الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

وقد تلتبس عبارات السلف بالمراد من التفويض ان كان القصد منه المعنى كله او الحقيقة فحسب، وكلا الاحتمالين وارد.كما يلاحظ وجود تعددية في الموقف حتى لدى الرجل الواحد.

فمثلا كان الامام مالك يثبت صفة الاستواء على العرش من غير تكييف، وفي الوقت ذاته يؤول صفة النزول الى نزول امره او رحمته او ملائكته، ولا ياخذ بظاهر الاحاديث التي تضمنته، معللا ذلك بان اللّه دائم لا يزول((273)) . كذلك فانه كان ينفي بعض الصفات في الاحاديث المنقولة رغم انها عدت فيما بعد من الصحاح، مثل حديث (خلق اللّه آدم على صورته) وحديث الكشف عن الساق ((274)).

وكذا كان احمد بن حنبل يقر بالظاهر اللفظ ي للصفات ويفوض حقيقتها، لكنه في الوقت ذاته كان يمارس التاويل احيانا،مثل تاويله للمعية والمجي والاتيان والذكر المحدث الخاص بالكلام الالهي وغيرها. فقد نقل عنه انه تاول عددا من آيات المعية والقرب الى معنى العلم، مثل قوله تعالى: (نحن اقرب اليه من حبل الوريد) (ق: 16)، وقوله: (وهو معكم اينما كنتم)(الحديد/4)، وقوله: (ما يكون من نجوى ثلاثة الا هو رابعهم) الى قوله: (هو معهم اين ما كانوا) (الحديد/5)، معللا ذلك بان اللّه تعالى على العرش فوق السماء السابعة العليا ويعلم ذلك كله، وهو بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان((275)) .

ومن الطريف ان الكثير من السلف يؤولون آيات المعية، في حين يتقبل الجهمية ظاهرها، حيث يقولون بان اللّه في كل مكان،ويستشهدون بقوله تعالى: (وهو معكم اينما كنتم)((276)).

كما نقل ابن الجوزي عن ابن حنبل انه اعتبر الاتيان في قوله تعالى: (هل ينظرون الا ان ياتيهم اللّه في ظلل من الغمام)(البقرة/210)، هو بمعنى قدرته وامره، مثلما هو موضح في قوله تعالى: (او ياتي امر ربك) (النحل/33)، وكذا فان معنى المجي في قوله تعالى: (وجاء ربك) (الفجر/ 22)، هو قدرته((277)) . وفي رواية اخرى عن ابن حنبل ان المقصود بالاية هوجاء ثوابه ((278)).

كما روي انه سئل عن بعض الاحاديث التي تتضمن ان سورة البقرة تجي يوم القيامة، وكذا مجي سورة تبارك، فاجاب ان معنى ذلك هو الثواب، واستشهد عليه بتاويله لقوله تعالى:

(وجاء ربك)، حيث اعتبر ان معناه هو اتيان قدرته، وزاد على ذلك بقوله: انما القرآن امثال ومواعظ. لذا استدل الحافظ البيهقي بان احمد بن حنبل كان لا يعتقد بالمجي الوارد في القرآن،ولا بالنزول الوارد في السنة، بمعنى الانتقال من مكان الى مكان، كمجي ذوات الاجسام ونزولها، وانما هو عبارة عن ظهورآيات قدرته ((279)) .

كذلك روي انه لم يتقبل ظاهر الحديث القائل: «ما خلق اللّه من سماء ولا ارض اعظم من آية الكرسي»، بل ولم يرض ان يحدث به احدا ايام محنته المعروفة حول خلق القرآن، وقال في تاويله للحديث: ان الخلق واقع ها هنا على السماءوالارض وهذه الاشياء، لا على القرآن ((280)).

وكذا روى البيهقي ان ابن حنبل اجاب الجهمية حين احتجوا عليه بقوله تعالى: (ما ياتيهم من ذكر من ربهم محدث الااستمعوه وهم يلعبون) (الانبياء/2) فقال: يحتمل ان يكون تنزيله الينا هو المحدث، لا الذكر نفسه هو المحدث. وعنه انه قال ايضا: يحتمل ان يكون ذكر آخر غير القرآن، وهو ذكر رسول اللّه (ص)او وعظه اياهم ((281)). وبعض ما احتمله ابن حنبل لتفسير الاية هو ذاته المنقول عن هشام بن عبيد اللّه الرازي (المتوفى سنة 221هـ)، حيث سئل كيف يكون القرآن غير مخلوق واللّه يقول: (ما ياتيهم من ذكر من ربهم محدث)؟ فرد على ذلك بانه محدث الينا وليس عند اللّه بمحدث،وعلق عليه الحافظ الذهبي بقوله: لانه من علم اللّه وعلم اللّه لا يوصف بالحدث ((282)).

مع هذا يظل ان المسلك العام للسلف هو الابتعاد عن تحديد معنى الصفات وامرارها كما جاءت دون بحث وتنقيب،كالذي اشار اليه الذهبي في عدد من الموارد ((283)).

لكن تحضرنا بعض الملاحظات بهذا الخصوص كالاتي:

1 - ان التفويض لدى السلف تارة يحمل على المعنى الكلي مع استبعاد الظاهر، واخرى يحمل على الحقيقة فحسب.

2 - ان المتاخرين الذين نظروا لمذهب السلف لم يلتزموا بخصوصية الامرار الذي كانوا عليه، بل بحثوا ونقبوا لاثبات ماعليه الظاهر ولو مع نفي التكييف والتشبيه، كالذي مارسه ابن تيمية واتباعه.

3 - ان الخلاف الذي لحظناه عند السلف ازاء الصفات قد انعكس على رؤى المتاخرين من اصحاب البيان، حيث تباينت مواقفهم حول هذه الصفات الى اتجاهات ثلاثة: مشبهة، ومؤولة، ومفوضة، والغالب في التفويض لدى المتاخرين هوتفويض الحقيقة لا المعنى والتفسير، وابرز من ذهب الى ذلك ابن تيمية واتباعه، ومن قبله اغلب الحنابلة.

ومن تجليات هذا التباين ما ظهر من نزاع بين المؤولة من جهة، وبين المشبهة والمفوضة القائلين بتفويض الحقيقة لاالمعنى من جهة ثانية. فقد لجا المؤولة من البيانيين الى اساليب عديدة للرد على المشبهة ومن على شاكلتهم من القائلين بتفويض الحقيقة لا المعنى. وكان من بين هذه الاساليب اللجوء الى البيان اللغوي والاعتبارات العقلية في الرد على الاخذين بالظاهر اللفظ ي، وكذا الاستنجاد بما فعله بعض الصحابة والسلف من التاويل، واضيف الى ذلك الاستعانة بالمتاخرين من البيانيين الذين مارسوا التاويل، بل والاستعانة احيانا باصحاب الدائرة العقلية في ممارستهم للعملية التاويلية. كما ان البعض ابدى قبول التفويض دون التفسير والتاويل مع نفي الظاهر اللفظ ي للصفات.

فنحن هنا امام عدد من الاتجاهات البيانية للمتاخرين. احدها اخذ بالظاهر اللفظ ي والتشبيه، كالذي يظهره الكثير من الحنابلة المجسمين. وثانيها اخذ بهذا الظاهر مع دعوى عدم التشبيه والتكييف، ناسبا ذلك الى السلف. وهو الاتجاه الذي يمثله تيار ابن تيمية والكثير من الحنابلة. وثالثها اعتمد على البيان الديني بوصفه بيانا تاما وكاملا لا يحتاج الى سلف،وبالتالي فقد اجتهد في تاويل الفاظ الصفات والرد على خصومه من البيانيين المكيفين وغير المكيفين، وان اعتمد بدوره على ما كان سائغا في الاستخدام اللغوي ومنه ما سبق اليه السلف، كالذي عليه اتجاه ابن حزم الاندلسي. ورابعها نازع من ادعى ان مذهب السلف هو الاخذ بالظاهر اللفظ ي من الصفات، حتى مع القول بعدم التشبيه والتكييف، معتبرا ان السلف كانوا ينفون الظاهر اللفظ ي للصفات، سواء بالتاويل او التفويض الكلي. ومن ابرز من يمثل هذا الاتجاه الحافظ الحنبلي ابوالفرج بن الجوزي كما في كتابه (دفع شبه التشبيه). وقد ظهر وسط هذا الاتجاه جماعة اخذوا على عاتقهم نقل ما يروى عن السلف ومن اتبعهم من تاويلات، كما استعان بعضهم بما قدمه غيرهم من اصحاب الدائرة العقلية من اساليب تاويلية،كالذي سلكه الامام النووي والحافظ ابن حجر العسقلاني.

وبالتالي فقد ظهر لدى المؤولة من اصحاب الدائرة البيانية نمطان من انماط التوظيف المستخدم لغرض التاويل والرد على نظرائهم من البيانيين، كالذي يتبين مما ياتي:

1- التوظيف الفلسفي للتاويل يعود هذا التوظيف الى ابن حزم (المتوفى سنة 456هـ). واول ما تبدا به نظريته هو الاعتراض على لفظ الصفات، اذ يرى ان اطلاق هذا اللفظ على اللّه محال، لانه تعالى لم ينص قط في كلامه المنزل على هذا اللفظ، ولا على لفظ الصفة، ولا حفظ عن النبى(ص)بان للّه تعالى صفة او صفات، بل ولا جاء ذلك عن احد من الصحابة ولا عن احد من خيار التابعين ولا حتى من خيار تابعي التابعين. واعتبر ان المسؤولية في اختراع لفظ الصفات تقع على عاتق المعتزلة وهشام بن الحكم ومن شاكلهم ممن سلكوا مسلك الكلام بعيدا عن طريقة السلف. وعد اللفظ المذكور بدعة منكرة لا يحل لاحد النطق به((284)).

ثم انه نقد الطوائف التي اخذت على عاتقها اثبات الصفات حسب الظواهر اللفظية. فذكر انه ذهبت طائفة الى ان اللّه تعالى جسم مثلما جاء في الصفات التي وردت في القرآن والحديث، ففي القرآن مثل اليد واليدين والايدي والعين والوجه والجنب، وكذا مجي الرب مع الملائكة واتيانه في ظلل من الغمام وتجليه على الجبل، اما في الحديث فمثل القدم واليمين والرجل والاصابع والنزول.

وقد اعتبر ابن حزم ان لجميع هذه النصوص وجوها ظاهرة بينة بخلاف ما ظنته مثل هذه الطائفة. ومع ان ما تراه ان اللّهجسم لا كالاجسام امتثالا لقوله تعالى: (ليس كمثله شي(، الا انه اعتبر ذلك من السفسطة، حيث معنى الجسم في اللغة هوالطويل العريض العميق المحتمل للقسمة ذي الجهات الست، وهي الفوق والتحت والوراء والامام واليمين والشمال، فكيف على هذا يقال انه جسم لا كالاجسام، وهو يتصف بهذه الصفات؟ واعتبر ذلك يختلف عن القول بان اللّه حي لا كالاحياء،وعليم لا كالعلماء، وقادر لا كالقادرين، وشي لا كالاشياء، اذ وردت هذه الالفاظ في النص بخلاف لفظ الجسم، والوقوف عند النص فرض. مع هذا فابن حزم لا يعد مثل هذه الطائفة من المشبهة، بل اعتبرها ممن الحد في اسماء اللّه تعالى، اذسموه بما لم يسم به نفسه ((285)) .

هكذا وافق ابن حزم العقليين في ان الصفات التشبيهية من الوجه واليد والعين وغيرها لا يراد بها ما هو ظاهر اللفظ المفرد،خلافا لمن وصفهم بالمجسمة الذين جعلوا للّه وجها ويدين وعينين وسائر الصفات التشبيهية. واعتبر ان وجه اللّه انما يرادبه اللّه تعالى مثلما يقول اصحاب الاتجاه العقلي، وقد استدل بالنصوص القرآنية ذاتها من ان الوجه لا يراد به غير اللّه،وذلك بقوله تعالى: (انما نطعمكم لوجه اللّه( (الانسان/9)، حيث من الواضح ان القائلين بذلك لم يقصدوا غير اللّه تعالى.ومثله قوله تعالى: (اين ما تولوا فثم وجه اللّه( (البقرة/115)، اي فثم اللّه. واعتبر ذلك يصدق ايضا على ما جاء من ان للّهيدا وايدي، وكذا عينا واعينا، فكل هذا يقصد به اللّه تعالى، ولا يقصد به ما هو ظاهر اللفظ، ومنع القول ان للّه عينين حيث لم يرد بذلك نص ولا خبر((286)) ، كما منع تفسير الايدي باليدين، ومثله تفسير الاعين بالعينين، وعد ذلك مدخلا في قول المجسمة، واعتبر ان للّه يدا ويدين وايدي وعينا واعينا كما جاء في النص، وكل ذلك لا يراد به غير اللّه كما هو واضح من السياق، وليس في النص ما يقول ان للّه يدا لا تعرف ذاتها، ولا ان للّه وجها لا تعرف حقيقته، فالظاهر لا يدل على ذلك.ومثله ما جاء عن النبي من ان كلتا يديه يمين، فهو كقوله تعالى: (وما ملكت ايمانكم( (النساء/36)، اي وما ملكتم، حيث لما كانت اليمين في لغة العرب يراد بها الحظ للافضل، فان معنى (كلتا يديه يمين) اي كل ما يكون منه تعالى من الفضل فهوالاعلى((287)).

