المفكر الاسلامي وازمة العلاقة بين الدين والحداثة

 الشيخ حيدر حب اللّه

1- للحديث عن الدين والحداثة جوانب وفروع لا يمكن اختزالها في كلمة بسيطة او دراسة متواضعة، فقد ظل هذا البحث مثار جدل في العالمين: الغربي والشرقي، وما يزال يتجاذب اطراف الجدل والنقاش حينا الى هنا وآخر الى هناك، حتى لاحظنا ان حركة الاحياء والاصلاح والنهضة الدينية في العالم الاسلامي ظلت تعيش اضطرابا وتذبذبا في اغلب اشكالها بين قطبي:

الحداثة والدين، وقد ترك التذبذب المعلن حينا والمكتوم المنكشف بين السطور والمواقف حينا آخر يدخل الباحث الاسلامي في صراع وازدواجية وقلق وتارجح، وقد انقسم الباحثون المسلمون في اغلبهم بعد فترات التارجح الى من ظل ملتبسة عليه المقولات الدينية والحداثية، ومن ارتد سلفيا بتمام ما للكلمة من معنى، ومن هرب الى الامام فسقط حداثويا تميل حداثته الى الالحاد النظري او العملي.

هذه هي قصة الباحث الاسلامي في هذا الموضوع الشائك،متردد قلق ساعة تجتذبه رياح التغيير والحداثة، واخرى تراه منكمشا على نفسه، كمن يطالب باللة لكنه يريد المجتمع زراعيايدويا، وفي ذلك دلالة على الواقع المازوم الذي نعيش، فلم نستطع الخروج من هذا المازق النفسي، وقد يكونون قلة من اتخذوا قرارا جريئا وصعبا مهما كان مضمونه، لكن المهم ان لايكون هذا القرار فرارا وهربا من آلام الذات ومصارعة الاتجاهات داخلها، فالمطلوب منه ان يكون قرارا واعيا مدركا،لا سيكولوجيا مغلفا بغلاف اللغة الفكرية، مسقطا على العقل ليعينه في تامين مخرج ما من هذا المازق الصعب العسير.

2- والذي يؤكد ازمة الثقة في المفكر الاسلامي، تعامله مع ظاهرة الحداثة بكل ما تحمله من دلالات، فقد حول هذا المفكراحيانا مقولات الحداثة الكبرى الى مقدس وفوق تاريخي، ولامحلي، مع ان بنية تفكيره الحداثي كانت تقوم على رفض المقدس والمتعالي عن التاريخية والزمكانية، وبالفعل صارت بعض مقولات الحداثة مقدسا يعاقب من يناقش فيها، لكن بدل ان يتهم بالردة يتهم بالتخلف، وبدل ان يقتل بدنيا يتم اغتياله فكريا، وحتى عندما عمل المفكر المسلم على نقد الحداثة وجدنانقده تابعا للغربي والاجنبي، مثل مشاريع النقد الاخلاقي للحداثة، فقد شرع مفكرنا الاسلامي بهذا النقد بعدما اشبعته الدراسات الغربية، مما يشي بازمة ثقة ينتج عنها ازمة مبادرة،واستيهاب للشروع بعمل.

وتسبب ذلك ان مفكرنا المسلم ظل يعيش ثنائية الحداثة وماقبل الحداثة، ولم يدخل بعد في افتراض ثلاثية تدخله في ما بعدالحداثة، من هنا كان نقد الحداثة عنده يساوق العودة الى ماقبلها، الامر الذي بات يصعب الاخذ به على المفكر الاسلامي الناهض، وهذا ما جعله يظل على الدوام اسيرا لمقولات الحداثة بوصفها احيانا مسلمات فكرية واحيانا اخرى وهو الاهم امراواقعا لا مفر منه الا بالعودة الى الوراء، الامر الذي بات مستحيلاعليه عمليا على الاقل.

3- من هنا باتت مداخل نقد الحداثة غربية، وصعب على المفكرالاسلامي ابتكار مداخل لذلك، لانه تمثل شخصية المستهلك في السوق، فاذا اراد ان ينتج لم يكن لديه من المواد الخام سوى الموروث الذي بات استحضاره صعبا عليه، لانه يعيده الى ما قبل الحداثة في الممارسة والليات وانماط التفكير، الامر الذي اضطره الى التفكير في وسائل ومخالص لتوظيف الموروث بمايمنحه استقلال الذات وخصوصيتها من جهة وعدم التورط في استنساخ حرفي للتاريخ او عودة الى الوراء من جهة اخرى.

4- والمشكلة الاساس التي يواجهها الانسان لدى تتبعه ردودافعال العلماء والمفكرين المسلمين على الحداثة وتداعياتها هوهيمنة احد موقفين عليها غالبا، اما ردود توجس وتقوقع ورفض مطلق تقريبا، او انبهار وانجذاب وتسليم مطلق تقريبا، لهذا نجدانقساما الى مقلدة متقدمين ومقلدة متاخرين، كما يعبر الدكتورطه عبدالرحمن.

اننا نجد ان مقولات الحداثة صارت عند البعض مقدسا لا يمكن النقاش فيه، وهذا دليل على ان منطق الحداثة حينما جاء الينا آنحن الشرقيين مسخناه وشوهناه، فاردنا انتاج حداثة ضمن مناخ غير حداثي، كيف تكون حداثية تلك العقلية التي تنظر الى الحداثة ومقولاتها بتهيب وتقديس؟ اليس هذا من نوع التناقض الداخلي المفضي الى زوال الشي تلقائيا؟ وحتى لو تجاوزنا هذه النقطة بالذات، ثمة من يتحدث اليوم عن عناصر في الحداثة لا يمكن للانسان المعاصر تجاوزهاواقعيا مهما كان الموقف منها على مستوى العقل العملي ومدى حسنها وقبحها، ثم ينطلق من هذه النقطة التي تفترض بعض عناصر الحداثة (مسلمات واقع) ليضع مقاربة ومقارنة بينها وبين الدين، دون ان يدلنا على اساس منطقي لصيرورة هذه المقولة اوتلك مسلمات واقع، فيما تكون هذه او تلك خارجة عن مسلمات الواقع، ان التعامل مع الحداثة بمنطق الانتقائية هذه اوالانهزامية تلك لن يقدم شيئا على الصعيد المعرفي وحل معضل الدين والحداثة في بلاد الشرق، بقدر ما المطلوب الدخول في مرحلة ابداع حقيقي لا نقلد فيه السلف بل نستفيد منهم ونحترمهم، كما لا نقلد فيه الغرب بل نحترمه ونستفيد منه، لمابيننا وبينه من مشتركات الانسانية.

