|
بعد غيبة الامام الثاني عشر (سنة 329 ه ) عهد بالمذهب الى
الفقهاء، الذين كانوا يدركون ان الغائب الثاني عشر قد
اناط مسؤولية رعاية الشيعة فكرا وعملا وبخاصة في مجال
التشريع بهم، فاندفعوا يستعدون للقيام بهذه المهمة، وذلك
بتهيئة الوسائل العلمية التي يحتاج اليها الفقيه في اجتهاده من
خلال استنباط الاحكام الشرعية من مصادرها الاساسية
((8))،
فانبروا لكتابة موسوعات الاحاديث لحفظ التراث الشيعي
المنقول عن ائمة اهل البيت، حيث يعتبر كلامهم مصدرا من
مصادر التشريع العليا،فكانت وعلى غرار الصحاح في احاديث
اهل السنة الكتب الاربعة، (من لا يحضره الفقيه للصدوق،
والتهذيب والا ستبصارللطوسي، والكافي للكليني)، وقد تم
الاهتمام بمتن الاحاديث وسندها وتصنيفها حسب الابواب
الفقهية.
في هذه المرحلة انقسم الفقهاء الى مدرستين: نقلية
تنحومنحى مدرسة اهل الحديث عند اهل السنة، ومثلها
الشيخ الصدوق ووالده، وعقلية تنحو منحى اهل الراي عند اهل
السنة،ومثلها ابن ابي عقيل وابن الجنيد، لكن كان المصب عند
الشيخ المفيد (ت/413 ه) الذي كان يعتبر الاب الروحي
للطائفة،والذي وبسبب ما رآه من بوادر الانشقاق في الصف
الشيعي العلمي الى هذين الاتجاهين بما يحمل اولهما من
جمود قديعيق مسيرة التطور الفكري التشريعي، وما يحمل
ثانيهما من انطلاق قد يتجاوز حدود الدائرة المذهبية سلك
طريق «البين بين»، فلا جمود ولا انطلاق ولكن امر بين
امرين((9))، فجمع بينهما، فقد اعط ى للحديث حقه وللعقل
دوره، وشيد اركان المذهب الشيعي المتواصل الى هذه اللحظة.
وقد اسهم العامل السياسي في نهضة الشيعة منذ عصر
المفيدحيث حكم آل بويه من 334 ه الى 447 ه ، وقد
كانوامتشيعين لاهل البيت وعملوا على نشر فكرهم، وكان
عضدالدولة البويهي تلميذا للمفيد((10)). ويمكن اعتبار
صعودالبويهيين الى السلطة نقطة فاصلة في تاريخ الشيعة،
فقد كانت هذه المرة الاولى التي يصل فيها الشيعة الى الحكم
في عاصمة الخلافة الاسلامية، بعد سنوات من المحن والارزاء
والكبت على يد خلفاء بني العباس وبني امية قبلهم.
من تلاميذ المفيد، الذي كان يتخذ بغداد سكنا له
ومعهدالتلاميذه، الشريفان الرضي والمرتضى، حيث تسلم
الاول نقابة الطالبيين وامارة الحج والمظالم، وكان له الفضل
في جمع كتب وخطب واحاديث الامام على في موسوعة نهج
البلاغة، اماالشريف المرتضى (ت/ 436 ه ) فقد حاز على مرتبة
علمية عالية، وكتب مصنفات ساعدت في الدفاع عن المذهب
الشيعي كلاميا واغنائه فقهيا.
بعد هؤلاء الاعلام الذين كانوا ينعمون في ظل حكم
بويهي يتقرب الى الشيعة ويحسن اليهم، وينتمي لهم، ظهر
شيخ الطائفة الشيعية الشيخ الطوسي (ت/460 ه) الذي تتلمذ
على المفيدوالمرتضى، والذي فرض هيبته وسطوته العلمية
كعالم اول عندالشيعة، واستمر على هذه الحالة في بغداد حتى
هجوم السلاجقة بقيادة طغرل بك سنة (447 ه)، حيث قاموا
بحرق ونهب المنازل والمكاتب ومنها مكتبته الضخمة، ما فرض
عليه الهجرة الى النجف الاشرف، حيث شيد نواة الحركة
العلمية فيها، خاصة انها ضمان للحرية الفكرية قرب مرقد الامام
على بن ابي طالب.ولقد كان له الفضل الكبير في اغناء المكتبة
الشيعية ابتداء من موسوعتي الاحاديث (التهذيب، والاستبصار)،
مرورا بالكتب الرجالية التي تعين على كشف احوال الناقلين
للحديث، وصولاالى التصانيف الاوصولية والفقهية، وهكذا كانت
الطائفة الشيعية تنتقل من مرجع الى آخر يحفظ تراثها ويجدد
مسائلها.
بقي المذهب الشيعي على هذا النمط الى ان جاء احتلال المغول
للدول الاسلامية وسيطرتهم على العراق، حيث برز عالم شيعي
كبير هو الخواجة نصير الدين الطوسي، الذي عاش في
ظل الاحتلال المغولي لبلاد المسلمين، فاستطاع بحلمه
وعلمه وجده وفطنته ان يسلم قلب الامبراطور المغولي تكودار
نجل هولاكو،ليعلن اسلامه فيسلم بذلك المسلمون، حتى قيل
عنه: انه واحدمن اعظم من انجبتهم الحضارة العربية((11)).
وفي سنة (907 ه) حكم الصفويون ايران، وكان لهذا الامراثر
كبير على الشيعة، حيث اختار الصفويون التشيع مذهبا
رسمياللبلاد، حاربوا لاجله، واستخدموا كل الوسائل لجعل
الناس تلتحق به، وقد اهتموا بالعلماء وارسلوا بطلبهم، والملفت
ان الدولة الصفوية اخذت من التشيع اسمه فقط، واحتفظت
بشكله ليس الا، واستمرت حتى عام (1148ه) بعدها استلم
الزنديون الشيعة الحكم، وبعدهم الدولة القاجارية التي استلمت
الحكم سنة(1193ه)، حيث كان لها اهمية كبرى في تشييد
المنظومة الشيعية واغناء الجانب السياسي فيها.
كان لا بد قبل الولوج الى التفكير السياسي للفقهاء من
طرح هذه الاحداث والتراتبية، حتى نتمكن من عرض التطور
الذي ابتنى عليه الفكر السياسي الشيعي، فقد مثلت الفترة التي
تلت غيبة الامام الثاني عشر بداية للاجتهاد الشيعي حول
مختلف المسائل، وكان لا يزال سائدا ان ما من شي في هذه
الدنيا الا وللّهفيه حكم، حتى الارش في الخدش.
فما هو موقف علماء الشيعة من الدولة؟ وما هو نظام
الحكم الامثل؟ وهل هناك موقف موحد من مسائل السياسة
والحكم اواجتهادات متعددة؟
بداية، النظرية الشيعية للسياسة والحكم تختلف جذريا عماهي
موجودة عند المذاهب السنية، حيث ينطلق الشيعة ابتداء
من عدم صحة الشورى التي عقدت عقب وفاة الرسول،
وقالوابالتنصيب الالهي عبر الرسول لعلى على الخلافة استنادا
الى عددمن اليات والروايات التي تعضد ما يدعون، وان خلافة
على تستكمل بعده بالسلسلة المترابطة والمنصوص عليها من
الرسول حتى تصل الى الامام الثاني عشر، والذي يغيب ليظهر
بعد فترة ويحكم بالعدل والمساواة في كل انحاء الارض.
اذا، انطلاقا من هذا المبنى العقائدي، يجب التمييز شكلا
بين السنة والشيعة في نظرتهم للخلافة وان كان مضمونا الشي
نفسه،فكما مارس الخلفاء امور الدين وقيادة المجتمع في آن
واحد،فالائمة كانوا سيفعلون الشي نفسه، ولكن ممارسة الائمة
للقيادة،حسب الشيعة، يحضرها ويرافقها الاعتقاد بعصمتهم،
وعدم امكانية الخطا في افعالهم واقوالهم بعكس السنة، وقد
قاموا بذلك فعلا مع حكومة الامام الاول على بن ابي طالب.
كما يجب التمييز بين انواع التشيع، فما نحن بصدد دراسته
هوالتشيع الاثني عشري المختلف عن التشيع الزيدي مثلا،
حيث يقولون بامامة زيد بن علي بن الحسين، اي يتوقفون عند
الامام الرابع، او التشيع الاسماعيلي عند اسماعيل بن جعفر
الصادق،الامام السادس.
الفقهاء وشؤون الحكم
اعقب غياب الامام الثاني عشر، تسلم الفقهاء زمام
المذهب،حيث انقاد اليهم الشيعة في مسائلهم الفقهية
والكلامية. في هذه المرحلة لم يستطع فقهاء الشيعة التنظير
لمسائل الدولة والحكم والسياسة، لكن اقتصروا على الاهتمام
بمسائل الفقه، التي كانت تشتمل على بعض ما قد يدخل في
شؤون الحكومة والخلافة.ويمكن ان نقسم مراحل الفقهاء
للحكم الى ثلاث مراحل، ابتداءمن الوقوف على مسافة من
ذلك، مرورا بالتدخل غير المباشر،وصولا الى التنظير المباشر
واستلام شؤون الحكم.
المرحلة الاولى: البعد عن شؤون السياسة والحكم بناء
الفكرالشيعي
تمتد هذه المرحلة من انتهاء عصر النص بعد غياب الامام الثاني
عشر الى تاسيس اول دولة شيعية.
عاش العقل الشيعي في هذه الفترة حالات من المد والجزر،لم
تخرج الى حدود التفكير ببلورة برنامج لقيادة الشعب او
لحكم المجتمع، حيث كان فقهاء الشيعة مقتصرين في دراسة
بعض المصطلحات والموضوعات ذات الصلة بالشان السياسي،
من قبيل: حاكم الشرع او السلطان او الامام، التي كانت متداولة
في سياق الحديث عن المراحل العليا من الامر بالمعروف
والنهي عن المنكر، واخرى من قبيل: القضاء واقامة الحدود،
واخذ الحقوق الشرعية كالخمس والزكاة ومجالات صرفها،
واقامة صلاة الجمعة، وتحديد هلال شهر رمضان المبارك
والعيد، واقامة مراسم الحج، وتكفل اليتامى، والزواج
والطلاق((12)) .
والحقيقة انه لا يمكن فهم تدخل الفقهاء في شؤون
الدولة والسلطان بالانقطاع عن تاريخ عصر النص الشيعي
المنتهي سنة(329 ه )، حيث ان ائمة الشيعة الذين يمثلون
في اقوالهم وافعالهم سيرة الرسول، اذ يعتبر تقريرهم وعملهم
حجة،وحديثهم وكلامهم معتبر يؤخذ به كخطاب شرعي
يطابق مايريده المولى في شريعته الغراء. هؤلاء الائمة خاصة بعد
واقعة كربلاء التي استشهد فيها الامام الثالث الحسين بن على،
عاشوااجواء من حالة التقية، والتي تفسر بانها التحفظ عن ضرر
الغيربموافقة في قول او فعل مخالف للحق،((13)) وغايتها انه
في ظروف قاهرة لا يستطيع المؤمن ان يعلن عن موقفه
الحق صريحا خوفا من ان يترتب من ذلك مضار وتهلكة،
فيبطن الايمان ويظهر غير ذلك حفاظا على الدين والنفس.
هذه الحالة اوجدت نمطا خاصا من العيش جعلهم
يمارسون عقيدتهم المناوئة للسلطان من دون امكانية كشفهم
او ضبطهم،حيث تبوؤوا عددا من المناصب في الدولة العباسية
من دون معرفة الخلفاء، الذين اذا اكتشفوا ميلا لاصحابهم او
اتباعهم الى هؤلاء الائمة كانوا يبادرونهم بالقتل وسفك الدماء،
من قبيل مافعل هارون الرشيد بالبرامكة، حيث افناهم بعد ان
كانوا اعمدة الدولة وركائز الخلافة، حين استشم منهم رائحة
الولاء والحب لائمة اهل البيت.
ورغم حالات التقية التي عاشها الشيعة كتدبير عقلائي ومخرج
شرعي لحفظ المذهب، فقد اصطبغت حياتهم بالدماءوتلونت
بحد السيف، فقلما يذكر المؤرخون حياة خلفاء لم يعملوا في
رقاب الموالين حد السيف، الا ما ندر منهم. حتى ان التاريخ
يذكر ان ابا جعفر المنصور الخليفة العباسي الاول، الذي خرج
على الامويين تحت شعار ابناء الرسول، اوصى زوجة
ولده المهدي ان لا تفتح خزائن كان قد اعطاها مفاتيحها الا بعد
موته،وحين حدث ذلك فتحتها فاذا بها رؤوس جماعة من
الطالبيين فيهم الاطفال والرجال والشباب والمشايخ، قد قتلوا
و وضعت رقاع على آذانهم فيها انسابهم((14)).
وقد شهد التاريخ حالات المد الشيعي في حياة بعض الخلفاءفي
الفترة الفاصلة بين الخلافتين الاموية والعباسية، حيث
فتح الصادق الامام السادس دروس العلم، فحضر عنده اساطين
العلم من اهل التنصيب واهل الشورى، كما كان عصر ازدهار
للمذهب الرافض للخلفاء وطريقة حكمهم في عهد الخليفة
الثامن علي الرضا، الذي قبل بولاية عهد المامون بعدما فرض
عليه ذلك،ولكنه لم يقم رغم تسلمه لولاية العهد باي نوع من
انواع ادارة السلطة والشان القيادي، لانه هو الامام المفروض
الطاعة والولاية لا الخليفة الحاكم، لذا فقد كان السبب الابرز
لعمليات التصفية المستمرة لقيادات الشيعة ورموزها
وجمهورها يعود الى خوف الخلفاء من الشيعة.
اذن، لقد عاش ائمة الشيعة حالة برزخية في العمل
السياسي،يبطنون الايمان باحقيتهم بمنصب الخلافة والامامة،
ويظهرون البعد عن اجواء السياسة حفظا للمذهب والدين،
وحقنا لدماءكانت تسفك لاقل من ذلك بكثير. هذه الحياة
السياسية فرضت نفسها على علماء الشيعة الذين بقوا تحت
تاثيرها حتى قيام الدولة الشيعية الاولى.
واذا اردنا ان نلتفت الى تفكير هؤلاء في تلك الحقبة، فان اول ما
يثير الاهتمام منظر علماء الشيعة الشيخ المفيد (336
413ه)، الذي كتب اكثر من مئتي مصنف، وعاش في ظل
السيطرة البويهية التي فرضت التعامل الحسن، بل المميز مع
علماء الشيعة،ما جعلهم يعيشون حالات الراحة والحرية في
الحوار والمناظرة مع غيرهم في العقائد وعلم الكلام والتاريخ
والفقه وغيرها.والتاريخ ينقل لنا عن قيام عضد الدولة بزيارة
الشيخ المفيد ((15))
لكن الاخير بقي مستمرا على نهج ائمته
واساتذته من اهل البيت في نظرته الى الدولة، التي لا يعتبرها
شرعية، فهو يرفض في مسائله الفقهية سلطة الخلفاء في اقامة
الحدود، مع انها جنبة اساسية من جنبات ادارة الحكم والقيادة،
فيقول في ذلك:
«امام اقامة الحدود فهو الى سلطان الاسلام المنصوب من قبل
اللّهتعالى، وهم ائمة الهدى من آل محمد، ومن نصبوه لذلك
من الامراء والحكام، وقد فوضوا النظر فيه الى فقهاء شيعتهم
مع الامكان، فمن تمكن من اقامتها على ولده وعبده ولم يخف
من سلطان الجور اضرارا به على ذلك، فليقمها... وان استطاع
اقامة الحدود على من يليه من قومه، وامن بوائق الظالمين في
ذلك،فقد لزمه اقامة الحدود عليهم، فليقطع سارقهم، ويجلد
زانيهم،ويقتل قاتلهم، ويلزمه تنفيذ الاحكام، والامر بالمعروف
والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار ومن يستحق ذلك من الفجار،
ويجب على اخوانه المؤمنين معاونته على ذلك»((16))
هذا النص يظهر ان مهندس الفقه الشيعي اناط للفقهاء
مسؤولية اقامة الحدود، اي الامن الاجتماعي من جهة، والدفاع
عن حياض الاسلام، اي الامن الخارجي من جهة اخرى، ولكن
عدم استطاعتة القيام بهذا الامر لا يمنع من محاولة ذلك
حسب الظروف المتاحة للفقيه.
ومن تلامذة المفيد الشريف الرضي (ت/406 ه)، حيث ولي من
قبل الدولة البويهية نقابة الطالبيين مرارا، وكانت اليه
امارة الحج والمظالم، كان يتولى ذلك عن ابيه، فالرضي هو من
اول فقهاء الشيعة الذين يتقلدون مناصب معينة، ولكن مناصب
رمزية الى حد ما، لا تدخل في سلك الدولة كثيرا((17))
اما مؤسس الدراسة الدينية في النجف الشيخ ابو جعفرالطوسي
(385 460 ه) الذي درس على المفيد حتى وفاة الاخير سنة
(413 ه) ولازم المرتضى، وحضر عنده حتى وفاته سنة (436
ه) فاستقل عندها بمهمة الزعامة، وباعباءالمرجعية العليا،
فكان له كرسي الدرس وهو شارة الزعامة المطلقة.
كان شيخ الطائفة ينزل الكرخ في بغداد حتى هجوم
السلاجقة عليها بقيادة طغرل بك عام (447 ه)، فقاموا بحرق
ونهب المنازل والمؤسسات، وكان من بينها مكاتب الكرخ
الكبيرة،ومنها مكتبة الطوسي وكرسي تدريسه، ما جعله يذهب
الى النجف، ليجعلها مركزا علميا ومنطلقا لافكاره
((18))
يمكن معرفة نظرة الشيخ الطوسي للحكم الاسلامي من
خلال تصنيفه لولاية الفقهاء، حيث يرى ان هذه الولاية ثابتة
ومستمرة لهم، ومن صلاحياتهم:
1-
بيان الاحكام والتقنين:
وهو جانب الافتاء، حيث ان الرسول انما اقام الدولة الاسلامية
بكل مظاهرها وتشكيلاتها، لبيان الاحكام وابلاغ تعاليم الوحي.
2-
القضاء:
حيث يتولاه سلطان الحق والعدل، اي الامام او من ياذن
له الامام بالقضاء دون غيرهما.
3-
التخطيط السياسي:
وهو امر عام يشمل الامور العامة من قضايا الاجتماع،والسياسة،
والقضاء، وتنفيذ الحدود، وسائر المسؤوليات الاخرى،لكن ثمة
ما يحدد ذلك في بعض الموارد وهي مراعاة المصالح العامة
للامة، حيث انه منصوب لصالح المسلمين، فلا يرتكب مايؤدي
الى مخالفتها. اما صلاحيات الحكومة عند الطوسي فتنطلق من
نصب الامراء والحكام في الولايات والبلاد، وكذانصب القضاة
واجراء الحدود والاحكام، وقتال العدو والدفاع عن حقوق الرعية،
والاهتمام بالنظام المالي للدولة، والولاية على القاصرين، ووراثة
من لا وارث له
((19))
وبالتالي، ورغم ان الطوسي لم يتطرق الى بحث حكومة الفقهاء
في عصر الغيبة، الا ان المستفاد من مجموع بحوثة
السابقة الذكر تصنيفه لحكومة اسلامية قوامها الفقهاء العدول.
كما لاينبغي، في هذه الفترة، اغفال دور المفكر الشيعي الذي
عمل في دوائر القرار في السلطة البويهية (مسكويه الرازي)،
الذي ورغم قيمة تصانيفه وقدمها وابداعها المبكر اهملت
مصنفاته ولم تاخذ حقها في الدراسة والتحليل، حيث تحدث
عن الدولة والحكومة وضرورتهما، وبنية الدولة ومكوناتها،
ووظائف القيادة وشرعيتها، والمشاركة الشعبية ومجالاتها،
فللمواطنين كماللحكام حق النصيحة والحكم، وذلك في اطار
الاحكام والقوانين،وليس لايهما الحق في التعدي على الاحكام
الالهية وتجاوزها،فلا يحق للدولة الزام اي مواطن بالعمل خلافا
للقوانين الشرعية،كما ان للشعب الحق في ان تسير فيه دولته
بانشطتها واجهزتهاوقراراتها وبرامجها كافة بسيرة العدل
والانصاف، والشفقة والصلاح والاصلاح، وعندما لا تعمل
الحكومة بوظائفها اوتتجاوز في اعمالها وبرامجها حدود
الشريعة، فان مسؤولية الطاعة لها تسقط تلقائيا عن المواطنين
كافة
((20))
اما ابن ادريس الحلي (ت/ 598 ه) مؤسس حوزة الحلة واحد
اركان المذهب الشيعي، الذي اعاد للاجتهاد مكانته بعدسطوة
الشيخ ابي جعفر الطوسي على مفاتيح الاستنباط واصوله حتى
بعد وفاته، فياذن ان يتولى الفقيه المناصب السياسية
من السلطان الجائر، ولكن ليس باعتبار ان من اعطاه الولاية
هوسلطان الجور، بل بلحاظ كونه نائبا للامام الثاني عشر،
حيث يقول في كتابه السرائر: «فقد اذن له في تقلد الحكم وان
كان مقلده ظالما متغلبا... وهو (المنصب) وان كان في الظاهر
من قبل المتغلب، فهو في الحقيقة نائب عن ولي الامر في
الحكم وماهول له»
((21))
اخيرا، لا بد من الاشارة الى حركة جدية من احد فقهاءالشيعة،
الذي انتقل من مرحلة التنظير الى العمل، حتى دفع ثمن ذلك
حياته، وهو الشهيد الاول ابو عبد اللّه محمد بن مكي الجزيني
العاملي (ت/ 786 ه)، صاحب مصنف اللمعة الدمشقية((22))
الذي تنقل في ربوع الشام، لتجميع فلول الشيعة وجمع امرهم،
واقامة سلطة سياسية شرعية لهم، فجبى الاموال واعد الرجال
واتصل بحكومات الشيعة في وقته سرا وعلانية،ومنها ما ذكر
من المكاتبة بينه وبين الملك علي بن المؤيد عامل خراسان،
لكن في اثناء ذلك اتهم بمخالفة المذهب السني، وجعل امره
الى القاضي فحكم باراقة دمه، فضربت عنقه تحت
القلعة بدمشق.
ويعتقد الكثير من علماء الشيعة ومحققيهم ان توجيه تهمة
مخالفة السنة ما كانت الا لتبرير انزال عقوبة الاعدام به،
والتضبيب على عوامل واهداف حركته السياسية، اما الادانة
الحقيقية فكانت لانه كان يقول بولاية الفقيه
((23))
اذن، يمكن اختصار هذه المرحلة بانها مرحلة بناء الفقه الشيعي
والتنظير له، وازالة الشرعية عن الحكام والسلاطين واسباغها
للفقهاء العدول، وحيث ان الفقهاء لم يذكروا ذلك في مبحث
واحد تحت عنوان التعامل مع السلاطين، لكن يمكن استكناه
ذلك جليا وواضحا في كثير من الابواب الفقهية وتحت عناوين
شتى.
لقد درس عدد كبير من المحققين هذه الحقبة، فتوصل
بعضهم الى ان نظرية الحكم لم تناقش، وان مسائل السياسة لم
تبحث،لكن الحقيقة وجود ذلك ابتداء من الشيخ المفيد وحتى
بداية الدولة الصفوية، وهي وان لم تذكر كعنوان خاص، لكن
وجدت في مباحث، لان مسالة الحكم لم تكن معقدة كما هي
حاليا، من وجود مجلس للشعب، وسلطة قضائية، وتنظيم
اداري ومالي،ورقابة متعددة، وآليات للعلاقة بين السلطات او
الفصل بينها. لذا،فلا يمكن التذرع بذلك للقول بفصل الدين
عن السياسة في هذه المرحلة.
المرحلة الثانية: السلطة الشيعية والفقهاء
تمتد من القرن العاشر وحتى قيام سلطة الفقهاء مع ظهور
اول مصداق عملي لنظرية ولاية الفقيه، حيث ان الفقهاء في
هذه المرحلة عاشوا تحت ظلال دول تعتبر المذهب الشيعي
دينارسميا للبلاد، حتى وصلت الى حد معاقبة من لا يدين به.
فما هو مقدار تدخل الفقهاء الشيعة في مسائل السياسة؟ وما
هي علاقتهم بالدول الشيعية هذه؟
بداية يمكن القول ان مسالة ولاية الفقيه هي المسالة
الاساسية التي يدور حولها الفقه السياسي الشيعي، وهي
النظرية التي تؤسس لتحرك الفقهاء، وهي على درجات:
الاولى: الولاية على الحسبيات اي الامور التي يرغب فيهامن
قبل الشارع، مثل حفظ اموال القاصرين وغيرها من
الامورالحسبية كتسلم الخمس والزكاة، وهي موضع اجماع
الفقهاء.
الثانية: الولاية على رعاية شؤون المسلمين عامة، اي
الاعمال والوظائف التي من شؤون الولاة والرؤساء، وهذه هي
معرض الاختلاف.
الثالثة: الولاية المطلقة الشاملة حتى في الامور الشخصية،مثل
بطلان زوجة المواطن او بيع دار لشخص، وعدم ثبوت
هذاالحكم من الولاية للفقيه موضع اتفاق بين الفقهاء
((24))
لذا، فتبني المستوى الاول يجعل من الفقيه بمناءى
عن السياسة والقيادة، اما تبني المستوى الثاني فيجعل من
الفقيه حاكما وقائدا ووليا يناط به الاشراف على امور الدولة
كسلطة عليا تتخذ وفق رايها القوانين، وتمنح على اثر قبولها
الشرعية.
للمرة الاولى يصبح المذهب الشيعي الدين الرسمي لبلد
من البلاد، كان ذلك في الدولة الصفوية التي قامت في ايران
سنة(907 ه/1501م)، حيث اثرت جذريا على التطور
الشيعي على مستوى عامة الناس وعلى مستوى التفكير
الفقهي، وقدوجد التشيع وفقهه في الدولة الصفوية البيئة
الاجتماعية آالسياسية المناسبة التي طالما افتقر اليها،
فتطورت مكانة الفقيه ودوره في الشان العام بعدما تكرست
صفته كنائب عن الامام ومانح للشرعية، وكان نشر التشيع في
ايران من اهم المشروعات التي عمل لها الشاه اسماعيل بعدما
اعلنه مذهبا رسميا، ولانجاح مشروعة احتاج الى مساعدة العلماء
والمبلغين الذين كان الكبارمنهم يعيشون في كربلاء والنجف،
لذا فقد قيل بان الصفويين دعوا الفقهاء العامليين للعمل معهم
((25))
من ابرز الوجوه العلمائية في العصر الصفوي الشيخ نور الدين ابو
الحسن العاملي الكركي الملقب تارة بالشيخ العلائي،
واخرى بالمحقق الثاني (868 940 ه)، وقد كان وثيق الصلة
بالشاه الصفوي اسماعيل، وقد اقام في حياته واستمر مع ولده
الشاه طهماسب، حيث حصل على صلاحيات واسعة جدا،
ويذكرالمحدث البحراني: «كان الكركي من علماء الشاه
طهماسب الصفوي، الذي جعل امور المملكة بيده، وكتب رقما
الى جميع الممالك بامتثال ما يامر به الشيخ، وان اصل الملك
انما هو له،لانه نائب الامام، فكان الشيخ يكتب الى جميع
البلدان بدستورالعمل في الخراج وما ينبغي تدبيره في امور
الرعية»
((26))
هذا النفوذ القوي للشيخ لدى الملك الشاب اغضب امراء
البلاط واركان الحكم، الذين صارعوا الكركي حتى اضطروه
للعودة الى النجف، وبعد رحيله حاول الشاه استرضاءه واقناعه
بالعودة،وكتب فرمانا طويلا ينص على تقليده صلاحيات اكبر
مما كانت لديه، من بينها حقه في تعيين او عزل اي موظف
مدني اوعسكري، ومنع المحاسبة الحكومية على املاكه
والاوقاف التي تحت ولايته، ومنحه ولايات ومصادر اموال
مستقلة، كما منع امراء البلاد من الرجوع الى اي فقيه آخر فيما
يعارض آراءالشيخ، لكن المحقق رفض ذلك وفضل البقاء في
النجف الى ان توفي.
يظهر لنا من حياة الكركي انه من الذين مالوا الى التوسع
في نيابة الفقيه عن الامام، حيث يقول في رسالة صلاة الجمعة:
«الفقيه العدل الامامي الجامع لشرائط الفتوى، المعبر عنه
بالمجتهد في الاحكام الشرعية نائب من قبل ائمة الهدى
صلوات اللّه عليهم في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه
مدخل: فيجب التحاكم اليه، والانقياد الى حكمه، وله ان يبيع
مال الممتنع من اداء الحق ان احتيج اليه، ويلي اموال الغياب
والاطفال والسفهاء والمفلسين،ويتصرف على المحجور عليهم،
الى آخر ما يثبت للحاكم المنصوب من قبل الامام(ع)
((27))
فمن سيرة الكركي العملية وفتاويه النظرية يتضح
مدى الصلاحيات الموسعة التي يفترضها للفقيه النائب عن
الامام،خاصة انه اعط ى الشاه طهماسب اذنا للحكم مستندا الى
صفته كنائب للامام. ان اعطاء الفقيه الشيعي الاذن المذكور يعد
فاتحة في اسباغ الشرعية على السلطان، حيث يصدر التساؤل
عن مشروعية اضفاء الشرعية على السلطان من الفقيه، كما
يظهرالالتباس من حيث موقف الكركي بالرحيل وعدم الرجوع
الذي اعقبه الفرمان الملكي باعطائه صلاحيات اوسع، مع ان
من المفترض على من يعط ي الاذن ان يمتلك سلطة اوسع
من الماذون له.
بعد الكركي حطت الشهرة العلمية في مركز النجف
وبالتحديدعند المقدس الاردبيلي احمد بن محمد (ت/ 993ه
)، حيث كان يرى ان الفقيه قائم مقام الامام ونائبة، ذلك لان ما
يجوزللامام الذي هو اولى بالناس من انفسهم يجوز للفقيه، وقد
كان يعيش في عصر الشاه عباس الاول الصفوي، الذي كان
يبالغ في تعظيمه ويتعاهده بالصلة، ويكتب اليه بالتوجه الى
بلاد ايران فيجيبه بالامتناع من ذلك والرضا بما من اللّه عليه
((28))
هذا الواقع من عدم استجابة الفقهاء للسلطة الشاهنشاهية
يثيراحتمالين:
اولهما: ان الفقهاء لا يعتبرون ان لها اي شرعية، اي انها
تتمظهربلباس الدين ليس الا.
ثانيهما: انهم يفضلون البعد عن المجال السياسي،
وهذامستغرب لكونهم كالاردبيلي مثلا ممن يقولون بولاية
الفقيه ولو باحد مستوياتها.
وهكذا استمر الفقه الشيعي في بحث مسالة الولاية
الفقهائية،علميا، مع اعتماد مبدا البعد عن الحقل السياسي. ولا
بد من ذكران فقهاء آخرين كانوا يحيطون الشاه بلمسة من
التعظيم والتبجيل، حيث يقدمون له كتبهم ويسبغون عليه
الالقاب الفياضة، وقد اسهب الدكتور علي شريعتي في نقدهم،
حيث يوردان التشيع فقد جوهره حين تحول الى دولة ونظام
حكم، بينما هوثورة ونظال، حيث يقول: انه تم انشاء تشيع
صفوي خاص افقدالتشيع الحقيقي معناه، وعاش حالة من
الشكليات التافهة، حيث ان الحاكم الذي كان يطارد الشيعة
ويعتبرهم اعداءه، اصبح يسيرعلى قدميه الحافيتين الى اضرحة
الائمة، ورجال الدين الذين كانوا دائما في معرض الخطر
والمواجهة، اصبحوا يجلسون الى جنبه، وهنا بدات هزيمة
التشيع
((29))
سقطت الدولة الصفوية سنة (1148ه )، حيث عاش في
ظل هذه الفترة علماء اعتزلوا الحياة السياسية، وآخرين
فوضواسلطات الحكم للسلاطين الشيعة، وبعضهم انخرطوا في
العمل السياسي تحت راية السلطة، وقد كانت هذه المرحلة
اساسية في تثبيت المذهب الشيعي في ايران، رغم انها ادخلت
عليه كثيرا من الشكليات التي افرغته من مضمونه، وكادت
تحيله الى مجردطقوس فارغة بدون معنى، وهذا ما حدا
بمفكرين ايرانيين الى بحث هذه الفترة والتحذير من خطورتها.
استلم القاجاريون السلطة سنة (1193ه )، وكان اول
ملوكهم آغا محمد خان، اعتمدوا كما اسلافهم على التشيع
كمذهب رسمي يدينون به، وقد ترسخت في هذه الحقبة فكرة
النيابة العامة للفقيه عن الامام، حيث كان للفقهاء دور بارز في
مسائل الحكم والقيادة، وتبلورت فكرة تفويض السلطان
صلاحية الحكم والحرب من الفقيه النائب عن الامام في
التصدي لقضايا الامة،والبت بامورها وحل مشاكلها، وقد كانت
هذه الحقبة تتميزبعلاقة خاصة بين الفقيه والسلطان، حيث ان
الدولة القاجارية لم تحمل رسالة دينية او مذهبية محددة، وان
اظهرت ادعاء بذلك،حيث ركزت في استتباب السلطة على
اتساع قاعدة التحالفات المحلية والخارجية، حيث يشكل العلماء
والتجار وزعماء القبائل اقنية سياسية فاعلة بحكم سيطرتهم
على شبكات واسعة من التكتلات القبلية والدينية
((30))
وقد برز الشيخ النراقي (ت/1248ه ) في هذه الفترة،
حيث بحث تفصيلا مسالة ولاية الفقيه، وجعل منها مسالة
فقهية مستقلة، واقام عليها الدليل العقلي والنقلي، حيث يجعل
قضية ادارة الشؤون الدنيوية للناس من واجبات الفقهاء، وقد
توسع في اطار النيابة العامة للفقهاء بحيث تشتمل اضافة الى
الحدودوالقضاء كل ما ثبت للنبي والامام المعصوم فيه الولاية،
الا مااخرجه دليل اجماع او نص او غيرها ((31)) حيث يقول في
كتابه عوائد الايام: اعلم ان الولاية من جانب اللّه سبحانه على
عباده ثابتة لرسوله واوصيائه المعصومين، وهم سلاطين الانام،
وهم الملوك، و...، اما غير الرسول واوصيائه فلا شك ان الاصل
عدم ثبوت ولاية احد على احد الا من ولاه اللّه سبحانه او
رسوله...كالفقهاء والباء والاجداد... ولا كلام لنا هنا في غير
الفقهاء...الذين هم الحكام في زمان الغيبة والنواب عن الائمة
((32))
كما كان للشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت/1228ه ) دور
اساسي في الحياة السياسية، حيث كان من اقطاب المدرسة
الاصولية(العقلية) في الفقه الشيعي المقابلة للمدرسة
الاخبارية (النقلية)،وكان له ارتباط وثيق بالسلطة القاجارية،
وقد وصلت الى حداعطاء الاذن للسلطان فتح علي بالحرب اثناء
المعارك الروسية آالايرانية، وذلك في كتابه (كشف الغطاء عن
مبهمات الشريعة الغراء) في فصل الجهاد حيث اشترط مقابل
تفويضه بالحكم نيابة عنه ان يقيم مؤذنا في كل فوج عسكري،
وان يجعل في كل فوج اماما للصلاة، وان يخصص يوما في
الاسبوع لوعظ الجنودوارشادهم ((33)) وعلى هذا المنوال
اعط ى المحقق ابو القاسم القمي (ت/1183ه ) زعيم حوزة
قم واحد اقطاب المدرسة الاصولية اجازة الى الملك القاجاري
بممارسة السلطة نيابة عنه.
تميز الحكم القاجاري، خاصة بعد موت فتح علي شاه
وتسلم ناصر الدين الشاه الرابع (1264ه/1848م)، بهبوب
رياح التدخل الخارجي مع تنازع روسيا وبريطانيا للولوج والتاثير
في امور ايران، اثمر ذلك عن حربين انتصرت فيهما
بريطانيا،واضطرت ايران بعدهما الى الاعتراف باستقلال
افغانستان،وتوقيع معاهدة باريس التي من خلالها تحصل
بريطانيا على امتيازات اقليمية وسياسية وتجارية مثل اعفاء
رعاياها من الخضوع للقوانين المحلية، واعفاء تجارتها من
الرسوم الجمركية،وكذلك فقد هزمت ايران مرتين امام روسيا
التي احتلت جورجياواجبرت ايران على الاعتراف بالسيادة
الروسية على هذه المنطقة وعلى اقليمي تركستان
وقازاخستان، كما وحصلت على افضلية سياسية وامتيازات
تجارية
((34))
في عصر ناصر الدين شاه ابتعد كبار الفقهاء عن السلطان،الذي
حاول استمالة بعضهم، لكن الموقف منه كان رماديا باهتالكثير
من الافعال التي قام بها والتي سياتي ذكرها. في عصرالشاه
المذكور توطدت العلاقة بين علماء الدين وعامة الناس،خاصة
بعد السخط العام من سياسة الدولة الاقتصادية التي ادت الى
افقار الشعب.
اعتقد الشاه ان من خلال بيع الامتيازات الاحتكارية
للغرب ستؤمن سيولة مالية تريح الوضع الاقتصادي، فسافر الى
بريطانيا(في شعبان 1306ه ) والتقى بالميجر تالبون الذي
دعاه لمنحه حق احتكار التجارة في التبغ لمدة خمسين عاما
مقابل اموال نقدية ونسبة من الارباح، فوافق على ذلك، وعند
عودته ومعرفة الايرانيين بذلك تحركت القوى العلمائية
ساخطة على ذلك، ماادى الى تحرك الشارع بشدة في وجه
هذا الاتفاق، فاصدرالعلماء فتاواهم في رفض هذا الاتفاق، حتى
وصل ذروته مع فتوى المرجع الاعلى للشيعة الذي كان يسكن
في سامراء، حيث اعلن الفتوى المشهورة «اليوم استعمال التبغ
والتنباك باي نحو كان في حكم محاربة امام العصر»
((35))
حققت هذه الفتوى اغراضها، حيث استجاب لها
الايرانيون،ووصلت الى اقصى اصقاع ايران، من اصفهان مع آية
اللّه محمدتقي نجفي الى شيراز مع المرحوم فال اسيري والى
مشهد مع محمد تقي بجنوردي وفي طهران مع آية اللّه
آشتياني وغيرهم((36))حيث ادت الى ربط العلماء بالشعب
بشكل كبير والى اسقاط هذا الاتفاق، ونجاح الانتفاضة، ما شكل
انتصارا كبيرالعلماء الدين.
ابتداء من هذه المرحلة، اصبحت العلاقة بين الفقهاءوالسلطات
يشوبها البرود، حيث استعمل الفقهاء سلاح الفتوى لرفض اي
قانون او اتفاق او معاهدة تتعارض مع الدين اولمحاربة غزو
خارجي او استعمار غربي، كما سنرى مع الخوندالخراساني
وغيره. وقد استطاعوا من خلال هذا السلاح الفعال توجيه
السلطات السياسية من دون العمل على اسقاطها نهائيا،وقد
برزت في هذه الحقبة الفتاوى والفتاوى المضادة، او مايسمى
بتضارب الراء بين المجتهدين، فترى ذلك بوضوح بين النائيني
وعبد اللّه النوري في مسالة الحركة الدستورية في ايران،وبين
الخوند واليزدي.
في هذا العصر صدر كتاب يعكس الى حد ما الفكر السائدآنذاك،
ولو من جهة معينة، هو كتاب الميرزا النائيني «تنبيه
الامة وتنزيه الملة».
الميرزا محمد حسين الغروي النائيني نشا في اسرة
معروفة،حيث كان ابوه يلقب بشيخ الاسلام (المفتي)، درس
في اصفهان ثم توجه الى سامراء، حيث درس على الميرزا
الشيرازي الكبيرزعيم ثورة التنباك، كان بوسعه العودة الى
بلده ليرث زعامة ابيه،لكنه اختار الطريق الصعب، حيث بقي
هناك احد عشر عاما، كتب خلالها كتابه المذكور
((37))
تاثر النائيني كما يذكر ابنه، وكما يستظهر من سطور
الكتاب بالسيد جمال الدين الافغاني، حيث ورد الافغاني سامراء
وحل ضيفا في داره، عاصر النائيني ثورة التنباك (1308ه )
والتي اعادت للحوزة دورها، ثم كان له دور تحت لواء استاذه
محمدكاظم الخراساني الخوند في الثورة الدستورية في
ايران(1324ه/1906م)، حيث كان من ضمن لجنة في
النجف الاشرف، تولت متابعة الوضع الايراني، واقتراح
المواقف المناسبة. هذه الحيوية في حياة الميرزا اثرت في
تكوين الافكارالسياسية لديه، كما اغنته في معرفة التنوع
والاختلاف بين افرادالامة.
ارتكز فكر الميرزا النائيني في كتابه «تنبيه الامة وتنزيه
الملة»الذي طبع في بغداد (1909م) على مسائل حقيقة
السلطة،والانحراف الذي قد يطرا عليها، وتسويغ وجوب تقيد
السلطة بدستور مقر من قبل الامة وممضى من الفقهاء، والرد
على الاشكالات التي تحوم حول النظام الدستوري، وفي
فصله الخامس شرح وظيفة مجلس الرقابة، اما الخاتمة
فاشتملت على بيان مصدر الاستبداد والطرق الكفيلة بمعالجته
((38))
وقد لعبت جملة مؤثرات في صياغة الكتاب، منها:
التجربة الشخصية للنائيني، وبالاضافة الى لقائه بالسيد جمال
الدين الافغاني، واخيرا التاثر بكتاب الفقيه السوري عبد
الرحمن الكواكبي (1854 1902م) «طبائع الاستبداد
ومصارع الاستعباد». فقد استخدم الميرزا بعض مصطلحات هذا
الكتاب،وقسم الاستبداد الى انواع، منها: الاستبداد الديني،
والسياسي.كما يظهر هذا التاثر في الفصلين الاخيرين من
الكتابين،
فالكواكبي يختم بالحديث عن الاستبداد والتخلص
منه((39))
والنائيني ينهي كتابه بتعريف قوى الاستبداد
وطرق مكافحته.
لقد لخص الميرزا عصارة الفكر الشيعي الذي استمر
مناوئاللسلطات القمعية والاستبدادية، والتي اثقلت باوزارها
الامة وطبعت مسيرة الاسلام، فالفكر الشيعي الذي استمر منذ
ثورة الحسين(ع)61ه) على خط نقيض من الحكام، حيث يقول
عالم الاجتماع العراقي علي الوردي: «من يدرس تاريخ
العلويين يجدهم ثوارا من طراز غريب، لم يمر التاريخ الاسلامي
من جيل الى جيل دون السماع بثورة قادها علوي»
((40))
هذا التاريخ طبع بالدماء على خلفية الظلم الذي مورس عليهم،
وكان النائيني متلائما مع هذا التاريخ غير خارج عن سياقه،
والجدير بالذكر ان كتابه هذا لم ياخذ حقه في النقاش والترويج،
وظل في ط ي النسيان والتعتيم نسبة لشهرة النائيني في علم
اصول الفقه.
واذا اردنا ان نستكمل معرفة الفكر السياسي لدى علماءالشيعة،
فلا بد من استكناه شخصية عالم شيعي طبع النصف الاول من
القرن العشرين بشهرته، هو الشيخ محمد الحسين آل كاشف
الغطاء (1877 1954م) الامام الفقيه والفيلسوف والشاعر
والسياسي، كان من اوائل الذين سنوا ارتجال الخطب وارتقاء
اعواد المنابر، وكان له الشان الكبير في توعية الناس من الخطر
الصهيوني الداهم. فبرغم منزلته كفقيه، ومركزه كمرجع،كان
متابعا حذقا لما تؤول اليه امور المنطقة الاسلامية
والعربية،وكانت له مواقف مشهورة، حيث اصدر فتوى نارية
بضرورة الجهاد من اجل فلسطين، حيث يقول:
«ان قضية فلسطين ليست قضية تخصها، وليست هي
قضية فلسطين فقط، بل قضية العرب باجمعها، فاذا خرجت
فلسطين من هذا الجهاد ظافرة فقد ظفرت العرب وفازت، واذا
لا سمح اللّه تغلبت عليها الدول الظالمة والصهيونية الغاشمة
فقد باءت العرب بالذل والخسران، لا بل بالخزي والعار المخلد...
يا ايها البشر!
ويا ايها الناس!
اصبح الجهاد في سبيل فلسطين واجبا على كل انسان لا
على العرب والمسلمين فقط...»
((41))
كما حذر من خطر الصهيونية على البلاد العربية، حيث يقول:
«ان الصهيونية من اخطر البوائق واعظم البلاء... جمعية
اقوام متفرقة، اعداء الاسلام في بلاد المسلمين... وهي ليست
بلاء على فلسطين وحدها، بل هي بلاء على العالم اجمع»
((42)) وقد آلمه ما وصلت اليه احداث فلسطين الدامية، فكتب
مقرعا:
«ماذا تجدي الفتوى ونحن لا نزال نقول ان محنة فلسطين
من المسلمين اعظم من محنتها بالصهيونيين، وسر هذه
العقدة ان المسلمين حتى الن تمر عليهم قضية فلسطين
كقصة من القصص التاريخية، يمرون عليها لاهين شاردين،
تطرق اسماعهم، ولاتمض عواطفهم، ولا تمزق شغاف قلوبهم،
ولا يعرفون ان البلية لو كانت تخص فلسطين لربما هان الامر
وخف الرزء، ولكن الخطر والغرض هو استملاك جميع البلاد
العربية، والقضاء على الاسلام والمسلمين»
((43))
لذا فقد حاول بشتى الطرق تامين المعونة
والمساعدة للفلسطينيين، في مؤتمرات اسلامية، منها المؤتمر
الاسلامي العربي في القدس بفلسطين سنة (1931م)، حيث انه
وبعد اصرارشديد من مفتي فلسطين الحاج امين الحسيني
توجه الى القدس وقلد زعامة المؤتمر، وقدم اماما في المسجد
الاقصى، والقى خطبة مؤثرة تحدث فيها عن اهمية المسجد
الاقصى في القدس،والقدس في فلسطين، وفلسطين في
البلاد العربية
((44))
وقد شارك بنفسه سابقا في انتفاضة العراق ضد بريطانيا،حيث
انه ومع اعلان الجهاد، حمل السلاح وسار مع شيخ
الشريعة الاصفهاني الى محور الكوت والمدائن. وقد حاولت
قوى الاستعمار جذبه، فدعاه موفد امريكي للمشاركة في مؤتمر
المثل العليا الذي يعقد في لبنان، لكن كاشف الغطاء تنبه الى ما
يرمي اليه المؤتمر الذي تدعو اليه الولايات المتحدة كمحطة
في سياق الحرب السوفياتية الامريكية، فرفض المشاركة
وارسل برقية اعلن فيها موقفه وسخطه على سياسة الغرب
وسعيهم لاستغلال العلماء والاديان كادوات ووسائل في
المعركة، وقد صدرت رسالته بعنوان: (المثل العليا في الاسلام
لا في بحمدون)
((45))
لقد كانت مسيرة علماء الشيعة في سياقها التاريخي
مسيرة مناكفة ومواجهة ضد قوى الاستعمار الخارجي،
وسلطات الاستبداد الداخلي. قلما انخرطوا في حكم سلطان، او
مالوا الى بلد استعمار، بل كانوا شديدي الحذر من ذلك، وكان
اقلهم مشاركة في السياسة لا يتواني عن النهوض في حال
الخطرالداهم، كالشيخ محمد كاظم اليزدي مثلا. وكان
الجمهور الشيعي على علاقة وثيقة بعلمائه، فينظر اليهم
كنواب عن الامام، يستمع لاحاديثهم، ويلتزم بفتاويهم. هذه
الحقبة التي اسسنا لها استمرت حتى قيام دولة الفقهاء في
ايران.
المرحلة الثالثة: سلطة الفقهاء او ولاية الفقيه
انتقلت في هذه المرحلة (ولاية الفقيه) من الاطار
التنظيري الى الاداء العملي مع الثورة التي قادها آية اللّه
الخميني في ايران،وهو اول فقيه في التاريخ الشيعي ينجح في
تاسيس دولة
((46))
ولد في مدينة خمين سنة (1902م) البعيدة 349 كيلومترا
عن طهران، من عائلة متدينة، درس في بلده ثم سافر الى
اصفهان سنة (1338ه)، وبعد عام انتقل الى آراك عند آية اللّه
الحائري،الذي نقل الحوزة الى قم فانتقل الخميني معه، حيث
تتلمذ على كبار رجال الدين هناك، فدرس اضافة للفقه
الحكمة والفلسفة والعرفان، ثم بدا بالتدريس اضافة لنشاطه
السياسي المعارض لقمع السلطة، فحاولت شرطة النظام منعه،
ثم قامت بنفيه الى تركيا ثم الى العراق، حيث اتصل بثوار ايران
والسجناء السياسيين وغيرهم، وكانت اقامته في النجف فرصة
للاتصال مباشرة مع المؤمنين والطلاب الجامعيين المسلمين
في الدول الاجنبية.
بعد استشهاد ابنه البكر زاد تعلق الجماهير به، حيث
اعتمدت اشرطة المسجلات وسيلة لاتصالهم بالامام، وكان ان
قام عددكبير من الاضطرابات التزاما بقراراته. بعدها قرر النظام
العراقي ابعاد الامام، فنفي الى الكويت التي رفضت استقباله،
فانتقل الى باريس (1978م).
كانت باريس آنذاك مركز عمليات الثورة، حيث اطلق الخميني
نداءاته للشعب الايراني الذي تجاوب تلقائيا معه، في هذه الاثناء
حاول الشاه ارضاء الشعب بتبديل رؤساء الوزراء،ومعاقبة المدراء،
واطلاق السجناء السياسيين، الا ان الخميني لم يكن ليتنازل
عن اسقاط النظام، ومع اشتداد الضغط الشعبي ووصول آية اللّه
الى ايران واعلان القوات الجوية وقوفها الى جانب الثورة سقط
النظام الشاهنشاهي في 11 2 1979،لتظهر اول دولة شيعية
يقودها الفقهاء في التاريخ((47))الاسلامي.
احدث الامام ثورة في الفكر السياسي الشيعي الذي كان حذرا
من الوصول او الارتباط بالسلطة، فكان ان ادخل
الفقهاءليمسكوا بزمام الحكومة والسلطات.
لم يقم السيد بثورة عن طريق الصدفة، ليقف متحيرا
بعدنجاحها او ليقوم بتسليمها الى آخرين، لكن كان ذلك
نتيجة لمشروع فكر نظر الية في كتبه الفقهية وابحاثة
الاستدلالية، نجدذلك واضحا في كتبه، واولها «كشف الاسرار»
الذي كتبه ردا على كتاب «اسرار الف عام» للشيخ على اكبر
حكمي زادة، الذي يتبنى نزع الشرعية عن اي حكم اسلامي او
غير اسلامي في غياب الامام الثاني عشر، فلا ولاية ولا سلطة
لاحد على احد، فكتب الخميني مصنفه المذكور مشتملا على
رؤيته في الحكومة الاسلامية والتصورات الاولية لاطروحة
ولاية الفقيه المطلقة((48))
وكذلك كتابه «الحكومة الاسلامية»، وهو مجموعة
دروس فقهية القاها على طلابه في النجف الاشرف في العراق
اثناء نفيه،حيث يشرح فيه قضايا الحكومة الاسلامية وضرورتها
ونظامهاوصفات الحاكم فيها وولاية الفقيه وسبيل الاستدلال
عليها، حيث يعتبر ان حكومة الاسلام هي حكومة القانون،
والحاكم هو اللّهوحده، وهو المشرع وحده لا سواه وحكمه نافذ
في جميع الناس، واذا خالف الفقيه احكام الشرع فانه ينعزل
تلقائيا عن الولاية لانعدام عنصر الامانة فيه. فالحاكم الاعلى في
الحقيقة هوالقانون والجميع يستظلون بظله
((49))
والدستور الاسلامي في الدولة الاسلامية ينطلق من مبنى ولاية
الفقيه، اي تحت سلطة فقيه، عادل عالم بالقانون
الاسلامي،وهذان هما الشرطان الاساسيان، ومن اهم اركان
الامامة((50))وولاية الفقية لا تقصد ان يكون الفقيه رئيسا او
وزيرا اوقائدا عسكريا، انما تقصد بذلك اشرافه التام على القوى
التشريعية والتنفيذية تحت اطار الدين الاسلامي
((51)) كما ان
اساس الحكومة الاسلامية السلطة التشريعية، والسلطة
التنفيذية،
والسلطة القضائية، وبيت مال المسلمين، والجهاد
في سبيل اللّه.
وتم فعلا كتابة الدستور الاسلامي، الذي اعط ى الشعب
حرية اختيار مرشحين مقيدين بالنظام الاسلامي يمكنهم
الوصول عن طريق الانتخاب الى الندوة البرلمانية (مجلس
الشورى)، كما انه وعلى راس السلطة التنفيذية رئيس البلاد
المنتخب بالاقتراع المباشر من الشعب، والمحاسب امام مجلس
الشورى. لقد كانت ثورة الخميني ثورة سياسية وفكرية، فلا مبالغة في القول انه احدث ثورة في الفكر والفهم، ثم احدث ثورة في الواقع،فكان اول عالم دين يحيي قانون الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكل جدي، وهو اول فقيه شيعي يستخدم مصطلح «الحكومة الاسلامية» في بحوثة الفقهية (كتاب البيع)((52)) في هذه المرحلة استطاع الفقهاء ان يصلوا الى مواقع السلطة والنفوذ، حيث ازداد الاهتمام بشكل كبير متضاعف بنظريات الحكومة والسياسة الاسلامية عند مفكري وعلماء الشيعة، حيث شكل ذلك مرحلة جديدة لهذا التفكير سترسم مستقبلا فقهاجديدا بما يختص بامور الدولة، ومهمة الفقيه في المرحلة اللاحقة.
مخاطر الهيمنة العولمية الامريكية على مقومات الهوية الحضارية د. احمد عيساوي
مدخل
بعد وضوح وانكشاف مصطلح (العولمة) من الناحية
المعرفية والفلسفية والسياسية والاقتصادية والثقافية،
واستقراره النهائي في تجليات النموذج الامريكي (الرمبوي)،
ووضوح اهدافهاوغاياتها على الساحة الدولية، تبين للمستنيرين
من القوى الكبرى المتزنة، وللنخب الثقافية والفكرية الفاعلة
في العالم حقيقتها ومواقفها المعلنة والخفية على سكان
المعمورة، الامرالذي دفعهم الى ضرورة التنبيه لاخطارها
وتداعياتها القريبة والبعيدة على مستقبل البشرية. ففرنسا
والمانيا وروسياوالصين والعالمين العربي والاسلامي
واليابان باتوا ينبهون الى مخاطرها التدميرية على قيمهم
وتراثهم وخصوصياتهم ومقوماتهم واستقلالهم ومستقبل
ابنائهم.
|
|---|