كما اجرى ابن حزم التاويل في عدد من آيات الصفات، ومن ذلك صفة المعية والمكان، مثل قوله تعالى: (ونحن اقرب اليه من حبل الوريد) (ق/16) وقوله: (ونحن اقرب اليه منكم) (الواقعة/85) وقوله: (ما يكون من نجوى ثلاثة الا هو رابعهم((المجادلة/7) معتبرا معنى هذه الايات يفيد التدبير والاحاطة دون الصفة المكانية، باعتبار ان ذلك يفضي الى القول بالجسمية، اذ ما كان في مكان فانه متناه بتناهي مكانه، وذلك من صفات الجسم. وقد عارض ابن حزم الذين قالوا بان اللّهفي كل مكان، كما عارض من قال انه في جهة ما من الامكنة ((288)) ، ورد عليهم بما استشهد به من قوله تعالى: (الا انه بكل شي محيط( (فصلت/54)، حيث ان مفهوم الاية يوجب ضرورة ان اللّه لا في مكان، اذ لو كان في المكان لكان المكان محيطا به من جهة ما او من جهات، وهو منتف بحق اللّه حسب الاية المذكورة، حيث المكان شي، ومن المحال ان يكون فيه شي آخر محيط بالاول (المكان) ((289)).

وعلى هذه الشاكلة قام ابن حزم بتاويل آية الاستواء على العرش لينفي البعد المكاني والجسمي عن اللّه تعالى، معتبرا ان معنى قوله تعالى: (على العرش استو) (طه/5) هو ان اللّه فعل فعله في العرش، وهو انتهاء خلقه اليه، فليس بعد العرش شي،مستدلا على ذلك بما جاء عن النبي من ذكر الجنات، حيث قال (:

فاسالوا اللّه الفردوس الاعلى فانه وسط الجنة واعلى الجنة وفوق ذلك عرش الرحمن، مما يدل انه ليس وراء العرش خلق، وانه نهاية جرم المخلوقات الذي ليس خلفه خلاءولا ملاء.. كما استدل بان معنى الاستواء في اللغة هو ان يقع على الانتهاء مثلما جاء في قوله تعالى: (فلما بلغ اشده واستوى آتيناه حكما وعلما) (يوسف/22)، اي فلما انتهى الى القوة والخير، وكذا قوله تعالى: (ثم استوى الى السماء وهي دخان( (فصلت/11)، اي ان خلقه وفعله انتهى الى السماء بعد ان رتب الارض على ما هي عليه ((290)).

مع هذا فقد توقف ابن حزم عند معنى قوله تعالى: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية( (الحاقة/17)، مفوضا معناه الى علم اللّه، وان احتمل ان المقصود بذلك هو السماوات السبع والكرسي، فهي ثمانية اجرام، كما قد يكون المعنى هوثمانية ملائكة حسب ظاهر النص، معتبرا كل ذلك من الغيب الذي لم يصح فيه خبر عن النبي حتى يقال فيه شي، سوى القول: (آمنا به كل من عند ربنا) (آل عمران/7) .((291)) كذلك قام ابن حزم بتاويل آيات السمع والبصر، وهو ان المقصود منها علمه تعالى، لا ان له سمعا وبصرا مثلما هو الحال في الشاهد، خاصة وانه لم يرد في النص ان له سمعا وبصرا، بل ورد انه سميع بصير، وحيث انه ليس كمثله شي فهو سميع بصير بذاته، بل ان معنى كونه سميعا بصيرا هو انه عليم، وان معنى (اسمع وار) (طه/46) هو اطلاق له على كل شي على عمومه، وهو بالتالي مفاد العلم. ومثله ما روي عن السيدة عائشة انها قالت: «الحمد للّه الذي وسع سمعه الاصوات»، حيث اعتبر سمعه بمعنى علمه ((292)).

كما اعتبر ان العلم الالهي هو ليس غير اللّه، وكذا قدرته وقوته، وذلك على شاكلة ما ذهبت اليه بعض الاتجاهات العقلية في ردها للصفات الى الذات الالهية. لكن ابن حزم استدل على هذا الامر بالنص القرآني، وهو قوله تعالى: (ليس كمثله شي(، حيث دل النص على ان اللّه خلاف خلقه من كل وجه، اذ لا يكون مثل هذا الخلاف المطلق الا عند اعتبار علمه وسائر اسمائه هي ليست غيره. فكونه سميعا بصيرا عليما حكيما لا يقتضي ان يكون له سمع وبصر وعلم وحكمة كما هوفي الشاهد، ناهيك عن النفي الخاص بالصفات التشبيهية كاليد والوجه والعين وما اليها. فلولا النص لما جاز اطلاق تلك الاسماء عليه ((293)) .

وقد اضطر ابن حزم احيانا الى ان يخرج عن السياق السابق من تاويل بعض الاسماء الى العلم، كالبصر مثلا، ففي الحديث المصحح جاء عن النبي قوله: «ما بينهم وبين ان يروه الا رداء الكبرياء على وجهه لو كشفه لاحرقت سبحات وجهه ما انتهى اليه بصره»، اعتبر ابن حزم ان معنى البصر قد يستعمل في اللغة بمعنى الحفظ، كما يقول النابغة:

رايتك ت -رعاني بعين بصيرة وتبعث حراسا على وناظرا فمعنى الحديث هو انه لو كشف تعالى الستر الذي جعل دون سطوته لاحرقت عظمته ما انتهى اليه حفظه ورعايته من خلقه.

ومنع ان يكون معنى البصر هو الظاهر باعتباره ذا نهاية، وكل ذي نهاية محدود، وكل محدود محدث ((294)) .

وعلى هذه الشاكلة احضر ابن حزم جملة من النصوص التشبيهية لتاويلها، كالنصوص الخاصة بالساق والقدم والاصابع والمجي والاتيان والنزول والصورة وغيرها.

اخيرا يمكن القول ان كل ما فعله ابن حزم من تاويل انما هو بايعاز (فلسفي) للاية القرآنية (ليس كمثله شي(. فقد اخذمعنى الاية على ظاهرها، وهو ان اللّه ليس له مثل من جميع الوجوه، وعليه فكل ما يتبادر انه معارض لظاهر هذه الاية لابد من تاويله، سواء كان ذلك بفعل الاساليب اللغوية والنقلية، او بفعل الممارسات العقلية كالمنطقية والفلسفية وما اليها. وهومع كل هذا وذاك متاثر بالمقولات الفلسفية للنظام الوجودي، وذلك باعتباره يقول كما يرى الفلاسفة ان اللّه له ماهية هي عين انيته او وجوده، وذلك بخلاف غيره من الكائنات التي تمتاز بخصوصية اختلاف الانية عن الماهية .((295)) 2- التوظيف النقلي للتاويل يعد ابو الفرج بن الجوزي ( المتوفى سنة 597هـ) اهم شخصية بيانية للرد على البيانيين الذين تقبلوا الظواهر اللفظية من الصفات الالهية مع قيد (ليس كمثله شي). ذلك انه زيف هذا الجمع المفتعل بين الامرين كالذي عليه طريقة اغلب الحنابلة التي انتصر لها ابن تيمية - فيما بعد - وادعى ان السلف كانوا يذهبون اليها دون خلاف. فعلى العكس من ذلك نفى ابن الجوزي ان تكون طريقة السلف - بما فيها طريقة احمد بن حنبل - كما تصورها المتاخرون من الحنابلة، وايد ذلك ما نقله من الاثار التي تشير الى انهم لم يتقبلوا الظواهر اللفظية للصفات، بل اجروا عليها شتى انواع التاويل، وان كان اغلبهم امربامرارها دون تاويل ولا تفسير.

لقد الف ابن الجوزي كتابه (دفع شبه التشبيه) ردا على اصحابه من اتباع الامام احمد بن حنبل، فذكر في ديباجته انه راى من اصحابه من تكلم في الاصول بما لا يصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة، هم ابو عبد اللّه بن حامد البغدادي (المتوفى سنة 403هـ)، وصاحبه القاضي ابو يعلى الحنبلي (المتوفى سنة 458هـ)، وابن الزاغوني (المتوفى سنة 527هـ)، ووصفهم انهم صنفوا كتبا شانوا بها المذهب، اذ حملوا الصفات على مقتضى الحس، فسمعوا ان اللّه تعالى خلق آدم على صورته،فاثبتوا له صورة ووجها زائدا على الذات، وعينين وفما ولهوات واضراسا واضواء لوجهه هي السبحات ويدين واصابع وكفاوخنصرا وابهاما وصدرا وفخذا وساقين ورجلين، وقالوا: ما سمعنا بذكر الراس، كما قالوا: يجوز ان يمس ويمس، ويدني العبد من ذاته. وقال بعضهم انه يتنفس ايضا، لكنهم مع ذلك يستدركون ويقولون ان هذه الصفات لا كما يعقل ويتصور، وانهاصفات ذات لا فعل.

ومع انهم حملوا النصوص على ظواهرها اللفظية لكنهم يتحرجون من التشبيه، مع ان كلامهم كما يقول ابن الجوزي صريح في التشبيه والتجسيم المفرط، وان ذلك صار مدعاة لتهمة من كان حنبليا. وقد عد ابن الجوزي انه لا غنى من استخدام العقل في مثل هذه الموارد، فهو اصل قد عرف به اللّه وحكم عليه بالقدم((296)) . وهو ذات التبرير الذي قدمته الدائرة العقلية في ممارستها للتاويل ورفض الظواهر اللفظية عند معارضتها للعقل.

لذلك سعى ابن الجوزي للرد على الحنابلة الثلاثة وتاويل ما قدموه من الظواهر التشبيهية الواردة في كل من القرآن والسنة. وعول في هذا الامر على الترتيب الذي قدمه ابو يعلى الحنبلي للصفات المذكورة. وكان لذلك رد فعل من قبل بعض الحنابلة المتشددين، فقد هاجمه اسحاق بن احمد العلثي (المتوفى سنة 634هـ) برسالة طويلة شديدة اللهجة، واتهمه بالتناقض، حيث انه ممن ينتحل مذهب السلف، ولا يرى الخوض في الكلام، ثم يقدم على تفسير ما لم يره، ويقول: اذا قلناكذا ادى الى كذا، ويقيس ما ثبت من صفات الخالق على ما لم يثبت عنده، وينقض عهده وقوله بقول فلان وفلان من المتاخرين .((297)) كما قام عدد من الحفاظ والبيانيين بالرد على المشبهة والاخذين بالظواهر اللفظية من الصفات، ووظفوا لذلك مقالات السلف وغيرهم من البيانيين الذين مارسوا التاويل.

وكان من بين هؤلاء الامام النووي والحافظ ابن حجر العسقلاني وابن دقيق العيد وغيرهم، حيث وجدوا لكل صفة تذكر، سواء في القرآن او الحديث، تاويلا او اكثر ينسب الى السلف او من جاءبعدهم من البيانيين، من امثال: القاضي عياض والخطابي وابن عقيل وابن بطال وغيرهم.

فقد ذكر النووي ان لاهل العلم في احاديث وآيات الصفات قولين: احدهما يعود الى معظم السلف او كلهم، ومفاده انه لايصح التكلم في معناها، بل يجب الايمان بها والاعتقاد ان لها معنى يليق بجلال اللّه وعظمته، مع الاعتقاد الجازم ان اللّهتعالى ليس كمثله شي، وانه منزه عن التجسم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق. وهو قول نسبه النووي ايضا الى جماعة من المتكلمين، واعتبره اسلم القولين.

اما الثاني فيعود الى معظم المتكلمين، ومفاده انه ينبغي ان تتاول الصفات بما يليق ويناسب مواقعها، وذلك تبعا للسان العرب واصول العلم. وهو يوصي ان يكون المؤول عارفا باللغة وقواعد الاصول والفروع، وذا رياضة في العلم ((298)) .

كما ذكر ابن حجر العسقلاني ان الخلاف حول الصفات الموهمة للتشبيه يندرج في ثلاثة اقوال: احدها انها صفات ذات اثبتها السمع ولا يهتدي اليها العقل.

والثاني انها تعرف بالتاويل، فالعين كناية عن صفة البصر، واليد كناية عن صفة القدرة، والوجه كناية عن صفة الوجود..الخ.

اما القول الثالث فهو امرارها على ما جاءت مفوضا معناها الى اللّه تعالى. واستشهد على القول الاخير ما ذكره شهاب الدين السهروردي بان اخبر اللّه في كتابه وثبت عن رسوله الاستواء والنزول والنفس واليد والعين، فلا يتصرف فيها بتشبيه ولا تعطيل، اذ لولا اخبار اللّه ورسوله ما تجاسر عقل ان يحوم حول ذلك الحمى. وعلق الطيبي عليه بان هذا هو المذهب المعتمد وبه يقول السلف الصالح. كما استشهد بقول غيره دون ان يسميه: انه لم ينقل عن النبى(ص)ولا عن احد من اصحابه من طريق صحيح التصريح بوجوب تاويل شي من ذلك، ولا المنع من ذكره، ومن المحال ان يامر اللّه نبيه بتبليغ ما انزل اليه من ربه وينزل عليه (اليوم اكملت لكم دينكم) (المائدة/3) ثم يترك هذا الباب، فلا يميز ما يجوز نسبته اليه مما لايجوز، مع حضه على التبليغ عنه بقوله: «ليبلغ الشاهد الغائب»، حتى نقلوا اقواله وافعاله واحواله وصفاته وما فعل بحضرته،فدل على انهم اتفقوا على الايمان بها على الوجه الذي اراده اللّه منها، ووجب تنزيهه عن مشابهة المخلوقات ((299)).

على ان موقف ابن حجر من هذه الاقوال الثلاثة هو تقبل كلا المسلكين الاخيرين الخاصين بالتفويض والتاويل ضدالمسلك الاول المثبت للصفات حسب ظهورها اللفظ ي. وكما قال: «ان اصل ما ذكروه قياس الغائب على الشاهد، وهو اصل كل خبط، والصواب الامساك عن امثال هذه المباحث، والتفويض الى اللّه في جميعها، والاكتفاء بالايمان بكل ما اوجب اللّهفي كتابه او على لسان نبيه اثباته له، او تنزيهه عنه على طريق الاجمال.

ولو لم يمكن في ترجيح التفويض على التاويل الاان صاحب التاويل ليس جازما بتاويله بخلاف صاحب التفويض» ((300)).