5- ومن اشد معضلات العلاقة بين الدين والحداثة مسالة المقدس وقضية التعبد، فقد ظل الباحث المسلم يشعر في القسم التعبدي التسليمي في الدين عائقا امام الحداثة، فلا مجال للحداثة سوى برفض مختلف اشكال المقدس، المتعالي عن الفهم والتعقيل، ولهذا وجدنا بعضهم، مثل الدكتور مصطفى ملكيان،يميل الى طرح ما يراه «الاتجاه المعنوي» في مقابل «الاتجاه العقلاني»، وعمدة هذا الاتجاه شبه حذف تام للمقولات الخبرية وكذا الفقهية للدين، فكل دين يعتمد في فهمه المنهج التاريخي الهادف الى كشف واقع عبر توظيف معايير العقل النظري لن يكتب له النجاح، انطلاقا وفق نظرية ملكيان من درجة من عبثية البحث العقلي الميتافيزيقي، لعدم امكان تشييد اى دليل يثبت او ينفي القضايا الميتافيزيقية بما فيها وجود اللّه على حدتعبير صاحب النظرية نفسه، في قدر من الامتداد للمدرسة الوضعية المعبرة عن روح الحداثة.

ولسنا بصدد دراسة هذه النظرية، لكن لدينا وقفة نقدية واحدة في المنهج نكتفي فعلا بها، وهي ان انصار هذه النظرية وبقطع النظر عن المنطلق المعرفي الذي اتخذوه تعاملوا مع الدين التاريخي النصي من منطلق تقليدي، ثم وضعوا علاجا جديداعلى اساس المنطلق التقليدي المشار اليه، رغم ان هذا المنطلق عينه كان مرفوضا من جانبهم على الدوام.

واقصد بالمنطلق التقليدي اعتبار علم الفقه جوهر الدين التاريخي الذي يشغل حيزا كبيرا منه، فهذا التصور للدين على انه دين فقه وشريعة هو تصور مدرسي، سببه تنامي علم الفقه والحديث في حياة المسلمين ازيد من حجمه الطبيعي، ان اتخاذهذه المقولة منطلقا سوف يؤدي بطبيعة الحال الى غلبة التصورالتعبدي للدين، على خلاف ما لو اخذ بنظريات العقلانيين الدينيين المتاخرين الذين ركزوا على الفلسفة والعرفان والاخلاق، مستمدا بعضهم كالعلامة الطباطبائي والشيخ المطهري من عقلانيات الفلسفة الصدرائية فهما عقلانيا للدين،مهما كان تقييمه معياريا.

لماذا جعل الفهم التقليدي للدين بهذا المعنى اساسا في التعامل مع ظاهرة فهم الدين عموما، ولم نلحظ الوان الفهم الاخرى التي تعط ي التعقيل مساحة اكبر؟ اعتقد ان هناك خطا ماقد حصل هنا، فرض على فريق من الباحثين المسلمين تصورالتعبد ذا حجم وسيع في الفهم الديني والتفسير.

ولو اعيد متابعة هذا الموضوع لربما لم نجد هذا الوضع، ومن ثم فعملية التعبد ستاخذ حجما مختلفا مما قد يبررها حينئذعقلائيا وفق المنطق الحداثي، سيما وان انصار الاتجاه المعنوي وامثاله لا يرون في مطلق تقليد الغير والاحتكام اليه مجانبة للعقلانية، بل قد يكون هذا الاحتكام عقلانيا، كما لو قام على اساس تجربة شخصية او استقراء تاريخي كما يرون، مما يجعل التعبد مبررا من حيث المبدا على الاقل.

لا ينبغي المغالاة في امر التعبد، سلبا او ايجابا، فقد بات ظهورالدعوات المطالبة بعودة المقدس في الغرب مشهدا مالوفا بعدالفراغ العارم وفقد الحياة معناها، سيما وان فلسفة العلم في القرن العشرين، وكذا اللسانيات وعلوم الهرمنوطيقا، قد اجبرت العقل على التخلي عن اطلاقية سلطته، وفرضت عليه قدرا لايستهان به من التواضع، بعد ان ظل في عصر الحداثة سلطانا مطلقا.

لم يدرس الناقدون المسلمون بجدية تمام البدائل المتوفرة،بل تصرفوا وكان البديل الوحيد هو الاتجاه الاخباري في فهم الدين او الاتجاه السائد اليوم، فيما كان من الاجدر ملاحظة بدائل اخرى متوفرة او متصورة لرصد مدى معارضتها لمنطق الحداثة واولياتها، وكان مشكلة الكثيرين منا انهم يعرفون ما لايريدون، وهو واقعهم الحالي، ولا يعرفون ما يريدون، اي البديل،فهناك عودة اليوم للاتجاه الصوفي العرفاني في فهم الدين، ربمافقط لانه الملاذ من ديانة الفقهاء، لكن الا ينبغي تقديم تصور اكثرانضباطا لهذا الفهم ايضا، والا تحوي الاتجاهات الصوفية مظاهرفوضى وسلبية؟! واخيرا، هناك حاجة لامتلاك جراتين: جراة المعرفة وجراة تقبل الحقيقة، وليست هذه الحاجة خاصة بالفريق التقليدي المدرسي من بيننا، بل تعم الكثيرين من انصار التجديدوالتحديث ايضا، ويجب ان لا تغرينا نرجسية المثقف المسلم لتعميه عن القيام بمحاولات اخرى في المعرفة.

واخيرا، فقد بلغنا ونحن نرسل العدد الحالي من مجلة(المنهاج)، النبا المؤسف بوفاة المرجع الديني سماحة الشيخ الميرزا جواد التبريزي رحمه اللّه تعالى، واننا اذ نعزي عموم المسلمين والمؤمنين بوفاته، نسال اللّه تعالى له الرحمة والمغفرة والرضوان، وان يتغمده في فسيح جنانه بوابل رافته وحنانه،ويمن على ذويه والمؤمنين بالصبر والسلوان، انه عزيز قدير،وبالمغفرة جدير.

(الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا للّه وانا اليه راجعون) [البقرة:156]

حيدر حب اللّه

 

 

 الثورة الحسينية وتغيير اخلاقيات الهزيمة....  عاشوراء بين منطق النهضة وثقافة البكاء

 آية اللّه السيد محمود الهاشمي الشاهرودي

 كلمة الشهيد السيد محمد باقر الصدر(رحمه اللّه)، القاها سماحة آية اللّه السيد محمود الهاشمي في مكتبة الامام الحكيم العامة في محافظة الديوانية بتاريخ 2/7/1975م، بمناسبة الموسم الثقافي في عاشوراء، تنشرها (المنهاج) للمرة الاولى، بعد ان صححها وحققها الاخ العزيز الشيخ احمد ابو زيد.

الحمد للّه، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

ايها المؤمنون المفجوعون بمصاب امامهم! انكم تعيشون في هذه اللحظات ذكرى الامام الحسين(ع)،ذكرى هذا الامام الممتحن الذي تسلم مسؤولية الامامة واعلاءالرسالة في احرج مرحلة من مراحل المؤامرة، المؤامرة التي دبرتها الجاهلية المبرقعة ضد الاسلام، فان بقايا الجاهلية التي استطاعت ان تلملم نفسها وتجد من الاموية قيادتها، ادركت بوضح انها خسرت جولتها الاولى ضد الاسلام حينما دخلت معه في حرب سافرة، فغيرت من اساليبها ودخلت الحرب ضدالممثلين الحقيقيين للاسلام، ضد على وآل على(ع)، ببراقع مصطنعة من الاسلام الحزين.

وقد تمكنت بذلك ان تكسب المعركة في اطارها العسكري،غير ان الاموية كانت تعرف وتعرف بوضوح ان الانتصارالعسكري على الاسلام الحقيقي الممثل في اهل البيت(ع) لايمكن له وحده ان يضمن نجاح المؤامرة في مداها الواسع وعلى الخط الطويل، لان التغلب بالقوة على ارادة امة وابتزازها حقها لايعني نصرا نهائيا ما دام هناك رغم القوة امة تملك ارادتهاالمقهورة وتعي شخصيتها وتتملل بجراحها بكبرياء، ولهذا اتجهت الاموية بعد انتصارها العسكري عام الاربعين الى اعظم سرقة يمكن ان يمارسها انسان، وماذا اعظم من ان يخطط الانحراف الحاكم يومئذ وعلى راسه معاوية من اجل ان يسرق من الامة ارادتها وينتزع منها شخصيتها وكبرياءها، ليحقق بذلك نصره النهائي، ويضمن له البقاء والامتداد، لان الاستسلام الحقيقي للامة ليس بالقائها السلاح فترة من الزمن امام الغاصب المنحرف، بل بتنازلها عن ارادتها وشخصيتها.

وقد استطاع معاوية ان ينتزع قدرا كبيرا من هذا الاستسلام،ولعل اقسى تعبير عما وصلت اليه الامة من انهيار واستسلام حقيقي نتيجة هذه المؤامرة ما قاله الوافدون على الحسين(ع) من الكوفة: «ان قلوبهم يعنون قلوب اهل الكوفة معك وسيوفهم عليك»((1))، لان من لا يملك ارادته تتحرك يده باتجاه معاكس لقلبه، فكانه لا بد للامام الحسين(ع) في تلك المرحلة الرهيبة ان يحمي الامة وارادتها من الانهيار الكامل الذي يحقق لخصوم الاسلام نصرهم النهائي. واذا لم يكن متاحا للامام(ع) يوم عاشوراء وهو في سبعين رجلا من اصحابه ان يحبط مؤامرة الامويين على السلطة ويسترد عنهم الحكم الذي سرقوا، فقداتيح له ان يحبط مؤامرة الامويين على ارادة الامة، ويمدها بطاقة عظيمة تحصنها ضد الذوبان والانهيار.

وكان الاسلوب الوحيد لذلك ان يقف الامام الحسين(ع)بنفسه امام الطغاة الذين سرقوا من الامة ارادتها، ويتحداهم بكل صمود وثبات وبياس كامل من امكانات النصر العسكري، لكي يضرب بوقفته المستميتة المثل الاعلى لارادته الحية التي لايمكن ان تضعف او تلين، ويقدم لذلك ثمنا ازكى الدماء واطهرها،يقدم دماء الصفوة من اولاده واهله وصحبه، ثم يخر صريعا في الساحة. وتظل ارادته فوق الموت وفوق سيوف السفاكين لكي تمتد وتمتد فوق ضمير الامة ووجدانها، وتزرع الشوك في طريق الجبابرة والظالمين.

ايها المؤمنون! يا شيعة الحسين! ان امامكم العظيم حينما كان ينزف دما، حينما تحمل الحرمان حتى من ماء الفرات، وقد كانت الدنيا بين يديه، حينما يزدادوجهه بشرا وطلاقة كلما قدم قربانا جديدا من ولده واهله، حينماضحى حتى بولده الرضيع الذي قتله السفاكون وهو في حجره،حينما كان يخر الى الارض ثم يقوم ليواصل الحرب، وحينما لقط انفاسه الطاهرة على ارض كربلاء، [حينها]لم يكن الامام الحسين(ع) في ذلك كله يمارس عملية قتال مقيت فحسب، بل كان ينبه امة ويحمي ارادة ويمتد مع تاريخ رسالة، ويقود مسيرة المجاهدين من اجل الاسلام في كل زمان ومكان.

ايها المؤمنون! ان صمود الامام الحسين وتضحيته يجب ان يشعرا المسلمين جميعا بقيمة هذا الدين العظيم الذي كان جديرا بهذه التضحية،وان يذكرهم بمسؤولياتهم تجاه عقيدتهم ورسالتهم، فليست عاشوراء يوم عزاء ومصيبة فحسب، بل هي مدرسة غنية بعطائها، تلهم المسلمين في كل حين القوة والعزيمة، وتمدهم بزخم فكري وعاطفي.

ولئن كان الامام الحسين(ع) قد وقف موقفه العظيم من اجل ارادة الامة وحمايتها من الانهيار، فان مدى تجاوب الامة مع هذاالموقف ووعيها لمضمونه واهدافه هو الذي يحدد درجة ارادة الامة واصالتها، وبقدر ما تستوعب الامة من دور الحسين وتتفاعل مع رسالته الكبيرة وتلتزم بتعاليمه وتثبت ارادتهاالحقيقية وشخصيتها الاصلية وحرصها على الامانة الغالية وكل ما تحويه من قيم ومفاهيم واحكام.

هذه آخر ليلة ودع فيها الامام الحسين(ع) عالم الاحياء، غيرآسف على شي سوى رسالته العظيمة التي عاش لها عمره، وذاك هو قدر المجاهدين ابدا.

[لقد]قدر للامام الحسين(ع) ان يعالج مرض الشك في الامة الاسلامية التي بدات في عهد امير المؤمنين(ع) تشك في الخط الرسالي النظيف الذي سار فيه اهل البيت(ع) قدما على قدم وراءرسول اللّه(ص)، [وقد]استفحل هذا الشك حتى تحول في عهدالامام الحسين(ع) الى حالة مرضية لم يمكن علاجها حتى بالتضحية. وبينما قدر للامام الحسن(ع) ان يعالج مرض الشك في الامة الاسلامية، عالج الامام الحسين مرضا آخر، هو انعدام الارادة مع وضوح الطريق.

فالامة التي جاءت تشك في المعركة القائمة داخل الاطارالاسلامي بين الجناحين المتعارضين اتضحت لها معالم الطريق،لكن بعد ان نامت وتحولت الى رعيل من التنابلة، وبعد ان استطاع الذين سرقوا شخصيتها وزوروا ارادتها ومزقوا كبرياءهاان يجعلوها غير قادرة على تغيير موقفها.

ان فقدان الارادة كان مرضا عالجه الامام الحسين القائدبالسلوك الذي عرض آخر حلقة منه يوم عاشوراء المجيد، واذاكان مقدرا ان يكون علاج هذه الظاهرة هو التضحية، فان التضحية يجب ان تكون عميقة عمق المرض في جسم الامة،واسعة سعة كيانها.

عندما اتجه الامام الحسين(ع) الى العراق لاستسلام مسؤولياته العظيمة باعتباره ثائرا على الاحتلال الجاهلي الرجعي، تلقى (سيلا من النصائح ممن يسمونهم يومئذ«عقلاءالمسلمين»، الذين يبغضون التهور، والذين اجمعوا على ان تصرفه)ليس تصرفا طبيعيا، فخوفوه بالموت وحدثوه عن النتائج التي جناها الامام علي والامام الحسن(ع) في صراعهما الساخن ضدالامويين ومنوه بالسلامة، اءولئك الناصحون وهم اءهل الحل والعقد في المجتمع لا يتصورون التضحية الا كتصور الطفل للبحر، وكانت نصائحهم ترسم لوحة الانهيار النفسي العميق الذي شمل زعماء المسلمين، كعبد اللّه بن عباس وعبد اللّه بن عمروعبد اللّه بن جعفر، فضلا عن الجماهير التي كانت تعيش الانهيار مضاعفا في سلوكها وقيمها.

لقد واجهت الحسين هذه السلبية المطلقة برغم التوقان للخلاص، وبرغم تمتع الثائر العظيم بكل معاني المنقذقدرة واخلاصا وتصميما.

انظروا معي رجاء ! هؤلاء ستة من زعماء البصرة من الذين كانوا يرتبطوا بمدرسة الامام(ع) ويشعرون بالولاء لمفاهيمها ولاهدافها كتب اليهم الامام الحسين(ع) رسالة يستصرخهم فيها، مذكرا بالخطر الذي يواجهه الاسلام متمثلا بدكتاتورية الامويين القراصنة الارهابيين،فماذا كان رد الفعل على تلك الرسالة؟ لقد كان رد الفعل خيانة خمسة بكل معنى الخيانة واستجابة شخص واحد هو عبداللّهبن مسعود النهشلي.

صدقوا ان هؤلاء الذين خانوا لم يحبوا الامويين ولم يؤمنوابخطهم، بل كانوا علويين فقدوا كل مضمونهم عندما فقدواارادتهم. وخيانة هؤلاء الزعماء او برودهم تعبير صادق عن اخلاقية الامة المهزومة، فان الامة في حال تعرضها للهزيمة النفسية وفي حالة فقدانها لارادتها وعدم شعورها بوجودهابوصفها امة تنشا لديها تدريجا اخلاقية معينة هي اخلاقية الهزيمة، واخلاقية الهزيمة هذه تصبح قوة كبيرة جدا بيد صانعي هذه الهزيمة، لابقاء هذه الهزيمة وتصحيحها وتوسيعها، فيصبح الاقدام تهورا ويصبح الاهتمام بما يقع على الاسلام والمسلمين من مصائب ومحن نوعا من اللاعقلائية.

واخلاقية الهزيمة هذه تصطنعها الامة لتسويغ الهزيمة ولتشعر بان مقاومتها انتهت وقرات عليها الفاتحة، فتنسج مفاهيم جديدة غير مفاهيمهاالاولى، وتتبنى قيما واهدافا غير التي كانت تتبناها، او لكي تبررموقفها اخلاقيا ومنطقيا، لانها لا تشعر بكرامتها.

والامام الحسين(ع) اراد ان يبدل هذه الاخلاقية المنحطة لهذه الامة ويضع اخلاقية تنسجم مع القدرة على التحرك والارادة حينما كان يقول: «لا ارى الحياة مع الظالمين الا برما»((2)).

ولم يكن هذا الامر شكوى مجردة، بل كان عملية تغيير لايجاد آاو في الواقع لارجاع هذه الاخلاقية العظيمة التي فقدها كل الناس الذين مشوا في [هذا]الشارع الطويل.

مثال آخر، حبيب بن مظاهر: فها هو يستاذن من الحسين(ع)ليدعو عشيرته بني اسد للالتحاق بركب الجهاد، ومع معرفة كل المسلمين لحبيب في مواقفه الجهادية وبياض تاريخه في ورعه وتقواه، اجابه بنو اسد باخلاء ديارهم والانسحاب جميعا قبل طلوع الفجر. يرجع حبيب ويبلغ الامام(ع) بهذه النتيجة الاسطورية، فبنو اسد كانوا يخشون حتى من كونهم على الحياد،فغادروا المنطقة نهائيا، ولم يكن جواب الشهيد الممتحن) الا ان قال: «لا حول ولا قوة الا باللّه العظيم»((3)).

هذا السكون في الضمير، هذه الهزيمة في الماساة هي مرض الامة الذي انبعث امامكم العظيم ليعالجه. كانت الامة تشفق على علفها الرخيص، على انفاسها التي تصعد في ذل وحرمان وقد لاتنزل، اما الشفقة على الوجود الكلي، على الكيان والعقيدة فلم تمر بخواطر الدمى ابدا، لانها تكلف غاليا.

كل هذه المظاهر دليل على ما وصلت اليه الامة من انحلال،اضف الى ذلك الاندفاعات نحو خط السلطان، فخلال اسبوعين او ثلاثة بعد مقتل مسلم(ع) استطاع ابن زياد تجنيد عشرات الالوف من ابناء ذلك البلد الذي ظل يحمل رسالة على(ع) حتى ذلك الحين، واستخدم مئات من الذين شاركوا الامام علي في جهاده بصفين، ومن الذين استجابوا لعمرو بن الحجاج وكان مضطهدا في سبيل الامام على(ع) ايام زياد، لكنه لم يستطع مواصلة المحنة، طلق عقيدته قبل ان يصل الى آخر الشوط،ليشتري بعقيدته دنيا واسعة. هذا المسكين انتهت ارادته، انتهت شخصيته بوصفه انسانا مسلما يفكر بالاسلام، بعزة الانسان،فكلفه قائد الاحتلال الجاهلي الرجعي باسوا مهمة يكلف بهاانسان، كلفه بان يحول بين الماء وسيد الشهداء وصحبه الميامين.

وتعال نشق عباب الاسى لنرى كيف طوق مسلم بن عقيل قصر الامارة حيث ابن زياد ومعه ثلاثون او عشرون شرطيا،ومسلم معه اربعة آلاف مسلح ليست لهم قلوب، ليست لهم ايد.في الواقع لم تكن هذه الاربعة آلاف الا دمى متحركة من الخارج، والا فلماذا انهزموا عنه؟! وكان في الاقل ان يبقى معه ولو شخص واحد يدله على الطريق، لكن عبثا، فالتاريخ يحدثناان المراة حينئذكانت تاتي فتنتزع زوجها او اباها واخاها قائلة:لا شغل لكم بالسلاطين، ونهاية فقدان الارادة [ان]يستسلم الرجل ويذوب.

قال المفكرون: ان من لا يملك ارادته تتحرك يده باتجاه معاكس لقلبه وعاطفته، لذا راينا الناس يقتلون الامام الحسين(ع)وهم يبكون عليه، لشعورهم بان قتلهم اياه معناه قتل آخر امل في الانعتاق، لكنهم لم يستطيعوا ان يغيروا موقفهم فينصروه.

وعلى كل حال فالامام الحسين(ع) ليس انسانا محدودا بسنة كذاوكذا، بل هو الاسلام ككل، اي هو كل الاهداف التي ضحى من اجلها، لانها روحه وعقله وقلبه وعواطفه.

واذا كان اهل الكوفة [قد]قتلوا الحسين(ع) وهم يبكون،فهناك خطر كبير في ان نصاب بالمحنة نفسها، اقصد ان نقتل الحسين(ع) ونحن نبكيه، فالبكاء لا يعني اننا غير قاتلين للحسين(ع)، ولو كان البكاء وحده يعني ان الانسان غير قاتل للحسين(ع) لبرئ عمر بن سعد، لانه بكى الحسين(ع) بنفسه بكاء مرا.

في موكب السبايا حينما مرت العقيلة زينب(س) على الضحايا، التفتت الى اخيها، اتجهت الى جدهاالرسول(ص)تستنجده مخبرة عن جثمان الامام الحسين(ع)تسفيه الرياح، عن السبايا وهن مشتتات، عن الاطفال عطشى وهم مقيدون، حينما اخبرت جدها بكل ذلك ضج القتلة كلهم بالبكاء، بكى السفاكون، بكى هؤلاء الذين اوقعوا هذه المجازر،بكوا انفسهم.

اذن فالبكاء ليس ضمانا، والعاطفة وحدها ليست ضمانالاثبات ان صاحب العاطفة لا يقف موقفا يقتل فيه الامام الحسين(ع) او يقتل فيه اهداف الحسين.

لا بد من امتحان، لا بد من تامل، لا بد من تعقل لكي نتاكدمن اننا لسنا قتلة لابي الشهداء(ع). اما مجرد اننا نحب الحسين،نزوره، نبكي عليه، كل هذا شي راجح، لكن هذا الراجح لا يكفي ضمانا لاثبات اننا لا نساهم في قتل الحسين، لان بامكاننا ان نقوم بكل هذا عاطفيا، مع اننا نساهم في قتل الحسين(ع).

يجب ان نحاسب انفسنا ونتامل في سلوكنا ونعيش موقفنا بعمق وانفتاح على كل المضاعفات والملابسات، لنتاكد من براءتنا من قتل الحسين(ع) بشكل مباشر او غير مباشر، ولكي نعيش دائماتلك التضحية ونعيش مدلول هذا الدم الطاهر.

وغفر اللّه لنا ولكم، وعظم اللّه اجوركم، والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.

 

جدل الفلسفي السياسي، في فكر الامام الشهيد السيد محمدباقر الصدر

 ا. محمود حيدر

مسعى هذه المداخلة، وهي توجز البحث المقدم الى مؤتمركم الكريم، ان تقف على جدل الفلسفي السياسي في فكر وتجربة الامام الشهيد محمد باقر الصدر. لقد وجدت الاخذ بهذا الاشكال كسبيل للاقتراب من فضيلة المساءلة، وهي فضيلة اخذ الامام الشهيد بها اخذ اءولي العزم، فمنحنا كما منح اءصحاب جيله ومن بعدهم مزية النظر الفسيح في الدين، فما اراد بذلك غير وجه الحق وتدبير امر الخلق بالحق.

خيار الامام الشهيد في هذا كقدره ان يحفر في المكان الصعب، وان يتهيا من البدء للمشقة، لم يشا ان يجيئنا باءطروحة باردة، فكان ان وجد نفسه في تحد مفتوح داخل اجتماعين مشدودين بعصب السؤال الذي لا ينتهي ولا ياتي الجواب عليه بيسر، عنيت بهما الاجتماع الديني والاجتماعي السياسي. كان يدرك ان بالامكان جمعهما في واحد، ويقينه انهما على نفس الامر بالاسلام، وقد فرقهما الحادث التاريخي، ومنطق القوة،ورق الافعال، ولان الدين عنده هو الوعاء الذي تنطوي فيه المعارف البشرية على اختلاف رؤاها واشكالها ومقاصدها، صارهينا عليه جمع الفلسفة الى السياسة، وكان عليه ليفعل ذلك ان يتحصن بالشريعة، ليؤتيها بحصاد الرحلة المعرفية الطويلة طلبالحسن العاقبة.

هو يدرك ان ضفتي الاشكال يحملانه على المخاطرة،خصوصا وان اقامة فلسفة للاجتماع السياسي الديني دونهاسجال لا نهاية له، ذاك ان الحفر في هذه المنطقة بالذات سيدفعه الى خطوط المواجهة المتقدمة مع تيارات آيديولوجية وسياسية واسعة سحابة عقود ثلاثة متصلة.

واذا كان السجال مع التيارات الماركسية والليبرالية والقومية ولا سيما في لحظة صعودها في الخمسينات قد اخذ المساحة الكبرى من نصوص الشهيد الصدر فان هذا لم يكن بمعزل من سجال مواز داخل الاجتماع الديني والحوزات العلمية. ولو شئناان نضي على هذا الوجه السجالي عند الامام الشهيد لنظرنا اليه من الوجهة التي تسددها من ارادة معرفية، غايتها ترسيخ مساردينامي ينتسب الى فضاء المرجعيات النقدية على مستوييهاالشرقي الاسلامي والغربي. وهي مرجعيات تعاند الاستلاب وتكشف عوامل التشيؤ الفكري والثقافي، وتحفظ للعقل امكاناته ومحاكمة آلياته وتقويم عطاءاته.

ربما اسهمت محاكاة الصدر (رحمه اللّه عنه) للفكر الفلسفي الغربي في الخمسينات والستينات في جعل رؤاه اكثر رحابة وسعة، وهو ينحو في ذلك نحو كثيرين ممن اخذوا بوصايا كبارالفلاسفة المسلمين المعاصرين وفي مقدمهم الحكيم الطباطبائي في وجوب اطلاع الفلاسفة المسلمين على المدارس الفلسفية الغربية، وخصوصا فلاسفة اوروبا ابتداء من القرن السابع عشروما بعده نظير ديكارت ولايب نتيس وكانت، واخيرا هابرماس وفوكو وهايدغر وسواهم.

يبدو لي ان الشهيد الصدر كان اقرب الى اءولئك الفلاسفة الذين قصدوا التواصل مع السياسة والاجتماع السياسي، اءمثال المحدثين الذين سبق ذكرهم.

فسؤال الحداثة عند الفيلسوف الالماني يورغن هابرماس آعلى سبيل المثال لا يقف عند حدود العقلانية كنزعة وكاطار،وهذه العقلانية ليست مجرد اداة لتحديث المجتمع والتاريخ كمايرى «ماكس فيبر»، وانما يقتضي الامر اعادة صياغة سؤال العلاقة بين الحداثة والعقلانية، وبين التحديث والعقلنة.

وسيجري ذلك بممارسة تامل مختلف يستفيد من تاريخ النظرية ويستنطق تحولات اللحظة التاريخية، وينظر الى نوعية التفاعل الحاصل بين الذوات من جهة، وبينها وبين اشياء العالم المعيش من جهة ثانية. فهذا التامل يستدعي صياغة فلسفة عصرية تعط ي للتامل الفلسفي شرعيته، وتكثف الاسئلة الاساسية التي يطرحها الزمن المعاصر على العقل في علاقاته المتوترة مع انتاجاته.

وبحكم استناد الفلسفة الى العقل والتامل، فانها تستمد بعض مشروعيتها، اولا من التفكير في زمنها، وثانيا من ممارسة النقدالنشط لاسس الفكر والمجتمع والسياسة.

لقد اشتغلت فلسفة التواصل الغربية على صياغة فلسفة نقدية تتغيا نسف فلسفة الذات، وخلق منطقة جديدة تملا الفراغ الذي ولدته العقلانية المعاصرة. ثم تمضي هذه الرؤية لتنسج منطق للتعدد يؤسس لنظرية نقدية جديدة، مهمتها محاكمة التراث الفلسفي المتمركز حول العقل، واقتراح مفهوم جديد للنشاط التواصلي يدعو الى نظرية للمجتع.

على ان التقاطع بين رؤية الشهيد ورؤية الغرب الفلسفي على هذا المتسوى ان مقولة الانفصال عن فلسفة الذات معناه التفكيرالفعلي في الزمن الراهن. فالفلسفة لا يتصل دورها باضاعة وقتهابالرجوع الدائم الى الزمن القديم والانغماس في نصوص من سبق من الفلاسفة، او البكاء على «العصر الذهبي» للفلسفة الذي لم يتحقق. انها سؤال يقظ، تنفتح على ما هو نقدي في العلوم الانسانية، وتتخذ من التداوليات الصورية مسلكها المنهجي لصياغة نظرية في الحداثة وتاسيس عقل تواصلي.

لم يشا الشهيد الصدر ان ياتي بنموذجه الفلسفي على سبيل الاستعادة التقليدية للكليات، كان بلا ريب محكوما بسؤال الوجود، لكن سؤاله لم يكن من النوع الذي يقع في العادة خارج الدين، ولانه كذلك فقد جاء مكتظا باليقين، ثم مضى في رحلته كمن انجز المهمة العظمى للفلسفة الاولى بوصفها علم يبحث فيه عن احوال الموجود بما هو موجود، بغاية معرفة الموجودات على وجه كلي وتمييزها مما ليس بموجود حقيقي.

وسنذهب ابعد من هذا لنلاحظ ان رؤية الصدر الوجودية تؤول بمنتهاها الى ما وضعه الفيلسوف الالهي صدر الدين الشيرازي في «الحكمة المتعالية» لجهة اطورحته في «اصالة الوجود واعتبارية الماهية». [ما ذكره في فلسفتنا: ص 275].

ان هذه الرؤية ستمنحه اليسر في رحلة السفر الوجودي والترقي العرفاني، فالسالك الى اللّه بعد اتمامه السير الى اللّه وفي اللّه مكلف بتكميل العباد وتعمير البلاد كما يبين الامام الخميني(قدس سره). وهذا ما انتهض اليه الشهيد الصدر، ولو من طريق سلوك العابد العارف حيث اهتدى في الاسفار الاربعة الى مايظهر به ممارسته الوجودية، وسلوكه المعراجي عبر قوسي الصعود والنزول.

اما هذه الاسفار التي اوردها صدر المتالهين في (الحكمة المتعالية) فهي السفر من الخلق الى الحق وهو قوس الصعود، ثم السفر بالحق في الحق وهو الفناء بوصفه ذروة الصعود، ثم السفرمن الحق الى الخلق مع الحق وهو قوس النزول، ثم الى السفرالاخير من الخلق في الخلق بالحق وهو الصحو، حيث يرى العارف الوجود عينا، وحيث الربانيون وحدهم يؤمنون بما هورباني كما يقول الشاعر الالماني فريدريك هولدرلن.

السفر الرابع هو السفر الاخير، وهو الاكثر اثارة للجدل، وهويتجسد ويقوم في ولاية الامر، والانتهاض لعالم هو في امس الحاجة الى مرشد يقود الناس الى العدل. ولئن تاصلت هذه الاطروحة بمرجعها القرآني في آيات الجهاد ووجوب قلب الظلم، فهي متصلة اتصالا حميما بجذر فلسفي وجد كمالاته على يد صاحب الاسفار.

اما علاقة هذه النظرية الفلسفية المجردة بالاجتماع البشري،فيمكن بيانها بالتاسيس على اصالة الوجود، ذلك ان القول بتاصل الماهية سيصرف النظر الى كل ما هو وجودي، ويسري الى السياسة واجماعها وتناقضها بوصفها ملهاة ولعب، باعتبارالوجود امرا شبحيا او اعتباريا منتزعا من حقيقة متاصلة هي الماهية. فاذا ساد الاعتقاد بان كل ما في الكون وهم او خيال امتنعت الارادة، ولا مجال للحديث عن اصلاح الجور.

وهذاالاعتقاد مساوق لعقيدة الجبر التي قالت بها الفرق من قبل، ولاغرابة فيما نشهد اليوم من جبرية سياسية لا تزال تصنع آيديولوجيات الطاعة في غير مكان من عالمنا اليوم.

لقد سعى الشهيد الصدر ليشتغل على الصفة الاخرى للفلسفة،فبدا كما لو انه على اتم التهيؤ لجعلها قيمة معرفية يجب توطينهافي الاجتماع البشري، فعل هذا في الستينات يوم كان المشروع الحضاري العربي الاسلامي مثقلا بوجوب تجديد الاسئلة الكبرى المتعلقة بالنهضة واليقظة والحداثة، لهذا سيبذل جهدا بينالصوغ فلسفة ميدانية هي وليدة مصالحة نادرة وعبقرية بين العقلي والايماني، وبين الديني والسياسي.

فاذا به يحفر في المكان الصعب، المكان الذي ينطوي على قابلية زائدة لتخصيب القضايا المثارة حول اليقظة الدينية المعاصرة ببعديها السياسي والعملي.

