الكلمة الثالثة: ان الدعوة الى نقل ما قاله الرسول(ص)- كما جاء
في خبر ابن مسعود في الرواية الثالثة - والتحديث عنه بصدق، او
طلب الامام(ع) من ابان الرواية في الكوفة.. لا يدل على الحجية
التعبدية، اذ لماذا نتصور ان كل ما قاله النبى(ص)او الامام(ع)
هو امر غير مفهوم او لا يحصل العلم منه؟ بل كثيرا ما يحصل
العلم، وهذا ما يبرر طلب الرواية، فقد يستند المعصوم (ع)ع) الى
قرآن او عقل او حجة يبينها للناس او يفهمونها، تماما كالعالم
الفقيه الذي يتوصل الى نتائج ويحث تلامذته وغيرهم على نشر
كتبه ودراساته، ولا ينبغي ان نتمسك في هذه النصوص
بالاطلاق مادامت الكثير من المواردعلى هذه الشاكلة التي
نقول.
وليلاحظ - لتاييد كلامنا - خبر ابن مسعود الذي اعقب طلب
سماع مقالة النبي وادائها بكلمة «فرب حامل فقه غير
فقيه،ورب حامل فقه الى من هو افقه منه»، فان استخدام كلمة
الفقه التي تعني الفهم والمعرفة، يرشد الى موضوع العلم الذي
نحن بصدده، ودعوى ان قول النبي اذا كان حجة كان فقها
استدلال بالمعكوس، فالمفترض اخذ القرينة شاهدا على
المدعى لاالمدعى يكون شاهدا على القرينة، لاننا نبحث فعلا
في الحجية التعبدية لسنة النبى(ص)، ولم تثبت بعد حتى
ناخذهامنطلقا.
الكلمة الرابعة: ان جملة من هذه النصوص لا هو بصيغة الامر
ولا هو نسبة الى اللّه تعالى، فلا يكون مشمولا لما توصلنااليه في
البحث القرآني، الا مع الدور كما تقدم هناك.
الكلمة الخامسة: ان اغلب هذه النصوص - ان لم يكن جميعها -
ظاهر في السنن القولية، بحيث يسمع الراوي شيئا ثم ينقله او
يفقهه او يكذب على النبي فيه، فلا تكون هذه الروايات حجة لا
في فعل النبي ولا في امضائه الا بقرينة، فلا تدل على حجية
السنة بابعادها الثلاثة المعروفة اليوم: القول، والفعل، والتقرير،
نعم بعض الروايات قد يقال: يمكن تعميمهاللكذب في باب
افعاله، وان كانت الدلالة غير واضحة.
الكلمة السادسة: ان ماورد من لزوم الرد الى اهل البيت،
وسؤالهم والرجوع اليهم، لا يدل هو الاخر على الحجية
التعبدية،لما اشرنا له من ان الرد قد يقابل بالعلم ويحصل من
الجواب المعرفة، فلا تنحصر ثمرة الرد والسؤال والرجوع
بالحجية التعبدية، بل كثيرا ما يكون فيه العلم، ولعل الانس
بابواب الفقه هو ما يوحي بانه لا يحصل علم من الجواب بالواقع.
وبهذا لا يبقى من مجموع هذه الروايات - ان بقي - سوى النادر
الذي لايرقى الى درجة الوثوق بصدوره، فلا تفيد هذه الطائفة
في المقام ايضا.
7- نصوص التمسك بالكتاب والسنة
الطائفة السابعة: ما دل على لزوم الرجوع والتمسك بالكتاب
والسنة، وهو روايات عديدة، وانما افردنا هذه الطائفة بالذكرلما
في لسانها من الخصوصية التي ترفع جملة الاشكالات الواردة
على الطائفة الخامسة المتقدمة، فقد كنا هناك نورد بان كلمة
السنة لم تكن قد ولدت كمصطلح في الثقافة الاسلامية عصر
صدور النصوص، كما انها تعني الطريقة، ومن هنا صح لنا القبول
بان سنة النبى(ص)بهذا المعنى قد تكون ماخوذة من القرآن
الكريم، اي هي سيرة النبى(ص)المتمثلة بتطبيق القرآن.
الا ان هذا الكلام قد لايصح هنا، وذلك ان هذه الروايات قد
وضعت القرآن والسنة في عرض بعضهما، مما يفيد ظهورا
في المغايرة، فلو كانت السنة مجرد تطبيق للقرآن لم يكن في
مرجعيتها الى جنب القرآن معنى، فلابد انها تدل على
وجودمرجعية اخرى موجودة في سنة النبى(ص)غير مجرد ما
اتى به القرآن الكريم.
ومن هذه الروايات:
الرواية الاولى: خبر ابي بصير قال: «قلت لابي عبداللّه (: ترد
علينا اشياء ليس نعرفها في كتاب اللّه ولا سنة (سنته)
فننظرفيها؟ فقال: لا اما انك ان اصبت لم تؤجر، وان اخطات
كذبت على اللّه» ((127)).
وتقريب الاستدلال بهذه الرواية كشفها عن مركوزية مرجعية
القرآن والسنة، ولا معنى للسنة هنا - ونحن في القرن
الثاني الهجري ايضا - الا سنة النبى(ص)، وهذا الارتكاز
المتشرعي من راو كابي بصير قد امضاه الامام(ع)، وسكت عنه،
فلوكانت مرجعية السنة كمرجعية الراي، لما نهاه الامام(ع) عن
الراي فقط، بل لنبهه على خطئه في الاعتماد على السنة.
والظاهر ان الاصح في الرواية هو «سنة النبي او نبيه»، لعدم
تعارف التعبير بسنة اللّه الى جانب كتاب اللّه، فالظاهر
حصول سقط في الرواية.
الرواية الثانية: المرفوع عن يونس بن عبدالرحمن قال: «قلت
لابي الحسن الاول(: بما اوحد اللّه؟ فقال: يايونس! لاتكونن
مبتدعا، من نظر برايه هلك، ومن ترك اهل بيت نبيه ضل، ومن
ترك كتاب اللّه وقول نبيه كفر» ((128)) .
وهذه الرواية واضحة في الفصل بين الكتاب وقول النبى(ص)،
مما يكشف عن ان قوله ( يعد مرجعا بنفسه في عرض الكتاب.
الرواية الثالثة: مرسلة شبيب بن انس عن بعض اصحاب ابي
عبداللّه ( - في حديث - : «ان ابا عبداللّه ( قال لابي حنيفة:انت
فقيه العراق؟ قال: نعم، قال: فبم تفتيهم؟ قال: بكتاب اللّه وسنة
نبيه (، قال: يا ابا حنيفة! تعرف كتاب اللّه حق معرفته؟وتعرف
الناسخ والمنسوخ؟ قال: ..» ((129)).
فان الامام لم يعترض عليه في اعتماده السنة النبوية، ونحن
نعرف - من الخارج - ان ابا حنيفة كان يقول بمبدا حجية السنة،
فاقرار الامام له، مع انه في مقام الرد عليه فيما يعتمده في
الاجتهاد، كاشف واضح عن اقرار مرجعية السنة.
الرواية الرابعة: خبر ابي بصير قال: «قلت لابي جعفر (: ترد علينا
اشياء لا نجدها في الكتاب والسنة، فنقول فيهابراينا..((130))».
وهي شبيهة بالرواية الاولى، والظاهر انها واحدة، وتقريب
الاستدلال بها، كما تقدم في الرواية الاولى.
الرواية الخامسة: مرسل ابن ابي عمير عن غير واحد عن ابي
عبداللّه ( قال: «لعن اللّه اصحاب القياس، فانهم غيروا
كتاب(كلام) اللّه، وسنة رسو اللّه(ص)، واتهموا الصادقين في
دين اللّه» .
فلولا ان السنة مصدر ديني، ما هو الموجب لذكرها الى جنب
الكتاب، ثم لعن من غيرها؟! ((131))
الرواية السادسة: خبر سماعة - المروي عن ابي المغراء (المعزا) -
عن ابي الحسن(ع) قال: «قلت له: كل شي تقولونه في كتاب اللّه
او تقولون فيه؟ قال: بل كل شي في كتاب اللّه وسنته» .
((132))
الرواية السابعة: خبر ابي المغراء عن سماعة عن العبد الصالح ( -
في حديث - قال: «ليس شي الا وقد جاء في
الكتاب والسنة».((133))
والظاهر وقوع خطا في النسخ في الحديث السادس، كما تقدم
في الحديث الاول، فليس المراد سنة اللّه، بل سنة نبي
اللّهتعالى، وتقريب الدلالة واضح، فلو لم تكن السنة مرجعا لما
جعلت في عرض الكتاب هنا.
الرواية الثامنة: خبر محمد بن مسلم عن ابي جعفر ( قال: «كان
على يعمل بكتاب اللّه وسنة رسوله...» ((134)).
الى غيرها من الروايات الواردة في نهج البلاغة ((135))،
ومحاسن البرقي ((136))، وقرب الاسناد ((137))،
والكافي((138))، ودعائم الاسلام ((139))، وغيرها ((140))،
مما جاء في باب الطلاق، والشروط، وبعض خواص الائمة ( و..
وهنا وقفات:
الوقفة الاولى: ان هذا الكم من الروايات الواردة وان كان اكثره
ضعيف السند، كما تتبعنا الكثير منه، الا ان كثرتها من
جهة وكون المركز الذي نريده منها ليس هو مدلولها المطابقي
مما يبعد احتمال الاتفاق على الكذب فيها، بمعنى ان مجي
روايات كثيرة في موضوعات متعددة كالطلاق والشروط
وصفات الائمة وبحث الراي والقياس و... يبعد عادة احتمال
توافق الرواة - وهم من ازمنة متعددة - على هذه النقطة
المشتركة بينهم، وهي حجية السنة.. وبضم ذلك كله يستفاد
حصول الوثوق بصدورها بمعنى كشفها عن مركوزية فكرة
مرجعية السنة في الوسط المتشرعي الاسلامي العام، مما يدلل
على صدور هذاالحكم بالمرجعية عن المعصوم (ع)، ولا اقل من
ان سكوته كاشف عن صحة تصور المسلمين لمرجعية السنة.
الا ان الشي الهام ان هذه الروايات تفيد هذا المضمون في عصر
الائمة (، اما في عصر النبى(ص)فالامر قد لا يبلغ درجة الوثوق،
لهذا اكثرنا هنا من النصوص الشيعية، كونها التي تمثل دلالة
اكبر، لان حصول وثوق بهذا الارتكاز المتشرعي عصرحياة
النبى(ص)ربما يكون صعبا، فلايستفيد اهل السنة من هذه
النصوص، الا بارجاعها الى دليل آخر غير دليل السنة كالاجماع
واتفاق الصحابة او غير ذلك، على خلاف الحال في الروايات
الشيعية.
اما الروايات السنية لحديث الثقلين ((141))، فهي غير متواترة
بهذه الصيغة، بل قد قيل بضعف سندها جميعا، ولا اقل من ان
ورود صيغة «العترة» ((142)) في حديث الثقلين بطرقه
الاخرى الشيعية والسنية يمنع عن الوثوق بصيغة «سنتي» مع
عدم قوة سندها، والبحث موكول الى محله.
الوقفة الثانية: قد يقال: ان الاستدلال بنصوص عن اهل
البيت(ع)، لاثبات حجية سنة النبى(ص)غير صحيح، على
اساس ان امامتهم انما تاتي متفرعة على حجية سنة النبى(ص)،
فكيف يمكن اثبات سنته باحاديثهم حتى لو كانت متواترة؟
ولا نقصد هنا ان اثبات الامامة لا دليل عليه من عقل او كتاب،
انما نقول: ان اثباتها لهم بالاسم لم يثبت بكتاب او عقل،فلا
طريق له عدا قول النبى(ص)، وكل ما يكشف عنه، ومعه كيف
يستدل على صحة سنة النبى(ص)باقوالهم (؟!
والجواب: ان بالامكان اثبات امامتهم بالاسم عبر قول النبي
(ص)قبل ان نثبت حجية سنته بالمعنى الذي نريده هنا،
وذلك اننا نحرز - واثبات هذا الاحراز موكول الى علم الكلام - ان تعيين الرسول(ص)لهم
( بالاسم، كان منسوبا الى اللّه تعالى، لاانه اختيار من شخص النبي (ص)او ترشيح منه،
واذا كانت بعض ادلة الامامة لا تعطي ذلك فان بعضها الاخر كاف في
اثبات هذا المضمون.
ومع ذلك، يمكن اثبات امامتهم بالمقدار الذي ثبت من
الحجية للسنة النبوية عبر دليل الكتاب، ثم الاستناد الى
اقوالهم،تبعا لما طلبه منا الرسول(ص)من اتباع قولهم والاخذ
عنهم.
وبهذا الطريق يمكن توسعة حجية سنة النبى(ص)عن طريق
نصوص اهل البيت(ع) وفق المنظور الشيعي، ذلك ان
معضل الدور لا يعود موجودا هنا، بالبيان الذي بيناه.
الوقفة الثالثة: ان مجمل هذه الروايات انما يفيد ان قول
الرسول(ص)وفعله وتقريره حجة، لكنه لا يفيد الاطلاق،
لانهاليست في مقام البيان من هذه الناحية، بل اغلبها في مقام
بيان مبدا مرجعية السنة وعدم جواز الرجوع الى
الراي والاستحسان، ومعه فلا يحرز انها تفيد اكثر مما افاده
الكتاب وهو: حجية ماينسبه الرسول(ص)للّه تعالى غير
القرآن،وحجية اوامره ونواهيه مما يرجع الى تحقيق مفهوم
الاطاعة، وهذان المقداران ليسا بالبسيطين، ومعه يمكن ان
يفيا بحيثية مرجعية السنة الشريفة في الجملة، مادام الاطلاق
مفقودا هنا، فلاتقدم هذه الطائفة مطلبا اضافيا.
كما ان اخذ السنة في عرض الكتاب الكاشف عن المغايرة، لا
يبطل ما قلناه، بعد ان كان المقدار الحجة من السنة - كتابيا-
يصلح ان يكون في عرض الكتاب.
نتائج البحث في دليل السنة
هذه هي حصيلة الطوائف الدالة على توسعة حجية السنة، وقد
توصلنا منها الى النتائج التالية:
اولا: ان جملة من طوائف الاخبار هذه لا وثوق بصدوره فلا
يفيد هنا، نعم، من يبني على حجية خبر الواحد مطلقا
من الكتاب او العقل.. يمكنه التمسك بها اذا تمت الدلالة.
ثانيا: ان اكثر هذه الطوائف غير دال على مطلب ازيد مما دل
عليه الكتاب، فتكون مؤيدة وداعمة له، وهذا المقدار فيه فائدة،
الا انها لا تقدم مطلبا جديدا على مستوى نظرية حجية السنة
عموما.
ثالثا: تبين معنا من حيث المبدا امكان الاستفادة - بطريق ما -
من سنة اهل البيت(ع) لاثبات حجية السنة النبوية، دون لزوم
محذور دور، وهذا ما قد نستفيد منه لاحقا.
مفارقات نظرية حجية السنة، هل ينفي النص الثاني نفسه؟!
وكما ذكر انصار السنة شواهد من السنة نفسها، او يمكن لهم ان
يذكروا ذلك، لاثبات حجيتها والانتصار لها، كذلك حصل مع
الفريق الناقد لحجية السنة في الوسط الاسلامي، فقد سطر
بضعة ادلة حاول فيها التاكيد على ان نصوص السنة نفسها -لو
اتبعناها - تنهانا عن اعتبار السنة النبوية مرجعا في الدين، ومن
ثم فلا تمثل غير محاولة النبي تطبيق الشرعية في حياته،
وعليه، يستند هذا الفريق الى النصوص الحديثية الدالة على
عدم حجية السنة، وبهذا يمكن اثبات بطلان السنة من السنة
نفسها.
ومن الواضح ان هذا النوع من ادلة الانكار لا يرجع الى آلية
برهانية، وانما الى آلية جدلية، اي انه للمحاججة، فكان
المنكريقول للقائل بالحجية: ما دمت تقول بالحجية في باب
السنة، فعليك الاخذ بهذه النصوص الواردة عن المعصوم (ع)،
واذااخذت بها لزمك انكار السنة، فحجية السنة تؤدي الى عدم
حجية السنة، والا فمن الواضح ان هذا الدليل ليس برهانيا،
اذالمفروض عند المنكر عدم حجية السنة، فكيف جعلها دليلا
بنفسها؟ الا اذا اعتبرها وسيلة لافادة التناقض الداخلي في
دليل الحجية، او يقول: ان هذه النصوص اقرار من المعصوم
ناخذ به بصفة شخصية بعيدا عن مفهوم الحجية في قوله.
وعلى اية حال، فالروايات التي استند اليها هنا عديدة، نذكر
مجموعاتها:
المجموعة الاولى: ما دل على عرض كل ما جاء عن النبى(ص)
على القرآن الكريم، فما وافقه اخذ به، وما خالفه ترك،وقد ادعى
الهادي يحيى بن الحسين (298ه -) - في ظاهر كلامه - ان
مضمون هذه الاخبار مما اجمعوا عليه ((143)).
ومن روايات هذه المجموعة:
الرواية الاولى: خبر ثوبان، ان رسول اللّه قال: «الا ان رحا الاسلام
دائرة، قال: كيف نصنع يا رسول اللّه؟ قال: اعرضواحديثي على
الكتاب، فما وافقه فهو مني، وانا قلته» ((144)).
الرواية الثانية: خبر عبد اللّه بن عمر، عن النبي، قال: «ستفشو
عني احاديث، فما اتاكم من حديثي فاقرؤا كتاب اللّهفاعتبروه،
فما وافق كتاب اللّه فانا قلته، وما لم يوافق كتاب اللّه فلم اقله»
. ((145))
الرواية الثالثة: خبر علي، عن رسول اللّه: «ستكون عني رواة
يروون الحديث، فاعرضوه على القرآن، فان وافق القرآن فخذوها
والا فدعوها»((146)) . الى غيرها من النصوص القريبة دلالة
منها.
وتقريب الاستدلال بهذا النوع من النصوص انها تطالب بعرض
السنة على الكتاب فالمخالف يطرح، وهذا يفيد عدم حجيته،
والموافق يؤخذ، وهذا يفيد ان هناك اصلا له في القرآن، والا
كيف عرفت الموافقة؟! ومعنى ذلك ان المفترض لاحراز
الموافق ان يكون قد سبق ذكر مضمونه في الكتاب، بما يؤدي
الى جعل نص السنة بمثابة التاكيد لنص الكتاب، لاغير، اذ
التاسيس ليس فيه موافقة، حيث لا نموذج له في الكتاب والا
كان خلف تاسيسيته، والتخصيص والتبيين كذلك، لان احراز
الموافقة فرع بيانية النص القرآني، فاذا كان مجملا فلا نستطيع
التاكد من الموافقة حتى ناخذ بالحديث، فتعود السنة لا حجية
فيها ذات اهمية.
المجموعة الثانية: ما دل على ان ما يحدث به النبي انما هو مما
يعرفه الناس ولا ينكرونه، وان بلغ الناس حديث عن
النبي ينكرونه ولا يعرفونه فعليهم ان لا يصدقوه، فان النبى لا
يقول ما ينكر ولا يعرف، او ان العبرة بالحق، حتى لو لم يقله
النبي،فعن ابي هريرة، عن رسول اللّه، انه قال: «اذا حدثتم عني
بحديث تعرفونه ولا تنكرونه، قلته او لم اقله، فصدقوا به،
فاني اقول ما يعرف ولا ينكر، واذا حدثتم عني بحديث تنكرونه
ولا تعرفونه فكذبوا به، فاني لا اقول ما ينكر ولا يعرف((147))»،وفي خبر آخر: «اذا حدثتم عني بحديث يوافق الحق فانا قلته»
((148))، وهذا معناه انه ليس في سنة النبى(ص) ما هوخارج
الكتاب والعقل، وما يستحسنه الناس، فليست الا للتاكيد.
المجموعة الثالثة: ما دل على ان النبي لا يحل الا ما احل اللّه
في كتابه، ولا يحرم الا ما حرم اللّه في كتابه، ومن هذه الروايات،
ما عن رسول اللّه قال: «لا احل الا ما احل في كتابه، ولا احرم الا
ما حرم اللّه في كتابه» .((149))
وهذا النوع من النصوص يؤكد ان الكتاب هو معيار التحليل
والتحريم، وان السنة النبوية لا تقدم شيئا اضافيا غير تاكيد
مافي الكتاب فلا تكون مؤسسة ولا مخصصة ولا مقيدة ولا ما
شابه ذلك، والا كان ذلك مخالفا للقطع والتاكيد بان السنة
انماتكرر مقولات الكتاب الكريم.
وقد اعتبر الثعالبي (875ه -) ان هذه الرواية تشهد على صحتها
الايات الدالة على ان في القرآن بيان كل شي، لكنه عادوذكر ان
ما جاء في السنة مما لم نره في الكتاب يرجع الى الايات التي
اعطت المرجعية للسنة النبوية مثل آيات تبيين مافي الكتاب
وغيرها((150)) ، وهو ما سبق وناقشناه في دراستنا القرآنية
حول حجية السنة النبوية.
المجموعة الرابعة: ما جاء في بعض النصوص من ان النبى(ص)
قد اجاب بعض الصحابة عن مسائل سالوها بانها لو كانت كذا
وكذا لوجدتموها في كتاب اللّه تعالى، مثل خبر ثوبان: «.. قلت: يا
سول اللّه! ايجب الوضوء من القي؟ فقال: لو كان واجبا لوجدته
في كتاب اللّه تعالى» ((151)).
وهذا ما يؤكد ان المعيار هو الكتاب، وان الوجود فيه وعدم
الوجود كذلك هو الحد الفاصل لمعرفة الدين والشريعة،
وعليه،فلا تكون السنة سوى مؤكد لما في الكتاب على ابعد
تقدير ((152)).
وقفة نقدية مع دليل ابطال السنة نفسها
ويلاحظ على هذا الدليل:
اولا: ان هذه الروايات - اذا اردنا الانصاف - لا تحسب في عداد
الموثوق بصدوره، فقد وردت في مصادر حديثية تعدمن
الدرجة اللاحقة، ولم يذكرها المسلمون بطوائفهم في مصادر
الدرجة الاولى، كما لم يرد شي منها - حسب الظاهر - في مصادر
الحديث الشيعية، مروية عن رسول اللّه، وحتى لما راجعنا
المصادر التي ذكرت فيها وجدناها تنقل عن بعضهاالبعض، ولم
نجد تعددا في اسانيد الروايات يفضي الى تكاثر الرواية او حتى
اشتهارها في اوساط المحدثين، وقد سجل عليها بعض علماء
اهل السنة ملاحظات سندية ايضا((153))، بل لقد ذكر الشافعي والسيوطي وغيرهما((154)) ان نصوص العرض على
الكتاب كلها نصوص ضعيفة السند، ولا يعتد بها، اذ هي على
حالات: اما منقطعة لم ترو عن الرسول(ص)، اوضعيفة بجهالة
بعض رواتها او ضعفه، او انها تجمع الضعفين معا: الانقطاع
وجهالة وضعف بعض الرواة، وقد اكد ضعف هذه الرواية حول
العرض على الكتاب الشافعى في كتاب الرسالة، وكذا ابن حزم
في الاحكام وغيرهما مثل ابن عبد البر..((155))، فالخبر الاول
هنا من المجموعة الاولى ضعفه الهيثمي بيزيد بن ربيعة، وقال
عنه: انه متروك منكر الحديث، وكذلك الخبر الثاني، فقد ضعفه
بابي حاضر عبدالملك بن عبد ربه، الذي وصفه بانه منكر
الحديث ((156))، وحتى من وثق بعض هذه الروايات، وثقها
مبنيا توثيقه على نظريات مسبقة لا نتبناها مثل عدالة جميع
الصحابة والاخذ برواياتهم، ذلك اننانتوقف في روايات مثل ابي
هريرة، الذي نقل بعض النصوص الواردة هنا.
وعلى خلاف الحال سنيا، كانت اخبار العرض عند الشيعة بالغة -
وفق تصريح علمائهم - حد التواتر المعنوي او كثيرة مع انعقاد
الاجماع على العمل بها، ولا اقل من استفاضتها، كما صرح
بذلك البحراني، والطباطبائي، والانصاري، والنائيني،والعراقي،
وغيرهم((157))، ولا نخوض فعلا في التحقيق السندي لهذه
الروايات، فقد بحثناها مفصلا في دراساتنا حول حجية اخبار
الاحاد وشككنا هناك في انعقاد تواتر فيها، لكنها على اي حال
عديدة، وبعضها القليل ذو سند جيد وتام،فاطلاق الكلام بتواتر
هذه المجموعة من النصوص في غير محله، وتفصيل البحث
موكول الى مباحث اخبار الاحاد.
نعم، اكثر النصوص الحديثية الشيعية حول العرض على
الكتاب، مروى عن اهل البيت (ع)، لا عن الرسول(ص)،
فيكون توظيفها هنا متفرعا على حجية سنة اهل البيت (ع)، بل
جاء في بعضها - ومنه الصحيح سندا كصحيحة عبد اللّه بن
ابي يعفور ((158)) - جعل سنة النبي معيارا لاحاديث اهل البيت
فيصعب جدا الاستدلال بها على عدم حجية سنة النبي، كما
هوواضح.
وحصيلة الكلام: ان هذه الروايات الدالة على عدم حجية سنة
النبي لا يحصل منها وثوق بصدورها عن النبي نفسه، نعم اخبار
العرض على الكتاب توافق الاعتبار العقلائي، كما هو محقق في
مباحث اصول الفقه، فيمكن بلورتها على اساس عقلائي، ولو لم
يكن هناك تواتر فيها، فيبقى الحديث في دلالتها على عدم
حجية سنة النبي.
ثانيا: ما ذكره جماعة من علماء اهل السنة ((159)) ناقدا على
اخبار العرض على الكتاب من انه لو كان مؤداها هو ما
فهمه المستدل، فاننا نطبق مفاد هذه الاحاديث عليها، حيث
نقوم بعرض هذا الحديث على القرآن، ومعه لا نجد في القرآن
حديثاعن ما وافق الكتاب وما خالفه، ولم نجد فيه دليلا يبطل
حجية السنة، فلا تحرز موافقة هذا الحديث للقرآن، فيطرح
فتكون حجيته مؤدية الى سقوط حجيته.
بل يمكن الترقي بان الدليل القرآني دل على حجية السنة
النبوية، فاذا كان هذا الحديث دالا على عدم حجية السنة
كان مخالفا للقرآن، لا انه لم تحرز موافقته فحسب، فيطرح هذا
الحديث - بناء على هذا التفسير - من قبل نفسه، فلا
يمكن الاستدلال به.
وهذا الكلام بحثناه مفصلا في دراستنا المستقلة لاخبار العرض
في مباحث حجية خبر الواحد، وقلنا: انه صحيح في الجملة،
لكن لا يرد ولا يسجل بهذه الطريقة، فيحتاج الى بعض
التعديلات، على تفصيل نكله الى محله خوف الاطالة.
ثالثا: لابد من تحديد طرفي المقابلة في الحديث وهو الموافق
والمخالف، اما المخالف فمعناه واضح، وهو الذي تقع
منافرة بينه وبين النص القرآني، الا ان مفهوم الموافقة غير
واضح هنا، فان قصد ما ذكره المستدل فهذا يجعل التقسيم غير
صحيح،لان هناك في السنة ما ليس بموافق ولا مخالف،
بمعنى انه اما مسكوت عنه في القرآن او انه سنة مطبقة غايته
لا وجود لهابما هي هي في النص القرآني وهكذا، فاذا قصد
بالموافقة ما كان موجودا بعينه في القرآن، وبالمخالفة ما خالفه
وناقضه،فهناك قسم مسكوت عنه، لا يصح وصفه عرفا بانه
يخالف القرآن او يوافقه، فثنائية التقسيم تستدعي فهما لمفهوم
الموافقة والمخالفة يستوعب في داخله تمام ما يمكن صدوره
عن النبى(ص)، مع ملاحظة ان تشريع ما هو غير مشرع في
القرآن وان لم يصدق عليه الموافقة مثلا، لكنه لا يصح التعبير
عنه عرفا بالمخالفة.
من هنا طرح تفسير آخر لمعنى الموافقة والمخالفة، بمعنى ان
ما ينسجم مع المعطيات القرآنية يكون موافقا، وما لا
ينسجم يكون مخالفا، وهو التفسير الذي طرحه الشهيد باقر
الصدر في مباحث التعارض من علم الاصول((160))، ومثاله:
لو دل دليل على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، فان هذا ما
ينسجم مع القرآن، كونه يحث على الدعاء ومناجاة اللّه، اما لو
دل دليل على ترك مبايعة ومناكحة الاكراد، لانهم قوم من
الجن كشف عنهم الغطاء، فهو يخالف القرآن ولا ينسجم معه،
حيث الخلق جميعا سواسية مكرمون.
وهذا المعنى للموافقة والمخالفة اقرب الى العرفية من المعاني
التي طرحت في اصول الفقه، والتي اخضعت المفهومين
لنظام النسب الاربع وفق ما جاء في علم المنطق، كما انه معنى
ينسجم مع الثنائية الحاصرة في الحديث، ولا اقل من انه
معنى محتمل جدا، فلا يستظهر ذاك المعنى من الروايات،
حتى يستفاد منه ابطال حجية السنة، وقد كنا في مباحث
العرض على الكتاب اقتربنا كثيرا من هذا التفسير.
وعلى اية حال، فتفاصيل البحث في اخبار العرض نوكلها الى
محلها حيث درسناها مفصلا.
رابعا: ان ما يظهر لنا غير موافق للقرآن ربما يكون موافقا ولكن
افهامنا قاصرة عنه، لهذا لا يكون فهمنا للموافقة هوالمعيار،
حتى تجعل الحديث باطلا لمجرد اننا لم نعثر على موافقه،
فعدم مخالفته تكفي حتى لو لم نجد موافقه، لاحتمال عدم
فهمنا له .((161))
وقد قيل: ان المحقق الاصفهاني نسب هذه النظرية ايضا الى
المحقق الخراساني في مباحث الالفاظ((162)) ، ومرجعها
الى المخالفة الثبوتية لا الاثباتية، اي انهم(ع) في لوح الواقع لا
يخالفون قول القرآن، وان بدا لك ان المخالفة موجودة.
وهذا الكلام غير دقيق، لان هذه الطائفة من الروايات ظاهرة بل
صريحة في تقديم معيار لقبول الاحاديث وعدم قبولها،فهي
معيار في السنة المحكية كما قال الجصاص ومحمد حسن
النجفي((163))، فاذا لم نكن نفهم النص القرآني وكان
جهلنابتمامه مانعا عن قدرتنا على وزن الحديث، لاحتمال اننا
لم نفهم هنا او هناك، عنى ذلك عبثية هذه الاحاديث كلها، اذ
لامعنى لها، فكيف يضع المعصوم( بين يدى معيارا لوزن
الحديث، قائما على العرض على الكتاب، ثم يقال لي: انه لا
يمكنك طرح هذا الحديث او ذاك، اذ لعلك لم تفهم اصله في
القرآن؟ ان مؤدى هذا الكلام سقوط هذه النصوص من راس
وعبثية مضمونها.
خامسا: ان المعرفة والانكار الواردين في المجموعة الثانية من
هذه الروايات، لا يمكن حملهما على المعنى المبطل
لحجية السنة، فنصوص سنة النبي توافق العقل بمعنى لا تقع
غريبة عنه، والمعرفة هنا لا تعني العلم، بل الاستئناس
مقابل الاستيحاش، لهذا قالت الرواية: يعرفه الناس ولا ينكرونه،
ولم يقابل المعرفة بالجهل بل بالانكار، اي حديث
مستانس مستساغ لا ينكر او يستوحش منه، يقال: فلان حديثه
منكر، بمعنى غريب مخالف للمستساغ والمالوف، وما شابه
ذلك.
ولعل ما يؤيد هذا المضمون ما جاء في خبر آخر - قال عنه
الهيثمي: ان رجاله رجال الصحيح، ووصفه ابن
الجوزي بالصحيح او الحسن((164)) - عن ابي اسيد عن النبي،
قال: «ما جاءكم عني تعرفه قلوبكم وتلين له اشعاركم
وابشاركم،وترون انه منكم قريب فانا اولاكم به، واذا سمعتم
الحديث عني تنكره قلوبكم وترون انه منكم بعيد، فانا ابعدكم
منه»((165)).
اضافة الى ذلك، لا معنى - حسب راي بعض الباحثين ((166))
-
لان يكون الحديث عن النبي، ولكنه لم يقله، كما تصرح بذلك
هذه الروايات، فهذا فيه قدر من التناقض، الا اذا قلنا بان المراد
الترخيص في العمل به لحسنه حتى لو لم يكن النبي قاله، كما
قد يستوحى من بعض نصوص المستحبات، فلا يكون هذا النقد
واردا.
سادسا: ان ما دل على ان الرسول لا يحرم الا ما حرم اللّه في
الكتاب، يمكن طرحه في مناقشة النظرية المشهورة التي تقول
بان السنة المؤسسة المستقلة عن الكتاب حجة، فيقال هناك:
اذا كانت حجة فلماذا حصرت هذه المجموعة من الروايات
الحلال والحرام بما كان في الكتاب؟ وقد بحثنا هذا الموضوع
في محله، وطرحنا حوله تصوراتنا، لكن ذلك مهماكان هناك لا
يفيد عدم حجية سنة النبي، لان المفروض ان حجية السنة لا
تقتصر على السنة المؤسسة، فحتى تفسير النبي للقرآن، وبيانه
لمضمونه بما لا ينسبق الى ذهن عامة الناس، وكذلك تطبيقه
للقواعد القرآنية على مواردها الشرعية وغيرذلك.. كله سنة
حجة ناخذ بها تعبدا، فلا يوجد مساواة بين انكار حجية السنة
التاسيسية، كما نسب الى الشاطبي وحققناه في محله، وبين
انكار حجية السنة مطلقا كما هو واضح عندهم، فهذه الروايات
اخص من المدعى.
سابعا: ما ذكره بعضهم من ان المراد بالكتاب في روايات نفي
التحليل والتحريم من خارج الكتاب ليس القرآن الكريم،وانما
مطلق كتاب الوحي القرآني وغيره، او اللوح المحفوظ، جمعا
بين النصوص والروايات التي تدل على حجية سنة النبي وبين
هذه الروايات التي تنفي هذه الحجية ((167)).
لكن هذا الكلام غير واضح، فان كلمة الكتاب هنا منصرفة عرفا
الى القرآن الكريم، وتاويلها بهذا المعنى صرف لها عن الظاهر،
وقواعد التوفيق بين النصوص المتعارضة يشترط فيها - على ما
بحثناه في محله - ان تتحمل اطراف النصوص المتعارضة هذا
الجمع، لا ان يجري تاويلها بما يخرجها عن اللسان العرفي
السائد. والحاصل ان مثل هذه الاحاديث لا يبلغ - من حيث الكم والنوعية والدلالة - مبلغا يحصل منه الوثوق بالصدور او اعتبارالدلالة، فلا يستند لهذه الروايات في شي هنا.
الامام على وقانون الحرب، الاهداف - الوسائل - النتائج د. محمد طي
تسعى القوى الخيرة في الانسانية، ما دامت لم تستطع الوقوف
في وجه الحرب، الى حصر اضرارها ما امكنها ذلك في مواجهة
قوى الشر التي سعت وما زالت تسعى على ابتكار ادوات للقتل
والدمار تتطور من زمن الى زمن. فقد كان القتال منذ ان بدات
تتكون القوى المقاتلة يتم بواسطة السيف والرمح، بحيث
يتصدى المقاتل لمقاتل، ثم بواسطة المجانيق التي كانت ترمي
الحجارة الكبيرة لتحدث التدمير والقتل، وصولا الى استخدام
النار التي لا يطفؤها الماء (النار الاغريقية)، الى ان اكتشف
البارود، الذي استخدم لدفع المقذوفات الحارقة والمدمرة
والقاتلة بواسطة المدافع، ثم البنادق التي بدات بالبندقية ذات
الطلقة الواحدة، توصلا الى البندقية الرشاشة.
وفي وقت متاخر اكتشفت المقذوفات التي تنفجر في الجسم
وتنتشر، وكذلك المقذوفات الحارقة، التي طورت، وبعدها
بداعهد اسلحة الدمار الشامل، الكيمياوية والبايولوجية ثم
الذرية والنووية، التي لا يقتصر مفعولها على الجنود والمقاتلين،
بل هي تطال سائر الناس، وحتى مظاهر الحياة جميعا. وقد
استخدمت كل تلك الاسلحة، حتى الذرية، والتي قد
جربهاالاميركيون في هيروشيما ونكازاكي في اليابان.
كل هذا دفع المفكرين الانسانيين خاصة الى محاولة وضع حد
للالام الانسانية والتخريب الناتج عن الحرب، وترجم الامر
باتفاقات ابرمت اوائلها بين الدول الاساسية، ثم اصبحت عامة
في ما بعد، ثم راحت تبرم بين سائر الدول بواسطة المنظمات
الدولية، وتفتح لانضمام الدول الاخرى لاحقا.
فما هو موقف على(ع) من هذه المسالة؟
يرى جانب من الفقه الاسلامي انه، اذا تمكن المسلحون من
اخذ اعدائهم دون استخدام ادوات الحرب الحارقة
واسلحة الدمار، فلا ضرورة لاستخدامها، ويرى جانب آخر من
الفقه انه يجوز استخدامها، اذا عجزت الوسائل الاخرى عن
قهرالعدو. الا انه لا اجماع على موقف في مبدا المسالة .((168))
اما على(ع) فكان في حروبه لا يهدف الى القتل للقتل او
للانتقام، بل الى كسر مقاومة العدو ليرضخ للحق. وما يؤكد
هذاالراي ان عليا كان يؤخر القتال حتى تزول الشمس (اي الى
ما بعد الظهر)، ويقول: «تفتح ابواب السماء، وتقبل
الرحمة،وينزل النصر... وهو اقرب الى الليل واجدر ان يقل القتل
ويرجع الطالب، ويفلت المنهزم» ((169)).
والى ذلك كان على(ع) لا يهاجم ليلا، وربما كان ذلك تاسيا
برسول اللّه، الذي ما بيت عدوا قط، كما يروي الامام الصادق(ع)
((170)). وكان على يامر قادته بان لا يهاجموا ليلا مستغلين
غفلة العدو. فها هو يخاطب عبداللّه بن بديل بن ورقاء احد قادته،
فيقول: «يا ابا علقمة! لا تبيت القوم...» ((171))، كما كان
يامرهم بان يتوقفوا عن السير الى العدو ليلا، لان اللّه جعله
للراحة.
ففي كتاب ارسله الى معقل بن قيس الرياحي قائد طليعته الى
صفين، يقول: «... ولا تسر اول الليل، فان اللّه جعله سكناوقدره
مقاما لا ظعنا، فارح فيه بدنك، وروح ظهرك - اي الدواب التي
تستخدم ظهورها للحمل -» ((172)). كل هذا يؤكدرغبة
على(ع) بتقصير امد المعارك والاقلال من القتل.
واخيرا فاننا يمكن ان نطرح مسالة الضرورة والتناسب في
استخدام الاسلحة، الذي يقضي الا يستخدم من الاسلحة
الاالصنف الضروري، والكمية الكافية لشل قدرات العدو. فهل
كان يمكن لجارية ان يستخدم سلاحا آخر؟
اننا، مع اخذ ظروف الفتنة بعين الاعتبار، وكذلك احتمالات
عودة استقطابها، في ما لو تحرك الجيش الاموي، او
حركت بواسطة المال او غيره فتنة اخرى، كتلك التي سار بها
بسر بن ابي ارطاة في انحاء الجزيرة العربية، لا نعتقد ان
الخيارات كانت مفتوحة امام جارية بن قدامة.
على انه لا بد من التذكير مجددا ان القواعد، التي بيناها في هذا
القسم، هي مبادئ اصيلة، لا تخضع للمساومة فيما
يخص القتال بين المسلمين، في حين ان قواعد القانون الدولي،
كما هو واضح، هي قوعد اتفاقية، وليس ما يمنع من يسيرون
على خط ى الامام على، من ان يتفقوا مع الاخرين عليها، او على
ما هو اكثر رحمة منها.
واخيرا فهل نستطيع اليوم، بدلا من ان نكون متلقين للقانون
الدولي، تعرض الاتفاقيات فنوافق عليها او نتحفظ او نرفض.ان
نكون مبادرين، فنطرح مثلا تحريم الهجوم ليلا، او تحريم
القتال قبل الظهر وحصره في ساعات بعد الظهر، كما
يعلم الامام على(ع) بسلوكه وعلى حسابه.
الاسلحة المستخدمة
كانت الجيوش تسعى في قتالها الى تدمير العدو والقضاء عليه
باسرع وقت وباقسى ما يمكن مبدئيا، لذلك كان هناك سباق
مستمر لانتاج انواع الاسلحة الاكثر فتكا، دونما اقامة كبير
اعتبار للاهداف غير الحربية. الا ان التفكير بدا ينصب على حصر
آثار الحروب في الجيوش المقاتلة والاهداف العسكرية من
جهة، وعلى اساس تحقيق الاغراض باقل الخسائرمن جانب غير
المقاتلين، وباقل الالام من جانب المقاتلين، استنادا الى ان
الحرب هي وسيلة قتال لا وسيلة قتل، وانهاتسعى الى النصر
وفرض الاستسلام على الجيش المعادي او شله، لتحقيق الغاية
المرجوة من شن الحرب من جهة اخرى.
اما الاسلام فقد كان سباقا، ان لجهة حصر الحرب بالمقاتلين، او
لجهة عدم التسبب بالالام غير الضرورية لجنود العدو،
كماسنبينه في القواعد التي كشفها الامام على(ع)، وفي
الممارسات التي قام بها.
وفيما يلي سنتناول بالدراسة المقارنة الاتفاقيات المبرمة حول
هذه الامور في نبذتين:
الاولى تناول القيود على استعمال اسلحة القتال التقليدية
الفردية لمنع تسببها بالالام المجانية.
والثانية تتناول القيود على الاسلحة ذات الاثر الشامل لحصر
مفاعيلها بالمقاتلين.
اولا - القيود على الاسلحة التقليدية
كان الهدف هنا هو حصر اثر السلاح، من مقذوفات وغيرها، بشل
قدرة العدو على القتال، لا التسبب بالالام بغرض التشفي
والانتقام واشباع شهوة القتل. فقد جاء في المادة 22 من لائحة
لاهاي للحرب البرية انه: «ليس للمتحاربين حق مطلق في
اختيار وسائل الحاق الضرر بالعدو».
وكان تصريح بطرسبرج، الذي اصدرته الدول الاوروبية سنة
1868، قد ذكر انه لما كان تقدم (المدنية) يجب ان يؤدي
الى تخفيف ويلات الحرب بقدر الامكان، وبما ان الغرض الذي
ترمي اليه الدول المحاربة من الحرب هو اضعاف
القوات العسكرية للعدو، وهو ما يتحقق باخراج اكبر عدد ممكن
من رجاله من القتال، فان استعمال اسلحة تزيد، دون فائدة،
آلام هؤلاء الرجال، او تجعل موتهم حتميا يعد تعديا لهذا الغرض
ومخالفا للمبادئ الانسانية.
وقد عقدت لهذا الغرض عدة اتفاقيات تناولت منع استخدام
بعض المقذوفات، التي تنتشر في الجسم، ومنع
استخدام الاسلحة السامة والخانقة والوسائل الجرثومية، وكذلك
اتفاقية لحظر الاسلحة البكتريولوجية والتكسينية، واتفاقية
لحظرانتاج الاسلحة الكيمياوية، واتفاقية لحظر تدمير البيئة،
واتفاقية لحماية الممتلكات الثقافية، واتفاقية لمنع استخدام
الاسلحة التقليدية مفرطة الضرر، وبروتوكول لحظر الاسلحة
المحرقة، وبروتوكول لحظر الشظايا التي لا تكتشف
بالاشعة،وبروتوكول حول اسلحة اللايزر المعمية، وبروتوكول
لمنع الالغام والاشراك. الى سائر اتفاقيات منع قصف الاهداف
المدنية والهندسية والصحية والدينية... ويمكننا ان نصنف هذه
الاتفاقيات في ثلاث فئات كما ياتي:
1 - اتفاقية منع استخدام بعض المقذوفات التقليدية شديدة
الضرر
ومنها المعروفة برصاص دمدم، التي حرمها تصريح لاهاي في
29 تموز سنة 1899. وكان تصريح سانت بطرسبرج لسنة 1868
قد فرض عدم استعمال قذائف قابلة للانفجار، او محتوية على
مواد ملتهبة، او حارقة يقل وزنها عن 400 غراما.
2 - بروتوكول لحظر او تقييد استخدام الاسلحة المحرقة
وقد ابرم في العاشر من تشرين الاول 1980، فقد منع استخدام
اي سلاح او ذخيرة مصمم في المقام الاول لاشعال النارفي
الاشياء، او لتسبب حروقا للاشخاص بفعل اللهب او الحرارة او
مزيج منهما، عندما يتولدان من تفاعل كيمياوي لمادة تطلق
على الهدف. ويمكن ان تكون هذه الاسلحة على شكل قاذفات
لهب والغام موجهة لمقذوفات اخرى، وقذائف وصواريخ وقنابل
يدوية والغام وقنابل، او غير ذلك من حاويات المواد المحرقة.
3 - اتفاقية منع استخدام الاسلحة التقليدية مفرطة الضرر
وقد وقعت في جنيف في 10 تشرين الاول 1980، وهي تاتي في
هدف من اهدافها، للتخفيف من الالام الحاصلة للمقاتلين دون
فائدة اضافية تذكر، وقد عدلت المادة الاولى من هذه الاتفاقية
في الاعلان الختامي للمؤتمر الاستعراضي الثاني سنة 2001،
لتشمل المنازعات بين الدولة وقوات متمردة تعمل بامرة
سلطة لا تعترف بها.
وقد الحق بهذه الاتفاقية اربعة بروتوكولات سنستعرضها
بالفقرات التالية:
ا - بروتوكول بشان الشظايا التي لا يمكن الكشف عنها:
جنيف في 10 تشرين الاول 1980.
وهو يمنع استخدام اي اسلحة من شانها ان تحدث جرحا
بواسطة شظايا لا يمكن الكشف عنها بالاشعة السينية،
لان انتزاع هذه الشظايا هو امر بالغ الصعوبة، اذ يقتضي البحث
عنها بوسائل مؤذية تستدعي جراحات معقدة، دون ان
يكون لذلك اي اثر في كسب الحرب او عدم كسبها.
ب - بروتوكول بشان اسلحة اللايزر المعمية:
فينا في 15 تشرين الاول 1995.
والتي تكون وظيفتها الوحيدة، او احدى وظائفها القتالية،
احداث عمى دائم للرؤية غير المعززة، اي العين المجردة او
العين المجهزة باجهزة مصححة للنظر (كالنظارات). هذه
الاسلحة يمنع البروتوكول استخدامها، وكذلك نقلها الى اي
دولة او كيان.وقد طبق الملحق الاول باتفاقيات جنيف قاعدة
تفادي الالام، التي لا ضرورة لها بين الثائرين وقوات دولة
مستعمرة اواجنبية او نظام حكم عنصري (المادة 35).
موقف الامام على(ع)
تاتي هذه الاتفاقيات منسجمة مع مواقف الامام على(ع) الى
حد بعيد، فاذا كان يحظر الاجهاز على الجرحى كما
سنرى،فهذا يعني انه يحظر القتل المجاني، الذي تؤدي اليه
هذه الاسلحة، واذا كان يامر بالكف عمن رموا اسلحتهم
والهاربين، فهذايعني انه كان يكتفي من عدوه بالامتناع عن
القتال، وبالتالي لم يكن يؤمن من جهة اخرى بالاذى المجاني،
وهو ماينسحب اليوم على حظر استخدام المقذوفات التي
تحدث الالام المفرطة، او التي لا يمكن العثور عليها في
الجسم، او غيرذلك.
يبقى هناك اشكال الاسلحة الحارقة الذي يمكن ان يثار انطلاقا
من موقف جارية بن قدامة السعدي، احد قادة الامام على، الذي
احرق دارا بالمقاتلين.
ان هذه المعركة يمكن ان تلقي بظلالها على موقف على
انطلاقا من موقف هذا القائد الذي ارسله لاخماد فتنة البصرة،
التي اثارها ابن الحضرمي رسول معاوية سنة 38 هجرية، والتي
انتهت باحراق ابن الحضرمي وسبعين من انصاره في دار
لاذوابها، هي دار ابن سبيل، وكان اتخذها مقرا لدعوته من قبل
((173)). ولم يحمل لنا التاريخ شيئا عن ردة فعل على(ع)
على ماقام به هذا القائد، بل على العكس من ذلك عاد وكلفه
بمطاردة بسر بن ارطاة، احد قادة معاوية بن ابي سفيان، الذي
ضرج بالدم انحاء الجزيرة العربية من تيماء الى الحجاز الى
اليمن.
فهل كان احراق ابن الحضرمي ومن معه في دار ابن سبيل
عملا مشروعا؟
نحن نعلم ان الامام كان ينهى عن البطش بمن يعجزون عن
القتال، كالجرحى والمعورين (العاجزين) والفارين، كما
سنرى في ما بعد، فهل كان يجوز احراق هؤلاء الهاربين، ليكون
ذلك سنة يتبعها من يكون في موقف جارية بن قدامة؟
ان جماعة ابن الحضرمي، الذي صمدوا معه الى النهاية، لم
يكونوا طبعا من الجرحى او العاجزين ليكف عنهم.
ولكنهم هربوا، افلا ينطبق عليهم توصيف «المدبرين» الذين
كان علي يامر بعدم اتباعهم؟
ان المدبر هو من اعتزل القتال نهائيا، ولم يكن له «فئة
ينصرونه»، اما من لم يكن فراره لمجرد النجاة، بل مناورة
لكسب الوقت لعل مددا ياتيه، او يستطيع الالتحاق بوحدات
الجيش الذي ينتمي اليه، فذلك ليس بمدبر. فمن اي الصنفين
كان ابن الحضرمي وانصاره الذين لجاوا الى دار ابن سبيل؟
لم يكن واضحا ان هناك جيشا امويا في المعركة يمكنهم ان
يناوروا، على امل ان ينجدهم او يستطيعوا الخلوص اليه. اذاما
الذي دفعهم الى الاحتماء بالدار والتمترس فيها؟
هل كانوا يريدون مساومة جارية بن قدامة لينجوا بارواحهم؟
لكن الذي حصل ان اعدادا من رفاقهم كانوا قد فروا من
المعركة ربما الى امكنة حيث اعتزلوا القتال. فلماذا لم يفعل
هؤلاءبالمثل؟ هل كان هؤلاء ياملون بالنصر؟
قد تكون الفكرة راودت بعضهم، بان افترض ان بني تميم
البصرة، الذين كانوا جل جيشهم في البداية، او غيرهم من
قبائل البصرة، يمكن ان يعاودوا التحرك لنجدتهم، وان يكن هذا
الاحتمال بعيدا، وقد تكون راودتهم احتمالات ان يبعث
معاوية بجيش، او يكون فعلا بعث بجيش لنصرتهم، فاذا صمدوا
فربما يصل هذا الجيش، خصوصا وان فكرة احراقهم
كانت مستبعدة بالنسبة اليهم، لانهم قوم جارية نفسه. فهم من
قبيلة تميم بدليل انهم، عندما هدد جارية بالنار، ردوا: (لا،
السنا من الحريق في شي».
وكان بعض الناس حاول ان يثني قدامة عن اللجوء الى النار
بالقول: «يا جارية، انهم قومك... وانت اعلم((174))».
اذا، لم يكن ينطبق عليهم توصيف «المدبرين»، الذي يمنع من
مطاردتهم وقتلهم، ولكن اما كان جارية قادرا على
مطاولتهم والرفق بهم علهم يستسلمون، كما داب على في
حرب صفين؟
ان مسالة القضاء على فتنة ابن الحضرمي كانت بدات قبل
انتداب جارية لهذه المهمة، فقد كان الامام على(ع) قد كلف
بهاتميميا آخر قبله، وهو اعين بن ضبيعة التميمي ((175))
الذي كانت مهمته سلمية، فكانت النتيجة ان اغتالوه رغم انه
كان رسولا وليس قائدا على راس حملة عسكرية. وكان تكليف
ابن ضبيعة، بعد ان كانت الفتنة بلغت اوجها، واستولى
قائدهاعلى البصرة، ولاذ عامل الامام زياد ابن ابيه بقبيلة الازد،
وكان يخشى ان يتمكن ابن الحضرمي، بواسطة المال او
التهديد اوبهما معا، ان يهاجم حماة زياد وينتزع منهم بيت
المال، الذي حمل زياد محتوياته مستنجدا بهم فحموه.
من هنا، كانت ضرورة التصرف قد اصبحت ملحة، بعد مرور
زمن طويل، دون ان يرعوي ارباب الفتنة، الذين انذرهم
زياداولا، ثم فاوضهم ابن ضبيعة ثانيا، ثم اعذر اليهم جارية ثالثا.
والجدير بالذكر ان جارية لم يحرقهم غدرا او على حين غفلة،بل
هو قال وعلى مسمع منهم: «على بالنار»، وكررها، ومع ذلك لم
يستسلموا. ولما شب الحريق لم يستسلموا ايضا .((176))
واكثر من هذا، يحمل التاريخ ان حبشية، وتدعى «عجلى»، وهي
ام ابن خازم، وكان يقاتل مع ابن الحضرمي اتت لانقاذه،فنبشت
شعرها، ونادته ليخرج فرفض، فهددته بانها ستتعرى ان لم
يخرج، لكنه رفض تدليلا على اصرار هؤلاء المقاتلين على
المطاولة ((177)).
هنا، لا بد ان يفرض سؤال نفسه:
الا يتناقض فعل جارية مع المبدا الفقهي الاسلامي القاضي،
حسب بعضهم، بعدم جواز استخدام اسلحة الحرق والتدمير،
مادامت الضرورة لا تفرض ذلك؟
ان هذا المبدا، وهو غير اجماعي على كل حال كما راينا، لم
يخرق بفعل جارية، ذلك ان الحرق والتدمير ممنوعان
بالشرط المذكور، اي اذا كانا سيطالان الابرياء الى جانب
المقاتلين، او اذا كانا سياخذان المقاتلين على حين غرة. اما اذا
انذرالمقاتلون وكان بامكانهم الاستسلام بعد الانذار، او بعد
اشتعال النار، فلا نظن ان ذلك ممنوع.
وهنا نصل الى نقطة حاسمة، فنطرح السؤال: الا يبرر فعل
جارية اليوم اللجوء الى الاسلحة الحارقة وغيرها من
اسلحة الدمار الشامل؟
ان هذا التصرف لا يشكل عملية تدمير، لانه، كما ذكرنا،
اقتصرت آثاره على بيت واحد فيه مقاتلون، ولم يكن ممكنا
شل مقاومتهم او دفعهم الى الاستسلام الا بهذه الطريقة، علما
ان عليا هو الذي يروي عن رسول اللّه حديث النهي عن القاء
السم(حتى) في بلاد المشركين.
اما مسالة تبرير استخدام الاسلحة الحارقة، كالنابالم وما اليه،
بفعل استخدام جارية النار، فان مفعول النار ليس
كمفعول النابالم وذلك لسببين:
اولا: ان النار معروفة ومرئية، ويمكن تلافيها بالهرب، في حين
ان النابالم يلقى من مسافة بعيدة فيفاجئ من يطالهم.
ثانيا: ان النار التي اضرمها جارية كان يمكن اطفاؤها بالماء او
التراب... في حين ان النابالم لا تطفا ناره بهذه الوسائل.
ومن هنا، لا يمكننا ان نقارن بين النار، التي اضرمها جارية بن
قدامة، والنار التي تنجم حتى عن القاء القنابل العادية.
واخيرا، فاننا يمكن ان نطرح مبدا الضرورة والتناسب في
استخدام الاسلحة، الذي يقضي بالا يستخدم من الاسلحة
الاالصنف الضروري لشل قدرات العدو. فهل كان لجارية ان
يستخدم سلاحا آخر؟
اننا مع اخذنا ظروف الفتنة، واحتمالات عودة استفحالها، فيما
لو تحرك الجيش الاموي، او حركت بواسطة المال او غيره فتنة
اخرى، كتلك التي سار بها بسر بن ارطاة بانحاء الجزيرة، لا
نعتقد ان الخيارات كانت مفتوحة امام جارية بن قدامة. ثانيا - منع استخدام اسلحة الدمار الشامل
|
|---|