنا تنبع الضرورة الى الاخذ بنظرالاعتبار مضافا للعناصر الاقتصادية في التنمية قيم ودوافع وطرق تفكير المجتمعات. حيث ان كل ما يصدر من الفردنابع من افكاره واعتقاداته، وقيم النظام الذي يحكمه، وعلى ذلك تكون التنمية الثقافية مقدمة على التنمية الاقتصادية.

لقد اكد (غوروآلبورت) من علماء النفس المعروفين بامريكا على النظام القيمي في صقل شخصية الانسان وحياته،معتبرا اياه عاملا في الوقاية من ظهور السلوك الشاذ، وسببا في تربية العادات المتلزم بها((499)).

تاسيسا على ذلك، يكون للقيم والمعتقدات في كل مجتمع((500))، والعالم بشكل عام، دور اساسي في تحديد وتوجيه‏سلوك الافراد وحركة التنمية ومستواها. في حين يدعي (ماكس ويبر) وامثاله ان التنمية لا تتحقق حتى يتحقق مناخ‏وظروف المجتمع الغربي!! ونضيف في هذا الموضوع:

لا شك ان لكل تنمية مجموعة من التحولات الاجتماعية، وان انتقال المجتمعات من الحالة التقليدية الى المتطورة، لايتحقق بدون تلك التحولات.

فلا تنمية بدون تقدم، ولا تقدم بدون تكنولوجيا وصناعة، فهذه كلها تحولات وتنقل من حال الى اخرى، لكن يجب‏التنبه هنا الى ان غالبية تلك التحولات الثقافية هي من ثمرات (الحداثة)، وان اكثر الانتقادات الموجهة للتنمية كانت تشيرلتلك التحولات وليس للتنمية ذاتها، لكن علماء الاجتماع يقولون: لا يعني ذلك انه لا مفر من تلك التحولات والنتائج‏السلبية.

من هنا، يعترف العلماء الغربيون ان التنمية التي شهدتها اليابان لا يصدق عليها تعريف التجدد والنموذج الغربي، لان‏العديد من قيم اليابانيين التقليدية بقيت محفوظة((501)).

اذن، حاصل ردود تلك الشبهات يخلص فيما يلي:

1- ان النمو والتكنولوجيا بحد ذاتها ليست من المفاسد، وان كانت الحقيقة هي ان طبيعة الانسان اذا لم تسيطر عليهاالقيم المعنوية، قد تجره الى عواقب وخيمة، ناشئة من الجشع والطمع، وحب‏السلطة، والانا في الانسان. ومن المسلم حينهاان تتحول التنمية الى لعنة على المجتمع، لكن التنمية الحقيقية ليست هذه، بل هي نابعة من اصول واسس متعالية، كالعلم،والتجديد، والاهتمام الجاد بجوانب الحياة، والالتزام بالعمل، والقانون والنظام، والمساهمة العامة في التخطيط، و...، وهذه‏كلها لا تتعارض ذاتيا مع القيم الاخلاقية.

2- ان للتنمية مناخات ثقافية فكرية خاصة، بعض منها متوفر بشكل عرضي في سائر المجتمعات، والاخر منهاتتفاوت نسبته من مجتمع الى آخر، وقد يتطلب مجتمع ما ارضية مساعدة للتنمية، في حين لا يحتاجها مجتمع آخر، فكل‏بحسبه. ومن الشروط والعوامل هي تلك التي قورنت بالتنمية الغربية، وهي مسلما ليست من الشروط العامة للتنمية.

3- ان للتنمية الاقتصادية تاثيرات خاصة في مجال الثقافة، لكنها ليست اجبارية، انما هي مسائل شكلية تتغير بتغيرالعوامل الثقافية والاجتماعية، فبالامكان السيطرة على جوانبها السلبية من خلال ثقافة الاسلام الغنية، ويشهد على ذلك‏حضارات عظمى في التاريخ البشري قد بقيت محافظة على القيم الاخلاقية ((502)) القسم الثالث التنمية وعناصرها في نظر الاسلام تقدم آنفا انه لا تعارض بين الاسلام والتنمية، بل انه دعا في بداياته الى توفير الارضية اللازمة لنمو وتطور المسلمين،والجدير بالذكر نفي انحصار النموذج المناسب للتنمية بالنموذج الغربي((503)).

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية