الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

ثانيا: انه لا يجوز تبديل صيغة فعل بصيغة اخرى، بل يجب التقيد بصيغة اللفظ اذا كان من الافعال، كالفعل الماضي للماضي،والحاضر للحاضر، ولا يجوز تقدير غيره. ومثاله قول المفسرين في قوله تعالى: (من كان في المهد صبيا) (مريم:

29)،حيث قالوا: التقدير (يكون في المهد)، ويعد المنهج هذا التقرير تحريفا ((218)).

وثالثا: وجوب التقيد بصيغة الاسم اينما وردت في القرآن، من التعريف بانواعه والتنكير والجمع والافراد والتثنية، ويشمل ذلك اسماء الاشارة بلا فرق.

وامثلة ذلك:

ا - اما التقيد بصيغة الاسم او الصفة، فالمقصود بالتقيد ابقاء الاسم والصفة كما وردت في القرآن، وعدم جواز تصور غيرهاباية صورة. ومثاله: (ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا) (الفرقان: 27).

المقصود عند جميع المفسرين ان (الظالم) هنا هو اسم للجنس، فلا يقصد به ظالم معين مخصوص. في حين يرى المنهج وفقا لقواعده ان هذا خطاء شنيع، فان الظلم بوصفه فعلا معلوما يرتكبه من الجنس الانساني جمع هم (الظالمون)،وهو لفظ للجمع مستعمل في القرآن. واذا اعتبرنا لفظ ي (الظالم) و(الظالمون) سواء، فقد هدمنا على انفسنا البناء الهندسي للقرآن، واستحالت معرفة اي تركيب قرآني مرتبط بهذه الالفاظ. ان (الظالم) في المنهج هو فرد مخصوص واحد، وهومدلول يدل عليه اللفظ الذي ورد بصيغة المفرد المعرف ب -(ال) التعريف. واطلق عليه هذا المعنى، لانه الظالم الحقيقي،والمؤسس الاول للظلم على مر التاريخ ((219)).

ب - اما التقيد بصيغة الجمع مع تعدد الجموع: فمن المعلوم ان في العربية اكثر من جمع للمفرد الواحد. وقد داب اصحاب المعاجم وتابعهم النحويون والمفسرون على اعتبار الجموع المتعددة شيئا واحدا، فيقولون مثلا: (اخ: مفرد ويجمع على اخوة واخوان). وعندها يذكر لك المفسر تلك العبارات الازلية نفسها كقوله: (اخوة واخوان واحد)، اي بمعنى واحد.

ان المنهج اللفظ ي يكشف النقاب عن هذا الخطا الفاحش الذي ادى الى اضطراب اللغة عموما، والتخبط في معرفة آيات القرآن خصوصا.

ومثال ذلك التفرقة بين لفظ (اخوة) ولفظ (اخوان) في القرآن:

فلفظ (اخوة) جمع يستخدم في القرآن للاخوة في الرحم فقط، ولفظ (اخوان) هو جمع يستعمل للروابط التي لا تقوم على صلة الرحم. فالاخوة هم الذين ولدوا من رحم او صلب واحد او كليهما، والاخوان هم الذين اتفق ان تكون بينهم علاقة ما في هذه، الحياة كان يعيشوا في مكان واحد، او يضمهم نظام واحد، ولا يشترط ان يكونوا متفقين في المبادئ ((220)).

ويستعرض الايات التي وردت في القرآن ملاحظا موارد لفظ (اخوة):

(وجاء اخوة يوسف) (يوسف: 28)، (فان كان له اخوة فلامه السدس) (النساء: 11)، (وان كانوا اخوة رجالا ونساءفللذكر مثل حظ الانثيين) (النساء: 176)، (انما المؤمنون اخوة( (الحجرات:

10).

اما موارد لفظ (اخوان) فهي:

(وان تخالطوهم فاخوانكم( (البقرة: 220)، (ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين) (الاسراء: 27)، (واخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون) (الاعراف: 202)، (وعاد وفرعون واخوان لوط) (ق: 3)، (اءلم تر الى الذين نافقوا يقولون لاخوانهم الذين كفروا( (الحشر: 28).

ان هذا النظام الذي يكشف المنهج عن بعض خطوطه سيغير - بلا شك - الكثير من المفاهيم والعقائد كما تعلم.

ولكن الكاتب يصطدم باستخدام القرآن للفظ «اخوة» في غير موارد الرحم، من قبيل (انما المؤمنون اخوة( (الحجرات:

10)،كما يعبر في آية اخرى بقوله: (فاءلف بين قلوبكم فاءصبحتم بنعمته اخوانا) (آل عمران: 103).

فيقول: لان الخطاب في آية (فالف) موجه للذين آمنوا، وهؤلاء خليط مختلف عن جماعة (المؤمنين) الذين فيهم،فاللفظ - (المؤمنون) - يراد به في القرآن من كان مؤمنا حقا، فلذلك سماهم (اخوة)، لان الصلة بينهم كصلة الارحام، بل اعظم كما تدل عليه اقترانات لفظ (المؤمنون) ((221)).

القاعدة الثانية : لا تعدد في المعاني للفظ الواحد التزم المفسرون لكتاب اللّه تعالى في بعض الموارد بتغير معنى اللفظ اذا تغير تركيب الجملة، ومثاله: (ثم استوى الى السماء وهي دخان فقال لها وللارض ائتيا طوعا اءو كرها قالتا اءتينا طائعين) (فصلت: 11). فقد اتجه المفسرون الى البحث حول معنى كلمة «قالتا» في الاية مع عدم بحثهم حول هذا اللفظ في الموارد الاخرى في القرآن. والسبب في ذلك هو ان «قالتا» هنا ترجع الى السموات والارض، وهما من غير العاقل، او فقل من الجماد.

ولكن اتباع المنهج اللفظ ي والتفسير القصدي يرون ان «قالتا» هنا هي بنفس المعنى الوارد في سائر الايات، معتبرين ان «القول» غير «الكلام»، ذلك ان المتكلم قائل لا محالة، ولكن ليس كل قائل متكلما ((222))، وان المفسرين لما توهمواوحدتهما دخلوا في اتجاهات تفسير الاية.

ولاجل اثبات التعدد يدخلون في عملية استقراء لمفردة «قول» في القرآن لتحديد كون المراد منها غير الكلام، ولكنهم يصطدمون بموارد ثلاثة في القرآن الكريم يظهر منها ان القول هو الكلام، فيدخلون في عملية توجيه وخلق بعض التاويلات لارجاع القول الى امر يغاير الكلام.

القاعدة الثالثة: لا يجوز تقدير او حذف مركب او مفرد لاي لفظ لا وجود له ومثاله: (حتى اذا فتحت ياءجوج وماءجوج وهم من كل حدب ينسلون (-) واقترب الوعد الحق فاذا هي شاخصة اءبصارالذين كفر وا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين) (الانبياء: 96 - 97).

ويتوقف الباحث هنا امام امور: فمن جهة تم اعتبار ان قوله (اقترب الوعد) هو جواب الشرط وان الواو زائدة. ومن جهة اخرى تم اعتبار ان جواب الشرط محذوف. ومن جهة ثالثة تم تقدير «قالوا» قبل (يا ويلنا)، وهي جواب الشرط.

ويرفض الباحث هذه التقديرات جميعها. ويرى ان تحديد جواب الشرطيستلزم شرح جملة من الحوادث وعلاقاتهاالزمنية واللفظية، والتي يعد كل منها مبحثا خاصا ((223)).

القاعدة الرابعة: لا يجوز تغيير ترتيب الكلمات والمركبات القرآنية لاجل الوصول الى المعنى معنى هذه القاعدة ان الترتيب القرآني هو جزء من النظام المحكم للقرآن، فلا يجوز تغييره بتقديم او تاخيرموضع مركب او مفردة في تركيب قرآني معين - ولو تقديرا - لتحصيل المعنى.

فكل نظام يفرض نفسه، وعند تغييره فان الحاصل لا علاقة له بذلك النظام، بل سيكون شيئا خارجا عنه ((224)).

يحاول الباحث الاستدلال هنا على تاسيس هذه القاعدة بالتالي:

ان التقديم والتاخير لا لغاية لدى المتكلم يريد ابرازها من خلال الترتيب يرجع الى احد الاسباب التالية:

الاول: الاضطرار. وذلك مثلما يضطر الشاعر التزاما بالروى والوزن والقافية، او كما يضطر الخطيب الذي يهتم بالسجع والتزويق على حساب المضمون، او كما يضطر الناثر للغرض نفسه، وهو امر يدل على العجز او الحمق. ومن البلغاء من عرف الناس بلاغته لتجاوزه الالتزام بذلك، مقدما المضمون على الشكل، والخالق تعالى منزه عن ذلك كله.

الثاني: السهو والنسيان، او عدم الادراك، او العجلة في الكلام، مما يؤدي الى تغيير الترتيب، وذلك كله مرجعه الى القصور والعجز، والخالق تعالى منزه عن ذلك كله.

الثالث: القصد، تلاعبا بالالفاظ للابهام، او الايهام، او التمويه، او السخرية، او لاخفاء امر، او اظهار ما لا شان له، اولتزوير حقيقة، او ابطال حق.. وذلك كله مرجعه الى الحيلة التي يحتمها العجز او التهاون في قول الحق، وذلك كله منزه عنه الخالق سبحانه وتعالى عما يصفون.

واذا لم يكن من سبب من هذه الفئات للتقديم والتاخير في الجملة، فلا بد من الاعتقاد ان المتكلم قصد ذلك، وان الترتيب هو ترتيبه الذي اراده وقصد منه المعنى الذي يحتمه هذا الترتيب لا غيره.

والمثال القرآني لذلك قوله تعالى: (واءولو الارحام بعضهم اءولى ببعض في كتاب اللّه من المؤمنين والمهاجرين الا اءن تفعلوا الى اءوليائكم معروفا) (الاحزاب: 6).

يقول الباحث: غير المفسرون الترتيب في هذه الاية، فزعموا ان الاصل هو: (واولوا الارحام من المؤمنين والمهاجرين بعضهم اولى ببعض). والنص المقدر هذا يجعل المؤمنين اولي الارحام بعضهم اولى ببعض.

لماذا فعلوا ذلك؟ لانهم وجدوا صعوبة في فهم المراد، اذ كيف تكون صلة القربى اهم من صلة الدين او مقدمة عليها؟ القاعدة الخامسة: لا يجوز الاعتقاد بوجود مجاز في القرآن بجميع اقسام المجاز وتفصيل ذلك: ان المنهج اللفظ ي يرفض الاقرار بوجود اي مجاز في القرآن من اي نوع كان، ويرى ان القرآن ليس فيه سوى الحقائق المجردة عن اي ابهام او توهم، ويعتبر المنهج استعمال المجاز - بمعناه عند اللغويين - في الماثور الادبي اشياء توهموها، او ابهاما ينبئ عن عجز صاحب النص في ايصال الحقيقة.

اما مثال المجاز الذي ينفيه هذا المنهج فهو قوله تعالى:

(وضرب اللّه مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ياءتيها رزقها رغدا من كل مكان) (النحل: 112).

فقد التزم المفسرون بالمجاز هنا، لانه قد تم هنا اطلاق الحال على اسم المحل، ولذا لا بد من تقدير كلمة (اهل) هنا.

ولكن التفسير القصدي يرفض ذلك انطلاقا من ان القرية - وهي التجمع السكاني - تكون آمنة او خائفة او عاتية او كافرة اوهالكة حقيقة لا مجازا .((225)) ويفرع هذا الاتجاه على هذه القاعدة انكاره لوجود ظواهر لغوية في النص القرآني تتمثل في:

ا - انكار وجود التشبيه الاستعاري يقول: والمنهج يرفض الاعتراف بالاستعارة في استعمالات القرآن، فالقرآن لا ينقل المعنى من لفظ الى لفظ، ولا يضع الكلمة لشي لم يعرف بها من شي قد عرف، ولا ياتي باسم للشي غير اسمه الحقيقي، ولا ياتي بمعنى آخر للشي سوى معناه، ولا يعلق العبارة على غير ما وضعت له في اصل اللغة لغرض الابانة، لانه مبين بنفسه وهو عين الابانة وروحها،فليست الابانة شيئا خارج القرآن، لان آياته (بينات) و(مبينات)، وهو نفسه (تبيان) و(مبين). فالابانة صفة القرآن وليست شيئا خارجيا اتصف بها بعد الاستعارة((226)) .

ومثال ذلك (فاءذاقها اللّه لباس الجوع والخوف) (النحل: 112)، حيث يعتبر المفسرون ان لفظ (اذاق) استعمل بنحوالاستعارة، لان الذوق انما يكون في المطعم والمشرب. ويرفض الاسلوب القصدي كون ذلك من الاستعارة، معتبرا ان الذوق هو معنى عام دون ما خصصه به المفسرون، معتمدا في ذلك على استقراء هذا اللفظ في القرآن.

ب - انكار وجود الكناية يعتبر الاسلوب القصدي ان الكناية مستحيلة، والدليل الذي يسوقه هو - مضافا الى ما تقدم - ان كلامه تعالى حق وان(واللّه لا يستحي من الحق) (الاحزاب: 53)، فاللفظ الذي يذكره هو دوما اللفظ الصريح المطابق للمعنى الذي يريده تعالى.

ومثال ذلك الايات المتعددة التي فسرت بانها كناية عن الجماع، كالاية 187 من البقرة، 43 من النساء، 189 من الاعراف،222 من البقرة، 20 من مريم. ويستنكر التفسير القصدي حمل هذه الايات على الكناية، يقول: «فانظر ايها القارئ الكريم كم كناية وضعوا للجماع في كتاب اللّه؟ وما ذكرناه هو نزر يسير اظهرناه على عجل، اذ ربما كان هناك المزيد منها،فالاتيان والغشيان والملامسة والمباشرة والاقتراب والرفث والتماس.. كل هذه المفردات وردت في القرآن كناية عن شي واحد هو الجماع»((227)) .

ج - لا ايجاز ولا اطناب لعل الاسلوب القصدي لم يجد ما يمكن ان يسجله في هذه المفردة لاتفاق الكل على انه لا ايجاز ولا اطناب في القرآن.

القاعدة السادسة: ابطال تعدد القراءات يتحدث الاسلوب القصدي عن نظرته للقراءات فيقول: لا يجوز للباحث في هذا المنهج الاعتقاد بصحة جميع القراءات للفظ الواحد، ويتوجب عليه الاخذ بالقراءة التي تطابق النظام القرآني ولو كانت شاذة، وعند غياب القراءة المطابقة للنظام يجب التوقف والمرور من طريق آخر او الترك ((228)).

ان المثال الذي يقدمه لهذا هو قوله تعالى: (اءقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا) (الكهف: 74)، مقارنة مع قوله تعالى: (قال انما اءنا رسول ربك لاهب لك غلاما زكيا) (مريم:

19).

والسبب في تعارض هذا اللفظ (زكية) - في سورة الكهف - مع قواعد المنهج اللفظ ي هو ان لفظ (الزكي) بوصفه صفة للمسيح( يعني الطاهر والمبرا من الذنوب، وهذه الصفة لا يجوز ذكرها من قبل موسى( لوصف الغلام المقتول بيد العبدالصالح.

ومن هنا يرى ان الصحيح هو قراءة الاية بلفظ ( زاكية)، الذي يعني مكتمل النمو، ويستشهد لذلك بان ستة من القراءيعتمدون على هذا اللفظ.

ويشرح المنهج اللفظ ي والاسلوب القصدي خصائصه بامور:

الاول: نقد جميع الاتجاهات التفسيرية الاخرى، سواء التفسير التجزيئي او الموضوعي او الصوفي العرفاني الفلسفي.

الثاني: ينطلق الاسلوب القصدي لتسجيل تفوقه - بل صحته - دون غيره من مناهج التفسير من اشكالية اثبات النص القرآني، لان الفكرة السائدة تعتمد على التواتر لاثبات ذلك، ولكن الاسلوب القصدي يعتبر منهجه طريق اثبات مباشرلاعجاز آيات القرآن، وما دامت كل آية تحمل اعجازها بنفسها، فهي تتضمن اثبات نفسها بنفسها.

كما يعتبر هذا المنهج انه يبطل بيان الاعجاز بالقول بالصرفة الذي تبناه اعلام من المفسرين. كما يعتبر ان البشرعاجزون حتى عن الاتيان بية من مثله، مخالفا بذلك مقولة امكان اتيان البشر بية من مثله وعجزهم عن الاتيان بمثله.

المنهج اللفظ ي وقواعد اللغة العربية يعتبر المنهج اللفظ ي ان على الجميع ان يدركوا ان عدم خضوع القرآن للقواعد يدل على انفراده بقواعده الخاصة، وهذاهو جوهر تميزه عن باقي الكلام، وهو الذي يفتح باب معرفة الاعجاز .((229)) تنطلق هذه الفكرة من خلال ملاحظة اشكالية تتمثل في ان القواعد وضعت بعد القرآن، وهو احد مصادرها، فاذا خالف القواعد، فالنقض وارد على القواعد لا على القرآن. والايات التي توقف عندها المفسرون هي:

ا - (والمؤمنون يؤمنون بما اءنزل اليك وما اءنزل من قبلك والمقيمين الصلاة) (النساء: 162)، اذ يجب اءن تكون وفق القواعد (والمقيمون).

ب - (ان هذان لساحران) (طه: 63)، فما هو سبب رفع اسم ان؟ بناء على قراءة (ان) بالتشديد.

تطبيق جزئي للمنهج اللفظ ي يسعى التفسير القصدي والمنهج اللفظ ي ((230)) الى عملية تطبيق لنظريته، وذلك في الاية الكريمة: (وجعل فيها رواسي من فوقها) (فصلت: 10). وفي عملية التطبيق هذه يعتمد المنهج خطوات ست:

1 - تفسير كلمة (فيها): حيث يلتزم بان معنى (فيها) هو «في داخلها».

2 - تفسير (من فوقها): وذلك عبر تتبع استخدام هذا التركيب في القرآن، ليصل الى كون المراد هو الحركة العكسية من الاعلى الى الاسفل.

3 - الرواسي: حيث يسعى لتحديد معنى كلمة (الرواسي) بانه عبارة عن قوة معينة، وليس شيئا منظورا.

4 - يتوقف امام الايات التي وردت فيها (الرواسي)، حيث وردت مقترنة بكلمة (ان تميد) (راجع: الانبياء: 31، لقمان:10، النحل:

15).

5 - تتبع استعمال (الرواسي) ليجد انه استخدم مع كلمتي (الالقاء) و(الجعل)، مضافا الى (ان تميد). وينطلق بعد ذلك لملاحظة كلمتي (الالقاء) و(الجعل)، فاننا نجد انهما استعملا كثيرا مع القوى والاشياء غير المادية، كالحب والرعب والظلمات والنور.

والنتيجة: يلاحظ المنهج اللفظ ي الموارد الكلية لالقاء الرواسي او جعلها، فيرى ان الالقاء ورد مرتين اخريين، فالمجموع اربعة موارد. والجعل ورد خمس مرات. فجميع موارد الرواسي هي تسع آيات، منها ثلاثة موارد اقترنت بالميدان ((231)).

6 - يتتبع مادة كلمة (رسى) في الاستخدام القرآني بجميع اشكالها، ليحدد لها معنى هو التحريك حركة منتظمة.

ملاحظات على التفسير القصدي الى هنا اتصور اننا نكون قد وضعنا الخطوط العامة الاساسية للمنهج اللفظ ي والتفسير القصدي، ولا بد ان نسجل ملاحظاتنا على هذا المنهج:

الفرضيات المسبقة للنظرية ان من اول ما يمكن ملاحظته على هذا المنهج انه يعتمد على نظرية لغوية حديثة تتبنى وضع الحروف وان لها معاني،بخلاف ما هو المعروف. واساس هذه النظرية يبتني على العلامات الصوتية، اي ان للالفاظ دلالة سابقة ثابتة، وهذا الامريجعل اللغات جميعها ترجع الى اصل واحد، فيما لا يكون للاصوات اي قيمة مسبقة في المبدا الاعتباطي.

وتشكل هذه الفرضية المسبقة اساسا للانطلاق نحو عملية تخطئة لتراث تفسيري وفقهي واصولي ممتد لقرون، دون ان يكون للحل القصدي سوى اشارات قرآنية ونبوية((232)) .

ولا اريد هنا ان استخدم عملية تهويل بقدر ما اريد استحضارطريقة اصولية لتفنيد مثل هذا المدعى، وان الشارع لو كان يبني على طريقة القصدية والمنهج اللفظ ي لكان ينبغي عليه البيان، لانه سوف يمتاز عن طريقة العقلاء في الفهم والتي لم تكن تبتني على القصدية.

ويقع هذا الاتجاه التفسيري المبني على الالتزام بوجود معنى للحروف امام اشكال اساسي، وهو انه اذا كان للحرف معنى فهذا يعني عدم وجود ما عرف بالمهمل في اللغة، وهو الالفاظ التي لا تدل على معنى.

وللاجابة عن ذلك يتجه المنهج اللفظ ي نحو عملية تبسيط للمشكلة، وان هذه المهملات لها معان لم تصل اليها البشرية، بل هي معان مختزنة، وتطور البشرية كفيل بايصالها الى هذه المعاني((233)) . ولا اتصور ان هذه الطريقة التبسيطية لمشكلة اساسية تقف حائلا امام هذا المنهج كفيلة بحل المشكلة. ان هذه اللغة التي عمرت قرونا لم نجد ان مهملاتها اصبحت لهادلالة على معان.

ان من الواضح لقارئ هذا المنهج اللفظ ي انه اعتمد على الانطلاق من اشكاليات مسجلة من قبل المفسرين، وتعددت الاراء في حلها وتقديم الاجابات عنها، ولا اريد ان اسجل ذلك بوصفه نقطة ضعف في هذه النظرية بقدر ما اريد ان اوضح ان النظرية التي تنطلق من هذه الفرضيات سوف تعود لتقع في هذه الاشكالية نفسها، ولن تقدم الحل المكتمل كما تحاول ان تفرض نفسها، كما سنجده في الملاحظات الاتية.

مضافا الى مسالة اخرى اساسية، وهي ان التفسير القصدي يعتمد على التتبع لاستعمالات المفردة قرآنيا ليستخرج المعنى القرآني والذي يقارب ما يصطلح هذا التفسير عليه بالمعنى الحركي. وهنا اذا اردنا ان نلحظ قضية تدرج نزول القرآن وعدم نزوله دفعة واحدة - على مسامع العرب والمسلمين الاوائل بوصفه امرا قطعيا - فهل كان المسلمون الاوائل - اي في عصرالنزول التدريجي - يتوقفون في فهم المعنى الى ان يكتمل القرآن؟! او ان القرآن كان يفهم بما هو ظاهر الكلام بالرجوع الى ما تحويه اذهانهم من معان للمفردات والتراكيب اللغوية. ان ما يصل اليه التفسير القصدي من خلال تتبعه للمفردات سوف يشكل ظهورا خاصا، فهل هذا الظهور هو الظهور العرفي الذي قامت ادلة حجية الظواهر القرآنية - والمبحوثة تفصيلا في علم الاصول - على اثباته؟! وهكذا تشكل مسالة الحجية عقبة اساسية امام اعتماد هذا النحو من التفسير.

معنى نزول القرآن بلغة العرب قيل - وهو قول صحيح - ان من اهم عوامل حفظ اللغة العربية هو اهتمام المسلمين بها، هذا الاهتمام الذي كان له منطلقه الديني، وهو كون القرآن قد نزل بلغة العرب، ففهم كتاب اللّه يتوقف على هذه اللغة.

تشكل الاية (انا اءنزلناه قرآنا عربيا) (يوسف: 2) الشاهد الرئيسي على مقولة مشهورة بينهم من اءن القرآن نزل بلغة العرب واساليبهم. ولكن المنهج اللفظ ي - وفيما قد يبدو غريبا جدا للكثيرين - يرفض هذه الفكرة من اساس، وينحو لتفسير الاية بشكل آخر، فيرى ان القرآن له نظامه الخاص - الذي شرحه هذا المنهج ضمن القواعد التي اسسها وتقدمت - ولا يجري على لغة العرب.

واما الاية، فاللّه عز وجل لم يقل انه كتاب عربى، بل قال انه كتاب الهى بلسان عربي، واللسان هو شي غير القواعدوالاساليب((234)) ، ولعل نظره في ذلك الى الاية 12 من سورة الاحقاف، وهي قوله تعالى: (ومن قبله كتاب موسى اماماورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين) (الاحقاف: 12).

ويسجل هذا المنهج اشكالية يعتبرها اساس رفضه لكون القرآن خاضعا لاساليب اللغة العربية، وهي تتمثل في انه لا فائدة من الاعتقاد بان القرآن هو كلام اللّه تعالى من جهة، ثم التعامل معه على انه يجري مجرى كلام الخلق في (قواعده واساليبه) من جهة اخرى، اذ النتيجة المتحصلة في النهاية انه مثل كلام المخلوقين ((235)).

اننا لا نجد مبررا على الاطلاق لما ذكر من ان اللّه عز وجل لم يقل انه كتاب عربي وانما بلسان عربي، فان الايات الواردة كلها تنص على انه كتاب عربي، فلاحظ قوله تعالى: (انا اءنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) (يوسف: 2) وكذلك الايات 113من سورة طه، آية 28 من سورة الزمر، آية 3 سورة فصلت، آية 7 من سورة الشورى، وفي جميع هذه الايات ورد(انزلناه)، (جعلنا)، (اوحينا)، فهل هذا كله يدل على ان القضية هي مجرد لسان؟! ولا ادري، كيف تم نسيان جميع هذه الايات مع ان طريق القصدية يقتضي ملاحظة كل ما ورد حول هذه المفردة لتحصيل المعنى.

هذا مضافا الى ان غموضا يكتنف المراد من كون القرآن انما نزل باللسان العربي فقط دون ان يكون عربيا، فهل هو مجرداستخدام الحروف العربية دون الخضوع لنظام اللغة؟! هذا ما يظهر انه المراد لدى المنهج اللفظ ي، ولهذا يرفض تطبيق قواعدالبلاغة العربية على النص القرآني. وهنا نسال عن السر في عدم مخالفة القرآن لقواعد العرب النحوية، ولماذا راعى رفع الفاعل ونصب المفعول وغير ذلك من عشرات القواعد، وتسجيل موردي مخالفة لقواعد العربية مع القرآن لا يعني انه لم يسر على قواعد العربية، فهل يقال: ان القرآن كلام اللّه وهو يختلف عن كلام المخلوقين؟! اي ان سؤالا يتجه للتفسيرالقصدي عن الفرق بين قواعد النحو وقواعد البلاغة حتى يؤمن بتطبيق قواعد النحو دون البلاغة.

مضافا الى مسالة اخرى، وهي قضية الاعجاز القرآني وتحدي العرب بالاتيان بمثل هذا القرآن. ولبيان هذا التحدي يقال:ان القرآن الكريم كان معجزة ببيانه واسلوبه - اضافة الى المضمون - وهذا الجانب من الاعجاز لا يمكن ان يتحقق الا اذاكان بلغة القوم، لان (التحدي) - الذي هو محتوى الاعجاز - انما يكون مقبولا اذا كان باللغة التي يتكلم بها الناس، والا فلامعنى لان نتحدى من يتكلم بلغة بان ياتي بكتاب من لغة اخرى. وقد كان التحدي في هذا الجانب من الاعجاز باعتبار ماكان يوليه ذلك العصر من اهمية خاصة للبلاغة والبيان، الامر الذي كان له اثر كبير في الخضوع النفسي لهؤلاء العرب لبلاغة القرآن وبيانه((236)) .

ومن هذا المنطلق لا تكون دعوى التفسير القصدي بالخروج عن اساليب اللغة العربية البلاغية وعدم نزول القرآن بها الاخروجا عن مسالة التحدي هذه، لان التحدي في المعجزة انما يكون - وقد كان في القرآن كذلك - بما هو الموجود بين ايدي الناس، وما هو في ايديهم عبارة عن اللغة العربية بكل ما تحمله من خصائص بلاغية.

واما كون القرآن هو كلام اللّه، فلا يعني اطلاقا ان لا يجري على قواعد العرب واساليبهم. واختلاف كلام الخالق عن كلام المخلوقين ليس في نحو استعمال الالفاظ وسرد الجمل واعمال الصناعات اللفظية، وانما هو كلام عربي روعي فيه جميع مايراعى في كلام عربي، وقد قال تعالى: (وما اءرسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم( (ابراهيم: 4). وانما الاختلاف -كما يوضحه السيد الطباطبائي - من جهة المراد والمصداق الذي ينطبق عليه مفهوم الكلام.

وتوضيح ذلك: انا من جهة تعلق وجودنا بالطبيعة الجسمانية اصبحنا نالف المصاديق المادية، ولذا نحمل المعنى على ماهو المعهود عندنا من المصداق والنظام الحاكم فيه، لعلمنا بانه لا يعني الا ذلك، لكونه مثلنا لا يشعر الا بذلك، وعند ذلك يعود النظام الحاكم في المصداق ليحكم في المفهوم، فربما خصص به العام او عمم به الخاص او تصرف في المفهوم باي تصرف آخر، وهو الذي نسميه بتصرف القرائن العقلية غير اللفظية.

مثال ذلك انا اذا سمعنا عزيزا من اعزتنا ذا سؤدد وثروة يقول:

(وان من شي الا عندنا خزائنه)، وتعقلنا مفهوم الكلام ومعاني مفرداته، حكمنا في مرحلة التطبيق على المصداق ان له ابنية محصورة حصينة تسع شيئا كثيرا من المظروفات، فان الخزانة هكذا تتخذ اذا اتخذت، وان له فيها مقدارا وفرا من الذهب والفضة والورق والاثاث والزينة والسلاح، فان هذه الامور هي التي يمكن ان تخزن عندنا وتحفظ حفظا. واماالارض والسماء والبر والبحر والكوكب والانسان، فهي وان كانت اشياء، لكنها لا تخزن ولا تتراكم، ولذلك نحكم بان المرادمن الشي بعض من افراده غير المحصورة، وكذا من الخزائن قليل من كثير، فقد عاد النظام الموجود في المصداق، وهو ان كثيرا من الاشياء لا يخزن، وان ما يختزن منها انما يختزن في بناء حصين مامون عن الغيلة والغارة، اوجب تقييدا عجيبا في اطلاق مفهوم الشي والخزائن. ثم اذا سمعنا اللّه تعالى ينزل على رسوله قوله: (وان من شي الا عندنا خزائنه) (الحجر: 21)،فان لم ترق اذهاننا عن مستواها الساذج الاولي فسرنا كلامه بعين ما فسرنا به كلام الواحد من الناس، مع انه لا دليل لناعلى ذلك البتة، فهو تفسير بما نراه من غير علم.

وان رقت اذهاننا عن ذلك قليلا واذعنا بانه تعالى لا يخزن المال، وخاصة اذا سمعناه تعالى يقول في ذيل الاية: (وما ننزله الا بقدر معلوم(، ويقول ايضا: (وما اءنزل اللّه من السماء من رزق فاءحيا به الارض بعد موتها) (الجاثية: 5)، حكمنا باءن المراد بالشي الرزق من الخبز والماء، وان المراد بنزوله نزول المطر، لانا لا نشعر بشي ينزل من السماء غير المطر، فاختزان كل شي عند اللّه ثم نزوله بالقدر كناية عن اختزان المطر ونزوله لتهيئة المواد الغذائية. وهذا ايضا تفسير بما نراه من غيرعلم، اذ لا مستند له الا انا لا نعلم شيئا ينزل من السماء غير المطر، والذي بايدينا ها هنا عدم العلم دون العلم بالعدم.

وان تعالينا عن هذا المستوى ايضا واجتنبنا ما فيه من القول في القرآن بغير علم، وابقينا الكلام على اطلاقه التام، وحكمناان قوله: (وان من شي الا عندنا خزائنه) يبين امر الخلقة. غير انا لما كنا لا نشك في ان ما نجده من الاشياء المتجددة بالخلقة كالانسان والحيوان والنبات وغيرها لا تنزل من السماء، وانما تحدث حدوثا في الارض، حكمنا بان قوله: (وان من شي الا عندنا خزائنه) كناية عن مطاوعة الاشياء في وجودها لارادة اللّه تعالى، وان الارادة بمنزلة مخزن يختزن فيه جميع الاشياء المخلوقة، وانما يخرج منه وينزل من عنده تعالى ما تتعلق به مشيئته تعالى، وهذا ايضا كما ترى تفسير للاية بمانراه من غير علم، اذ لا مستند لنا فيه سوى انا نجد الاشياء غير نازلة من عند اللّه بالمعنى الذي نعهده من النزول ولا علم لنا بغيره.

واذا تاملت ما وصفه اللّه تعالى في كتابه من اسماء ذاته وصفاته وافعاله وملائكته وكتبه ورسله والقيامة وما يتعلق بهاوحكم احكامه وملاكاتها، وتاملت ما نرومه في تفسيرها من اعمال القرائن العقلية، وجدت ان ذلك كله من قبيل التفسيربالراي من غير علم وتحريف لكلمه عن مواضعها((237)) .

كيف نصل الى المعنى الحقيقي ومقولة رفض المجاز ليست مقولة رفض المجاز بجديد التفسير القصدي، فقد نقل انكار المجاز في القرآن من ابن القاص من الشافعية، وابن خويز منداد من المالكية، وحكي عن داود الظاهري وابنه، وابي مسلم الاصبهاني. وشبهتهم ان المتكلم لا يعدل عن الحقيقة الى المجاز الا اذا ضاقت به الحقيقة فيستعير، وهو مستحيل على اللّه سبحانه، فهو باطل. ويجيب عنه الزركشي بانه لووجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلوه من التوكيد والحذف، وتثنية القصص وغيره، ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن((238)) . وهذا الجواب من قبل الزركشي لم يات التفسير القصدي على ذكره وتفنيده.

ولكن لنا ان لا نقف كثيرا عند هذا، بل ننتقل الى ملاحظة اخرى، وهي انه اذا كان المنهج اللفظ ي يرفض وجود المجاز في القرآن وكان ذلك ضمن قواعده، ويرفض الرجوع الى المعاجم، مسجلا عليهم انهم لم يميزوا المعنى الحقيقي من المجازي،فكيف يصل الى المعنى الحقيقي؟! فان تتبع الاستخدام القرآني وتتبع المفردة اللغوية او اللفظ المصطلح عنده لن يوصله الى المعنى الحقيقي ما لم يكن مسبوقا بمعنى ما. وهنا نسال: من اين ياتي هذا المعنى؟ هل يدخل صاحب المنهج اللفظ ي الى عملية التفسير مجردا عن كل المعاني التي يحملها في ذهنه للمعاني اللغوية، ويحاول الوصول الى المعنى؟ وفي الاساس هل ذلك ممكن حتى نتحدث عنه؟ والملاحظة الثالثة على مقولة رفض المجاز تكمن في ملاحظة الداعي الى التزام المفسرين بضرورة المجاز في بعض الكلمات، ويتحدث عبد القاهر الجرجاني في كتابه (اسرار البلاغة) عن ضرورة المجاز، مستشهدا بالايات الثلاث التالية:(هل ينظرون الا اءن ياءتيهم اللّه في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الامر والى اللّه ترجع الامور) (البقرة: 210)، وقوله تعالى: (وجاء ربك و الملك صفا) (الفجر: 22)، وقوله تعالى: (الرحمن على العرش استو) (طه: 5). ويقول موضحا ضرورة المجاز: «لان الاتيان والمجي انتقال من مكان لمكان، وصفة من صفات الاجسام، وان الاستواء ان حمل على ظاهره لم يصح الا في جسم يشغل حيزا او ياخذ مكانا» ((239)).

هذا وللمجاز ضرورة اخرى ايضا، كما في مثل قوله تعالى:

(وعصى آدم ربه فغو) (طه: 121)، فكيف يمكن لهذا المنهج شرح هذه الاية بناء على انه لا مجاز، لا سيما بناء على تتبع المفردة قرآنيا، وقد ورد في فرعون قوله: (فعصى فرعون الرسول) (المزمل: 16)، كما ورد عن فرعون ايضا: (فاءراه الاية الكبرى (-) فكذب وعصى( (النازعات: 20 - 21).

واما مفردة غوى، فقد نفاها القرآن عن النبى(ص) في سورة النجم حيث قال تعالى: (ما ضل صاحبكم وما غو) (النجم:

2). وكذلك قوله تعالى على لسان يونس(: (وذا النون اذ ذهب مغاضبا فظن اءن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات اءن لا اله الااءنت سبحانك اني كنت من الظالمين) (الانبياء: 87).

ولو اردنا ان نتتبع كلمة (الظالمين) لوجدنا ان الذم كله ورد مقترنا بهذا اللفظ، فلاحظ قوله تعالى: (لا يهدي القوم الظالمين)(الجمعة: 5)، (لا ينال عهدي الظالمين) (البقرة:

124)، (فلا عدوان الا على الظالمين) (البقرة: 193)، الى الكثير من المواردالتي وردت فيها هذه المفردة.

تتبع المفردات القرآنية والوصول الى المعنى يعتبر المنهج اللفظ ي ان الاساس في معرفة المعنى هو تتبع المفردة قرآنيا، وهذا ما استخدمه عمليا وقام بتطبيقه على مثل مفردة (اخوة) و(اخوان)، حيث اعتبر ان كلمة (اخوة) تطلق على ما كان من صلة الرحم دون (الاخوان) كما تقدم شرحه، ولكنه اصطدم - كما هو واضح - باستخدام لكلمة (اخوة) في غير مورد وجود صلة رحم، فالتجا الى عملية تاويل، وذلك بقوله: ان الصلة بين المؤمنين كصلة الارحام، وهنا يقع في ما اتهم به الاخرين وجعله نقطة ذم لهم.

وهذا ما نجده في موارد اخرى سوف نسجلها عليه: فمثلا اذا سرنا مع هذا المنهج لنحدد معنى كلمة (الضالين) مثلا،فسنجد انها وردت في: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) (الفاتحة: 7)، (واذكروه كما هداكم وان كنتم من قبله لمن الضالين) (البقرة: 198)، (قال لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم الضالين) (الانعام: 77). كما وردت على لسان موسى(:(وفعلت فعلتك التي فعلت واءنت من الكافرين (-) قال فعلتها اذا واءنا من الضالين) (الشعراء: 19 - 20).

فلا بد لهذا المنهج من الالتزام بنحو من التاويل لما ورد على لسان موسى(، اذ لا يلتزم بان معنى الضالين الوارد في سائرالايات هو المراد في الايتين.

التقديم والتاخير يتوقف التفسير القصدي امام مسالة التقديم والتاخير، رافضا اي نوع من التقديم والتاخير مع عدم وجود داع له. ولا اتصوران المفسرين دخلوا في عملية التقديم والتاخير اعتباطا، بل من المفسرين من يلتزم بالتقديم والتاخير لداع يراه، فيما لايلتزم به آخر لعدم وصوله الى وجود داع له. ومن هنا لا تكون مخالفة التفسير القصدي مخالفة في المنهج، ولا تعتبر قاعدة عدم التقديم والتاخير خاصة به. فمثلا يذكر بعض المفسرين ان من وجوه التقديم والتاخير في الكتاب العزيز الالهي وفي الاشعار وكلمات اهل البلاغة والادب، مراعاة السماع وكيفية الاداء، والمواظبة على المزايا الخارجة عن الادب الاصطلاحي. وبعبارة اخرى: لا تنحصر وجوه تحسين الكلام بما في الكتب الادبية والاسفار البلاغية، بل اهم الوجوه هواشتمال الكلام على الرنمة الخاصة المناسبة للارواح اللطيفة والممزوجة مع لطافة القريحة، المعبر عنها بالموسيقى، فانه ليس كل ما يسمى بالموسيقى والموسيقي مذموما ومنهيا عنه ((240)).

وكذلك ترتبط مسالة التقديم والت اخير بالمعنى الذي يتبناه المفسر. وقد يؤدي الاختلاف في الالتزام بالمعنى الى ترك الالتزام بالتقديم والتاخير، ونذكر لذلك موردين:

الاول: هو قوله تعالى: (وامراءته قائمة فضحكت فبشرناها باسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب) (هود: 71). فقد ذكرالمفسرون ان في الاية تقديما وتاخيرا، لان ضحكها كان بعد البشارة ((241))، وذكروا ان هذا هو المروي عن ابي جعفر(،وهذا مبني على تفسير كلمة (فضحكت) بالضحك المقابل للبكاء، وهذا المعنى لا يحصل الا بعد البشارة لا قبلها.

ولكن من المفسرين من ابقى الضحك على هذا المعنى، معتبرا ان سبب ضحكها كان امرا آخر. ومنهم من التزم بان (ضحكت) هنابمعنى حاضت ((242))، وعلى هذين الرايين لا داعي للتقديم والتاخير.

الثاني: والمثال الاخر قوله تعالى: (انا خلقنا الانسان من نطفة اءمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا) (الانسان: 2). فقد ذكربعض المفسرين اءن الابتلاء هو بمعنى الاختبار بالتكليف، وعليه التزموا بالتقديم والتاخير، لان التكليف لا يكون الا بعد ان يكون سميعا بصيرا.

ولكن من المفسرين من التزم بان الابتلاء هنا بمعنى نقل الشي من حال الى حال، ومن طور الى طور، ولذلك فلا داعي للتقديم والتاخير، بل ان التقديم يصبح شاهدا على معنى الابتلاء ((243)).

وعليه يصبح الملاحظ على المثال المتبنى من قبل التفسير القصدي امرا جزئيا، فلم يلتزم جميع المفسرين بالتقديم والتاخير في هذا المورد ايضا.

ملاحظات على النموذج التطبيقي اوضحنا عند عرضنا لهذا المنهج التفسيري النموذج التطبيقي في آية (الرواسي)، ولاحظنا عدة هفوات وقع فيها المنهج هي:

1 - تفسير كلمة (فيها) بمعنى (في داخلها)، ووجدنا انه لم يتتبع كلمة (فيها) في الاستخدام القرآني ليحدد المراد من هذه الكلمة، بل اعتبر ان المعنى هو (في داخلها)، وكانه امر مسلم لا بحث فيه. ولكن لنقم نحن بهذه المهمة، وسنعثر على قوله تعالى في سورة البقرة: (متشابها ولهم فيها اءزواج مطهرة وهم فيها خالدون) (البقرة: 25)، وقوله تعالى: (قالوا اءتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) (البقرة: 30)، الى الكثير من الايات التي لا تحمل كلمة (فيها) فيها معنى (في داخلها).

وكذلك الحال في الاية نفسها (وجعل فيها رواسي من فوقها) (فصلت: 10)، فانها لا تفيد انه جعل في داخلها حتى يذهب بالمعنى الى باطن الارض.

2 - تفسير تركيب (من فوقها). والعجيب انه هنا لا ينظر اطلاقا الى مثل قوله: (اجتثت من فوق الارض) (ابراهيم: 26)،لان الاجتثاث هو حركة من الاسفل الى الاعلى، فاين هي الحركة العكسية التي تحملها كلمة (من فوق) على ما بنى عليه نموذجه التطبيقي.

3 - عند سعيه لتحديد معنى (الرواسي) يقول: فهذا الفعل يعني ثبات الشي المتحرك اصلا ليكون مستقرا في حركة منظمة،ومنه (مرسى) السفن على سواحل البحار.

كيف حدد هذا المعنى؟ وما هي الالية التي ينبغي استخدامها للوصول الى مثل هذا المعنى؟ هل حدده من خلال الاستعمال القرآني او المعنى الحركي؟ ام انه حدده من خلال الرجوع الى المعاجم واستعمالات المخلوقين التي يرفض قياس كلام الخالق عليها؟ وعند ملاحظته للاقتران بين الالقاء والجعل يقول: «وبملاحظة عمل اللفظين (جعل) و(القى) في كتاب اللّه، فاننا نجد انهمااستعملا كثيرا مع القوى والاشياء غير المادية، كالحب والرعب والظلمات والنور. فالشي الملقى هو شي منفصل عن الملقى عليه» ((244)). وهنا لا بد من التوقف امام اعترافه بانهما استعملا كثيرا، فهل يعني هذا تحديد المعنى ام ان الاستخدام لا بدوان يكون في الجميع واحدا؟ ملاحظات تطبيقية اولا: تقدم ان التفسير القصدي ينكر وجود الكناية في القرآن، وقد استدل لذلك بقوله تعالى (واللّه لا يستحي من الحق)(الاحزاب: 53). ولم يصور لنا هنا كيف يكون التعبير بالكناية من الباطل. مضافا الى وجود روايات تتضمن النص على كون هذا التعبير من الكناية، فقد اورد الكليني في الكافي عن ابي عبد اللّه( قال: «سالته عن قول اللّه عز وجل: (اءو لامستم النساء) (النساء: 43)، قال: هو الجماع، ولكن اللّه ستير يحب الستر، فلم يسم كما تسمون» ((245)).

ثانيا: وقوع المنهج في التاويل والتخريج: لقد تكرر في التفسير القصدي اللجوء الى التاويل لاي مورد يراه مخالفا لراي يتبناه:

ففي قوله تعالى: (قالتا اءتينا طائعين) (فصلت: 11) يشن التفسير القصدي هجوما على المفسرين لتصرفهم في كلمة(قول) بالالتزام بان في الاية مجازا او بان اللّه قد خلق الكلام خلقا، لان القول لا يصدر من الجماد. ولحل المشكلة يتبنى التفسير القصدي الالتزام بان القول هو شي غير الكلام، متمسكا لاثبات ذلك بتتبع مفردة (القول) في الاستخدام القرآني،وذلك في الايات: (سواء منكم من اءسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار) (الرعد: 10)، (فاءلقوااليهم القول انكم لكاذبون) (النحل: 86)، (انه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون) (الانبياء: 110). وكذلك الايات 7 من سورة طه، 205 من سورة الاعراف، 18 من سورة ق. ولكن تتبع هذه المفردة يصطدم بموارد اخرى من قبيل:

(ان اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا) (الاحزاب: 32)، (فقولا له قولا لينا لعله يتذكر اءويخشى( (طه: 44)، (يومئذ لا تنفع الشفاعة الا من اءذن له الرحمن ورضي له قولا) (طه: 109).

وهنا يدخل التفسير القصدي في عملية تاويل او توجيه لهذه المفردات الثلاث فيقول:

ا - انه لو قال (لا تخضعن بالكلام) لكان يجيز لهن الخضوع بالقول، وهو في النفس. فاذا خضع قلب المراة فانها قادرة على ايصاله بلا كلام، فاراد قطع الخضوع من اصله، فتامل الاعجاز وانتبه للاشارات.

ب - اراد سبحانه ان يكون اللين صادرا من قلبيهما، وهو منتهى الحكمة والعدل والمعروف.

ويقول ختاما: واما الموارد الاخرى، فعلى الباحث تدبر ما فيها واكتشاف اشاراتها ((246)) .

من الواضح ان هذا يشكل تطبيقا تعسفيا يفتح الباب امام اختلاف في عملية ملاحظة المفردات اراد التفسير القصدي الفرار منه وجعله محورا اساسيا في هجومه على المفسرين. ولاي باحث - لو اراد - ان يجعل هذه الموارد التي اعتبرهامخالفة هي الاصل وتفسير القول بانه هو الكلام، وعمد الى التصرف في دلالة الالفاظ التي اعتبرها التفسير القصدي هي الاصل لاثبات المغايرة بين القول والكلام.

ثالثا: ان مسالة تغيير زمان الفعل عبر اللجوء الى التقدير هو امر تفرضه الضرورة، فمثلا في قوله تعالى: (كان في المهدصب يا) (مريم: 29) يرفض المنهج القصدي التصرف في دلالة فعل (كان) على الماضي، ويشدد النكير فيعتبر ان تقدير (يكون)هو من التحريف.

ولكننا نقول: لا شك في ان كلمة (كان) في الاية لا يمكن حملها على صيغة الماضي، وذلك لان الاية وردت في مقام استغرابهم التكليم، والاستغراب انما يحصل ممن هو فعلا في المهد، لا ممن كان كذلك. وقد ذكر المفسرون العديد من الوجوه لحل هذه المشكلة، ومنهم من حملها على الماضي القريب، وهو الجواب الذي تبناه المصنف من جهة انها لما اتت به قومها تحمله لم يكن في المهد، فيكون مرادهم انه كان قبل ان تاتي به مريم اليهم((247)) . ومن الاجوبة ما تبناه الطباطبائي في تفسيره (الميزان) من كون كلمة (كان) هنا مجردة عن الزمان((248)) .

اذن، هنا مشكلة في الدلالة، ومهما يكن الجواب فانه لن يخرج عن التصرف في دلالة كلمة (كان) على الماضي، الا ان يسعى الى التاويل، وبهذا يقع في مشكلة اخرى.

مضافا الى ان حمل (كان) على الماضي القريب يصطدم بيات اخرى، وهي قوله تعالى: (ويكلم الناس في المهد وكهلاومن الصالحين) (آل عمران: 46)، وقوله تعالى: (اذ اءيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا) (المائدة: 110).

فالفعل (يكلم) و(تكلم) اذا اردنا حمله على(ع)ما زمانه) - كما هو منهج التفسير القصدي - فلا بد من حمله على صورة حصول التكليم فعلا. ولعل اوجه ما يمكن ان يقال هنا هو ان المراد من قوله (في المهد) هو حالة الصغر والطفولة، لا سيمابملاحظة اتباعها بقوله (وكهلا) في الاية الواردة في آل عمران.

رابعا: فرع التفسير القصدي على نظريته في نفي الترادف مقولة، وهي ان اختلاف الترتيب في الاي القرآني يدل على تكررالحادثة. وذكر نموذجا لذلك ما ورد من قصة موسى(ع) مع بني اسرائيل ودخولهم القرية. وقد التفت المفسرون الى هذاالاختلاف في التعبير القرآني، وذكروا وجوها لذلك. ونحن لسنا هنا في صدد ملاحظة هذه الوجوه ومدى صحتها، ولكن لناان نتوقف مع التفسير القصدي قليلا، وذلك بلحاظ ان الداعي الذي بعثهم للالتزام بتكرر الحادثة عند تغير الترتيب هوتاسيسهم لقاعدة نفي الترادف المتفرعة على ايمانهم بوضع الحروف وكونها ذات معاني، ولو اردنا ان نسير وفق هذه الطريقة، فلا بد ايضا - بل من الاولى - ان يكون تغيير الكلمة موجبا لتعدد الحادثة، وان لا يحمل على الحادثة الواحدة،لوحدة الملاك الحاكم في الموردين ووحدة القاعدة هذه. ولكن هذا لا يمكن الالتزام به، ولنلحظ بعض الموارد القرآنية كنموذج لذلك:

1- قوله تعالى: (واذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل اءناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق اللّه ولا تعثوا في الارض مفسدين) (البقرة: 60)، وقوله تعالى: (واءوحينا الى موسى اذ استسقاه قومه اءن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل اءناس مشربهم) (الاعراف: 160).

ففي الاية الاولى استخدم القرآن كلمة (انفجرت) وفي الثانية (انبجست).

2- قوله تعالى: (قالت رب اءنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر) (آل عمران: 47)، وقوله تعالى: (قالت اءنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم اءكن بغيا) (مريم: 20).

ففي الاية الاولى استخدم القرآن كلمة (ولد) وفي الثانية (غلام)، فهل هذا من تكرر الحدث؟

3- قوله تعالى: (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الارض الا من شاء اللّه وكل اءتوه داخرين) (النمل:87)، وقوله تعالى: (ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الارض) (الزمر: 68).

ففي الاولى (ففزع)، وفي الثانية (فصعق).

4- ولاحظ ايضا: (رددت الى ربي) (الكهف: 36)، و(رجعت الى ربي) (فصلت: 50)، وكذلك (فاءزلهما الشيطان) (البقرة:36)، و(فوسوس لهما الشيطان) (الاعراف: 20)...

--- الهوامش الفكر السلفي الديني تحليل البنية وتفكيك البناء ( الحلقة الاولى ) المشاركون:؟ 1356

ا. عبد العالي العبدوني؟

د. يحيى محمد ؟

ا. نبيل علي صالح؟

د. عودة عبدعودة عبداللّه ؟

السيد محمد الحسيني؟

الشيخ رسول جعفريان

 

 البراديغم السلفي، ازمة فهم النص القرآني

ا. عبد العالي العبدوني

 

 تمهيد محاولة التعاطي مع موضوع الفكر السلفي وارتكازاته المعرفية هي محاولة صعبة الى حد ما، لانها تستلزم اجراء دراسة جردية لمجموع ما خطه اعلام هذا الفكر، والقيام بحصر المرتكزات على اكثر من مستوى، وطبعا الورقة التي نحن بصددوضعها لا يمكنها القيام بهكذا قراءة وجرد، لذلك هي تحاول ان تتحيز في جنبة معينة، وهي جنبة فهم النص الديني.محاولين تجاوز المعضلات التصديقية التي يخلقها هكذا فهم.

 

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية