(39) وقال على بن ابي طالب(ع) قولا احسن من هذا،
قال:«تمام جمال المراة في خفها، وتمام جمال الرجل في
كمته»ابو بكر وعمر وعثمان ومعاوية((435))
(40) عبدالرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن ابي هاشم القاسم
بن كثير، عن قيس الخارفي انه سمع عليا يقول: «سبق رسول
الله ( وصلى ابو بكر، وثلث عمر، وخبطتنا فتنة فما شاءالله».
ليس في الحديث اكثر من هذا ((436))
(41) خالد بن يزيد الطائى، قال: كتب معاوية الى عدى
بن حاتم: (حاجيتك ما لا ينسى) يعني قتل عثمان. فذهب
عدى بالكتاب الى على فقال: «ان المراة لا تنسى قاتل بكرها، ولا
اباعذرها». فكتب اليه عدى: (ان ذلك مني كليلة شيباء)
((437))
(42) بكر بن الاسود قال: قال الحسن بن علي لحبيب
بن مسلمة: «رب مسير لك في غير طاعة الله». فقال: اما
مسيري الابيك فلا. قال: «بلى، ولكنك اطعت معاوية على دنيا
قليلة،فلعمري لئن قام بك في دنياك، لقد قعد بل في دينك.
ولو انك اذفعلت شرا قلت خيرا كنت كما قال الله تبارك
وتعالى: (خلطواعملا صالحا وآخر سيئا(، ولكنك كما قال جل
وعز: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون)» ((438))
(43) حدثني سليمان بن احمد الخرشني، قال:
حدثني عبدالله بن محمد ابن حبيب، قال: طلب زيادرجلا
كان في الامان الذي ساله الحسن بن علي لاصحابه، فكتب فيه
الحسن الى زياد: «من الحسن بن علي الى زياد. اما بعد، فقد
علمت ما كنااخذنا لاصحابنا، وقد ذكر لي فلان انك عرضت
له، فاحب ان لا تعرض له الا بخير». فلما اتاه الكتاب ولم ينسبه
الحسن الى ابي سفيان غضب فكتب: (من زياد بن ابي سفيان
الى الحسن. امابعد، فقد اتاني كتابك في فاسق يؤويه الفساق
من شيعتك وشيعة ابيك، وايم الله لاطلبنهم ولو بين جلدك
ولحمك، وان احب الناس الى لحما ان آكله للحم انت منه).
فلما وصل الكتاب الى الحسن وجه به الى معاوية، فلما قرا
معاوية غضب وكتب: (من معاوية بن ابي سفيان الى زياد بن ابي
سفيان. اما رايك من ابي سفيان فحلم وحزم، واما رايك من
سمية فكما يكون راي مثلها.وقد كتب الى الحسن بن على
ممن لا يرمي به الرجوان. والعجب من كتابك اليه لا تنسبه الى
ابيه، افالى امه وكلته، وهو ابن فاطمة بنت محمد رسول الله
(؟ فالن حين اخترت له. والسلام)((439))
(44) وقال على في رواية الشعبي: «حملت اليكم درة
عمرلاضربكم بها لتنتهوا فابيتم، حتى اتخذت الخيزرانة فلم
تنتهوا.وقد ارى الذي تريدون: السيف. واني لا اصلحكم
بفسادي»قضايا عامة((440))
(45) قال ابو عبيدة: حدثنا مسمع بن عبدالملك، عن ابي جعفر
محمد بن علي بن الحسين، عن آبائه قال: «اول من فتق لسانه
بالعربية المبينة اسماعيل، وهو ابن اربع عشرة سنة((441))
(46) وقيل لعلى بن ابي طالب(ع): كم بين الارض»
والسماء؟ قال: «دعوة مستجابة». قالوا: كم بين المشرق الى المغرب؟ قال: «مسيرة يوم
للشمس، ومن قال غير هذا فقد كذب»((442))
(47) على بن ابي طالب(ع): «راي الشيخ احب الينا من
جلدالشاب» ((443))
ولذلك كرهوا ركوب الصعب حتى يذل، والمهر الارن الا
بعدرياضة. ولم يحولوا المعانيق هماليج الا بعد طول التخليع،
ولم يحلبوا الزبون الا بعد الابساس.
(48) قال الحسن: «لسان العاقل من وراء قلبه، فاذا اراد
الكلام تفكر، فان كان له قال، وان كان عليه سكت. وقلب
الجاهل من وراء لسانه، فان هم بالكلام تكلم به له او عليه»
((444))
(49) وقالوا: وكان على(ع) بالكوفة قد منع الناس من
القعودعلى ظهر الطريق، فكلموه في ذلك فقال: «ادعكم على
شريطة».قالوا: وما هي يا امير المؤمنين؟ قال: «غض الابصار،
ورد السلام،وارشاد الضال». قالوا: قد قبلنا. فتركهم ((445))
وبعد كل هذا، نلحظ ان الجاحظ كان يرى لعلى بن
ابي طالب(ع) مكانة علمية خاصة، فهو يختار مئة كلمة من
كلامه،ويحتفظ بها بل يعتز بها اعتزازا، وكانه يريد ان يكتم ولاءه
للامام على(ع)، ونراه مرة اخرى يقدم للقراء رسالة احتجاجية،
لكي يبرهن عن طريق الكتاب والسنة، بعد ان يجعل للعقل
والمنطق مكانتهما، ويتساءل: من هو الخليفة لرسول الله (ص)
حقا،فيسترسل ويتدرج في الادلة حتى ينتهي بهذه النتيجة،
وهي ان الخلافة لا تليق الا به) . ولخطب الامام على واقواله
مكانة خاصة لدى الجاحظ. بعد هذا وذاك، هل كان الجاحظ يعتقد حقا ان الامام عليا (ع)اولى بالامر من غيره؟ ام انه يعتقد كما كان يعتقد به ابن ابي الحديد، شارح كتاب (نهج البلاغة) للامام على(ع)، عندما يقول في مقدمة هذا الشرح: الحمد لله الذي قدم المفضول على الفاضل؟ الله العالم، وهو الموفق للسداد.
ظاهرة الانتظار في الديانات السماوية والوضعية مقتربات مفاهيمية
د. محمد حسين حبيب
المقدمة
ينطلق البحث في دراسته لظاهرة الانتظار، بوصفها
ظاهرة انسانية لها جذرها التاريخي الضارب في القدم،
والمرتبط بالمعتقدات الانسانية كافة، الى جانب ارتباط الظاهرة
نفسهابالدراسات التي تبحث في مصير الانسانية ومستقبلها
المنتظر،ويرتبط هذا المستقبل ايضا بالدراسات الزمنية
وتحديدا المهتمة بكل ما هو آت ومستقبلي ينتظره الكثيرون.
