في الحقيقة والواقع وكما نصت الاطر المرجعية الاسلامية،
ودلت التجربة التاريخية ايضا لا يمكن ان تقدم لناالعولمة
الامريكية والغربية الوثنية اي اضافة مهمة تذكر
لقيمناالاجتماعية والثقافية الراقية في مجال حماية وتكريم
الفرد،امراة كان او رجلا او شيخا او عجوزا او طفلا او فتاة..
كما انها لن تقدم لنا شيئا يذكر في مجال حماية الفرد
روحياوقيميا واجتماعيا، ولا يوجد لديها ما تضيفه وما ستقدمه
لنااجتماعيا وتربويا وثقافيا، لاعتبارات دينية وروحية
واخلاقية وتربوية ولغوية واجتماعية وتاريخية ونفسية كامنة
في صلب المنظومة الاسلامية الغنية والثرية بالقيم.
يمكن تلخيص ابعاد النظام العولمي من الناحية
الاجتماعية وتاثيراتها على الشعوب والامم عامة وعلى الامة
العربية والاسلامية خاصة، فيما فصله المفكر الاسلامي الحر
روجيه غارودي في كتابه القيم (حفارو القبور الحضارة التي
تحفرللانسانية قبرها)، والتي نلخصها فيما يلي ((95))
يبدا الترويض العولمي للامم الضعيفة بقطع اواصر
النسيج الاجتماعي، بهدف تحويل المجتمع الى ذرات
لتخريب شبكة العلاقات بين الجماعات القومية
والاجتماعية والدينية،وذلك عندما تعتبر وحدة العالم هدفا
نهائيا وقاعدة كبرى،متجاوزة بذلك آصرة الجماعة المتجانسة
اجتماعيا وقومياودينيا.
وهو يعني على المستوى الفردي الاهتمام
بالنفس،ورفض الخر، ورفض اي مسؤولية تجاهه، وعلى
مستوى الجماعات، هو نزوع سيطرة جماعة على جماعات
متعددة ومتنوعة، ويتم ذلك النزوع السلطوي عبر عبادة
اقتصاد السوق،وتقديس الملكية المطلقة للمال ولحريته
الطاغية، والتي ستقودحتما الى الانحطاط والموت القيمي.
والعولمة التي تفرضها المدنية الغربية، وتتزعم فرضها
عالمياالولايات المتحدة الامريكية، وتبدو مظاهرها جلية في
الشعوب المتاثرة بها، حيث يمس شبكة علاقاتها التداعيات
المرضية التالية:
1-
تفكيك شبكة النسيج الاجتماعي من خلال
تراجع المسؤولية الجماعية لصالح الانانية واللامبالاة.
2-
التفاوت الطبقي الرهيب الذي يحدث بفعل تفكيك
بنى المجتمع، بسبب عدم المساواة وبسبب التمييز
العنصري والاقتصادي والثقافي.
3-
الغاء الوعي الكلي بالمجتمع المستقبلي بسبب
التفكيك الني للمجتمع، وبسبب محاولة الاستفادة القصوى
من الحاضرعلى حساب المستقبل باستخدام جميع الوسائل
المتاحة دون وعي بالاهداف النهائية الكبرى.
هذه بعض امراض العولمة واقتصاد السوق، الذي يمتص القيم
والمثل والمبادئ والدين من النفوس، ويخلصها من كل ماهو
اجتماعي دافئ، ويحرمها من كل علاقاتها الحميمية،
بحيث يتم تسعير كل شي، وتقييمه ماديا حتى الجريمة
المنظمة والعشوائية، ويختفي صوت الدين امام صوت المال،
الذي يصبح وقود كل حركة وهدفها ((96))
وتلعب عقدة القابلية للاستعمار دورها في تسريع اللة العولمية
في الهيمنة على الامم الضعيفة، بحيث يلقي الغرب قضاياه
ونفاياته الفكرية والايديولوجية كعادته بين لفيف المفكرين
والمثقفين المتخلفين التابعين لمنظومته الثقافية،وسرعان
ما يتلقفونها ويتبنونها ويبادرون الى نشرها وتعميمهابين
شعوبهم، ومن ثمة الدفاع عنها والاستماتة في فرضهامحليا
كبديل للمشاريع النهضوية الوطنية.
كما يمكن تلخيص ابعاد النظام العولمي من
الناحية الاجتماعية وتاثيراتها على الامم الشعوب والمجتمعات
عامة،وعلى الامة العربية والاسلامية خاصة، فيما فصله
الكاتبان الالمانيان هانس بيتر مارتين، وهارالد شومان في
كتابهماالقيم: (فخ العولمة والاعتداء على الديمقراطية
والرفاهية)، والتي نلخصها فيما يلي:
حيث يعزز سلاح المعلوماتية والتكنولوجية سلاح الغذاء،
لان الولايات المتحدة الامريكية راعية النظام العولمي الجديد
في القرن القادم، ستتحكم في اقوات العالم باسره،وستصبح
القوة العظمى دون منازع في انتاج الغذاء، وسيتيح لها هذا
التفوق الفرصة لان تستغله وتحوله الى وسيلة
ضغط سياسي.
وهكذا، لا تعني العولمة استعمارا ثقافيا امريكيا في
مجال اللهو والتسلية والمعلوماتية والسلاح والتكنولوجيا
والاعلام والاتصالات فحسب، بل ستعني انها ستوزع الغذاء
والخبز على سكان المعمورة وفق درجة الانصياع لتطبيق
نظامها العولمي القادم ((97))
وبتتبع ابعاد النظام العولمي الجديد وتاثيراته القيمية
على الامم والمجتمعات عموما والمجتمعات العربية
والاسلامية خصوصا، وما سيحمله لها من مضامين اجتماعية
وجمعية يبدوالخطر جليا عليها من هذه الناحية الكيانية، لانه
سيلغي الصلة آعبر سيولاته بينها وبين قيمها الاجتماعية
التاريخية، ويعمل على تقويضها وتعويضها بقيمه الاجتماعية
العولمية، المؤسسة على منهج الحداثة والعقلانية القلقة،
التي لا تعترف بشي.
وفي معرض نقده الشديد والفاضح للهيمنة الثقافية
الغربية على غيرها من الثقافات والاديان والنماذج الاخرى،
قال المفكر الحر (روجيه غارودي):
«.. لقد اعط ى الغرب الاستعماري منذ خمسة قرون آوالعرض
مستمر مثال التطرف الاكثر فتكا، وهو الادعاءبامتلاك الثقافة
الوحيدة الحقيقية، الدين العالمي الوحيد، نموذج التنمية
الوحيد، مع نفي او تدمير الثقافات الاخرى، الديانات الاخرى،
النماذج الاخرى للتنمية» ((98))
وعلى هذا الاساس نتساءل عما ستقدمه لنا الثقافة العولمية
القادمة لنا كعرب وكمسلمين؟
عولمة الثقافة وثقافة العولمة
لقد حددت الوثنية الغربية مطالبها وفلسفتها الثقافية
في فلسفة الحداثة التي جاءت كتطوير نوعي وتكتيكي
للعقلانية المطلقة، والحاكمة لكل شي في حياة الناس باسم
العقل،وكبديل مرجعي وفلسفي عن هيمنة الدين المسيحي
على الحياة، الذي ثارت اوربا المسيحية كلها على سلطة
وسيطرة الكنيسة عليها، ماضيا وحاضرا، مستقبلا
ومصيرا،واستعاضت عنها وعن خرافات المسيحية بالتوجه
نحوالعقلانية المادية والتجريبية، فالهت العقل، وجعلته حاكما
وحكماوموجها لسائر شؤون الحياة، وظنت ان فيه سعادتها
ونجاتهامن سيطرة الدين والخرافة، وساعدها في ذلك
المبتكرات والمنجزات العلمية والتقنية التي نزلت قوية
ومحفزة لها في واقع وحياة الناس، فتدعم العقل بمنجزاتها
المادية تلك، ولكن سرعان ما تحركت الغرائز لدى الفرد
الاوربي لتوقظ فيه العقل الفاعل، ليبدع وسائل التدمير والقهر
والقمع، فابتكر اشدوسائل التدمير والفتك، بدءا من وضع
السلاح الكيمياوي والغواصات والطائرات موضع التنفيذ
المباشر في الحرب العالمية الاولى، ووصولا الى وضع السلاح
النووي الفتاك في نهاية الحرب العالمية الثانية، وهكذا تنبه
الفلاسفة والمفكرون الاوربيون الى خطا التسليم بتاليه العقل،
وتبين لهم انه ليس الاآلة خاضعة لغرائز واهواء الفرد،
فاستعاضوا عنه بتوليفة حداثية جديدة، تواضعوا على تسميتها
بفلسفة الحداثة، والتي تدورحول مبادئ اربعة رئيسة هي:
1-
التشكيك في كل شي، بما في ذلك التشكيك في
العقل وفي قدراته ونتائجه ايضا.
2-
التفكيك لاي شي، بما في ذلك العقل والدين والتراث.
3-
التحلل من كل شي، بما في ذلك قيود وضوابط
العقلانية والدينية وغيرها.
4-
التحرر من كل شي لصالح المنفعة البحتة والمنفعة النية،
التي يمكن ان تتبدل من ظرف لخر، ومن زمان لخر،ومن
شخص لخر، ومن مجموعة لاخرى..
وهكذا نمت الثقافة الغربية الوثنية الحداثية على
التطورالعقلاني الني، المبتوت اصالة عن الماضي، وصارت
مجردتداعيات مفصولة عن الماضي، مما جعلها تصطدم
اصطدامامباشرا مع المرجعيات الدينية عموما، ومع المرجعيات
العربية التراثية والقيمية والاسلامية خصوصا.
وفي معرض انتقاده للحداثة الفلسفية الغربية لخص
المفكرروجيه غارودي الحداثة الفلسفية الغربية في مجموعة
من المرتكزات الاساسية، المتجسدة في السلوكات
المبهمة التية:
1-
حضارة مسيطر عليها من خلال العلوم والتقنيات.
2-
عقل براغماتي مرتبط بحكمة: الغاية تبرر الوسيلة،وتسلطت
مقولة: «كل الاسئلة التي لا نستطيع الاجابة عنهاهي اسئلة
خاطئة، بما في ذلك اسئلة الخير والشر، والتي تشكلت منذ
ذلك الوقت من خلال علاقات القوة».
3-
وحدانية شمولية للسوق وللمال، واختزالها في نظام يحول
كل القيم والمبادئ الى سلع قابلة للبيع والشراء.
4-
نمط حياة غربية متحللة، يهدف الى تحويل الانسان
الى منتج اكثر واكثر فعالية، ومستهلك اكثر واكثر شراهة
في رغباته، ولا تحركه الا مصلحته الفردية الضيقة والنية
فقط.
5-
وضع ثلثي البشرية في حياة المدن الزجاجية الشاهقة
التي تشابه بيوتها علب الكبريت الضيقة، بهدف قتل قيمهم
ومثلهم وايمانهم، وبالتالي محو انسانيتهم وكرامتهم.
وهكذا، ستمهد الحداثة كنظام غريب عن الفطرة البشرية
الى موت كل القيم، واندثار والعواطف والحب والفن
والانسانية،والى تشطير وتشقيق كل شي، والى تحطيم كل
شي.
فباسم الحداثة والتطور صار تحطيم اللون وجماليته يتم في
ظل الحداثة، تحت اسم الانطباعية والسوداوية. وصار
تحطيم المسافات والاشكال والابعاد والاحجام يتم في ظل
الحداثة،تحت اسم التكعيبية. وصار تحطيم الاشياء والطرافة
في ظل الحداثة باسم التجريدية ((99))
ونتساءل ايضا بدورنا، ماذا ستحمل لنا ثقافة الحداثة
المنبتة؟وماذا ستضيف لنا في ظل تطلعاتها الانبتاتية؟
حتما ستكون مخاطرها كبيرة على قيمنا العربية والاسلامية،
التي تختلف روحا ومعنى وقلبا وقيما ومنهجاعنها، وتكفي
الاشارة العابرة الى ان تاسس الحداثة على معاداة الايمان
والغيب والاعتقاد بالوحدانية..، وتاليه العقل ومضاهاته لخالقه
وربه، لان تكون اكبر تحد كبير لنا لو كنا نعي موقعناالرسالي
في الكون.
بالاضافة الى تهديدها الجارف لكل ينابيع ثقافتنا، التي
تضخ فيها بسيولها الزاحفة عبر مختلف قنواتها وفضائياتها
الاعلامية والاتصالية على مدار الزمن الساعي.
وقد لخص البروفيسور برهان غليون ذلك بقوله: «.. ولا يمكن ان
نتصور نموذج استخدام ممكن لهذه التقنيات
المعلوماتية والاتصالية والاعلامية بمعزل عن مصالح القوى
التي تبادرالى الاستفادة منها.
هل يعني ذلك انها مفروضة على المجتمعات،
وليس للمجتمعات خيار آخر سوى الاندراج في سيرورتها، ام
انهابوصفها تعبيرا قويا عن استراتيجية القوى الراسمالية
المسيطرة،خاصة الشركات والمؤسسات الدولية الطابع
والمتعددة الجنسيات، يمكن وينبغي رفضها لصالح الحفاظ
على الاستقلال والحرية التي تمكننا منها الوسائل التقنية
التقليدية؟فوحدها القوى التي تسيطر على وسائل هذه
التقنيات مؤهلة للحفاظ على مواقعها وضمان تطورها وتقدمها
الاقتصادي والاجتماعي في الحقبة القادمة.
فمن دون السيطرة عليها لن يكون لها اي حظ في
الحفاظ على نفسها في المنافسة الدولية. وبمعنى آخر على
قدرمشاركة المجتمعات والافراد في السيرورة العولمية،
سواءمن حيث انتاج وسائلها وبرامجها وقيمها، او من
حيث استهلاكها، لكن على مستويات مختلفة، يكون مكانها
وموقعهافيها، اي في النظام التراتبي الذي تنشئه، وفي
الترتيب الجماعي والطبقي الذي تسنه، بالعلاقة مع القوى
والمصادر ورؤوس الاموال المادية والرمزية الجديدة» ((100))
وهكذا، تنقل لنا العولمة الثقافية قيما جديدة عبر
وسائلهاالتقنية والاتصالية العالية والكثيفة، ولكن يبقى موقعنا
منها موقع المتلقي السلبي، الذي ستجهز عليه بعد حقبة من
الزمن لتحوله وفق ما تريده منطلقاتها ووسائلها واهدافها
المعلنة والخفية الخلاصة((101))
هذه الظاهرة العولمية الجارفة التي تحمل سيولا جارفة
من النموذج الثقافي الهوليودي، الذي ينتج الثقافة وصناعة
السلوك الانساني الحداثي بحسب طلبات الربح والخسارة،
والبيع والشراء في المؤسسات الهوليودية، وتسعى لتقديم
الانموذج الرامبوي او الترمينتوري او البوكيموني. وهي تسعى بهذه الثقافة العنيفة والمتهتكة الداعرة لاخراج العالم كله من قيمه ومثله العليا، وعلى وجه الخصوص تسعى لاخراج العالم العربي والاسلامي تحديدا من قمقمه الثقافي المحمي بالدين الاسلامي، كي تتمكن بعدها من رشه بماتريد من زخات الثقافة الهوليودية، والتي ستحوله الى مستهلك غبي للبيبسي كولا، وللكوكا كولا، وللهامبورغر،والماكدونالد((102))
عبدالرحمن الكواكبي وحركة الاصلاح الديني، مشروع مناهضة الاستبداد
ا. مختار الاسدي
مقدمة حول سيرته الذاتية ((103))
ولد الكواكبي في حلب (1855) لاسرة عربية، تمتد جذورهاالى
الامام علي بن ابي طالب(ع) (كرم اللّه وجهه) من جهة الوالدين.
توفيت والدته عفيفة آل النقيب وعمره ست سنوات،فكفلته
خالته صفية واصطحبته الى بيتها في انطا كية، حيث
بقي هناك ثلاث سنوات، عاد بعدها الى حلب، ليتعلم فيها
على يد الشيخ «طاهر الكلزي». وبعد ان تعلم القراءة والكتابة،
واتم قراءة القرآن وحفظه، عاد الى خالته، كي ترعى تنمية
علومه،فاستعانت بقريبها «نجيب النقيب» (اصبح فيما
بعد استاذا للخديوي عباس الذي كان على عرش مصر
حين لجا اليها
الكواكبي).
وحين اتم تعليمه هناك، عاد الى حلب ليتابعه
بالعربية والفارسية، بعد ان اتقن التركية في انطاكية، فدرس
الشريعة والادب وعلوم الطبيعة والرياضيات في المدرسة
الكواكبية، التي كانت تتبع مناهج الازهر في الدراسة، وكان
يشرف عليهاويدرس فيها والده مع نفر من كبار العلماء، لم
يكتف الكواكبي بالمعلومات المدرسية، فقد اتسعت آفاقه ايضا
بالاطلاع على كنوز المكتبة الكواكبية التي تحتوي مخطوطات
قديمة وحديثة،ومطبوعات اول عهد الطباعة، فاستطاع ان
يطلع على علوم السياسة والمجتمع والتاريخ والفلسفة طالخ.
لا شك ان هذه الثقافة المنفتحة التي تمتع بها
الكواكبي بالاضافة الى التربية الاسلامية منحته شخصية
متميزة.م
عمله الصحفي
بدا حياته بالكتابة الى الصحافة، ويرجح حفيده (سعد
زغلول الكواكبي) ان جده عمل في صحيفة «الفرات» الرسمية
سنتين لااكثر، وقد ترك العمل فيها نظرا لمعاناته (الرقابة
والاضطهاد، لكونه لا يمدح السلطة ط).ل
وقد احس ان العمل في صحيفة رسمية يعرقل طموحه
في تنوير العامة وتزويدها بالاخبار الصحيحة، لذلك راى ان
ينشئ صحيفة خاصة لاعتقاده انه يستطيع الكتابة فيها بحرية
اكبر من الصحيفة الرسمية للدولة، فاصدر صحيفة
«الشهباء»(عام 1877)باسم صديق له (هاشم العطار)، كي يفوز
بموافقة السلطة العثمانية، لانه لو طلب الترخيص باسمه لما فاز
به، وكان عمره آنئذ حوالي اثنين وعشرين عاما!
لم تستمر هذه الصحيفة طويلا، فقد عطلت ثلاث مرات قبل ان
تغلق بشكل نهائي بعد صدور العدد السادس عشر، اذ لم تستطع
السلطة تحمل جراته في النقد، فالحكومة كما يقول الكواكبي
نفسه: «تخاف من القلم خوفها من النار».ل
تابع جهاده الصحفي فاصدر (عام 1879) باسم صديق
آخرجريدة ال «اعتدال» سار فيها على نهج «الشهباء» فعطلتها
السلطة،فتابع الكتابة في صحف عربية تصدر في بلدان عربية
وغربية(«النحلة» بنسختيها العربية والانكليزية، و«الجنان»،
و«ثمرات الفنون»، و«الجوائب»، و«القاهرة»، و«المؤيد»...).
كان قلمه نصير الحق، يقف الى جانب المظلوم بغض النظر
عن انتمائه الديني او العرقي، لذلك وجدناه يشرع قلمه في
وجه المستبد، فينقد تصرفاته وتهاونه تجاه مواطنيه، فكتب
مقالا ينتقدفيه عدم قبول بعض المسيحيين في الجيش
العثماني الا بعداشتراط تغيير اسمائهم باسماء اسلامية!!ط
المهن التي زاولها الكواكبي
بعد ان تعطلت صحيفتاه، انكب على دراسة الحقوق حتى
برع فيها، وعين عضوا في لجنتي المالية والمعارف
العمومية،والاشغال العامة (النافعة) ثم عضوا فخريا في لجنة
امتحان المحامين، وفي سنة 1886 صار مامورا للاجراء.ف
وبعد ان احس ان السلطة تقف في وجه طموحاته،
وتعرقل مشاريعه، بل وصل الامر بها الى عزله وقطع رزقه،
لذلك انصرف الى العمل بعيدا عنها، فاتخذ مكتبا للمحاماة في
حي (الفرافرة)قريبا من بيته وسراي الحكومة، يستقبل فيه
المظلومين من سائرالفئات وسائر انواع الظلم، فيسعى الى
تحصيل حقوقهم ورفع ظلاماتهم بكتابة الشكاوى وارشادهم
الى طرق الاحتجاج القانوني، وقد كان يؤدي عمله، في معظم
الاحيان، دون اي مقابل مادي، حتى اشتهر بلقب (ابي الضعفاء).
ولكن الى جانب هذا العمل الخاص نجد الكواكبي قد
شغل مناصب عامة كثيرة، دون ان تفلح الدولة في جعله تابعا
لها، اوتغيير منهجه في نصرة الحق وخدمة المصالح العامة،
لذلك سيواجه المتاعب في كل اعماله، وسيحاربه كل
المستفيدين من الفساد والتسيب، فحين عين رئيسا لبلدية
حلب (في زمن الوالي،الذي كان مقدرا لمواهبه، عثمان باشا
1893) قام بمشاريع عمرانية، كما حاول الحفاظ على سوق
المدينة الاثري، فاقام اعمدة حديدية تحول دون دخول الجمال
الى السوق التي كانت تصدم المارة وتملؤه اوساخا.
درس مشروع سد الفرات، وتجفيف مستنقعات الروج،
وكلف بعض المهندسين باستثمار (حمامات الشيخ عيسى) بعد
تجميلهاوترميمها، وقد كانت المكافاة التي تلقاها الكواكبي
على اصلاحاته هي العزل، فقد ضج التجار الذين منعت دوابهم
من دخول السوق، ولم يكتف الوالي بعزله، بل غرم قيمة
الاعمدة الحديدية، وفروق رواتب موظفي البلدية التي زادها
لهم قطعالدابر الرشوة!!و
ثم تسلم رئاسة المصرف الزراعي، ورئاسة غرفة التجارة
في حلب، فاسس شركة للتبغ بالتعاون مع تجار حلب، كي
يخفف الضغط على الفلاحين، بالاضافة الى قيامه باصلاحات
اخرى تضرر منها اصحاب السلطة، الذين كانوا يشاركون
المهربين في تهريب التبغ، فاحرقوا مواسم الفلاحين من هذا
المحصول،فاضطر الكواكبي الى حل الشركة ودفع قيمة
الاسهم المستحقة من جيبه الخاص!!ف
في عام (1894) تسلم وكالة المحكمة الشرعية بحلب،فاستطاع
ان ينظم ديوان المحكمة، ويحارب شهود الزور الذين يجلسون
امام المحكمة على المصطبة متظاهرين بالتدين (كانوايدعون
بشهود المصطبة) فحاربه هؤلاء وغيرهم من الفاسدين حتى
عزل.ى
بعد ذلك عين رئيسا للجنة بيع حق الانتفاع من
الاراضي الاميرية (التي اصدر السلطان امرا بتملكها هو وورثته)،
فبداالكواكبي يوزعها على الفقراء ويحجبها عن المتسلطين من
رجال الدولة، لذلك عملوا على الاسراع باقالته!ى
معاناة الكواكبي مع السلطة العثمانية
عرف الكواكبي بمقالاته، سواء في حلب ام في خارجها،
التي تفضح فساد الولاة، لذلك ناصبه هؤلاء العداء، وتوفروا على
اية فرصة لايذائه، فقد استغلت السلطة محاولة اغتيال (او
بالاحرى تهديد) والي حلب (جميل باشا) من قبل شاب
(ارمني) يتدرب على المحاماة في مكتب الكواكبي، فالقت
القبض عليه بتهمة التحريض على قتل الوالي، لكنه خرج من
هذه التهمة بريئا، رغم ذلك لم يتخلص من مضايقات والي
حلب، فقد اتهمه الوالي(عارف باشا) بالتمر مع الارمن لاثارة
المشاكل في حلب، وقداستغل حادثة تعرض القنصل الايطالي
للاصابة بحجر قرب بيت الكواكبي، ليثبت هذه التهمة، فقبض
عليه وصودرت املاكه،وحكم عليه بالاعدام في محكمة حلب،
وكان رئيسها من اعوان الوالي، فقدم الكواكبي استئنافا لاعادة
محاكمته في بيروت، نظراللخلاف بينه وبين الوالي، حيث
براته المحكمة، وعزل الوالي، بعدان عانى الكواكبي من السجن
مدة عام تقريبا في حلب وبيروت.ن
لم تكتف السلطة بمصادرة حريته الصحفية بمنعه من
اصدارصحيفة، ومصادرة حريته الشخصية بالسجن والاستيلاء
على املاكه، بل وصل الامر بالاستبداد ان اغتصب منه نقابة
الاشراف،واعطائها لابي الهدى الصيادي الذي زور انتسابه لل
البيت، مع انه من المعروف ان نقابة الاشراف تتوارثها اسرة
الكواكبي في حلب والاستانة وبغداد، باعتبارهم من آل البيت
من جهتي الام والاب منذ ايام احمد الكواكبي في منتصف
القرن الحادي عشرالهجري، وقد كانت نقابة الاشراف مغتصبة
من ابن عمه الاكبرمنه سنا (حسن الكواكبي) من قبل الصيادي
صديق السلطان عبدالحميد ونديمه الاثير!
بعد وفاة ابن عمه استحق عبد الرحمن الكواكبي نقابة الاشراف،
وكان يعد نفسه واهل حلب ايضا النقيب الحقيقي وان لم يصدر
امر سلطاني بذلك، لان النقابة تكون في الاكبر سنا من افراد
الاسرة المؤهل علميا واجتماعيا.
اعترض على تزوير نسب الصيادي لل البيت، بل نجده يحرج ابا
الهدى الصيادي امام جمع من الناس اتوا لتهنئته بمناسبة
خروجه من السجن، حين قال له: «الحمد للّه على السلامة يا بن
العم»، فرد عليه امام الناس جميعا «وعليك السلام،لكن ابن
العم هذه من اين اتيت بها؟» قاطعا عليه طريق الاعتراف بنسبه
الى آل البيت، مبطلا ادعاءه امام الناس جميعا، ومن المعروف
ان النسب الى آل البيت يحتاج الى تصديق ممن يعدون انفسهم
يمثلونه، وقد كان عبد الرحمن يمثلهم خير تمثيل، لهذاكان
احراجه للصيادي كبيرا، سيرده له اذى مضاعفاك.ا
لم تكن ثورة الكواكبي على الصيادي بسبب اغتصابه
نقابة الاشراف فقط، وانما كانت بسبب اعماله وظلمه للرعايا،
فقداستغل تاثيره الكبير على السلطان عبد الحميد في
اضطهادهم،ولهذا من الطبيعي ان يكون الصيادي احد الذين
كادوا له واوصلوه الى منصة الاعدام، وهذا ما اشار اليه الكواكبي
في مرافعته ببيروت.ا
ضيق الاستبداد الخناق على الكواكبي، حتى كان
يقترض ليعيش بعد ان صودرت املاكه، ومنع من مزاولة اي
عمل، رغم ذلك لم تستطع السلطة شراءه بالمناصب، فرات ان
تتخلص منه،بعد ان اصبح شخصية مؤثرة في حلب، بل امتد
تاثيره الى سائرالبلاد العربية، بسبب مقالاته التي كان يرسلها
الى الصحف العربية، لذلك ارسلت له شخصا ملثما لاغتياله،
وفعلا طعنه اثناءعودته الى بيته ليلا، بعد هذه الحادثة التي نجا
منها باعجوبة، راى ان المقام في ديار الاستبداد بات مستحيلا،
فقرر الهرب الى مصرسنة (1900)، حيث ستصلها يد الاستبداد
وتفلح في قتله، بان تدس له السم في فنجان قهوة في مقهى
يلدز عام (1902)، لافرق ان تكون هذه اليد هي يد السلطان
عبد الحميد او يد ابي الهدى الصيادي، ومما يؤكد هذه الجريمة
الاسراع بدفنه على نفقة الخديوي عباس دون فحص امعائه،
خاصة انه صرح لصديقه في القاهرة (عبد القادر الدباغ) قبيل
وفاته قائلا: «لقدسموني يا عبد القادر».
لعل الاذى الاكبر الذي تعرض له الكواكبي من قبل الاستبداد
هو سرقة مؤلفاته واوراقه، اذ يقال ان السلطان عبدالحميد اوعز
الى من يدعي صداقة الكواكبي (عبد القادر القباني)صاحب
جريدة «ثمرات الفنون» في بيروت بالرحيل الى مصروسرقة
مؤلفات الكواكبي المخطوطة، وقد فعل ذلك من اجل ان يفوز
بمنصب رفيع في الدولة، فتم الاستيلاء عليها وتسليمها
الى القاتل، ليقضي عليها كما قضى على مبدعها، لذلك افتقدنا
كثيرامن المخطوطات التي كتبت في المرحلة الاخيرة من
حياته قبل خروجه من حلب وبعده، وكان من الممكن ان تضاف
الى مؤلفيه المطبوعين «ام القرى»، و«طبائع الاستبداد»، وقد
ذكرها لنا حفيده سعد زغلول الكواكبي في كتابه «عبد الرحمن
الكواكبي: السيرة الذاتية»، وهي:
«العظمة للّه»، «صحائف قريش»، «الانساب»، «امراض
المسلمين والادوية الشافية لها» «احسن ما كان في اسباب
العمران»، «ماذااصابنا وكيف السلامة»، «تجارة الرقيق واحكامه
في الاسلام».
ويلاحظ من دلالة عناوينها انها كانت استمرارا لما كان قد
طرحه من افكار في كتابيه السابقين، واذا كانت هناك بعض
الاضافات فلا شك انها نتيجة رحلاته التي قام بها في السنتين
الاخيرتين قبل استشهاده، ونتيجة نضج معاناته، ورغبته في
مناقشة القضاياالاشكالية التي قد تشوه الدين الاسلامي كقضية
الرق.ن
وهكذا لم يكتف الاستبداد باغتيال الكواكبي، وانما سارع
الى اغتيال كلمته، التي كانت لظ ى على الاستبداد، يخافها كما
كان يخاف الكواكبي، ويرى فيها تجسيدا لروحه، لذلك لا معنى
لقتل الجسد وبقاء روحه الثائرة! لكن هذه الروح، بفضل اللّه
تعالى،باقية بيننا رغم كل هذا القهر، وجدناها حية متالقة ثائرة
في وجه الاستبداد في كتابيه «ام القرى» و«طبائع الاستبداد»،
وفي بعض مقالاته التي استطاع الباحث جان دايه العثور عليها
في صحف:«الشهباء» و«اعتدال» و«العرب»، وهي ما زالت حية
بفضل عناية الباحثين في كل مكان في العالم بما بقي من
انتاجه، لان عظمة اي انتاج فكري لا تقاس بكميته، وانما
بفعاليته التي تتجاوزالشرط الزماني والمكاني.م
وبذلك نجد ان الكلمة الصادقة التي هي نبض المعاناة
اليومية للكواكبي، بقيت حية لا تموت، رغم ما تعرضت له من
محاولة اغتيال وقهر على يد الاستبداد، فقد بدت لنا اقوى من
المستبدقادرة على مواجهته والقضاء عليه في اي زمان
واي مكان.ا
رحلات الكواكبي
ذاق الكواكبي صنوف المعاناة على يد الاستبداد
العثماني واعوانه، حتى لم يبق له مصدر رزق، وصار يستدين
من اجل متطلبات حياته اليومية، لذلك حين عرض عليه
السلطان منصب قضاء (راشيا) كي يبعده عن بلده (حلب)
ويضعف تاثيره، تظاهربقبوله، وسافر الى الاستانة سرا، ليقوم
بتحريات سرية عن اعمال السلطان وزبانيته، ويرى انواع
استبداده في عقر داره، لكن سرعان ما اكتشف امره، ودعي
للاقامة في قصر خاص بالضيافة،وقد التقى اثناء زيارته تلك
بجمال الدين الافغاني (1895) الذي جاء الى الاستانة (1892)
وبقي هناك (حتى وفاته او بالاحرى قتله 1897) في منزل
للضيافة تحت الاقامة الجبرية، وقداحس الكواكبي بعد لقائه
بالمصير المشابه الذي ينتظره، لذلك سارع بالعودة الى حلب
سرا.
لقد كان ظاهرا للعيان رغبة السلطان في التخلص منه،
خاصة بعد ان ادرك ان المناصب في حلب لم ولن تغيره، فراى
الكواكبي حين عرض عليه السلطان منصب القضاء في راشيا
وسيلة جديدة لابعاده، خاصة ان هذا المنصب قد جاء بعد
محاولة الاغتيال التي تعرض لها، والتضييق على حريته في
الاستانة،لذلك قرر الهرب الى مصر سرا (1900) بعد ان رهن
البيت الذي كان مسجلا باسم زوجته، ليؤمن تكاليف سفره.
ولو تاملنا اسباب اختيار الكواكبي مصر موطنا له، للاحظناانها
تنحصر في الحرية: جوهر الوجود الذي عاش من اجله الكواكبي
ومات في سبيل تحقيقه، وهذا ما تخيل وجوده في مصر زمن
الخديوي عباس، فقد كانت ملاذا للكتاب، الذين هاجر اليها
اغلبهم من بلاد الشام، رغبة في الحرية، (التي يلمسهاالمرء
خاصة في الجرائد المصرية التي كانت تتمتع بحرية
نقدالسلطان عبد الحميد) والى جانب الحرية في التعبير، كانت
هناك حرية في استخدام اللغة العربية في الكتابة التي كانت
شبه ممنوعة في شرقي السلطنة، لذلك اسس المهاجرون اليها
صحفاومجلات، واستطاعوا ان يسهموا في اغناء الحياة
الادبية والفكرية في مصر، وقد شكلوا صوتا واضحا في الصحافة
عرف فيها، واشتهر باسم «الشوام.
عاش الكواكبي في القاهرة حوالي سنتين حيث ذاع صيته،وتابع
نشر مقالاته في الصحف المصرية، بل نجده قد اصدر
فيها«صحيفة العرب» التي لم تلبث ان توقفت، دون ان نعرف
السبب،ربما قد يكون بسبب تقارب الخديوي عباس والسلطان
عبدالحميد!! وقد كان احد اهم شروط هذا التقارب، الا
يساندالخديوي المناوئين للسلطة العثمانية!!س
كذلك استطاع ان ينشر فيها كتابيه «ام القرى»
و«طبائع الاستبداد» اللذين كتبهما في حلب ولم يستطع
نشرهما الا بعدهربه منها، ويقول نديم الكواكبي (عبد المسيح
الانطاكي) ان الكواكبي ظل مختفيا في القاهرة حتى طبع
كتاب «ام القرى» اذارسل منه نسختين الى الخديوي في
الاسكندرية، ونسخة الى «الشيخ محمد عبده» والثالثة
الى «الشيخ علي يوسف»، وقد سرالخديوي بالكتاب فطلب الى
الشيخين ان يسعيا للتعرف على صاحب الكتاب الذي لم يذكر
اسمه عليه، ومنذ ذلك الوقت نشات صداقة بين الخديوي
والكواكبي التي يبدو انها لم تعمرطويلا، بسبب التقارب بين
الخديوي والسلطان عبد الحميد،ورفض الكواكبي طلب
الخديوي للسفر معه الى الاستانة للتصالح مع السلطان.
اثناء اقامته في القاهرة، قام برحلتين زار فيهما بلادا
عربية واخرى اسلامية، ليتفهم احوال المسلمين وليدرس عن
كثب مشروع رابطة ام القرى الذي تحدث عنه بشكل نظري في
كتابه «ام القرى»، فزار السودان والجزيرة العربية واليمن، والتقى
القبائل العربية، ليعرف مدى مقدرتها على القتال، وليحرضها
على الثورة ضد الاتراك، لكن اللافت للنظر اهتمامه بالشؤون
الاقتصادية والجيولوجية لبلاد العرب، حيث ذكر ابنه (كاظم)
الذي رافقه في رحلته الثانية، انه كان يجمع نماذج من
صخورها، ويجلبها معه الى مصر لدراستها من قبل
المتخصصين لمعرفة الثروات المعدنية التي تحتويها الجزيرة
(وقد كان من بينها على ما يذكر ابنه زيت النفط الذي دله عليه
الاعراب في الجزيرة).ع
اذا، لا تبدو الغاية من رحلاته دراسة احوال الامة
العربية والاسلامية من الناحية السياسية والعسكرية فقط، بل
دراسة احوال البلاد الاجتماعية والاقتصادية، كي يؤسس لدولة
عصرية،ترتكز على امكاناتها الاقتصادية الذاتية، لذلك سعى الى
معرفة ما تملكه من ثروات باطنية بالاضافة الى ما تملكه من
استعدادحربي، فهو يدرك ان حرية الدول لا تكون بجلاء الغريب
عنها،وانما بامتلاك القدرة الاقتصادية التي تستطيع حماية
الحرية،وتاسيس بنيان الدولة على اسس متينة، تمنحها
استقلالاحقيقيا.
لقد امتلك الكواكبي وعيا سابقا لعصره، فسعى الى
الحرية بافضل معانيها، وجند في سبيلها كل ما يملكه من
مواهب ادبية وفكرية، وضحى من اجلها بكل ما يملك، حتى
دفع حياته ثمنالها.ف
رجال الاستبداد والكواكبي
من الطبيعي ان تتناسب ردود فعل السلطات المستبدة
تناسباطرديا وطبيعة الموضوعات التي يثيرها المصلحون او
يقتربون من مجساتها الحساسة.
فلقد اثار الكواكبي مسائل وموضوعات ليست حساسة وحسب،
وانما محرمة بنظر انظمة الحكم الاستبدادية. اذ ليس من
السهل ان يستمع الحاكم المستبد الى نص وصفي يقول
فيه الكواكبي مثلا:
«المستبد يتحكم في شؤون الناس بارادته لا بارادتهم،
ويحكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه انه الغاصب
المتعدي الذي يضع كعب رجله على افواه الملايين... المستبد
يود ان تكون رعيته كالغنم درا وطاعة، وكالكلاب تذللاوتملقا،
وانا اقول: ان على الرعية ان تكون كالخيل اذا خدمت خدمت،
واذا ضربت شرست، وعليها ان تكون كالصقور لا تلاعب (او
تداعب)، خلافاللكلاب التي لا فرق عندها اطعمت او
حرمت».((104)) ويضيف:«والناظر في احوال الامم يرى ان
الاسراء يعيشون متلاصقين
متراكمين يتحفظ بعضهم ببعض من سطوة الاستبداد،
كالغنم تلتف على بعضها اذا ذعرها الذئب. اما العشائر والامم
الحرة المالك افرادها الاستقلال الناجز فيعيشون متفرقين».
ولم يحاول الكواكبي ان يطرق على رؤوس المستبدين وحدهم،
وانما واصل طرقه على المستعبدين او المستحمرين انفسهم
حسب تعبير الدكتور علي شريعتي فهؤلاء شركاءالمستبدين
في تمرير الاستبداد بصمتهم وخنوعهم، ولقد صدق رسول
اللّه(ص) حينما قال: «كيفما تكونوا يول عليكم». وهذا مايتساوق
مع حكمة اللّه وعدله، في منح الحرية للانسان ومساءلته عن
هامش الحرية الممنوحة له، وكيف تعامل معها، او تصرف فيها؟
واذا صح قول الشاعر:
امن الشر باسنا فتمادى وسكتنا عن الفساد فسادا
نتوقف عند ما كتبه الكواكبي حول هذه الاشارة
الحساسة الاخرى، حيث قال: «واذا سال سائل لماذا يبتلي اللّه
عباده بالمستبدين؟ الجواب: ان اللّه عادل مطلق لا يظلم احدا،
فلا يولى المستبد الا على المستبدين» ثم لا يتردد في القول:
«ان الكلب الطليق خير من الاسد المربوط»... وان «المستعبدون ليس من شانهم ان يفرقوا
مثلا بين (الفعال المطلق) والحاكم بامره، وبين من (لا يسال عما يفعل) وغير مسؤول،
وبين المنعم وولى النعم، وبين (جل شانه) وجليل الشان»((105)).
المستبد ووعاظ السلاطين والاصلاء
ويحاول الكواكبي وضع اصابعه على الجرح فيوزع او
يحمل مسؤولية الاستبداد عدة جهات بعد ان شخص دور
المستبدين والمستعبدين في هذا المنحدر، مؤكدا اولا على
بطانة علماءالدين او وعاظ السلاطين، فيقول:
«ما من مستبد سياسي الا ويتخذ له صفة قدسية يشارك بهااللّه
او تعطيه مقام ذي علاقة مع اللّه، ولا اقل ان يتخذ بطانة
من خدمة الدين يعينونه على ظلم الناس باسم اللّه»... واذا نبغ
منهم البعض يضيف الكواكبي ونالوا حرمة بين العوام لا
يعدم المستبد وسيلة لاستخدامهم في تاييد امره ومجاراة هواه
في مقابل ان يضحك عليهم بشي من التعظيم ويسد افواههم
بلقيمات من مائدة الاستبداد».
هذا من جانب خدمة الدين ووعاظ السلاطين، اما ضعاف الناس
والهمج الرعاع الذين وصفهم الامام الحسين(ع) بانهم «ينعقون
مع كل ناعق ويميلون مع كل ريح، الدين لعق على السنتهم
يحوطونه مادرت معايشهم، فاذا محصوا بالبلاء قل الديانون»،
فياتي اليهم الكواكبي ويصف تخادمهم مع سيدهم المستبد
بقوله:
«المستبد لا يستغني عن ان يستمجد بعض الافراد من ضعاف القلوب الذين هم كبقر الجنة
لا ينطحون ولا يمرحون»((106)).
فاذا امن شرهم، واطمان انهم لا ينطحون ولا يمرحون، هدا
باله،واستقرت نفسه، اما اذا شك في احدهم ساومه او استماله،
واذاعجز عن ذلك عمد الى اسلوب التصفية او التنكيل.
يقول الكواكبي:
«المستبد يجرب احيانا في المناصب والمراتب بعض
العقلاءالاذكياء، اغترارا منه انه يقوى على تليين طينتهم،
وتشكيلهم بالشكل الذي يريد، فيكونوا له اعوانا خبثاء ينفعونه
بدهائهم، ثم هو بعد التجربة، اذا خاب ويئس من افسادهم
يتبادر الى ابعادهم او ينكل بهم، ولهذا لا يستقر عند المستبد الا
الجاهل العاجز الذي يعبده من دون اللّه، والخبيث الخائن الذي
يرضيه ويغضب اللّه».
اما مع الاصلاء والاحرار فيستخدم المستبد معهم اساليب اخرى
منها ما يسمى اسلوب الترغيب والترهيب، او اثارة
الفتن والشحناء، او سياسة الاذلال والامتهان، فيقول:
«ويستعمل المستبد ايضا مع الاصلاء سياسة الشد والارخاء،والمنع والاعطاء والالتفات
والاغضاء كي لا يبطروا، وكذلك سياسة القاء الفساد واثارة الشحناء فيما بينهم كي لا
يتفقوا عليه،وتارة يعاقب عقابا شديدا باسم العدالة ارضاءللعوام، واخرى يقرنهم
بافراد كانوا يقبلون اذيالهم استكبارا فيجعلهم سادة عليهم،يفركون اذانهم استحقارا
ويقصد بذلك كسر شوكتهم امام الناس»((107)).
ولا يتردد المستبد ايضا ان يستعين بما سماه الكواكبي
(اللئيم الاعظم في الامة) الذي يسوغ للسلطان افعاله، ويسوق
افكاره،ويبرر جرائمه، ولا يتردد هذا ايضا في ان يصبر الناس،
اي يدعوهم للصبر والتحمل والتضرع الى اللّه تعالى لكشف
الكربات ودفع الشدائد. مستعينا بنصوص الدين الجاهزة طبعا
التي تدعوللطاعة، والدعاء بطول العمر للسلطان، وسلامته
وعافيته ودوام ظله على البلاد والعباد.
يقول الكواكبي هنا:
«ولهذا لا بد ان يكون الوزير الاعظم للمستبد هو اللئيم
الاعظم في الامة».
مضيفا:
«ان وزير المستبد هو وزير المستبد لا وزير الامة.. فلا
يغترالعقلاء بما يتشدق به الوزراء والقواد من الانكار على
الاستبدادوالتفلسف بالاصلاح وان تلهفوا او تاففوا، ولا
ينخدعون لمظاهرغيرتهم وان ناحوا وبكوا، ولا يثقون بهم او
بوجدانهم مهما صلواوسبحوا، او حجوا وزكوا».
والسبب ان هؤلاء الدجالين انما يستخدمون نصوص
الدين للضحك على ذقون الابرياء، واستهبالهم باسم الدين،
فتراهم يخاطبون هؤلاء الابرياء بقولهم:
«يا بؤساء هذا العالم... هذا قضاء من السماء لا مرد له،فالواجب
تلقيه بالصبر والرضاء والالتجاء الى الدعاء..».
بهذه((108)) الحيل، او بهذا الدجل يستعين المستبد على
تمشية اءموره فيستميل من يمكن استمالته، ويقصي من
يستعصي على الاستمالة، ولا يفوته ان يستخدم الدين وعلماء
الدين في استهبال العوام وتمرير مشاريع السلطان عليهم،
وبنصوص تقبل التاويل والتوجيه لا يستطيع هؤلاء العوام
بسبب جهلهم معرفة الصادق من الكاذب، ولا الصحيح من
السقيم، ولا يفرقون بين الثابت والمتغير، وبين الرواية والدراية،
فيوظفهم ضد الاحراروالشرفاء ممن يعرفون دجل الحكام
واساليبهم الماكرة في استخدام الشعوب واستعبادها.
الكواكبي والدولة العثمانية
ارتبك العديد من الباحثين في تقييم الكواكبي من
خلال موقفه من الدولة العثمانية، فراحوا يحملون مواقفه من
هذه الدولة على الاسلام، اذا راق للبعض ان يسحب موقف
الكواكبي السلبي جدا من ممارسات السلطة العثمانية
المحسوبة على الاسلام آعلى انه معاد للدين او ان له موقف
مضاد من الدولة الدينية. وهذاهو سر الارتباك او الخلل، اذ لم
يفرقوا بين ممارسات هذه الدولة والدين، او ما هو خاص بها
كدولة وسلطنة وامبراطورية، وان حسبت ذلك على الاسلام،
وبين الاسلام نفسه.
اما الكواكبي فقد ميز بين ما هو عقيدة دينية او دين، وبين ماهو
موروث او تراث. فقال: ان الاسلام بما هو دين، انما هو وحي الهي
لا يتعدى ما جاء في القرآن الكريم والحديث الشريف. اماالثاني
اي التراث فانما هو من صنع البشر واجتهادات الناس،ولا
يفترض بالانسان المسلم الالتزام بهذه الاجتهادات او التعبدبما
طرحوه من آراء ونظريات، وانما لكل عالم اجتهاداته، ولكل فقيه
استنباطاته من النص المقدس.
ويتضح فهم الكواكبي الخاص لاجتهادات العلماء او بعضهم لما
كان يرفضه من مزاعمهم عن الزهد مثلا، وانهم
يتمسكون بقشور الدين ولا يغوصون في لبابه. بمعنى انه فرق
بين (الدين الاصيل) الذي ينبغي ان يبقى البنية التحتية لكل
اجتهاد، وبين(دين البشر) الذي تتدخل فيه ثقافة العالم او
خلفيته المذهبية واحيانا ذوقه ومزاجه. وكثيرا ما كان الكواكبي
يندد ببعض تفسيرات الدين وتاويلات رجاله، ويرى ان اسلام
القرن التاسع عشر لم يكن بالدين المطلوب الذي يقود امة
ويحقق نهضة، لان هذا الدين تعرض الى تشويهات ودخلت فيه
طوارئ غيرت معالمه وبدلت اءصوله. وهذه الطوارئ اءو
التغييرات براي الكواكبي طبعا اما ان تكون (تغييرات او
متروكات او مزيدات) حسب تعبيراته وعلى هذا الاساس فان
دعوته للاسلام كانت تؤكد على الثابت الاصيل، وليس الطارئ
المتغير((109)).
وكان هدف الكواكبي في دعوته الاصلاحية، هو العودة
بالاسلام الى جذوره الاولى ببساطته ويسره، وقوام ذلك الاول
هو ايمان الضمير((110)).
وقد اشار الاستاذ طحان في كتابه (بدائل الاستبداد في
فكرالكواكبي) الى ذلك بقوله:
«اما منطلق الكواكبي الاساسي فهو الاسلام، انه مفكر
متدين،ولانه يدين بالاسلام، فقد شرحه مبينا اختلافه عن
الاسلام الرسمي السائد، وميز بين المسلمين والاسلام
والاسلامية التي عدها المنهج المشتق من الاسلام، وبهذا
شكلت الاسلامية عنده المنطلق والمنهج والهدف».
وعلى خلفية ما يمتلكه الكواكبي من خزين معرفي ورصيدفقهي وفكري، ووعي باحوال الزمان
والمكان، نراه حدد في وقت مبكر موقفه من الحكومات المحسوبة على الاسلام على اساس
التكليف الشرعي، وليس على اساس التقليد الاعمى لهذا الخليفة او ذاك، او هذا العالم
او ذاك. لذا نراه واضحا وصريحا من خلافة بني العثمان التي لم تنعقد ببيعة من قبل
حكومات المسلمين، ولامن رعايا الدول الاسلامية، فلم يقبل بها مثلا ملوك ايران
والمغرب وائمة الجزيرة العربية الذين لم يخضعوا لسيادة الحكومة التركية، ولا يذكرها
المسلمون في هذه الدول في صلاة جمعة او جماعة الا اولئك الاتباع الذين يدينون لتلك
السيادة في اوضاعهم السياسية الخاصة. ولم يحدث قبل السلطان محمودالعثماني ان تلقب
احد من سلاطين القسطنطينية بلقب الخلافة والامامة الكبرى او امارة المؤمنين: «اذ
صار بعض وزرائه يخاطبون بذلك احيانا تفننا في الاجلال، وغلوا في التعظيم، ثم توسع
استعمال هذه الالقاب في عهد ابنيه وحفيديه، الى ان بلغ مابلغه اليوم، بسعي اولئك
الغشاشين الذين يدفعون ويقودون حضرة السلطان الحالي، للتنازل عن حقوق راسخة
سلطانية، لاجل عنوان خلافة وهمية مقيدة في وضعها بشرائط ثقيلة، لا تلائم احوال
الملك، ومعرضة بطبعها للقلقلة والانتزاع والخطرالعظيم»((111)) .
ويرى الكواكبي ايضا ومن تحقيقه التاريخي ان ساسة الترك(لا
يقصدون بالاستناد للدين غير التلاعب السياسي، وقيادة الناس
الى سياستهم بسهولة، وارهاب اوربا باسم الخلافة، واسم الراي
العام) ((112))
ويقدم الكواكبي ادلة كثيرة على اتهامه الدولة العثمانية
بتغليب مرب الملك على واجبات الخلافة، كما تمليها مصالح
الامة الاسلامية على من يستطيع رعايتها ويقول:
«اني اذكر لك نموذجا من اعمالهم التي اتوا بها رعاية
للملك وان كانت مصادمة للدين، فهذا السلطان محمد الفاتح،
وهو افضل آل عثمان قد قدم الملك على الدين فاتفق سرا مع
(فرديناند)ملك الاراغون الاسبانيولي، ثم مع زوجته (ايزابيلا)
على تمكينهما من ازالة ملك بني الاحمر آخر الدول العربية
في الاندلس، ورضي بالقتل العام والاكراه على التنصير
بالاحراق،وضياع خمسة عشر مليونا من المسلمين، باعانتهما
باشغاله اساطيل افريقيا عن نجدة المسلمين، وقد فعل ذلك
بمقابلة ماقامت له به روما من خذلان الامبراطورية الشرقية
عند مهاجمة مكدونيا ثم القسطنطينية..» ويضيف:
«وهذا السلطان سليم غدر بل العباس واستاصلهم، حتى انه قتل
الامهات لاجل الاجنة، وبينما كان هو يقتل العرب في الشرق
كان الاسبانيون يحرقون بقيتهم في الاندلس». ((113))
ومثله فعل السلطان سليمان عندما ضايق اهالي ايران
حتى الجاهم الى اعلان الرفض المكفر (...) ثم لم يقبل
العثمانيون تكليف نادر شاه لرفع التفرقة بمجرد تصديق مذهب
الامام جعفر، كما لم يقبلوا من اشرف خان الافغاني اقتسام
فارس كي لايجاورهم ملك سني».
واكثر من ذلك، يواصل الكواكبي قائلا:
«وقد سعوا (اي الاتراك) في انقراض خمس عشرة دولة وحكومة
اسلامية، ومنها انهم اغروا واعانوا الروس على التتارالمسلمين،
وهولندة على الجاوة والهنديين، وتعاقبوا على تدويخ اليمن،
فاهلكوا الى الن عشرات الملايين من المسلمين يقتلون بعضهم
بعضا، لايحترمون فيما بينهم دينا ولا ذمة لا اخوة ولامروءة ولا
انسانية، حتى ان العسكر العثماني باغت المسلمين مرة في
صنعاء والزبير، وهم في صلاة العيد...
وهذا السلطان محمود اقتبس من الافرنج كسوتهم، والزم رجال
دولته وحاشيته بلبسها حتى عمت او كادت، ولم يشاالاتراك ان
يغيروا منها الاكمام رعاية للدين، لانها مانعة من الوضوء او
معسرة له...
وهذا السلطان عبد الحميد راى من مؤيدات ادارة ملكه
اباحة الربا والخمور وابطال الحدود (اي حدود الدين)، وراى
مصلحة في قهر الاشراف واذالال السادات بالغاء نفوذ النقابات،
ففعل..».
ولا يكتفي الكواكبي بكل هذه الارقام، والسرد المفجع لكل هذه
الافعال المنافية لاصول الدين وفروعه، وابسط تعاليمه واخلاقه،
ولكنه يواصل كلامه قائلا: «وفي هذه المقدار كفاية ايضاح لقاعدة: ان مؤيدات الملك عندالسلاطين مقدمة على الدين. اما صفة خدمة الحرمين، والفة مسامع العثمانيين للقب الخلافة، فهذا كذلك لا يفيد الدين واهله شيئا، وليس له ما يتوهم البعض من الاجلال عندالاجانب..((114))» |