ولنا هنا ان نسال:

كيف عين الشهيد الصدر نهاجيته في الجدل الفلسفي آالسياسي، وكيف تمت علميات الوصل بين الحيزين، ليغدوا حيزامركبا ذا مقصد واحد بابعاد مختلفة؟ لو اتخذنا من دراسته المرجعية «فلسفتنا» مادة لقراءة تفكيكية تركيبية لبدا لنا الى اي مدى سيتحول فيه المعط ى الفلسفي الى نص سياسي ميداني بامتياز. على ان التوسطات الجدلية لتحقيق هذه الغاية ستظهر امرين متفارقين في اطار نهاجية تحويلية تركيبية مكتملة العناصر:

الاول: تحويل المعرفة الفلسفية الى معرفة كلامية، وتاليا الى آليات لتدبير الاجتماع السياسي.

الثاني: تحويل الفلسفة الى طريقة للتفكير واقرار الحقائق السياسية والاجتماعية بواسطة الجدال والبرهنة.

عبر هذين الامرين قيض للشهيد الصدر تشكيل قدرات كلامية لدى نخب الاسلام السياسي، على نحو يمكنها من خوض الصراع بلغة تدرك منطق التواصل بين الافهام الفلسفية العامة والحادث السياسي الحي. كان يعي انطلاقا من هذا المسعى ان هذه القدرات لها فاعلية خاصة في المجتمع الحديث والمعاصر، ذلك ان قوة البراهين والحجج تساعد على قبول اونقد كل اشكال الادعاء اليديولوجي بصلاحية فكر الخر.

فالتفاهم داخل سياق تواصلي عقلاني يضبط العلاقة بين المعرفة والسلطة، وبين الافكار المتباينة وتياراتها المتصارعة.

ولقد كان قصد العلامة الشهيد من وراء ذلك احداث توازن اكيد مع مايسمى ب(الاستعمار الثقافي الداخلي) المتمثل بهيمنة النص الماركسي والليبرالي على المجتمعات الاسلامية في خلال خمسينات وستينات وسبعينات القرن المنقضي. مثلما يؤدي هذاالتوازن الى الاعتراف بالاجتماع السياسي والثقافي الاسلامي الذي كان وقتذاك اسير حالته الجنينية على صعيد التنظيم والحركة.

ما لا يشك فيه ان النتاج الفكري الغزير للعلامة الشهيد لايمكن فصله عن مناخات العصر الذي عاشه، اذ ثمة اتجاهان كانايتسابقان لتسنم ناصية القيادة في المجتمعين العربي والاسلامي:تيار حداثي يستلهم من الغرب تجربته وريادته في حقول المعرفة والتنمية والتقانة، وتيار يعتقد ان التراث الغني للمجتمعات العربية والاسلامية والفكر الاسلامي كفيلان في حال العودة الى مناهلهما باطلاق حركة نهضة واسعة تتفوق على كل ما عداهالخصوصيتها الروحية والانسانية.

لم يكن العراق بمناى من السجال المحتدم بين هذين التيارين، وانما كان في مقدم الساحات العربية التي تنامى فيهاتيار الحداثة ولا سيما في منحاه القومي اليساري والماركسي.ومن طبيعة الامور انه حين خرج كتاب (فلسفتنا) الفيناه مثقلابالطابع السجالي الجدلي (بالمعنى المنطقي)، كما لو كان صاحبه يريد مل فراغ ثقافي ومعرفي هائل في المديان السياسي،ومن وجه آخر شكل استجابة لحاجة آيديولوجية ملحة كانت تستدعيها حالات الصراع السياسي والعقائدي بين مختلف التيارات الناشئة في الساحة الاسلامية عامة والساحة العراقية على وجه الخصوص.

ولعل ما يؤسس لغايته الميدانية هو تزامن صدوره مع تشكيل اول حزب اسلامي ذي اهداف دعوية سياسية في الساحة الشيعية العراقية، الامر الذي يفترض تسلح حزب الدعوة في ذلك الزمن برؤية فكرية قادرة على مواجهة التيارات الفكرية الماركسية والليبرالية التقليدية.

فضل الشهيد الصدر الذي كان يحمل مشروعا رسالياسياسيا يتبناه ذلك الحزب يظهر في قدرته على استيلادالمبادئ والتصورات الاسلامية من مجمل الموروث الفكري ليؤسس منها ويبني عليها عمارة فلسفية تحاكي مثيلاتها لدى الماركسيين والليبراليين.

ونحن في هذا الاطار نزعم ان الشهيد الصدر كان ينسج ثوبه الفلسفي وفق المنهج السجالي السائد آنذاك، الامر الذي يسمح لنابالحكم على نتاجه في مؤلفه المشار اليه سابقا بانه كان جداليا،لجهة قيامه على قواعد الجدل والمحاجة والرد، ذلك ما يذكرنابتجربة الشيخ المفيد والسيد المرتضى اللذين تاسس فقههماواءصولهما وعلم كلامهما على الردود والمحاجة للنتائج الذي سبقهما، ولئن شئنا يمكن استعارة عنواني الخلاف والاختلاف اللذين فضلا تسمية مؤلفاتهما في الميادين المذكورة بهما.

لم يغادر ضمير الجماعة المتكلمة (نا) اءمهات الكتب الكبرى لصاحب المقام (فلسفتنا) (اقتصادنا) واخيرا (مجتمعنا) الذي بقي مشروعا لم يسعفه العمر لينجزه. فاذا كان ثمة دلالة على اضافة «ضمير الجماعة المتكلمة» هذا، فهي ما يمكث في ظاهر وباطن النص والمقاصد والدعوات التي يرغب اليها. ولو اخذنا (فلسفتنا)كمثال على هذا المستوى فهي كما عرفها واضعها: «مجموعة مفاهيمنا الاساسية عن العالم، وطريقة التفكير فيه». وهي «دراسة موضوعية في معترك الصراع الفكري القائم بين مختلف التيارات الفلسفية وخاصة الفلسفة الاسلامية والمادية الديالكتيكية(الماركسية)».

لما اختار علامتنا لمنجزه الفلسفي الجدالي هذا العنوان، فهوربما كان في منطقة الداخلي يدرك قربه من علم الكلام، فاشتغل نصه كعالم كلام وكداعية في آن، اذ المتكلم بحسب الجاحظ «هوالذي يكون ما يحسنه من كلام الدين يوزن ما يحسنه من كلام الفلسفة».

ومن وجهة نظر الشهرستاني فان علم الكلام صناعة جدلية تقوم ميزتها الاساسية في المناظرة مع خصم حقيقي او مفترض،وهي المناظرة التي تتجلى في عبارات من مثل «ان قلتم» «قلنا».وغاية الكلام عند الحكماء المسلمين انه علم يمتاز بمطابقة العقائد لكلام اللّه وحفظها عند مخالفته، وهو اذ يقوم على المجادلة والمساجلة، بصفة كونه علم دفاع عن العقيدة واءصول الدين، لا يناى ولو قليلا من «فلسفتنا». فالمصداق هنا كامن في نفس الامر، فان اختلفت الموضوعات والاضافات والقضاياالمبحوث فيها وعنها يظل المنهج هو هو. والمنطق الداخلي الذي يحكم السجال وعمليات الدفاع عن فكرة ما، او توهين اخرى،يبقى امرا كلاميا بامتياز.

وثمة وجه آخر لهذا المنهج يقترب مما يعرف في الاصطلاح المعاصر بمفهوم «اليديولوجيا»، فلئن كانت اءطروحة «الدعوة»بوجهيها النظري والعمليءطروحة صدرية، جلية الحال، فهي من اكثر الاطروحات ترادفا وقربا مما يقصد عادة من مفهوم اليديولوجيا، وهذا المفهوم بمعناه الصدري هو براينا تاصيل لمفهوم الدعوة. فاليديولوجيا في حاصل امرها، منظومة كلامية سجالية تحاول رغبة ما ان تحقق بواسطتها قيمة ما باستعمال السلطة داخل مجتمع معين. وثمة من يذهب الى انها تستعمل في مجال المناظرة السياسية لما لها من قدرة منطقية على الاقناع،ذلك ان آيديولوجيا المتكلم ستنير الطريق فتهدي الخلق الى ديناالحق والعدل.

لقد انجز الامام الشهيد واحدة من اخطر واهم الاطورحات الحديثة في جدل الفلسفي السياسي. وفي علاقة الالهي بالبشري، وبذلك ملا منطقة فراغ هائلة ستظل الى زمن مديدمقبل مجالا خصيبا لحوار وسجال داخل الحركة الاسلامية المعاصرة، وفي فضاء التحولات التي تشهدها حركة الفكرالعالمي المعاصر.

 

 

- صيرورة الفكر الشيعي، قراءة في تطور الفكر السياسي عندعلماء الشيعة

 السيد صادق عباس الموسوي(#)

تقدمة بين الفكر البشري الوضعي والتنظير الديني اللاهوتي شي من التقاطع، وآخر من التمايز. فاذا كان الفكر الوضعي نتاج عمل بشري محض، فان الفكر الديني يمتزج بالانساني قليلا او كثيرا،وقد يكون هذا الامر ضروريا لاستمراره وحركيته، لان الوحي الالهي ينقطع مفسحا المجال للتجربة الانسانية لتكمل الطريق.

والحركية في الفكر الديني تزداد طرديا كلما كان هذا الفكريمتلك هامشا مخصصا للتدبير العقلي الانساني، وهو ما يطلق عليه «منطقة الفراغ»، ما يجعله قابلا للتطور والنمو والتاقلم، بعيداعن الجمود والتحجر الذي يصيبه بالهشاشة، ويحيله مع تقدم الزمن الى مجرد افكار غير قابلة للحراك.

ويشكل التشيع احد هذه الافكار الدينية، متميزا بديناميكية فريدة وقدرة مرتفعة على التاقلم مع المحيط الجغرافي، والحيزالزماني بما يحمله من مفاهيم ورؤى تبقي لنفسها تحديد النقاط والحروف والخطوط العريضة، وتحتفظ للفكر البشري تشخيص وتموضع كل ذلك.

ويشكل موضوع الفكر السياسي الشيعي وان كان عاما آمحورا هاما يمكن الولوج من خلاله لبيان كيفية تطور المذهب الشيعي على مستوى التنظير الفقهي، والهرمية المرجعية، والعلاقة بين الفقيه والسلطان، وازدواجية الثورة والنظام وغيرها. وحتى لايغرق البحث في سرد الاحداث المتعاقبة ويمسي ضحية العموميات، كان التركيز فيه على محاور اساسية تركت بصماتهاعلى الفكر الشيعي، وشكلت مفاصل تحولية في اشكالياته ومفاهيمه ونظرياته.

التنظير الشيعي في الفكر السياسي والدولة الشيعة لغويا: هم القوم الذين يجتمعون على الامر، وكل قوم اجتمعوا على امر فهم شيعة((4)).

وقد اشتهر على ان الشيعة كمصطلح وتنظيم: هم الاشخاص الذين انضووا تحت ولاية على بن ابي طالب ابن عم الرسول.

ويعرف الفيلسوف الايراني سيد حسين نصر الشيعة بانهم:«الشيعة هم الذين يؤمنون ان حق خلافة النبي يعود فقط الى اسرته، ومن يتبع اسرة الرسول «اهل البيت» كمصدر الهام ودليل لفهم الوحي القرآني الذي اتى به الرسول»((5)).

اذن، فالشيعة هم شيعة على الذين قالوا باحقيته وابنائه الاحدعشر في تولي الخلافة بعد الرسول بامر من اللّه، حيث تكتمل النظرية الاسلامية بولايتهم كاصل من اصول الدين.

لقد عاش المتشيعون حالات من الاضطهاد، استمرت منذحياة ائمتهم حتى العصر البويهي. ولقد ساهم هذا الاضطهاد في التاثير على التكوين المعرفي لعقائدهم ولافكارهم، وكان له الفضل في اغناء معتقدهم بافكار حملت في طياتها حركية وعقلانية، طرحها ائمتهم الذين استمروا في قيادة الهرم الشيعي حتى غيبة الامام الثاني عشر في (329 ه)، ومن تلك الافكارضرورة رفض الحكم الظالم وعدم التعامل معه، فمن يدرس تاريخ العلويين يجدهم ثوارا من طراز غريب، لم يمر التاريخ الاسلامي من جيل الى جيل دون السماع بثورة قادهاعلوي((6))، ومن تلك الافكار التقية التي تعني ان يستبطن المؤمن الايمان اذا كان في ذلك مصلحة او لاجل دفع الهلكة،وغيرها من الافكار...

ويقسم د. علي شريعتي التاريخ الشيعي الى حقبتين، بينهماتمام الاختلاف، تبدا الاولى من القرن الاول الهجري، حيث كان التشيع معبرا عن الاسلام الثوري في مقابل الاسلام الحكومتي الذي كان يتمثل في المذهب السني، وتمتد هذه الحقبة الى اوائل العهد الصفوي، حيث تبدا الحقبة الثانية التي تحول فيها المذهب الشيعي الى الحكومة والنظام((7)).

في الحقبة الاولى عاش الشيعة فصولا من اللام والعذابات التي فرضها خوف الحكام منهم، فارتكبت المجازر والمذابح تباعا منذ العصر الاموي وصولا الى العصر العباسي، حيث عانى ابناء الشيعة من اشكال متنوعة من القتل والتشريد والسجن وغيرها.

والحقيقة، انه وبرغم ان الحقبتين الاموية والعباسية كانتافي غاية الصعوبة على الشيعة، لكن تخللتها فترات من الجزرالقمعي، في عهد الخليفة الاموي عمر بن عبد العزيز، والفترة الفاصلة بين العهدين الاموي والعباسي، او عهد الخليفة العباسي المامون الذي اعط ى ولاية العهد لاحد ائمة الشيعة (الامام الثامن)، حيث استطاعوا في هذه الفرص من نشر مذهبهم وماسسة التفكير العقائدي والفقهي عندهم.

الصفحة التالية