كما يذكر (احمد امين) الازهري في كتابه (المهدي
والمهدوية)وجود خمسين حديثا عن ظهور المنقذ المنتظر
وعد ظهوره من اشراط قيام الساعة، استنادا لتلك الاحاديث
النبوية.
يشير السواح الى ان «آخر المخلصين هو يسوع الذي ما
زال وعده قائما على الارض « ((512)) ونسي السواح او تناسى
ان المهدي المنتظر هو آخر المخلصين، لارتباطه بالديانة
الاسلامية التي هي آخر الديانات، وما مر بنا من اليات
القرآنية والاحاديث النبوية العديدة، اكد هذا الوعد الالهي في
انتظارالظهور الحتمي لمنقذ البشرية، فبذلك يكون (المهدى)
هو الذي مازال وعده قائما على الارض، لا المسيح، كما ذهب
السواح الى ذلك، وهذا لا يعني عدم ظهوره، بل ان ظهور
المسيح مرتبط مباشرة بالمهدى.
فمن هو المهدى؟
قبل التعريف به وبرسالته القائمة بوصفها وعدا الهيا
ينتظرهاالعالم، لا بد من التساؤل اولا: لماذا كان المهدي هو
آخرالمخلصين؟ ولماذا التشديد على اهمية انتظاره وحتمية
تحقق هذا الوعد الالهي؟ بل يقودنا هذا التساؤل الى آخر: لماذا
كان الاسلام آخر الاديان؟ ولماذا الرسول محمد ( هو خاتم
الانبياءوالمرسلين؟
ان ما مرت به البشرية وعبر عصورها ونبواتها
المتعاقبة((513))ذات العمق التاريخي الذي يبدا من العصور
القديمة، مرورابمرحلة اكتشاف الكتابة، الى تكون الحضارات
والاكتشافات،وصولا لمرحلة كافية تاهلت فيها البشرية
وبرشادها العقلي لاستقبال فهم جديد للعدالة الالهية الكاملة
التي جاء بها الاسلام ومحمد (، هذه العدالة التي يصفها بعض
المفسرين بوصفها(الاطروحة) الجديدة الكاملة التي يمكن لها
ان تطبق في دول العدل العالمية المهدوية المنتظرة، دولة
المهدي المرتقبة ((514))
لقد اشارت اغلب المصادر المختصة الى ان الحياة في
الاسلام دار ممر والخرة دار ثبات ومقر، على حد قول الامام
الغزالي:«الدنيا مزرعة الخرة.. ولا يتم الدين الا بالدنيا.. والملك
والدين توامان.. فالدين اصل والسلطان حارس، وما لا اصل له
فمهدوم وما لا حارس له فضائع((515))» وهذا يعني ان الانسان
في ظل الاسلام يعيش حياتين، حياة يعيشها وحياة ينتظرها،
اليس في هذه الديمومة تجسيد كامل لظاهرة الانتظار في
الفكر والوجدان لدى الانسان بوجه عام والمسلم بوجه خاص
نظرا لموروثاته السابقة حضاريا وعقائديا وطبيعيا؟
تحولت ظاهرة الانتظار هنا، من اخبار متراتبة تناقلتهاالديانتان
السابقتان (اليهودية والمسيحية) بوصفها فكرة قائمة،تحولت
الى وعد الهي «والوعد والحال هذه اكثر فاعلية وحركية من
مجرد الخبر، لانه يتخذ درجة الالزام للوعد وخاصة
على مستوى الحكيم المطلق.. الذي لا يخلف الميعاد» ((516))
وتجدر الاشارة الى ان معتقد (الغيبة) ((517))قبل
وصوله لمستوى الوعد الالهي، كان عقيدة توارثها العرب قبل
الاسلام،وكانت من الاسباب الممهدة لتقبل واعتناق فكرة
العودة، متمثلة بظهور الغائب حتى لو كان ميتا، فلقد «اعتقد
قوم من العرب في الجاهلية بالرجعة، اي الرجوع الى الدنيا بعد
الموت. فيقولون ان الميت يرجع الى الدنيا كرة اخرى ويكون
فيها حيا كما كان. ولعل هذه العقيدة هي التي حملت بعض
الجاهليين على دفن الطعام وما يحتاج الانسان في حياته اليه
مع الميت في قبره، ظنا منهم انه سيرجع ثانية الى هذه الدنيا
فيستفيد منها، فلا يكون معدمافقيرا» ((518)) وهذه العقيدة
نفسها كان الفراعنة من السباقين الى اعتناقها وتعميق مدياتها
الدينية.
ويشير المستشرق (هنري كوربان) الى ان معنى رجعة
الامام المنتظر هو معنى كشف انثروبولوجي تام، يفتح باطن
الانسان الذي يعيش في العقل، ويعني هذا اخيرا كشف السر
الالهي الذي حمله الانسان، اي الامانة التي تحكي عنها الية
القرآنية 71 من سورة الاحزاب: (انا عرضنا الامانة على
السماوات والارض والجبال فابين ان يحملنها واشفقن منها
وحملها الانسان..)((519))
يرى الباحث، ان عقيدة انتظار المنقذ المنتظر
ظاهرة انثروبولوجية تناقلتها كافة الاديان والمعتقدات لتصل
الى الدين الاسلامي الذي وسع مدياتها الفكرية والفلسفية،
بوصفها وعداالهيا وبشارة نبوية، الا انها على الرغم من ذلك
اخذت طابعاعقائديا سياسيا بين اصحاب العقائد المتصارعة،
«وهذا مانلاحظه بين الشيعة الاثني عشرية ((520))الذين تمثل
منقذهم في الامام الثاني عشر (المهدي المنتظر) وبين
الامويين الذين تمثل منقذهم ب(السفياني)((521))» فضلا عن
عقائد اخرى لاقوام وجماعات مختلفة، ف «الزرادشتيون مثلا
ينتظرون عودة (بهرام شاه)، ومسيحيو الاحباش يترقبون عودة
ملكهم (تيودور)كمهدى في آخر الزمان، والهنود ينتظرون
عودة (فيشنو)،والمجوس يعتقدون بدوام حياة (اوشيدر)،
كذلك نجد ان البوذيين ينتظرون (بوذا)، والاسبان ينتظرون
ملكهم (روذريق)، اما المغول فما زالوا يتطلعون الى عودة
قائدهم (جنكيزخان)((522))»
وعلى الرغم من الاختلافات الواضحة فيما يتعلق
بالاسماءوالظروف المحيطة، والتباعدات الزمنية، والتناقض
الحاصل في العادات والتقاليد والاعراف، الا ان الجميع في حالة
انتظار دائمة،بما فيهم المسلمون «فلا فرق اذا بين جميع
المسلمين وبين غيرهم من اهل الاديان والشعوب الاخرى من
حيث الايمان باصل الفكرة وان اختلفوا في مصداقها، مع اتفاق
المسلمين(كافة) على اسمه (محمد) كاسم النبى(ص) ولقبه
عندهم هو(المهدي)» ((523))
من هو المهدي؟
هو محمد القائم ابن الحسن العسكرى(ع)79) المولود سنة 256
ه، وهو الامام الثاني عشر ومنه جاءت تسمية (الامامية الاثنا
عشرية )..
اما امه فهي (نرجس خاتون) بنت يسوع قيصر الروم.
سمي ب(المهدي) لانه يهدي لامر قد خفي ((524))
للمهدي غيبتان: صغرى وكبرى.
الغيبة الصغرى ابتدات عام 863م / 260 ه ، ولقد غاب وعمره
خمس سنوات او اكثر قليلا، استمرت هذه الغيبة 70 او71 عاما
كان خلالها يتصل بسفرائه او نوابه الاربعة ((525)) ثم ظهر
لطائفة خاصة من المسلمين (شيعته) ليغيب بعد ذلك
الغيبة الكبرى التي بدات حوالي 940 م/ 329 ه ، وكانت
رسالته الاخيرة الى رابع سفرائه (علي السمري): «ان اجمع
امرك ولاتوصي الى احد يقوم مقامك بعد وفاتك فقد وقعت
الغيبة الثانية »،فكانت كلمات نائبه الاخيرة: (للّه شان هو بالغه)،
ومن حينهاابتدا التاريخ المستور ((526))لامام الثاني عشر..
ابتدات الغيبة الكبرى التي سيعود بعدها في آخر الزمان ليملا
الدنيا عدلا فهو(المهدي المنتظر)، وهذه الغيبة لا زالت قائمة
الى الن ولا زالت مهيمنة على الوجدان الاسلامي والوجدان
الاثني عشري خاصة((527)) مثلما هيمنت على ديانات
ومعتقدات سابقة لكن باختلاف اسم المنتظر وتفاصيل اخرى
سنحاول التوقف عندهافي متون هذا البحث.
وهناك نبوءات اقتربت من الانتظار، حيث تحقق النبوءة
في الزمن القادم، وجدت في قصص العرب ورسخت مفهوم
الانتظار،نذكر منها: «ان سيف الدين بن ذي يزن نفسه قد بشر
عبد المطلب برسول اللّه(ص) حينما حضر وفد من قريش
لتهنئة سيف بن ذي يزن لما ظفر بالحبشة... بانه ولد بتهامة
غلام بين كتفيه شامة كانت له الامامة ولكم به الزعامة الى يوم
القيامة» ((528))
ان ما مر بنا من اليات الشريفة المفسرة بظهور
الامام المهدى(عج) والاحاديث الشريفة المبشرة به تدل «على
ان مهمته ربانية ضخمة، متعددة الجوانب، جليلة الاهداف،
فهي عملية تغيير شاملة للحياة الانسانية على وجه الارض
واقامة فصل جديد منها بكل معنى الكلمة» ((529))
الى جانب ذلك، نجد الكثير من التصورات والاعتقادات
عن شكل المهدي ووضعه، يتصوره الناس رجلا من نمط
قدماءالمشايخ والصوفية، فلا يسمع به الناس الا وقد ظهر من
مهدقديم او خرج من زاوية اعتكاف، يصرف السبحة بيده
ويتلوالاوراد بلسانه ويعلن على الخلق انا المهدي ((530))
ولكن اتفاق المصادر واستنباطها التصوري الذي يكاد يكون
اقرب الى التصور العام هو «ان الامام المنتظر سيكون زعيما من
الطرازالاحدث في زمانه، بصيرا بالعلوم الجديدة بصر
المجتهدالمستطلع، ويكون جيد الفهم لمسائل الحياة، ويبرهن
للعالمين رجاحة عقله وفكره وبراعة تفكيره السياسي، وكمال
حذقه لفنون الحرب، ويبز كل ابناء زمانه في تقدمه وارتقائه»
((531))
وبرزت كثير من الاقلام التي اعلنت في كتاباتها عن
استهجانهاهذه العقيدة المهدوية، بل الدين برمته، على اساس
ان هذا الدين الجديد الاسلامي على الرغم من انه كان دفعة
ضخمة في اتجاه العقلانية وثورة حقيقية، لكن «من سوء الحظ طغى عليه(الثابت الغيبي)،
والصوفي، واشكال لا حصر لها من التفكيراللاعقلاني، وما يزال يطغى..» ((532)) وكما هو واضح
ان (الثابت الغيبي) هذا هو ما يحيط بالعقيدة المهدوية من
الداخل والخارج بوصفها عملية غيبية تحيط بها المعاجز الالهية
منذ بدايتها الى ترقب لحظة نهايتها بساعة آتية لا ريب فيها،
كما يشير الى ذلك(القرآن الكريم) مع حتمية وقوعها بتحكم
الهي غيبي.
وما يعزز هذا الثابت الغيبي ويقويه، ان مفهوم الزمن
لدى المسلم المؤمن هو زمن روحي باطني يقوم على
الارتباط بحتمية وجود الامام، وانه لا يمكن للمسلم المؤمن ان
يحيى حياته الباطنية الروحية بدون حضور الامام في قلبه
((533))
هناك مبدا تقوم عليه فرقة الامامية (الاثنى عشرية)، وهو
ايمانهم(ان الارض لا يجوز ان تخلو من امام)، «فهو اذا لم يكن
حاضرايتولى القيادة الروحية والمادية معا، فهو (غائب) ماديا
وجسمانياولكنه (حاضر) روحيا في قلوب اتباعه واشياعه،
وغيبته المادية غيبة مؤقتة طال الزمن او قصر. ذلك انه لا بد
ان يعود ليجعل حدا ونهاية للجور والظلم والطغيان. انه في
هذه الحالة (المهدي المنتظر) صاحب الزمان... ((534))
لقد عبر الجابري في عدد من طروحاته عن شجبه
لهذه العقيدة من منطلق ان الفكر الاسلامي يرجع الاشياء الى
رؤية سحرية، انانية، ملغية للعقول «رؤية سحرية للعالم
تكرسهاالاسطورة» ((535)) وانه ما من امر جاء به الفكر
الاسلامي عن طريق (الكشف) سواء بواسطة المجاهدات
والرياضات اوبواسطة قراءة القرآن، الا ونجد له اصلا مباشرا او
غير مباشر في الموروث... السابق على الاسلامي. هنا يصدق
المثل القائل: «لاجديد تحت الشمس، مائة في المائة» ((536))
في قوله هذا وقع الجابري في مغالطة كبيرة وتناقض اكبر، ولقد
تورط وهو يتناول هذه العقيدة الفكرية المهدوية الاسلامية،
ذلك اننا اسلفنا القول ان الدين الاسلامي ما هو الا امتداد لما
سبقه من الديانات والموروثات المعرفية الاخرى. هذه بديهية..
