الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

ويعتقد الشهرستاني ان مثل منافقي هذه الامة مثل السامري في اءمة موسى، حيث غلبوا على امام الحق وهو يقول:

(ان القوم استضعفوني، وكادوا يقتلونني)، وقال: (اني خشيت ان تقول فرقت بيني وبين بني اسرائيل) ((184)) ثم كتب [يقول ما هذانصه :] «ان التيه في بني اسرائيل كالحيرة الواقعة في هذه الامة من امتناعهم دخول بيت المقدس مقدس النبوة من باب حطة،وقد قيل لهم: وادخلوا الباب سجدا سامعين مطيعين، وقد سمعت في الاخبار «على باب حطة »، و«انا مدينة العلم وعلى بابها»،فجماعة قالوا: انا لن ندخلها ابدا، وجماعة دخلوا البيت لا من بابه، وجماعة هدموا الباب، وقتلوا باب الابواب، فانسدت عليهم الطرق وما هو في سبيل اللّه، وتحيروا في دين اللّه.. وقد كان التيه لبني اسرائيل اربعين سنة، وكان التيه في هذه الامة قد زادعلى اربعمئة سنة» ((185)) وينقل عن الامام اميرالمؤمنين على بن ابي طالب انه قال:«الحسنة كل الحسنة حبنا اهل البيت، والسيئة كل السئة بغضنااهل البيت ».

وعن الامام الصادق انه قال: «اعرف الحق لنا واعمل ماشئت ».

ويستمر في حديثه فيقول: «ان الذي لم يعرف حق هؤلاءفطاعته كطاعة ابليس» ((186)) وكما انه يقول: ان التوحيد مع النبوة توحيد، وان النبوة مع الولاية نبوة ((187)) يقول حول اولي الامر: انهم اما موجودون في العالم فلا يتبعون، واما موجودون ولكنهم مستترون فلايطلبون ((188)) ويعتقد ان حق التلاوة هو حق الثقلين، وهم العالمون باسرارالحروف والاصوات والعالمون بالكونين ((189)) ويعتقد ان مستحق الامامة هو المقبول في العالمين، وقاب قوسين، ومجمع البحرين والحاكم في العالمين، واذا كان عالم باحد العالمين وحاكم على احدهما فلا يستحق الامامة ((190)) ويعتقد ان الامام اميرالمؤمنين امام الائمة في الصبر والعطاء((191)) وينقل عنه قوله: «نحن اهل الذكر» و«سلوني قبل ان تفقدوني...» ((192)) والشهرستاني ينقل عن الامام السجاد انه قال: «الراحل اليك يارب قريب المسافة» ((193)) وفي مبحث الايتام يعتقد ان اول يتيم هو النبى(ص)، واليتيم الثاني هو الامام على الذي يجب علينا اتباعه وحبه، واليتيم الثالث فاطمة، ومن الواجب اعطاء حقها، وان اولاد فاطمة هم الايتام، فكل من اكل حقهم فقد اكل في بطنه نارا ((194)) ويعتقد ان القرض للّه هو الدفاع عن اوليائه، وان من آذاهم كمن حارب اللّه ((195)) ويذهب الى الطريقة الوسط ى بين الجبر والاختيار استنادا الى حديث الامام الصادق(ع) «لا جبر ولا تفويض بل امر بين الامرين »، ولذا يحمل على اعتقادات الاشاعرة والمعتزلة والقدرية والجبرية ((196)) ويقول الشهرستاني: «ان الامام عليا ( كان له علم التنزيل والتاويل والظاهر والباطن، وكان يتصدق بدرهم في الليل وبدرهم في النهار وبدرهم في السر وبدرهم في العلانية» ((197)) وكان يعتقد ان آية كتمان البيع والشراء نزلت في حق الذين لم يشهدوا بالولاية وكتموها بعد وفاة النبى(ص)، وهذا العمل ادى الى كفرهم ونفاقهم ((198)) هذه خلاصة من الكلام حول تشيع الشهرستاني من خلال كلماته في كتاب مفاتيح الاسرار.

القسم الثاني: المباحث التي تدل على انه من اهل السنة الشهرستاني في الظاهر، وفي تفسيره على نحو منهج اهل السنة،حيث ينقل عن ابي هريرة وباقي الصحابة ((199)) ومسلكه في التفسير متطابق مع مسلكهم، وينقل عن صحيح البخاري وباقي كتب اهل السنة ((200)) ولاجل كثرة مواردها لا حاجة لنا ان نذكرها هنا، ولكنه ذكر عدة نقاط في ذيل مفاتيح الاسرار والتي تدل على تسننه:

الاولى: انه في بحث الطلاق والحج في ذيل آيات الطلاق والحج من سورة البقرة يتكلم طبقا لمذهب الشافعي ((201)) والثانية: في ذيل آية (ولكل وجهة هو موليها) ينقل حديث افتراق الامة الى ((202))فرقة، ويقول في شرحه للفرقة الناجية:«ان اهل السنة والجماعة هي الفرقة الناجية، كما بين النبى ذلك في جوابه للسائل، فقال: ان السنة والجماعة هي الطريقة التي اناواصحابي عليها» ((203)) وان كان في موضع آخر اعتبر ان الفرقة الناجية هم اولئك الذين حق تلاوة القرآن حق مختص بهم((204)) والثالثة في ذيل آية: (... وانتم سكارى)، يقول: ان عبدالرحمن بن عوف هيا طعاما ودعا جماعة منهم على بن ابي طالب لتناوله، وبعد تناول الطعام اتى بشراب لهم فشربوه ثم حضروا صلاة المغرب، فنزلت الية ((205)) فهو في هذا وطبقالهذه الرواية ينسب الكبيرة الى الامام على(ع)، وهو ما تنفيه الشيعة عنه باجمعهم.

ويقول حول تعيين القبلة: مثل القبلة التي تكون كلا جهتيهاصحيحة، احدهما قوله تعالى: (فول وجهك شطر المسجدالحرام(، والخر: (فاينما تولوا فثم وجه اللّه(. وكذلك من حيث الاشخاص فان اللذين كلا وجهيهما صحيحان، احدهما المساوي للاخرين. والذي كان يقول: «اقيلوني فلست بخيركم »، والخرحول افضليته يقول: «سلوني عما تحت الخضر او فوق الغبراء».ولقد علموا ان محلي منها محل القطب من الرحا...» ((206)) ففي عباراته هذه قب ل الظاهر، وهو (خلافة ابي بكر)، والباطن وهو (امامة امير المؤمنين)، حيث مثل خلافة ابي بكر بالقبلة الظاهرة المعلومة، وامامة الامام على(ع) بالقبلة الباطنة، وهذاالتشبيه يدل على انهما عنده مقبولان.

