الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

وسوف نعتمد الفهم القرآني بوصفه مناط الاعضال عند هذا البراديغم، لكن قبل ذلك لا باس من تحديد ماذا نقصدبالبراديغم السلفي (عنوان اول)؟ قبل ان نعمل على تعقب تشخصاته في فهم النص القرآني، مجرين في نفس الان نقدامعرفيا له (العنوان الثاني)، منهين البحث بمعطى آفاقي.

العنوان الاول: ماهية البراديغم السلفي ومدماكيته البراديغم هو المنطق الداخلي المتفق على حدوده ومحدداته في زمان ما ومكان ما، ويركن اليه في الغالب بدون وعي به لرسوخه في الانفس كما العقيدة آج تا ، لانه طريق اليقين المبحوث عنه او على الاقل هكذا يتصور، وهو على هذاالاساس يشكل الارضية التحتية للبت بخصوص نقطة ما، لذلك كثيرا ما يتم وصفه على انه الانموذج ب ت چ ث الكفيل بحل جميع المعضلات المعرفية على ضوئه.

وهو على هذا الاساس، يتحول الى عقل مركزي حاكم على مجموع الانتاجات الفكرية وعلى جميع المستويات، متحكم في العقول الجهوية والفردية دون ان تعي هذه العقول بانها تعمل داخل صواميل عملاقة حددت سلفا.

قد يكون هذا الطرح يتفق في عدة جوانب مع النسقية الفوكالدية، لكن هذا ليس عيبا ما دامت الاعمال الفوكالدية الصابة مبدئيا في نفس الاتجاه قد قدمت الادلة الكافية على صحة وجود نسق كبير متحكم في مجموع العطاءات الفكرية، بل حتى في الممارسات الاكثر حميمية.

لكن المدماكية لا تتجلى فقط في تحديد المعالم الكبرى للعقول الجهوية والفردية، بل تذهب الى حدود تطويع هذه العقول والعطاءات بشكل يجعلها غير قادرة على التفكير خارجه، ربما هذا الكلام فيه كثير من التشيي للعقل الانساني ولا تنقصه السوداوية، لكن لو صرحنا بان البراديغم في حد ذاته اي بما هو هو ليس عيبا، لانه موجود معرفي لا بد منه في تاثيث المشهد الفكري في عالم الشهادة قد ترتفع هذه السوداوية، وخصوصا ان المعضلة هي في المحمول لا في الموضوع، اي ان العيوب المعرفية تهم مضمون البراديغم لا قالبه، والذي يظل في جميع الاحوال حياديا وحيويا في نفس الان.

وما دمنا اوضحنا بان المعضلة تهم المحمول فانه يكون من المناسب محاولة ايجاد فهم ولو كبروي لهذا المحمول وهوالمنظور السلفي. صراحة لا يمكن لاي باحث ان يجد تعريفا موحدا لمفهوم السلفية وحدوده، لان هذه المفاهيم كما الكثيرمن المفاهيم تعرف تمظهرات كثيرة وتحديدات متناسلة يلغي بعضها البعض.

فهي عند الشيخ ابن تيمية تهم فئة معينة من الناس وهم «السابقون الاولون من المهاجرين والانصار، والذين اتبعوهم باحسان، وما قاله ائمة الهدى بعد هؤلاء الذين اجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم» ((249))، وبالتالي يكون المنظورالسلفي هو الاستناد الى اقوال السابقين الاولين من المهاجرين والانصار، والذين اتبعوهم باحسان، وما قاله ائمة الهدى بعدهؤلاء الذين اجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم. وبالتالي فاننا نكون شهودا على تقطيع شخصي للسلف الصالح، والتي تشكل آراءهم المنظور الديني الصحيح، ونحن وبغض النظر عن الاشكالات التي يمكن ان يخلقها هذا التعريف فيما يخص التشخيص الصحيح لائمة الهدى المجمع على هدايتهم ودرايتهم، لاستحالة تحقق ذلك في التاريخ الاسلامي..

نقول: بغض النظر عن هذه الازمة التطبيقية، نكون امام معضلة وهي تسلسل السلف الصالح، وبالتالي تسلسل اصول المعرفة الدينية، وهذا يناقض اصل الطرح.

ذلك انه وعلى اساس التعريف التيمي، السلف الصالح لا زالوا يعايشون الزمن الحديث، وبالتالي فان باب اصول المعرفة الدينية لا زالت مفتوحة على مصراعيها، مما يجعل من الموضوع غير قادر على استيعاب المحمول.

مبدئيا نفس التعريف نجده عند الشيخ احمد بن حجر العسقلاني وان باختلاف تشخيصي للسلف بالمعنى الاصطلاحي «ماكان عليه الصحابة رضوان اللّه عليهم وما كان عليه اعيان التابعين لهم باحسان وما كان عليه اتباعهم وائمة الدين ممن شهدله بالامامة. وعرف عظيم شانه في الدين وتلقى الناس لكلامهم خلفا عن سلف. كالائمة الاربعة والسفيانيين والليث بن سعد وابن المبارك النخعي، والبخاري ومسلم وسائر اصحاب السنن دون من رمي ببدعة او شهر بلقب غير مرضي مثل الخوارج والروافض والمرجئة والخبرية، والجهمية، والمعتزلة وسائر الفرق الضالة» ((250)).

فما يمكن ان نلاحظه بخصوص هذا التعريف ان ابن حجر العسقلاني وسع من المشخص وازاح ما يمكن ان يخالطهم في التوصيف الزمني، حاصرا اياهم بائمة المذاهب الاربعة وبعض المحدثين والمشايخ الذين لم تترسخ مذهبيتم في التاريخ الاسلامي.

وهذا التعريف، كما هو واضح، يتخلص من معضلتين:

اولاهما: وقف تسلسل السلف الصالح الى تاريخه والذي سبق ان اشكلنا به على ابن تيمية.

وثانيهما: انه اخرج بعض الفرق من السلف الصالح والذي يظل قائما في تعريف ابن تيمية.

فهذان التعريفان يشكلان العمدة في تعريف المحمول اي السلفية، فهناك من يرى بعض العلماء المتاخرين سلفا صالحا،وهناك من يرى بانهم علماء اجلاء لا يرتفعون الى درجة السلف الصالح.

وفقا لهذه التعاريف، والتي لها المرجعية، نكون امام سقف معرفي معين ومشخص على الاقل في عمومياته هو الذي يحددمعالم الفكر الديني الصحيح. لكنه وامام تكثر الاراء الفقهية والعقدية عند الرعيل الاول في الاسلام يجعل هكذا حاكمية معرفية تتهاوى، لانها تحمل في ذاتها بذور موتها، فكيف نستطيع ان نحل اشكاليات التعارض الفقهي والعقدي عند الاوائل؟هل نعتمد على المعيار الكمي او المعيار الكيفي؟ وهل اذا اعتمدنا المعيار الكيفي الا نكون نحن الخلف قد اسقطنا بعض السلف من الصالحية ؟ وان تيسر مثل هذا الطرح، فكيف يستقيم القول بوجود سلف صالح، نعمل على رد آرائه ان بالجملة وان على الجملة؟ هي تساؤلات كثيرة عانى منها علماء الامة وخصوصا ان بعض من اعتبروا سلفا طعنوا في عقيدة البعض الاخر، بل حتى انهم فسقوهم، مما دفع الى تكون تيارين كبيرين، احدهما ارثدوكسي قضى على هذه الاشكاليات بالانتصار لجهة في مقابل جهة اخرى، وتيار معتدل عمد الى اجراء استقراء علمي للاراء مصوبا هذا على مستوى ما، ورادا رايه على مستوى آخر، مما دفعه الى ان يرى في السلف الصالح مرحلة تاريخية مباركة ليس الا ((251)).

طبعا التيار المعتدل وان كان سلفيا على العموم، الا انه لا يمتاز بصفاء الانتماء كما عند التيار الارثدوكسي، لذلك نجدبعض العلماء الاعلام يتخصصون في علم الكلام والفلسفة وغيرها من العلوم العقلية بخلاف اتباع التوجه الارثدوكسي السلفي، الذين يرون هكذا علوم هي من باب الترف، بل حتى انهم ينزلوها لدرجة الفسقيات.

ونحن على هذا الاساس نوضح بان المقصود من البراديغم السلفي هو هذا التوجه الفكري الذي يحيل او على الاقل يدعي بانه يحيل على فئة معينة من السلف الصالح دون الغير الذي لا يخدم تصوره، ليكون هكذا انموذج نقلي انتقائي، نقلي لانه يعتمد آراء سابقيه في الحكم على الاشكالات الفكرية الدينية التي يتصدى للحسم فيها، وانتقائي لانه لا يعتمد الاراءبالجملة، بل يرجع لما يخدم غرضه ضاربا صفحا عن غيرها من الاراء.

وخير تعريف يوضح هذا الغرض هو ما قاله الشيخ زهير شاويش عندما حرص على تشخيص من هم السلفيون قائلا:«وتسمية (السلفية) لا بد لها من سلف يسبقها تنتهي اليه، وهي تكون خلفا لسلف. وكان هذا السلف من تابعي التابعين. وقدتبع كل السلفيين وغيرهم من المذاهب من كل الفرق. بعضا من التابعين. حتى اصبح الفقه، بل والعقيدة، وحتى الاخلاق،انواعا كثيرة جدا. وفي بعضها اختلاف ظاهر من اتباع الاثر، او التمسك بالنص والدليل، او الجنوح الى الراي ....والسلفيون ينكرون التاويل اللفظ ي والباطني. وقل على مثل ذلك كان هؤلاء السلفيون، مع ان كل المذاهب والفرق الباطنية. وحتى عندالديانات المنحرفة. وما اوجد الناس من احزاب مخترعة.

ولا بد من صرف النظر عما كان من فرقة واختلافات بعد الصحابة الكرام رضي اللّه عنهم اجمعين. وما ترسب بين المسلمين من اقوال وفرق في مسائل الحكم، والعقائد، والفقه. وكان منهم عدد كبير من مختلف الفرق. وكان منهم من سمي:(السلفيون).

اذن، فالسلفية: طريقة في المعتقد والفقه، مفادها: الرجوع الى ما كان عليه الجيل الاول - السلف الصالح - في العقيدة،والعبادة، والاخلاق، والسلوك...... والسلفية معتمدة على الصحيح الواضح من الكتاب والسنة، والوقوف عند اتفاق الصحابة.وما تتابع بعد ذلك بعمل وفهم التابعين من القرون الثلاثة التي شهد لها سيدنا محمد(ص) بالخيرية، وتتابعت بعد ذلك باقوال اهل العلم، والمعتقد، والحديث، والدعوة» .((252)) فالسلفية سلفيات الا ان افضلها التي رفضت التاويل بالجملة، اما غيرها فباطلة.

طبعا، هذا التعريف يوضح لنا بما لا يدع مجالا للشك بان السلفية عندما تطلق فانه يراد منها التي تفهم الدين فهما بدون تاويل، والتي تعتمد اتفاق الصحابة في الاستدلال، اي ان الاختلاف لا يكون موطن نقاش.

لكن ما اغفله الشيخ شاويش هو ان السلفية لا ترى ان ثمة اختلاف معرفي عند الصحابة، بل ترى الاتفاق هو الاصل، واذاما صادفت اختلافا رمته بالشذوذ، لتسقطه من الاعتبار، لان التوجه السلفي واقعا لا يمكنه بتاتا ان يقف على مقتضى فكري ديني واحد ليس فيه اختلاف، لذلك تعمد الى جبر الاختلاف بعدم الاستناد للراي المخالف والذي يشكل نقصا عدديا ليس الا.

مما يجعل من عملية التكميم وحشد الاراء راس المسالة الاستنباطية عند التوجه السلفي الارثدوكسي.

لكن ثمة اشكال يطرح بقوة، وهو هل وصلنا مجموع آراء الصحابة؟ طبعا، الجواب يكون بالنفي، مما يدفعنا لسؤال معرفي آخر، اذا لم يصلنا مجموع الطروحات، فكيف لنا ان نحكم بشذوذ راي ما، لانه قد يكون قليل العدد فيما وصل الينا ولكنه بالضرورة ليس كذلك واقعا؟ حقيقة الطرح السلفي لا يجيب عن هكذا اسئلة، لذلك كثيرا ما نجد اقوال اعلام التوجه السلفي الارثدوكسي يشيرون الى الكثرة دون دليل معتبر، بل يتحدثون عن وقوع اجماع في قضية ما دون ان يتم اثبات هكذا اجماع، اي ان الاحالة تكون من باب المسلمات لا من باب القضايا الواجبة الاثبات اصلا.

بل، حتى ان بعض الافكار الدينية المعتمدة عند التوجه السلفي نفسه، تكون مناقضة لطروحات سابقيه رغم قطعيته بسلفيتهم، ودائما وفق الاحالة المجهولة الوجهة، مما يجعلنا نخلص الى ان البراديغم السلفي هو نقلي انتقائي ظاهري، ذلك انه ما دام نقليا فهو بالضرورة يكون ظاهريا لا يؤمن بالتاويل، مما يدفعه الى التطهر من التوجهات الفكرية المختلفة عنه،فمثلا في مقام تبيان الجهة نجد الشيخ ابن تيمية حيث اثبت - حسب مدعاه - ان اللّه سبحانه وتعالى فوق ولا يمكن ان يكون في كل مكان، لانه مستوي على العرش حقيقة على اساس: «كتاب اللّه من اوله الى آخره، وسنة رسوله (ص) من اولها الى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الائمة، مملوء بما هو اما نص واما ظاهر في ان اللّه سبحانه وتعالى هو العلي الاعلى، وهو فوق كل شي، وهو على كل شي، وانه فوق العرش، وانه فوق السماء» ((253)). مؤكدا ان هذه العقيدة هي عقيدة جمع السلف الصالح، ذلك ان الباحث لن يجد خلاف ما تبناه الفقيه ابن تيمية ف - : «ليس في كتاب اللّه،ولا في سنة رسوله (ص)، ولا عن احد من سلف الامة - لا من الصحابة ولا من التابعين لهم باحسان، ولا عن الائمة الذين ادركوا زمن الاهواء والاختلاف - حرف واحد يخالف ذلك، لا نصا ولا ظاهرا» ((254)).

وان المخالفين لعقيدة الفوقية والجهة والمعتمدين لما سماه التعطيل والتاويل، هم على ثلاثة اضراب الا انهم في جميع الاحوال آخذين عن «تلامذة المشركين والصابئين واليهود، فكيف تطيب نفس مؤمن - بل نفس عاقل - ان ياخذ سبيل هؤلاء المغضوب عليهم او الضالين، ويدع سبيل الذين انعم اللّه عليهم من النبيين، والصديقى -ن، والشه -داء،والصالحى -ن؟((255))».

فهناك اهل التخييل وهم المتفلسفة، ومن سار على دربهم من متكلم ومتصوف ومتفقه، وهناك اهل التاويل الذين حملواالخطاب على المجاز، حيث يجب التنزيه (لاحظوا ان هذا اصل العقيدة الاشعرية)، وهناك اهل التجهيل وهم كثير من المنتسبين للسنة واهل السلف، حيث يصفون الرسول عليه الصلاة وآله والسلام بالجهل بمعاني الصفات.

وطبعا، جميع هذه الاضراب ضالة عن الحق، بل ان الفقيه يصف --ه -م بال -م --لاح --دة ((256))، وخصوصا اهل التاويل وهم المتكلمة والجهمية والمعتزلة ومن سار على دربهم.

صحيح ان ابن تيمية اراد الاستعانة ببعض تصريحات المفكرين الاسلاميين الكبار للذب عن طرحه من بينهم ابي الحسن الاشعري، الا ان الاستعانة بهذا المتكلم العظيم جاء من جهة التحريف لاقوال هذا الاخير، كما سوف يتبين لنا اكثر عندنقاش هذه النقطة بالذات.

خلاصة الموضوع ان الترسيمة العقدية والتي اخترنا فقط منها فرع الفوقية واثبات الجهة عند ابن تيمية هي تطهرية، بمعنى انها تضلل باقي الفرق الكلامية والتي تخالفها الطرح، بل انها تصف متبعيها بالملاحدة، هذا دون ان ننسى ان بعض هؤلاءالملاحدة مؤولين وهم من السلفية المعتدلة ايضا.

فعلى هذا المستوى نستطيع ان نعاين بان المنظور السلفي الارثدوكسي هو منظور تطهري حتما.

الخلاصة اذا، هي ان واقعة ان الطابع النقلي الظاهري والانتقائي يؤدي بالضرورة الى التطهر من الاراء المخالفة. وهذا الكلام يناقض بالجملة تصريحات الشيخ زهير شاويش الذي حاول ان يلمع الصورة.

على اي نرى الاكتفاء بهذا القدر والذي كان ضروريا لمحاولة رسم خطاطة ولو مبدئية للتصور السلفي الذي راينا تحديده في هذا الموضوع. والانتقال الى بحث عملية فهم النص القرآني وفق هذا البراديغم.

العنوان الثاني: فهم النص القرآني وفق البراديغم السلفي قراءة النص، اي نص، يعتمد مقاربتين اصيلتين ومقاربة عرضية توليفية تعتمدهما معا في نفس الان، احدى المقاربات الاصيلة جوانية والاخرى برانية. والمقاربة الجوانية هي تلك المقاربة التي تعتمد الداخل الفكري الديني بلحاظ العلوم الالية، والتي تساعد على التعاطي مع الخطاب باوسع تصوراته من داخله وليس من خارجه، وعند العجز عن استقراء النص من الداخل يتم اعتماد الاقوال المعرفية الجوانية المتحوزة للحمولة القدسية.

اما المقاربة البرانية فهي تلك المقاربة التي تعتمد الخارج الفكري الديني بلحاظ تناسق المعرفة البشرية مع الوجودالايماني، وبالتالي فهي تعتمد القراءة الخارجية والباردة للشان الفكري الديني.

وهناك المقاربة التوليفية، وهي مقاربة تجمع بين الاستقراء الداخل الديني والاستناد للمعارف البشرية الخارج دينية في محاولة لفهم النص الديني، عند تعذر الارتكاز والاكتفاء بهكذا معارف حصرية جوانية.

المنظور السلفي كما نوهنا الى بعض حدوده بما هو انظومة معرفية لا يرى لزوم الاستناد الى المقاربة الخارجية، بل نجده شن حربا لا هوادة فيها على هكذا قراءات مشيرا الى ان فهم السلف الصالح هو اكمل الافهام وان كل فهم غير مستند لهم لايمكن الا ان يكون خاطئا. وعلى هذا الاساس، فعمدة الفهم في هذا البراديغم هو النقل السليم لاراء السلف، لكن وفي مقام خفاء السند النقلي يتم الاجتهاد باعتماد الراي الشخصي، وهذا الراي ينتقل بدوره من فهم انساني اجتهادي الى راي سلفي مقدس واجب الاعتماد من جهة راسية قائله ضمن هرم الفيض المعرفي السلفي، لينقلب بدوره الى اصح الافهام والتي لايستقيم تجاوزها الا بفهم اكمل راجع الى راسية اعلى متراخية في الزمن، وطبعا الراسية العليا المتحدث عنها لا تحدد الامن قبل الاتباع بالمعنى الكمي للتابعية لا النوعي، بدون حاجة الى تعقب الراي الاصوب في اطار المصداق الخارجي.

في احد اهم التفاسير السلفية والتي غدت انموذجا يتبع، نجد ابن كثير يعرف منهجيته في فهم النص القرآني، موضحا ذلك في مقدمة تفسيره الموسوم ب - (تفسير القرآن العظيم):

«ان اصح الطرق في ذلك ان يفسر القرآن بالقرآن، فما اجمل في مكان فانه قد بسط في موضع آخر، فان اعياك ذلك فعليك بالسنة فانها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال ابو عبد اللّه محمد بن ادريس الشافعي، رحمه اللّه : كل ما حكم به رسول اللّه (ص)فهو مما فهمه من القرآن ...

والغرض انك تطلب تفسير القرآن منه، فان لم تجده فمن السنة، كما قال رسول اللّه (ص)لمعاذ حين بعثه الى اليمن:

«بم تحكم»؟ قال: بكتاب اللّه. قال: «فان لم تجد»؟ قال: بسنة رسول اللّه. قال: «فان لم تجد»؟ قال: اجتهد برايي.

فضرب رسول اللّه (ص)في صدره، وقال: «الحمد للّه الذي وفق رسول رسول اللّه عليه لما يرضي رسول اللّه». وهذاالحديث في المساند والسنن باسناد جيد، كما هو مقرر في موضعه.

وحينئذ اذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة، رجعنا في ذلك الى اقوال الصحابة، فانهم ادرى بذلك، لما شاهدوا من القرائن والاحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم،كالائمة الاربعة والخلفاء الراشدين، والائمة المهديين، وعبد اللّه بن مسعود، رضي اللّه عنهم».

فبرجوعنا الى المنهجية التي رسمها الشيخ ابن كثير يمكن لنا ان نبدي عليها هنا ملاحظات اربع:

اولاها: ان شرح القرآن بالقرآن ظلت منهجية - على صحتها مبدئيا - الى حد ما غامضة، فالاطار المعرفي العام الذي يمكننا ان نحاكمها في ضوئه ظل مغيبا، ولا يمكن تصويبها من عدمه الا بالرجوع الى الراي الاعلى. والحال ان هكذامنهجية هي دوران في الفراغ، ذلك ان العقل الكلي بوصفه حاكما على المنهجية هو مهمش في مقام العرض والمقاربة والقراءة، فاقصى ما يراه القوم من دور للعقل هو في حده الادنى، اي ذلك العقل المشترك بين الجميع (الطرح العقلائي للمسالة).

وطبعا هكذا حدية في العقل تجعل منه غير متمكن من آلية شرح القرآن بالقرآن، لان العقل الوحيد القادر على القيام بهذه المهمة هو العقل الصلب المتنزه عن المشترك الانساني.. العقل القطعي، مما يجعل القارئ العقلائي لا يمكنه الا ان يكون موازنا بين الاراء لا اقل ولا اكثر، دون ان يجري عليها قراءة نقدية عقلية للخلوص لصحة التفسير من عدمه.

وهذا ما حدث بالفعل، فاي قارئ عندما يريد ان يفهم آية كريمة يعود الى هذه التفاسير رجوعا تعبديا((257)) ، غير قادرعلى نقضها ولو انه عقلا لا يقبلها، ذلك انه يكفيه ان يكون المفسر هو الشيخ الفلاني المشهود له بالعلمية وربما الاعلمية اوان راس الهرم المعرفي السلفي يقرر بانه اصلب التفاسير. لكي يتقبلها قبول المسلمات، مما يؤدي الى وجود تراتبية في التفاسير ينقض اعلاها ادناها، فعند الاستشكال يجب الرجوع الى الاصلب في المقام المرجعي دون حتى ان ينتبه الى موطن الخلل في الفهم.

انها حاكمية المشهود له بالتمكن من الصنعة دون لحاظ انه قد يخطئ في تفسير آية ما، وان التفسير الادنى منه في الهرمية هو المصيب، فالاحالة تكون كلية لا موضعية.

ثانيها: ان التحدث عن تفسير القرآن بالقرآن راسا هو اهمال خطير لعملية الظهور العرفي للقرآن الكريم سواء على المستوى اللغوي الدلالي او المستوى الملاكي الحكمي((258)) ، والحال ان هناك آيات كثيرة تتحدث عن تيسره للفهم.

واغفال بهذا الثقل ليشكل نقيصة جد حساسة، ويظل غير مقبول، ذلك ان حتى عرض القرآن بعضه على بعض يقف على تشخيص الرابط وهكذا تشخيص لا يتحقق الا بالفهم العرفي للايات الكريمة، فيكون المنهج كما تم ايضاحه من قبل الشيخ ابن كثير مقلوبا، صحيح انه اعقب الاشارة بالمجمل والمفسر الا ان هكذا ضميمة في الجملة لا تفي بالغرض، لان الاجمال والتفسير تستلزم الظهور العرفي لاحدهما وخصوصا الاية الكريمة المستند اليها لرفع الاجمال، والحال ان الاشارة الى الفهم الشخصي للقرآن الكريم هي مغفلة في التعريف.

صحيح ان ابن كثير على مستوى التفسير اشار الى الفهم الشخصي ثم عضده بالروايات، الا ان ذلك كان معكوسا بحيث انه كان يتبنى الراي الوارد في الروايات المعتبرة لديه على المستوى الاول، ثم يضع ما كون من خلاله قناعته في الاول قبل ان يورد الروايات، وكان الفهم المتبادر من الاية الكريمة يتفق مع فهم السلف الصالح، وهي لعبة جد مكشوفة، لانه لا ينفك ان يورد الروايات المعتبرة عنده في المقام الاول، ثم يورد الروايات المردودة مسبقا على المستوى الثاني مع نوع من الاشارة التهوينية اليها، مما يجعله يجهز القارئ لقبول رايه، كما لو انه من الفهم المتبادر والمعضد بالروايات المعتبرة في المقام.

فتعريفه للطريق السليم للتفسير وايراد منهجية تفسير القرآن بالقرآن ثم بعدها بالسنة فروايات الصحابة وعلماء الامة دون ان يورد ولو الماحة للفهم الشخصي ينقض ما يحاول جبره في تفسيره عمليا، وهذه ايضا من مصاديق انكشاف اللعبة المخاتلة.

بقيت الاشارة الى ان رفع الاجمال على الاقل وفق الظاهر من التعريف هو بالرجوع الى الاية المفسرة، وطبعا هكذا تفسيرلا يتاتى الا بالروايات مما يجعل ان المجمل من القرآن على الاقل عند الشيخ ابن كثير غير وارد فيه لا السنة النبوية ولاقول الصحابة، وهذا ينقض اصل منهجيته، لانه عندما يتحدث بالعرض يشير لزوما الى السنة، والا كيف يفسر منهجه التفسير بالماثور، فيجبر هكذا نقيصة بمورد آيوي آخر مشبع بالرواية او راي الصحابة، وهو لعمري انقلاب موردي؟ فاما نقول بان العمدة في عرض القرآن على القرآن هو الظهور العرفي للاية الكريمة وتعذرها في مقام آخر، عندها نقول بان المنهجية هي استقراء الايات القرآنية بمصداق الفهم اللغوي والعقلي. واما نقول بان العرض يكون على اساس السندالروائي، في هذه الحالة لا نقول بان القرآن يفسر بعضه بعضا، بل نقول باننا نحتج بمورد روائي في آية قرآنية ونسقطها على آية قرآنية اخرى غير مفسرة روائيا، فتكون العملية عبارة عن انعكاس شرطي لا يؤدي الغرض بقدر ما يثير الكثير من الغموض على الايات القرآنية، ولهذا نجد واقعا بان التفسير بالماثور متكثر ومختلف رغم حصول اجماع المفسرين على جسم روائي واحد، الا انهم يختلفون كثيرا في فهم الاية القرآنية.

وحتى ندلل على الانعكاس الشرطي والذي لا يمكن الا ان يتحقق خلال عملية الفهم، نعود الى مقدمة التفسير حيث نجدبان الشيخ ابن كثير احتج في مقام اعتماد راي الصحابة على الحديث الاتي: كما قال رسول اللّه (ص)لمعاذ حين بعثه الى اليمن: «بم تحكم»؟ قال: بكتاب اللّه. قال: «فان لم تجد»؟ قال: بسنة رسول اللّه. قال: «فان لم تجد»؟ قال: اجتهد برايي.فضرب رسول اللّه (ص)في صدره، وقال: «الحمد للّه الذي وفق رسول رسول اللّه لما يرضي رسول اللّه».

فالقارئ العادي لهذا النص الروائي يعلم جيدا - وبغض النظر عن صحته من عدمه - بان الموضوع يهم القضاء بين الناس في المسائل الشرعية ولا مدخلية له بفهم القرآن الكريم. فهذا النص على وضوحه والذي لا علقة له بفهم النص القرآني،انقلب دليلا للقول بصحة فهم الصحابة للقرآن الكريم وعمدتهم في هذا المقام عند تغيب السنة. لا احد يعلم كيف تم التوسع في مدارك هذا النص النقلي، ولا ما هي المداخل الفهمية التي تم اعتمادها. ولهي احالة تجعل المرء يتخوف من الان من الطريقة التي يرتضيها الشيخ في الاحالة في مقام فهم القرآن، لان من عجز عن فهم النص الروائي ومناطه هو اعجز عن تطبيقه في فهم آية قرآنية.

كما ان اصل هذا النقل اذا ما جارينا الشيخ ابن كثير بخصوصه فسوف نجده ينقض اصل عملية العرض، فهل هو قائل بالمضمن يعني بان هناك بعض الايات لا تفهم ولو بمصداق منهجية العرض؟ لذلك نبحث لها عن حديث الرسول عليه الصلاة وآله، فان لم نجد - وهذه طامة - نعود لراي الصحابة، لان المنهجية اذا عجزت عن تحقيق التكاملية هي منهجية ساقطة، بمعنى انها لم تثرنا ولم تكفنا مؤونة البحث وتاسيس منهجية اخرى فانها تسقط كمنهجية.

ثالثها: ان الاحالة على الصحابة كمنهجية داخل في الاجتهاد في الفهم، والحال ان هذه الاحالة تظل منقوضة ولا علقة لهابالاجتهاد في الفهم، وهنا اللعبة التي يريد ان يلعبها الشيخ ابن كثير، وهي افهام القارئ بان الاجتهاد الشخصي لا يعدو ان يكون رجوعا لراي الصحابة.

كما ان النص المحتج به ينقض كلامه والخلاصة التي وصل اليها، وهي ازمة تطبيقية اخرى تنضاف الى سابقتها، ذلك ان الحديث مضمنه بان الاجتهاد الشخصي مكفول للمرء بوصفه انسانا عالما، وليس للصحابة خصوصا، لانه يمكن ومن خلال نفس المنطق ان لا اجد في روايات الصحابة شيئا، عندها اقول بانني اجتهد ولا آلو، الا ان الشيخ ابن كثير يرفض هكذاخلاصة حتى لا تتفلت ناصية الفهم والافهام من الصحابة، فجعل الاجتهاد محصورا في الصحابة ومن اتبعهم باحسان من الائمة المهديين، فالقارئ يظل متلقيا من اول الخط الى آخره اسناديا بامتياز، لا يجتهد حتى يصل مقام التقليد الكلي للسلف الصالح، ويتحقق الاشباع من افكارهم كما وصلته من الطرقية الاسنادية والتي لا تختلف بالضرورة، مما يجعل اي تفكير يظل خاضعا للسياج الفكري السلفي، وهو عين ما اسميناه البراديغم، ويجب ان يظل الفهم الجزئي مرتهنا بفهم جزئي سلفي سابق والا سقط كفهم معتبر.

رابعها: انه وعلى مستوى المصداق لهذا المنهج كثيرا ما نجد آراء حبر الامة عبد اللّه بن عباس لا تعتبر في مقام التفسير،عندما تناقض رايا فكريا او فقهيا مجمعا عليه بين الاتباع.

ذلك لو ان المنظور الفقهي او الفكري الديني المعتمد عند علماء المذهب السلفي تناقض مع راي عبد اللّه بن عباس رمي هذا الاخير بالشذوذ، وهي طريقة تجعل من صدقية اعتماد راي الصحابة في المحك، والادلة على ذلك كثيرة جدا.

فالمنظور في الحقيقة تنازلي وليس تصاعديا، اي ان التصور يكون جاهزا عند المفسر السلفي، ثم يطفق بتعضيده بالروايات ولا باس ان يرد راي بعضهم بدعوى الشذوذ، لانها وببساطة لا تتفق مع التصور المجمع عليه داخل البراديغم السلفي.

طبعا هذا النقد لا يتحوز نية قدحية في المجهود التفسيري لشيخ كابن كثير، بل بالعكس اهميته هي التي شكلت حافزالتصويب المنظور بخصوصه حتى يتسنى معاينة باقي التفاسير والموازنة بينها، واراءة باقي المناهج التفسيرية للوقوف على مواطن القوة والضعف، لتحقيق التكامل والوصول الى اقوى المناهج وتحقيق القراءة الامثل للنص القرآني.

لذا ارتاينا محاولة اراءة المنهج التفسيري عند فطاحلة العلم القرآني في القرن العشرين وهو العلامة محمد حسين الطباطبائي صاحب تفسير الميزان، اذ سوف يعاين القارئ مواطن التكامل في المنهجية، وكيف تيسر تجاوز بعض المطبات المعرفية المتحققة في المنهج السابق.

قراءة آفاقية: الطباطبائي انموذجا في مقام تبيان المرجعية العلمية الصلبة لفهم كتاب اللّه نجد العلامة محمد حسين الطباطبائي في مقدمة تفسيره (الميزان في تفسير القرآن) يصرح بالاتي:

«وهذا هو الذي دعى الناس ان لا يقتصروا على الفهم العادي والمصداق المانوس به الذهن في فهم معاني الايات، كما كان غرض الاجتناب عن الخطا والحصول على النتائج المجهولة هو الذي دعى الانسان الى ان يتمسك بذيل البحث العلمي،واجاز ذلك للبحث ان يداخل في فهم حقائق القرآن وتشخيص مقاصده العالية، وذلك على احد وجهين:

احدهما: ان نبحث بحثا علميا او فلسفيا او غير ذلك عن مسالة من المسائل التي تتعرض (لها) الاية حتى نقف على الحق في المسالة، ثم ناتي بالاية ونحملها عليه، وهذه طريقة يرتضيها البحث النظري، غير ان القرآن لا يرتضيها كما عرفت.

وثانيهما: ان نفسر القرآن بالقرآن ونستوضح معنى الاية من نظيرتها بالتدبر المندوب اليه في نفس القرآن، ونشخص المصاديق ونتعرفها بالخواص التي تعطيها الايات...

وقد قال النبى(ص): «فاذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن فانه شافع مشفع وماحل مصدق، من جعله امامه قاده الى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه الى النار، وهو الدليل يدل على خير سبيل، وهو كتاب تفصيل وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكمة وباطنه علم، ظاهره انيق وباطنه عميق، له نجوم وعلى نجومه نجوم، لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه فيه مصابح الهدى ومنار الحكمة، ودليل على المعروف لمن عرف النصفة،فليرع رجل بصره، وليبلغ الصفة نظره ينجو من عطب ويخلص من نشب، فان التفكر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنيرفي الظلمات بالنور، يحسن التخلص ويقل التربص».

وقال على(ع) (يصف القرآن على ما في النهج): «ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض...».

هذا هو الطريق المستقيم والصراط السوي الذي سلكه معلمو القرآن وهداته صلوات اللّه عليهم».

بعد ان صرح العلامة بان الفهم المتبادر العرفي لا يسعف في جميع الاحوال، اوضح بان النهج السليم هو شرح القرآن بالقرآن، وهو نفس المنهج الذي اوضحه الشيخ ابن كثير، لكن مع اختلاف كبير ذلك ان الشيخ ابن كثير لا يرتضي الفهم الاولي من الاساس، بل حتى انه يراه متفلتا يجب عقله بالماثور، بخلاف منظور العلامة الطباطبائي الذي يقر بحجيته وان بدويا غير مفيد للقطع فقطيكفل الاطمئنان للمعنى.

كما ان منهجية العلامة الطباطبائي في تفسير القرآن بالقرآن راجعة الى استيضاح معنى الاية من نظيرتها بالتدبر المندوب اليه في نفس القرآن، وتشخيص المصاديق والتعرف بالخواص، اي خصوصية كل آية على حدة.

فالظهور العرفي يظل هو الحاكم اولا، ثم ياتي التدبر العقلي في الايات القرآنية لتحديد المصداق ومعاينة الخصوصية حتى يتم تفسير القرآن بالقرآن، ولعل مقالة على ابن ابي طالب المشار اليها في موطن الاحتجاج توضح بشكل جيد هذه المسلكية، فبعضه ينطق ببعض يعني انه ينسف الفهم المتبادر وهو ما صرحنا بانه الفهم البدوي، فيكون القرآن مفسرا نفسه بنفسه بالمصداق القائم في الدرجة الاولى، وذلك بعد تحقق التدبر العقلي في مجمل القرآن، ويشهد بعضه على بعض بمعنى ان القرآن يصحح الفهم المتبادر من آية قرآنية بية قرآنية اخرى، فمدار التدبر العقلي متحقق في الجنبتين معا، جنبة النطق وجنبة الشهادة.

وطبعا هكذا منهجية لا يتيسر استيعابها الا اذا علمنا بان كتاب اللّه «له ظهر وبطن، فظاهره حكمة وباطنه علم» فمناط فهم الباطن هو العلم بما هو علم.

بعد هذه المنهجية الصلبة تاتي الروايات والنقولات لتوضيح المعنى في اجلى صوره، والتي تشكل دليلا او تاييدا على الخلاصة الفهمية والتي تكون في الغالب الاعم موافقة للعقل القطعي.

كما ان من موجبات منهجه انه يفرق بين المفهوم والمصداق، وبالتالي لم يكن يخلط بين التفسير والتطبيق، بخلاف التفسيربالماثور والذي يظل خاضعا لازمة التفسير والتطبيق المجتمعين، فلو وقف على رواية تبين اسباب نزول الاية الكريمة فانه مع الاشارة الى حقيقة الجري، يرتفع الى اعلى ليفسر الاية الكريمة بمعناها الجامع ومفهومها الكلي، والا بقينا امام التطبيق دون التفسير وهو من المطبات الكثيرة التي يقع فيها التفسير بالماثور، فتضيع الحكمة الالهية من مناسبة النزول لتضحى الواقعة هي الحاكمة على الفهم للنص القرآني.

فالعلامة يعتبر تنزيل القرآن الكريم بنحو التجلي لا التجافي، لذا كان شخص معارفه الطولية ويجعل كلا منها في رتبته الخاصة، ولم ير ايا منها مانعا من الحمل على الظاهر وحجيته واعتباره.

وكان يعطي الاصالة في التفسير للظاهر ولا يعتبرالباطن اصلا في تفسير الاية المفهومي، بل كان يدخل الباطن عن طريق حفظ وحجية ظاهرها ويسلك من ذلك الباطن الى باطن آخر.

اما فيما يخص التاويل وكيف يعتمد السيد الطباطبائي فهو رهين بالفهم الطولي للاية الكريمة محافظا على ظهورها دون ان يتم تجاوزها الى النقيض، فعملية التاويل عنده تعميق نظر وابصار في الحكم العميق لها ((259)).

وقد المح الاستاذ حيدر حب اللّه الى هذه النكتة عندما اشار الى ان «العلامة لم يحضر النص في بحثه التفسيري، بل تعامل بروح اكاديمية صرفة مع تفسير النص مخضعا عمله لقواعد التفسير نفسها، وعندما كان ياتي للبحث الروائي الذي كان يعقده في اواخر كل فصل تفسيري كان يكتفي بمجرد عرض النصوص دون ان يوحي لنا بانه يركز نظره عليها كثيرا ما لم تكن القضية من حيث اساسها روائية، وانطلاقا من ذلك لم يكن الطباطبائي ليخشى النص الروائي، بل كان يتعامل معه بروح فوقية - بالمعنى الغير السلبي للكلمة - ، اي انه كان يرى هذا النص في درجة تالية منهجيا لما كان قد فرغ منه في تفسيرالايات سلفا، ولهذا لم يكن ليتحفظ عن الاسراع في استبعاد نص روائي احيانا او تجاهل آخر احيانا اخرى مبررا ذلك بانه لا يتوافق مع ما تقدم في تفسير الاية، ولم يكن لينظر الى سند النصوص وتقييم تعارضها وغير ذلك، والشاهد الاهم هوفصل النص الروائي التفسيري عن القسم التفسيري نفسه، وهذا يدلل منهجيا على تاخر رتبي للنص الروائي، والا لكان من الضروري استحضاره لدى تفسير النص نفسه»((260)) .

غير انه لدينا بعض الملاحظات بخصوص هذا التصريح، وهو ان الاشارة الى النص الروائي بعد تفسير الاية الكريمة لم يكن من باب التوالي الرتبي بقدر ما كان ركون العلامة الى حاكمية ظاهر الاية الكريمة والتي لا يرى معها ضرورة للتوضيح الروائي، لان اعمال النص الروائي وخصوصا فيما يخص اسباب النزول وجعلها راس الفهم للاية الكريمة، كان العلامة يعتبره تطبيقا وليس تفسيرا، وطبعا هكذا اعتماد ينسف اصل مشروع التفسير الذي ارتضاه العلامة، غير انه وفي جميع الاحوال يترك لنفسه وللقارئ الكريم فرصة اجراء قراءة تطبيقية للاية الكريمة وذلك بمنحه الادلة النقلية التي يمكن ان يستعين بها ليطبق الاية الكريمة على الواقع والتي تظل في جميع الاحوال خارج مهمة التفسير التي اوضحها العلامة في مقدمة كتابه.

كما ان الدافع الثاني والاساسي هو ان الادلة النقلية على اهميتها تظل في العموم ظنية الورود تحمل نسبة من عدم صدورها عن المعصوم (، وهذه النسبة قد تكبر وقد تتضاءل، فلم يكن ليعول عليها في مقام تفسير القرآن الكريم، مصداقاللقاعدة الكبروية التي اوضحها العلامة وهي اصالة البيان في القرآن، وحاكميته على النص الروائي مما يجعل من ظواهرالقرآن مقومة للنص الروائي، وبالتالي لا يمكن ان تكون كاشفة للمعنى بالاولى الا من جهة التعضيد لا من جهة التاسيس للفهم.

ف - «للعلامة الطباطبائي في خصوص ظواهر القرآن الكريم راي خاص، يقضي باعتبارها حجة وكاشفا عن الواقع، ما لم تقم قرينة قطعية على خلافها، كما هو الحال في معالجته مثلا، لبداية الخلقة الانسانية ورد نظرية داروين، والسبب في ذلك،اي امتياز الظواهر القرآنية عن مداليل الروايات، وحجية هذه الظواهر حتى في المجال العقدي والتكويني، يمكن ان يرجع اولا: الى اصالة النص القرآني ومرجعيته العامة حتى في تقويم الروايات وتمييز صحيحها من سقيمها.

:

ثانيا: الى مبدا الوضوح القرآني، وان هذا الكتاب في نفسه بيان ومبين وواضح في دلالته ومعانيه، اي مبدا تفسير القرآن بالقرآن.

وثالثا: وجود احتمال النقل بالمعنى في كثير من الروايات او اغلبها، مما يفسح المجال لاحتمال تسرب وعي الناقل وثقافته ومحيطه الفكري وطاقاته الذهنية الى داخل النص المنقول، مما يحدث فيه تصرفا في الالفاظ والعبارات، على خلاف الحال في النص القرآني، اذ لا ريب في انها عين الالفاظ التي اعلمها المولى سبحانه لنبيه الكريم.

ورابعا: يقينية صدور النص الكتابي في مقابل ظنية صدور الروايات، وهو ما يحتمل ان تكون له علاقة ايضا».

لكن الظهور المتحدث عنه عند العلامة الطباطبائي لا يشمل فقط البعد اللغوي الدلالي للكلمة، بل ايضا البعد الملاكي الحكمي وهي جنبة معرفية تهتم كثيرا بمحاولة استيعاب الحكمة من النص القرآني بمعاينة قواعد التفسير والتاويل مرتبطابالاتصال اللغوي واطرافه وشروطه وقواعده وآثاره والدلالات الاستعمالية، والكل مرتبطة بالتضمينات النظرية والمجال المعرفي الذي تتم فيه عملية التثوير والاكتناز، ودائما وفق المعول اللغوي بتوسع مجالي اكبر من المقام الدلالي الصرف،وهو ما اسماه الباحث مصطفوي بالافهوم القرآني((261)). والكل يبقى في اطار العنوان الكبروي المسمى التفسير، مع ضرورة الاشارة الى اهمية العقل في هذا المقام.

ف - «انطلاقا من البرهانية التي اكسبته اياها الفلسفة سيما المتعالية، فقد اعتبر السيد الطباطبائي ان ثمة خللا منهجيا في التعاطي مع النصوص العقلية، وهذا الخلل يكمن في ان حجية النص وقيمته متفرعة عن العقل، وبالتالي فلا معنى لان تكون النصوص حاكمة على العقل ونشاطه، ومن اعتبر الطباطبائي ان تقييد البحث الكلامي بموافقة الشرع تسبب في منع البحث الحر وطريقة التفكير الاستدلالي» ((262)). بل ان هكذا نهج هو وقوع في الدور، ذلك «ان العقيدة التي يراد الاستدلال عليهالا تتبع في ثبوتها الاستدلال، لانها شرط في ممارسة الاستدلال واسباغ الشرعية عليه، فهي اذا ثابتة في المرتبة الاولى والا لما كان يصلح ان تكون قيدا لغيرها» ((263)) فتنقلب الامور فيصير «الاستدلال تابع للعقيدة في صحته»، والحال ان العكس هو الواجب.

وطبعا التركيز على البعد الافهومي في القرآن الكريم هو عين ما اشار اليه العلامة السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني بالمعاني الكلية للالفاظ، حيث صرح: «ومن خصائص هذا التفسير ايضا، رعاية المعاني الكلية للالفاظ الموضوعة، وليس خصوص المعاني الجزئية الطبيعية والمادية المانوسة لذهن الانسان، وايضا تحديد موارد الجري والانطباق وفصلها عن متن المدلول المطابقي للايات» ((264)).

وحتى نلملم الموضوع جيدا لا باس من اظهار الخطوط العريضة لمنهجية التفسير عند العلامة، ذلك انه يعمد في اطارتفسيره للاية الى سوق كل ما يتصل بها من آيات، مع بيان السورة والرقم لكل آية، ثم يستخلص المعنى الظاهر الذي دلت عليه مجموع الايات، كما لو كانت في سياق واحد، لان المفروض ان مصدر القرآن واحد، وانه يعتمد القرائن المنفصلة تماما كالمتصلة. ثم يعزز المعنى الظاهر، ويدعمه بمنطق العقل، ان كان من الموضوعات العقلية، والا اقام الدليل على انه لايتعارض مع العقل في شي، فاذا تم هذا انتقل بالمعنى القرآني الى حياة المجتمع، وقارن بينه وبين عقائد الناس وافعالهم وعاداتهم، على اختلاف اديانهم ومذاهبهم، واثبت ان من خالف القرآن في شي من ذلك فقد تنكر لانسانيته وتجافى عن الحياة الكريمة التي تتضمن له ولمجتمعه السعادة والهناء، ثم يلحق المؤلف بكل فصل من فصول الكتاب بابا مستقلا يوردفيه طرفا من احاديث الرسول واهل بيته((265))، فالانتقال من الظهور العرفي الدلالي الى الافهوم القرآني الكريم من جهة الاحاطة بالمعارف الكلية بشاهدية القرآن على بعضه البعض. هذا كان ايضاحا لمنهجية التفسير.

اما على مستوى التاويل بما هو تعميق نظر في الحكمة الالهية، فان العلامة يكون ملزما باعتماد النص الروائي الى جانب المدركات العقلية والاثباتات الشهودية، لانه يرى بان بطون القرآن يساعد على تاييد ظواهره ((266)). وبالتالي لا تناقض في التفسير مع التاويل بقدر ما هو تعميق للنظر واستيعاب اقوى واعمق للثمار المعرفية والمعنوية الموجودة في ثناياالايات الكريمة. ولعل هذا من مصاديق الرتبية، لان العلامة لم يكن ينتقل للتاويل الا بعد المرور من التفسير، فلو تيسرللاستاذ حيدر حب اللّه توضيح ذلك لما وجد نفسه ملزما باقحام جملة «بالمعنى الغير السلبي للكلمة» في موطن بيان المنهج.

فكما سوف يلاحظ القارئ الكريم بان عمدة هذه المنهجية هي نفس النقيصة التي سبق واوضحناها عند قراءتنا لمنهج الشيخ ابن كثير، اي جنبة التدبر العقلي التي ظلت مغيبة من الاول الى الاخر، وحاكمية الرواية على النص القرآني وخصوصا ان الرجوع الى آراء السلف الصالح والتي قد تتناقض لا تشكل الا اجتهادا بشريا في المقام، تجعل من مهمة المفسر - والذي هو مطبق بالضرورة - يوازن ويميل لما يعتقده سليما، فتكون المحصلة ادراج الفهم الشخصي للمفسر/المطبق واقعا وادعاء الماثور ظاهرا، هذا بغض النظر على ان الماثور متنازع كثيرا في صحة وروده، فالباحث عن حال الراوي من الطبقة الثانية والثالثة فما فوق يكاد لا يقف على راو واحد لم يطعن فيه.

كما ان الاجتهاد المرهون بفهم الصحابة يجعل من التفاسير القرآنية التي اتت فيما بعد لا موجب لها، لان الرؤية الاسنادية واحدة، وهو كلام يجر الى الجمود في فهم كتاب اللّه، بخلاف المنهجية الافاقية التي اوضحناها بخفة في هذا المقام.

زبدة الكلام ان فهم الكتاب لا يمكن ان يتحقق الا باجراء تدبر عقلي معتبر يهم مقام الظهور الاولي لكلام اللّه، بعدها ننتقل لاجراء قراءة كلية للقرآن الكريم من جهة ان بعضه ناطق بالبعض وان بعضه شاهد على بعض، فبهكذا منهجية يستمر الفتح المعرفي في اقدس النصوص واقوى النصوص واهم النصوص وهو نص الحياة العبادية الى آخر الزمان، ويظل الوحي عائش فينا ونحن عائشون به.

 

 

السلفية ونظرية الصفات الالهية

 

د. يحيى محمد

 

ليست هناك قضية اشتد حولها الخلاف بين علماء اهل السنة اشد من نظرية الصفات الالهية، اذ كانت محورا للنزاع لا فقط بين اصحاب الدائرتين العقلية والبيانية (النقلية)، بل كذلك بين اصحاب الدائرة البيانية انفسهم. ومع ان هناك من يدعي ان للسلف موقفا موحدا ازاء هذه النظرية كالذي نظر اليه ابن تيمية فيما بعد، لكن حقيقة الحال ان علماء السلف - طيلة القرون الثلاثة للهجرة - كانوا مختلفين حولها اختلافا شديدا، حيث انقسموا الى ثلاثة او اربعة اتجاهات متباينة قد تتداخل فيمابينها احيانا.

فالاتجاه الاول ابقى معنى الظواهر اللفظية للصفات على ما هو عليه من التجسيم والتشبيه مع المخلوق، وبعضهم استرسل في ذلك وجعل يعدد اعضاء الاله عضوا عضوا. ويضم هذا الاتجاه الكثير من الرجال كالذي يتبين من كتب الفرق والتفسيروالسنة والتوحيد. وقد ذكر ابو الحسن الاشعري في مقالاته ان هناك ستة عشر مذهبا يدعو الى التجسيم، ونقل من بينها ماقاله داود الجواربي ومقاتل بن سليمان من ان اللّه جسم، وانه جثة على صورة انسان، له جوارح واعضاء من يد ورجل ولسان وراس وعينين، كما له لحم ودم وشعر وعظم، وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه الغير، وحكي عن الجواربي انه كان يقول: اجوف ما فيه الى صدره، ومصمت ما سوى ذلك((267)) . كما ذكر ابن تيمية بان مقالة المشبهة الذين يقولون يدكيدي وقدم كقدمي وبصر كبصري هي مقالة معروفة، وقد نقلها الائمة، كيزيد بن هارون واحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه وغيرهم وانكروها وذموها ونسبوها الى مثل داود الجواربي البصري وامثاله((268)) .

اما الاتجاه الثاني، فقد اخذ يمارس التاويل احيانا مثلما فعل اصحاب الدائرة العقلية وان اقتصر على حالات محدودة.

في حين مال الاتجاه الثالث الى التفويض، وقد اختلف معناه لدى المتاخرين، فبعضهم راى ان تفويضهم يتعلق بفهم المعنى بعد نفي الظاهر، وبعض آخر راى انه لم يكن بصدد المعنى والتفسير، بل بصدد الحقيقة الخارجية، حيث ان اللّه (ليس كمثله شي) (الشورى: 11).

ويبدو ان كلا المعنيين للتفويض ورد عن السلف، مثلما ورد عنهم التاويل ايضا، بل قد تجد الواحد منهم يعمل بالتاويل في صفة ما من الصفات، وبتفويض المعنى في غيرها، او بتفويض الحقيقة دون المعنى. لكن الشي الثابت هو ان التاويل قد سبق التفويض زمانا، وان الصحابة لم يؤثر عنهم التفويض بخلاف التاويل، ومن ذلك ما روي عن ابن عباس وغيره في تاويله لنصوص الاتيان في ظلل من الغمام والكشف عن الساق والكرسي والدنو الوارد في حديث الاسراء وغيرها ((269)).

ولم يظهر التفويض الا متاخرا خلال القرن الثاني للهجرة، حيث عول عليه العلماء باشكال شتى.

فبعضهم كان يامر بالقراءة والسكوت، مثلما عبر عنه سفيان بن عيينة بقوله: كلما وصف اللّه من نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه .((270)) وبعض آخر كان يؤمن بالصفات كما جاءت ويمنع تفسيرها، مثلما عبر عن ذلك ابو عبيد القاسم بن سلام ووكيع واسماعيل بن ابي خالد وسفيان وسليمان وغيرهم ((271)).

وبعض ثالث كان يقر بها ويامر بامرارها كما جاءت مع منع الكيف والسؤال، كالذي روي عن عدد من السلف مثل مالك والثوري والليث بن سعد والاوزاعي وسفيان بن عيينة وغيرهم . ((272))

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية