الشخصية المحمدية هل قصرنا معها؟ وما هي وظيفتنا تجاهها؟

 الشيخ حيدر حب اللّه

 

يمثل النبي محمد بن عبد اللّه (ع)اعظم شخصية في الاسلام، فهو صاحب الرسالة، وهو المبلغ عن اللّه تعالى، وهو نافذتنالعالم السماء وسبيلنا الى الوحي الالهي، هو الذي كانت سنته حجة، وسيرته ملهمة للاجيال والشعوب، رمز من رموزالانسانية، وشخصية من كبرى شخصياتها التي غيرت التاريخ وبدلت فيه وحولت.

وقد دخلت شخصية هذا النبي العظيم مجال السجال بين الاديان، واتخذ بعض الذين انكروا نبوته مواقف سلبية منه في‏بعض الاحيان، فاتهمه بعضهم بالكذب والدجل والافتراء، وخفف بعضهم خطابه ليرى فيه رجلا توهم ما كان فيه صلاح‏مجتمعه، الى الفترة الاخيرة التي كثرت فيها السجالات حول الاسلام والنبي، فكان كتاب «الايات الشيطانية‏» تصويرا لصورة‏غير حسنة عن رسواللّه(ص)، الى آخر ما حدث عام 2006م من كاريكاتورات اعتبرت مهينة للاسلام والمسلمين،واثارت ضجة عارمة في انحاء مختلفة من العالم.

1- لن اتحدث هنا بلغة سجالية مع الاخر، وانما اريد ان امارس نقدا على الذات حتى لا نكتفي بتوجيه اللوم الى الاخرالذي نراه يستحق اللوم ايضا، هل قصرنا نحن مع شخصية الرسول(ص)؟ هل ساهمنا في هذه الصورة المشوهة من حيث‏نشعر او لا نشعر؟ ما هو واجبنا تجاه هذا النبي الكبير؟ لسنا نرتاب في ان علماء المسلمين كتبوا حول الرسول(ص)وشخصيته وسيرته وحقوقه كتبا كثيرة ما تزال ظاهرة باهرة‏حتى اليوم، لكن السؤال الاول: هل عرض العلماء المسلمون شخصية النبى(ص)بوصفها شخصية حضارية ام عرضوهاشخصية اسلامية داخلية؟ اعتقد ان هذا السؤال يمثل مدخلا بالغ الخطورة، فقد كتب القاضي عياض اليحصبي (544ه‏-) مثلا كتاب «الشفا بتعريف‏حقوق المصطفى‏»، وفعل ذلك غيره، لكن الم يصور لنا القاضي عياض النبي رجل المسلمين لهذا حدثنا عن حقوقه عليناو..؟ وهل فكر في ان يعرضه رجلا للبشر جميعا، اي هل كانت هذه الفكرة ساكنة في وجدان القاضي عياض- وناخذه هناانموذجا فقط- ان يصور النبي لشخص لا يؤمن به سلفا ويقدمه انسانا عظيما قبل ان يكون التصور العقيدي له ذا دور في‏الترحيب بسلوكه ومشروعه؟! لعل الكثير منا- نحن المسلمين- تصور رسول اللّه وصوره بعيدا عن البعد الحضاري في شخصيته، اي تجاوز الاطارالاسلامي العقيدي في شخصية هذا الرجل، كي يتسنى تعميمه حضاريا، لهذا وجدنا تركيزا على البعد النبوي فيه، مثل‏الحديث عن خصائص النبي، كما فعل في قسم كبير من كتابه، السيوط‏ي (911ه‏-) في «الخصائص الكبرى‏»، او الفقهاء في‏بدايات ابحاث كتاب النكاح من علم الفقه الاسلامي.

ان ادخال البعد الحضاري الذي يتخط‏ى عناصر الاعتقاد، لعرض رسو اللّه(ص) في سياق انساني عام، بات حاجة ملحة اليوم في عالم حوار الحضارات، او تعارفها، لابد ان ياخذه بعين‏الاعتبار المسلمون وعلماؤهم.

2- واذا دخلنا من البعد الحضاري الى البعد العلمي في دراسة شخصية الرسول(ص)وتاريخه وسيرته، لم نجد كثيرامساهمات تحقيقية بحثية جادة تنقح سيرة الرسول(ص)وتدرسها لتعرف صحيحها من سقيمها، لقد غلب على كتب السيرة‏طابع السرد الحولي او ما يشبهه، وقلما وجدنا وقفات جادة على امتداد النصوص الحاكية عن النبي، تحاكم هذه النصوص‏على اسس النقد التاريخي والحديثي والرجالي من جهة، وتحكم لها او عليها على اسس ومعايير نقد المتن وعرضها على‏العقل وحقائق التاريخ، وعلى الكتاب الكريم ايضا.

نعم، هناك محاولات، لكنها لا تمثل الاتجاه السائد في التعاط‏ي مع السيرة النبوية، فقد تجد بحثا فقهيا يتناول بجدية‏مسالة ما في سيرة النبي يتصل بشخصيته، وآخر فلسفيا او كلاميا يقوم بالامر عينه، لكنك قلما تجد كتابا في سيرة النبي‏وتاريخه يتعاط‏ى النصوص التاريخية بشانه بمنطق العلم ومعاييره، لا منطق الخطابة او العاطفة او الانفعال، وهذا ما يدعولسيرة علمية لحياة الرسول(ص)، ولتكون هذه السيرة هي الثقافة السائدة في اوساط المسلمين في الصورة التي ينحتونهاعن شخصية النبى(ص)في عقولهم ووعيهم.

3- واذا دخلنا الى المناخ الشيعي، تظهر امامنا تهمة يتهم بها الشيعة، وهي عدم اهتمامهم بالنبى(ص)وعدم تاليفهم كتبا في‏سيرته وحياته الا قليلا، وانه شخصية مغيبة في حياتهم نسبة لحضور مفهوم الامام عندهم، حتى اخذ بعضهم يتحدث عن‏انحراف عقائدي بسبب ذلك.

لعل هناك بعض الاسباب التاريخية التي اضطرت- في بعض الفترات- الشيعة ان يركزوا على شخصية الائمة (ع) اكثر من‏تركيزهم على شخصية النبى(ص)، كونهم يريدون اثبات مذهبهم امام سائر المذاهب الاخرى، الامر الذي يضطرهم لتناول‏قضايا الخلاف التي تركز على مفهوم الامامة ومستتبعاته، كما ان وجود نصوص كثيرة متوفرة عن ائمة اهل البيت(ع)، سيماالباقر والصادق(ع)، جعل حضور نصوص الائمة في دراساتهم مميزا وبارزا، نعم هذا كله لا يبرر الاتهام العقائدي للشيعة‏بذلك، لكنه يطالب الشيعة اليوم ان يهبوا للمساهمة في هذا المجال، لدرء الشبهة عنهم من جهة، وتفويت الفرصة على‏المغرضين من جهة ثانية، وتلافي بعض النواقص من جهة ثالثة، ولهذا يفترض تفعيل درس شخصية الرسول وتاريخه‏ونصوصه في المجتمع الشيعي باطيافه وطبقاته، واعادة استحضار المفاهيم اللصيقة بذلك، كي يكون الرسول- كما هو دوما- حاضرا في الوعي واللاوعي معا، على مستوى الفرد والجماعة والامة، في البحث العلمي وفي الحياة اليومية.

من الضروري حصول نهضة شيعية على مستوى دراسة حياة النبي (ص)وكل ما يتصل به، ومن الضروري ايضا جمع كل‏التراث الشيعي حول شخصية النبى(ص)واعادة تحقيقه واخراجه من بطون المخطوطات، حتى انه يمكن جمع الابحاث‏الموزعة في الكتب المختلفة عند علماء الشيعة، كي تعبر عن مساهماتهم التاريخية في دراسة شخصية الرسول(ص)، وبهذايتضاعف الوعي العام بالرسول، وتتطور الدراسات حوله، كما حصل على الصعيد القرآني، حيث كانت النهضة الشيعية‏الاخيرة في مجال علوم القرآن والتفسير، نهضة جادة، بدات بالفعل في تكثيف حضور النص القرآني، بما فوت الفرصة على‏الكثيرين ممن يتهمون الشيعة في عقيدتهم حول القرآن الكريم.

4- من هنا، نرى ان مما دفع بعض الباحثين او الكتاب الغربيين لتكوين صورة سلبية عن الرسول(ص)، كان عدم وجوددراسة مستوفية لما في مصادر الحديث الاسلامي عن شخصية الرسول، اذ ادى ذلك الى استغلال بعض الروايات المشينة‏للرسول(ص) في اخلاقه وفي علاقاته بنسائه، بهدف عرضه صورة مشوهة للعالم، انطلاقا من مصادر المسلمين انفسهم، ان‏هذا ما يضاعف الحاجة لتنقية كتب الحديث من الخرافات والاباطيل والمقطوع بطلانه عمليا، والافصاح عن ذلك بكل جراة‏معرفية، كي لا يجري توظيف هذه النصوص توظيفا سلبيا لدى الاخر.

طبعا، عندما نقول ذلك من الضروري ان نعرف اننا لا نقوم بتصفية الحديث مما هو باطل علميا لاجل ان يرضى الاخر،بل المطلوب ان يكون نقدنا للحديث ومصادر السيرة نقدا علميا موضوعيا غير ناشى من اي عقدة خوف من الاخر، بل‏الهدف هو المعرفة فحسب، وبعدها نكون مسؤولين عن الدفاع عن الشخصية التي ثبتت علميا للرسول(ص)، والا فلسنامضطرين لارهاق انفسنا وطاقتنا في الدفاع عن اشياء لم يسبق ان خضعت- كما تتطلب الحاجة- لبحث علمي مقنع‏تماما، نتحمل مسؤوليته.

كما اننا غير مضطرين، كما يفعل بعضهم، ان نشوه صورة الرسول الكريم لاجل تلميع صورة هذا الصحابي او ذاك، اوبيان مكرمة هذا الامام او ذاك، فالكل لهم قدرهم ومكانتهم، لكن يفترض ان لا تجرنا الخلافات المذهبية- مع الاسف- الى اثبات نظريات مذاهبنا على حساب هذا الرسول العظيم، وهو الامر الذي نراه مبثوثا في مرويات المسلمين هنا وهناك‏مع الاسف الشديد.

5- وعلى هذا الاساس، ينبغي عرض الصورة الانسانية للرسول(ص)، ومكارم اخلاقه، وبعد الرحمة والتسامح فيه، ومنهج‏تعامله مع الاخر، فالنص القرآني قدم لنا صورة عن النبى(ص)تختلف كثيرا عن بعض الصور التي تقدمها لنا بعض‏التصورات التي قد تستند الى بعض الاحاديث، وقد تكون ضعيفة.

لقد وصف القرآن النبى(ص): (وانك لعلى خلق عظيم) (القلم: 4)، ولم نجد من انكر من العرب خلق الرسول اللّه(ص)، كماوصفه (فبما رحمة من اللّه لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) (آل عمران: 159)، وهي الاية التي‏تكشف سلوك الرحمة في رسول اللّه (ص)والشفقة والرافة والادب الرفيع.

ان التركيز على القرآن في دراسة سيرة الرسول(ص)وصفاته امر ضروري، ذلك ان القرآن- بالنسبة لنا- مصدر قطعي، وقدحوى الكثير مما ينفع في تدوين سيرة النبى(ص)، لهذا يفترض ان يجعل النص القرآني احد اهم اسس ومصادر دراسة‏السيرة النبوية، وان لا يكتفى بكتب الحديث والتاريخ، فميزة القرآن انه يصح معيارا لوزن تلك الكتب والمراجع التاريخية‏والحديثية عن المسلمين.

من هنا، تتاكد الدعوة للكتابة لسيرة النبى(ص)القرآنية)، فهي صورة اقرب الى اليقين- عند المسلم- من اى صورة‏اخرى، كما يجب التمييز في دراسة حياة النبي بين عناصر الخلود في شخصيته وعنصر المرحلية التي استدعتها ظروفه‏التاريخية.

(فبما رحمة من اللّه لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم ..) [آل عمران: 159.]

حيدر حب اللّه

 

 التخريجات الفقهية للمعاملات البنكية / القسم الاول

 

السيد محمد باقر الصدر

بقلم: السيد عبدالهادي الشاهرودي البحث الحالي عبارة عن محاضرات رمضانية القاها المفكر الاسلامي الشهيد السيد محمد باقر الصدر( على طلابه في‏النجف الاشرف ابتداء من ليلة السبت 4/رمضان/1389ه‏-، وفرغ من القائها في 29 منه، وذلك في اطار تدوين كتابه(البنك اللاربوي في الاسلام) الذي نشر في هذا العام، والذي لم تسمح طبيعته باستعراض بعض جوانب الموضوع بالنحوالمتعارف في الدرس الفقهي المتبع في الحوزات العلمية، فسعى المصنف الى سد بعض هذه الثغرات من خلال ملحقات‏الكتاب ومن خلال هذه المحاضرات التي لم تستوعب كل ما وعد المصنف ببحثه.

يشار الى ان هذه المحاضرات كانت قد دونت في محضر الدرس من قبل السيد عبد الهادي الشاهرودي الذي تفضل‏بنسخة عنها الى «المنهاج‏»، وقد قام الشيخ احمد ابو زيد بتهذيبها وتنظيمها وتحقيقها.

تمهيد هناك نحوان من التعامل يحكمان علاقة الناس بالبنوك، فان الناس صنفان: 1- فمنهم من يملك اموالا زائدة لا يحتاج اليها فعلا، فيقرضها للبنك لتبقى في ذمته، ويكون على الاخير تسديد نسبة من‏ارباحها الى صاحب الدين.

2- والصنف الاخر عبارة عن اصحاب العمل الذين يحتاجون الى المال والسيولة، فيعمدون الى الاقتراض من البنك،والذي يفرض بدوره على هذه القروض نسبة وزيادة تفوق النسبة التي تدفعها البنوك الى اصحاب رؤوس الاموال في‏الحالة الاولى.

ومن المعلوم ان كلا هاتين المعاملتين ربوية ومحرمة في الشريعة الاسلامية. ونحن نريد من خلال هذه المحاولة ان‏نستخرج شكلا اسلاميا يمكن على اساسه تنظيم المعاملات المصرفية دون الوقوع في الربا. ولكي تتسنى لنا مناقشة‏المسائل بوضوح عند التوغل في البحث، نرى من اللازم بمكان ان نتعرض لبيان ثلاثة امور تشكل مدخلا للبحث، وذلك‏في فصول ثلاثة: الفصل الاول: في تحديد معنى القرض، وذلك لمعرفة ما اذا كانت المعاملات التي نتناولها بالبحث داخلة في القرض او في‏غيره من المعاملات.

الفصل الثاني: في تحديد معنى الربا، وذلك للوقوف على معنى (القرض الربوي) الذي يتوجب علينا تجنبه والاحتراز عنه‏في مقام بلورة التخريجات.

الفصل الثالث: في بيان الواقع الخارجي للبنوك والمصارف وعلى اى اساس تقوم معاملاتها. ثم بعد الفراغ من تحديد هذه‏الامور ندخل في بحث المسالة.

الفصل الاول في تحديد معنى القرض ان حقيقة القرض لم تنقح في كلمات العلماء ولم يتعرضوا لبيانها، شانها في ذلك شان الكثير من حقائق المعاملات.

نعم، ورد تعريف القرض في كلمات شيخنا الاعظم(رحمه الله) بشكل مجمل ومن دون تنقيح، وذلك اثناء تعرضه لتعريف البيع، فقال‏ان القرض «تمليك على وجه ضمان المثل او القيمة‏». ((1)) والمتصور في معنى القرض وجوه وتحديدات عديدة: التحديد الاول لمعنى القرض التحديد الاول لمعنى القرض ما ذكره بعضهم من ان حقيقته هي المعاوضة، ونقض بذلك على من حدد البيع بانه تمليك‏بعوض، وقال: ان القرض ايضا تمليك بعوض، ولكنه يمتاز بخصوصيتين: الاولى: ان العوض يكون في الذمة وليس خارجيا دائما.

الثانية: ان الضمان فيه يكون ضمان غرامة ((2)) ولا يكون شكل الضمان فيه رهن اختيار الدائن، بمعنى ان الضمان لايختلف فيه بين حالة واخرى بحسب الخصوصيات بل هو امر ثابت، فلا يمكن ان يقرض زيد كتاب (الجواهر) على ان‏يؤدي كتاب (الحدائق)، فان ذلك يكون حينئذ بيعا.

وعليه، فكل تمليك معاوضة تحقق فيه هذان الشرطان فهو قرض، والا فهو بيع. فيتحصل من ذلك ان القرض هو تمليك‏مال بعوض، وهو عبارة عن المثل في المثلي والقيمة في القيمي ويكون ذلك في ذمة المقترض.

وقد اعترض الشيخ الاعظم على هذا التعريف بما شرحه السيد الاستاذ كما في التقريرات: فقد ذكر الشيخ الاعظم( ان‏مفهوم القرض ليس نفس المعاوضة، بل هو تمليك على وجه ضمان المثل او القيمة، لا معاوضة للعين بهما، ولذا لا يجري‏فيه ربا المعاوضة .((3)) وذكر سيدنا الاستاذ في شرح ذلك ان ربا المعاوضة يختلف عن ربا القرض: فان المناط الملحوظ في ربا المعاوضة هوالاختلاف في الكمية والحجم، واما ربا القرض فالمناط فيه الاختلاف في القيمة .((4)) فاذا كانت حقيقة القرض هي‏المعاوضة فيجب ان يجري فيه ربا المعاوضة، مع اننا اذا رجعنا الى الفقه نرى انه لا يجري فيه.

ومثل لذلك بان يقترض احد من صاحبه ريالا عراقيا ويدفع عن بدله الى المقرض اربعة دراهم، فان هذه الدراهم وان‏كانت مساوية للريالات في المالية، ولكنها زائدة عليها في المقدار، ومع ذلك لا يكون هذا ربا الا اذا استلزم زيادة في‏المالية، وهذا بخلاف المعاملات المعاوضية، فان شراء الريال الواحد باربعة دراهم معاملة ربوية قطعا ((5)).

مناقشة تقريب السيد الاستاذ لبيان الشيخ الاعظم ولكن ما ذكره السيد الاستاذ لا يمكننا الموافقة عليه، فان ما اقترضه يتصور بنحوين: اذ تارة يشترط ان يكون الاداء عند انتهاء العقد باربعة دراهم، بحيث لو ادى اليه ريالا يكون بامكانه عدم قبوله والزامه‏باداء اربعة دراهم.

واخرى لا يشترط ذلك في العقد.

ومن المعلوم في الصورة الاولى دخول المعاملة تحت عنوان (البيع الربوي) المحرم في الشريعة الاسلامية، [لان تعيين‏البدل ان اخذ في نفس المعاملة القرضية وفرض في نفس انشاء القرض كون البدل اربعة دراهم، فهذا ليس قرضا حتى عندمن ادخل القرض في باب مبادلة مال بعوض، لفقدان الشرط الثاني، وانما هو بيع، وهو ربوى محرم].((6)) واما في الصورة‏الثانية، فحيث لم يعين ما به الاداء فهو مرخص في الاداء باى بدل اراد.

وهنا نقول: ان ها هنا في الحقيقة معاملتين: احداهما معاملة القرض، والثانية معاملة الاداء: 1- معاملة القرض: اما المعاملة الاولى، فلم يكن فيها عند انشاء عقد القرض تخالف بين العوض والمعوض، فينشئ‏اقراض هذا الريال بما يساويه من دون اى نظر الى الخصوصيات، فلا يكون في البين ربا.

2- معاملة الاداء: واما الوفاء- اي عملية افراغ ما كان في ذمته- فقد اختلف فيه على قولين: الاول: انه معاملة ثانية،والثاني: انه تطبيق لما كان في ذمته على المال الخاص، وهذا هو الصحيح.

واما على القول الاول، فلو كان فيه ربا فلا علاقة له بالقرض، اذ الفرض انه عقد ثان ومعاملة ثانية مغايرة لعقد القرض، فلايكون عقد القرض مبتلى بالربا.

واما على القول الثاني، فمن المعلوم انه ليس بربا، لان ما كان في ذمته هو المقدار الكذائي، وهذا المقدار له فردان: احدهماالريال، والاخر هو الاربعة دراهم، وقد اختار المديون الشق الثاني عند التطبيق.

فالاحسن ان يقال في مقام الجواب عن هذا الوجه ان الارتكاز العقلائي قائم على عدم حساب ذلك في المعاوضات‏والمعاملات.

هذا مضافا الى الروايات الواردة في باب تبادل المثل بالمثل، فانها: ا- تارة تقول بحرمة التخالف مطلقا وذلك في المكيل والموزون، سواء اكان نقدا ام نسيئة.

ب- واخرى تحكم بالجواز مطلقا، سواء اكان نقدا ام نسيئة في ما لم يكن من المكيل ولا من الموزون ولا من المعدود.

ج- وثالثة تفصل بين النقد وبين النسيئة، فتجوز في النقد وتحرم في النسيئة، وذلك في المعدودات.

وملاحظة هذه الروايات تدل على ان مضمون القرض مضمون آخر غير مضمون المعاوضة، فانه لو كان هو المعاوضة‏لكان هو عين النسيئة في هذه الروايات، مع ان الظاهر من هذه الروايات ان النقد والنسيئة كلاهما من البيع.

هذا تمام الكلام في الوجه الاول من معنى القرض. وقد ظهر ان هذا الوجه يحاول الحاق القرض بالمعاملة والمعاوضة.واما الوجوه الاتية فكلها تحاول اخراجه من المعاوضة.

تحديد المحقق الايرواني لمعنى القرض اما التحديد الثاني لمعنى القرض فما ذكره المحقق الايراواني(قدس‏سره) في حاشيته على اول (كتاب البيع) حيث ذكر في‏الفارق بين البيع والقرض ان القرض مركب من امرين وليست المعاوضة احدهما.

وقد ذكر(قدس‏سره) ان القرض ينحل في الحقيقة الى امرين، وهما «الهبة‏» و«الاستئمان‏»: اما الهبة فبالنسبة الى العين، فان‏المقرض يرفع يده عن العين ويدفعها الى المقترض مجانا وبلا عوض. واما الاستئمان فبالنسبة الى مالية العين، فانه يستامن‏مالية العين عند المقترض وفي ذمته على ان يردها اليه في راس الاجل، ولاجل ذلك يطالب حينما يطالب بماله لا بعوض‏ماله، فلا معاوضة في القرض بوجه، وانما هو اعراض عن خصوصية العين واستئمان لماليتها ((7)).

مناقشة تصوير المحقق الايرواني(قدس‏سره) الا ان الوجه الذي ذكره المحقق الايرواني ليس فنيا، اذ يمكننا التساؤل حول ماهية هذه المالية المستامنة؟! والمتصور فيهاافتراضات ثلاثة: الاول: ان تكون هذه المالية هي المالية الشخصية المتقدمة بشخص المال الذي اقرضه. الثاني: ان تكون‏هي المالية المطلقة بلا وعاء تتشخص فيه. الثالث: ان تكون هي المالية في ذمة الطرف. وهذه الفروض الثلاثة كلها باطلة‏ولا تلائم ما ذكره(رحمه‏اللّه).

1- اما الافتراض الاول فهو معلوم البطلان، فان من الواضح ان المال الذي يقترضه الشخص يصبح ملكا له بتمام جهاته‏وخصوصياته، وليس للدائن اى حق فيه. ولو كانت مالية نفس هذا المال مستامنا عليها لكان معنى ذلك وقوع نوع من‏الشركة في هذا المال.

2- واما اذا قيل بان المالية- بما هي- هي المستامن، فما يكون في ذمة المدين هو المالية المطلقة، وهذا ما لا معنى له،فان المالية المطروحة في البحث هي المالية التي تكون بمثابة المناط العقلائي، وهي تتقوم باحد امرين: الخارج او الذمة.فظهر ان القول بان المالية المستامنة هي المالية المطلقة ليس له وجه عقلائي.

3- واما الافتراض الثالث- وهو ان يكون متعلق الاستئمان هو الذمة، بحيث تكون مالية العين المستامنة هي المالية‏المتقومة بذمة المديون- فيرد عليه: ان الاستئمان على هذه المالية الموجودة في ذمة الطرف فرع ان يكون للمقرض مالية‏ثابتة في ذمة المدين.

ومن هنا وجب ابراز نكتة دخول مالية العين المستامنة في ذمة المدين لصالح الدائن، ولا يكفي مجرد القول بان القرض‏مركب من الهبة بالنسبة الى العين ومن الاستئمان بالنسبة الى ماليتها.

تحديد السيد الخوئي لمعنى القرض الوجه الثالث المطروح في تحديد حقيقة القرض هو ما ذكره السيد الاستاذ وهو في صدد شرح ما اختاره الشيخ‏الاعظم(قدس‏سره)، فقد ذكر الشيخ الاعظم ان القرض «تمليك على وجه ضمان المثل او القيمة((8)) ».

وقد ذكر سيدنا الاستاذ شرحا لذلك: ان القرض تمليك في مقابل الضمان، ومع ذلك فهو ليس معاوضة. وبيان ذلك ان‏الضمان فيه احتمالان: 1- ان يكون الداخل في العهدة هو المثل في المثلي او القيمة في القيمي.

2- ان يكون الداخل في الذمة هو نفس العين.

فلو اخذ بالمعنى الاول للضمان فعلى هذا يكون القرض معاوضة، غاية الامر ان العوض يكون في عهدته، فالمعوض‏يكون خارجيا والعوض يكون في العهدة. ولكننا نقصد المعنى الثاني للضمان، اي دخول نفس العين في العهدة، فيكون‏القرض على هذا تمليكا بشرط دخول نفس العين في العهدة، وهذا ليس بمعاوضة، فان الداخل في العهدة هو نفس ماملكه، غاية الامر انه يتبدل الى عوضه.

وبيان ذلك: ان الغصب مثلا- وهو الذي يكون الضمان فيه ضمان اليد والغرامة- موجب لدخول المال في عهدة الغاصب،فلو تلف المال المغصوب في يد الغاصب ينتقل ما في العهدة من نفس التالف الى بدله. اذا، عند الغصب دخل نفس المال‏بتمام خصوصياته في عهدة الغاصب، وبعد التلف وعدم امكان اعطاء نفس المال تبقى الخصوصيات النوعية مضمونة وفي‏عهدة الغاصب، فيتوجب عليه اعطاء المثل.

كان هذا في الغصب، وما نحن فيه من هذا القبيل، لكن مع فارق واحد، وهو ان الانتقال الى البدل يصار اليه في الغصب بعدالتلف، واما في المقام فينتقل الى البدل من اول الامر، فيكون معنى ان (القرض هو تمليك في مقابل الضمان) التمليك في‏مقابل ضمان العين ولو ببعض مراتبها.

هذا ما ذكره السيد الاستاذ في شرح ما ذكره الشيخ الاعظم(قدس‏سره) ((9)).

مناقشة السيد الاستاذ ويمكن النظر في كلام السيد الاستاذ من جهتين: الجهة الاولى: اننا لو سلمنا بان القرض هو التمليك في مقابل الضمان، فمن المعلوم ان المضمون ليس هو العين وانماالكلي.

وهذا اذا لم يضم اليه عناية فهو معاوضة، فيحتاج حينئذ الى عناية تثبت ان الكلي انما دخل في الضمان لكونه مرتبة‏من مراتب نفس العين.

وتوضيح ذلك: ان نفس المال في مورد الغصب يكون من اول الامر داخلا في العهدة، ثم بعد التلف وتعذر رد العين يتنجزالكلي على المكلف عوضا عنه، اي ان رد المثل انما يصار اليه لكونه وجودا اضطراريا مسامحيا لنفس العين، وهنا تكمن‏العناية التي يتضح بها كون الكلي وجودا اضطراريا مسامحيا للعين، وهذه العناية واضحة، بحيث لو رجعت العين بعد التلف‏الى حالتها الاولى بقدرة اللّه فلا يشك العقلاء في انه يجب على الغاصب رد نفس هذه العين الى المغصوب منه.

واما في المقام، فحيث ان الكلي يدخل من اول الامر في الذمة، فنحتاج من اجل الفرار من كونه معاوضة الى عناية يثبت‏بها ان الكلي وجود اضطرارى مسامحى لنفس العين، وما لم يتضح وجود هذه العناية فلا يمكننا ان ننفي المعاوضة، بل‏تثبت المعاوضة بين الشخصي ومثله الكلي في الذمة.

الجهة الثانية: ان في البين التباسا بين العهدة وبين الذمة، فالاولى التعرض لبيان الفارق الكامن بينهما، وبعد ذلك نستطيع ان‏ننظر في ما افاده دام ظله هل يتم او لا يتم ؟! فنقول: ان العهدة تختلف عن الذمة وتغايرها، وهما وان كانا يجتمعان في‏بعض الموارد، الا انهما يفترقان في بعضها الاخر: اما موارد الاجتماع فنمثل لها بما لو غصب شخص مال شخص آخر فتلف المال في يده، فحينئذ تشتغل ذمة الغاصب بهذاالمال وتكون عهدة المال عليه، وذلك بان يرده. اذا هذا مثال لموارد الاجتماع كما ذكرنا.

واما موارد الافتراق مع تفرد العهدة، فكما لو غصب المال دون ان يتلف، فان المال لا يدخل في ذمة الغاصب، وانما يكون‏في عهدته ارجاع هذا المال الخارجي.

واما موارد الافتراق مع تفرد الذمة، فكما لو اشترى شخص كتابا بدينار ولم يحصل التقابض، فان ذمة المشتري تشتغل‏حينئذ بدينار للبائع، الا ان عهدة ذلك المال لا تقع عليه الا بعد حصول القبض.

اذا علم ذلك نقول: ان من المعلوم ان الامرين موجودان معا في القرض، فان في ذمة المدين مالا بذلك المقدار للدائن، وفي‏الوقت نفسه يقع على عهدته اداء ذلك المال. فعلى ذلك يجب ان يكون الوجه مبرزا لهذه الخصوصيات كلها، وما ذكره‏سيدنا الاستاذ من انه تمليك في مقابل الضمان لا يكفي لاثبات اشتغال الذمة.

وبيان ذلك: انه لما اخذ بمثابة الركن في كلامه ان يكون التمليك في مقابل ضمان نفس العين ولو ببعض مراتبها، فحينئذ لاتنشغل ذمة المديون، وانما يقع على عهدته ارجاع المال.

اذا لو كانت حقيقته ضمان نفس العين ولو بمراتبها الفوقية وكان ضمان هذه المراتب لبدليتها عن نفس العين، فلا يكون‏حينئذ وجه لارتكاز اشتغال الذمة.

التحديد الرابع والمختار لمعنى القرض واما الوجه الرابع فنحن مكلفون فيه ببيان حقيقة القرض بنحو يجاب به عن جميع الارتكازات العقلائية الموجودة فيه، من‏ملكية المديون للمال واشتغال ذمته والوقوع على عهدته.

وهنا نقول: عند القرض ينشا امران: احدهما: تملك المقترض‏للعين. والثاني: اشتغال ذمته.

وكل من الامرين لا ربط له بالمعاملة، بل التملك هو تملك الحيازة، والضمان ضمان اليد. وتوضيح المسالة: ان لليداقتضاءين عقلائيا، احدهما في طول الاخر: اولهما: هو اقتضاء الملكية، فان وقوع يد المكلف على مال غير متعلق بشخص موجب ومقتض للملكية.

ثانيهما: اقتضاء الضمان، فلو وقع نفس هذا المال المملوك بعد ذلك بيد شخص آخر، فان هذه اليد تكون موجبة للضمان.

الا ان اليد الثانية المقتضية للضمان كما قلنا تابعة لما يراه ويرتئيه صاحب اليد الاولى، فلو افترضنا مثلا ان زيدا عثر على‏مال وجعل يده عليه وتملكه بمقتضى حكم اليد، وبعد ذلك اتى عمرو وجعل يده على مال زيد المملوك له، ففي هذه الحالة‏تكون اليد الثانية مقتضية للضمان ولكن بتبعية ما يراه المالك صاحب اليد الاولى. ولكن: هل يسقط الاقتضاء الاول في‏الصورة الثانية راسا ام انه يكون مرهونا بما يراه صاحب اليد الاولى؟! والجواب: ان سقوطه رهن ما يختاره صاحب اليد الاولى، باعتبار انه كان باحترام يد الشخص الاول، فاذا اجاز ذلك لم‏يكن مانع من اقتضاء اليد الثانية في التملك، فتكون اليد الثانية من جهة الاقتضاء الاول والاقتضاء الثاني معا مرهونة لراي‏صاحب اليد الاولى وتابعة لما يقره ويستحسنه لها.

وبهذا البيان يعلم ان بامكان المالك اقرار ما يشاء وتطيب له نفسه، اذ يمكنه:

ا- تارة ان لا يرضى بالاقتضاء الاول ويرضى بالثاني، وذلك بان لا يرضى بجعل اليد الثانية على ماله.

 ب- واخرى لايرضى بكلا الاقتضاءين. ج- وثالثة يرضى بالاقتضاء الاول دون الثاني. د- ورابعة يرضى بكلا الاقتضاءين.

فالصور المطروحة في المقام اربع، وعلينا ان نلاحظها الواحدة تلو الاخرى لنرى ماذا تنتج كل واحدة منها: الصورة الاولى: في ما لو لم يرض المالك بالاقتضاء الاول ورضي بالثاني، اي انه لم يرض بذهاب ماله هدرا. وهذا القسم‏يتمثل في الغصب، فان المالك لا يرضى فيه بتملك الغاصب للمال وذهاب ماله هدرا.

الصورة الثانية: في ما لو لم يرض بكلا الاقتضاءين، اقتضاء الملكية واقتضاء الضمان، فيكون راضيا بهدر ماله ولكن دون‏رضاه بتملك صاحب اليد الثانية لهذا المال. وهذا القسم يتمثل في الاستئمان، وهو- اي الاستئمان- تارة يكون بالمعنى‏الاخص، واخرى بالمعنى الاعم: اما الاستئمان بالمعنى الاخص، فهو ما اذا كان سقوط التاثير في الملكية وفي الضمان لاجل اعتباره وجودا ثانيا لليدالاولى ونائبا عنها، فكانه نفس وجود اليد الاولى. وهذا القسم من الاستئمان يتمثل في الوديعة، وهي عبارة عن المال الذي‏يتصرف فيه غير المالك بالوكالة، ففي هذا القسم يكون ارتفاع الاثرين لارتفاع الموضوع بالنظر الحكومتي العقلائي.

واما الاستنابة بالمعنى الاعم، فلا يكون ارتفاع الاثرين لارتفاع الموضوع، بل بمقتضى ان المالك راى عدم امضاء الاثرين‏وطابت نفسه بذلك: فعدم التاثير في الملكية سببه حكم المالك عليه بذلك، كما ان عدم التاثير في الضمان يرجع الى ان‏المالك قد رضي بالهدر.

وهذا القسم يتمثل في الاستعارة، فان يد المستعير في باب الاستعارة تعتبر وبحكم النظر العقلائي نائبة عن يد صاحب‏المال ووجودا طوليا اعتباريا لتلك اليد، ويكون ارتفاع الضمان بسبب حكم المالك به ورضاه بهدر ماله في صورة عدم‏التفريط.

ومما ذكرناه تظهر النكتة الاساسية للتفريق المشهوري بين حكم الوديعة وبين حكم الاستعارة من ناحية اشتراط الضمان،فان الوديعة لا تقبل اشتراط الضمان، وذلك بخلاف الاستعارة.

ولو كانت يد الودعي وجودا ثانيا لنفس وجود يد المالك فلا معنى حينئذ لاشتراط الضمان فيها، باعتبار ان المالك لايضمن ماله اذا اتلفه بيده. واما في مورد الاستعارة فان يد المستعير يد للغير، ولم يكن عدم الضمان الا بسبب رضا المالك‏بالهدر، فاذا لم يرض به يكون ماله مضمونا له، فاذا اشترط الضمان فمعنى ذلك عدم رضاه بهدر ماله.

الصورة الثالثة: في ما لو امضى المالك الاقتضاء الاول دون الثاني، بان رضي بان يكون المال هدرا عليه، فهذه الصورة في‏الحقيقة تنطبق على الهبة، فان المالك في باب الهبة يكون راضيا بان يهدر المال عليه وبان يصبح الموهوب له مالكا لهذاالمال ولا يكون راضيا بضمانه، ولذلك كان القبض شرطا في تحقق الهبة.

الصورة الرابعة: في ما لو رضي المالك بالاقتضاء الاول والثاني معا، فيرضى المالك بتملك صاحب اليد الثانية ولكنه لايرضى بذهاب ماله هدرا.

وهذا القسم يتمثل في القرض: ففي القرض لا يكون المالك راضيا بذهاب ماله هدرا، ولكنه يكون راضيا بتملك المقترض‏لهذا المال. ولما كان المال من اول الامر يدخل في ملك المدين ويتلف على الدائن بذلك، فيتعلق الضمان من حين القرض‏بشي مطابق له في ذمة المدين ويكون عليه عهدة رده الى الدائن عند حلول الاجل، فالعين وان لم تتلف خارجا، الا انهاوبمجرد قبض المدين لها تتلف على المالك، لانها تدخل حينئذ في ملك المدين. ومن المعلوم ان الميزان في ضمان الغرامة‏هو التلف على المالك.

وعلى ضوء ما بيناه تظهر حقيقة تمام النكات والخصوصيات.

وقد ظهر ايضا عدم كون القرض من المعاوضة في شي.اطباق الفقه والارتكاز العقلائي واللغة على القبض في القرض ثم ان الفقيه اذا لاحظ ان الفقه الاسلامي كله مجمع على اشتراط القبض في القرض.. ولاحظ الامر نفسه بالنسبة الى‏الارتكاز العرفي العقلائي، فانه ومنذ ان حدثت القوانين العقلائية- في حدود علمنا- لا يوجد قانون عقلائي الا ويشترط‏القبض في القرض، فالقانون الروماني القديم وما نشا بعده من القوانين الفرنسية والالمانية كلها تشترط القبض فيه..

فاذالاحظ الفقيه ذلك حينها يستبعد جدا ان يكون حكم اشتراط القبض مجرد حكم تعبدي غير مستند الى اى ارتكاز عقلائي.

والى جانب ذلك يمكننا ملاحظة المعنى اللغوي للقرض، حيث نجد ان القبض قد اخذ في معناه على ما جاء في كتب اهل‏اللغة، اذ قالوا: اقترض اي اخذ مالا، واقرضه اي اعطاه مالا ((10)) يتقاضاه منه ((11))، حيث اخذ في معناه (الاخذ) و(الحيازة).

 

الاصلاح الديني و.. عند بعض الاعلام المحدثين (الكواكبي والنائيني ورشيد رضا)

 د. علي الضيقة

 

من مفكري عصر النهضة الذين جعلوا مسالتي الاصلاح الديني والسياسي همهم الدائم، وجعلوا قضايا المجتمع والانسان‏محور كتاباتهم: الكواكبي (1855- 1902)، والنائيني (1857- 1920)، ورشيد رضا (1865- 1935).

هؤلاء العلماء كانت لديهم اءطروحات وبرامج اصلاحية سياسية ودينية تصدوا من خلالها، ومن زاوية انتماءاتهم الثقافية‏والاجتماعية والدينية لازمة السلطة والمجتمع.

اولا: الاصلاح الديني والسياسي عند الكواكبي ((12)) يرى الكواكبي ان الاستبداد السياسي الذي مثلته السلطنة العثمانية على ايامه يرتكز على سلطة دينية، خصوصا ان الخليفة‏كان يمتلك بالاضافة الى السلطة الزمنية (السياسية)، السلطة الروحية (الدينية)، فهو الخليفة والسلطان في آن معا، وقدتداخلت في سلطته السياسية الشريعة، الى حد ان احداهما تشترط الاخرى، من هنا نفهم كلامه على ارتكاز الاستبدادالسياسي على الاستبداد الديني.

يقول الكواكبي: «انه ما من مستبد سياسي الى الان الا ويتخذ له صفة قدسية يشارك بها اللّه او تعطيه مقاما ذا علاقة مع‏اللّه، ولا اقل من ان يتخذ بطانة من خدمة الدين يعينونه على ظلم الناس باسم اللّه» ((13)). فهنا ينتقد بعض الفقهاء الذين‏يفسرون بعض الايات تفسيرا خاطئا بما يتوافق مع مصالحهم واهوائهم الشخصية، حيث يسميهم «فقهاء الاستبداد»،ويتساءل في هذا السياق: من اين جاء فقهاء الاستبداد بتقديس الحكام وترفعهم عن المسؤولية؟ فاوجبوا لهم الحمد اذعدلوا، والصبر عليهم اذا ظلموا، وعدوا كل معارضة لهم بغيا يبيح دماء المعارضين . ((14)) ينتقد الكواكبي بشدة هذه النظرة، ويرى ان حكومة الخلفاء الراشدين كانت مثالا يحتذى بها، فقد فهم هؤلاء الخلفاء -باعتقاده- القرآن الكريم فاتخذوه اماما، فانشؤوا حكومة ترتكز على المساواة والعدالة والحرية بين ابناء الامة، واقامواعلاقات اءخوة وروابط اجتماعية، قد لا توجد بين الاشقاء، فهذا المستوى من الحكم لا يجاريه الا الحكم النبوي في‏المدينة، فقد عمل النبى(ص)على تنظيم الجماعات في المدينة((15)) ((16)) وتوحيدها، كما اخذ يقيم التعاون فيما بينهاعلى اساس من الاخوة الدينية التي تربط بين افراد المجتمع الواحد في ظل الدولة الواحدة.

ويرى الكواكبي ان هذا الحكم اخذت تبكيه الامة منذ عهد عثمان الى الان، وستبقى تبكيه ما لم يستعض عنه بمبداالشورى، ذلك المبدا الذي تاثرت به بعض اءمم الغرب التي استفادت من الاسلام اءكثر مما استفاد المسلمون منه ((17)). وهنا، اشارة الى ضرورة العمل بمبدا الشورى- برايه - ، حيث يقول في هذا السياق: «ان القرآن يحوي على تعاليم اماتة‏الاستبداد، واحياء العدل والمساواة والمشورة، ومن بينها: قصة بلقيس ملكة سبا، حيث تخاطب اشراف قومها بالقول: (قالت‏يا اءيها الملا اءفتوني في اءمري ما كنت قاطعة اءمرا حتى تشهدون) (النمل: 32)، فهذه القصة- براءيه- تعلم كيف ينبغي ان‏يستشير الملوك الملا اي اشراف الرعية، وان لا يقطعوا امرا الا برايهم.

ومن بينها ايضا: قصة موسى (ع) مع فرعون في قوله تعالى: (قال الملا من قوم فرعون ان ه‏-ذا لساحر عليم يريد اءن‏يخرجكم من اءرضكم فماذا تاءمرون) (الاعراف: 109- 110)، اءي قال الاشراف بعضهم لبعض: ما راءيكم؟ قالوا خطابالفرعون وهو قرارهم: (قالوا اءرجه واءخاه واءرسل في المدآئن حاشرين ياءتوك بكل ساحر عليم) (الاعراف: 111- 112).

فهنا اشارة الى مسالة الحوار والشورى، حتى بين فرعون واشراف قومه ((18)).

ويذكر الكواكبي العديد من الايات الاخرى التي تؤكد مبداى العدل والشورى، وتنفي مبدا الاستبداد في الاسلام، منهاقوله تعالى: (والذين استجابوا لربهم واءقاموا الصلاة واءمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) (الشورى: 38). وقال‏تعالى: (فبما رحمة من اللّه لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في‏الامر فاذا عزمت فتوكل على اللّه ان اللّه يحب المتوكلين) (آل عمران: 159)، بمعنى التقرب من الرعية واستشارتهم في‏شؤونهم ((19)).

ومما قاله النبى(ص)في الشورى: «من اراد امرا فشاور فيه وقضى، هدي لارشد الامور» ((20))، وقال (ص) :«ما حار من‏استخار، ولا ندم من استشار» ((21))، وقال(ص) فيها: «من استبد برايه هلك، ومن شاور الناس شاركهم في عقولهم‏» . ((22)) فالشورى، كما نستنتج من اقوال الكواكبي، ليست وظيفة يمارسها حاكم مع رعيته بغية تخطيه الحرج والاعتراض، واشعارالرعية بالمسؤولية العرضية، انما هي (الشورى) تعتبر حقيقة وجوهر العلاقة بين المجتمع السياسي الاسلامي والولي، انهاعمل جماعي ومحاورة، ومناقشة مستمرة ومثمرة في سبيل غاية سامية، فالناس مدعوون جميعا الى العمل لتحقيق‏انسانيتهم وذاتيتهم، وهذا يستدعي العلم والمعرفة والعمل المكثف والدؤوب. فالهدف من الشورى هو الوصول الى موقف‏سليم وتشخيص دقيق للمشكلة، اذ ان القرار الصواب لا يمكن الوصول اليه دون ان يكون الامر شورى.

ويستشهد الكواكبي في هذا السياق بقوله تعالى: (يا اءيها الذين آمنوا اءطيعوا اللّه واءطيعوا الرسول واءولي الامر منكم)(النساء: 59). وهنا اشارة الى طاعة العلماء والرؤساء، اي «اهل الحل والعقد»، فالعلماء والرؤساء هم اصحاب الراي والشان،وهم الاشراف في اصطلاح السياسيين، ومما يؤيد ويؤكد هذا المعنى- والكلام يعود للكواكبي- قوله تعالى: (ومااءمرفرعون)، اءي ما شانه ((23)).

واكد الكواكبي ايضا تشديد الاسلام على العدالة في الحكم، وذلك من خلال ذكره للعديد من الايات القرآنية والاحاديث‏النبوية في هذا السياق، منها قوله تعالى: (ان اللّه ياءمر بالعدل) (النحل: 90)، (واذا حكمتم بين الناس اءن تحكموا بالعدل)(النساء: 58)، اي المساواة.

ومنها قوله تعالى مخاطبا النبى(ص): (وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط ان اللّه يحب المقسطين) (المائدة: 42) ((24)).ومما يذكر عن النبى(ص)قوله في هذا السياق «ساعة من امام عادل افضل من عبادة سبعين سنة، وحد يچ‏قام للّه في‏الارض افضل من مطر اربعين صباحا» ((25)).

ومنها قوله تعالى: (واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاءتمهن قال اني جاعلك للناس اماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي‏الظالمين) (البقرة: 124).

ومما يذكر من آيات في هذا الصدد ايضا: (ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار) (هود: 113). فهذه الايات اضافة‏الى آيات عديدة اخرى يرى فيها الكواكبي دلالة على ان الظالم والفاسق لا ولاية له على المسلمين.

وراي الكواكبي في مسالة الشورى يدور في فلك ما جاء عن على بن ابي طالب(ع) مخاطبا عثمان، حيث قال: «فاعلم ان‏افضل عباد اللّه عند اللّه امام عادل، هدي وهدى، فاقام سنة معلومة، وامات بدعة مجهولة، وان السنن لنيرة، لها اعلام، وان‏البدع لظاهرة، لها اعلام. وان شر الناس عند اللّه امام جائر ضل وضل به، فامات سنة ماخوذة، واحيا بدعة متروكة.

واني‏سمعت رسول اللّه (ص)يقول: «يؤتى يوم القيامة بالامام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر، فيلقى في نار جهنم، فيدور فيهاكما تدور الرحى، ثم يرتبط في قعرها» ((26)).

يتحدث الامام على(ع) في هذا النص عن الامام العادل الذي يجب ان يسوس الامة، والذي لا يعرف الجور والضلال،بمعنى انه يجب ان يكون نزيها ومعصوما عن الخطا، مبتعدا عن البدع وعن كل ما يسي للامة. ويقول في هذا السياق‏مخاطبا عامله على فارس: «استعمل العدل، واحذر العسف والحيف، فان العسف يعود بالجلاء، والحيف يدعو الى السيف((27)) ».

ومنها قوله ( ايضا: «ولا يكونن المحسن والمسي عندك بمنزلة سواء، فان في ذلك تزهيدا لاهل الاحسان في الاحسان،وتدريبا لاهل الاساءة على الاساءة، والزم كلا منهم ما الزم نفسه‏» . ((28)) ومن الروايات التي تذكر عن الامام على(ع) قوله في هذا السياق: «وقد علمتم انه لا ينبغي ان يكون الوالي على الفروج‏والدماء والمغانم والاحكام وامامة المسلمين البخيل، فتكون في اموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلهم بجهله، ولا الجافي‏فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول فيتخذ قوما دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع،ولا المعطل للسنة فيهلك الامة‏» ((29)).

فهذه الصفات- برايه- لا تناسب الوالي / القيادة العادلة الحكيمة.

اذ ان الوالي يجب ان يفرق بين المحسن والمسي احقاقاللحق ورفضا للباطل، لان الانحراف عن هذا النهج القويم يؤدي بالامة الى الضلال والهلاك، ويحدد الامام على(ع) الصفات‏التي ينبغي ان يتصف بها الوالي، مركزا على البعد عن الجهل، وعن الجفاء، وعن الرشوة، وعن الظلم، وعليه الاخذ بالسنة،فترك السنة النبوية هلاك للامة، لانها النهج القويم والامثل في الحكم.

وهكذا نستنتج مما تقدم ان الاسلام مؤسس على مبادئ الحرية والعدالة والقسط والمساواة والاخاء((30))، اما اصول‏الحكم فترتكز على شورى «اهل الحل والعقد» في الامة. ويتافف الكواكبي مما وصل اليه حال الشريعة الاسلامية نتيجة‏سيطرة الفاسدين على الحكم، ونتيجة استغلال الدين لخدمة اهوائهم السياسية، حيث يقول في هذا السياق: «ولكن وااسفاه‏على هذا الدين الحر، الحكيم، السهل، السمح، الظاهرة فيه آثار الرقي على غيره من سوابقه، الدين الذي رفع الاصروالاغلال، واباد الميزة (التمايز، التفاوت) والاستبداد. الدين الذي ظلمه الجاهلون فهجروا حكمة القرآن ودفنوها في قبورالهوان.

والدين الذي فقد الانصار والابرار والحكماء الاخيار، فسطا عليه المستبدون والمترشحون للاستبداد، واتخذوه‏وسيلة لتفريق الكلمة وتقسيم الامة شيعا، وجعلوه آلة لاهوائهم السياسية، فضيعوا مزاياه، وحيروا اهله بالتفريع والتوسيع‏والتشديد والتشويش...» ((31)).

يشكو الكواكبي، في هذا النص، من حال الشريعة الاسلامية المتدهورة من جراء سيطرة الفاسدين على الحكم، ومن‏خلال الاستغلال القائم في المجتمع، فالسياسيون قد اتبعوا اهواءهم، وابتعدوا عن الحكمة والقرآن، فساد الاستبداد، مما ادى‏الى تمزيق الامة الاسلامية الى شيع ونحل. فساسة الامة اسقطوا من حساباتهم كل القيم المثالية، وجنحوا بها نحو اهوائهم‏الشخصية، ولا شك ان الحالة تلك- التي يصفها الكواكبي- ماساوية، اذ تضع الامة في طريق الاستبداد والتشويش.

وعندما يطلب اللّه تعالى من الرسول(ص)المعصوم ان يشاور المؤمنين معه، فهذا الطلب نوع من الوجوب والامر ((32))،وهي بالتالي- الشورى- ليست منحة منه لهم، فبالرغم من ان النبى(ص)لا يفتتن بالدنيا وجاهها ومالها، ولا يغتر بخداعهاوزينتها، وبالتالي فبممارسته للحكم لا شك في انه سيكون عادلا في امته، لكن مع ذلك طلب اللّه تعالى اليه ان يمارس‏الشورى في امر حكمه، وتدبر شؤون الامة مع المؤمنين من خلال قوله تعالى: (وشاورهم في الامر)، كي تتشكل مسؤولية‏جماعية في الراي الذي يستنبط من خلال الشورى، وبالتالي يلتزم كل فرد من افراد المجتمع السياسي الاسلامي بالمشاركة‏في تنفيذ ما انتهت اليه الشورى، وهو التزام ادبي ومادي، اضافة الى ضمان الترابط والتعاون بين الحاكم والمحكومين،فعندما تعرض المشكلة على بساط البحث، وتتعدد الاراء حولها، فلا بد ان يعرض الراي الذي هو اقرب لحل المشكلة،والذي هو في الوقت نفسه يقدم الشعور بالرضى النفسي للمستشارين جميعا، وبذلك تفيد الامة عن طريق الشورى، زدعلى ذلك ان الشورى تساهم، الى حد كبير، في ترسيخ وتثبيت وتدعيم التعاون بين الحاكم والمحكومين.

ويذكر الكواكبي‏بقول النبى(ص) في سياق تعميم العمل بالشورى بين افراد المجتمع السياسي الاسلامي، وما ينتج عنه فيما يتصل بالصالح‏العام للامة، من خلال قوله) : «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته: فالامام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل في اهله راع‏وهو مسؤول عن رعيته، والمراة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول‏عن رعيته‏» ((33)). فالشورى بهذا المعنى واجبة وحق لكل فرد، ووجوبها لا لضمان الوحدة بين صفوف الامة، ولاللاطمئنان على مصلحة الافراد في المعاملات فيما بينهم فحسب، وانما اضافة الى ذلك لتنبيه كل فرد الى مسؤوليته الفردية‏والى ما يترتب عليه من مسؤولية نحو نفسه ونحو الاخرين معه في المجتمع، الا ان هذه المسؤولية مشروطة بالحرية‏والاختيار، ولا يشوبها اكراه يمارسه فرد على فرد آخر.

فالشورى في الامور العامة على مستوى المجتمع وعلى مستوى الحكم يؤكدها اللّه تعالى والرسول(ص)، بعكس ما كان‏سائدا على مستوى الحكم في عهود ومراحل مختلفة على مر العصور من الاستبداد والديكتاتورية والحكم الفردي، بحيث‏لم يكن لراي المجتمع وزن او قيمة...

قال النبى(ص): «افضل الناس رايا من لا يستغني عن راي مشير» ((34)).

 

الصفحة التالية