لكن الجابري لم يستطع التوصل الى فهم هذا (الباطني
والروحي) في الفكرالاسلامي، ولم يطلع كفاية على تاريخ فكرة
التوحيد في الفكرالعالمي الديني، بهذا لم يجد جديدا برايه، لانه
ينظر للمسالة من وجهها الخارجي الهامشي حسب.
اما الراء التي تؤمن بالعقيدة المهدوية فهي لم تعارض احدا،بل
تناقش وتتامل من مبدا انه «لا فرق بين الجميع في
ثبوت البشارة عن النبى(ص) بالمهدي المنتظر، ولا في مهمته
العالمية،ولا في شخصيته المقدسة المتميزة، ولا في علامات
ظهوره ومعالم ثورته. وقد يكون الفرق الوحيد بشانها اننا نحن
الشيعة آوالقول للكوراني نعتقد بانه هو الامام الثاني عشر
محمد بن الحسن العسكرى(ع) المولود سنة 255ه ، وان اللّه
تعالى مد في عمره كما مد في عمر الخضر ((537)). فهو حي
غائب حتى ياذن اللّه له بالظهور. بينما يرى غالبية علماء السنة
انه لم يثبت انه مولود وغائب، بل سوف يولد ويحقق ما بشر به
النبى(ص)وقليل منهم يوافقنا على ولادته وغيبته» ((538))
ان المهدوية والحال هذه معتقد خلاص ازلي وسيستمر.
ومن الراء الاخرى الغربية منها والعربية التي تؤكد وجودمصلح
مخلص لهذا العالم ولكنه لم يظهر بعد، قول العلامة اينشتاين
صاحب النظرية النسبية: «ان اليوم الذي يسود العالم كله الصلح
والصفاء ويكون الناس متحابين متخين ليس ببعيد...
اماالفيلسوف الانجليزي برتراند راسل فلقد اوضح ان العالم
في انتظار مصلح يوحد العالم تحت علم واحد وشعار واحد»
((539))كذلك برنارودشو الذي بشر بمجي هذا المصلح في
مسرحية(الانسان والسوبرمان) الذي علق عليها (عباس
محمود العقاد)بقوله: يلوح لنا ان سوبرمان شو ليس
بالمستحيل، وان دعوته اليه لا تخلو من حقيقة ثابتة» ((540))
اما ابن خلدون في مقدمته المشهورة فقد افرد بابا خاصة
عن المهدي والموسومة (في امر الفاطمي وما يذهب اليه في
شانه وكشف الغطاء عن ذلك) فيذكر: «اعلم ان في المشهور
بين الكافة من اهل الاسلام على ممر الاعصار انه لا بد في آخر
الزمان من ظهور رجل من اهل البيت يؤيد الدين ويظهر العدل
ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الاسلامية ويسمى
بالمهدي ويكون خروج الدجال وما بعده من اشراط الساعة
الثابتة في الصحيح على اثره وان عيسى ينزل من بعده فيقتل
الدجال اوينزل معه فيساعده على قتله وياتم بالمهدي في
صلاته.. »((541)) كما يشير الى احاديث كثيرة للرسول (ص)
((542))
كذلك نجد الشيخ الدميري في كتابه (الحيوان) حين يمر
على قصة اصحاب الكهف وزيارة النبى(ص) واصحابه الى
كهفهم وايمانهم بدين الاسلام وعودتهم الى رقدتهم.. «ثم
اخذوامضاجعهم وصاروا الى رقدتهم الى آخر الزمان عند
خروج المهدي، ويقال ان المهدي يسلم عليهم فيحييهم اللّه ثم
يرجعون الى رقدتهم فلا يقومون الى يوم القيامة» ((543))
اما ابن عربي فيشير في كتابه (الفتوحات المكية) الى
المهدي الذي «يواطئ اسمه اسم محمد ( ويحوز خلقه، وهو
المسمى المهدي المعروف المنتظر فان ذلك من سلالته
وعترته...» ((544))
ولقد اجمعت الكثير من هذه الدراسات المعنية ان «لهذا
المنقذ(المنتظر) صفات خاصة خارقة وقد ورد ذكرها في كل
الاديان تقريبا (السماوية والوضعية) فهو قد ولد في ظروف
صعبة وتعرضت حياته لمخاطر كثيرة، وله علامات لا تتوفر
لدى البشرالخرين، اضافة الى كونه من سلالة الملوك والامراء»
((545))
و(المهدي) بحسب تعريف (ابن منظور) هو «الذي قد هداه
اللّهللحق.. وقد استعمل في الاسماء حتى صار كالاسماء الغالبة،
وبه سمي المهدي الذي بشر به النبى(ص) انه يجي في آخر
الزمان »((546))
في ضوء ما تقدم، يرى الباحث، ان العقائد الدينية التي
تؤمن بوجود المستقبل الصالح للبشرية، يسمى كل منها شخصا
معنيالقيادة ذلك المستقبل غير من يسميه الدين الخر، ومع
هذا فان هذا الاختلاف من شانه ان يوصلنا الى فكرة صحيحة
واحدة بعدكل هذا التسلسل من الاسماء والافكار هو حالة
(انتظارالمستقبل الصالح) هذه الحالة التي يعيش عليها العالم
شاء ام ابى،اختلف ام اتفق.
لقد مرت البشرية بعدد من المخاضات الدينية والروحية
كان آخرها المخاض الذي تولد عنه الدين الاسلامي، ذلك ان
«كل ديانة كانت تحاول استمالة اتباع الديانة الاخرى عن
طريق الاستعارة منها وحسب رسالتها في قوالب مفهومة لديهم
ومقدسة عندهم» ((547))
الى جانب هذه المرجعية المتسلسلة من الاعتقادات
الدينية نجد الاصل المتنوع للعبادات وتشابهه بين جل هذه
الديانات،من الوثني الى النجوم والكواكب مرورا بعبادة الملائكة
والجن وصولا الى (تقديس الانسان) نماذج ذلك (الكاهن
والشاعر) آوظاهرة البطل الاسطوري بوصفه رمزا (مثالا) لهذه
الظاهرة الموجودة حتما والمتوارثة من الاعراف القديمة
كالايمان بالغيبيات والخوارق فوق الطبيعية وبوجود قوى خفية
تتسم بالمثالية والكمال كل ذلك يصل بالباحث الى ان يقول:
ان ظاهرة الانتظار لانسان (رمز) كامل مثال التي وجدت
لدى الامامية (الاثني عشرية) ما هي الا تكملة لتلك المسيرة
الايمانية بالغائب، الخارق، مخلص البشرية.
وطالما ان الغرض من هذه العقيدة هو واحد ما بين الامم
فتعدكل الاسماء مشيرة الى ذات واحدة، الذات الالهية، خالق
الكون اللامتناهي في الحكمة والقدرة.
كما يشير الباحث الى التقارب الفكري حول هذه العقيدة
بين الاديان، لان كل دين جديد كان يظهر انما هو امتداد لما
سبقه من دين سابق، فبهذا تطور الفكر البشري وعيا وايمانا
حتى صارمهيا لتقبل آخر الديانات وخاتم الانبياء، لان المجتمع
البشري صار في الحد الفكري المعقول والمتطور ليفهم
(القرآن) والسنة النبوية.. فمرحلة النبوات المتعددة آن لها ان
تتوقف، لان الانسان ومنذ مرحلة الطقوس الدينية القديمة
لحين ظهور الديانة الاسلامية صار مؤهلا لقبول وتفهم هذه
الديانة ولرسالتهاالمحمدية بمفاهيمها وتعاليمها كافة، بضمنها
الفكرة المهدوية بوصفها بشارة نبوية، وفكرة خلاص انسانية
تبشيرية تهم العالم برمته.
2- الديانات الوضعية:
بالنظر الى تعدد الديانات الوضعية وانتشارها وتداخلاتهاالفكرية
بين التقارب والتباعد سيتوقف الباحث لاختيار ثلاث من هذه
الديانات:
اولا لاهمية اثرها في معتنقيها وانتشارهم بسبب شهرة
هذه الديانات.
وثانيا لاقترابها من موضوع البحث حيث اهتمت هذه الديانات
الثلاث (الزرادشتية، والهندوسية، والبوذية) بالمنطلق الفكري
لظاهرة الانتظار والعود الزمني والوصول الى مرحلة الخلاص
الاخيرة، كما جاء ذلك في جل تعاليم هذه الديانات وتوجهاتها.
ا الديانة الزرادشتية:
وضعها زرادشت ((548))الايراني في النصف الاول من
القرن السادس قبل الميلاد، وبشر بها اي الزرادشتية بوصفها
معتقداجديدا كل الجدة على المعتقدات الايرانية.
تنطلق اهمية الديانة الزرادشية في انها قدمت مفهوما
جديداعن انتظار الانسان لنهاية العالم، ذلك ان فكرة فناء
العالم وتجديده ليست بالفكرة الغريبة تماما في ما مر بنا من
تاريخ الاديان عبر العصور المتعاقبة، ففي العديد من
ميثولوجيات العالم القديم نجد ان العالم يفنى اما بطوفان شامل
او بنار سماوية ثم يعود سيرته الاولى ((549)) لكن جديد
الزرادشتية هو تقديمهالاول مرة مفهوما عن نهاية العالم
مرتبطا بنهاية الزمن ونهاية التاريخ. فالعالم لا يفنى لكي يعود
سيرته الاولى ضمن نفس الزمن الخط ي او الزمن الدوري
التناوبي، لان نهاية العالم تعني في الزرادشتية تغييره جذريا
والخروج به من الزمن ومن التاريخ الى السرمدية. يضاف الى
ذلك ان تجديد العالم يترافق مع البعث العام للاجساد، وعودة
الارواح للقاء اجسادها والاتحاد بها اتحاداابديا لا ينفصم، وهي
فكرة جديدة كليا على تاريخ الدين ((550))ومن هنا تكمن
الاسباب التي كانت وراء اهمية هذه الديانة عبرتاريخ الديانات
الانسانية برمتها، وهذا هو ميراث الزرادشتية الذي يجعل منها
نقطة بارزة في تاريخ الدين الانساني الى درجة يمكن معها
تقسيم هذا التاريخ الى ما قبل الزرادشتية وما بعدها،وان مفهوم
(عودة الروح الى الجسد في يوم البعث) اكدته بعد ذلك الديانة
الاسلامية.
لقد صاغت الديانة الزرادشتية فلسفة متقدمة وقدمت
رؤية دينية عالية افادت من الديانات الفرعونية وخصوصا
الاخناتونية وبعضا من ديانة اوزريس، لذا انتقلت ثوابت كثيرة
منها الى الدين الاسلامي وخصوصا ما يتعلق بالثواب والعقاب.
وقدم اللاهوت الزرادشتي وصفا دقيقا عن اليوم الخر مثلما
رسمت ذلك الميثولوجيا الاسلامية.
فالانسان ينتظر الموت، والارواح بعد موت الانسان وفي مرحلة
البرزخ تنتظر يوم الحساب (البعث)، اي تنتظر الحياة الثانية
الابدية، هذا المفهوم نجده قريبا جدا من التفكير
الاسلامي وتوجهاته لحياة ما بعد الموت.
ب- الديانة الهندوسية:
وهي من الاديان الهندية الى جانب الديانتين: البوذية والجينية،
والديانة الهندوسية متميزة بان ليس لها مؤسس واحداو عقيدة
واحدة، فهي مرتبطة بثالوث هندوسي مقدس متكون من:
براهما الخالق، وفشنو الحافظ، وشيفا المدمر ((551))ويضاف
اسم رابع هو (كرشنا) بوصفه مخلصا هندوسيا آخر الى جانب
(فشنو) الذي يقول عنه الهنود بانه «ياتي في نهاية هذاالعصر
المظلم على شكل رجل يمتط ي حصانا ابيض وفي يده سيف
يلمع ليحاكم الخطاة ويكافئ المحسنين ويعيد الذهب
الى قيمته التي ضاعت((552))» هذه المواصفات الشكلية
اخذت طابع التداول بين غالبية الاديان والمعتقدات ونخص
بالذكر الهيئة المتخيلة للمسيح وقت ظهوره، وكذلك الحال
مع المهدي المنتظرفي بعض التصورات الدينية.
والهندوسية تنتشر في بعض البلاد السيوية بعد ان اعتنقها85%
من الهنود، وهي اي الهندوسية «طريقة مثالية للحياة تعرف
باسم (الدارما) ومعنى الدارما: العمل وفقا لشريعة
دينية هندوسية خاصة. وهي ديانة تؤمن بتعدد اللهة ما بين
كبيرة وصغيرة، فاللهة الكبيرة هم: البراهما والفشنو والشيفا
كما ذكرنا،واللهة الصغيرة عديدة منها الفيل والبقرة والقرد
وغيرها» ((553))وتعود اصول هذه الديانة الى ما وراء الالف
الثاني قبل الميلاد.
ما يمكن الاشارة اليه في الديانة الهندوسية هو وجود
معتقد(الكارما) الذي هو قريب الشبه بفكرة (الديمومة) لدى
برغسون حيث انتظار الحياة الاخرى باستمرار وبعود ابدي،
بدورة متعاقبة لا تتوقف. ومعتقد (الكارما) هو حالة الروح
الجديدة بعد الموت بناء على طبيعة افعالها في الدنيا.
وبحسب مفهوم الهندوسية للزمان والمكان، فان
«الاكوان السابقات والتاليات تجثم في حيز واحد وتبتدي
متتابعة في زمان دائري وعود ابدي، كلما انتهت دورة بدات
اختها، وكلماانحل كون وآل الى الفناء متلاشيا في جوهر
المطلق الابدي، نشاكون جديد يعيد سيرته السابقة الاولى..»
((554)) وتحيلنا هذه المفاهيم الى برغسون وديمومته.
وفي فترات متباعدة ظلت فكرة تجسد المنقذ وعودته
لانقاذالبشرية من البؤس والظلم هي الفكرة الناضجة
والمتبلورة التي استند اليها الفكر الديني الهندوسي واديان
اخرى عندما تاثرت بهذه الفكرة.
ج الديانة البوذية:
في النصف الثاني من القرن السادس قبل الميلاد ظهر
البوذافي الهند، وتعني (بوذا) الشخص المضي او الذي يشع
نورا،والشخص الذي اوجد البوذية اسمه (سيد هرثا جوتاما)
من شمال الهند، و «تتركز الديانة البوذية في جنوب شرق آسيا،
ففي بلاد مثل: مانغوليا وتايلند وبورما يدين اكثر من 90%
من السكان بالبوذية. وفي اليابان وفي الصين وفي الهند
بنسب متفاوتة» ((555))
والبوذية تعد من (الهراطقة) وهو اتجاه واحد من
الاتجاهات الرئيسة ((556))في الفكر الديني الهندي.
و(الهراطقة) هو المبدااللاالهي في الدين و «الذي يقوم على
عدم الايمان بوجود اله خالق للكون» ((557))
ويحتمل بعضهم ان يكون (بوذا) الذي عاش من 560480قبل
الميلاد نبيا من الانبياء افتراضا على وجهة نظر اسلامية ترى
«ان بوذا كان نبيا، وان لم يرد اسمه في القرآن الكريم
الذي يتحدث عن جميع الانبياء والرسل كما تقول الية: (منهم
من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص) ((558)) ان هذا
الاحتمال،وكما يرى الباحث، يكاد يكون واردا اذا استثنينا
الهراطقة بوصفهم لا يؤمنون بوجود اله خالق للكون، فلا يمكن
قبول هذاالاحتمال.
من الالقاب التي اطلقت على بوذا هو (المخلص)، يقول
بوذا:«انني اود ان اخلص جميع الكائنات من العودة الى جحيم
هذه الارض بدفعها ورفعها نحو النرفانا ((559)). فالنرفانا هي
اللاهم،والراحة، والتغلب على الموت» ((560)) ونظرا لغياب
المعتقدالماورائي الغيبي في المعتقد البوذي من اي نوع، فقد
حلت المجاهدات الروحية محل الطقوس، وانعدمت الاساطير
بشكل كامل، فيما عدا سيرة البوذا نفسه، التى صارت الى حال
يشبه الاسطورة. على الرغم من وجود مقتربات مفاهيمية من التعاليم الاسلامية عن الدنيا والمها وزهد الانسان فيها في الديانة البوذية وغيرها من المفاهيم المقتربة من الاسلام، الا ان البوذية لم تبددجهدها في الغيبيات، لانها ترى «ان المسالة ليست في الطريقة التي يفلسف بها الانسان وجوده، بل في طريقة احساسه بهذاالوجود. من هنا، فان عليه الا يبدد جهده الفكري في الغيبيات،بل ان يحصده في فهم رغباته والتحكم بها عن طريق الارادة،لانها مكمن الخطر عليه..» ((561)) وبحسب قول بوذا نفسه:«جئنا الى العالم كي ننتصر..» ((562))
اليوتوبيا الدينية او المدينة الفاضلة في الاسلام د. حبيب اللّه طاهري
ترجمة: كمال السيد
مدخل:
لم يفارق ذهن البشرية على مر التاريخ هاجس الحياة
الهانئة،فكانت ترنو الى غد افضل وحياة اسعد، وكان الامل يشتد
كلمااشتد المتسلطون والمستكبرون في قهر معارضيهم
وتدميرهم،اجل، كانت المال تزدهر والتطلعات تتفتح الى
مستقبل مشرق بالرغم من قسوة السجون والسجانين، وبالرغم
من حمامات الدم وازهاق آلاف الارواح البريئة. وهكذا يستمر
الصراع، وتتصاعدآهات المظلومين، ويطير النوم من عيون
الظالمين.
لقد ثار زنوج اميركا وثارت شعوب افريقيا، ونهض الاندونيسيون
والجزائريون، وانتفض الشعب الايراني ضد اعتى قوى الاستكبار،
وها هم الفلسطينيون يستبسلون في المقاومة في انتفاضة
فريدة.
لقد كانت المال بحياة طيبة هادئة تشع في وجدان الانسان عبر
عصور التاريخ الطويل، وما انفكت هذه الاماني الخضراءتداعب
خياله لتمتزج مع تفكيره وتصبح جزا لا ينفصل عنه،بالرغم من
ان حياة كهذه لم تتحقق بعد.
وقد تبلورت هذه الرؤى الخضراء لحياة سعيدة في
اشكال مختلفة، وكان المفكرون في كل عصر يعبرون عنها في
صورة «المدينة الفاضلة» التي لا تعرف اي شكل من اشكال
الاضطراب والقلق وهواجس المجتمعات البشرية.
فمن انموذج افلاطون، الى انموذج الفارابي، الى
انموذج الشيوعية والاشتراكية واوهام الجنة الموعودة، الى عصر
التنويروالانسنة، حيث التحرير حسب رايهم من قيود
الدين وسلاسل العادات والواجبات الدينية، ليكون الانا مركز
الاشياءكلها، فيما الدين والاخلاق تحت الاقدام.
غير ان «المدينة الفاضلة الموعودة» في الاسلام كما
وردت الاشارة اليها في القرآن والروايات ليست على شاكلة
تلك المدن، ذلك انها وستتحقق في ظلال حكم الامام
المهدي آتمتاز على سائر تلك النماذج المقترحة قديما وحديثا.
نشير في هذه المقالة اولا الى مستقبل العالم من وجهة
نظراسلامية، ومن ثم نبين خصائص عصر الظهور والمدينة
الفاضلة في الاسلام.
اولا: مستقبل العالم .. وجهة نظر اسلامية
باتت اوضاع العالم المؤسفة اليوم تؤرق وجدان البشرية
وتبث في روعها القلق جراء الحرب الباردة والساخنة، وحمى
التسلح،واستعراضات القوى، ولم يعد العالم يتحمل هذه
المشاهدالمريرة.
وقد تعبت البشرية وخارت قواها جراء انتاج الاسلحة وانتشارها،
واصبح الوضع مخيفا يهدد الجنس البشري بالانقراض والزوال،
كما ان التطاحن المستمر والحروب وبؤرالصراع المتفجرة هنا
وهناك اخرت دون شك التقدم العالمي والنمو وقضت على
فرص الازدهار، كما ان صرخات الجياع وآهات المحرومين،
واستغاثات البائسين وتململ العاطلين عن العمل وانتشار الفقر
المدقع والبؤس تعذب هي الاخرى آضمائر الاحرار ووجدان
الطيبين.
ومما يزيد الصورة سوداوية، الانحطاط الاخلاقي
والهبوط الانساني، والاعراض عن قيم الدين وقوانين السماء،
والاستغراق في المادة، وتفاقم اشكال الفساد، والانصياع الاعمى
لحمى الشهوات، ذلك كله يعكس الوضع المخيف لعالم اليوم.
لقد حملت هذه الاوضاع المؤسفة المصلحين في كل مكان الى
دق اجراس الخطر مما ينتظر العالم من مصير اسود قاتم،فكانت
كلماتهم وصرخاتهم وصيحاتهم منذرة بالتشاؤم، تعكس قلقهم
وعجزهم وياسهم.
وفي قلب هذه الصورة المعتمة، يبرز المسلمون الواعون،
وفي طليعتهم اتباع مذهب اهل البيت(ع) استثناء مدهشا،
ينظرون الى المستقبل نظرة مفعمة بالامل، انهم في مامن من
التشاؤم والياس،يرمقون بتفاؤل اليوم الموعود وتحقق المدينة
الفاضلة التي وعدبها اللّه عزوجل عباده المؤمنين، انهم
يعتقدون بعجز النظم الوضعية والمؤسسات الدولية جميعها
وخوائها وفشلها، وعندهايتحقق الحلم المضي، حيث ستعيش
البشرية سعادتها وكمالهاالانساني الذي يليق بها، وستكون
الحاكمية يومئذ لذلك الانسان الالهي... للامام المعصوم المنزه
عن الخطا والسهو، والمتسامي عن اهواء البشر، في ذلك اليوم
الذي بشر به القرآن وبشرت به النصوص الاسلامية ودعت
الناس الى انتظاره والتمهيد له. وهذه العقيدة الراسخة في
ضمير اتباع مذهب اهل البيت(ع) مصدرهاالقرآن الكريم
والروايات المتواترة الواردة عن الائمة من آل النبى(ص).
الانتظار في اليات والروايات((563)):
اليات:
«اذ قال موسى لقومه استعينوا باللّه واصبروا ان الارض للّهيورثها
من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) الاعراف: 128،(واورثنا
القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربهاالتي
باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني اسرائيل
بماصبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا
يعرشون)،(بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق)
(الانبياء:21)، (يريدون ليطفئوا نور اللّه بافواههم واللّه متم نوره
ولو كره الكافرون) الصف: 8، (ولقد كتبنا في الزبور من بعد
الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون) النساء: 105،(ونريد ان
نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم ائمة
ونجعلهم الوارثين) القصص: 5، (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا
المرسلين انهم لهم المنصورون وان جندنا لهم الغالبون)
الصافات: 170 173،(ويريد اللّه ان يحق الحق بكلماته ويقطع
دابر الكافرين) الانفال:7، (وعد اللّه الذين آمنوا منكم وعملوا
الصالحات ليستخلفنهم في الارض) النور: 55، (فان حزب اللّه
هم الغالبون) المجادلة:21، (هو الذي ارسل رسوله بالهدى
ودين الحق ليظهره على الدين كله) التوبة: 33، والفتح: 28.
الروايات:
1- الامام على(ع): «لتعطفن الدنيا علينا بعد شماسها
عطف الضروس على ولدها. وتلا عقب ذلك: (ونريد ان نمن
على الذين استضعفوا في الارض)»((564)).
2- قال رسول اللّه(ص): «لو لم يبق من الدهر الا يوم، لبعث اللّه
رجلا من اهل بيتي يملاها عدلا كما ملئت جورا»((565)).
3- قال الصادق(ع): «ان لنا دولة يجي اللّه بها اذا شاء ثم قال:
آمن سر ان يكون من اصحاب القائم فلينتظر وليعمل
بالورع ومحاسن الاخلاق وهو منتظر»((566)).
والروايات في هذا الموضوع كثيرة جدا ولا حاجة لنقلهاجميعا،
ووفقا لها وللايات الكريمة، فان اللّه عزوجل قد وعدووعده الحق
بظهور حكومة عالمية واحدة ويكون الدين الغالب هو الاسلام
وسيظهر تفوقه على سائر الاديان وتكون الغلبة للصالحين
وسيهزم جنود الشيطان الى الابد.
وهذا الوعد بطبيعة الحال لم يتحقق بعد، والروايات تشير الى ان
تحققه سيكون عند ظهور الامام المهدي المنجي
الموعود،ومن هنا يؤمن اتباع اهل البيت(ع) والواعون من اهل
السنة بهذااليوم الموعود وينتظرونه ويعتقدون بالحديث
النبوي الشريف:«افضل العبادة انتظار الفرج» ((567)). ان هذا
الحديث يرتبط بذلك العصر الذي ستتحقق فيه المدينة
الفاضلة.
وانطلاقا من هذه اليات والروايات الواردة عن اهل
البيت(ع)فان مستقبل العالم مشرق ومفعم بالامل، بالرغم من
حاضره الاسود المترع بظلمات الطغيان والقهر والفساد.
من هنا، فاننا نترقب متفائلين يحدونا الامل في ظهور
الامام المعصوم الذي ستكون له الحاكمية والذي سينفذ في
الارض قوانين السماء، سوف يخفق لواء العدالة في ربوع العالم،
وستشهدالبشرية ثورة علمية تكون في خدمة الخير والسلام،
وستعم المساواة وتسود الاخوة الانسانية العلاقات بين الناس،
وستندثرالى الابد كل اشكال الجهل والظلم والاحقاد وسيولي
زمن الحروب والويلات، فلا استغلال ولا استعمار ولا
استعباد،فالناس جميعا سواسية كاسنان المشط.
ثانيا: خصائص عصر الظهور (المدينة الفاضلة الاسلامية)
للمدينة الفاضلة الاسلامية خصائص تميزها عن سائر
نماذج المدن الفاضلة الاخرى، وفيما يلي بعض هذه الخصائص:
1- الحاكم في عصر الظهور: ان التقدم الذي سيحصل في عصر
الظهور معلول لعوامل في طليعتها وجود قائد معصوم،طاهر
منزه ومبرا من كل عيب، انه مرتبط فقط باللّه وحده،وينظر
بعين الرحمة والمسؤولية وبشكل متساو الى كل
الامم والشعوب كلها، لا فرق بين اسود وابيض واصفر واحمر..
ولاتفاوت بين السيوي والاميركي والااوروبي والافريقي لديه.
اجل ستكون ادارة العالم في النهاية في ايدي الصالحين،
وستنجوالبشرية ببركة القائد المصلح من كل اشكال الظلم
والتعسف والاضطهاد، وستعيش فارغة البال من هواجس الفقر،
في مامن من تهديدات الحروب والعدوان على الحرية والكرامة
الانسانية.
2- الحكومة في عصر الظهور: تختلف الحكومة التي
ستنهض في المدينة الفاضلة الاسلامية في عصر حاكمية الامام
المهدي عن سائر الحكومات التي نشهدها في عالم اليوم، فلا
يوجد ادنى شبه في مسالة الحكم وشكل الحكومة، والقوانين
والنظم السائدة،ذلك ان نوع حكومته الهي، ينهض على اساس
الايمان باللّهالواحد الاحد، والتوحيد الخالص، وهدفه تضامن
الجماعات والامم والشعوب، وازاحة كل الحواجز فيما بين
الناس والقضاءعلى كل الاعتبارات الفارغة وارساء علاقات
مستحكمة قوية بين افراد البشر.
والحاكم امام معصوم، سيقوم باحياء شريعة الاسلام كما جاءبها
النبى(ص)، وسينفذ بكل دقة وحزم جميع القوانين
الاسلامية والاوامر الالهية، ان الاسلام يهدف الى ازالة جميع
الفوارق مهماتعددت اسماؤها، من خلال صهر الناس بعقيدة
التوحيد، ان جميع الاختلافات العرقية، والطبقية، والوطنية،
والجغرافية والتاريخية لااعتبار لها ابدا اذا ما اريد لها ان تكون
منطلقا للحصول على الامتيازات والتعالي على الخرين، بل
ستزول في ظلال الحكومة العالمية القادمة حتى الاختلافات
الدينية، وسيكون الدين كله للّه.
3- العدل في عصر الظهور: اولى الاسلام مسالة العدالة
اهمية خاصة منذ ظهوره، فالعدل في بعده العقدي والديني الى
بعده الفقهي والاجتماعي منوط به رضى اللّه عزوجل، وهذا ما
نجده واضحا في آيات القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
وتبرز اهمية العدالة من خلال مساسها وتغلغلها في صميم
الحياة الاجتماعية والانسانية، وفي ارهاصات عصر الظهور
سيكون العدل هاجس جميع البشر، وستصل الانسانية من النمو
والتكامل ما يجعلها على استعداد تام من اجل تطبيق العدالة في
واقع حياتها.
ان الامام المهدي المنتظر اسم اقترن مع العدالة حتى جاء
في ادبيات الزيارة: «السلام على العدل المشتهر»، و«اللهم صل
على ولى امرك القائم المؤمل والعدل المنتظر».((568))
وهناك شاخصان اساسيان في حكومته: الحكومة
العالمية الواحدة وهذا لا يتسنى لغيره، والعدل العالمي حيث
يتوحد العالم تحت رايه حاكم واحد، ينشر العدل في جميع
الارجاء، فعدله شامل وفي كل مكان ونقطة من العالم فهو
الذي «يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا»، كما
جاء في الحديث النبوى الشريف قوله (: «ابشركم بالمهدي يبعث
في امتي على اختلاف من الناس وزلازل، فيملا الارض قسطا
وعدلا كماملئت جورا وظلما، يرضى عنه ساكن السماء
وساكن الارض »((569)) .
4- العلم في عصر الظهور: سيشهد عصر الظهور، ازدهارا
اكبرللعلم، يقول الامام الصادق(ع) في هذا المضمار: «العلم
سبعة وعشرون حرفا، فجميع ما جاءت به الرسل حرفان، فلم
يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين، فاذا قام قائمنا اخرج
الخمسة والعشرين حرفا، فبثها في الناس وضم اليها الحرفين
حتى يبثهاسبعة وعشرين حرفا»((570)).
وهذا الحديث يشير بوضوح الى ثورة كبرى في دنيا
العلوم والمعرفة، وهذه التحولات المدهشة سوف تعم جميع
العقول،يقول الامام الباقر(ع): «اذا قام قائمنا وضع [اللّه ]يده
على رؤوس العباد، فجمع به عقولهم واكمل به
اخلاقهم» ((571)) .
5- الاتصالات في عصر الظهور: بالنظر للتقدم العلمي
الذي سيحصل في عصر الظهور، ستشهد الاتصالات يومئذ قفزة
من التطور الكبير بما يجعل من هذا العالم المترامي الاطراف
قرية صغيرة جدا، من هنا سيكون بمقدور هذه الحكومة
الاطلاع بسهولة على كل ما يجري، ومن ثم بسط نفوذها وتنفيذ
سياستهاوقوانينها في كل مكان، ولن يكون هناك اية فرصة
للتمر ضدالعدالة والانسانية. يقول الامام الصادق(ع): «ان قائمنا
اذا قام مداللّه لشيعتنا في اسماعهم وابصارهم حتى لا يكون
بينهم وبين القائم(عج) بريد، يكلمهم فيسمعون، وينظرون اليه
وهو في مكانه((572))» ويقول الامام الصادق في مناسبة
اخرى: «ان المؤمن في زمان القائم وهو بالمشرق ليرى اخاه
الذي في المغرب، وكذا الذي في المغرب يرى اخاه الذي
بالمشرق((573))» ويقول الامام الصادق(ع) بهذا الصدد ايضا: «اذا تناهت الامور الى صاحب هذا الامر رفع اللّه تبارك وتعالى له كل منخفض من الارض، وخفض له كل مرتفع حتى تكون الدنيا عنده بمنزلة راحته فايكم لو كانت في راحته شعرة لم يبصرها» ((574)) ويقول الامام الباقر(ع): «انما سمي المهدي لانه يهدي الى امرخفي حتى انه يبعث الى رجل لا يعلم الناس له ذنب فيقتله، حتى ان احدهم يتكلم في بيته فيخاف ان يشهد عليه الجدار» ((575))
6- الرخاء والرفاه في عصر الظهور: المدينة الفاضلة
الاسلامية هي الحلم والطموح في حياة ملؤها رفاه ورخاء،
ستكون الحياة الاقتصادية مفعمة بالرخاء، حياة بلا عوز ولا شقاء،
سيولي زمن الجوع والحرمان الى الابد، فالارض معطاء، والعدالة
في كل شي،في التوزيع، وفي فرص العمل و... فهي المهيمنة
ولن يكون هناك اي تمايز طبقي، لن يكون الحال كما هو عليه
اليوم في توزيع الثروة، حيث يمسك اقل من عشرين بالمئة من
الافراد بثروة تفوق ثمانين بالمئة من المجموع ولا يتمتع
ثمانون بالمئة من الافراد باكثر من عشرين بالمئة من تلك
الثروة، لذا لن يكون هناك يومئذ طبقة صغيرة تضم الاثرياء
وطبقة واسعة مسحوقة تضم البؤساء والفقراء.؟؟؟؟
وقد جاء في الماثور من روايات اهل البيت(ع): «انه يبلغ سلطانه
المشرق والمغرب وتظهر له الكنوز ولا يبقى في الارض خراب
الا ويعمره» ((576))
وجاء عن الامام الصادق قوله: «اذا قام القائم حكم بالعدل وارتفع
في ايامه الجور وامنت به السبل واخرجت الارض بركاتها ورد
كل حق الى اهله.. وحكم بين الناس بحكم داودوحكم محمد (،
فحينئذ تظهر الارض كنوزها وتبدي بركاتها ولايجد الرجل
منكم يومئذ موضعا لصدقته ولا لبره لشمول الغنى جميع
المؤمنين» ((577))
ويبدو من خلال هذا الحديث ان ثورة في عالم الزراعة
سوف تحدث، وسيتم الكشف عن جميع المناجم، وتبدا حركة
من الاستثمار المطرد، وتتقدم وسائل الاستكشاف لاستخراج
ماتدخره الارض من كنوز كثيرة، وسيطرا تحول كبير في
الثقافة الزراعية، بحيث يكون محصول الهكتار الواحد من
الارض على سبيل المثال اضعافا مضاعفة عما كان عليه في
العصر الحاضر. يقول الامام على(ع): «يزرع الانسان مدا، يخرج له سبعمائة مدكما قال اللّه تعالى: (كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة واللّه يضاعف لمن يشاء)((578))» وعن النبى(ص) قال: «ويخرج له الارض افلاذ كبدها ويحثوالمال حثوا ولا يعده عدا» ((579)) وعنه صلوات اللّه وسلامه عليه وآله: «ابشركم بالمهدي يملاالارض قسطا كما ملئت جورا وظلما، يرضى عنه سكان السماءوالارض يقسم المال صحاحا»، فقال رجل: ما معنى صحاحا؟قال (: «بالتسوية بين الناس، ويملا قلوب امة محمد غنى ويسعهم عدله حتى يامر مناديا ينادي يقول: من له بالمال حاجة فلا يقوم من الناس الا رجل واحد ثم يامر له بالمال فياخذ ثم يندم ويرد((580))»
7- رحلات الفضاء في عصر الظهور: وبسبب التطور
العلمي والتكنولوجي الهائل في عصر الظهور تصبح رحلات
الفضاء امراميسورا، وكما هو الحال في السفر من قارة الى
اخرى، يصبح السفر من الارض الى الاجرام والكرات السماوية
امرا عاديا، اي ان الحياة في الارض سوف تدخل مرحلة جديدة
بحيث لايمكن مقارنتها عما كانت عليه قبل عصر الظهور.
فالمقارنة بينهماكالمقارنة بين الحياة الاوروبية في القرون
الوسط ى والحياة في العصر الحاضر.
ربما نستطيع تصور ذلك، ولكن هذا التطور الذي
سيحدث بعضه بطريقة خارقة سيكون احد الاسباب في ايمان
الناس بالمهدي.
روي عن الامام الباقر(ع): «... وذخر لصاحبكم الصعب »،
قال:قلت: وما الصعب؟ قال: «ما كان من سحاب فيه
رعدوصاعقة اوبرق، فصاحبكم يركبه،
اما انه سيركب السحاب ويرقى في الاسباب اسباب
السماوات السبع والارضين السبع» ((581))
ومن الطبيعي ان المقصود من ركوب السحاب ليس ارتقاءنفس
الغيوم
وانما يشير الى تصنيع وسائل خارقة السرعة ونماذج
متطورة جدا من الصواريخ الكونية.
8- الامن في عصر الظهور: يشغل الامن من بين
حاجات الانسان الذروة، فالشعور بالامن والطمانينة امر حياتي
على جميع الاصعدة، ذلك ان الانسان ينشد الامن
الاخلاقي،الاقتصادي، الحقوقي، الاجتماعي والامن العائلي
والى غير ذلك من مجالات الحياة المتنوعة.
ومن خلال الروايات الواردة عن اهل البيت ان المدينة الفاضلة
الاسلامية هي مدينة تنعم بالامن الكامل والحقيقي.
وقد بشر القرآن الكريم عباده المؤمنين الذين استضعفوا
وقهرواوعاشوا حياة الرعب والخوف والقلق تحت نير
الحكومات الظالمة، بشرهم بالامن وسيادة الحكم الالهي
العادل، قال تعالى:(وعد اللّه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات
ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم
وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد
خوفهم امنا..) ((582))
وهذه الية الكريمة تتضمن وعودا الهية حتمية:
الاستخلاف في الارض، يعني حاكمية الانسان الالهي واجراء
العدالة والحق.
انتصار الدين الحق، ويعني انتشاره وتحوله الى ثقافة
عالمية عامة لها حضور في كل مجالات الحياة.
انتشار الامن وانحسار زمن الرعب والخوف والقلق،
حيث تعيش المجتمعات في حالة تامة من الاستقرار والهدوء.
يقول الامام زين العابدين (: «هم واللّه شيعتنا يفعل اللّه ذلك بهم
على يدي رجل منا وهو مهدي هذه الامة» ((583))
ويقول الامام الصادق(ع): «نزلت في القائم واصحابه» يعني الية
الكريمة.
9- التربية في عصر الظهور: لقد سعى الانسان خلال
القرون الاخيرة من خلال اعمال المعادلات الاقتصادية
والسياسية،واستخدام كافة الامكانات العلمية والتقنية الى
اعادة قدر من الرفاه الى هذا العالم. والن وبعد كل هذا الكفاح
والسعي الطويل لم يحصد سوى المرارة وخيبة الامل. الانسان
في العصر الحاضرينظر الى العالم فيراه مظلما موحشا شديد
الخواء، هذه النظرة التي تفرز في داخله احساسا بالهلع والضياع،
وهكذا مشاعر تقود حسب راي المفكرين الى زوال النوع
الانساني.
اما المدينة الفاضلة الاسلامية فهي لا تتحدث عن
النموالاقتصادي والثراء المادي فقط، ذلك ان مهندسي هذه
المدينة ينظرون الى الانسان نظرة شاملة تكفل له فرص
التكامل والنموفي جميع ابعاد الشخصية الانسانية.
فالمدينة الفاضلة الاسلامية لا تعد بتحقق الجنة الارضية الااذا
استقبل الانسان اشعتها من السماء. وهكذا تكتسب تربية الانسان
في روحه ونفسه وتجذير القانون الاخلاقي واثراءالفضائل
الانسانية اهمية كبرى لبرامج عصر الظهور ((584))
والنموذج الاسلامي للمدينة الفاضلة لا يمتاز بتالق
العدالة والرخاء والامن فحسب، وانما ايضا بالنمو الاخلاقي
وتنمية السجايا الانسانية النبيلة.
وفي هذه التربة الصالحة والبيئة الصحية ينشا النموذج
الصالح للفرد والمجتمع. الانسان في هذه المدينة سينعم بالثراء
المادي والروحي على السواء. |