وسنتحدث في خاتمة المقال حوله هذا الامر القسم الثالث: المباحث التي تلوح فيها صبغة الاسماعيلية يروي الشهرستاني في الفصل العاشر من مفاتيح الاسرار هذالخبر، وهو ان الشيخين تخاصما في القضاء والقدر، وذهبا الى النبى(ص)، وعرضا عليه مشكلتهما، فاجابهما النبي: بان حكم احدهما مفروغ وهو القضاء، وحكم الخر مستانف [وقابل للتغيير]وهو القدر. ولذا خص الشهرستاني الفصل العاشر في الحديث عن المفروغ والمستانف والتقابل والترتب بناء على قاعدتي الخلق والامر ((207)) يقول كاتب هذه السطور: اني تفحصت اكثر الكتب التي ترتبط بهذه المسائل، وموسوعات المصطلحات الفلسفية((208))والكلامية ((209))والتصوف ((210)) فشاهدت بحث التقابل في حركات الجوهر والكيف في الفلسفة، او تقابل الاشياءوتقابل صفات الكلام في الفلسفة وعلم الكلام، ولكن لم اقف على بحث باسم بحث التقابل والترتب، ولم اشاهد اصطلاح الترتب في علم الكلام والفلسفة والتصوف وكتب الاسماعيلية.

وهذا المبحث لا يوجد في كتب الاسماعيلية امثال رسائل اخوان الصفا، وراحة العقل، وكتاب الرياض لحميد الدين الكرماني، ووجه الدين وجامع الحكمتين لناصر خسرو،والاصلاح لابي حاتم الرازي، وتاريخ العقائد الاسماعيلية لفرهادالدفتري.

واما بحث المستانف والمفروغ فلم يات في الصحاح الستة ولا في بحار الانوار.

نعم، وردت روايتين في مسند احمد ((211))في باب المفروغ والمستانف، ورواية في كنز العمال ((212)) وقد نقلها عن مسنداحمد. وكما انني لم اعثر على هذا المبحث بصورة بحث مستقل في علم الكلام والفلسفة والتصوف وكتب الاسماعيلية، فانني وجدت في تاج العقائد ومعدن الفوائد في ذيل بحث القضاءوالقدر حيث جاءت العبارة على النحو التالي:

اما القضاء فاسمه الفراغ بدليل القرآن الكريم: (فاذا قضيتم مناسككم فاذكروا اللّه كذكركم... ( اي اذا فرغتم منها، وقوله تعالى: (فاذا قضيت الصلاة...( اي اذا فرغتم منها... واما القدرفاصله من المقدار والتقدير والترتيب على المعنى المخصص نحوقوله تعالى: (فجعلناه في قرار مكين( اي الى امد معلوم.

بعد ذلك يقسم القدر الى اقسام ثمانية، ثم يورد رسالة الحسن البصري الى الامام الحسين(ع)، وجواب الامام عن سؤاله في القضاء والقدر ((213)) ولم اعرف ان هذه الابحاث من مباحث اي العلوم والمذاهب الاسلامية التي اخذ منها الشهرستاني، ويحتمل ان الشهرستاني نفسه مؤسس هذه الابحاث، لان المولى نصيرالدين الطوسي يعتبرها من الفصول المقدسة ((214)) يقول الشهرستاني: فرؤية المستانف هو الظاهر، والتنزيل،والتفسير، ورؤية حكم المفروغ هو الباطن، والتاويل، والمعنى،والحقيقة، (والراسخون في العلم يقولون آمنا كل من عند ربنا...)((215)) فقوم قائلون: ان الاحكام كلها مفروغة ومقدرة، والخلق مجبور، حتى انهم ذهبوا الى التفريط، ونفوا الاستطاعة، واثبتواوجود تكليف ما لا يطاق. وقوم قالوا: ان جميع الاحكام مستانفة((216))ومقدرة باختيار العبد، وافرطوا في ذلك حتى زعموا ان الانسان مستقل في عمله، ونفوا امكان اخذ الاستعانة من الخالق،وهذين المذهبين على جانبي الافراط والتفريط ((217)) ومصدر هذين القولين، هو اختلاف الشيخين في هذا الحكم،ولكنهم اذا عرفوا ان حكم الجبر والاختيار، والقضاء والقدر، هوالامر بين الامرين، ولا جبر ولا تفويض، ومثال المفروغ والمستانف هو مثل الملك الذي نصفه من نار ونصفه من ثلج،وان النار تمثل المفروغ، الثلج يمثل المستانف، فلا النار تستطيع ان تذيب الثلج ولا يستطيع الثلج ان يطفئ النار، فلو عرفوا ذلك ما كانت تحصل هذه الاختلافات ((218)) «اما التقابل والترتب... قال الصادق(ع): «القرآن نصفه فيناونصفه في عدونا والذي في عدونا فهو فينا». وما دام التخاصم بين الحق والباطل، والمحق والمبطل موجودا كان ذكر التضادوالتقابل جاريا على لسان النبوة» ((219)) ثم بعد ذلك يتكلم حول عالم الخلق والامر، والذي يمكن مشاهدته في كثير من كتب الاسماعيلية ((220)) ويقول في هذاالمجال:

«واما قاعدة الخلق والامر فهي في علم القرآن اساس كل حكم مفروغ ومستانف، ومتضاد ومترتب، والمبدا والمعاد»((221)) فالشهرستاني يعتقد ان الاسماء الالهية متجلية في ذات الاشخاص، وان الرحمة الالهية ظاهرة ومتشخصة في نبي الاسلام ((222)) ويعتقد ان للحروف والاعداد اسرارا خاصة((223)) وان العقل مصدور من فيض الامر، وان النفس الكلية متحققة من تلاقي وامتزاج الامر والعقل)56)، وان العقل الاول هو قلم القرآن، وان النفس هي لوح القرآن ((224)) وان آدم (ع) هو صاحب الدور الاول من ادوار الكشف، واماصاحب الدور الاخير الذي لم يظهر بعد ((225)) فيراه في غاية القوة.

ثم يحمل على اهل السنة والشيعة المنتظرين، ويقول:

«ان ابليس لم يعتقد كما اعتقد اهل السنة والشيعة المنتظرون بوجود امام حى حاضر قائم، ولكن اقسم باللّه انه يوجد في الارض عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بامره يعملون...وان طاعتهم وتوكلهم وسجودهم وقولهم هي الطاعة والسجودوالتوكل وقول اللّه تعالى...((226))» ويعتقد الشهرستاني ان بين الصابئة والحنفاء يوجد تضادوتقابل، بحيث انه في كل مرحلة يظهر بشكل خاص ((227)) كمايعتقد ان دور الانبياء هو دور معرفة الكافر من المسلم، ولكن المنافق يبقى مستورا في هذه الادوار. ويعتقد ان النبي صاحب التنزيل، وان المؤمنين بدعوته ورسالته هم المستجيبون ((228))وان الوصي هو صاحب التاويل ((229)) وهو الذي يعرف المؤمن من المنافق، وان النبي يدعو المستجيبين لنفسه، والوصي يجلس في بيته ((230)) ويطلق الشهرستاني على اءمة النبي اسم الامة القاصدة، وعلى دعوته الدعوة الهادية، ويعتقد ان مثل على مثل ذلك الحجر الذي انفجرت منه بمعجزة موسى (ع) اثنتا عشرة عينا ((231)) ويعقتد ان والدي الانسان هما والدي عالم الخلق، واستنادالحديث «انا وانت يا على ابوا هذه الامة» يعتبر ان النبى(ص)والامام عليا (ع) والدا عالم الامر ((232)) ويعتقد ان مستحقي الاحسان (وبالوالدين احسانا) هم اصحاب الكساء ((233)) ويعتبر الشهرستاني ان الادوار السبعة في الشرائع شبيهة بادوار الجنين، وبان آدم هو السلالة، ونوحا هو النطفة و... ان النبي خلق آخر، والذي دوره الاول هو دور الكشف والقيامة((234)) ويعتبر ان المساجد رجال معينون، وكما ان المساجد تتفاضل بينها الاشرف فالاشرف، فان الرجال ايضا عندهم الاشرف فالاشرف الى ان تصل الى عبداللّه، وهو الامام الذي يتوجه اليه الجميع ((235)) في حين ان عبداللّه هذا من هو؟ اهو النبي، على،اسماعيل، محمد بن اسماعيل، عبيداللّه المهدي، المهدي الناطق السابع؟ لا نعلم.

ان اللّه فوق التصور والعقل والفكر، وغير قابل لوصفه بالالفاط، ولا يجوز اطلاق الوجود عليه ((236)) ويعتقد في باب القضاء والامر، انهما صدرا من لفظة:

«كن »،وهما المفروغ والمستانف ((237)) وتاويله للقيام والركوع والسجود عين تاويل ناصر خسرو في كتاب وجه الدين ((238)) ويعتقد ان مراتب الدعوة هي النبوة، والوصاية، والامامة، وهي متحدة مع ابحاث الناطق، والاساس، والامام المستقر عندالاسماعيلية ((239)) والشهرستاني يتابع الاسماعيلية في النفس النامية النباتية،والناطقة، ويعتقد ان الحياة الروحية للنفس الناطقة متوقفة على العلم والمعرفة في عالم الامر والكلمة ((240)) وهو يؤول الحج بالنبي، والعمرة بالوصي، والصفا والمروة باعلان دين النبي، ويعتبر ان عليا في الصفوة مثل الصفا، وفاطمة في المروة مثل المروة ((241)) ويعتبر ان شعائر الحج رجال ((242)) ووزان السماوات السبع اشخاص.

ويعتقد ان الادوار السبعة واقاليم الارض السبعة هي اصحاب الوصايا السبعة ((243)) وهو يعتقد ان البر شخص معين ((244)) وان عليا باب الابواب((245)) وان مخزن التاويل الخالص من الشوائب هو عند اوصياءالانبياء ((246)) وان طالوت هو الامام المستودع لا المستقر ((247)) وهو في موضع في جواب الغزالي الذي يعتبر ان التقليدالمحض قبيح، ويعتقد ان تقليد الامام والحجة هو تقليد عن بصيرة ((248)) كانت هذه خلاصة للمباحث التي سلك فيها الشهرستاني في كتابه مفاتيح الاسرار على طريقة الاسماعيلية، واعمل فيهاالتاويل.

الخاتمة في ضوء ما تقدم من المعلومات، فقد ظهر ان الشهرستاني كان في ايام حياته متهما بتعاطفه وارتباطه باهل القلاع(الاسماعيلية)، واستلهم من افكارهم وتفاسيرهم الباطنية في مصنفاته ومواعظه ومجالسه، ويبدو انه لم يكن يابه كثيرا بالجوالعام آنذاك، والذي كان شديد العداء للاسماعيليين واهل القلاع،اذ كانوا يعتبرونهم ملاحدة الاسلام. ولعله لاجل هذا اخرج من المدرسة النظامية ببغداد بعد ثلاث سنوات من الوعظ والارشادفيها ((249)) ولعله لهذا السبب ايضا كان مقربا من نقيب ترمذالشيعي المذهب.

ونظرا لسلوك الشهرستاني في مصنفاته واقواله، فقد احيط مذهبه بهالة من الابهام والغموض.

فهو يؤيد اهل السنة، ولا ينتقد رواياتهم وعقائدهم، وحتى بالنسبة الى الاحاديث الموضوعة عندهم لم يبد اى اعتراض،وكان يحترم الخلفاء الثلاثة، ويعتقد انهم على حق، ويؤيداحاديث فضائلهم، ويعتبرهم خلفاء ظاهرين. وبالنسبة الى الصحابة فنظرته اليهم مثبتة، ويعتقد انهم مرضيون عند اللّه،وينقل خبر العشرة المبشرة، ويقول: ان طلحة والزبير وعائشة قدتابوا، وفي امثال هذه المسائل يتابع مسلك اهل السنة، ولكنه يعتبر بان اولئك الذين حاربوا عليا من الناكثين والقاسطين والمارقين وبني امية وبني العباس منافقون وولاة ظلم.

وللشهرستاني عناية تامة باهل البيت(ع)، وخصوصا بالامام على بن ابي طالب(ع) ((250))والامام الصادق(ع) ((251)) فهو في هذه المسالة يفكر كما يعتقده الشيعة، ويعتقد انهما عالمان بالاسرارومطلعان على الغيب والشهادة، ويكن احتراما زائدا عن الوصف لاهل الكساء. وعليه، وبالنظر الى هذين المطلبين يمكن القول:انه سنى وشيعي من حيث الافكار، ولكن بالنظر الى معنى المصطلح اليوم، فهو لا شيعي ولا سني ولا اشعري ولااسماعيلي، توضيحه ان حول مذهب الشهرستاني توجد اربع نظريات.

الاولى: انه في الباطن ينتمي الى الاسماعيلية، ولكنه يتقي ويتظاهر بالمذهب الاشعري والشافعي في الفترة التي كان يرتقي فيها منبر الوعظ من قبل الدولة، وكان يكتب في دواوينهم، ولذاكتابه في الملل والنحل، ونهاية الاقدام كتبها على هذه الطريقة والظاهرة.

ولما تنحى عن وظائف الدولة ولزم بيته، كتب تفسيره الباطني.

ولكن هذه النظرية غير مقبولة، نظرا للمطالب التي نقلناها من الملل والنحل، ومصارعة الفلاسفة، والمطالب التي فيهارائحة السنية في مفاتيح الاسرار، والمطالب القوية التي طرحهافي التفسير الباطني في مجلسه المدون والذي انعقد في خوارزم،وايضا التاويلات الباطنية في مفاتيح الاسرار، هذه كلها تجعل من القول بالتقية بلا معنى، اذ لا يمكن القول انه كان في الباطن اسماعيلي، ومتظاهر بانه اشعري. وهناك عدة ترى العكس من ذلك، فكما انه في اول امره كان اسماعيليا، لكنه في النهاية اصبح اشعريا، وهذا ما بيناه تفصيلا فيما مضى.

الثانية: انه كان من طلاب الحقيقة، ولا يبتغي غير الحق.

وكان يرى ان الحق والحقيقة اقرب للشيعة من اهل السنة، وان ميله لاهل البيت(ع) اكثر من ميله للصحابة، ولكنه في الوقت نفسه يولي احتراما خاصا للصحابة.

ولكن لما كان عصر الشهرستاني متقارن مع استتار ائمة الاسماعيلية والاثني عشرية معا. ولم يكن بميسوره الوصول الى الحقيقة الحقة، ومثله مثل الغزالي في كتابه المنقذ من التقليد،والفخر الرازي في تفسيره الكبير الذي ابدى فيه موقفا ايجابيا من اهل البيت، واعتبر الاقتداء بعلى الوصول الى الهداية ((252)) كان طالب حق، ولكنه لما لم يعثر على الحقيقة، طرق مسلك الاساطير والخرافات. وعليه، فمثل هؤلاء الافراد، ومع جميع اخطائهم، يجب ان يعتبروا جزءا من السنة المتشيعة، الذين كانوايبحثون عن الهداية، ورغم انهم وجدوا الحقيقة ام لم يجدوها.فعلى كل حال، الهداية وتقييم الاعمال والعقائد بيد اللّه سبحانه.

الثالثة: هو عالم غير متاثر بالتقليد والانتماء الى مذهب خاص،ولا يرى لنفسه التقيد بمذهب خاص، ويرى نفسه اعلى شانا من ان يحده مذهب واحد. وكل ما كان يراه صحيحا فهو الحق عنده ويجب اتباعه، والشهرستاني لما كان له اساتذة من الاشاعرة والشافعية والاسماعيلية، فطبيعي ان يحصل له تعاطف وميل نحوهم.

فلو كان له اساتذة من الصوفية او الامامية، او من غيرهم،لوجدنا له نزعة وانعطافا نحو هؤلاء، ولكن الشهرستاني هوصاحب الملل والنحل وجملة من عقائد المذاهب الاخر. في حين انه لم يكن له استاذ، وانما عقائده اخذها من الكتب كالملل والنحل.

الرابعة: في ضوء نظريته في الحكم المستانف والمفروغ يمكن القول: بانه استطاع ان يجمع بين وجهتي نظر الشيعة واهل السنة،وانه معتقد ان خلافة ابي بكر خلافة ظاهرية مقبولة، والتي لاقت من الكثير نسبيا من الصحابة القبول او السكوت، وهي من الاحكام المستانفة، والظاهرية، والتنزيلية، وان الامامة والولاية الباطنية مختصة باهل البيت(ع) وهي حكم مفروغ، وتاويل وباطن.

ويعتقد ان الشخص صاحب التاويل لا ينبغي له ان يخرج من بيته ويقاتل من اجل خلافة ظاهرية، وان اهل البيت(ع) قاموابواجبهم من اظهار الباطن، والتاويلات وتبليغها لطالبيها ((253)) واذا نظرنا الى كتب الشهرستاني بهذا المنظار، فلا نجد اختلافاوتناقضا في عقيدته ومطالبه، فهو يتبع عقائد اهل السنة، كما يتبع عقائد الشيعة، ويرى انه يمكن الجمع بين الاثنين.

وهذا هو راي كاتب هذه السطور.

في الختام يجب التاكيد على امرين:

الاول: لو ان التاريخ قدم لنا مفاتيح الاسرار ومصارعة الفلاسفة والمجلس المكتوب بدلا من الملل والنحل ونهاية الاقدام المشهورين والمعروفين لدى العام والخاص، لكان لزاماعلينا اليوم ان نجد ادلة من الملل والنحل ونهاية والاقدام لاثبات انه اشعري.

الثاني: لا ينبغي قبول كل حكم ونسبة يذكرها بعض الكبارواهل الفهارس والرجال، امثال ابن خلكان والسمعاني وغيرهمادون تحقيق. ومع الاسف ان اكثر مؤلفينا واصحاب الفهارس والتراجم بمجرد ذكر نسبة في احد الكتب، يتاثرون بها وتقع عندهم محل قبول، وينقلوها في كتبهم من دون تحقيق في صحتها وفسادها، وهذا سبب في ايجاد الترديد في صحة النسب التي تنقل في هذه الكتب.

 

 

 الادب العربي...مرحلة ما بعد الاسلام، تطور ام تدهور

ا. محمد عبدالرزاق

تمهيد لم يتوقع عربي الجاهلية ان ما يحاربونه من رسالة وكتاب اليوم، سيتحول في الغد القريب علاوة على قيمهما والاهداف السامية الى حصن منيع للغتهم وادبهم الرفيع، فتمنح لغتهم البلدان ويبقى ادبهم محافظا على عراقته على مر العصور. فلم تغفل الرسالة الاسلامية عما كان عليه العرب من مستوى بلاغي ورقي ادبي، وبما ان معاجز الانبياء كان لا بد لها من مواكبة عصرها وتناسبها معه، جاءت معجزة القرآن بما يتناسب مع ذلك المجتمع. بل، وبما يفوق قدراتهم في هذا الصعيد، واذا كانت المعاجز السابقة مقتصرة على زمنها المحدود، فقد بقيت هذه المعجزة الخالدة في مقامها الشامخ تمد هذه اللغة وادبها من معين لا ينضب وعلوم لا تنفد.

ولم يقتصر دور هذا الكتاب السماوي وهو الذي فيه تبيان لكل شي على كونه منهج حياة وشريعة، بل كان له دور واضح في صيانته للغة بجميع علومها وفروعها، ولا احسب ذلك الاهدية او ثروة قومية منحها اللّه عز وجل لاهل هذه اللغة،جزاء بما يتمتعون به ويعتزون به من رصيد موروث في هذاالجانب.

فترى هذه الرسالة وكتابها كمصدر اول واهم لعلماء اللغة والادب، وليس ذلك محدود بالكتاب وحده، بل حتى احاديث وروايات النبى(ص)، واهل بيته (ع) هي الاخرى باتت مصدرالغويا هاما فضلا عما تحمل في طياتها من حكم وقيم رفيعة.

وهنا، اود الاشارة لما تخطه بعض الاقلام بين الونة والاخرى فيما يصفون به مرحلة ادب العرب هذه اعني ما بعد الاسلام آمن انها مرحلة التزام حجمت آفاق هذا الادب، فشهد تقهقراوتراجعا عند بنيه.

ولعل ما تقدم آنفا هو بمثابة دليل قاطع على رد وتفنيد هذاالمدعى، واءضيف عليه هنا بعض النقاط الاخرى.

1- صحيح ان تاريخ الشعر العربي يرجع الى ما يقارب قرن ونصف قبل الاسلام، وهو امر يثبت لنا عراقة هذا الادب وتفوقه على سائر الداب، لكن ذلك عصر او فترة لا تقارن بعصورالادب العربي في العصر الاسلامي، فانت ترى المؤرخين والنقادعندما ياتون الى تصنيف عصور الادب، يقسمونه الى جاهلي واسلامي وعباسي، وفيه عصر الادب الذهبي. هذا اذا لم ناخذبنظر الاعتبار بعض التقسيمات الاخرى، كمرحلة صدر الاسلام،ومرحلة التدوين، وفترة الحكم الاموي، وما خلفه الفتح الاسلامي من ادب في الاندلس.

2- لقد احدث الفتح الاسلامي لبلاد فارس والاندلس قفزة نوعية على صعيد آداب هذه المناطق وتطور اشعارها.

فتحول ادب فارس الى ادب متميز في المنطقة بعد ان كان لا يتجاوزبعض النصوص الزرادشتية، وغيرها مما قدل لا يصنفه بعض النقاد في شاقول الشعر والادب. وشهدت فارس بعد ذلك عصوراذهبية على صعيد الادب، فتظافرت النصوص وشعراؤها،وانجبت فارس اعلاما في هذا المجال ترجمت اعمالهم الى مختلف اللغات.

اما في الاندلس فالامر غنى عن التعريف، بما انتجه هذا الفتح من علماء وحكماء بارزين، بالاضافة الى طبقة شعراء تلك المنطقة.

3- لقد اولى الاسلام للادب والشعراء اهتماما بالغا في مطلع الرسالة، موظفا بعض الشعراء كاجهزة اعلامية تصب في مصالح الدعوة ودعمها.

وشواهد ذلك عديدة، منها: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك،وعبداللّه بن رواحة و... ((254)).

4- اما ما يردده البعض من انها كان مرحلة يطغى عليها طابع الالتزام، مما حد من مجالات الابداع الادبي، فلا ادري هل ان تاسيس الاخلاق الحميدة، ورفض الكذب والفجور وغيرهاتكون عاملا في تقهقر الادب؟ وهل يمثل ذلك الا ارتقاء بمستوى الادب وتهذيبه والتجديدفيه، كما تشهده بقية الاداب الاخرى من مراحل تطور؟ نعم، قد يامر الرسول(ص) بملاحقة من يتشبب ببعض نساءالقبائل ذاكرا اسماءهن((255))، وهو امر يطالب به ابناء القبيلة انفسهم، حتى عندما كانوا في الجاهلية. لكن الاسلام لم يقف بوجه جماليات الشعر، او يقلل من مجالاته المتعددة.

وقصة قصيدة البردة، وما كان في مطلعها خير دليل على اهتمام الرسول بالادب وتثمينه، وتقديره لما اعتاد عليه الشعراءوان كان غزلا مباحا((256)).

الاسلام في قبال الجاهلية ليست الجاهلية بمعنى الامية وعدم العلم، اي من الجهل ضدالعلم. انما هي بمعنى السفه والغضب والنزق، فهي تقابل كلمة الاسلام التي تدل على الخضوع والطاعة للّه (عز وجل)، قال عزمن قائل: (قالوا اتتخذنا هزوا قال اعوذ باللّه ان اكون من الجاهلين) (البقرة: 67)، وفي قصيدة من العصر الجاهلي، هي معلقة عمرو بن كلثوم، ورد هذا البيت:

الا لا يجهلن احد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا((257)) وتدل كلمة الاسلام باشتقاقها اللغوي على الخضوع والانقياد،وقد ورد هذا المعنى في آيات كثيرة، منها: (وانيبوا الى ربكم واسلموا له) (الزمر: 54)، و(واءمرت اءن اءس لم لرب العالمين)((258)) (غافر: 66).

وتدل جميع النصوص واليات التي وردت في هذا الشان على ان الجاهلية استخدمت من قديم، للدلالة على السفه والطيش والحمق. وقد اخذت تطلق على العصر القريب من الاسلام تحديدا، او بعبارة ادق على العصر السابق له مباشرة،وكل ما كان فيه من وثنية واخلاق قوامها الحمية والاخذ بالثار،واقتراف ما حرمه الدين الحنيف من موبقات.

القرآن وتعميم لهجة قريش نرى في عالمنا المعاصر ان اول عمل تقوم به الحكومات والانظمة السياسية، هو توحيد اللغة في البلاد، بغية احكام القانون والنظام فيها عند جميع افراد المجتمع، ويعد توحيد اللغة من نقاط قوة كل قوم وبلد.

ولعل اول ما لعبه نزول القرآن من دور، هو انه جمع العرب على لهجة قريش، وان كانت هذه اللهجة تسود القبائل الشمالية في الجاهلية، غير ان هذه السيادة لم تكن تامة، بل كان ذلك مقتصرا على شعراء تلك القبائل، وكان ابناء القبائل في الاعم الاغلب يلوكون لهجات اخرى تختلف عن اللهجة القرشية قليلااو كثيرا، حسب قربها من مكة او بعدها.

فساعدت تلاوة القرآن آناء الليل واطراف النهار على اتساع رقعة لهجة قريش، حتى اصبحت اللغة الرسمية لجميع البلدان الاسلامية فيما بعد.

وفي الجزيرة العربية اخذت هذه اللهجة تعم بين القبائل الجنوبية متغلغلة في الانحاء الداخلية، التي كانت لا تزال تتكلم الحميرية. وبعد مدة ليست طويلة جدا تحول المسلمون في جمهورهم الى حفظة للقرآن، يتلوه كبيرهم وصغيرهم، حتى سكنة الصحارى البعيدة ورؤوس الجبال.

وقد اتاح هذا الحفظ للهجة قريش لا ان تنتشر في العالم الاسلامي فحسب، بل ان تحفظ ايضا وتظل على مر العصورجديدة حية، لا تبلى مع الزمن، حتى اكتسحت ما لقيت من لغات، فاتخذتها شعوب لا حصر لها لسانها، واصبح هواللسان الادبي من اواسط آسيا الى المحيط الاطلسي.

شبهة اخرى ذكر ابن سلام في طبقات فحول الشعراء يقول: «فجاء الاسلام وتشاغلت عن الشعر العرب وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهت [العرب]عن الشعر وروايته، فلما كثر الاسلام وجاءت الفتوح واطمانت العرب بالامصار، راجعوا رواية الشعر،فلم يؤولوا الى ديوان مدون ولا كتاب مكتوب، والفوا ذلك وقدهلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا اقل ذلك وذهب عليهم منه كثير».

بالطبع وقبل ان نناقش هذا الراي، علينا ان لا ننسى مكانة ابن سلام وعلميته ودقته في توثيق التاريخ الادبي، لكن الغريب في كلامه انه يبدا من مجي الاسلام وحتى ما بعد بعض الفتوح كفارس والروم، وهذا امر في غاية الغرابة بان يكون العرب قداعتزلوا ديدنهم في الشعر والبلاغة كل هذه الفترة. ولعل اخبارالشعر والشعراء في هذه الفترة خير دليل على عدم صحة هذاالمدعى، ومنها ما نقلناه في الهوامش 1 3، كما ان كتب التاريخ مليئة بالكثير من ذلك.

نعم، قد يكون البعض ممن بهرته بلاغة القرآن واعجازاته قدالتزم الصمت ازاء هذه المعجزة الجبارة. ولعل زبدة ما يريد ابن سلام قوله ان فترة ما بعد الفتوح كانت فترة ازدهار الشعر وروايته وتدوينه، وهذا امر طبيعي لمجتمع قضى فترة طويلة في نضال الفتوح، فيعود بعد كل ذلك العناء ليتفرغ اكثر لثروته الادبية، هذامن جهة.

ومن جهة اخرى احسب ان ابن سلام كان يركز على نقطة اكثر اهمية في خاتمة كلامه، وهي قلة ما وصل الينا بالرواية والتدوين، وكثرة ما ضاع منه قبل التدوين، وهو مما لا يختلف عليه اثنان. يقول الدكتور شوقي ضيف في هذا الصدد:

«ومضى كثيرون ينضمون في هذا العصر [مرحلة ما بعد الاسلام]لا مع الاحداث، بل مع انفسهم وقبائلهم مستضيئين الى حد كبيربالاسلام وهديه الكريم، فالشعر لم يتوقف ولم يتخلف في هذاالعصر، وهذا طبيعي، لان من عاشوا فيه كانوا يعيشون من قبله في الجاهلية، وكانوا قد انحلت عقدة لسانهم، وعبروا بالشعر عن عواطفهم ومشاعرهم، فلما اتم اللّه عليهم نعمة الاسلام ظلوايصطنعونه وينظمونه، واقرا في كتب الادب والتاريخ، مثل الاغاني والطبري وسيرة ابن هشام وكتب الصحابة، فستجد الشعريسيل على كل لسان، واقرا المفضليات والاصمعيات، فستجدالضبي والاصمعي يحتفظان في كتابيهما بغير مطولة للمخضرمين.. ومن يرجع الى كل هذه المصادر، يستقر في نفسه ان الشعر ظل مزدهرا في صدر الاسلام، وليس بصحيح انه توقف او ضعف، كما ظن ذلك ابن خلدون وتابعه فيه بعض المعاصرين »((259)).

اتجاهات الشعر في صدر الاسلام او الالتزام في الشعر يبقى الشاعر ابن بيئته، ويبقى الشعر تعبير صادق عن الافكاروالمشاعر التي تنسجم مع قائلها، وتتناسب مع تعاليم المجتمع الذي يعيش فيه.

وفي عصر صدر الاسلام نرى الشعراء قد هجروا الاغراض السابقة، والتي تتنافى وتعاليم الاسلام، كالهجاء المقذع، والفخرالكاذب، والغزل الفاحش.

فالشاعر الذي يتجاوز حدوده المرسومة له من قبل القانون كان يسجن، كما حصل مع ابن الحارث والحطيئة وغيرهما، كمابطل ايضا القول في الموضوعات المنافية لقوانين الاسلام،كشرب الخمر، ولعب الميسر، والاخذ بالثار، والنميمة، والتشبيب،والفجور، وحياة البطولة والصراع القبلي المقيت.

لقد ابطل الاسلام القول فيها، لانها توهي العلاقات بين افراد المجتمع، وتعمل على هدمه وتخريبه.

لذا، طلب الاسلام منهم الاقلاع عن تلك العادات والتقاليد،والاتجاه نحو الفضيلة وتنمية اغراض اخرى، فطلب من الشعراءان يوظفوا اشعارهم في مواضيع مختلفة نذكر منها:

1- الدعوة الى الاسلام الحنيف وشرح اهدافه وقيمه.

2- هجاء اعداء الاسلام في عصر النبوة.

3- هجاء المشركين والكافرين بعد عصر النبوة.

4- رثاء شهداء غزوات الرسول(ص) وشهداء الدعوة بشكل عام.

5- التفاخر بالنصر الاسلامي على الكفار، والفتوحات.

كل هذه خطوط رئيسة رسمها الاسلام في مطلع ولادته، كي يوضح للمجتمع بعض اركان الرسالة المساهمة في نشرهاوتدعيمها.

وصحيح ان الاسلام يرفض الكثير من عادات الجاهلية، الاانه تدرج في حذفها من المجتمع العربي، واقر جملة منها مراعيافي ذلك مواهب افراد المجتمع وطبائعهم.

وقد قيل في الالتزام: انه اتباع نهج معين في الادب، والوقوف الى جانب قضية ادبية، والانتقال من التاييد الداخلي الى التعبيرخارجيا عن هذا الموقف بكل ما ينتجه الاديب من آثار. ولا بدمن التفريق بين الالتزام الاختياري، والالتزام المفروض. وليس هناك من تعارض بين حرية الاديب والتزامه الحر((260)) .

فالنظريات الحديثة لا تحدد الالتزام بمدرسة ادبية، او منحى فني معين، انما الالتزام هو اختيار وتبني قضية بحرية تامة، وبدافع ذاتي، بعيدا عن الفروضات والقيود الجعلية من الخارج.

ومن هنا، نحن امام عملين متناقضين في صدر الدعوة.

حيث انقسم العرب بين مؤيد لها ومخالف.

اما الفئة التي اسلمت وانبرت للدفاع عن الدعوة، فقد تطوع شعراؤها للذود عن الاسلام، والادب الذي صدر عنهم نعده ادباملتزما بالاسلام.

والفئة الثانية عارضت الدعوة، وتمسكت بالكفر وقالت للنبي(ص):

(انا وجدنا آباءنا على اءمة وانا على آثارهم مهتدون)(الزخرف:

22)، وكان لهذه الفئة شعراؤها، فتركوا لنا اءدبا ملتزمابالكفر عرف (بادب المشركين).

الشعراء المخضرمون يمكن تحديد فترة المخضرمين اولئك الذين عاصرواالجاهلية وادركوا الاسلام بمدة تستغرق قرنا من الزمن موزعة بين الجاهلية والاسلام. بداية من زمن النعمان بن المنذر ابي قابوس (حكم سنة 585) ((261)) الى زمن معاوية بن ابي سفيان(41ه / 661م)، ذلك اذا اخذنا شاعرا من المخضرمين عرف بانه من المعمرين، وهو لبيد الذي عاصر النعمان ومعاوية.

ويصح ايضا ان نتخذ حسان بن ثابت معلما لتعيين عصر المخضرمين،فقد شارك في احداث الجاهلية مع ملوك آل غسان، وفي الاسلام مع رسول اللّه(ص) والخلفاء من بعده، حتى ادرك حكم معاوية.فان صح ما يقال من ان حسان عاش مئة وعشرين عاما، ستين في الجاهلية وستين في الاسلام، نكون قد حددنا على وجه التقريب عصر الشعراء المخضرمين، هذا من الناحية التاريخية.

اما على صعيد النتاج الادبي، فهو يبدا بقيام رسول اللّه(ص)بالدعوة الى الاسلام في مكة، وينتهي بانتهاء الخلافة الراشدة على عهد اميرالمومنين(ع)، وقيام الدولة الاموية سنة 41ه ،ومدة هذه الفترة ثلاث وخمسون سنة، منها اثنتا عشرة سنة قبل الهجرة.

ان اول ما يلاحظ في الشعراء المخضرمين انهم يحملون سمات عصرين مختلفين، لكل منهما مفهومه ومنظومته الفكرية.

وينطوي تحت عنوان المخضرم من كان مؤيدا للاسلام، ومن كان مخالفا له((262)) ، وهم كثيرون من الجانبين يصعب استقراؤهم في هذه العجالة. والذي يهمنا هنا، هو اعتبار الشعراءالمخضرمين ممن دخل في الاسلام كشاهد عيان على العصرين،ودليل على بقاء الشعر في مرحلة ما بعد الاسلام على ما كان عليه من قوة وعناية واهتمام ورقي بمستواه الادبي. وقد يصدق الامر ايضا على القسم الخر من المخضرمين، اعني ممن لم يدخل في الاسلام، فبالرغم من وجودهم لم يمنع الاسلام جميع الشعر ولم يعارضه، بل حارب الفاسد منه والمغرض دون ان يتعرض للادب بمعناه العام. وللاطلاع على شعر المخضرمين ناخذ نماذج لهم مع الاختصار:

1- حسان بن ثابت: وهو من بني مالك بن النجار، من سادة قومه واشرافهم. نشا شاعرا يتكسب بالشعر، ويتنقل بين بلاط جلق (دمشق) وبلاط الحيرة. كان حسان من فحول الشعراء، قال عنه ابن سلام: «حسان فحل من فحول الشعرا». وقد عاش في الاسلام شاعر الرسول والرسالة، اما بعد هذه الفترة وفي عصرالخلفاء الراشدين تحديدا، فلم ى لحظ له نشاط سياسي، ولماكان عهد عثمان عادت له العصبية الجاهلية، في بعض الاحيان،واصبح عثمانيا يمالئ بني امية على الامام على(ع)، ولما قتل عثمان اخذ حسان يشير الى بني هاشم عامة والى على(ع)خاصة:

يا ليت شعري، وليت الطير تخبرني ما كان شان على وابن عفانا لتسمعن وشيكا في ديارهم الله اكبر، يا ثارات عثمانا وقد تكون اشعاره المملوءة غيظا على قتلة عثمان من وضع الامويين، ليظهروا للناس ان شاعر الرسول نفسه كان في صفهم،وليغسلوا عنهم عار الاشعار التي نظمها حسان في هجاء اسرتهم،حين كان ابو سفيان وغيره يقودون الجيوش ضد الرسول. ومثلهاما يضاف اليه من اشعار في مديح الزبير بن العوام ((263)) وعندماقال الاصمعي: «حسان احد فحول الشعراء»، رد ابو حاتم: «تاتي له اشعار لينة» فقال الاصمعي:

«تنسب له اشياء لا تصح عنه ».

2- النابغة الجعدي: هو عبداللّه بن قيس بن عبداللّه بن جعدة بن كعب بن ربيعة، احد بني عامر بن صعصعة. ولد بالفل ج جنوبي نجد ((264)) روي انه ظل ثلاثين عاما في الجاهلية لا ينطق بالشعر، ثم عاد فتفجر على لسانه في الاسلام، ونبغ في قوله نبوغا كبيرا، والنابغة الجعدي اقدم من النابغة الذبياني الذي ادرك النعمان بن المنذر، بينما الجعدي ادرك المنذر بن محرق والدالنعمان. وما تميز به عن غيره من شعراء عصره، انه كان من الذين انكروا الخمر في الجاهلية، وهجروا الازلام.

اسلم النابغة الجعدي ووفد في قومه، لما اخذت وفود العرب تفد على الرسول(ص) معلنة اسلامها، وكان سيدا فيهم، وانشد الرسول قصيدة سنة (9ه) فاعجب به الرسول(ص)، يقول فيها:

بلغنا السماء مجدنا وجدودنا وانا لنبغي فوق ذلك مظهرا فقال الرسول: فاين المظهر يا ابا ليلى؟ فاجابه: الجنة. فقال له الرسول «لا يفضض اللّه فاك((265))» ولما كانت الفتوح خرج مع العرب ميمما نحو المشرق والفرس مجاهدا في سبيل اللّه. ثم شهد معركة صفين مع على(ع)، وكان في ذلك الحين يسكن الكوفة، وقد انخرط في صفوف على وارتجز الاشعار في مديحه وهجاء معاوية:

قد علم المصران والعراق ان الالى جاروك لا افاقوا قد علمت ذلكم الرفاق ان عليا فحلها العتاق لهم سياق ولكم سياق سقتم الى نهج الهدى وساقوا كانت وفاته في اصفهان سنة (65ه) في اواخر خلافة مروان بن الحكم او في مطلع خلافة عبدالملك بن مروان. وقد كف بصره وزادت سنه على المئة.

3- الحطيئة: هو جرول بن اوس بن مالك بن مخزوم، من بني عبس.

كان مغمور النسب، عاش متشردا بين القبائل لا يثبت على مبدا.

وقد اكثر الهجاء، حتى اصبح لهذا الضرب من الشعر ملكة خاصة فيه، لم يلبث ان استعملها اداة للتكسب والمعاش. وتوصل الى هجاء امه وزوجها معها، بل لم يتردد عن هجاء نفسه.

يروى انه اسلم عل الارجح في عهد النبى(ص) ، الا ان اسلامه لم يغير شيئا من اخلاقه. وسرعان ما ارتد وعزز الردة بالقول والفعل.

ازدهار الخطابة يعتبر هذا العصر ازهى عصور الخطابة والنثر عموما. وقد عني الاسلام بهذا الجانب ايما عناية، وابرز مصاديق ذلك تاكيده عليهاكل جمعة في الاسبوع كمقدمة للصلاة. وللخطب في صدرالاسلام ثلاثة انواع:

1- الخطب الدينية: وهي التي اعتمدت في الدعوة الى الاسلام، وشرح احكامه وعقائده على اساس الوعظ والارشاد،كخطب الجمع والعيدين، ومن هذا النوع كانت اكثر خطب النبى(ص).

2- الخطب السياسية: وهي التي اعتمدها الخلفاء والولاة في شرح امور السياسة، كخطب امير المؤمنين على(ع).

3- الخطب العسكرية: وهي التي قالها قادة الجيوش والامراءعند الزحف، كخطب الامام الحسين(ع)، ومن قبله خطب زعماءالفتوحات.

وقد اخذت ميادين الخطابة تتسع باتساع الفتوحات الاسلامية، وهي في كل انواعها تستمد مادتها من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.

الكتابة وتعلمها انه لحقا امر ملفت للانتباه ان تكون اول آيات القرآن تامربالقراءة والتعلم، وهو امر في غاية الدقة، ويحتاج في تفسيره الى بحوث ودراسات فاحصة. ولم يقف الامر عند هذا الحد، فالقرآن ملي بيات الحث على التعلم والكتابة، مع التركيز على اداة الكتابة الاساسية، وهي القلم (ن والقلم وما يسطرون) (القلم: 1).

فقد كانت الكتابة في اول العهد على الرق، قال تعالى: (والطور# وكتاب مسطور # في رق منشور) (الطور: 1 3).

وقد شدد الرسول(ص) على نشر الكتابة بين اصحابه،وتشجيعا لذلك نراه يجعل فداء بعض اسرى قريش، ممن حذقواالكتابة، تعليم عشرة من صبيان المدينة.

وبما ان الكتابة عنصر مهم في تسهيل المعاملات الاجتماعية،وعامل لا بد منه في ترقية الحياة الانسانية، لذا نجد القرآن قدحث على استخدامها في المعاملات، فقال: (يا ايها الذين آمنوا اذاتداينتم بدين الى اجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا ياءب كاتب ان يك تب كما علمه اللّه فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق اللّه ربه ولا يبخس منه شيئا ...) (البقرة:282).

ويروى ان كتاب القرآن قد بلغ عددهم ثلاثة واربعين كاتبا.

وفي عصر النبى(ص) كتب القرآن الكريم، وكتبت رسائل النبي الى القادة والامراء والملوك، وكتبت ايضا عهود الصلح بينه وبين قريش وغيرهم ممن دخل في ذمة الاسلام. علما ان ادب الرسائل والعهود وليد عصر الدعوة ايضا، ولا بد ان يفرد له بحث مستقل.

تطور الغزل تشير معظم الدراسات النقدية الى ان الغزل بمفهومه العام قدشهد تطورا ملحوظا في هذه الحقبة. وهذا امر واضح تقريبا،بالنظر الى كم شعراء هذا الاتجاه في مرحلة ما بعد الاسلام. ان التعرف الى شعراء هذه الفترة، وما كان من غزلهم، يضعنا امام دربين من دروب الغزل تلتقي فيهما الاسماء الكثيرة لهؤلاءالشعراء في طائفتين، مصدر التخالف بينهما لا يعود الى التخالف في الاسلوب او التمايز في التعبير او التباين في الصبغة الفنية، كماكان الشان في العصر الجاهلي، حين كان يلف الحياة لون واحد اوالوان متقاربة من النزوع او من الفكر.. وانما يعود قبل ذلك الى مدى التجاوب مع الحياة الجديدة بنزوعها وتفكيرها، باوامرهاونواهيها وبدعها الجديدة.

الفئة الاولى: الشعراء الذين اسلموا ولم تخلص نفوسهم للاسلام، وبقيت رواسب الجاهلية في اذهانهم عالقة. فاذاوصفناهم بمتخصصي هذا القسم من الشعر اعني الغزل آسنجدهم محافظين على نمط تغزلهم حتى على صعيد الخمرة،كما عند ابي محجن الثقفي.

الفئة الثانية: الشعراء الذين آمنوا وانقادوا للحياة الجديدة،والتزموا بمثلها وحدودها، كشعراء الرسول(ص).

ان نتاجات مرحلة ما بعد الاسلام في مجال الغزل في النسيب وغيره غزيرة ذات اقسام وفروع عديدة، يمكن دراستهابلحاظ ظروفها وبيئة شعرائها من بادية او حضر وغير ذلك من الاقسام والحيثيات، فقد يصلنا شعر غزلي عف هادئ، كماقد يردنا غزل ماجن جري ((266)) وقد يتفاجا الباحث وهو في صدد دراسة تطور الغزل في صدر الاسلام، عندما يكتشف ان بعض النظريات النقدية في الغزل الجاهلي تقول: بان الشاعر الجاهلي كان يتغزل في اول قصائده، وهو ما يصطلح عليه بالمقدمة الشعرية للقصيدة الجاهلية ((267)) ولكنه ينصرف بعد عن هذا الفرض (الغزل)، ذاماله في بعض الاحيان معترفا ان ذلك لم يكن الا نزوة من نزوات الشباب والصبا، فانت عندما تطالع مقدمة معلقة امرئ القيس مثلا تجدها مليئة بالغزل، حتى انه يصل الى مرحلة التعهر في الشعر، لكنك تستلهم ان غرض شاعر القصيدة ليس ماهو عليه في المقدمة، انما الذي يؤرقه هو ذهاب دولة كنده((268)) والثار لحجر والد الشاعر، فتراه يتخلى عن عهد الصباوالقيان فيقول:

وقد اغتدي والطير في وكناتها بمنجرد قيد الاوابدهيكل ((269)) في الحقيقة ان مسالة تطور الغزل في العصرالاسلامي تبقى بحاجة الى دراسات مكثفة، تستقرئ نصوص الشعر الغزلي من بداياته عند امرئ القيس، وحتى عهد عمر بن ابي ربيعة شاعر الغزل الاول، وما كان لشعره من اثر وتاسيس في الادب العربي.

فلقد حققت قريش معه ما كانت تفتقده من نشاط فني...((270)) وليس هذا التحول الا ثمرة التلوين الجديد الذي خالط حياة الحجاز بوجه عام، وحياة قريش بوجه خاص.

تطور ادب السياسة ليس من السهل الفصل بين الدين والسياسة، والادب السياسي فرع للنتاج الادبي الديني. اذن، فلا يمكن ايضا الفصل بين الادب الديني والادب السياسي، لا سيما في مرحلة مهمة بهذاالمستوى من الدعوة الاسلامية، وان حافظ الشعر السياسي وتطور اكثر في سائر فترات صدر الاسلام.

وقد توارثت الشعوب والامم منذ الازمنة القديمة تراثهاالادبي الذي يجمع بين الدين والسياسة، فمثلا الشعر الهندي منذآلاف السنين قد احتفط لنا بملحمتين كبيرتين، هما ملحمة(الرامايانا)، وملحمة (المهابهاراتا)، كما ان للاغريق والفرس والروم تراثا ادبيا لا يخرج عن اطار الابتهال الى اللهة او المعبودالذي يذعنون اليه.

 

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية