وهذا السير والتدبر والنظر والتامل هو قاعدة التفكير والاجتهاد
الحقيقي الذي اصبحنا بحاجة ماسة الى فتح بابه بكل عناوينه
وعناصره، واجراء مراجعة علمية صارمة لا هوادة فيها له، والا
فلن يخرج هذا الفكر ابدا من المازق الخطير الذي يتخبط فيه
حاليا.
والسلفية عموما التي دائما ما يحتكم اليها العقل التقليدي
السلفي - المكون من قوالب ثابتة، ونصوص جامدة،
ومفسرين محددين، وانماط تفكيرية واحدية - تجعل كل
المستجدات العصرية محكمة (بفتح الكاف) من قبل هذا العقل
بما يتماشى مع تقليديته وسلفيته.. فاي متغير جديد، او مستجد
او طارئ او قضية جديدة خرجت على المجتمع بحكم تبدل
التاريخ وتغير المعطيات والمواقع والادوار، فانها لا بد من ان
تمر على محكمة العقل التقليدي (نص يفسره شخص عاش
في الماضي، وقوله فصل)، فان توافقت مع ما تعود عليه هذا
العقل فان مصير القضية الى القبول، وان لم تتوافق فمصيرها
الى الرد بعد عمليات التفسيق والتضليل والتبديع((373)) .
لقد كانت - ولا تزال - المرجعية ا لتي يعتمد عليها الخطاب
الديني التقليدي ماضوية الطابع والتفكير والمعيار،
فالاحتكام كان ماضويا لكل ما هو عصري ومستجد، ومن هنا
يصبح الخطاب الديني واقعا في ازمة الماضوية حتى لو حاول
التلبس بالعصرية، فهو تلبس شكلي لا يدخل في صميم الذهنية
حتى يعيد تكوينها من جديد والواقع الذي هي منخرطة فيه
لامحالة. فالقشرة الذهنية عصرية الشكل لكن الروح الفكرية ما
تزال في عصور سابقة على العصر الحديث بمئات السنين،
ومن
هنا تاتي الازمة العصرية الحقيقية في الخطاب الديني السلفي
التقليدي.
ولان الخطاب الديني السلفي يفتقد الى الاقناع (حيث ان
ادواته المعروفة هي: القسر والضغط والترهيب والتخويف)
في عصر التعددية الفكرية والانطلاقة الحضارية المتجددة، فانه
يحاول التمسك بالديني بقدر المستطاع ويوظفه في
لغته التقليدية ويجيره لصالحه في اكثر الاحوال عن طريق
تفسيرات حرفية الطابع دون الفهم الدلالي للنصوص
الدينية عامة((374))، وبهذا يضمن انسياق العام تجاهه
ودحض كل ما عدا ذلك، في حين ان الموقف لم يكن مستلزما
كل هذاالتعنت الفكري والتحايل التقليدي على حساب
المعاصرة التي ربما كان هو المستفيد الاكبر لو فهم سياقات
الموقف.
وتبعا لذلك نؤكد ان الخطاب الديني التقليدي في مازق
حقيقي حين لا يحاول ان يطور من ادواته التعبيرية قبل
الفكرية،واذا اراد ان يكون خطابا مقنعا فان تمثل العصرية
(والانفتاح الفكري والعملي) بمنطقها هو ما يمكن الاعتماد
عليه لو ارادذلك، لكن هو ادرى بمثل هذه العصرية كونها تفتح
عليه ابوابا فكرية يعجز فيما بعد عن الاجابة عنها فضلا عن
اقفالها.
وهذا الامر يفرض على الباحثين المسلمين الدعوة الى انسنة
القراءة التفسيرية.. اي الى قراءة النص الديني من منظورانساني
مع كامل الاحترام المفترض للنص الديني. والمقصود بالمفهوم
الانساني ان يكون هناك تمييز واضح وقاطع بين النص
المقدس ذاته، وتاريخه سواء الزمني او الموضوعي. وما وجود ما
يسمى بالاسرائيليات في كتب تفسير القرآن الكريم سوى دليل
قاطع على هذا التمييز الذي يرفض المسلمون الاعتراف به.
فالتفسير الذي يقدمه المفسر يختلف عن النص الديني ذاته،
ذلك ان النص المفسر يتضمن العديد من التفسيرات الانسانية
القائمة على مدى فهم واستيعاب المفسر للنص،وايضا المصادر
التي استخدمها في التفسير.
وللاسف فان كل الكتب التراثية الدينية الاسلامية سواء في
التفسير او التاريخ او غيرها من موضوعات لا تذكر لناالمصادر
العلمية التي تم الرجوع اليها، وذلك بسبب غلبة المصادر
الشفهية على المصادر التحريرية((375)) . وبلغة
البحث العلمي الحديث فانه يفترض انعدام القيمة العلمية لكثير
من المؤلفات التراثية الدينية لخلوها من المصادر.
وحيث ان هذه الكتب ذات طابع انساني تعتمد الفكر الانساني
في الشرح والتحليل للنص الديني، فمن المنطق والعقل
ان نقبل المفهوم الانساني عند دراسة النص الديني، دون حرج
او اتهام بالتكفير او طعن في النوايا. ولماذا يحل للاقدمين ما
لايحل للمتاخرين في مجال فهم النص الديني؟
من جانب آخر يجب ان يتوقف دعاة الفكر السلفي عن اتهام
الاخرين بما ليس فيهم حين الكتابة او الحديث عن
النص الديني، خاصة ان الجهل وقلة العلم منتشران في شعوب
تتفشى فيها الامية (يضم العالم العربي لوحده ما لا يقل عن
68مليون اءمي!)، ومن ثم ليس من حق اءمثال هؤلاء الجهلة
الخوض في مثل هذه الموضوعات العلمية المتصلة
بدراسة النصوص الدينية. ودليل جهلهم البين ما نراه من شتم
وتعريض شخصي غير مؤدب للكتاب المتنورين، مع التجنب
التام،بسبب الجهل للموضوع.
وحيث ان فضيلة الحوار العقلاني لا وجود لها في كثير من
مفاصل تراثنا الاسلامي، حيث تسود لغة التكفير
والارهاب الفكري قبل لغة التفهم والتفاهم، فمن الطبيعي ان لا
تزدهر الدراسات الدينية المقارنة كما هو موجود في الغرب.
لهذه الاسباب ندعو - ولو بعد خراب البصرة - الى التعامل مع
النصوص الدينية بعيون انسانية مفتوحة، تعتمد العقل
في المقام الاول، وهو ما لا يمكن حدوثه لدى العرب
والمسلمين ما داموا يرتعون في مناخ التخلف والجهل راضين
بالعيش في جنة «الشيخ الاكبر» او غيره.
5- انفكاك النص عن الواقع (اعتبار النص اصلا ):
تظهر افكار السلفيين في حالة صدام شبه دائم مع المجتمعات
حتى الاسلامية منها، التي لا يخلو فيها مجتمع من الازمات
الكارثية التي تسبب بها اتباع هذا المنهج التكفيري اللاعقلاني
لابناء بلدانهم والبلدان الاخرى التي هاجروا اليهاوتربوا وتعلموا
فيها. وهذا الامر ناتج عن تحجر وجمود تفكير هؤلاء،
واستغراقهم الاعمى في المرويات والنصوص التاريخية القديمة،
وعيشهم في جنة احلامهم الوردية البعيدة عن واقع الحركة
والتطور الحياتي المتواصل، وابتعادهم عن ملامسة حركة
الفكرة في الواقع، وضرورة التواصل مع المستجدات، والتكيف
مع الاحوال والمواقع والتطورات، وهذا لايمكن ان يتم الا
باعادة قراءة النص من خلال العقل والواقع العملي لحركة
التغير والتراكم البشري، حيث ان الكلام لا يمكن ان يرسخ
وينمو بدون جدلية تفاعل النص مع الواقع.
والمنطق يقول: انه عند الدخول على اي حقل معرفي لا بد من
معرفة الادوات المعرفية كمدخل لفهم حركة النص،ووعي
دلالاته ومتحركاته. ولفهم النص القرآني لا بد من استخدام
العلوم الانسانية المساعدة الحديثة. فلا يمكن فهم
القرآن بتفسير ابن كثير كما لا يمكن فتح جمجمة اليوم بادوات
فرعونية عفاها الزمان. وهذا ليس انتقاصا من جراحي الفراعنة
اوابن كثير، لانهم اولاد عصرهم ونتاج بيئتهم. ولذا يجب
تسليط جراحة فكرية جديدة مثل اشعة ليزر لمعالجة النصوص
كمايعالج قصر البصر اليوم فيستغنون عن النظارات.
من هنا، علينا - في هذا الاطار - ان نعيد الاعتبار لدور العقل في
فهم النص كما ذكرنا، وان يكون الفقيه والمثقف متحررامن اي
قيد معرفي او مزاجي في دراسة النص، وان تكون الحرية هدفه
ومنطلقه في ذلك، وهذا ما سيؤدي عبر التجربة وتراكم الفعل
الانساني المسؤول والواعي الى تكثيف الفعل الثقافي
والاجتماعي لتحرير دينامية التحول الاجتماعي في مجالنا
الاسلامي من كوابحها ومعوقاتها الذاتية والموضوعية، حتى
تاخذ التعددية في السياسة والتعبير موقعها الاساس في تنظيم
الخلافات والصراعات وضبطها، وحتى تتجه كل الجهود
والطاقات نحو البناء والسلم والاندماج الاجتماعي
والوطني وتعميق موجبات العدل والمساواة والحرية.
ان الفكر الاسلامي الحقيقي لا يمكن ان يعيش ويتطور
ويتكامل الا بالتفاعل الصريح والواضح مع الواقع المعاش، وان
بقاءالنص غائبا (او مغيبا) عن الواقع سيقلص مساحة الحرية
اكثر فاكثر في داخل اجتماعنا الديني والاجتماعي.
فعلا اننا باشد الحاجة لعنصر الحرية من اجل تطور ونمو
وتصاعد مجتمعاتنا العربية والاسلامية، لتتنفس الحرية في
الهواءالطلق بعيدا عن مناخات القهر والاستعباد والاستبداد
التي تقبع في داخل سجونها، وتكبل مواهب وقدرات ابنائها عن
العمل والنهوض الفعال لبناء حاضرها ومستقبلها.. اننا نقولها
بالفم الملان كما قالها واعلنها احد المثقفين الاسلاميين
المعتدلين:نحن بحاجة الى ان نقتحم فضاء الحرية، ونكشف
المضمون الثري لهذا الفضاء في قيم الاسلام ومثله. اذ ان هذا
الاقتحام سيقدم للفكر الانساني ابعادا ومضامين جديدة، ويزيد
من امكانية المسلمين للتفاعل مع العصر وقضاياه الكبرى،
ويساهم في خلق شروط الحرية الفعلية والتداول السلمي
للسلطة
((376)) واحترام حقوق الانسان. فالافكار التي تنمو
في الخفاءوالظلام، بعيدا عن العلم واهله ستكون خطرة
وهدامة. اما الافكار التي تنمو في جو الحرية وفي العلن وتناقش
ويتم الحوارحولها، فان ولادتها الاجتماعية ستكون يسيرة،
وستكون هذه الافكار في مسار البناء لا الهدم. ولهذا شرط اولي
هوالانصات الواعي الى تحديات واسئلة الواقع القائم، كي تكون
افكارنا وممارساتنا متوازنة ومنسجمة مع قوانين
التطورالحياتي ومنطق التاريخ الانساني. بما يؤدي الى جعل
خياراتنا واستراتيجيات عملنا واضحة وناضجة وسليمة في
المقدمة والنتيجة.
ان فتح عقولنا على الحياة والعصر وعلى كل الافاق التي يتيحها
امامنا هذا الوجود الانساني هو الذي يصقل تجربتنا،وينوع في
خياراتنا وسبل حركتنا، وبالتالي يزيد من قدرتنا وامكانياتنا على
طريق انجاز البناء الحضاري المطلوب لامتناورسالتنا في
مختلف مناحي التنمية والعمران الحضاري.
وبالنتيجة ليس لنا من خيار في سبيل الانتقال من الواقع
الفكري والسياسي والاجتماعي القائم حاليا في عالمنا
العربي والاسلامي - والمرتكز على وجود ثقافة سلفية شديدة
التمركز والانغلاق لاسباب كثيرة ذاتية وموضوعية لا مجال
لذكرهاالان - سوى عبر تطوير اساليب وطرائق العمل المدني -
السلمي، وتربية المجتمع وتدريبه عمليا على فهم وممارسة
ثقافة الحرية والمسؤولية والديمقراطية، وتعميقها شيئا فشيئا
داخل البنية الروحية والمفاهيمية لمجتمعاتنا، حتى يتم
التحول النوعي في هذه العلاقة بعد تراكم البناء والعمل
المتواصل في توطيد اركان المجتمع المدني ومؤسسات الدولة
العادلة والمقتدرة والقادرة - في الوقت نفسه - عن الاجابة
العملية عن حسابات وتحديات اسئلة الزمن الصعب الذي
نعيش في قلبه حاليا. وفي هذا الطريق علينا الا ننجرف وراء
الاوهام((377))، وانما ان نحاول ان نبني خياراتنا وقناعاتنا
ومواقفنااستنادا الى الحقائق والوقائع القائمة وليس المتخيلة،
وذلك ليس من اجل الانحباس فيها او الخضوع الى السيئ
منها، وانمالكي تكون حركتنا عاقلة وهادفة ومنسجمة.
وطالما اننا نتحدث عن ضرورة الانخراط في الميدان والواقع،
والانفتاح على الحياة والعصر، لا بد لنا من طرح سؤال حول
اولوية العقل والنص في سياق اقتناع الخطاب السلفي بالاولوية
المطلقة للنص (قرآنا وسنة) على العقل، فهل العقل اولى
بالاتباع ام النص؟! اصلا كيف ننخرط بالواقع ونستفيد من
تطورات الحياة وتقدم العصور ونحن - في عالمنا
العربي والاسلامي - نعيش تحت هيمنة ثقافة قديمة ونصوص
دينية قيلت في ماضي الزمان في ظروف مختلفة وبيئة
مختلفة ايضا؟! اليس العقل هو الفيصل في الحكم وتقدير مدى
الوعي وحجم الاستفادة؟! فالعقل الانساني توصل الى كل
مانشاهده ونراه حاليا من منجزات وصناعات وتقنيات
وتطورات هائلة على كل المستويات والاصعدة، ونحن
كمسلمين نستثمر ونستفيد من كل تلك المنجزات
والاختراعات؟! حتى ان اتباع الفكر السلفي انفسهم يستغلون
منجزات الحضارة الغربية لشن حروبهم وبث خطاباتهم ضد
مجتمعات تلك الحضارة بذريعة هدايتهم واسلمتهم وما الى
ذلك؟!
طبعا هذا الكلام لا يعني ان الاسلام يناقض العقل، لان التخلف
الذي نعاني فكريا هو التخلف المرتبط اصلا
باللاعقلانية.وبالنظرة السحرية الى العالم والاشياء. بالنظرة
اللاسببية. لذلك فان تحقيق تنمية في الفكر العربي والاسلامي
المعاصريتطلب رؤية وفلسفة. اي يتطلب طرحا عقلانيا لكل
قضايا الفكر والحياة والعصر.
وباعتقادي ان علاقة الاسلام بالعقل كانت وطيدة ابان العصر
الذهبي من عمر الحضارة العربية الاسلامية. وبالتالي فلايمكن
باي شكل القول ان الاسلام ضد العقل، والدليل على ذلك هو
ان كبار مفكري المسيحية الاوروبية كانوا تلامذة لفلاسفة
المسلمين الكبار. نضرب عليهم مثلا القديس توما الاكويني في
الجهة المسيحية، وابن ميمون في الجهة اليهودية وآخرين
عديدين.. فهؤلاء لم يستطيعوا التوصل الى الفلسفة اليونانية الا
بفضل العرب. كلهم كانوا تلامذة لابن رشد وابن سينا والفارابي
وابن الطفيل وابن باجة الخ... ولولا الترجمات التي مولها خلفاء
المسلمين المستنيرين في بغداد والاندلس لضاعت الفلسفة
الاغريقية، ولما حصلت النهضة الاوروبية لاحقا.
ولكن ماساة المسلمين هي انهم تخلوا عن العلم والفلسفة بعد
الدخول في عصر الانحطاط اي بعد موت ابن رشد مباشرة عام
1198، عندئذ انتهى العصر الذهبي عندنا، وانتقلت الحضارة الى
اوروبا. ويرى مالك شبل ان سقوط الاندلس عام 1492 ادى الى
نهاية المشروع الاسلامي المبني على العقلانية
((378)). فبعد
ذلك التاريخ لم يعد المسلمون يهتمون باكتشاف الطبيعة كما
كانوا يفعلون سابقا.. ومات لديهم الفضول العلمي والفلسفي
واخذوا يجترون المقولات الفقهية القديمة وخرجوا من التاريخ
كليا. وعندئذ حلت محلهم اوروبا التي ظلت العقلانية لديها
متصاعدة دون انقطاع حتى وصلت الى ماوصلت اليه اليوم من
تقدم وازدهار.
وقد كان العقل شعار المعتزلة وشغلهم الشاغل، وقد حاولوا
عقلنة الايمان قبل المسيحيين بكثير. ولكنهم هزموا في
نهاية المطاف للاسف الشديد، ولم تقم لهم قائمة بعد الدخول
في عصر الانحطاط والتكرار والاجترار. بل وحتى الفقه
الاسلامي لم يتشكل الا بناء على القياسات العقلية المعروفة..
وبالتالي نستطيع الجزم هنا بان المسلمين الاوائل كانوا
يهتمون بالعقل على عكس المسلمين الاواخر. ويمكن القول
ان موسوعة اخوان الصفاء ساهمت في تقدم العلوم الطبيعية
والكيميائية والرياضيات الخ.. ولكن يبقى صحيحا القول ان
العلوم العقلية وكذلك الفلسفة انهارت في العالم العربي
والاسلامي بعد القرن الثالث عشر وحتى القرن التاسع عشر.
وربما لهذاالسبب توهم البعض ان الاسلام لا علاقة له بالفلسفة
والعقل. فمن كثرة ما حصل الطلاق بين الطرفين توهمنا بانها
لم توجدقط! وهذا خطا يقع فيه الكثيرون للاسف
الشديد((379)) . يضاف الى ذلك ان الفلسفة حتى في اوجها
كانت علما هامشيا في المجتمع العربي الاسلامي
((380)).
من هنا، نحن نؤكد دعوتنا مرة اخرى للاهتمام الكبير بالعلوم
العقلية والانسانية لا النقلية فقط، في داخل الجامعات
العربية والاسلامية لكي
1356المتاخرين عنها. كما اننا ندعو
- مع من
يدعومن المفكرين والمثقفين - الى بلورة لاهوت جديد غير
اللاهوت التقليدي الطائفي (فقه السلاطين والتكايا) الذي
يسيطرعلينا منذ مئات السنين. وهذا اللاهوت الجديد او
التفسير الجديد للدين هو وحده القادر على تجاوز
الانقسامات والتعقيدات الطائفية والمذهبية التي لا تزال تشعل
الحروب بين اتباع الاديان التوحيدية الثلاثة، وتمنع حوار
الحضارات والاديان.
وهذا اللاهوت الجديد الذي نريده ونسعى له ليحل محل
اللاهوت القديم
((381)) هو لاهوت منفتح، متسامح،
يرفض الانغلاق والتعصب وادعاء ملكية الحقيقة من اية جهة جاء.
كما انه لاهوت منفتح على كل العلوم الانسانية
والمعرفة البشرية.. انه لاهوت الحداثة او ما بعد الحداثة.
6 - اتباع اسلوب العنف
((382)) والترهيب لتحقيق الغايات
والمطالب، ورفض النقد الذاتي:
يستوقفني بقوة نمط من اشكال هذا الخطاب الديني السلفي
الطاغي حاليا على معظم ساحات واتجاهات العمل في
عالمناالعربي والاسلامي، وهذا النمط هو ما ينتهجه الخطاب
السلفي المتطرف من اساليب الترهيب والتخويف والتكفير
والرجم بالغيب، لا بل ان منهم من نصب نفسه حاكما يحاكم
الناس بمظاهرهم، وكانه يعلم ما في قلوبهم وضمائرهم
ونواياهم، كي يقيس على ضوء ذلك ايمانهم ويحاكمهم بما في
صدورهم. ومنهم من اتخذ نفسه منبرا يصدر فتاوى الحلال
والحرام، ويضع الخطوط الحمراء والخضراء، ويصرح بالفتاوى
لسفك دم هذا وذاك. وان كنت لا افهم ما الفائدة التي ينتهجها
الداعية اوالخطيب نفسه من ممارسة هذا الشكل غير الانساني
في الخطاب الديني، مع ان القاعدة الفقهية تقول: الاصل في
الاشياءالاباحة ما لم يرد دليل او نص شرعي من القرآن والسنة.
ونحن في عالمنا الاسلامي لم نستطع بعد ان نخرج من عصر
الانحطاط والعنف والتكفير((383)) الذي يلفنا، ولم
تنتصرعندنا قوى العقلانية والاعتدال والتنوير بعد.. وهذه
حقيقة بديهية لا يفيد في شي ان نخفيها. وبالتالي نحن عندما
ننتقد هذاالمناخ القاتم المسيطر علينا فلا يعني ابدا ان كل
انتقاداتنا - او حتى انتقادات غيرنا - للخطابات الاسلامية خاطئة،
بل ربماافادت المسلمين ودفعتهم لكي يفتحوا اعينهم، ويروا
الحقائق امامهم، ويقوموا بالنقد الذاتي لانفسهم كما فعل
الاوروبيون بدءا من عصر النهضة ثم بالاخص بدءا من عصر
التنوير في القرن الثامن عشر. هذه حقيقة اصبحت بديهية لكل
من يرى ويسمع.
وقضايا مثل النهضة والتطور والحداثة المطلوبة لعالمنا العربي
اصبحت الان في قلب الاهتمام العالمي، وعلى راس
جدول الدول الكبرى التي ادركت مؤخرا ان امنها وازدهار
حضارتها يرتبط ارتباطا مباشرا بضرورة النظر الايجابي
لمشاكل وهواجس المنطقة، واصبح يتاثر سلبا باستمرار وجود
مجتمعات متاخرة في اي جزء من العالم الذي يزداد ترابطا.
لكن الذي حدث - ولا يزال - هو ان كثيرا من نخبنا (المثقفة!!) لم
تدرك بعد حجم التحولات الدولية، ومخاطر سياسة رفض
الاندراج في العصر الحديث والبقاء على تخوم جبال الوهم
والتنظير الكلامي، فلا النقد الحقيقي مورس الا ما ندر،ولا
المراجعة الجدية لمفاهيمها القديمة - التي لم تعد صالحة
للاستخدام في هذا العصر - انطلقت، بل بقينا اسرى
اشتراطات ونصوص مفاهيمية جامدة، فبقيت الوطنية تقاس
بمدى العداء للشيطان الاكبر والاصغر، وبمدى رفض الهيمنة
الامبريالية ومواجهة مخططات ونظريات المؤامرة
((384))،
كما بقي الدين محكوما بهواجس الهوية المهددة بالاندثار في
زحمة العولمة والحداثة، وو.. الخ.
وفي تصوري ان كل العراقيل التي توضع في طريق التقدم
والتنمية لا يمكن ان تقرا الا كمحاولة قوى الاعاقة من
مثقفي السلطة ووعاظ السلاطين للهروب من استحقاقات
التغيير ومقتضيات الاصلاح والتنمية.
ان تلك القوى تعمل باستمرار على مواجهة ورفض كل ما هو
جديد وحديث تحت ذريعة انتهاكه للهوية والتراث، كماانها لا
تزال تشتغل على استيلاد الظروف وتعميق الاسباب التي
ساهمت في تعزيز وجودها وهيمنة خطابها الديماغوجي على
واقعنا الديني والثقافي عموما.. وهي: افتقادنا للديمقراطية
والتعددية السياسية، وشيوع الاستبداد والفساد، وانعدام فرص
العمل لاجيال الشباب، وانتشار التخلف الفكري والفقر والجهل
وعدم التوجه لحل المشكلات القائمة والصراعات العبثية التي
هدرت كثيرا من مواهب وطاقات اهل المنطقة.
والطاقة الاهم هي تفعيل وعي وارادة شبابنا العربي المسلم
والاستخدام الفعال لمواهبهم في طريق العمل الصالح
والنافع لمجتمعهم ككل، ام ما يحدث على الارض فهو عكس
ذلك تماما، اذ نلاحظ كيف يهجر كثير من شبابنا بلدانهم
واوطانهم الحقيقية ويرتمون في حضن اوطان وهمية.. وحتى
الان لا يزال هناك سؤال لم نعثر له على جواب بعد، وباسلوب
ومنهجية علمية، وهو: لماذا يتحول هذا الشاب البري الفرح،
المتفائل الوديع المؤدب، المقبل على الحياة، المحب لمدرسته
واسرته واترابه، الى ارهابي او مشروع ارهابي متوحش، يكره
الحياة، ويعشق الدم والدمار، وصناعة الموت، ولا يبالي في
مواجهته،بل يتطلع اليه عبر بدعة سموها «زفة الشهيد»؟! هذا
السؤال والاجابة عنه، يمثلان البداية للانتصار على الارهاب
كظاهرة اجتماعية.
في الحقيقة لا تزال الثقافة التي يتلقاها شبابنا تقليدية جامدة
غير قادرة على تقديم اجابات شافية لهم عن واقع
الحياة والعصر، وتجري عندنا باستمرار عملية غسل دماغ
حقيقية تجري لهذا الشاب على نطاق واسع يقوم بها كثير من
رموزونخب ثقافتنا الاسلامية تتمحور حول استراتيجية
تجنيدية اغرائية يتلقاها بشكل يومي هذا الفرد، وهنا مصدر
القلق المتواصل..
اولا: انه في وجود سيل متدفق من الافكار الدينية المختلفة
ونوع من التربية الاسلامية التي يعمل اصحابها على
قضاياالتنشئة الاجتماعية لجيل الاطفال، ممهدين السبيل ل -
«الصائدين» لسهولة الاقناع، والتجنيد، والتجييش، وبالشحن
العاطفي والنفسي، وغسيل الادمغة، وبث السموم الفكرية.
وثانيا: نحن لم نسع جديا وبطريقة علمية الى التعرف على
الاساس الفكري والاجتماعي الذي ينتج هذه الشرائح
في المجتمع، وبالتالي لا نتوفر - حتى الان - على مناهج تتضمن
وسائل مضادة، تحول دون ان يتحول طفل مسالم له
وجوده وطموحه واحلامه ودنياه الخاصة، الى مشروع عنف
وارهاب في المستقبل، يملك القدرة على تدمير حياته وحياة
الاخرين بقسوة، هكذا بكل برود، ودون تردد!
وقد نجح هذا الخطاب السلفي المتطرف في جذب انتباه
الشباب وشدهم اليه، لانه بقي «الوحيد» في الساحة، اذ لم
يجدالشاب امامه خطابا دعويا جذابا، صادرا من المؤسسة
الدينية الراسخة، يمكن ان يقدم له اجابات شافية وواعية،
متوازنة راشدة، تهديه لموقعه ودوره الطبيعي كانسان في
الكون والحياة، يكون اكثر استجابة لحيرته في المسائل الكبرى
التي تواجهه كشاب، يدلف الى اعتاب الالفية الثالثة! في حين
كان خطاب القيادات الشبابية الدعوية المتشددة سريعا ومبادرا
في اعطاء هؤلاء الشباب ما يعينهم على فهم ما يدور حولهم من
احداث، فذاع صيتهم على حساب المرجعيات الدينية
العاقلة والواعية المعروفة، التي بقي خطابها محصورا في قضايا
الدين البعيدة عن الحزبية والتنظيمية، وقليلا ما يتطرق
لقضايااجتماعية وسياسية كبرى الا توجيها وارشادا ومن دون
الاستغراق فيهما، مما افقد تلك المرجعيات الدينية
قدرتهاالتوجيهية الارشادية على الشباب، وحتى شعبيتها
المعتادة، وتوارت عن الانظار.
رابعا - خاتمة البحث
العقل والحرية والتنمية في مواجهة الخطاب السلفي
يعيش العرب والمسلمون في عصرنا الراهن - كما اسلفنا - اوضاعا
مصيرية صعبة لا يحسدون عليها، وهذا ما يظهر لناعند التامل
والتدقيق في ارقام واحصائيات ومؤشرات ضعف عملية التنمية
البشرية في العالم العربي استنادا الى معظم، ان لم يكن كل،
مؤشرات هذه العملية.
والجزء الظاهر من هذه المشكلة يتمثل في الفقر واللامساواة،
لكن الفقر في الحقيقة ليس سوى جزء من المشكلة. فالى جانبه
هناك مؤشرات كثيرة على:
-ضعف مستوى الرعاية الصحية.
-وثمة انحسار واضح في فرص التعليم الجيد.
-وهناك غياب كامل او ضعف مزمن في سياسات الامان
الاجتماعي او غيابه بالكامل.
-اما الحرمان واللامساواة في القدرات والفرص، فهما اكثر
استشراء من فقر الدخل او اللامساواة الاقتصادية، اذ
تشيرالاحصاءات الى ان نسبة الحرمان، بمعايير التنمية
الانسانية الاساسية، تبلغ حوالي 32.4% من اجمالي السكان في
العالم العربي((385)) .
ولا شك في ان هذه الصورة الاجمالية للدول العربية تخفي
التفاوت الكبير بين اوضاعها وتقدمها نحو تحقيق
الاهداف الانمائية للالفية الثالثة .((386))
وهكذا، فان التنمية الشاملة هي المفتاح الحقيقي للحصول
على القوة والسلطة، واساس هذه القوة حرية الفرد
والمجتمعات،وبالتالي للوصول الى اي مستقبل فاعل او مثمر
يمكن ان يكون بانتظار العرب خلال العقدين المقبلين، ودون
الشروع في اتخاذ خطوات واثقة في طريق التنمية (وبناء صرح
الحرية الكبير)، فانه من المؤكد ان مستقبل العرب لن يكون
افضل من حاضرهم.
ولكن كيف يمكن للتنمية الشاملة ان تنطلق في عالمنا العربي
والاسلامي في ظل وجود عاملين ضاغطين للغاية:
الاول: داخلي، وهو سيطرة خطابين وواقعين مازومين، خطاب
السلطة الرسمية المستبدة القامعة لكل ما ومن يؤثر
على امتيازاتها وسلطانها وهيمنتها وطغيانها، وخطاب تعبوي
شعبوي (ثقافوي) ديني سلفي متشدد، يستعدي العالم
ضده،هاجسه الاساسي والجوهري تقسيم هذا العالم الى
فسطاطين، وتكفير (وربما الحكم بالموت) باقي الملل
والمذاهب والحركات التي تعارضه في معتقده الديني او رايه
السياسي او الفكري.
والثاني: خارجي، ويتمثل في جملة التحديات المصيرية التي
تحيط بعالمنا حاليا. وهي من الضخامة والهول ما لا
يستطيع احد ان يقف في وجهها تماما كالسيل الجارف، ولا بد
له من الانفتاح عليها والتكيف معها، على عكس ما نعمل عليه
نحن العرب والمسلمون، حيث نواجه تلك المتغيرات الكبيرة
بادوات قديمة ووسائل شبه بدائية نعيد من خلالها انتاج
الهزيمة والازمات على النحو الاسوا والافدح. لاننا غالبا لا نحسن
ادارة مشاكلنا، وسوس خلافاتنا بعقلية مدنية تداولية متوازنة.
اننا نعتقد ان جذر العطالة فيما هو واقع حاليا - في كل هذه
المساحة الكبيرة من العجز والاحباط والتردي
والتفكك المسيطرة في عالمنا العربي والاسلامي - يعود الى
النمط الثقافي المهيمن، واعني به مرجعيات المعنى وانماط
الرؤية السائدة المنتجة للفكر والثقافة التي تخطط لحياة الناس
والمجتمعات.
فالفكر عندنا له قوالبه ومسبقاته وقواعده واحكامه
واستراتيجياته، ولكنه فكر يولد مزيدا من العجز والخواء
والجهل والتسلط والاستبداد، لاننا اساسا نتعامل مع الفكر
والتفكير - الذي كان من المفترض ان نمارس عبره علاقة
ايجابية خصبة، منتجة وفعالة، مثمرة ومتطورة، مع الذات ومع
الاخر - بصورة متحجرة ومنغلقة احادية وحتمية وخيالية
وفردوسية،نادرا ما تجد فيها شيئا حيا من الواقع.
وواقع (بل وفكر) هو على تلك الصورة غير المنتجة، بل
المتكلة، سينتج كوارث وازمات متتالية. ولا يكفي ان نقول:
ان الاقدار هي السبب الدائم والمصدر الحقيقي لتلك الكوارث،
كما يصور اصحاب ورموز تلك المرجعيات السلفية.. بل
هي ازمات من انتاجنا، صنعناها بعقولنا ومقولاتنا وتصنيفاتنا
ومرجعياتنا المهيمنة على واقعنا الثقافي منذ قرون عديدة،
والتي لا تزال تتحكم في الخطابات ليس لتبدع وتنتج وتطور
وتحسن، ولكن لكي تعيق وتلغم وتضع العراقيل
والعوائق((387)) في وجه اي فكر او معرفة او مشروع حضاري
انساني مدني يعلي من شان الانسان فردا ومحورا اساسيا للكون
والحياة.
طبعا، نحن عندما ننقد التراث والخطاب السلفي بفكره ودعاته،
ونظهر عجزه عن العيش المنتج والفعال في العصر
الحديث،وعدم قدرته على بناء معرفة مستقبلية حقيقية نافعة
للانسان والحياة، ان ذلك لا ينبغي ان يحجم تفكيرنا النقدي
عن الوجه الاخر للداعية التراثي السلفي، وهو المثقف الحداثي العربي الذي بقي يتعاطى وينتج مفاهيم الحداثة والتطور
والحرية والاستنارة والتقدم من موقع المتلقي والمتاثر ومن
دون ان يطورها ويبتكر صيغ جديدة تتعدى محيطه الجغرافي.
لانه اساسا لم يشتغل في المعرفة الحديثة من موقع الخلق
والابتكار، وانما من موقع المبشر والمخلص والمروج والمقلد.
الامرالذي جعله (اي المثقف الحداثي العربي) متعبدا لنصوص
الحداثة من غير طول تفكير، ومؤلها لافكارها وهويتها من
دون تجربة ومعاناة وتامل.
وهذا النقد - حقيقة - لا ينطبق على مجموع مثقفينا ومفكرينا
الحداثيين، حيث ان فيهم المبدع المطور والمنتج في
شتى ميادين وحقول المعرفة والثقافة والفنون. ولكن هذه الفئة
قليلة وضعيفة وغير مؤثرة حتى الان، على عكس الكثرة
الغالبة من اولئك الوعاظ عبدة النصوص والاوثان الفكرية الذين
يسيطرون على الفضاء والهواء والسلطة التي باتت مضطرة
في الاونة ان تقربهم منها وتفتح مجالات العمل (والانتاج!)
امامهم ليمارسوا من خلال ذلك افظع فنون التضليل
والتزييف والشعوذة الثقافية والتعمية الايديولوجية والتهويل
الديني.
بناء عليه فان المشكلة تحددت، وهي في الاساس ثقافية
معرفية، ولكن تجلياتها الواقعية يمكن اجمالها في الاتي:
؟ مجتمعات عربية واسلامية ممزقة، وتعيش صراعا وتدافعا
مريرا حول الحكم والسيادة، لا تقترب فيه ابدا من تحكيم لغة
الحوار، ومنطق التراضي والتدافع السلمي.
؟ فشل ذريع للسلطات السياسية الرسمية الحاكمة في ادارة
قضايا الوطن المحلية (تحقيق التنمية الشاملة، توفيرالحريات،
القضاء على الفقر والبطالة.. الخ)، اضافة الى فشلها في قضايا
الوطن الخارجية مثل قضية فلسطين.
؟ وجود بون شاسع وانقطاع واسع بين حاكم غير شرعي (فرض
نفسه بالقوة والقهر، واعتبر ان السلطة حق طبيعي له ولذريته
وحاشيته) وبين محكوم مستضعف (مطارد وملاحق وعاجز عن
تحقيق الحد الادنى من متطلبات وجوده الانساني الطبيعي)،
فقد الثقة في نظمه واجهزته الحاكمة، لانها لم تقم لخياره
وزنا، وتجاوزت حدود العدل في الحكم والقسط.
؟ خوف تلك القيادات الدائم من شعوبها، مما يجعلها تتحسب
للثورات في كل وقت.. او بتعبير معاوية نفسه: «فان نكثناهم
نكثوا بنا، ثم لا ندري اتكون لنا الدائرة ام علينا».. اي سيادة
ثقافة الخوف والخوف المتبادل.
؟ سيادة العلاقات النفاقية والتملقية - اذا صح التعبير
- بين
الحاكم والمحكوم، واظهار كل منهما للاخر غير ما يبطن،نظرا
لانسداد ابواب التعاون الحر، وانعدام التناصح النزيه.
ولعلنا لا نغالي كثيرا عندما نؤكد على ان مشهد الخوف
والاحباط والياس والظلم والاستضعاف هو من المشاهد
الاكثرحضورا وتاثيرا على حركة الانسان العربي الذي مارست
بحقه الدولة العربية الحديثة افظع انواع القسوة والعنف
الموزع ماديا ورمزيا على معظم امتدادات وكتل هذه الامة
البشرية والطبيعية.. بحيث باتت منافذ التغيير شبه معدومة في
ظل هيمنة وسيطرة تلك النخب التابعة والعاجزة كل العجز عن
ادارة شؤونه.
ويبدو لنا هنا ان تعميق ثقافة الخوف والرعب والقلق السلبي
-
الممتدة افقيا وعموديا في جسم الامة منذ بداية ازمة الخلافة
والحكم الاسلامي الاول - كان من الاهداف الرئيسة التي كانت
تسعى دول الاستقلال الاولى (الوريثة الشرعية لانظمة القمع
والطغيان التاريخية) - وكل النظم السياسية (سلطات الهزيمة)
التي جاءت بعدها، والتي ارتكزت سياساتهاجميعا على ثلاثية:
القمع والافقار والتجهيل - الى تحقيقها بالقوة على ارض الواقع
المعاش.. فكانت النتيجة النهائية لكل تلك المقدمات المازومة
ان نظمنا السياسية المتلاحقة لم تتفرغ لشي كما تفرغت
للتحكم بموارد الامة، ونهبها بالكامل،والسيطرة على مفاصل
السلطة والثروة والقوة والمعرفة في كل مواقعها، محتكرين
بذلك كل الراسمال المادي والمعنوي المتبقي لافراد المجتمع
والامة.. فكان ان وقع الافقار المقصود على الشعب.
لان الفقير لا يجرؤ دائما على رفع راسه (اصلا هو لا يستطيع
فعل ذلك)، كما ان الجائع لا يعرف السياسة، ولا وقت
عنده للحديث والاستماع للسياسة والسياسيين، حيث انه
مشغول كليا بتحصيل لقمة العيش وكفاف اليوم (اللهم اعطنا
خبزناكفاف يومنا).. وهكذا يبدا هذا الفقير الجائع والمحروم - مع
مرور الايام - بفقدان انسانيته، ونسيان ذاته وفاعليته
الوجودية،ويختصر الى جملة من الغرائز والمكبوتات، بما يؤدي
لاحقا الى تدمير القيم السامية والاخلاق الحميدة والمثل العليا
التي طالما تفاخر بها، واعتز بانتمائه اليها.. وهكذا كانت النتيجة
ايضا ان وصلنا الى حافة الهاوية على كل المستويات
والاصعدة الاخلاقية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وفي ظل هذا الوضع لا يمكن للفرد المصاب بالوهن النفسي
والضعف الذاتي العضوي تحقيق الاستشفاء الذاتي لوحده، بل انه
بحاجة ماسة لمن ياخذ بيده قبل كل شي، وبالمثل لا يمكن
لبلادنا النهوض بدون مساعدة عاجلة وسريعة من الحضارات
الاخرى.
اننا نعتقد ان شعوبنا العربية والاسلامية تواقة للاصلاح والتغيير
بالدرجة التي قد تفرض عليها ان تغض النظر عن مصدرالتغيير
وآلياته واساليبه.. ويبدو ان انعدام التغيير الداخلي وفقدان الثقة
بالنظم والحكومات القائمة في العالمين العربي والاسلامي -
وكذلك ان كل مبادرات الاصلاح الداخلية (ان وجدت اصلا)
تتم وتبنى في غرف مظلمة وقوالب جامدة بعيداعن هموم
الناس وتطلعاتهم وارادتهم - هو الذي يدفع تلك الشعوب باتجاه
قبول التغيير الخارجي حتى لو جاء بيد عمرو(الغرب وامريكا).
والواضح امامنا - في هذا الاتجاه - ان هناك حقيقتين يعايشهما
الناس في مجتمعاتنا، وقد انتقلت تاثيراتهما الى
البلدان الاخرى:
الاولى: وصول حال العرب والمسلمين الى هذه الدرجة
المتدنية من الانحطاط والتخلف بمختلف مجالاتها
السياسية والاقتصادية والاجتماعية وو..الخ، نتيجة السياسات
الفوقية الظالمة التي طبقتها النخب السياسية والاقتصادية
العربية والاسلامية الفاسدة عبر العقود الاربعة الماضية، والتي
كانت تحظ ى - حتى عهد قريب - برضى المصالح
والسياسات الدولية المتفصلة مع نظيرتها المحلية.
الثانية: نمو حركات العنف والتدمير الدينية السلفية في مناخ
الترهل والفساد والاستبداد السياسي والتخلف
الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه اجتماعنا السياسي
والديني، والناتج اساسا عن هيمنة ثقافة عربية واسلامية نصية
متعصبة تؤمن بالعنف كخيار اوحد للوصول الى مصالحها
وغاياتها((388))، وتضفي طابع القدسية على فكرها
ومنظومتها المعرفية، وتلغي اي حلول وسط مع اي كان، كان
من ابرز انجازاتها سابقا قتل وتدمير معظم افكار ورموز الخير
والسلام والعدالة في تاريخنا الاسلامي.. حيث انه - وبعد عصر
الرسول(ص) - تعمقت ثقافة العصبية والقبلية، وترسخت انماط
تقليدية عصبوية في طبيعة الحكم السياسي كالحكم الوراثي،
وخلافة الحق الالهي المقدس.. اي تحول الاسلام - على ايدي
زعامات الانحراف والجور - الى ملك سلطوي عضوض .
ولا شك ان ضغط هاتين الحقيقتين سيدفع العالم العربي
والدولي كله نحو تبني خيارات ثقافية واقتصادية
واجتماعية وسياسية محلية وعالمية يمكن ان تضع حدا
لاستشراء مظاهر العنف والفوضى، ونمو الارهاب والجريمة
الدولية والتطرف الفكري والعملي في المشهد المعاصر.. من
اجل تحقيق مجتمع:
-تسوده قيم الحوار والعقل والعدل.
-يحترم فيه الانسان من حيث انه خليفة اللّه في الارض.
-مجتمع يتحمل الناس فيه بعضهم البعض، وتسوده وجهات
نظر متعددة ومختلفة.
-مجتمع يشعر فيه الانسان عمليا بانه سيد نفسه، ولا فرق بينه
وبين قيادته الا بتوزيع الادوار وتعدد واختلاف المسؤوليات.
-مجتمع يتبنى النقد والمحاسبة الذاتية الحضارية عنوانا
لحركته وتطوره.
ونحن نعتقد ان انجاز تلك القيم الرائعة لن يتحقق الا بعد
مواجهة افكار ورموز اقليات التخلف والاستبداد (القابضة
بقوة الحديد والنار على عروش السلطة والسياسة والاقتصاد في عالمنا العربي
والاسلامي) واقامة حكم تعددي وديمقراطي صالح وعادل منتخب مباشرة من قبل الشعب،
وبارادة هذا الشعب الحرة.. بعيدا عن سيطرة مظاهر وثقافة
التطرف والتزمت والغاء الاخر من خلال بناء مجتمع معرفي،
وتوسيع المشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية امام كل
افراد المجتمع.
طبعا، هذه كلها توصيفات للمطلوب من اجل الخروج من
المازق، ولكن مناخ وفضاء تلك التطلعات والاهداف
الكبرى،واطارها وقاعدتها الاساسية تكمن في ضرورة تغيير
طبيعة المعنى المعرفي لمهمتنا الوجودية بما فيها تغيير كثير
من ادواتناوعدتنا المفاهيمية المعرفية المسيطرة حاليا. بما
يؤدي الى تغيير الطريقة والوجهة السائدة حاليا التي اثبت
الزمن والتاريخ والممارسة العملية عقمها وفشلها مما جعلنا
نعيش على الهامش الدولي والوجودي((389)) .
ويجب ان يكون واضحا للجميع هنا ان النقد الذي نمارسه ليس
جلدا للذات او تجريحا للنفس - كما نؤكد دائما - بمقدارما هو
محاولة جدية فاعلة للوقوف المتامل امام المشكلة كما هي على
الارض، لكي يتوفر لدينا عنصري الوعي والقدرة على اجتراح
الحلول، وبناء القدرات وفتح مغاليق الفكر والواقع. خصوصا بعد
ان اتخمتنا مشاريع التنمية والتحديث العربية والاسلامية - من
اقصى اليمين الى اقصى اليسار - بنضالاتها الفاشلة ودفاعاتها
العقيمة التي الحقت بنا العديد من الضرروالخسائر اكثر بكثير
مما تسببت به للخصوم والاعداء.
ان احوج ما تحتاجه بلادنا - في مواجهة متغيرات وتحديات
العالم كله، وقد اصبح المتغير هو الثابت الوحيد فيه - هوالعمل
على ادارة هوياتنا وافكارنا وثرواتنا وعلاقاتنا بالعالم بابتكار
الجديد من الصيغ والمهام او الطرق والوسائل والسبل((390)) . اما ثقافة التطرف والعنف والتعصب والكره والخوف والعداء والصدام والقتل والانشداد الى الوراء وعبادة الاسماء والافكار، فملها عربيا او عالميا تفخيخ العلاقات بين البشر، والانتقال من مازق الى سواه، ومن صدمة الى اخرى،ومن خسارة الى خسارة اكثر فداحة.
المنهج السلفي في تفسير القرآن، نقد وتعليق
د. عودة عبد عودة عبد اللّه
القرآن الكريم مصدر الاسلام الاول، ودستوره الخالد، ولا ريب
ان فهمه بشكل سليم هو غاية كل مسلم، وهو الثمرة العلمية
المرجوة من تدبره، بغية الوصول الى الالتزام باحكامه
وتوجيهاته ايمانا وعملا ودعوة.
ويظهر في غير موضع من كتاب اللّه، ان اللّه سبحانه وتعالى
حثنا على النظر في كتابه، وتدبر معانيه، واستنباط
احكامه وحكمه. ولا شك ان الامر الذي يساعد على الفهم
السوي السليم للقرآن هو «حسن تفسيره بما يبين مقاصده
ويوضح معانيه، ويكشف اللثام عما فيه من كنوز واسرار، ويفتح
مغاليقه للعقول والقلوب»
((391)).
ومن هنا، فاننا لا نستغرب ان السلف كان لهم هذا الانكباب
والاقبال المنقطع النظير على تفسير كتاب اللّه. فقد تركوا
لناهذا الكم الهائل من التراث التفسيري، والذي ما تزال مكتباتنا
تزخر به في هذه الايام.
ويلحظ للوهلة الاولى، ان المفسرين تعددت مشاربهم، وتنوعت
مناهجهم، في طريقة تناولهم لتفسير كتاب اللّه تعالى.فمنهم
من غلب عليه جانب التفسير بالاثر كالطبري وابن كثير، او
جانب التفسير البياني كالزمخشري وابو السعود، اوالتفسير
الفقهي كالقرطبي والجصاص، ونحو ذلك. فغنى عن البيان، ان
اكثر التفاسير القديمة، صرفت عنايتها الى ناحية معينة، كالنظر
في اساليب القرآن، وما اشتمل عليه من انواع البلاغة، او التوسع
في بيان وجوه الاعراب ومدلولات الالفاظ واستعمالاتها، او تتبع
القصص من غير تفريق ولا تنقيح، او استنباط الاحكام الفقهية،
او القول في اصول العقائد ومقارعة اهل الزيف والضلال، ونحو
ذلك من الاتجاهات الخاصة التي يعد التوغل فيها والانصراف
اليها مدعاة للخروج عن المقصودمن الكتاب الالهي.
ولا شك ان هذا التراث الذي تركه المفسرون يعد ثروة علمية،
لا يمكن الاستغناء عنها، ولا بد لكل مطلع على تفسيركتاب اللّه،
ان ينظر فيها ويستخرج كنوزها، لان ذلك معين على حسن
الفهم، وسعة الادراك، وبعد النظر.
ولكن على الرغم من حاجتنا الماسة لكل هذه التفاسير، فان
الامر يتطلب وقفة لمراجعة وتهذيب الكثير منها، لما داخلهامن
غث، ولما شابها من كدر. فحقيق على مفسري كتاب اللّه، الذي
تعهد اللّه بحفظه، ان يتجاوبوا مع هذه الحقيقة،
فيجنبواتفاسيرهم كل ما فيها من ريبة، ويطرحوا عنها كل ما
شوه جمالها وانقص بهاءها.
والدعوة الى تنقية كتب التفسير ليست دعوة الى بدعة او
ضلالة، لان تهذيب كتب التفسير بتنقيتها من
الاسرائيليات،مطلب مهم من مطالب التعامل مع التراث،
وذلك «لاننا بحاجة الى ان يكون التعامل مع القرآن، دونما هذا
العازل الردي،الذي تدخل بين القارئ وبين النص المقدس ...
وهو العازل المتمثل في الاسرائيليات»
((392)).
يضاف الى ذلك، ان التفاسير دخل فيها كثير من القصص التي
كانت تعد لونا من الوان الوعظ، ولكن هذه القصص بعد
مروروقت من الزمن، تحولت الى حقائق ثابتة في نظر بعض
الناس، مما يؤكد الجهد الواجب بذله في تحقيق هذه الكتابات.
ولعل ادراك ابن تيمية لهذه الحقيقة هو ما جعله يرسم لنفسه
منهجا خاصا في التفسير، يقوم على اساس الدراسة
النقدية لكتب التفسير، والتمييز في المنقول والمعقول بين
الحق والباطل، والتنبيه على الدليل الفاصل بين الاقاويل،
فكان يقول:
«وربما اطلعت على الاية الواحدة في نحو مائة تفسير، ثم اسال
اللّه تعالى الفهم»
((393)).
ويقول: «ان الكتب المصنفة في التفسير مشحونة بالغث
والسمين، والباطل الواضح والحق المبين. والعلم اما نقل
مصدق عن معصوم، واما قول عليه دليل معلوم، وما سوى ذلك
اما مزيف مردود، واما موقوف لا يعلم انه بهرج ولا منقود».
((394))
فقد تسرب الى تراثنا التفسيري الكثير من الروايات التي شوهت
وجهه وكدرت صفاءه، بما تحمل من خرافات واباطيل راجت
بضاعتها بين اليهود والنصارى، ثم ارادوا ترويجها بين
المسلمين. وكان اليهودية حين منيت امام دعوة
الاسلام بالهزيمة العسكرية، ارادت ان تقاوم الاسلام بسلاح آخر
يعوضها عن هزيمتها، وذلك هو الغزو الثقافي، فدست
اسرائيلياتهاالمنكرة، في غفلة من الزمن، فلم تمض برهة حتى
غصت بها كتب المسلمين.
والامثلة على الروايات السقيمة التي حشيت بها كتب التفسير
كثيرة، لا يكاد يخلو منها تفسير من هذه التفاسير. فمن غريب
هذه الاسرائيليات وعجيبها، ما نقراه في كثير من كتب التفسير
عند النظر في بعض آيات سورة ص مما يترفع القلم عن
تدوينه((395)) .
وهناك روايات اخرى ضعيفة كان الاجدر ان ين -زه عنها كتاب
اللّه، ولا بد ان تطرح من كتب التفسير. فهناك رواية لاحمد في
مسنده نقلها ابن كثير في تفسيره، جاء فيها: عن زر، قال لي
ابى بن كعب: «كم تقرؤون سورة الاحزاب؟ فقلت:بضعا
وسبعين آية. قال: لقد قراتها مع رسول اللّه (ص)مثل البقرة او
اكثر منها، وان فيها آية الرجم
((396))».
قال الغزالي معلقا على هذه الرواية: «وهذا كلام سقيم، فان اللّه
لا ين -زل وحيا يملا اربعين صفحة، ثم ينسخه او يحذف منه
اربعا وثلاثين ويستبقي ست صفحات وحسب»
((397)).
ومن جانب آخر، فانه بالرغم من تقديرنا لهذه التفاسير، وعظيم
احترامنا لجهود علمائنا فيها، الا انه يجب علينا الا
نتخذهاقوالب جاهزة جامدة، ونتناسى بذلك روح العصر الذي
نعيش فيه، فان اللّه سبحانه وتعالى تعبدنا بالفاظ كتابه الكريم
ولم يتعبدنا بالفاظ المفسرين واقوالهم. لذلك فانه لا بد لنا ان
نتعلم فن الجمع بين الاصالة والمعاصرة، لانهما امران
متلازمان،«فان من ينشد الاصالة بدون المعاصرة، كمن ينشد
المعاصرة بدون الاصالة، الاول مقلد والثاني تابع، بل كلاهما
تابع ومقلد»
((398)).
فمن آيات اعجاز القرآن وخلوده، اننا نستمد منه في كل عصر
ما يمكننا من مواجهة الاراء المستحدثة والقضاياالمستجدة،
فالقرآن كتاب كل زمان وكل مكان. لذلك فانه يجب علينا ان لا
نتوقف عند ما كتبه السابقون، بل لا بد من امعان النظر في
كتاب اللّه واعمال الفكر فيه في كل عصر، لانه كتاب حى لا
تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد.
وهذه حقيقة اقرها الامام الرازي من قبل، حيث يقول عند
تفسيره لقوله تعالى: (فان خفتم الا تعدلوا فواحدة)(النساء:3):
«اءثبت في اصول الفقه، اءن المتقدمين اذا ذكروا وجها في
تفسير الاية، فذلك لا يمنع المتاخرين من استخراج وجه آخر
في تفسيرها. ولولا ذلك لصارت الدقائق التي استنبطها
المتاخرون في التفسير مردودة باطلة، وذلك لا يقوله الا
مقلدخلف» ((399)). |
|---|