ان الحديث عن القادم والمجهول والمنتظر، من
الموضوعات المحببة لدى الانسان، لان مثل هذا الحديث يكون
دائما محفوفابالغرابة والتساؤلات الكثيرة، وفي احيان كثيرة
يصحبه القلق والخوف، الى جانب التودد لهذا المجهول
والتعجل في معرفته والوصول اليه، مما حدا الى ظهور العديد
من الدراسات المعنية في مستقبل الانسان الذي هو جزء من
مستقبل البشرية جمعاء،زيادة على ان الحديث عن المستقبل
المنتظر حديث يشمل الانسان في كل زمان ومكان وليس فردا
او مجتمعا بعينه.
واذا ما اردنا ان نتوسع قليلا، في الاشارة الى بعض من
هذه الدراسات التي اهتمت بمستقبل الانسان المنتظر لا نجد
كتبابعينها فقط، وانما نجد سلسلة من دراسات
وابحاث متصلة((446)) مستمرة لا زالت الى الن تبحث في
هذاالمجال.
ان الانتظار ظاهرة لها مديات معرفية تشمل وتشترك
مع معرفيات دينية وفلسفية ونفسية وادبية فنية وغيرها، لا
يمكن لهاان تتوقف معرفيا، طالما بقي الانتظار قائما، فهو
يعطيها مسوغات استمراريتها في البحث والتنقيب بفاعلية
واستمرار.
وتجدر الاشارة الى ان هذا البحث والتنقيب من لدن الباحث المتخصص الذي يبحث في
انتظار هذا المستقبل، الى جانب بحثه «عن التغيرات التي ينتظر ان تطرا على الانسان
وحياته وتركيبه ووظائفه.. او على المجتمع ونظمه وعلاقات الافراد الذين يعيشون فيه
ويؤلفونه، يحتاج الى كثير من الشعور بالمسؤولية وحسن التقدير والاتزان حتى لا يحلق
به الخيال الى آفاق بعيدة تجعل دراسته اقرب الى الروايات الخيالية»((447))
بعيدة عن الموضوعية وعن مرجعيات معرفية راسخة.
في ضوء ما تقدم، يسال الباحث: هل يمكن تصور حياة انسان
بدون مستقبل.. وانتظار هذا المستقبل؟
لهذه الاسباب وغيرها، تاسست اهمية هذا البحث في
مرحلة اولى لتنتقل الى مرحلة ثانية تتجسد في هيمنة ظاهرة
الانتظارعلى الكثير من الدراسات الدينية والفلسفية والنفسية
الى جانب الكثير من النتاجات الادبية والفنية.
اولا الانتظار في العصور القديمة
يمتلك الدين ومنذ العصور الاولى لتاريخ البشرية
تاثيره الباطني في الانسان، بل ان المسار الحياتي لهذا الانسان
بتعددية اتجاهاته الفكرية والاخلاقية الى جانب علاقاته
الاجتماعية،يقف وراءه الدين بمحرماته ومسموحاته كافة،
حرامه وحلاله،فضلا عن ذلك له قابلية الغور عميقا بهدف
الكشف عن محددات طبيعة حياتية معينة ورسم مقتضياتها
البيئية وخلفياتها الثقافية،بل يصل الامر بالدين ان يسهم في
تحديد التوجهات السياسية للانسان ورسم ابعاد حياته الحاضرة
والمستقبلية الخاصة منهاوالعامة.
على الرغم من ان الدين بدا عبارة عن طقوس كان
الانسان القديم يمارسها، الا ان هذه الطقوس الدينية كانت
مرتبطة بفكرة التعبد، هذه الفكرة التي تعد صفة فطرية خلق
الانسان عليها، ولقداشار القرآن الكريم في آيات عديدة الى
فطرة التعبد مثل قوله تعالى: (فاقم وجهك للدين حنيفا فطرة
اللّه التي فطر الناس عليهالا تبديل لخلق اللّه ذلك الدين القيم
ولكن اكثر الناس لا يعلمون((الروم: 30).
ان المتتبع للاطوار الاولى التي مرت بها المجتمعات
القديمة يعرف ان «فكرة التعبد من الغرائز البشرية التي فطر
عليها الانسان منذ نشاته الاولى..»((448)). ومن الصعوبة بمكان دراسة تاريخ
مجتمع ما دون التوقف اولا عند عباداته الدينية وطقوسها، لاننا«قد نرى في السابق، او
الحاضر، مجتمعات انسانية لاحظ لها من علم او فن او فلسفة، ولكنا لا نعرف مجتمعا لا
دين له»((449)) .
ولم يتوقف الامر على دين واحد تتفق عليه البشرية منذنشاتها،
بل تعددت الديانات بين الشعوب، واصبحت هذه التعددية
الدينية من العلامات البارزة لتاريخ المجتمعات كافة،ومن
ظواهرها المؤثرة في طبيعة حياة هذه الشعوب المختلفة
من حيث العادات والسلوك والمعتقدات، بل نجد الاختلاف
حتى في مستويات الايمان وتقبل هذه العبادة او تلك. فضلا عن
ذلك،يتلمس المتتبع التساؤلات الاولى التي قادت الى
محاولات الكشف والتمحيص المرافقة للكثير من التاملات
الكونية والوجودية على اختلاف اتجاهاتها المتناقضة، والتي
اسهم الفكرالانساني بعد ذلك في ابرازها عبر مراحل وعصور
تاريخية متعاقبة بدات من عصور السلالات القديمة حتى وقتنا
الحاضر. وفي هذا الصدد يرى فراس السواح((450)): «ان الدين والفكرالديني ليس مرحلة منقضية من تاريخ الفكر الانساني، بل هوسمة متاصلة في هذا الفكر، واذا كانت هذه السمة قد اعلنت عن نفسها زمنيا قبل غيرها، فكان الدين مصدرا بدئيا للثقافة الانسانية، فان كل المؤشرات تدل على انه ما زال حيا ومؤثرابطريقة لا يمكن تجاهلها» وسيبقى ك((451))ذلك طالما انه اكتسب هذه السلطة والهيمنة الروحية على عقل وذات الانسان وعلى البنى التحتية والفوقية لحياته قاطبة.
وطالما ان البداية «تعني النقطة الزمنية التي تؤشر على
منحى المسار المادي لكينونة الفعل المتحقق سلوكيا، والمنتج
للشي اوالموضوع او الحدث»
((452)) فان البحث يبدا من تلك
(النقطة الزمنية) التي اشرت ذلك المسار المادي للحياة
الانسانية منذعصورها الاولى (العصور البدائية) كما يطلق
عليها في العادة((453)) ، فكلمة (بدائي) مثلا يشير لها
(برتشارد): «للدلالة على شعوب تعيش في مجتمع مصغر وثقافة مادية بسيطة جدا
تفتقدالكتابة»((454)) ، فالمرحلة
البدائية وعلى وفق هذا المضمون، هي مرحلة ما قبل اكتشاف
الكتابة، في حين ان آخرين من الاناسيين((455))يشيرون الى
(الوعي) قبل الكتابة، مثل: (ليفي شتراوس)
الذي يصف
(البدائية) بمرحلة (ما قبل الوعي) او (المجتمعات البرية)
((456))
لقد مر (الدين) بمرحلته الطقوسية الاولى تلك التي
سبقت مرحلة الاديان السماوية، كان الانسان قد مارس خلالها
عبادة ماحوله في الطبيعة، مكوناتها وقواها، فمثلا ميل الانسان
الى عبادة الظواهر الطبيعية المحيطة كالبرق والرعد والصواعق
وما صاحب هذه العبادة من عامل الخوف منها بلا شك، الامر
الذي قاده بالتالي الى تكوين فكرة الدين بصورتها التعبدية
الاولى. كذلك كان لتعاقب الليل والنهار، وما اسهمت هذه
التعاقبية في تحريك الانتظار اليومي لدى الانسان القديم
«فنراه جعل لليل الها وللنهارالها.. اله النهار هو المنقذ له من اله
الليل بوصف الاخير، الشرالعظيم..» ((457))
ومما ساعد في تعزيز هذا النوع من العبادات هو احتكاك الانسان
المباشر بما حوله بمثل هذه الظواهر واعتقاده انها هي التي
تتحكم به وبمتطلبات معيشته، مما جعل هذا (الاعتقاد
حسحخدحچ ) البسيط يسهم في تحقيق غاية دينية مفادها
تكريس الحياة وتنشيط ارادة العيش والعمل فيها، انطلاقا من
ان الدين من شانه توفير الراحة والطمانينة والثقة، الى جانب
اسهامه في تلاحم المجتمع واستمراريته، وهنا تكمن قيمته.
وعلى الرغم من الدور البارز الذي يمكن ان يؤديه الدين
في النمو الحضاري والثقافي لدى شعوب العالم قاطبة، الا ان
هناك من كان يقف ضده، معلنا موقفه المعارض للدين
ولفعله الحضاري والثقافي، بل منهم ممن يعنون بدراسة
الانسان والمجتمعات القديمة مثلا من هؤلاء الانثروبولوجيين
نذكر:تيلور، وفريزر، ودركهايهم، وليفي برويل، وفرويد،
وسبنسرآقصدوا في اغلب الظن الى السخرية والتصغير من
قيمة الديانات والمعتقدات القديمة، حيث «..كانوا لا ادريين او
ملحدين. فلم يكن للديانة البدائية (القديمة) في نظرهم قيمة
مختلفة عن قيمة المعتقدات الدينية الاخرى.. كانت وهما من
الاوهام... كانوايرون ان كل معتقد ديني امر سخيف.. ((458))»
بينما نجد لدى غيرهم رايا آخر، فمثلا يقول (مونتسكيو): «انه
حتى لو سلمنا بان الدين مبنى على اكذوبة، فمن الممكن ان
تكون له وظيفة مجتمعية مفيدة كل الفائدة((459))» هذا الى
جانب ما اشاعه عددمن الاناسيين عن عدم اهمية الدين، وما
الدين الا من اختراع البشر انفسهم، وان العلم والدين متضادان،
وزوال الدين قريب ولكن مسالة وقت.. ((460))
يقول ماكس مولر ((461))(1822 1900) في كتابه
(نشاة الدين ونموه): «الدين هو محاولة تصور ما لا يمكن
تصوره،والتعبير عما لا يمكن التعبير عنه، هو التطلع الى
اللانهائي هوحب اللّه» ((462)) عبر هذا المفهوم، تكون جل
التصورات القديمة على وفق المفهوم الغيبي، المرتبط بالقوى
الغيبية المحيطة بالمجتمعات القديمة، تلك القوى الخفية
التي يلتجئ اليها الانسان دوما في تفسيره لبعض الحوادث التي
تصادفه.
كما يمكن الاشارة ايضا، الى ان هذه التصورات كانت
جماعية الطابع، ولا اختلاف عليها.
ان الايمان الغيبي يحيط بالانسان القديم من كل جانب،
فكان يرجع سبب الموت مثلا، الى فعل قوة غيبية، ما عدا
موت المقاتل، او انه اي الموت يحدث بسبب افعال
شيطانية مسحورة، كذلك ان الحادث العارض لديهم يكون
نتيجة سحرشديد او تاثير فوق طبيعي. زيادة على ان سبب
المرض الذي يصيب احدهم، انما يرجع الى بلورة سحرية دخلت
جسم المريض ويجب اخراجها عن طريق المص ((463))
ان هذه القوى الغيبية لا تمارس سلطتها على الواقع
اليومي للانسان القديم فحسب، وانما تتدخل في رسم الاحداث
القابلة لهذا الانسان، وتجعله يعيش انتظارا محفوفا بالترقب
واللهفة،فيؤكد (بريل) ان «هناك مظاهر اخرى اكثر مباشرة
واكثر اطرادا،وبوساطتها تخبر هذه القوى بما سيقع للاحياء،
وكانها تتخذهاوسيلة لانذار الفرد او المجموعة بما سيحدث،
ومن هذه الظواهرالاحلام والفؤول سواء اكانت ميمونة ام
مشؤومة» ((464))
فالانتظار ارتبط والحال هذه، بالاحلام والفؤول، لان
الانسان القديم كان يعتقد ان الاحلام هي الوسيلة التي تضعه
في علاقة مباشرة مع القوى الغيبية، وهنا يكون فعل الانتظار
الجماعي بمعناه العام والاولي، قد بدا يضع اولى خطواته في
الفكر الانساني القديم، ويتعمق هذا المعنى اذا عرفنا ان من
طبائع هذه القوى انهالا ترى ولا تدرك بالحواس، بل يخضع لها
الانسان منتظرا ماستؤول اليه حياته نتيجة تحكم هذه القوى
به وبمستقبله.
وتزداد اهمية هذا الانتظار الجماعي اذا عرفنا انه يرتبط
دائمابمنفعة حياتية قابلة للتحقق، فانتظار زمن سعيد قادم
مثلا، حيث الامطار الوفيرة والزراعة الدائمة وقلة الحوادث
العارضة اوعدمها، الى جانب طرد الارواح الشريرة وعدمها هي
الاخرى،اي كل ما يمت بصلة باسباب الحياة السعيدة، الاسباب
المادية،لان الزمن عند الانسان القديم، وحسب بريل، غير ذي
اهمية، فلاماضي ولا حاضر ولا مستقبل، فقط هناك زمن سعيد
وزمن منحوس وفي كلا الزمنين علاقة بالقوى الخفية ((465))
اما اذا لم يتحقق ما كان منتظرا، فيكون السحر هو السبب
ولاشي غيره، اي وجود قوى غير مرئية كالارواح الشريرة
مثلا،كذلك كان للفؤول اثرها في الاعلان عما سيحدث
مستقبلا.
في ضوء ما تقدم، يرى الباحث، ان الانتظار لدى انسان
العصورالقديمة يميل الى الصفة الجماعية في الانتظار، على
وفق الحاجة الحياتية الجماعية هي الاخرى، بهدف مسيرة
الحياة على الوجه المطلوب، وبتوفير مستويات افضل واحسن
لطبيعة الحياة. زيادة على ان هذا الانتظار الجماعي لديهم قائم
على الفؤول والسحروالاعتقاد بالقوى الخفية المتحكمة
بامورهم الحياتية.
لقد اتسمت العقلية القديمة بطابع الاتفاق الجماعي حول
جل التصورات والمعتقدات العبادية الدينية الاولى، تلك
المعتقدات المرتبطة بالمرحلة الفطرية او الغريزية التي مر بها
المجتمع البشري، حيث الانقياد التام للحاجات الغريزية
الحيوانية في كل ما يمت بصلة لمتطلبات المعيشة ومسيرتها.
ولم تحدث حينها اية تاملات عقلية لما يدور وسط البيئة
وتقلباتها، بكلام آخر، وجودالعلة بلا معلول، ولم يحن الوقت
للبحث عن الاسباب، لان الانسان القديم كان في «عصره
الفطري فاقدا للاختلاف في المصالح والاختلاف في العقيدة..
لعدم وجود المستوى الذهني الكافي لفهم ذلك.. او اذا كان
عندهم عقيدة بسيطة فليس لهم المستوى الكافي لفلسفتها
ومناقشتها، فهم جميعا يتسالمون على صحتها... وبمجرد ان
وجد المستوى الكافي للتفكير، وجد النزاع بينهم بطبيعة
الحال،.. اي ان الاختلاف وجد بعد انتهاء عصرالقصور الذهني»
((466))
ومع وجود هذا الاختلاف، بدات التعددية في المعتقدات،
التي ادت بالتالي الى تعددية الديانات.
ان الانسان بامتلاكه الخصائص التي تميزه عن الحيوان،استطاع
الانتقال من المرحلة القديمة الى مرحلة اخرى من الوعي.
ويمكن حصر هذه الخصائص في قوة الذاكرة، وتنوع اصواته
الناطقة، ولا وجود للتحديد الغرائزي (كالسبات في الفصول)
او الاستطاعة الجنسية، وقوة العاطفة، والحركات الجسمية،
وقابلية الافادة من التجارب السابقة ((467))
كل هذه الخصائص، اهلت الكائن البشري للانتقال من
مرحلة الى اخرى بهدف تكوين المجتمعات الواعية المفكرة.
وقد اثرت التجربة الانسانية في هذا الانتقال حيث الافادة من
الماضي والحالي وصولا لتكوين العصر القادم عبر تعاقبات
تاريخية مختلفة الى جانب المعتقدات والاديان المختلفة هي
الاخرى. لقدبدات تظهر لنا شيئا فشيئا المكونات الاساسية
للدين وهي:
المعتقد، والطقس، والاسطورة ((468)) وبفرز المعتقد بوصفه
شاناجمعيا بالضرورة تبنته اجيال متعاقبة ومتلاحقة منذ
العصورالقديمة الى ما بعدها، وفي هذا يرى (برتشارد) ان اكثر
الشعوب البدائية تؤمن بان للمخلوقات والاشياء نفسا كنفسهم،
وان فكرة الاله موجودة عند اغلظ البدائيين الذين يتعاطون
القنص واللقاط.. وان الديانة البدائية كانت مسالة عقلانية، وانها
نجمت عن معاينات حسية، وانها تشكل بداية لفلسفة الطبيعة
((469))
وكثير من الباحثين الذين يدرسون نشاة الاديان وعلومها
يرون ان التوحيد هو منشا الاديان، وما حدث من انحرافات
دينية عن هذا المبدا طارئ على جوهر الدين، «ولا عجب اذا في
ان تنتشربعد ذلك مذاهب بعيدة عن التوحيد، وان تكون العودة
اليه هي دائما عودة الى الفطرة الاولى» ((470))او عودة الى
مرحلة الغريزة التي اعتقدت بالغيبيات لكن بطريقة بسيطة
وليست محتكمة الى العقل والتفسير، بل اكتفت بما هو معلن
ومتفق عليه.
اما ما يتعلق بالمكونين الخرين للدين: الطقس
والاسطورة،فهما ليسا نتاجا لملكة خرافية، «بل ان قيمتيهما
الرئيسية هي حفظهما حتى عصرنا هذا وعبر اشكال مترسبة
على انماط من التفكير والمعاينة كانت ولم تزل صالحة لنوع
معين من الاكتشافات التي سمحت بها الطبيعة انطلاقا من
تنظيم العالم المحسوس واستثماره التفكيري بصيغ
المحسوس نفسه» ((471))وبهذا يمكن وعبر هذه الطقوس
والاساطير الامساك باكتشافات المعتقدات الدينية وانماط
تفكيرها بهدف الامساك بمكونات الدين الاساسية.
تجدر الاشارة الى ان غالبية من درسوا الديانات القديمة وقارنوا
فيما بينها وجدوا ما سمي ب(ديانات الخلاص)، حيث كان
الانسان القديم يبحث عن (خلاصه) دائما، وفي واحدة من هذه
المحطات المهمة نشير الى (الموت) بوصفه محطة
خلاص اخيرة، ومرجعه الدائم الى فعل قوة غيبية سار الجميع
على الاعتقاد بها.
فالانسان النياندرتالي مثلا قبل ظهور الانسان العاقل
«كان يدفن موتاه وفق طقوس خاصة ويضع في قبورهم بعض
الطعام والشراب، مما يدل على اعتقاده بان الموت ليس الا
معبر من حالة الى حالة ومن عالم الى عالم. كما تقدم لنا
حفريات العصورالقديمة بينات كثيرة على طقس واعتقاد
مماثل..» ((472)) الى جانب فكرة خلود الروح التي كان الانسان
ماخوذا بها، حيث الخلاص من عالم المادة الى عالم ذي طبيعة
مغايرة.
مما تقدم، نفهم ان الانسان القديم كان يعيش حالة
انتظاردائمة للموت.. للخلاص.. لحياة ثانية جديدة، وحالة
الانتظارهذه لا يتحكم بها احد سوى مرجعية الموت الغيبية،
والتي تسمى في العادة، القدر، الامر الذي يقودنا لتسمية هذه
الحالة ب (الانتظارالقدري)، الذي يميل هنا الى صفة فردية
الطابع، على عكس(الانتظار الجماعي)، لان الموت ينتظره
الافراد كل حسب ظروفه وقدره، بينما لا يحدث الموت جماعيا
الا في حالات نادرة واستثنائية كالحروب والكوارث الطبيعية
والامراض المعدية وماشاكل ذلك.
وبنظرة سريعة الى مختلف العصور التاريخية نجد
الظاهرة الانتظارية قابعة وراء معتقد الخلاص كثيرا، بوصف هذا
المعتقدهو السائد في مثل هذه الفترات التاريخية. فنجد لدى
البابليين مثلا، سيادة هذا المعتقد بين ثنايا الانتظار القدري
لفكرة الموت في «ديانات الخصب التي تقوم اساسا على فكرة
موت الطبيعة وبعثها المتكرر، الذي هو انعكاس لموت الاله
وانبعاثه من جديد((473))» كالذي يحدث في اسطورة هبوط
عشتار الى العالم السفلي، وبعثها اي عشتار ديموزي
من جديد ليجدد الحياة سنويا.
كذلك راى البابليون في انبثاق القمر وتجدده الشهري في حالة
جديدة دائمة انه يهب الانسان القديم املا غامضا في السيرعلى
منواله والبعث بعد الهبوط الى باطن الارض.
وعلى الرغم من انه في «التصورات السومرية والبابلية
كانت غامضة لديهم فكرة الخلود والعالم الخر حتى ظهور
المسيح الذي حرر الموتى وفتح امام البشرية بوابة السماء»
الا ان معتقد الخلاص كان مرسخا ومركزا لطقس ((474))
ديانات عديدة، مثل(ديانات الاسرار) التي شاعت في الشرق
القديم والعالم اليوناني والروماني في القرون القليلة السابقة
لميلاد المسيح، وكما يسميهاالسواح (معتقدات الخلاص
والنشور الى عالم آخر).
فالجميع كان يسكنهم الانتظار على وفق منظومة
حياتية قدرية ووفق طقوس خاصة ومتعددة، ففي الوقت الذي
كان يحتفل فيه اتباع ديانات الخصب ببعث روح الخصوبة
لتدفع عنهم جوع عام آخر، كان اتباع ديانات الخلاص يحتفلون
ببعث المخلص الذي يفتح لهم بوابة الابدية.
اما في الشرق الادنى القديم، فنجد الديانة الاوزيرية
المصرية بوصفها اوضح مثال على معتقدات الخلاص
الشرقية،فاوزوريس يعده المصريون الاله المخلص الذي يحكم
العالم الاسفل، الى جانب كونهم يعيشون حالة انتظار دائمة
بحكم ارتباطهم معيشيا بنهر النيل الذي يعود دائما بعد امحال
ليؤوب ومعه الخيرات والبركات بعد جوع وعطش شديدين.
فضلا عن ذلك، هناك التقلبات المناخية التي الزمت
الفلاح المصري في ان يكون في حالة انتظار مستمرة «فنظرة
واحدة الى انتظار الفلاح المصري لفيضانات النيل وتوقعه
وترقبه لاخطارالفيضان الجامح او الضعيف نعرف من خلالها
كيف آمن هذا العقل بالانتظار، فهو يعيش تحت رحمة النيل
ونزواته»، ولذا لا بد ان يكون دائم التوقع والترقب، فحياته وحياة
من حوله مرهونة بالقادم خيرا كان او شرا. آمن المصري القديم بالبعث والخلود، وان الفكر المصري القديم وجد «ان في مقدور الانسان ايضا ان يعود الى الحياة بعدموته، وكان بقاء اجسام الموتى بصورة تسترعي النظر في ارض مصر الجافة مما ساعد على تثبيت هذه العقيدة التي ظلت مسيطرة الى ان انتقلت منهم الى الدين المسيحي» ((475)) وقد هيمنت فكرة الخلاص ايضا على العقل المصري القديم،لان ايمان العقل المصري بالخرة جعله يؤمن كل الايمان بانتظارهذه الحياة التي سوف يحياها بعد محاسبته، لقد كان همه في حياته الدنيوية هو الاستعداد لحياته الخالدة التي سوف يحياهافي الخرة. وهذا يؤكد لنا معرفة المصري القديم بالبعث والثواب والعقاب في الخرة.. انه ينتظر الخرة، «ولعل المصريين هم اول من اعتقد بحياة اخرى فيها الثواب والعقاب بعد الموت» ((476)) واذا انتقلنا الى اليونانيين والرومانيين فسنجد ان ديانات الخلاص كانت شائعة لديهم ايضا، فما بين عامي (200ق.م آ200م) وجد عدد من هذه الديانات، نذكر منها ((477))
1. ديانة ميتر المخلص الشمسي الذي غزا الامبراطورالروماني
قادما من فارس.
2. الديانة الاورفية التي نشات في قلب ديانة
الخصب الديونيسية، ثم استقلت عنها وحولت الهها ديونيسوس
اله الخصب والكرامة والخمر الى اله مخلص.
3. ديانة الالهة سيبيل وابنها آتيس، ثالث اكبر ديانات الخصب
في العالم اليوناني والروماني. وفي هذه الديانة ايضانشات
حلقات سرية لمعتقد الخلاص... ويذكر ان اله الخصب(آتيس)
قد تحول في معتقدهم الى اله مخلص...
زيادة على وجود معتقد ديني هو (الهرمسية حذژخژحذزحب) نسبة الى «هرمس ژحذزحب وهو اله اغريقي متعدد الوظائف
والمجال والاختصاصات، ويرمز الى المعرفة الكلية والتاويل
الشامل،ورسول الحكمة الى الناس، انه ايضا رمز الكلمة التي
تنفذ الى اعماق الوعي((478))»
ولدى العرب القدماء، الكثير من المفاهيم الدينية المنطلقة
من فكرة (التوحيد) نفسها، ذات المنشا الواحد للاديان كافة،
على الرغم من التعددية المتعاقبة للاديان ومرورها باطوار من
التاثرالمتواصل، لذا كان من البديهي اخذ العرب القدماء مثلا
«عن الشعوب السامية المجاورة وغير المجاورة من اليونانيين
وتسرب انماط من التفكير الديني الوثني، والتصورات
الاسطورية التي تنحو نحو نمذجة الاشخاص من البشر، او
تاليههم، او انسنة اللهة السماوية المقدسة» ((479)) وما ذاك
الا استمرارية تاثرية متواصلة كان لها حضورها فيما بعد على
تفعيل بعض المفاهيم والظواهر الدينية، كالانتظار مثلا، بوصفها
واحدة من هذه الظواهر الدينية ذات الحضور الدائم في العصور
والحقب التاريخية المختلفة كافة.
يرى جواد علي: «ان اثر الديانة اليهودية لم يكن ليتعدى
طبقة المثقفين من اهل الجاهلية العرب، الذي كان لهم راي
وبصروتفكر في شؤون الحياة، وان هذا الاثر... قد انتقل الى
العرب الجاهليين عبر بعض الشعراء اليهود، وكان من ابرزهم
(السموال بن عاديا) صاحب حصن الابلق في تيماء، و(اوس بن
دنن)،و(سارة) القرظيين، و(كعب ابن الاشرف) وغيرهم» ((480)) وان العرب في شبه الجزيرة لم يكونوا في عزلة تامة
لدرجة انعدام التلاقح الفكري في العقائد والمفاهيم الدينية
والاسطورية التي نشات بعيدا عن العرب، «فوجود اليهود
والنصرانية واتباع كل منهما... يؤكد الصلة بين العرب والشعوب
المتاخمة لهم مثل سكان العراق وفلسطين والشام ومن ثم
التاثر بهم وبمعتقداتهم،كما ان هناك نفر من العرب القدماء
كانوا لا يميلون الى عبادة الاصنام او الاعتقاد باللهة المتعددة،
مثلما كان يفعل سائر العرب القدامى، وانما اخذوا يفكرون
ويبحثون عن الحقيقة، وكان منهم من يعتقد بالاله الواحد،
وهم اتباع الحنيفية ((481)) وقد سموابالحنفاء، امثال الاديب
والخطيب العربي، والواعظ (قس بن ساعدة).
مما تقدم، يرى الباحث، ارتباط ظاهرة الانتظار
بالمفهوم الديني، لان الدين كان وحده المفتاح الاساس لفهم
واقع المجتمعات القديمة بكل مجالاتها، وارتباط تلك
المجالات بالمعتقدات والعادات الحياتية والسلوك الانساني
المقترن بلون من الوان الشعور الديني المتوارث عبر تاثيرات
السابق على اللاحق.
ثانيا الانتظار في الديانات السماوية والوضعية
1 الديانات السماوية:
ا-
الديانة اليهودية:
يعد الدين اليهودي اول دين سماوي هابط من السماء،
ولقدذكرت الكثير من الدراسات المختصة ان لهذا الدين
جذوره واصوله التاريخية المتاثرة جدا بالديانة (التونية)
((482)) التي شاعت ابان فترة حكم الملك (اخناتون) الرابع،
الذي خلف اباه حوالي 1375 ق.م.
توجه الناس الى عبادة (آتون) اله الشمس، نتيجة للثورة الدينية
التي قام بها (اخناتون) في العام السادس من حكمه، آمراالناس
الى توحيد جميع اللهة المعبودة آنذاك وحصرها في(آتون)،
لاسباب عبادية واقتصادية كادت تؤثر في عائلة(اخناتون)
الحاكمة ((483))
وكان لمسالة حصر العبادة وتوحيدها في اله واحد، اثرهاالمباشر
في تقريب الناس اكثر من فكرة التوحيد، تلك الفكرة الاساس
التي جعلت منها الاديان كافة وخاصة السماوية آقاعدتها
الرصينة.
كذلك تاثرت الديانة اليهودية «بالفكر الديني المنتشر في بابل قبل ان يهاجر ابراهيم
الخليل من العراق.. ثم تاثرت بالفكرالديني الكنعاني المنتشر في فلسطين عقب استقرار
اليهود فيهازمنا، وكذلك بالفكر الديني الهندي والمصري والزرادشي»((484))
ويعد (يهوه) ((485))المخلص الاول لبني اسرائيل، لان
انبياءبني اسرائيل كانوا يتحدثون عن (يهوه) في حماس
واعجاب شديدين، وينتظرون اليوم الذي يتجلى فيه بقوته
الحقيقية، عندماياتي في العاصفة مطلقا الرعب واللهب،
محطما قوى الوجودويخر له البشر سجودا لا راد لقضائه. وان
هذا اليوم سيكون يومامشهودا لا مثيل له اذ فيه يتدخل (يهوه)
في مجرى التاريخ البشري وينتصر على الوثنية، فيعظم شعبه
ويبدا عصر جديد من الرخاء والتقوى والسلام ((486))
وتجدر الاشارة، الى ان هناك من المخلصين ممن لمعوا
في سيرة الديانة اليهودية وادوا دورا رئيسا في تعزيز فكرة
التوحيدالالهية وترسيخها، وكان الناس حينها ينتظرون منهم
الشي الكثيروخاصة فيما يتعلق بفكرة الخلاص ورسم
المستقبل المشرق بكل تنبؤاته، وهم: النبي نوح (ع)، والنبي
موسى (ع)، وكورش الفارسي.
مع الاخذ بالحسبان، ان مفهوم الخلاص مع هؤلاء المخلصين لم
ياخذ مداه الموضوعي ضمن الاطر المفاهيمية
لظاهرة الانتظار، بمعنى ان هؤلاء لم يكونوا منتظرين من قبل
الناس، بل انهم قاموا بفعل التخليص والانقاذ اثناء مدة وجودهم
زمنيا،باستثناء (النبي موسى (ع)) الذي تعرضت حياته لحالة
غياب مؤقت، والعودة ثانية الى الحياة، حينما رمي في الماء خوفا
من فرعون، ليعود بعد ذلك بطريقة اعجازية.
وينوه الباحث، عن وجود تشابه قائم بين عدد من
المخلصين،كل حسب تاريخه، وهو التشابه في ظروف الولادة
وتعزيز فكرة الغياب والعودة المؤقتة، لكل من (النبى موسى(ع)،
وسرجون الاكدي، وكرشنا)، فبالرغم من التباعد الزمني بينهم
واختلاف دياناتهم الا ان ظروفهم متشابهة، فكل منهم وضع في
سلة ورمي في الماء.. غياب عن الحياة ثم العودة اليها في ظروف
صالحة،وهذا ما حصل لكل منهم ((487))
اما ما يتعلق بمسالة المستقبل والاهتمام بالتنبؤ، وهذه ميزة في
الديانة اليهودية، فان المستقبل لديهم (نموذجي
مطلق)((488)) ولقد كشفت (التوراة) المتداولة نبوءات
بالمستقبل المشرق «جاءت على لسان داود (ع)، ووقع مثلها في
كلام سليمان (ع)... وفي العصر المتاخر عن السبي البابلي، تنبا
اشعياودانيال وغيرهما بوجود دولة الحق، واعطيا مقدارا من
اوصافها.وفي العصر اللاحق جاء يوحنا اللاهوتي ليتنبا بمولد
القائدالاعظم(، من رؤياه المشهوره المسطورة في التوراة»
((489))
وليس هذا فقط، بل ان العهد القديم بوصفه كتابا مقدسا، اشاربوضوح الى المنتظرين
لعدالة اللّه التي ستتحقق على يدالصالحين من الناس، فنقرا في العهد القديم: «لا
تقلق لوجودالاشرار والظالمين فسوف تنقطع سلالة الظالمين، والمنتظرون لعدل اللّه
يرثون الارض والذين لعنوا يتفرقون، والصالحون من الناس هم الذين يرثون الارض
ويعيشون فيها الى نهاية العالم»((490))
ويشير السواح الى ان اليهود كانوا ينتظرون مسيحهم
السياسي ليعيد اليهم مملكة داود الضائعة، المسيح السياسي
الذي يعيد مجداسرائيل ويخضع جميع الامم تحت قدميه، ثم
يسلم الحكم الى(يهوه) بوصفه مخلصهم الاول، وان فكرة نهاية
التاريخ المحصورة بفكرة ظهور المخلص قد تسربت الى
الايديولوجية التوراتية من الزرادشتية خلال فترة السبي
والاحتكاك بالفرس((491)).
في ضوء ما تقدم، يرى الباحث، التفات الذهنية
الانسانية للتمسك اكثر بالانتظار، بوصفة ظاهرة آلت على
ترسيخهاالمفاهيم الدينية وعمقتها، لما فيها من عوامل
تحفيزية منبهة تجعل الكائن البشري مشدودا وبفاعلية
لمصيره. وتجعله في حالة توقع وترقب مستمرين. وكان للدين
اليهودي اثره الفاعل في تعزيز الظاهرة الانتظارية، حينما جعل
لها من يمثلها على ايدي عدد من المخلصين والمنقذين، ممن
استكملت في زمنهم انتقالات حياتية: اجتماعية وسياسية
واقتصادية، تحول الناس خلالها من حال الى آخر، فضلا عن
الوعود الاخرى لحيوات قادمة ظل الجميع بانتظارها الى حين.
ب الديانة المسيحية:
هي ثاني الديانات السماوية بعد الديانة اليهودية،
وتعدالمسيحية امتدادا للديانة اليهودية، بل ان توراة اليهود
نفسهاذكرت (المسيح) ((492))المنتظر في بعض اسفارها
فتقول: «يولدلنا ولد، ونعط ى ابنا، وتكون الرياسة على كتفه
ويدعى اسمه عجيبا ويكون الها قديرا وابا وابديا رئيس السلام،
لنمو رياسته يجلس على كرسي داود وعلى مملكته ليثبتها
ويعضدها بالحق والبر من الن والى الابد، غيرة رب الجنود تفعل
هذا» ((493))
ان تعاليم الدين المسيحي تحدثت في كتبها المقدسة
بشكل واضح عن عودة السيد المسيح الى الارض ثانية بعد
صلبه،بوصفه مخلصا ومنقذا للبشرية، بعد ان يحل فيها الدمار
ويسودالظلم والجور، مثلما تحدثت عن انتظار الجميع لليوم
الموعود،يوم تحقيق العدل الالهي، فلقد جاء في الانجيل ما
نصه:
«لكن يوم الرب سيجي مثلما يجي السارق، فتزول السماوات في
ذلك اليوم بدوى صاعق، وتنحل العناصر النار وتحاكم الارض
والاعمال التي فيها. فاذا كانت هذه الاشياء كلها ستنحل،فكيف
يجب عليكم ان تكونوا؟ اما يجب ان تسلكوا طريق القداسة
والتقوى، تنتظرون وتستعجلون مجي يوم اللّه؟ حين تلتهب
السماوات وتنحل تذوب العناصر بالنار، ولكننا ننتظر، كماوعد
اللّه، سماوات جديدة وارضا جديدة يسكن فيها العدل.فابذلوا
جهدكهم ايها الاحباء، وانتم تنتظرون هذا اليوم، ان يجدكم اللّه
بسلام، لا عيب فيكم ولا لوم عليكم»
((494)
ولا بد من الاشارة، الى ان معتقد الانتظار يتراوح بين
الاعتقادالبسيط والاعتقاد القاطع، ففي الحالة الاعتيادية العامة
يكون بمعناه الاول، اما في حالات العوز والحاجة الحياتية
وانتشارالقحط يتحول الاعتقاد الى معناه الثاني.
بكلام آخر، ان هذا المعتقد الخلاصي يزداد ويستفحل
لدى الناس اكثر كلما شعروا بالحاجة اليه فعلا على وفق الواقع
الفعلي وحيثياته، بمعنى ان ظاهرة
انتظار المنقذ المخلص «تبرز الى حيز الوجود كلما ساد
الظلم والخوف والبؤس..» ((495))
يمكن القول اذا، ان لظاهرة الانتظار ارتباطها المباشر
بالواقع الاجتماعي وتحولاته الاقتصادية واستقراره الكلي،
فحين لايقدر المجتمع على صد الظلم او البؤس او الشقاء الذي
يحل عليه يتجه مباشرة الى غائبه، الذي له من الصفات
البطولية الاعجازية ما تؤهله الى القدرة على تغيير الواقع من
حال الى حال افضل مغاير.
ان اول من دون معتقد الخلاص في الديانة المسيحية
شخص يدعى يوحنا، عاش في جزيرة باتموس، عام 9495م
«خلال القرن الثاني، عندما كانت المسيحية فتية، نبت على
جذعها فرع خاص تجسد في انتظار ملكوت الهي الفي هو
مرحلة انتقال بين الزمن والابدية، سينشا بعد عودة المسيح
ليزول بعد الف عام تاركا مكانه لملكوت الرب الابدي» ((496))
هذا التصور الذي دونه يوحنا، لم يستطع كتبة الانجيل
تجاهله بوصفه رؤيوية ((497))قيامية سميت ب(رؤيا يوحنا)
دخلت كتاب الانجيل بسبب مماهاة الراي مع تلميذ ليسوع
حمل الاسم نفسه، حظ ي نصها بسلطة هائلة اعتقد كتبة
الانجيل بخطاتجاهلها.
المسيحيون خافوا كثيرا عندما مات يسوع على الصليب،وتبعثر
تلامذته اشد انصاره المخلصين اخلاصا. لكنهم درسواالعهد
القديم، ووجدوا ان يسوع يبقى المخلص وان مات..
تعمق ايمان المسيحيين شيئا فشيئا، بعودة نبيهم، فهو
«عندماسيعود الى الارض، سيلتحق المسيحيون الاحياء به،
وسينهض الموتى من القبور. لكن احدا لا يستطيع اخبارنا بوقت
حدوث هذا، لان يوم الرب سياتي كلص في الليل...» ((498))
لم يكتف المسيحيون بهذا الاعتقاد القاطع لانتظارهم
الابدي،بل راحوا يضعون العلامات الممهدة لعصر ظهوره،
وذلك ما نجده في انجيل متي: «يسال الحواريون المسيح عن
منتهى الدهروعلامات مجي المسيح فيقول لهم ان علامة
مجيئه مجاعات وزلزال وتضيق الامم على امته، ضيق ليس
مثله منذ اول العالم الى الن ولن يكون. وستزول السماوات
والارض وتظلم الشمس والقمر لا يعط ي ضوءه وتتساقط
الكواكب، ولكن اليوم او الساعة لا يعلمها الا اللّه، الاب وحده»
. ((499))
بعد حادثة صلب المسيح بوصفها الفيصل الحاسم الذي
فرق بين من آمن بالمسيح ومن كذبوه وشككوا به، اعتقادا
منهم «ان المسيح قد خيب آمال الكثيرين في ذلك الوقت
عندما ترك نفسه للصلب والموت، فان من بقوا على ايمانهم،
راوا ان المسيح قدغادرهم، لان الناس ليسوا بعد على مرحلة
تؤهلهم للدخول في ملكوت الرب، وان عليهم ان يتطهروا قبل
ان يعود المسيح اليهم مرة ثانية» ((500)) من هنا بدات مرحلة
الاستعداد لبدء الانتظاروتحمله وتهيئة الظروف والمناخات
الملائمة كلها لزمن العودة،زمن الخلاص.
لكن، على الرغم من كل ما تقدم، ومنذ اللحظة التي بدا
فيهاالشك يحط اوزاره حول المسيح وعودته ودينه، ولجة
البحث عن طهارة النفس واستعداداتها الروحية لاحتضان
معتقد الخلاص،ظهر نفر غير قليل ممن شككوا بالمسيح
وبعودته وبدينه، فبعد ان وعد الانجيل نفسه برجعة (ابن
الانسان) واصفا مجيئه باوصاف الهية كبيرة، نجد ان المسيحية
حوربت كثيرا بعد صلب المسيح مثلما حورب طلاب المسيح
الخمسة الذين كتبوا اناجيلهم المعروفة بما فيهم (برنابا)
((501)) وخاصة في عهد نيرون عام 64م الى عام 312م حين
دخل قسطنطين امبراطور روما، مثلمادخل غيره، في الدين
المسيحي وجعله دينا رسميا للبلاد((502))
يشدد الباحث على قضية ان الانتظار بوصفه ظاهرة دينية
اولايرتبط بقضية اساس وهي( الايمان )، والانتماء له روحيا
وعقلياواعتقادا قاطعا، وبالتالي يكون الطريق سالكا امام المؤمن
بهذه الظاهرة الانتظارية المحاطة بعلامات الهية غيبية
اعجازية، الى جانب استدلالاتها العقلية التي عملت على ترسيخ
هذا الايمان ونبذ كل ما يخالفه.
من هنا، اكدت الظاهرة الانتظارية بثبوتها الديني
لدى المسيحيين المؤمنين بيوم القيامة (يوم الرب) ممن
اعتقدوا بعودة نبيهم ومخلصهم، بوصف هذه العودة تعد من
المعاجز الالهية،خاصة اذا عرفنا ان المسيحيين لمسوا وعاشوا
مثل هذه المعاجزعلى يد المسيح نفسه، مثل شفائه للابرص
والاكمة واحيائه الموتى ونزول مائدة من السماء وغيرها.
ج-
الديانة الاسلامية:
مهدت الديانتان السابقتان وكما مر بنا الى فتح طريق
آخرللوعي الانساني، ذلك الوعي المتمثل في استقبال ديانة
جديدة وهي الديانة الاسلامية، بكل مفاهيمها وطروحاتها
ونظرتهاللحياة، وتحديد المقتضيات الواجبة لشكل الحياة
وانظمتهاالمتضمن انساقها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية
والفكرية والاخلاقية والمعرفية وغيرها من تلك التي حواها
النص القرآني بوصفه الدستور الاساس للديانة الاسلامية.
جاء الاسلام ليضع القاعدة الفكرية المتينة لفهم
الحياة ولمعناها، هذا الفهم المبني على معرفة متراكمة
ومستقاة من الديانات السابقة، تلك المعرفة المستندة الى فكرة
التوحيد، ذات العمق التاريخي الكبير، زيادة على توقف
المفاهيم القرآنية عندابسط جزئيات الحياة ومكوناتها الى اعقد
العلاقات التي تربط الكائنات البشرية فيما بينها وبين
المخلوقات كلها كل حسب موقعه ووظيفته في الحياة.
بعد كل هذه المعرفة المتراكمة لديانات سماوية و(
وضعية)((503)) جاء الدين الاسلامي ليكون آخر الاديان، وان
يكون الرسول الكريم محمد (ص)
هو خاتم الانبياء والمرسلين، وان
يقوم بدوره بنشر الدين الاسلامي بكل تعاليمه السماوية
وطروحاته التي من بينها بشارته النبوية بمنقذ البشرية وتاكيد
فكرة الخلاص الانسانية، وانه لا بد من نهاية لهذا العالم الدنيوي
الذي يكمله عالم اخروى ازلى، الا ان هذه النهاية الدنيوية
مرتبطة بظهور(مهدى) هذه الامة الاسلامية بوصفه المنقذ
المنتظر، ليملا الدنياعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا.
ولقد وردت الكثير من اليات القرآنية التي اشارت
بطريقة مباشرة مرة وغير مباشرة مرة اخرى، الى المهدي
المنتظر بصورة خاصة والى الانتظار بصورة عامة: (ويقولون
متى هذا الفتح ان كنتم صادقين - قل يوم الفتح لا ينفع الذين
كفروا ايمانهم ولا هم ينظرون - فاعرض عن هم وانتظر انهم
منتظرون) (السجدة: 28 آ30).
(ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها
عبادي الصالحون( (الانبياء: 105).
(وعد اللّه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في
الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم
دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بع د خوفهم امنا
يعبدونني لايشركون بي شيئا) (النور: 55).
هذا الى جانب اليات القرآنية التي تحدثت عن مستقبل
العالم ونهايته في الساعة المرتقبة والتية لا ريب فيها، ولكنها
غيرمحددة زمنيا، لانها تاتي (بغتة) بحسب اشارة القرآن، او
هي محددة لكن اللّه(ص)يكاد يخفيها) لحكمة لا يعلمها الا
هوسبحانه وتعالى.
اما الذين يتوافون من الرجال لحظة ظهور المهدي، فهم(313)
رجلا وهم نفس عدة معركة بدر ((504)) وقد اشار القرآن الى
ما نصه: (اين ما تكونوا ياءت بكم اللّه جميعا ان اللّه على كل شي
قدير( (البقرة: 148) ((505))
اما في الاحاديث النبوية الشريفة وهي كثيرة فهناك
اشارة مباشرة وواضحة الى المهدي وظهوره في آخر الزمان،
من هذه الاحاديث، نذكر: «لا تذهب الدنيا حتى يقوم رجل من ولد الحسين يملؤهاعدلا كما ملئت جورا» ((506)) «لو لم يبق من الدنيا الا يوم واحد، لطول اللّه ذلك اليوم حتى يلي رجل من عترتي اسمه اسمي يملا الارض عدلا وقسطا كماملئت ظلما وجورا» ((507)) «يتنعم امتي في زمانه نعيما لم يتنعموا مثله قط البر والفاجر.ترسل السماء عليهم مدرارا ولا تدخر الارض شيئا من نباتها((508))» «من اطاعه اطاعني ومن عصاه عصاني ومن انكره في غيبته فقد انكرني ومن كذبه فقد كذبني» ((509)) «افضل اعمال امتي الانتظار» ((510)) وعن علامات ظهوره يقول الرسول محمد (ص): «عشرة قبل قيام الساعة لا بد منها: السفياني والدجال والدخان والدابة وخروج القائم وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى (وخسف بالمشرق وخسف بجزيرة العرب ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس الى المحشر» ((511)) |