في حين ذهب بعض المتاخرين البيانيين الى تفصيل الامر في قبول تاويل الصفات وعدمه، كالذي عليه ابن دقيق العيدالذي رجح تاويلها عندما توهم التشبيه، فكما قال: «نقول في الصفات المشكلة انها حق وصدق على المعنى الذي اراده اللّه،ومن تاولها نظرنا فان كان تاويله قريبا على مقتضى لسان العرب لم ننكر عليه، وان كان بعيدا توقفنا عنه ورجعنا الى التصديق مع التنزيه، وما كان منها معناه ظاهرا مفهوما من تخاطب العرب حملناه عليه، مثل قوله تعالى: (يا حسرتي على ما فرطت في جنب اللّه)(الزمر/56)، فان المراد به في استعمالهم الشائع حق اللّه، فلا يتوقف في حمله عليه، وكذا قول النبي: «ان قلب ابن آدم بين اصبعين من اصابع الرحمن»، فان المراد به ارادة قلب ابن آدم مصرفة بقدرة اللّه وما يوقعه فيه،وكذا قوله تعالى: (فاتى اللّه بنيانهم من القواعد) (النحل/26) معناه خرب اللّه بنيانهم، وقوله: (انما نطعمكم لوجه اللّه)(الانسان/9) معناه لاجل اللّه»((301)) .

على ذلك اهتم عدد من المتاخرين من اصحاب الدائرة البيانية بقضية تاويل الظواهر اللفظية للصفات، وكان الغرض من ذلك تفويت الفرصة على المثبتين لها، بعد ان ساد في اوساط هؤلاء نزعة التشبيه والتكييف رغم انهم يقولون انها مما لاتعقل تبعا لقوله تعالى: (ليس كمثله شي(. وكان من بين ما فعله النافون للظواهر اللفظية هو نقل الاخبار التاويلية الماثورة عن السلف، كما نقلوا تاويل من جاء بعدهم من الحفاظ، واحيانا اخذوا يستنجدون ببعض من اصحاب الدائرة العقلية اوالمتاثرين بها لتاويلها. وبالتالي انه لم تذكر صفة من الصفات الموهمة للتشبيه الا ووجدوا لها شاهدا من تاويل السلف واتباعهم من المنشغلين بالقضايا البيانية، كصفة الصورة والوجه والعين واليد واليمين والقبض والاصابع والقدم والساق والمجي والاتيان والنزول والهرولة والدنو والتدلي والاستواء والعرش والكرسي والضحك والمحبة والغيرة والتردد وغيرها.

وقد اتهم المؤولون من اصحاب الدائرة البيانية نظراءهم من المثبتين لتلك الصفات بانهم من المشبهة، حتى وان قالوا بقيدعدم التشبيه والتكييف، معتبرين ذلك مجرد دعوى كاذبة. فابن الجوزي مثلا يعد اثبات ذلك عبارة عن تشبيه وتكييف ولايفهم غير هذا المعنى.

وهنا نعود لنتساءل عن منهج ابن تيمية واتباعه: هل حقا ما يدعونه من ان حمل الصفات الالهية على ظاهرها لا يستلزم التشبيه والتكييف؟ واقع الامر هناك عدد من الامارات تدل على صعوبة تقبل هذا النحو من الجمع المتنافي. فالقول بالصفات السابقة وغيرهايماثل القول بصفات الانسان، عضوا عضوا، وحالة حالة.

فمثلا ان القول بان للّه صورة وانه خلق آدم على صورته لا يفهم الا بهذا المعنى من التمثيل والتكييف. ثم ان القول بان له عينين، والتعويل في ذلك على الحديث الذي يتضمن المقارنة بين عين اللّه وعين المسيح الدجال، لا يفهم الا على نحو التشبيه والتكييف. وكذا القول ان له اصابع، وفي بعض الاحاديث المصححة نجد التمثيل على ذلك بقبضة يد النبي، ومثل ذلك ان له يدين وقبضة وقدمين وساقا وجنبا، وانه يضحك ويعجب ويستحي ويغار وينزل ويهرول ويتكلم بصوت وحرف، فكلها تدل على التشبيه.

وعلى هذه الشاكلة القول بان للّه كرسيا هو موضع للقدمين كالذي يرويه ابن تيمية عن ابن عباس ((302)) ، وما يسلم به من ان اللّه يهبطيوم التجلي في الاخرة على كرسيه، وان الانبياء ياتون فيجلسون على منابر تحف بهذا الكرسي، اذيستشهد بقول احد ائمة المالكية، وهو محمد بن ابي زمنين، الذي عد من قول اهل السنة ما رواه عن انس من انه اذا كان يوم الجمعة في الاخرة هبط اللّه من عليين على كرسيه، ثم يحف الكرسي على منابر من ذهب مكللة بالجواهر، ثم يجي النبيون فيجلسون عليها ((303)).

ومثله القول بان للّه عرشا استقر عليه، وقد ذكر ابن تيمية ان اللّه لو شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته، فكيف على عرش عظيم اكبر من السماوات والارض ((304)). وكذا قول ابن القيم ان اللّه اجلس نبيه على هذا العرش، مستشهدا عليه بقول جماعة كبيرة من السلف والعلماء المتقدمين، كما استشهد عليه ببعض من ابيات الشعرلابي الحسن الدارقطني ((305)). وهناك عدد من الروايات تروى عن علماء السلف بان المقام المحمود المنصوص عليه في آية الاسراء يعني اجلاس النبى(ص)على العرش، كالتي يذكرها ابن ابي يعلى الحنبلي، ومن ذلك ما اسند عن النبي وابن عباس ومجاهد في عدد من الطرق، وفي بعضها ان اللّه يجلسه معه على العرش او السرير، وهو معنى قوله تعالى: (عسى اءن يبعثك ربك مقاما محمودا) (الاسراء/ 79). وروي عن عبد اللّه بن احمد بن حنبل قوله: «انا منكر على كل من رد هذاالحديث» ((306)).

والعجيب ان الكرسي موصوف في القرآن بانه يسع السماوات والارض، وان العرش اكبر من ذلك بما لا يعلمه الا اللّه، كماهو مقرر لدى القائلين بحقيقة الصفات المذكورة ((307))، لكنهم مع ذلك يقرون ايضا ان اللّه قد اقعد نبيه على عرشه، فاي نوع من الاقعاد هذا، والنسبة بين الطرفين معدومة من حيث الحجم والسعة؟! كما ذكر ابن القيم انه قد ورد بان السماء منفطر به تعالى، الامر الذي لم يسمح بنقله المتاخرون جبنا وضعفا، بل قاله المتقدمون ((308)) .

ومن المؤشرات التي تؤكد معنى التشبيه في المنهج السالف الذكر، ما اضافه ابن القيم من استدراك حول بعض الصفات،فعلى رايه ان ذكر الساق والجنب لا يدل على ان للّه واحدة لكل منهما. وهو استدراك صحيح، لكن استقباحه واستشناعه ان يكون الرب عبارة عن شخص له وجه وعلى ذلك الوجه اعين كثيرة وله جنب واحد عليه ايد كثيرة وله ساق واحد كماوردت هذه الصفات في القرآن والحديث، كل ذلك يدل على ما في النفس من انه متصور كما في الشاهد، اذ ما المانع ان يكون للرب مثل هذه الصفات بلا تشبيه ولا تمثيل؟ وبعبارة اخرى، ما الذي جعل ابن القيم يعد هذه الصفات قبيحة وشنيعة لا تتناسب مع اللّه، مع انها مذكورة في القرآن والاحاديث المصححة؟ اذ ورد ان للّه اعينا وايد، وورد ان له جنبا وليس اكثرمن ذلك، كما ورد ان له ساقا ولم يرد ساقان او اكثر. فلماذا يستنكر ابن القيم الاخذ بهذه المنطوقات لولا تاثره بالشاهدوتطبيقه على الغائب؟ اذ كان الاولى به تجويز مثل هذه النتائج التي اوردها بعض اصحاب الدائرة العقلية ليظهر من خلالهاشناعة القول باثبات الظواهر اللفظية للصفات ((309)).

وهناك من نقل عن ابن تيمية امورا لها دلا لة صريحة على التمثيل والتجسيم، لكنها تخالف ما هو معلوم من كتبه، ومن ذلك ما نقله صاحب (كشف الظنون) من ان لابن تيمية كتاب العرش ذكر فيه «ان اللّه تعالى يجلس على الكرسي وقد اخلى مكانا يقعد معه فيه رسول اللّه (ص)ذكره ابو حيان في النهر.. وقال: قرات في كتاب العرش لاحمد بن تيمية ما صورته بخطه» ((310)). ونقل عنه في بعض تصانيفه بان اللّه بقدر العرش لا اكبر ولا اصغر((311)) . كما نقل انه قال في الكلام على حديث النزول المشهور: ان اللّه ينزل الى سماء الدنيا الى مرجة خضراء وفي رجليه نعالان من ذهب ((312)). ونقل ايضا انه في يوم كان يخطب فذكر حديث النزول فنزل عن المنبر درجتين وقال كنزولي هذا((313)) .

هذا ما ينقل عن ابن تيمية، وهو مخالف لما هو معلوم من كتبه.

لكن لا يعني ذلك ان ما تبناه من اتجاه لا يبعث على التشبيه، بل على العكس كما راينا، وربما لهذه العلة كان السلف يامرون بامرار النصوص في الصفات التي يبدو عليهاالتشبيه دون تفسير وبحث وتنقيب، فربما كانوا يدركون ان الخوض فيها يجر الى التشبيه ولو مع قيد (ليس كمثله شي).خاصة ان بعض النصوص يعطي انطباعا مباشرا بالتشبيه دون ان يؤثر فيه قيد عدم التشبيه والتكييف، كما هو الحال مع حديث الصورة الذي مر معنا. لذلك فقد كان بعض السلف يتمنى لو ان اصحاب الحديث يتركون عشرة احاديث في الرؤية،كالذي يروى عن يحيى بن صالح، وقد علق عليه احمد بن حنبل بقوله: كانه نزع الى راي جهم ((314)) . بل كان من الحنابلة من لا يتقبل احاديث الصف ات، معتذزا بانها اخبار آحاد، كالذي عليه ابن سنينة (المتوفى سنة 610هـ)((315)).

هكذا ان الاتجاه الذي سلكه ابن تيمية في الجدل والتدقيق ياتي على خلاف ما اوصى به علماء السلف. فحاله في هذاالموضع كحال ابي الحسن الاشعري، حيث اراد ان يدافع عن موقف الامام احمد بن حنبل وغيره من السلف بطريقة الجدل والكلام، لكنها مع ذلك لم تكن مرضية لدى اتباع هذا الامام، ربما لانهم ادركوا ان النهج الذي سلكه في الجدل الكلامي سيفضي الى تجاوز تلك النظرية، الامر الذي تحقق لدى المتاخرين من الاشاعرة، حيث اصبحت نظريتهم في الصفات بعيدة كل البعد عما كانت عليه لدى شيخهم الاشعري، مثلما هي بعيدة عما هو سائد لدى السلف، ومنهم الامام احمد.

وكذا يمكن القول بالنسبة لطريقة ابن تيمية، ذلك انه يكثر الجدل والخوض في امر الصفات بما لم يسبق اليه ائمة السلف المعروفين، وان ذلك قد افضى به الى التشبيه. وهو امر يذكرنا بما قاله ابن هبيرة (وهو من حنابلة القرن السادس الهجري):تفكرت في اخبار الصفات، فرايت الصحابة والتابعين سكتوا عن تفسيرها، مع قوة علمهم، فنظرت السبب في سكوتهم، فاذاهو قوة الهيبة للموصوف، ولان تفسيرها لا يتاتى الا بضرب الامثال للّه، وقد قال عز وجل: (فلا تضربوا للّه الامثال((النحل/ 74). لذلك راى ان الصفات لا تفسر على الحقيقة ولا على المجاز، لان حملها على الحقيقة تشبيه، وعلى المجازبدعة .((316)) فالنتائج السلبية للخوض في البيان هي كالنتائج السلبية للخوض في العقل كما عليه اهل الكلام، فاولئك اورثهم التشبيه،وهؤلاء اورثهم الشك، حتى صرح الكثير منهم بندمه او بنكوصه الى تبني عقيدة الاباء والعجائز او الاعتراف بعدم الدراية بشي او غير ذلك مما هو معلوم ومشتهر.

تلاقي ابن تيمية مع الفلاسفة والعرفاء يوجد تشابه ملفت للنظر بين الطريقة البيانية كما لدى ابن تيمية وبين ما عليه طريقة العرفاء في نظريتهم حول المشاكلة((317)) . فكلاهما اتبع ذات النهج في الموقف من النص الديني تبعا للفظ الظاهر مع اعتبارات الاستخدام اللغوي ومراتب المعاني اللفظية. فقد اعتبر الفيلسوف الاشراقي صدر المتالهين ان الطريقة التي اقتبسها عن الغزالي هي ذات طريقة اهل الحديث في الاعتماد على الظاهر اللفظ ي من غير تاويل. وكما صرح بان الطريقة التي تبناها تحمل الايات والاحاديث على مدلولها الظاهري ومفهومها الاول، كما هو المعتبر عند ائمة الحديث وعلماء الاصول والفقه. وقد طبقت على الكيفية التي عليها الصفات الالهية، فاقرت هذه الصفات على ظواهرها ومفهوماتها الاصلية من غير صرف وتاويل، وكذا من غيرتشبيه ونقص وتجسيم مثلما يدعو اليه اصحاب البيان السلفي ((318)). فعلى راي صدر المتالهين انه لو لم تحمل الايات والاخبار على ظواهرها ومفهوماتها الاولى فلا فائدة في نزولها وورودها على عموم الخلق وكافة الناس، بل كان نزولهاعلى ذلك التقدير في باب «فهوم متشابهات» ((319)).

وهو ذات التبرير الذي تقدمه الدائرة البيانية في تعويلها على الظواهراللفظية من غير تاويل وتحريف.

كما اضاف صدر المتالهين بان هذا الابقاء لظواهر الالفاظ على معانيها الاصلية يقترن مع تحقيق هذه «المعاني وتلخيصهاعن الامور الزائدة وعدم الاحتجاب عن روح المعنى بسبب غلبة احكام بعض خصوصياتها على النفس واعتيادها بحصركل معنى على هيئة مخصوصة له، يتمثل ذلك المعنى بها للنفس في هذه النشاة، فلفظ الميزان مثلا موضوع لما يوزن به الشي مطلقا. فهو امر مطلق يشمل المحسوس منه والمتخيل والمعقول، فذلك المعنى الشامل روح معناه وملاكه من ان يشترط فيه تخصيصه بهيئة مخصوصة، فكل ما يقاس به الشي باي خصوصية كانت، حسية او عقلية، يتحقق فيه الميزان ويصدق عليه معنى لفظه، فالمسطرة والشاقول والكونيا والاسطرلاب والذراع، وعلم النحو وعلم العروض وعلم المنطق وجوهر العقل، كلها مقاييس وموازين توزن بها الاشياء، الا ان لكل شي ميزانا يناسبه ويجانسه((320))».

وهذا التباين في الاستخدام اللغوي هو ذات ما تؤكد عليه الطريقة البيانية كما لدى ابن تيمية، حيث اللفظ لديه لا دلالة له في حد ذاته ما لم يستعمل. فالاستعمال يجعله قابلا لان يصير ذا معان حقيقية عديدة. فمثلا ان لفظ (راس) تاتي مقترنة في الاستعمال باشياء عديدة مختلفة، كراس الانسان وراس الطائر والدابة والماء والامر والمال والقوم، وكذا لو قلنا جناح الطائروالسفر والذل، فكل لفظ بعد الاستعمال يصبح له حقيقة من المعنى الذي يناسبه، وهو ما يبرر اعتبار صفاته تعالى المذكورة في القرآن والحديث، كمحبته ورضاه وعلمه وسمعه وكلامه واستوائه، كلها تجري مجرى الحقيقة دون المجاز، ومع ذلك فهي ليست بالصفات الشبيهة مع المخلوقين . ((321)) وذات هذا الشي ما صرح به الفلاسفة والعرفاء ممن تبنى نظرية المشاكلة، حيث بحسب هذه النظرية فان للفظ مراتب من المعنى بعضها يتشاكل مع البعض الاخر، كحال ما عليه الوجود الخارجي، حيث ان له مراتب مختلفة تتفاوت بحسب المشاكلة والسنخية. فهناك عوالم متشابهة بعضها يفوق البعض الاخر من حيث الكمال، وكل ما يذكره الخطاب الديني من اشياء كالميزان والعين واليد والتردد والاستهزاء وغير ذلك، فان لها حقائق متطابقة ومختلفة في الكمال. اذ تبعا لمنطق السنخية يستلزم ان تكون عوالم الوجود متطابقة ومتشاكلة، وبالتالي كان من السهل تفسير ما يتعلق بعالم الغيب الموصوف في النصوص الدينية تبعا لهذا التشاكل والتسانخ، فما من شي محسوس في الطبيعة يذكره النص الديني الا ويكون اشعارالما موجود في الاخرة تبعا لمشاكلات الوجود ومشابهاته. وهو الاسلوب الذي استخدمه الغزالي في (القسطاس المستقيم)، وارتضاه صدر المتالهين بالاعتراف والتاييد ((322))، فوفق في تطبيقه بحيث يرضي ما عليه اصحاب الفلسفة والذوق، وماعليه اتباع البيان السلفي، مما يفضي الى ان تكون النتيجة بين مذهب الفلاسفة العرفاء من جهة، وبين مذهب البيانيين متطابقة الى حد كبير. حيث المتفق عليه بين الجانبين هو جعل الاوصاف الدينية حقة من غير تحريف للنص او حمله على المجاز والتشبيه. فالفهم عند الطرفين قائم بحسب هذه الاوصاف الظاهرة التي يدل عليها اللفظ الحرفي. وطبقا لذلك اقرهؤلاء بان للّه تعالى الاوصاف التي تدل عليها الظواهر اللفظية، وان كانت غير معلومة الكيف تبعا لقوله تعالى: (ليس كمثله شي)، وهي التي سلم بها الكثير من علماء السلف واتباعهم كما علمنا.

ويتعمق التوافق بين الطرفين بما اكد عليه اتباع البيان السلفي من وجود القدر المشترك في معنى اللفظ المستخدم بين مايدل عليه في المشاهد المحسوس، وما يدل عليه في الغيب غير المحسوس، كالذي قام بتبيينه ابن ابي العز، حيث ذكر بان النبي اخبر العرب بامور لم تكن معروفة لديهم، كتلك المتعلقة بالايمان باللّه وباليوم الاخر، فاخذ من اللغة الالفاظ المناسبة لتدل على القدر المشترك بين المعاني الغيبية المجهولة والمعاني الشهودية التي يعرفها العرب، وقرن بذلك من الاشارة ونحوها ما يعلم به حقيقة المراد. فاذا اخبرهم النبي عن تلك الامور من الغيب، فلا بد ان يعلموا معنى مشتركا وشبها بين مفردات تلك الالفاظ وبين مفردات ما علموه في الدنيا بحسهم وعقلهم. فاذا كان ذلك المعنى الذي في الدنيا لم يشهدوه بعد،واراد النبي ان يشهدوه مشاهدة كاملة ليفهموا به القدر المشترك بينه وبين المعنى الغائب، امكنه ذلك بان ياتي بقول يكون حكاية له وشبها، فيعلم المستمعون ان معرفتهم بالحقائق المشهودة هي الطريق التي يعرفون بها الامور الغائبة، ويكون ذلك عبر درجات ثلاث، اولها ادراك الانسان المعاني الحسية المشاهدة، وثانيها عقله لمعانيها الكلية، اما ثالثها فتعريف الالفاظ الدالة على تلك المعاني الحسية والعقلية. فهذه المراتب الثلاث لا بد منها في كل خطاب، فاذا اخبرنا النبي عن الامور الغائبة فلا بد من تعريفنا المعاني المشتركة بينها وبين الحقائق المشهودة والشبه الذي بينهما، ومن خلال تعريفنا الامور المشهودة امكننا معرفة الامور الغائبة، ولولا المعنى المشترك ما امكن ذلك قط.

كما اشار ابن ابي العز الى ان التعريف بالامور الغيبية ياتي عن طريق القياس والتمثيل والاعتبار بما بينها وبين معقولات الامور المشاهدة، وذلك تبعا للتشابه والتناسب، وكلما كان التمثيل اقوى، كان البيان احسن والفهم اكمل ((323)) .

وهذا الذي ذكره ابن ابي العز هو ذاته الذي اكد عليه الغزالي وغيره من العرفاء مما يطلق عليه بالاعتبار والتمثيل والمشاكلة وغير ذلك. فالمقصود بالاعتبار هو ذلك المنهج الذي يدعو الى العبور من ظاهر النص الى باطنه لقرينة مناسبة دالة على هذا الامر او منبهة عليه، فهو لا يلغي الظاهر، كما انه لا يتوقف عنده. وسمي بالاعتبار تبعا لقوله تعالى: (فاعتبروايا اولي الابصار)(الحشر/2)، او قوله: (ان في ذلك لعبرة لاولي الابصار) (آل عمران/13). اما التمثيل فكما ذكر صدرالمتالهين من ان معظم آيات القرآن هي امثال تذكر للناس لتشير الى ما تتضمنه نظرية المشاكلة من اعتبارات ما للوصف الظاهر في النص من مراتب متعددة ومتكاملة في الوجود، مثل الميزان والقلم والاصبع وغيرها ((324)) . كذلك فان ما اشاراليه ابن ابي العز من وجود المشترك المعنوي للفظ الذي منه يتحول الفهم من المشاهد المحسوس الى الغائب غيرالمحسوس، هو قريب المعنى مما تراه نظرية المشاكلة، حيث انها لا تعول على ظاهر النص فحسب، بل تاخذ بعين الاعتبارما لدى هذا الظاهر من لفظ له معان متعددة ومتشاكلة يصح من خلالها اقرار الحقائق العليا من غير تاويل. فيكون الظاهرهو اللفظ المشترك العام الذي يحمل نظائر المعنى وامثالها على ما فيها من تفاوت في القوة والكمال. اما الحقيقة المرادة من هذا الظاهر فهي تلك الامثال الباطنة التي تنتزع من ذلك الظاهر العام. فسواء استخدمت الامثال بحسب ما يبدو عليها من معنى حسي، او معنى آخر صوري مجرد عن الحس الطبيعي، فان كل ذلك يعد من النظائر والامثال التي تتفاوت فيما بينهابحسب المشاكلة، لذلك فان اخذ المعنى الظاهر بحسب ما عليه الحقيقة الباطنة من المعاني الصورية المجردة لا يعد من التاويل بشي. وعلى حد قول صدر المتالهين فان حقيقة التمثيل الذي جاءت به نصوص القرآن ليس الغرض منه مجردالتاثير والوقع في النفس، بل بيان حقيقة الامر وملاكه وروحه، ففي قوله تعالى: (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما اضاءت ما حوله ذهب اللّه بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون) (البقرة/17)، ان الالفاظ المذكورة في الاية كالنار والاستيقادوالاضاءة والنور والظلمات وغيرها كلها محمولة على الحقيقة ومشهودة بنظر البصيرة، فهي حقيقة احوالهم الباطنة، اما تلك التي هم عليها من الاحوال والافعال الظاهرة فهي مثال لتلك الاحوال الباطنة، وذلك تبعا للمشاكلة والمسانخة، حيث ان مافي الدنيا هي امثلة لما في الاخرة، وحيث ان المماثلة لما كانت من الجانبين، فانه يجوز استعمالها في كل من الطرفين،فالمثل في اصل الكلام هو بمعنى المثل، وهو النظير ((325)) .

فهنا نجد تشابها بين نظرية المشاكلة الوجودية للعرفاء وبين النظرية البيانية في تحديد طريقة الفهم الخاصة بالامور الغيبية وعلى راسها مسالة الصفات الالهية. فكلا النظريتين تقيمان الفهم طبقا للظاهر، كما انهما تعترفان بان معنى اللفظ يظل مشتركا وعاما يحدده السياق العام للنص، ان كان يتحدث عن امر حسي شهودي او معنوي غيبي. وكلاهما يقولان حسب ذلك الفهم بان الصفات الالهية تحمل على ظاهرها وان معناها يفهم دون تاويل، وان هذا المعنى له بعض الشبه بما عليه الشاهد المحسوس، مع بقائه محكوما بقاعدة (ليس كمثله شي).

لكن ما يترتب على ذلك من معنى هو القول بوحدة الوجود كالذي صرح به الفلاسفة والعرفاء باتساق. ومن ذلك القول بان الوجود عبارة عن جسم له مراتب متعددة تتفاوت فيما بينها في الشدة والضعف، او الكمال والنقص، كالذي صرح به صدرالمتالهين.

وكذا فان ما يقوله البيانيون من وجود بعض حالات الشبه بين اللّه من جهة وخلقه من جهة اخرى يتسق والقول بوحدة الوجود. وقد قيل ان القول بالجسمية مثلما عليه مذهب مقاتل بن سليمان يفضي الى القول المبطن بهذه الوحدة((326)) .ومثل ذلك ان ما يقوله اتباع الطريقة البيانية من اثبات الظواهر اللفظية للصفات كوجود الوجه والصورة والعينين واليدين والقدمين والساقين والاستواء والاستهزاء والتعجب والتردد والضحك والفرح والمجي والذهاب وما الى ذلك، كل هذا يفضي الى الاقرار المبطن بوحدة الوجود الجسمية، وهو لا ينافي قولهم بنفي التكييف مع اعترافهم بوجود شي ما من المشابهة بين العالمين. فهذا الاعتقاد هو على شاكلة ما يقوله الفلاسفة والعرفاء القائلين بنظرية المشاكلة. مع فارق ان التاسيس الذي قامت عليه نظرية المشاكلة لدى اتباع النظام الوجودي هو تاسيس قائم على النظر الى (الوجود العام)، فمن حيث الاعتمادعلى النظر الى هذا الوجود امكن للفلاسفة ان يسقطوا نظريتهم في المشاكلة على النص الديني، فاصبحت المشاكلة بين المعاني اللفظية للنص تستمد تبريرها من المشاكلة الوجودية. في حين ان التاسيس الذي نظر اليه اتباع الطريقة البيانية مستمد من النص الديني، ومن ثم تم اسقاطه على الوجود العام، حيث المعول عليه هو اللفظ المشترك الذي يحمل المعاني المتشابهة، ومنه تم تطبيقه على الوجود.

وتظل المحصلة بين المذهبين متقاربة بهذا الخصوص.

كما تلاقى ابن تيمية مع خصومه الفلاسفة فيما ذهب اليه من عدم وجود بداية محددة للحوادث، وهو اقرار بازلية الاشياءمن حيث النوع لا الافراد، حيث على رايه ان كل فرد حادث يسبقه فرد حادث قبله وهكذا من غير بداية محددة، وهوذات ما يقره الفلاسفة. ومع ان ما ورد في التراث ان هناك عددا محدودا من الاشياء قد سبق خلقها قبل السماوات والارض،الا انها تعد بحسب هذا الراي ليست لها بداية باطلاق، ومن ذلك العرش، حيث نقل الدواني عن ابن تيمية انه اعتقد بقدم العرش من حيث النوع ، اي ان كل عرش يسبقه عرش آخر قبله دون بداية((327)) محددة، وذلك ليثبت بان اللّه فاعل ازلاوانه مستقر من عرش الى عرش ازلا ايضا.

 

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية