الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

وخلاصة ما اراد الكواكبي تاكيده، انه كان يعتقد ان السلاطين العثمانيين لم يكونوا مسلمين مخلصين لاسلامهم، لانهم قدموااولا مصالحهم السياسية التوسعية على مصالح الاسلام الحقيقية.

ورب سائل يسال هنا، وما هو البديل عن الخلافة الاسلامية العثمانية؟ فلا يتردد الكواكبي في تقديم اطروحته الجاهزة التي اكد فيها على ضرورة اقامة حكومة جديدة ب (خليفة عربي قرشي مستجمع للشرائط في مكة يكون حكمه مربوطا بشورى خاصة تتشكل هيئته العامة من نحو مئة عضو منتخبين مندوبين من قبل جميع السلطنات والامارات الاسلامية...) ((115)) اما لماذا الحجاز؟ ولماذا مكة؟ ولماذا من قريش؟ وهل هذه دعوة قومية كما قيل في حينها من قبل الخصوم ام اذكاء لروح التعصب، ام شي آخر؟ فالنص يذكر، وبلا مواربة، اربع عشرة حاضرة اسلامية، اضافة الى مكة ليس بينها سوى ست مدن عربية... ولا ندري كيف استنتج الدكتور محمد عمارة من ذلك المشروع، انه كان مؤتمرا للعرب العثمانيين وليس مؤتمرا دينيا؟!علما بان الكواكبي راح مفصلا ومحللا ومعللا لكل ذلك وبشي يتوفر على الكثير من التعقل والدراية، لا نرى مجالا للوقوف عنده او تحليله في هذه العجالة او في هذا العرض الموجزالسريع ولرجل مصلح، بل مصلح كبير في العالم الاسلامي على امتداد القرن التاسع عشر. وهو ما اجمع عليه معظم العارفين بسيرة هذا الرجل وشخصيته، وحرصه على تحكيم الاسلام وقيمه ومثله، بعيدا عن هذا الانتماء القومي او ذاك، الا بما يؤدي الى منفعة الدين نفسه او تكريسه او ترسيخه.

الكواكبي بين خصومه ومؤيديه كانت هناك ثلاث حلقات او ثلاث دوائر تتحرك وبسياق موحد ضد الكواكبي ومشروعه الاصلاحي التحرري الداعي لانهاء الفساد والاستبداد المتمثل بسلاطين الدولة العثمانية، وهذه الدوائر هي: راسبوتين، السلطان عبد الحميد، وابو هدى الصيادي ذلك الرجل الكبير الذي لم يال جهدا في الكيد والوقيعة بكل صاحب صوت شريف.

اذا، ثاني الاثافي في هؤلاء تمثل بنموذجه الفاقع، السلطان عبد الحميد الذي زرع بلاد المسلمين بالجواسيس واحاط بلاطه بالمتملقين والوصوليين، وعشاق الكراسي، واضفى على نفسه القداسة المزيفة، يستغفل بها البسطاء ويستبيح حرمات الناس ويخنق انفاسهم ويعتدي على كراماتهم، ويستهبلهم تحت عنوان:«السلطان ظل اللّه في ارضه ».

كان الكواكبي عربيا حلبيا، استفزه استبداد عبد الحميدوقداسته المزيفة، واستعباده لشعبه وامته، اذ كانت سورية والشام تخضع للسيطرة العثمانية مباشرة. عرف اسطنبول في صباه الباكر، وقد ذاق طعم الظلم والاستبداد والاستعباد، واعتبرالاستبداد اساس الشرور وجذر الفساد، فراح متحدثا عن اخلاق المستبدين واوصافهم، وكان مما قاله في المستبد ما نصه:

«لو كان المستبد رجلا واراد ان ينتسب لقال: انا الشر، وابي الظلم، واءمي الاساءة، واءخي الغدر، واءختي المسكنة، وعمي الضر،وخالي الذل، وابني الفقر، وابنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة،ووطني الخراب. اما ديني وشرفي وحياتي فهي المال.. المال..المال...» ((116)) ومن هنا، انطلق في البحث عن اخلاق الشورى والحرية واثرها على الفرد والمجتمع، قبال التاثيرات الاخلاقية والنفسية المدمرة التي يخلفها القهر والاستبداد. ومن هنا ايضا توالت الحملات الظالمة ضد الكواكبي، فالصقت به الوان التهم، بحيث تم التشكيك حتى في نسبه الشريف، ونشرت بحوث ومقالات في ذلك لعل اشهرها كتاب «الروض البسام في اشهر البطون القرشية بالشام» لابي الهدى الصيادي المذكور الذي حسب نفسه على البطون المشهورة، وراح معرضا بالكواكبي، الخصم العنيد.

وقبل الخوض في تقييم ودراسة شخصيات الاصلاح الديني آالسياسي في القرن التاسع عشر، ومنهم الكواكبي طبعا، يجدراستحضار اثارة مهمة للاستاذ سمير ابو حمدان في هذا الصدد،يقول فيها:

«انه لمن الخطا الجسيم اطلاق احكام قطعية، حاسمة ونهائية،بالنسبة لمصلحي ومفكري عصر النهضة، فقد وجد هؤلاء في وقت لم تكن بعد تحددت المفاهيم وتبلورت، فمفاهيم ومصطلحات: القومية والاسلامية والوطنية والعروبة كانت لاتزال تتداخل في بعضها البعض، بحيث ان الحدود بين مفهوم وآخر لم تكن قد رسمت واصبحت على درجة من الوضوح. من هنا، جاء الالتباس لدى الباحثين اليوم على صعيد الافكاروالطروحات التي تداولها وتبناها مفكرو القرن التاسع عشر، ومن هنا ايضا جاء الالتباس على صعيد النظرة الى عبد الرحمن الكواكبي..» ((117)) ومن هنا ايضا جاء تحليل البعض، في ان الكواكبي داعية من دعاة القومية العربية مثلا، انطلاقا من عدائه للعثمانيين وسلطانهم القائم على القهر والاستبداد، وهذا ما اشار اليه الكاتب الاردني(سليمان موسى) الذي اعتقد ان كتابات الكواكبي تمثل البداية الحقيقية لافكار القومية العربية ((118)) او ما جاء في (موسوعة السياسة) التي اعتبرته رائد الفكر القومي العربي في العصرالحديث ((119)) وهو ما دابت عليه كتابات التيار القومي الذين كتبوا عن الكواكبي من امثال: الجابري، وشبلي شميل، ونجيب عازوري في كتابه «يقظة الامة العربية »، وكذلك كتابات ميشيل عفلق،وساطع الحصري واضرابهم...

وللرد على هؤلاء نكتفي بما اشارت اليه الدكتورة ودادالقاضي في مداخلتها اثناء نقاشات الندوة الفكرية حول (القومية العربية والاسلام) المنعقدة في عام (1980) اذقالت:

«اخشى اننا في حماستنا للقومية نلبس التاريخ لبوسا ليس له،وندافع عن القومية العربية بادلة واهية نحن بغير حاجة اليها، وهي ادلة على اي حال تنهار فتضعف موقفنا بدلا من ان تقويه »((120)) ولعل اكثر ما اثار هذه الاشكالية حول الكواكبي هو مرورالرجل بمرحلتين في كتاباته: المرحلة الاولى وتمثلت في كتابه «ام القرى» حيث كان همه الاسلامي سائدا على اي هم آخر، فيماتمثلت المرحلة الثانية بكتابه «طبائع الاستبداد»الذي كان همه فيه عربيا محضا على حد تعبير الدكتور محمود مصطفى حلاوي آالذي زعم انه اكتشف منهج الكواكبي الاصلاحي وقراه برؤية جديدة.

ونحن هنا لسنا بصدد الاستغراق في معترك الجدل القائم حول اسبقية اي من الكتابين، او ترجيح اسبقية الثاني على الاول، او بالعكس، لان الكتابين كانا في سياق واحد هو معالجة الاستبداد والتسلط، وان الكتابين يصبان لخدمة هذا الغرض، كمايقول ويؤكد الاستاذ عباس محمود العقاد، الذي كتب يقول معلقاعلى كتاب اءم القرى:

«انه اول كتاب وضعه الكواكبي، فهو باكورة اعماله العلمية وفاتحة اشتغاله بالتاليف. اما من ناحية التفكير والتحضير فلايحسب الكتاب من اعمال البواكير، لانه نتيجة ناضجة لدراسة طويلة وصل منها الى نهاية الراي في احوال العالم الاسلامي واسباب ضعفه، وبواعث الامل في صلاحه وتقدمه. فهو محصول حياة فكرية وقفها على هذه الدراسة في جوهرها، ولم تكن دراسته الاخرى الا شعابا متفرعة عليها...» ((121)) اما الاستاذ انور عبد الرحمن فيقول عن كتاب «ام القرى» مانصه:

«والامر اللافت للنظر، والذي اثار الباحثين في رسالة «ام القرى »،هو تنوع وخصوبة الراء التي قيلت على السنة الوفود المختلفة في شرح امراض الامة، وبيان طرق علاجها الصحيحة، حيث كانت الراء المعروضة تمتاز بالعمق والدقة والحماسة، الى الحدالذي يصعب فيه تصديق ان هذه الاقوال كلها من معين واحد،وان مفكرا واحدا انطلق (ابطال روايته) بهذه المعاني الدقيقة في تحليل ازمة الامة الحضارية...» ((122)) اللافت، ان هذا البعض الذي وسم افكار الكواكبي بالقومية العربية، يقابله تيار آخر من كتاب ومفكرين وسموه بانه اقرب الى الحماسة الاسلامية منه الى العروبة والعربية، وفي مقدمة هؤلاء طبعا هو الاستاذ عباس محمود العقاد الذي افرد فصلاكاملا في كتابه عن الكواكبي تحت عنوان (الجامعة الاسلامية والجامعة العثمانية)، وكان مما قاله في هذا السياق:

«ان الكواكبي اتفق له الايمان بالاصلاح الديني والاصلاح الوطني في وقت واحد» ((123)) هؤلاء من جانب، ومن جانب آخر، وفيما يؤكد الدكتور اسعدالاسطواني ان كلا من الكواكبي ومحمد رشيد رضا (المفترى عليه هو الخر بانه ذو نزعة قومية) من بين ائمة الاسلام في زمانيهما، فان الدكتور حسن حنفي يضع الكواكبي في خانة تيارالحركة الاسلامية التي تنبع من الموروث الاسلامي الاصيل،والتي تمتد جذورها الى الف واربعمئة عام، وقد جسدتها كماقال: حركة الاصلاح الديني الاخيرة منذ الافغاني، ورشيد رضا،وحسن البنا، وسيد قطب، والكواكبي، ومحمد اقبال، وعبد الحميدبن باديس، وعلال الفاسي، والطاهر بن عاشور وغيرهم، عبراربعة اجيال، وما زال الجيل الخامس منهم يملا الارض صخبافي محاولة لاعادة صياغة الصحوة الاسلامية... ((124)) اما الدكتور محمد عمارة الذي صنف الكواكبي مع التيارالقومي كما ذكرنا فقد وقع في مفارقة صارخة، حينما عاد هونفسه وصنفه ضمن ما سماه (السلفية العقلانية المستنيرة)، حيث قال ما نصه:

«وهذا التيار هو الذي بداه فيلسوف الاسلام وموقظ الشرق جمال الدين الافغاني (1838 1897) وتجسد فكره، وخاصة ما تعلق منه بتحرير العقل والاصلاح الديني في الثار الفكرية والجهود العلمية للامام محمد عبده (1849 1905)، وكان جناحه في المشرق العربي المفكر عبد الرحمن الكواكبي (1854 1902م)، وفي المغرب العربي عبد الحميد بن باديس (1889 1940). ومن حول هؤلاء جميعا عرفت الامة اقوى تيارات التجديد واليقظة في عصرنا الحديث، واكثرها اصالة ومستقبلية ايضا» ((125)) نعم، يمكن القول: ان هذا النزوع في توصيف الكواكبي،منطلق من نزعة الكواكبي للتحرر من السيطرة العثمانية التي حسبت نفسها على الاسلام، ووظفته توظيفا سياسيا للترويج لسلاطينها والباشوات. وهذا ما اشار اليه الدكتور (محمد دكروب)الذي قال:

«لا احد يستطيع المزايدة على اسلامية المصلحين الثلاثة(الافغاني ومحمد عبده والكواكبي)، ولا ان ينتقص من معارفهم في امور دينهم ولا في ايمانهم الاسلامي...» واضاف:

«الكواكبي، المناضل الجسور ضد الاستبداد والاضطهاد القومي،والطليعي في حركة التفكير التحرري القومي العربي (...) كان يرى في السيطرة التركية والاستبداد العثماني العدو المباشر،فيوجه نحوه النار بحسم ونضج ووضوح، ويرى ان نضاله للتحررمن السيطرة العثمانية هو جزء اساسي من تحرير الاسلام نفسه،وانتزاعه من ايدي الظالمين، الذين جعلوا منه وسيلة سيطرة واضطهاد، والعودة بالتالي الى الينابيع الاولى للاسلام...»الكواكبي والمفكر الايطالي فيتريو الفييري((126)) وهناك من لا يرى في الكواكبي نقيصة يمكن الصاقها به الابكونه تاثر بافكار المفكر الايطالي (فيتريو الفييري 1749 آ1803م) عبر ما راوه من تطابق في الافكار والرؤى بين الرجلين، الى الحد الذي دعا العديد من الباحثين لارجاع النزعة(القومية العلمانية) في كتابات الكواكبي الى اثر ذلك المفكرالايطالي عليه، متناسين ان الفكر البشري كله، ليس اكثر من تراكم كمي يضفي عليه هذا الانسان او ذلك بعضا من عندياته ليتكامل مع الخر، وقد يلتقي معه في هذه الرؤية او تلك، اويتاثر به في هذا الراي او ذاك، الا ان هذا لا يلغي دوره في التجديد والاضافة والاتمام، وبناء على الظروف والحيثيات والخلفية الثقافية والفكرية لكل باحث ومفكر، علما بان الاطروحة التي قدمتها الباحثة الاندونيسية (نور ليلى عدنان)لنيل درجة الماجستير من جامعة القاهرة عام 1970، والموسومة(الكواكبي: مصلحا واديبا)، تابعت هذه النقطة بصبر وتامل، حيث قامت بترجمة فصول كاملة من كتاب (الفييري) المذكور عن النسختين الايطالية والتركية، فوجدت ان الكواكبي لم ياخذ منه شيئا، عدا بعض الافكار التي تتوارد احيانا بين شخصيتين تعيشان عقدة الاضطهاد والاستبداد من السلاطين والحكام،وبالتالي فان هذه الباحثة رجحت ان يكون الكواكبي كان قداطلع على الكتاب دون ان يتاثر به رغم تطابق بعض الرؤى والافكار بين الكاتبين او الكتابين.

الكواكبي مفكر عميق وقد غاص الكواكبي عميقا في تحليل شخصية المستبدومحاولاته لقلب المفاهيم والحقائق وابقاء الناس كالقطيع تحت امرته، مفصلا ذلك في تفسير المستبد او توجيهه للمنظومة المعرفية والثقافية للناس، وكيف ان هؤلاء الناس لا يجدون مفرااحيانا من مجاراة الحاكم المستبد والدوران مع تاويلاته وتفسيراته وتوجيهاته، وحتى استخدامه المبتور للنص المقدس احيانا لاتمام المهمة الخبيثة.

يقول الكواكبي:

«وقد اتبع الناس المستبد في تسميته النصح فضولا، والغيرة عداوة، والشهامة عتوا، والحمية حماقة، والرحمة مرضا، كماجاروه على اعتبار النفاق سياسة، والتحايل كياسة، والدناءة لطف، والنذالة دماثة...».

ويضيف:

«حتى انهم يقراون كما يقرا المستبد. نعم، يقراون الية القرآنية:(لا يحب اللّه الجهر بالسوء من القول) ويغفلون عن قراءة بقيتها:(الا من ظلم)» ((127)) لكي يسدوا الطريق امام صرخات الناس وزفراتهم ولعناتهم على الظلم والظالمين، وابقائهم في دائرة التوسل والتماس الحاكم، وانتظار عطفه ورحمته ورافته التي لن تاتي بالتاكيد.

ويروح الكواكبي مقارنا بين منهج الحاكم في الغرب والحاكم في الشرق، والفرق بين الشخصية الشرقية والشخصية الغربية وآفاق تحرك ووعي كلتا الشخصيتين وكلا الحاكمين، فيقول مانصه:

«الغربيون يستحلفون اميرهم على الصدق في خدمته لهم والتزام القانون، والسلطان الشرقي يستحلف الرعية على الانقيادوالطاعة له..

الغربيون يمنون على ملوكهم بما يرتزقون من فضلاتهم،والامراء الشرقيون يتكرمون على من شاؤوا باجراء اموالهم على شكل صدقات..

الغربي يعتبر نفسه مالكا لجزء مشاع من وطنه والشرقي يعتبرنفسه واولاده وما في يديه ملكا لاميره..

الغربي له على اميره حقوق وليس عليه حقوق، والشرقي عليه لاميره حقوق وليس له حقوق..

الغربيون يضعون قانونا لاميرهم يسري عليه، والشرقيون يسيرون على قانون مشيئة امرائهم..

الغربيون قضاؤهم وقدرهم من اللّه، والشرقيون قضاؤهم وقدرهم ما يصدر من بين شفتي السلطان..

الشرقي سريع التصديق، والغربي لا ينفي ولا يثبت حتى يرى ويلمس..

الشرقي اكثر ما يغار على الفروج كان شرفه كله مستودع فيها، الغربي اكثر ما يتاثر على حريته واستقلاله.. ((128))» الى ان يصل الى دور الاديان، او فهم الشرقي للدين والفهم الغربي له ولرجاله فيقول:

«...لهذه تبقى الاديان في الامم الماسورة عبارة عن عبادات مجردة صارت عادات، فلا تفيد في تطهير النفوس شيئا، ولاتنهى عن فحشاء ولا منكر، وذلك لفقد الاخلاص فيها تبعا لفقده في النفوس..».

ويضيف:

«فما احوج الشرقيين اجمعين من بوذيين ومسلمين ومسيحيين واسرائيليين وغيرهم، الى حكماء لا يبالون بغوغاءالعلماء المرائين الاغبياء..» ((129)) وبعد ان يصور هؤلاء العلماء الاغبياء والمرائين ينزل جام غضبه على الغوغاء الذين يتبعون هؤلاء وينقادون اليهم بلا تفكيرولا تامل ولا وعي، ويصفهم بالقول:

«اما لذات هؤلاء التعساء فمقصورة على لذتين اثنتين: لذة الاكل وجعلهم بطونهم مقابر للحيوانات، وجعلهم اجسامهم انابيب بين المطبخ والكنيف. وكانها معامل اءعدت لتجهيزالاخبثين» ((130)) ثم يروح يستصرخهم قائلا:

«يا قوم هون اللّه مصابكم، تشكون من الجهل ولا تنفقون على التعليم نصف ما تصرفون على التدخين، تشكون من الحكام وهم منكم. ترضون بادنى المعيشة عجزا وتسمون ذلك قناعة،تموهون الاسباب بقضاء اللّه، وتدفعون عار المسببات بدفعهاعلى القدر...».

ويواصل صارخا:

«يا قوم، لقد كان اجدادكم لا ينحنون الا ركوعا للّه وانتم تسجدون لتقبيل ارجل المنعمين ولو بلقمة مغموسة بدم الاخوان... واجدادكم ينامون الن في قبورهم مستوين اعزاء،وانتم احياء معوجة رقابكم اذلاء... البهائم تود لو تنتصب قاماتهاوانتم من كثرة الخضوع كادت تصير ايديكم قوائم...

النبات يطلب العلو وانتم حريصون على ان تنغرسوا في جوفها.

فاذاكانت بطن الارض بغيتكم، فاصبروا قليلا لتناموا فيهاطويلا...((131))» ويستمر هكذا يسدد من جهة ويندد من جهة اخرى،يستنهض تارة ويقرع اخرى، يدور بين الامة والحاكم، والحاكم والامة، ويحمل كل منهما مسؤوليته تجاه الخر، لعله يجدمخرجا مما كان يراه من ذل وخنوع من جانب الامة، ومن استبداد وتسلط وتحكم من جانب الحاكم، فيتململ طوال حياته صارخا مستصرخا مقرعا منددا لا يهدا له بال ولا يقر له قرار،حتى يروح متسائلا غاضبا:

«لا ادرى، هل الارادة للامة وعلى الحكومة العمل، ام الارادة للحكومة وعلى الامة الطاعة؟! هل للحكومة تكليف الامة على طاعتها طاعة عمياء بلا فهم ولا اقتناع؟ ام عليها الاعتناء بوسائل التفهيم والاذعان لتتاتى الطاعة باخلاص وامانة؟!...» ((132)) «يزين الغوغاء الشوارع بملايين المصابيح عند مرور السلاطين،متراوحين بين الملاهي والمواخير، ولا يفكرون في ملايين الفقراء، الذين يعيشون في بيوتهم في ظلام..» ((133))

 

 

 المعقولات الثانية في الحكمة المتعالية، قراءة فلسفية

 د. حسين صفي الدين

لمحة تاريخية

 اذا ما استعرضنا تاريخ المعقولات الثانية في الفلسفة الاسلامية، سنجد ان ابن سينا وصدر المتالهين يشكلان منعطفين اساسيين في تكامل صياغة هذه المفاهيم وبلورتها.

يعتبر ابن سينا اول من استعمل مصطلحي المعقول الاول والثاني، ففي الهيات الشفاء بعد ان يعين موضوع العلم الطبيعي والرياضي، يرى ان موضوع علم المنطق هي المعقولات الثانية التي تستند الى المعقولات الاولى ووظيفتها توصيلية، فهي بالاستناد الى المعقولات الاولى تتوصل الى معان اخرى مجهولة((134)).

لكن الشيخ لم يلتزم بالتعريف الذي اعطاه للمعقولات الثانية،لانه عندما يعرف الفلسفة الاولى ياتي بمفاهيم يختلط فيهاالمنطقي مع الفلسفي، ويعتبر المفاهيم من قبيل الواحد والكثير،القوة والفعل، الكلي والجزئي، الممكن والواجب من العوارض الخاصة التي تلحق الموجود بما هو موجود((135)).

اذن، استعمل الشيخ مصطلح المعقول الثاني وقصد به المفاهيم المنطقية، وان خلط بين المنطقي والفلسفي باصطلاح الحكمة المتعالية، وقد استمر الخلط وعدم التمييز بينهما عند الفخرالرازي((136))، والخواجه نصير الدين الطوسي((137))، والعلامة الحلي((138))، ليبلغ عدم التمييز بينهما اقصى مداه عند الخواجه الطوسي بالخصوص.

والتفكيك الذي نشهده اليوم انما ينبع من معين الحكمة المتعالية، فلمؤسسها صدر المتالهين الكثير في هذا الميدان،وكذلك لشارحي الحكمة المتعالية واتباعها كالحكيم السبزواري والعلامة الطباطبائي.

صاحب الحكمة المتعالية، ولاول مرة في تاريخ الفلسفة يخصص فصلا((139)) تحت عناوين مختلفة لهذا البحث،وبصورة واضحة يقسم المعقول الثاني الى المنطقي والفلسفي،ولاول مرة ايضا يجري البحث عن نحو وجود هذه المعقولات.

الملا هادي السبزواري خصص لهذا البحث غرة من غرره في المقصد الاول من الامور العامة في منظومته الفلسفية، وبالرغم من شدة اهتمام السبزواري بهذا المبحث الا انه تعرض لانتقادات بسبب نزعته التوفيقية لراء من تقدمه من الحكماء، ولانه لم يوف هذا البحث حقه((140)) .

العلامة الطباطبائي لم يفرد بحثا مستقلا للمعقولات الثانية،وان طرح ذلك في طيات المباحث الاخرى، وجهد في تبيين كيفية ادراك المفاهيم الانتزاعية بطريقة جديدة لا يعتريهاالالتباس الذي وقع فيه المتاخرون.

واذا ما طالعنا كتابة «اسس الفلسفة والمذهب الواقعي» سنجدانه قد بين بلية «ارجاع العلم الحصولي الى العلم الحضوري»كيفية ظهور الكثرة في المفاهيم الفلسفية، واوضح ببيان منفردكيف ان الذهن يبدل المعاني الحرفية الى معان اسمية، ويصوغ منها قضايا ثنائية وثلاثية((141)).

الاتصاف والعروض وارتباطهما بالمعقولات الثانية يمهد ابن سينا في بداية منطق الشفاء، وقبل ان يبحث عن موضوع علم المنطق، ببحث حول اعبتارات الماهية التي تلاحظ اذا حمل عليها العارض باعتبارات ثلاثة:

ا- قد تلاحظ مجردة عن اي وجود عدا ذاتها، وعندما فقط نستطيع ان نحصل عليها ذاتياتها ولوازمها، كالانسان حيوان.

ب- يمكن ان تلاحظ من حيث ان لها وجودا ذهنيا بشرط شي  وهنا تحمل عليها العوارض بشرط وجودها الذهني، كالانسان كلي.

ج- يمكن ان تلاحظ على اساس تلبسها بالوجود الخارجي،وعندها تحمل عليها العوارض الخارجية، كالانسان متحرك.

تشكل الماهية بالاعتبار الاول والثاني موضوع محمولات علم المنطق، وبالاعتبار الثالث محمولاتها معقولات اولية ماهوية((142)) ، وهناك اعتبار رابع لم يتعرض له ابن سينا وهي العوارض التي تحمل على الوجود وهي من اوصافه وتسمى بالمعقولات الفلسفية.

واذا اردنا ان نضع ملاكا يميز المعقولات الاولى عن الثانية،والمنطقية عن الفلسفية، نجد ان الحكماء قد فرضوا موضوعاومحمولا، وعبروا عن المحمول بالعروض وعن الموضوع بالاتصاف، وبالقسمة العقلية اصبح صدق المحمول على الموضوع لا يخرج عن حالات اربع الاخيرة منها مستحيلة:

ا- اما ان يكون عروض المحمول على الموضوع، واتصاف الموضوع بالمحمول كلاهما في الخارج، فهذه هي المعقولات الاولى.

ب- واما ان يكون عروض المحمول على الموضوع،واتصاف الموضوع بالمحمول كلاهما في الذهن، فهذه هي المعقولات المنطقية.

ج- ان يكون عروض المحمول على الموضوع في الذهن،واتصاف الموضوع بالمحمول في الخارج، وهذه هي المعقولات الفلسفية.

الحكيم السبزواري لخص هذا الملاك في ثلاثة ابيات:

ان كان الاتصاف كالعروض في بما عروضه بعقلنا ارتسم فالمنطقي الاول كالمعرف عقلك فالمعقول بالثاني صفي في العين او فيه اتصافه رسم ثانيهما مصطلح للفلسفي ((143)) وقد وقع هذا التقسيم محلالاعتراضات كثيرة من قبل المحققين نذكر اهمها:

اولا: عندما نجعل المقسم للمعقولات هو العارض، فانا نخرج بهذا التقسيم المعاني والمفاهيم التي لا تعرض على شي آخركالماهيات النوعية المتصورة من دون ان تقع محمولات للقضايا،والحال اننا نقطع انها معقولات اولى.

ثانيا: لا يوجد ملاك سليم للتمييز بين العروض والاتصاف، ثم بعد ذلك التفريق بين ظرف العروض وظرف الاتصاف.

بمعنى آخر، ليس لدينا في القضية الا نسبة واحدة تحكي اتحاد اوانطباق مفهومين على بعضهما على مستوى الذات او على مستوى الوجود.

صحيح اننا في القضية ناخذ احد المفهومين اصلا ونسميه موضوعا والخر فرعا ونسميه محمولا، لكن النسبة في الواقع واحدة تحكي بالاعتبار نسبتين عروض واتصاف، واذا كان هذاالتغاير اعتباري فلا ينبغي ان نرتب عليه احكاما حقيقية ونفصل بين ظرف العروض وظرف الاتصاف ((144)) ثالثا: العروض مرتبة متاخرة عقلا عن ثبوت المعروض، بينمانرى ان الامكان متقدم ذاتا على الوجود الممكن، والا لكان الانسان الممكن ممتنعا. فالامكان لا يمكن ان يكون عروضه متاخرا على وجود الانسان، ومع ذلك هو معقول ثاني فلسفي.

رابعا: مفهوم العروض استعمل بمعنيين مختلفين، فحينما يقال ان ظرف العروض وظرف الاتصاف هو الخارج في المعقولات الاولى يقصد من العروض الحلول العروض في اصطلاح باب المقولات بينما العروض في القسمين الخرين حمل شي ذاتي،اما ذاتي باب ايساغوحي او ذاتي باب البرهان.

خامسا: ما يقال في القسم الثالث المعقولات الفلسفية ان ظرف العروض هو الذهن وظرف الاتصاف هو الخارج ليس بصحيح، اذ ان ما يتصف بالموضوع في الخارج هو مصداق المحمول، وما يلحق الموضوع في الذهن هو مفهوم المحمول.اذن، التفاوت بينهما في الحقيقة هو تفاوت بين الذهن والعين ليس الا.

هذه كانت اهم الاشكالات التي اءخذت على بيان الحكماء،وسياتي تصحيح مبنى الحكماء ضمن الفقرات التية.

المعقولات الثانية مفاهيم اعتبارية نفس امرية عادة ما يوصف الاعتباري مقابل الحقيقي، وللاصطلاحين استعمالات ومعان مختلفة عند الحكماء، وبيان مواضع استعمالاتها يرفع اللفظ في المعقولات الثانية الفلسفية، لان كونهااعتبارية لا يضر بحقيقتها كما سنرى، واذا ما استقرانا مواضع الاستعمال نستطيع ان نسجل التالي:

1- الحقيقي يعني المفهوم الذي هو منشا للاثار الخارجية بالذات، ويسمى الاصيل مقابل الاعتباري، وهو المعنى المتداول في مباحث اصالة الوجود او الماهية.

2- الحقيقي هي الماهية التي لها وجود منحاز ومستقل في نفسه عن غيره في الخارج كالجواهر والاعراض، مقابل ما ليس له ذلك الوجود، وانما وجوده بوجود طرفيه كمقولة الاضافة((145))

3- الحقيقي هو الذي يضطر العقل النظري الى الاذعان بتحققه كمالكية الانسان لنفسه وقواه، والاعتباري هو الذي يستعار من هذه المفاهم الحقيقية، لاجل التوسل بها الى الحصول على اهداف حيوية وعملية. ويرى العلامة الطباطبائى(رضى اللّهعنه) ان هذا المعنى الاعتباري هو معنى تصوري او تصديقي ليس له تحقق الا في ظرف العمل، بمعنى استعارة مفاهيم حقيقية نفس الامرية للقيام باعمال وحركات مختلفة للوصول الى غايات مطلوبة وحياتية، كاعتبار الرئاسة لرئيس القوم ((146))

4- المفاهيم الحقيقة هي التي لها ما بازاء في الخارج، وما هوفي الذهن تصوير عن والواقع الموجود في الخارج. هذه المفاهيم لها آثار خارجية اذا وجدت في الخارج، ولها آثارها المختلفة والخاصة بها في الذهن، وهي مفاهيم ماهوية كالانسان والحرارة والطول، ومن خصائصهما انها تتساوى بالنسبة الى الوجودوالعدم. الاعتباري مقابل هذا النوع من الحقيقي هي المفاهيم التي ليس لها ما بازاء في الخارج، فلا ترد الى الذهن من الخارج،وانما تتاتى نتيجة سلسلة من المعاني والمفاهيم الاخرى الموجودة في الخارج وتحمل عليها، فمنها ما حيثية مصداقها انه في الخارج تترتب عليه آثار الخارج، فلا يدخل الذهن الذي حيثيته حيثية عدم ترتب الثار الخارجية، مثل مفهوم الوجودوصفاته الحقيقية، من قبيل: الوحدة، والوجوب وغيرهما، وهي المعروفة بالمفاهيم الفلسفية.

ومنها ما حيثية مصداقها انها في الذهن دون الخارج كمفهوم الكلي والجنس والفصل، فلا توجد في الخارج، وهي المفاهيم المنطقية، وهذا الاصطلاح للاعتباري هو الشائع في كتب شيخ الاشراق في اعتباراته العقلية ((147)) شيخ الاشراق يرى ان كل المفاهيم الفلسفية الانتزاعية هي مفاهيم اعتبارية، وقد حدد لذلك ملاكين:

الاول: ان كل ما يلزم من تحققه تكرره فهو اعتباري.

والثاني: كل ما يمتنع تاخره عن وجوده فهو اعتباري ((148)) اذن، نستنتج مما تقدم:

اولا: ان الادراكات الاعتبارية بالمعنى الاول والثاني والرابع كلها تندرج باحد المعاني تحت عنوان الادراكات الحقيقية.

وبناءعليه، عندما نقول ان المعقولات الثانية مفاهيم اعتبارية لا نقصدمن ذلك انها ليس بمنشا للاثار او انها مفاهيم موهومة او انها من المواصفات الاجتماعية.

ثانيا: هناك معنيان للاعتباريات، معنى عام يشمل الادراكات الحقيقية، ومعنى خاص وهو القسم الثالث ويطلق عليه اعتباريات المعنى الاخص ((149)) وبينهما عموم وخصوص مطلق. ويطلق في بعض الاحيان على اعتباريات المعنى الرابع اعتباريات المعنى الاعم.

من جهة اخرى، تقدم ان المعقولات الثانية ليست مفاهيم موجودة بالوجود الخارجي كالمعقولات الاولى، وليست ايضامفاهيم عدمية. اذن، السؤال الاصلي: ما هو مدى اعتبار هذه المفاهيم، واين هو الواقع الذي يطابقها؟ اطلق الحكماء عليها انها مفاهيم نفس الامرية، بمعنى ان مايطابقها هو الواقع ونفس الامر، وقد وقع المعنى الاخير الواقع ونفس الامر عرضة لتاويلات كثيرة انطلاقا من انه العقل الفعال،الذي تنحفظ فيه جميع صور المعقولات، وهو الذي عبر عنه في القرآن ب (اللوح المحفوظ)، واخرى ب (الكتاب المبين) ((150))الى اعتباره «حد ذات الشي »، بمعنى نفس الشي. واشكل عليه ان المفاهيم التي هي اعدام الملكات ليست لها نفسية ((151)) كل هذه الاشكالات في معنى نفس الامر دفعت العلامة الطباطبائي الى التوسع في هذا المفهوم ليشمل مطلق الثبوت الاعم من الخارجي والذهني،«فالظرف الذي يفرضه العقل لمطلق الثبوت والتحقق بهذا المعنى هو الذي نسميه نفس الامر، ويسع الصوادق من القضايا الذهنية والخارجية وما يصدقه العقل، ولامطابق له في ذهن او خارج» ((152)) وبناء على هذا التوسع في المفهوم، تصبح النسبة بين نفس الامر والوجود الخارجي عموم وخصوص مطلق، فالاحكام التي تصدق في مرتبة الماهية الاربعة زوج هي موضع افتراق نفس الامر عن الخارج، والنسبة بين نفس الامر والوجود الذهني عموم وخصوص من وجه، فمادة افتراق الذهن عن نفس الامرهي القضايا الكاذبة، فان لها وجودا ذهنيا وان لم يكن لها مطابق في نفس الامر، ومادة افتراق نفس الامر عن الوجود الذهني هي القضايا التي ترد في حق الباري تعالى كقولنا واجب الوجودبالذات واجب الوجود من جميع الجهات، هذه القضية صادقة في نفس الامر وان تقدس الحق على ان يتمثل في اي ذهن من الاذهان.

اذن، العلامة يرتكز في تعريفه لنفس الامر على ان الاصالة للوجود الخارجي، ولان الوجود لا يتمظهر في الذهن الا في قالب الماهيات، يضطر العقل الى ان يوسع دائرة الثبوت والوجودالى عالم الذهن، وفي المرحلة الثانية يوسع العقل ايضا دائرة الثبوت ليصبح مطلق الثبوت والتحقق مرادفا لنفس الامر، ليشمل بذلك القضايا الصادقة والتي محمولاتها عدمية، وليشمل ايضامطابق جميع القضايا بما فيها القضايا التي تتالف من المعقولات الثانية او كانت مختلطة من المعقولات الاولى والثانية. وهذاالراي عند العلامة وان كان مخالفا لراي الجمهور الذي يعتقد ان المفاهيم نفس الامرية هي المفاهيم العدمية فحسب، الا ان هذاالتوسع يصحح مطلق الصوادق من القضايا والمفاهيم.

لذلك، عندما نقول ان المعقولات الثانية مفاهيم نفس الامرية،لا نقصد من ذلك انها مفاهيم عدمية.

وقبل ان نطرح راي الملا صدرا في نحو وجود هذه المعقولات، لا بد من التعرض لتقسيمات الوجودعنده.

تقسيمات الوجود عند صدر المتالهين لقد تم التفكيك بين الوجود النفسي والوجود الرابط ي قبل الملاصدرا ((153)) وبناء على هذا التفكيك قسموا الحقائق الى قسمين:

ا- قسم له وجود مستقل وقائم في نفسه، ولا يقوم بوجودآخر، وهو ما يعبر عنه بالوجود النفسي او وجود في نفسه لنفسه.

ب- قسم قائم بغيره، وهو صفة او حالة للاشياء الاخرى،ويعبر عنه بالوجود الرابط ي او الوجود الانضمامي.

وعلاوة على هذين القسمين وجد الملا صدرا ان هناك قسماثالثا من الوجودات، ليس له اي هوية او استقلالية سوى انه عين الربط والتعلق بالغير، وهو حسب الاصطلاح وجود في غيره لغيره ((154) الملا السبزواري جمع الاقسام الثلاثة في بيت واحد، فقال:

ان الوجود رابط ورابطي ثمت نفسى فهاك واضبط ((155)) طبعا لا يخفى ان هذا التقسيم ناظر الى مفهوم الوجود من حيث انطباقه على مصاديقه، والا فان عند الملا صدرا تقسيم آخر ناظر الى حقيقة الوجود بناء على القول باصالته، وتحليله الخاص لواقع العلة والمعلول، فما سوى اللّه هي وجودات رابطية تمثل عين الربط والتعلق ((156)) وهناك تقسيم ثالث يلحظ كيفية حمل مفهوم الوجود في القضاياوهو:

الوجود المحمولي: وجود مستقل في نفسه، محمول القضية في الهليات البسيطة، ويقال له: الوجود النفسي والاسمي،وباصطلاح النحاة هو مفاد كان التامة كقولنا: (اللّه موجود).

الوجود الرابط: وهو ليس بموضوع ولا بمحمول في القضية، بل هو النسبة بينهما. عند المناطقة رابط في القضايا الثلاثية، وعندالنحاة مفاد كان الناقصة.

بقي ان هناك قسما اختلف الحكماء في نحو وجوده، وهوالوجود الانتزاعي، اي ان للموصوف حالة تشكل منشا لانتزاع الصفة، ومن ثم حملها عليه كاعدام الملكات من العمى والجهل وغيرهما.

السؤال المطروح انه عندما يقول صدر المتالهين ان نحو وجودالمعقولات الثانية هو وجود رابط، هل يقصد منه الوجودات الخارجية ما عدا اللّه سبحانه، ام الوجود الرابط الذي يقع قسيماللوجود النفسي والوجود الانضمامي، ام انه النسبة والربط في القضايا؟ واذا كان وجود المعقولات الثانية فاقدا لاي قسم من اقسام الوجودات الخارجية، فهل يصح عروضه على موضوعه في الخارج ام ان العروض كما عبر عنه الحكماء ذهني بين الاتصاف خارجي؟ طبعا، لا يمكن الاجابة عن هذه الاسئلة الا بتحليل نحوالوجود الرابط، ما دام ان صدر المتالهين نفسه صرح بان وجودالمعقولات الثانية وجود رابط في الخارج.

حقيقة الوجود الرابط وانطباقه على وجود المعقولات الثانية ذكر الملا صدرا فصلا في الاسفار في تحقيق الوجود الرابط،وذكر عبارة كانت سببا لتاويلات مختلفة، حيث يقول:«وقداختلفوا في كونه غير الوجود المحمولي بالنوع ام لا، ثم تحققه في الهليات البسيطة ام لا، والحق هو الاول في الاول والثاني في الثاني» ((157)) ان يكون الاختلاف بين الوجود الرابط والمحمولي اختلاف بالنوع، فهذا يعني ان بينهما مشترك لفظ ي، وهذا يخالف مباني صدر المتالهين في ان الوجود مشترك معنوي، وحقيقته ذات مراتب تشكيكية ((158)) لان صدر المتالهين يرد على القائلين ان الوجود الرابط اعتباري لا تحقق له في الاعيان، اللهم الا ان نحمل عباراته على اختلافهما في المصداق، وذلك لا يوجب ان يكون بين مفهوميهما اشتراك لفظ ي، وخصوصا انه استعمل كلمة «الاختلاف في النوع »، والوجود، ومصاديقه ليسا من المعقولات الماهوية ومصاديقها.

اذن، هذا الوجود ليس له نفسية، وتحقق استقلالي. لذا، كان فاقدا للماهية.

وبناء على ذلك، فهو لا يدخل تحت اى من المعقولات الماهوية حتى الاضافة اذا ما اعتبرت من المقولات الماهوية((159)) ايضا من خصائص هذا النوع من الوجود، انه لا يتحقق الا في الحمليات الايجابية، سواء اعتبرناه النسبة الحكمية الاتحادية الملحوظة في ظرف انعقاد القضايا او لم نعتبره، ولايتحقق في القضايا السالبة، لان مفاد السوالب الحملية هو سلب الربط وعدمه، ففي القضايا السالبة لا يوجد ربط، لان العدم ليس رابطيا ((160)) واخيرا، نطرح السؤال التالي: هل من الممكن ان يتحقق الوجود الرابط في القضايا التي ليس لمحمولها وجود نفسي اوانضمامي سواء كان لها منشا انتزاع كالمعقولات الثانية الفلسفية او كانت هذه المحمولات عدمية، لان الوجود الرابط لا يتحقق الا بطرفيه، واذا كان احدهما عدميا، فهل من الممكن تحققه؟ واذاكان الجواب منفيا، فهل القضايا التي محمولاتها عدمية هي بالاصل ليست قضايا ثلاثية؟ للاجابة عن ذلك، نشير الى ان الحكماء اتفقت آراؤهم على ضرورة وجود الموضوع في القضايا الايجابية حتى يصح الحمل،واشتهرت على السنتهم القاعدة الفرعية: «ثبوت شي لشي فرع ثبوت المثبت له »، واستدلوا بها على اثبات الوجود الذهني،وكيفية اتصاف الماهية بالوجود ((161)) لكنهم اختلفوا حين وسعوا مضمونها، ليقولوا انها: «فرع ثبوت الثابت» ايضا.

القطب الرازي في المحاكمات يعتبر ان ثبوت المحمول للموضوع لا يعني وجود المحمول للموضوع، ويكفي لصحة الحمل صدق المحمول على الموضوع وان كان المحمول عدميا((162)) وكان القطب الرازي يكتفي في ان يكون للموضوعات ثبوت في نفس الامر الاعم من الذهن والخارج حتى يصح الحمل.

اما الشريف الجرجاني والمحقق الدواني والدشتكي، فقدجوزوا اتصاف الاشياء الخارجية بالصفات العدمية، واكتفوابوجود الموضوع في ظرف الاتصاف حتى يصح الحمل ((163)) صدر المتالهين لم يوافق هؤلاء الرهط..

اولا: لان القضايا التي محمولاتها اعدام محضة، فان روح القضية سالبة، وفي السوالب لا يوجد ربط، بل سلب الربط.

وثانيا: لان المعدوم في نفسه والمحال لا يمكن ان يكون له ثبوت لشي آخر، لانه فاقد الثبوت لنفسه.

وثالثا: بناء على اصالة الوجود والتشكيك في مراتبه، فان الاشياء متفاوتة في الموجودية، ولكل منها خط خاص من الوجود، حتى الاضافات واعدام الملكات، فان لها وجودا ضعيفا.والذي اوجد الشبهة عندهم، انه في اغلب الاحيان وجودالموضوع اقوى من وجود المحمول، والا ففي بعض المواردالعكس هو الصحيح، كما في اتصاف الهيولى بالصورة الجسمية والطبيعية ((164)) واخيرا يعتقد صدر المتالهين ان الاتصاف نسبة وربط فهي تابعة للطرفين، فمن جهة لطرف الموصوف، واخرى لطرف الصفة، ولا يمكن ان يتحقق الرابط من دون وجود طرفيه.

وبناء على ذلك، فاينما وجد الربط والاتصاف يجب او يوجدطرفي النسبة، فان كان الاتصاف خارجيا كان وجود الصفة والموصوف في الخارج، وهكذا الامر ان كان الاتصاف ذهنيا، فلايمكن ان يكون الموصوف في ظرف وجودي آخر، والعكس صحيح. ولان الصفة في القضايا التي محمولاتها انتزاعية، فهي دائما ستتبع الموصوف في ظرف التحقق والوجود:

«والحق ان الاتصاف نسبته بين شيئين متغايرين بحسب الوجود في ظرف الاتصاف، فالحكم بوجود احد الطرفين دون الخر الذي يكون الاتصاف فيه، تحكم» ((165)) اذن، يظهر مما تقدم ان المعقولات الثانية وجودها وجودرابط، ولانها كذلك، فانها غير مستقلة عن وجود موصوفاتها،ولان موصوفاتها عينية وخارجية، فان صفاتها ستكون لزاماعينية وخارجية. وبتعبير آخر، ان وجودها مندك في وجودموصوفاتها.

اذن، نحو وجود المفاهيم الفلسفية يعتمد بصورة اساسية على تحليل الملا صدرا لوجود النسبة، فالمحمول في قضية مثل الانسان ممكن له منشا انتزاع، وهو الانسان، وهو المصحح لهذاالحمل. لكن، كيف يمكن ان نتصور ان وجود الامكان في الخارج وجود رابط، واصلا القضية واجزائها مفاهيم ذهنية ليس لها وجود في الخارج.

يبدو ان تصوير هذه المسالة عند صدر المتالهين فيها نوع من التشويش، من الممكن ايضاحه من خلال آراء السيد الطباطبائي وشروحات تلامذته.

الراي المختار للعلامة الطباطبائي الطباطبائي في تعليقته على الاسفار يؤكد راي صدر المتالهين في ان وجود المعقولات الفلسفية وجود رابط في الخارج، وفي ان الرابط موجود بوجود طرفيه، وحيثما تحقق ظرف الاتصاف تحققت الصفة والموصوف، ويبدا عبارته ب «هذا هو الحق الصريح الذي لا مرية فيه ».

لكن العلامة يشير الى مشكلة اخرى تعرض لها مرارا، وحاول حلها ولم يتعرض لها احد من الحكماء قبله.

المطروح في نحو وجود المعقولات الفلسفية ان لها معنى حرفيا غير مستقل في الخارج، ولها معنى اسميا (الوجودالمحمولي) في الذهن، وهو المحمول على الموصوف، السؤال ان نفس معناها المحمولي في الذهن يحتاج الى وجود رابط، والربط يوجد بطرفيه في ظرف الاتصاف، فاذا كان احدهما خارجياسيكون الطرف الخر خارجيا ايضا. اذن، كيف يمكن ان تتصف الاشياء بالمعقولات الفلسفية واحد طرفيها في الخارج والطرف الخر (الوجود المحمولي) في الذهن؟ بعبارة اخرى، الرابط تابع للطرفين، كيف يمكن التصديق ان احد طرفي الربط، الذي هو الموضوع في «الانسان ممكن »،موجود في الخارج والطرف الخر للربط محمول وصفة في الذهن، هل يستطيع الوجود الرابط ان يقيم صلة بين الخارج والذهن؟ وهل يستطيع ان يربط ربطا خارجيا بين الشي الذي يستحيل تحصيله في الخارج بوجود انضمامى، وبين موصوفه الموجود فعليا في الخارج؟ العلامة في نهاية الحكمة يقول: «الامكان من المعقولات الثانية الفلسفية التي عروضها في الذهن والاتصاف بها في الخارج، وهي موجودة في الخارج بوجود موضوعها» ((166)) العبارة الاولى ناظرة الى راي الجمهور في العروض والاتصاف،لكن ذيل العبارة تصرح على ان الامكان موجود بوجودموضوعه.

واذا ما جمعنا هذا البيان، وما تقدم في تعليقته على الاسفار،نستطيع ان نلخص الى ان الامكان عندما يعرض على موضوعه،وكذلك باقي المعقولات الفلسفية، فلان موضوعاتها موجودة في الخارج، فيجب ان تكون محمولاتها موجودة في الخارج، وهي لا تحتاج في وجودها الخارجي الى ربط حتى يعبر عن وجودهابالوجود الربط ي ((167)) فمعنى ان وجودها ربط ي لا بمعنى الرابط في القضية، وانما التقابل هنا بين العين والذهن، ففي الذهن وجودها كالوجود المحمولي، وفي الخارج وجودها كالوجودالرابط، وهذا مثيل الهليات البسيطة، فعندما نقول: الانسان موجود لا نربط الوجود بالانسان في الخارج، وانما ما هو عندناقضية ذهنية تتمظهر بوجود وتحقق الانسان في الخارج، وكذلك عندما نقول: الانسان ممكن، فها هنا عندنا قضية ذهنية لهاموضوع ومحمول ورابط، تتمظهر بتحقق الامكان بنحو الوجودالرابط الموجود بوجود منشا انتزاعه في الخارج، فالسر في المسالة هو في انطباق الذهن على الخارج.

 

 

الشهرستاني بين الاشاعرة والاسماعيلية/القسم  الثاني

ا. مهدي فرمانيان

ترجمة: ضياء المحمودى

 القسم الاول: المباحث التي تدل على تشيع الشهرستاني الشهرستاني يعتبر القرآن مختص باهل البيت(ع)، وانهم اصحاب فهمه، والعاملين بالعالمين((168)). وهو وان ينفي وجود كتب لاهل البيت(ع) امثال الجفروالجامع، ولكنه قائل بان الصحابة متفقة على ان علم التنزيل والتاويل مختص بعلى)((169)).

فهو ينقل رواية عن الامام الصادق(ع) من طريق الكليني((170))، ومن طريق محمد بن خالد البرقي، وينقل عن تفسير العياشي((171)) في باب ترتيب السور، وترتيب نزولهافي مصحف الامام الصادق(ع)، وانها شبيهة بترتيبها في مصحف ابن واقد((172)).

ويقول في مبحث كيفية جمع القرآن:

قال بعض اهل العلم: كم من آية مثلها مثل (رجال صدقوا ماعاهدوا...) قد فقدوها مما كان يتعلق بمناقب اهل البيت(ع)...»((173)) وهذا كلام يشم منه رائحة القول بالتحريف،ويواصل حديثه فيقول: «... ولماذا رفضوا القرآن الذي جمعه الامام على بن ابي طالب(ع)((174)) واستغنوا عنه، وقالوا لاحاجة لنا به...»((175)).

وقد استفاد الشهرستاني في كتابه هذا من تفاسير كثيرة منهاتفسير ابي حمزة الثمالي((176)) ، فهو ينقل رواية عن الامام الصادق(ع) فيقول: «الصادق(ع) تبرا من الغلو ونفاه، وقال ان علمهم هو من كتاب اللّه لا غير... ((177)) وان التقية دينه ودين آبائه، وان اهل البيت كانوا يجهرون بقراءة البسملة في الصلاة، لذاالصحيح هو الجهر بها» ((178)) وينقل رواية عن الامام الباقر(ع)، بان المقصود من «الناس» في سورة الناس هم اهل البيت(ع) ((179)) ويقول في معرض تفسيره لية (ويقطعون ما امر اللّه به ان يوصل(: «امر اللّه اما قولي وهو الدين الباقي من آدم الى خاتم الانبياء، ومن النبي [ص]الى يوم القيامة وصاية وامامة، واما فعلي وهو صلة الارحام مع ارحام النبي الحاملين لنور النبوة ونطفة الامامة، حيث يكون قاطع هذه الصلة من الفاسقين» ((180)) ويعتقد الشهرستاني: «بان الزمان لن يخلو في اي عصرمن الخليفة الالهي والحجة، وكل صادق يبشر بصادق آخر من بعده((181))» وهو يعتقد ان المارقين والناكثين والقاسطين هم المنافقون بعدزمان رسول اللّه(ص) ((182)) وان الذين اتبعوا الامويين هم عبدة العجل من هذه الامة، مثلما عبد اصحاب موسى العجل، ويقول:انهم في الاول خانوا، وفي الثاني سرقوا، وفي الثالث ظلموا، وفي الرابع قتلوا. ويقول: وسبعون الفا منهم الذين كانوا عبيدا لامام اهل النار، وهو يزيد، قتلوا في نصف يوم، لانهم كانوا قتلة الحسين رضي اللّه عنه ((183))

 

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية