الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

وممن دان بهذا الراي، ودعا الى تجديد التفسير القرآني، واعادة النظر في مقاصده البعيدة السامية، الشيخ محمد عبده، الذي يقول: «قد يدعي بعض اهل العصر، انه لا حاجة الى التفسير والنظر في القرآن، لان الائمة السابقين نظروا في الكتاب والسنة واستنبطوا الاحكام منها، فما علينا الا ان ننظر في كتبهم ونستغني بها، وهكذا زعم بعضهم. ولو صح هذا الزعم لكان طلب التفسير عبثا يضيع به الوقت سدى ... خاطب اللّه بالقرآن من كان في زمن التن -زيل، ولم يوجه الخطاب لهم لخصوصية في اشخاصهم، بل لانهم من افراد النوع الانساني الذي اءنزل القرآن لهدايته. يقول تعالى: (يا اءيها الناس اتقوا ربكم) (الحج:1)، فهل يعقل ان يرضى منا بان لا نفهم قوله هذا، ونكتفي بالنظر في قول ناظر فيه، ولم ياتنا وحى من اللّه بوجوب اتباعه لا جملة ولا تفصيلا؟ كلا، انه يجب على كل واحد من الناس ان يفهم آيات الكتاب بقدر طاقته» ((400)).

ولكن على من يدعي التجديد، ان يدرك المنهج الامثل في تفسير القرآن، والذي يقوم على اصول راسخة، وقواعد شامخة،تتمثل في خطوات معلومة، ومعالم مرسومة، وضوابط بينة يجب مراعاتها والالتزام بها، حتى تتضح للمفسر الغاية، وتستقيم له الطريق. فلا بد للمفسر ان يجمع بين الرواية والدراية، فيفسر القرآن بالقرآن، وبصحيح السنة، وينظر في اقوال الصحابة والتابعين، ولا ينسى مراعاة السياق واسباب الن -زول، وعليه قبل كل ذلك ان يكون عالما باللغة التي نزل بها القرآن.

ومما تجدر الاشارة اليه هنا، ان فكر السلف في التفسير لم يكن بمناى عن الصراعات الفكرية التي كانت تدور في عصركل مفسر. وكثيرا ما كان هذا المفسر او ذاك يمثل اتجاها معينا، فهو بالتالي كان ناصرا ومؤيدا لفكرته واتجاهه، ونرى ان ذلك انعكس بشكل واضح وملموس على تفسيره، حتى دخلت الى التفسير بعض التاويلات الفاسدة الباطلة التي ما جاءت الا لتساند فكرة ما. حتى قال بعض الشيعة في تفسير قوله تعالى:

(تبت يدا ابي لهب وتب) (المسد: 1): هما ابو بكر وعمر.كما اعتمد الجبرية على مثل قوله تعالى: (واللّه خلقكم وما تعملون) (الصافات: 96) في اعتبار الانسان مسيرا لا ارادة له ولا اختيار، وانه كريشة في مهب الريح تحركها الاقدار كيف تشاء. وحتى الزمخشري صاحب الفكر المعتزلي، لم يخل تفسيره من بعض الشطحات الاعتزالية. وهناك تفسيرات ا خرى غريبة للقاديانية والبهائية وغيرهما.

لذلك فانه لا بد لنا من ان نعي هذه الحقيقة المهمة، حتى ندرك مرامى كل مفسر عندما نتعامل مع تفسيره، فلا نتعامل مع مفسر دون ان نحيط ولو لماما بطبيعة الصراعات الفكرية التي عايشها، حتى نجعل من عقولنا ميزانا نقوم به ما يصدر عنه.

نستنتج مما سبق، ان التراث التفسيري الذي تركه لنا السلف، من الاهمية بمكان، بحيث لا يستغني عنه طالب علم، اوراغب في الغوص الى معاني القرآن الكريم. الا ان ذلك لا يبرر لنا الجمود على هذا التراث، بل لا بد من تحقيقه وتنقيته من الشوائب والانحرافات. ثم لا بد لنا من الابداع والتجديد، وذلك بان ننظر في القرآن بنظرة العصر الذي نعيش فيه، والواقع الذي نحياه، فان لكل زمن ظروفه الخاصة، التي تميزه عن غيره، والقرآن كتاب اللّه للناس كافة، منذ نزوله على سيدنامحمد(ص) وحتى قيام الساعة.

 

 

 عقلية التطرف والنزعة السلفية، قراءة في ضوء رؤية الشهيد الصدر

السيد محمد الحسيني

 

تمهيد بادئ ذي بدء، يجدر بي ان اذكر بمسار البحث، واني فيه رهينة رؤية الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر، وهو امرمحمود وهو مكرمة ايضا، ولكنه من جهة التذكير - التي قصدتها - محدد منهجي يفرض على البحث ان تكون رؤية الشهيدمحورا ومرتكزا له. هذا اولا.

وثانيا: فاننا اذا تذكرنا ان ظاهرة التطرف والارهاب بصيغتها الراهنة جديدة، ولم تكن بهذه الحدة والتوحش والانفلات،فاننا سنتفهم غياب رؤية واضحة متكاملة منه لظاهرة لم تكن حاضرة وقتذاك بصيغتها الحالية.

ولكن على الرغم من ذلك، فان هناك افكارا متناثرة للشهيد الصدر في مطاوي كتاباته وابحاثه عالجت هذه المسالة من حيث المبدا، لان ظاهرة التطرف قديمة، وهي ظاهرة اجتماعية تتصل بالاجتماع الانساني، وهي ظاهرة نفسية تتصل بعالم الانسان الخاص.

وهنا اذكر ان عددا من نصوص الشهيد الصدر مما يستشهد به اندمج في هذا النص ولا يسعني في القاءة فصله والتنبيه عليه دائما.

واذكر انني لم ادخل في تعريف التطرف وما يماثله من اصطلاح تعويلا على غير اولا، ولجهة عدم تصدي الشهيد الصدرلاثارة هذا الموضوع.

وعودا على بدء، عالج الشهيد الصدر ظاهرة التطرف من خلال عدة مسائل وقضايا كانت ولا تزال مثار جدل على المستوى النظري فضلا عن دورها العملي في حياة المجتمعات عموما.

اولا - احدى اهم القضايا التي راى فيها الشهيد الصدر ظاهرة التطرف هي قضية الشعور القومي، وهو شعور انساني نبيل غير ان هذا الشعور من وجهة نظر الشهيد ليس «الا رابطة تاريخية ولغوية». (اقتصادنا ص 13) واولى مظاهر التطرف القومي من وجهة نظر الشهيد هو القفز بهذه الرابطة من كونها اطارا اجتماعيا الى اعطائها صفة العقيدة، وبهذه الصفة تكتسب آثارا اخرى غير الاثار التي تكتسبها فيما لو كانت مجرد اطار. (راجع: اقتصادنا ص 14) وقد يبلغ التطرف مداه عندما يتحول هذا الاطار الى مطلق، والى مثل اعلى، اذ يقول الشهيد: «حينما اجتمع في التاريخ مجموعة من الاسر فشكلوا القبيلة، (و) حينما اجتمعت مجموعة من القبائل وشكلت عشيرة، (و) حينما اجتمعت مجموعة من العشائر فشكلت امة. هذه الخطوات (كانت) صحيحة في تقدم البشرية وتوحيد البشرية». (راجع: المدرسة القرآنية ص 135) ولكن التطرف بدا واضحا في تحويل هذه الاطر الى مستوى اعلى لا ترقى اليها اذ «كل خطوة من هذه الخطوات لا يجب ان تتحول الى مثل اعلى، (و) لا يجوز ان تتحول الى مطلق، (و) لا يجوز ان تكون العشيرة هي المطلق الذي يحارب من اجله هذا الانسان، وانما المطلق الذي يحارب من اجله الانسان هو ذاك المطلق الحقيقي (و) يبقى هو اللّه سبحانه وتعالى».(راجع:

ص 135 المدرسة القرآنية) والشهيد الصدر - فيما يبدو لي - لا يعترض على الدفاع عن العشيرة او عن اي اطار اجتماعي آخر، انما يعترض على هذه الروح المتطرفة التي تعمل على تحويل هذه الاطر الى مثل عليا، وهي مثل مصطنعة والى مطلق يستاهل الدفاع والامتثال والتضحية على كل حال.

ويستشهد الشهيد الصدر بقوله تعالى: (مثل الذين اتخذوا من دون اللّه اولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وان اوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون( (العنكبوت/41). بل يبلغ التطرف في الشعور القومي - من وجهة نظر الشهيد الصدر - بان يدفع باتجاه استغلال كل ما هو نبيل وعام مثل الدين، فيعطى الدين صفة قومية و «يقدم الالهـ كما في التوراة - في اطارقومي كانه اله هؤلاء. (في مقابل) آلهة الشعوب والقبائل».

(راجع: اهل البيت، وحدة هدف وتنوع ادوار ص 39) وعندئذ «يوجد - ذلك - في نفوس هؤلاء القوم تاريخيا الشعور بالاعتزاز، والشعور بالزهو والخيلاء على بقية الشعوب الاخرى».

(اهل البيت ص 39) واي تطرف ابلغ من هذا التطرف؟! هذا التطرف - اعني في الشعور القومي - كاد يودي بالاسلام ايضا - وفقا لرؤية الشهيد الصدر - حيث بدا «ينظر الى النبوة على انها سلطان قريش، (و) انها سلطان عشيرة معينة، هذه العشيرة المعينة هي التي تجب ان تحكم وان تسود. (تلك)نظرية مالكية العشيرة، التي تتحدى وجود الامة، وتنكر عليها اصالتها ووجودها وشخصيتها. هذه النظرية طرحت كمفهوم في السقفية ثم بعد هذا امتدت واتسعت عمليا ونظريا». (راجع: اهل البيت ص 27).

ويشير الشهيد الصدر الى ما حصل في تبديل بعض الاحكام الشرعية في ضوء هذا الشعور القومي، اذ عمد احد الخلفاءالى تغيير تكليف بعض القبائل العربية ذات الانتماء غير الاسلامي بالزكاة عوضا عن دفع الجزية. (راجع: اهل البيت ص 138-139) وبغض النظر عن الموقف الديني لتحويل هذا الاطار من كونه احد المثل النسبية الى مثل اعلى، فان الشهيد الصدر يشيرالى ما يؤول اليه هذا الاصطناع، عندما يتفجر هذا المثل على يد صانعيه، بل مجرميه، تلك المرحلة التي تعد - من وجهة نظر الشهيد الصدر - اخطر مرحلة تمر بها الامة (الجماعة) عندما يهيمن عليها بعض ابنائها من المجرمين، ويشير الى(هتلر) كنموذج. (راجع: المدرسة القرآنية ص 139) وهو ليس النموذج الوحيد، والعراق ليس ببعيد في تلك الكارثة التي تتوالى فصولا.

ثانيا - ومن المسائل التي عالجها الصدر كواحدة من اهم منابع التطرف، مسالة الاستبداد والظلم والطغيان.

وقد عالج الشهيد الصدر مسالة الاستبداد على مستويين:

المستوى الاول: بما يتصل بالمستبد نفسه، ذلك الاستبداد الذي يمارسه القوي وما يخلفه من تناقض بينه وبين الضعيف،الاستبداد الذي لا يرى فيه الشهيد الصدر فرقا بين ان يكون فردا كفرعون او عصابة او طبقة او شعبا او امة، لانه يعتبر «هذه الاشكال المتعددة ذات الروح الواحدة كلها تنبع من معين واحد». (راجع: المدرسة القرآنية ص 160).

ويشير الشهيد الصدر الى الاصطلاح القرآني الذي وصف ظاهرة الاستبداد في اطارها الفكري ب - (الطاغوت)، تلك العملية التي تستهدف حصر الجماعة البشرية في اطار المحدود بعد تحويله الى مطلق. (راجع: المدرسة القرآنية ص 124) اذ يقول اللّه تعالى: (وقال فرعون يا ايها الملا ما علمت لكم من اله غير) (القصص: 38)، و(قال فرعون ما اءريكم الا ما ارى وما اهديكم الا سبيل الرشاد( (غافر: 29)، حيث «يضع - فرعون - الناس الذين يعبدونه كلهم في اطار رؤيته (و) اطارنظرته، (اذ) يحول هذه النظرة وهذا الواقع الى مطلق لا يمكن تجاوزه».

(راجع: المدرسة القرآنية ص 124) وبتحويل هذا المحدود الى مطلق يبلغ التطرف منتهاه، ويترك بصماته بصورة واضحة في الجسم البشري، فبذلك التحويل تجزئ الفرعونية - من وجهة نظر الشهيد الصدر - المجتمع وتبعثر امكاناته وطاقاته، وتهدر قدراته على الابداع والنموالطبيعي على ساحة علاقات الانسان مع الطبيعة ايضا.

(راجع: المدرسة القرآنية ص 176) فعلى المستوى السياسي ينقسم المجتمع الى سادة وكبراء لا قادة، وهم قلة، والى مطيعين ومنقادين وهم جمهور الامة،دونما مشاركة في ابداع او تطوير ]قالوا ربنا انا اطعنا سادتنا وكبراءنا فاضلونا السبيلا( (الاحزاب: 67) (راجع:

المدرسة القرآنية ص 138) هذا الانقسام الذي يمزق الامة ويفتت وحدتها، وينتهي هذا التطرف بتحويل المحدد الى المطلق الى نهاية هذا المثال نفسه،ذلك المثل الذي اءلبس ثوب المطلق والمثل الاعلى.

(راجع: المدرسة القرآنية ص 129) ويضيع معه جمهور الامة عندما تتحول الى شبح امة، وتحل الكارثة فينهار المجتمع. (راجع: المدرسة القرآنية ص 180) واما على المستوى الاجتماعي - في اطاره العام - وبما يتصل بتطور المجتمع وازدهاره، فان قيمومة نظام الاستبداد لن يؤدي الا الى تعطيل النمو والابداع الانساني على مختلف الاصعدة، وخاصة على مستوى علاقة الانسان بالطبيعة فضلاعن علاقاته الانسانية، لان «مجتمع الظلم هو الذي يؤدي الى انحسار تلك العلاقات». (راجع: المدرسة القرآنية ص 174) اذ لا يتوقع من مجتمع الظلم - على مر التاريخ - ومجتمع الفرعونية ازدهارا من هذا القبيل، لان «الفرعونية - كما يقول الشهيد الصدر - التي تبني العلاقات بين الانسان واخيه الانسان على اساس الظلم والاستغلال تجزئ المجتمع (و) تبعثرامكانيات المجتمع وطاقات المجتمع، ومن هنا تهدر ما في الانسان من قدرة على الابداع والنمو الطبيعي على ساحة علاقات الانسان مع الطبيعة». (راجع: المدرسة القرآنية ص 176) ومع غياب الامة لا نمو ولا ازدهار، «فحركة الامة كلها شرط اساسي لانجاح اي عملية بناء حضاري جديد واي معركة شاملة ضد التخلف». كما يقول الشهيد الصدر. (راجع: الاسلام يقود الحياة ص 174).

المستوى الثاني: وبما يتصل بالمستضعفين والمضطهدين فقد لاحظ الشهيد الصدر ان الظلم والاستغلال يكرس في جميع افراد المجتمع الشعور الشخصي بالمصلحة وينمي فيهم الاهتمام الذاتي بالتملك والسيطرة، غير ان هذا الاستيلاء المحموم على كل ما تمتد اليه ايديهم، وتسخير كل الامكانات من اجل اشباع هذه المطامع، وينعكس الشعور والاهتمام نفسه سلبيافي المستضعفين على صورة المقاومة الصامتة اولا، والمتحركة ثانيا، والثائرة ثالثا على المستغلين، وهي مقاومة تحمل نفس الخلفية النفسية التي يحملها المستغلون، وهذا يؤدي في الحقيقة الى ان الثورة لن تكون ثورة على الاستغلال وعلى جذوره،ولن تعيد الجماعة الى مسيرتها الرشيدة ودورها الخلافي الصالح، وانما هي ثورة على تجسيد معين للاستغلال من قبل المتضررين من ذلك التجسيد، ومن هنا كانت تغيرا لمواقع الاستغلال اكثر من كونها استئصالا للاستغلال نفسه.

(راجع:الاسلام يقود الحياة ص 141-142) وكان الشهيد الصدر يقول: ان الظلم يجر الظلم، والاستبداد يولد الاستبداد في الظالمين والمظلومين معا، لان التطرف لايخلق الا التطرف، ولا ينجب الا الارهاب.

وفي هذا الاطار يقول الشهيد الصدر: «ولم يكن من الصدفة ان يوضع العدل اصلا ثانيا من اصول الدين ويميز عن سائرصفات اللّه تعالى بذلك، وانما تاكيدا على اهم صفات اللّه تعالى في مدلوله العملي ودوره في توجيه المسيرة الانسانية،وذلك لان العدل في المسيرة وقيامها على اساس القسط هو الشرط الاساسي لنمو كل القيم الخيرة الاخرى، وبدون العدل والقسطيفقد المجتمع المناخ الضروري لتحرك القيم وبروز الامكانات الخيرة». (راجع: الاسلام يقود الحياة ص 130) ثالثا - ومن اهم منابع التطرف والارهاب، تضخم الذات وتفشي ظاهرة احتكار الحقيقة، وهي ظاهرة تحدث عنها الشهيدالصدر في سياق حديثه عن عملية تحويل النسبي الى مطلق، وهي عملية تدخل في صلب وقوام ظاهرة التطرف بما هي تجاوز للحد.

واذا كان الشهيد الصدر قد تحدث عن ظاهرة الاستبداد - مما اشرنا اليه في السياق نفسهـ بما هي تناقض اجتماعي يقوم على الاستغلال ويستند الى القوة، فانه اشار اليها في بعدها الاخر بما هي رؤية تنظر لاحتكار الحقيقة وتوحيد الناس والبشر في اطار رؤية واحدة، وهي في الغالب رؤية المستبد نفسه، اذ وصف الشهيد الصدر فرعون (كنموذج) بانه يضع الناس كلهم في اطار رؤيته. (راجع: المدرسة القرآنية ص 124) وهي رؤية لا تقتصر على المستبد في الاطار السياسي وحسب، بل انها مرض يستشري في المتدينين - ايضا - بل ربمايشيع في اوساطهم بدرجة اكبر، فيشير الشهيد الصدر الى نموذج اليهود حيث يعتقدون (بان الانسانية هي كلها في اطارهم).(راجع:

المدرسة القرآنية ص 162) دون ان يتوقف الشهيد عندهم، اذ اشار الى النماذج المتحضرة ايضا، كما هو شان الانسان الاوربي الذي يضع (الدنيا كلهافي اطار ساحته الاوربية وساحته الغربية). (راجع: المدرسة القرآنية ص 162) واذا كان قد اشار الشهيد الصدر الى فكرة احتكار الاله، ووصف اليهود «بانهم يحتكرون اللّه لانفسهم». (راجع: اهل البيت ص 40).

فان ذلك لن يتوقف عندهم، اذ ان هذه الذهنية سيالة عند اليهود وعند غيرهم ومن المسلمين، ما يجعلهم سواء.

وللاسف لم اعثر على شواهد عديدة عالج فيها الشهيد الصدر هذه المسالة، لانها - كما اشرت - لم تكن بمستوى الحضورالذي عليه اليوم، في احتكار للحقيقة لم يعهدهـ ربما - عصر ما.

وقد اعتبر الشهيد الصدر ان اهم ما يميز الاخر الذي يواجه الطاغوت ويرفض التماهي معه والانبطاح له هو ذلك الافق الذي يعيشه، انطلاقا من قوله تعالى: ]والذين اجتنبوا الطاغوت ان يعبدوها وانابوا الى اللّه لهم البشرى فبشر عباد - الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه اولئك الذين هداهم اللّه واولئك هم اولوا الالباب( (الزمر: 17 - 18).

فيعلق الشهيد الصدر على هذه الاية: «يعني (انهم) لم يجعلوا هناك قيدا على ذهنهم، (و) جعلوا الحقيقة هدفهم، ولهذايستمعون القول فيتبعون احسنه. يعني هم في حالة طموح، (و) في حالة تطلع، (و) في حالة موضوعية، في حالة تسمح لهم بان يجدوا الحقيقة وبان يبتغوا الحقيقة». (راجع:

المدرسة القرآنية ص 125- 126) رابعا - وربما لا يناقش احد في الوشائج التي تربط التطرف بالدين، بما للدين من مفهوم عام، فيكون الدين بهذا المعنى مصدرا من مصادر التطرف وعلى صلة به، اذ قد يقع التطرف بالدين نفسه، وذلك لجهة فهم الدين، وهو امر يشكل ظاهرة لاتتوقف عند طائفة، ففي الوقت الذي يدين فيه القرآن الكريم ظاهرة غلو اهل الكتاب، ]قل يا اهل الكتاب لا تغلوا في دينكم( (المائدة: 77)، فانه لا يختص هذا الغلو بهم، وظاهرة الخوارج ليست ببعيدة عن ذلك.

وقد يستغل التطرف الدين وذلك من خلال اصطناع المثل والباسها ثوب الدين، لان «كل مثل اعلى من هذه المثل العلياالمنخفضة لا ينفك عن الثوب الديني سواء اءبرز بشكل صريح اءو لم يبرز». (راجع: المدرسة القرآنية ص 127) ولذلك يرى السيد الشهيد الصدر ان هناك اديانا مصطنعة ومزيفة ولكنها تحولت الى مطلقات، وبتعبير الشهيد الصدر ان هناك الها يفرزه الانسان ويصنعه ]ان هي الا اسماء سميتموها انتم وآباؤكم( (النجم: 23). (راجع: المدرسة القرآنية ص 128) فان مثل هذه المثل بتعبير الشهيد الصدر اقزام متعملقة.

(راجع: المدرسة القرآنية ص 146) وعلى مستوى فهم الدين، فان الشهيد الصدر نبه الى بعض المخاطر التي تعترض الفقيه في استكشاف نظرية الاسلام ورؤاه. (راجع: اقتصادنا ص 382وما بعدها) واذا كان حديثه في اطار استكشاف المذهب الاقتصادي في الاسلام، فانه حديث عام ينطبق على المساحات الفكرية الاخرى، فان ما اشار اليه من منابع خطر الذاتية للاجتهاد مما اسماه بتبرير الواقع، ودمج النص ضمن اطار خاص، وتجريدالدليل الشرعي من ظروفه وشروطه، واتخاذ موقف معين بصورة مسبقة تجاه النص، فانه لا يختص بالمورد الذي اشار فيه اليها، لانها تلامس عملية الاجتهاد في مجالات فهم النص الشرعي كلها، وهي عملية معقدة وخطيرة، ولعل بعض ما ينسب الى الدين مما لا صلة به وليد هذه المنابع التي اشار اليها الشهيد الصدر.

خامسا - لا يشك اثنان في كون (الجهل) عموما احد منابع التطرف، ومنه الجهل بالدين، وهو ظاهرة عرضت المجتمع المسلم الى الاحتراب والتمزق، كما ظهر ذلك في ظاهرة بروز الخوارج، فكان فهم هذه المجموعة المنفعلة للدين ومقولاته ومفاهيمه مشكلة عميقة ومؤلمة.

وفي رواية عن الامام الصادق(ع) في ما نسب اليه من عدم قوله بالجهاد، وانه لا يراه، فقال في جواب ذلك: «... انا لا اراه؟!بلى واللّه اني لاراه، ولكني اكره ان ادع علمي الى جهلهم». (راجع:

وسائل الشيعة، الحر العاملي 15: 45 باب 12 حديث 2;ژرس ز÷19955;ژرس ز÷) ولم يتحدث الشهيد الصدر عن هذه الظاهرة كونها مصدرا من مصادر التطرف، ولكنه مس هذه الظاهرة من حيث كونهامشكلة اجتماعية، وفي بعدها الاجتماعي، بما يمثله قطاع الجهل في المجتمع، اذ يستعير الشهيد الصدر تعبير الامام على ووصفه هذا القطاع ب - (الهمج الرعاع)، ذلك القطاع الاجتماعي الذي يرى الشهيد الصدر فيه معوقا اساسيا لحركة النموالاجتماعي على مختلف الاصعدة. (راجع: المدرسة القرآنية ص 178) ويشير الشهيد الصدر - فيما سناتي عليه من حديث - الى ضرورة تصفية هذا القطاع عبر تضييق دائرته الاجتماعية.

واذا غابت معالجات الشهيد الصدر فيما يتصل بهذا الموضوع مما وصلنا من تراثه الفكري، فاننا نسمع مما وصلنا انه كان يصف بعض ردود الافعال مما يصدر عن محيطين ومريدين -احيانا - بالذهنية الخارجية، نسبة للخوارج.

سادسا - واذا كان قد تحدث الشهيد الصدر عن الاستبداد كونه احد مصادر التناقض الاجتماعي، وما يؤديه ذلك الى مانسميه اليوم بظاهرة الارهاب، فانهـ رحمه اللّهـ تحدث في السياق نفسه، وهو سياق تحويل النسبي الى مطلق، عن(الحرية) وذلك عندما تتحول الى قيمة مطلقة ومثلا اعلى، فيقول: «الانسان الاوربي جعل الحرية هدفا وهذا صحيح، ولكنه صير من هذا الهدف مثلا اعلى، بينما هذا الهدف ليس الا اطارا في الحقيقة، وهذا الاطار بحاجة الى محتوى والى مضمون،واذا جرد هذا الاطار عن محتواه سوف يؤدي الى الويل والدمار، الى الويل الذي تواجهه الحضارة الغربية اليوم التي صنعت للبشرية كل وسائل الدمار، لان الاطار بقى بلا محتوى، (و) بقى بلا مضمون». (راجع: المدرسة القرآنية ص 134-135) وعندما يشير الشهيد الصدر الى (الحرية) على نحو يجمعها مع ظاهرة الاستبداد، مع انهما ظاهرتان على تضاد تام، فانه يرى الجامع بينهما في ما تحدث عنه من تحويل النسبي الى مطلق، وهو يرجع في حقيقته الى التطرف في التفكير والتطرف في الممارسة. هذا فضلا عن اعتبار (الحرية) في احيان كثيرة مظهرا من مظاهر التطرف، وان لم تكن حاضنة لها كما هوشان الاستبداد.

تجفيف منابع التطرف ربما يعثر الباحث على عدة مؤشرات - في سياق حديث الشهيد الصدر عن المثل النسبية المتعملقة - تدخل في اطار مانسميه اليوم بتجفيف منابع التطرف، والقضاء على مصادره، وهي المرحلة الاهم في عملية مواجهة ظاهرة التطرف.

ونشير الى هذه المؤشرات باختصار:

اولا - يشير الشهيد الصدر الى دور الانبياء في محاربة ما اسماه بالمثل المصطنعة والمنخفضة والتكرارية، تلك الحرب المستمرة التي تستهدف وضع الامور في نصابها وعدم تجاوز الحدود المفترضة لها، وهو تعبير عن مواجهة كل تطرف، بمايعنيه التطرف من رؤية مبتورة تدعو صاحبها للانحراف عن المنهج الصحيح في القراءة والتقييم.

ولذلك يعتبر الشهيد الصدر ان مهمة الانبياء تتمركز في اتجاه تصفية التناقضات الاجتماعية ومصادرها. (راجع:

المدرسة القرآنية ص 149، ص 153، ص 160، ص 161) ثانيا - ومن مهمات الانبياء الكبرى - من وجهة نظر الشهيد الصدر -ارساء قواعد العدل، بما هي شرط ضروري لتحقيق الاستخلاف واعمار الكون، يقول الشهيد الصدر: «فكلما ازدهرت علاقات الانسان مع اخيه الانسان اكثر فاكثر ازدهرت علاقات الانسان مع الطبيعة، وكلما انحسرت العدالة عن الخط الاول انحسر الازدهار عن الخط الثاني، اي ان مجتمع العدل هو الذي يصنع الازدهار في علاقات الانسان مع الطبيعة، ومجتمع الظلم هو الذي يؤدي الى انحسار تلك العلاقات». (راجع:المدرسة القرآنية ص 174) وربما لا نحتاج الى ما يؤكد هذه الرؤية، فان اكبر ازمة يعيشها الانسان - وخاصة في عالمنا العربي والاسلامي - هي ازمة العدالة، وما ينتج عنها من احتقان اجتماعي وترهل في مفاصل الحياة كلها.

ولذلك اعتبر الشهيد الصدر «النبوة والرسالة الربانية لا تنفصل بحال عن الثورة الاجتماعية على الاستغلال والترف والطغيان».

(راجع: الاسلام يقود الحياة ص 144) غير ان لهذه الثورة النبوية مائزا اخلاقيا عن الثورات الاجتماعية الاخرى، لانها تتجاوز مهمة تغيير مواقع الاستغلال على حد تعبير الشهيد الصدر.. لانها ثورة تهدف الى استئصال الاستغلال نفسه. (راجع: الاسلام يقود الحياة ص 142) ولذلك تبنت الثورة النبوية مسارين للتغيير وتجفيف منابع الاستغلال والارهاب والطغيان والفساد، احدهما ما اسماه النبى(ص)الجهاد الاصغر، وهو مواجهة مواقع ومراكز الفساد من الخارج، والجهاد الاكبر - وهو الاهم - وهو الذي يستهدف تحرير الانسان نفسه من نوازع الطغيان والفساد.

(راجع: الاسلام يقود الحياة ص 34) ولذلك اعتبر الشهيد الصدر ان الاساس الذي تقوم عليه الثورة النبوية للتغيير هو استئصال المشاعر التي خلقتها ظروف الاستغلال واعتماد مشاعر اخرى اساسا للثورة، وبذلك يفترض تميز الثائرين في خط النبوة عن الثائرين الاخرين في انهم لا يحملون الخلفية النفسية التي يحملها المستغلون، ولا ينطلقون من نفس المشاعر والاحاسيس التي خلقتها ظروف الاستغلال، ولذلك تكون ثورتهم ثورة على الاستغلال، بل على جذوره. (راجع: الاسلام يقود الحياة ص 142) وفي هذا السياق تصدر مسالة الوسائل النبيلة للثورة وسلوك طرق شريفة للثورة بعيدا عن الانفعال والانفلات، وهي مسالة تمس اليوم مصداقية الاسلاميين قبل غيرهم، فتتلاشى الخطوط الفاصلة بين التيارات الثورية على اختلاف مراجعهاالفكرية، بل تتصدر - احيانا - التيارات الثورية الاسلامية اليوم القائمة السوداء في هذا المجال.

واذا كان الشهيد الصدر قد اجاب عن اشكالية تخلي معظم الائمة ( عن الاسلوب الثوري والعسكري في مجابهة مؤسسات الظلم والطغيان، وارجعها الى انهم «لم يكونوا يرون الظهور بالسيف والانتصار المسلح كافيا لاقامة دعائم الحكم الصالح ...(و) ان اقامة هذا الحكم وترسيخه لا يتوقف في نظرهم على مجرد تهيئة حملة عسكرية، بل يتوقف قبل ذلك على اعداد جيش عقائدي يؤمن بالامام وعصمته ايمانا مطلقا ويعي اهدافه الكبيرة ويدعم تخطيطه في مجال الحكم ويحرس ما يحققه من مكاسب». (راجع: اخترنا لك ص 68) فانهـ اعني الشهيد الصدر - وان كان يجيب عن هذه الاشكالية التاريخية التي مضت عليها قرون عديدة - فانهـ فيمااءقدر - يجيب عن اشكالية سياسية قائمة في اوساط بعض الاسلاميين، تلك الاوساط التي تستعجل تسلم السلطة وتتطلع اليها دونما مقدمات، بل يبلغ تطلع بعضهم اليها حد النزوة والشهوة، وتمارس في سبيل ذلك وسائل غير شريفة وبعيدة عن النزاهة، بل تتعارض كلية مع مبادئ الاسلام نفسه.

ثالثا - تحديدات الشهيد الصدر للعمل الاسلامي تعبر عن رؤية اسلامية اصيلة تبتعد عن منهج التطرف الذي ساد اوساط المسلمين لفترات طويلة ولا يزال.

اذ يظهر التطرف في مسالة التعاطي السياسي باتجاهين متعاكسين، فيجد الباحث موقف جمهور الفقهاء من اهل السنة الذي يحرم الخروج على الحاكم الجائر وفق رؤية فقهية لسنا بصدد الحديث عنها، ويجد الباحث في الوقت نفسه عند فقهاءآخرين من اهل السنة من يقول بتحريم المكاسب والتجارات، وانه لا يجوز بيع ولا شراء في ظل الحاكم الجائر، وهو راي خطير ويقود الى ازمات كبيرة. (راجع: مقالات الاسلاميين ص 467 - 468) واذا صنف الشهيد الصدر في منهجه السياسي على تيار الثوريين، فانه من موقعه الفقهي نظر للوسطية في هذا المجال، اذفي الوقت الذي كتب فيه في (الاسس الاسلامية) عن ضرورة التصدي لانحراف الحاكمين، فانه نبه على ان لا يكون هذاالتصدي موجبا للحرب الداخلية. (راجع: الاسس الاسلامية: الاساس (4) من المنشور في كتاب محمد باقر الصدر، حياة حافلة.. فكر خلاق..) وتحديد من هذا القبيل يعد ضمانا لخط العمل الاسلامي والعاملين فيه، لئلا يتحول العمل الاسلامي - كما هو حاليا - الى اشبه ما يكون بالعبث، بل بالتوحش.

ومن هذه التحديدات كشرط ضروري لحماية مسيرة العمل الاسلامي ما اسماه الشهيد الصدر بدور (الشهيد) في هذاالمجال، بما يعنيه الشهيد من مرجعية فكرية وتشريعية يمثلها النبي او الامام او من ينوب عنهما وهو (العالم)، وذلك «لتعديل المسيرة او اعادتها الى طريقها الصحيح اذا واجه انحرافا في مجال التطبيق». (راجع: الاسلام يقود الحياة ص 133) وكانه يستشرف ما نحن فيه اليوم من غياب دور العلماء في مسيرة العمل الاسلامي (بغض النظر عن العوامل التي ادت الى ذلك)، ونزو عدد من انصاف المتعلمين لقيادة هذه المسيرة لتصل بالعمل الاسلامي والاسلام الى الحضيض.

رابعا - ويندرج في اطار عملية تجفيف منابع التطرف ما يسميه الشهيد الصدر تبعا للغة القرآنية باتباع الاحسن، كما في قوله تعالى: ]فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه( (الزمر: 17 - 18)، هؤلاء الذين وصفهم الشهيد الصدر -تبعا للوصف القرآني - بحرية الفكر، وهم الذين «لم يجعلوا قيدا على ذهنهم، (و) لم يجعلوا اطارا محدودا لا يمكنهم ان يتجاوزوه، جعلوا الحقيقة مدار همهم.... (و) هدفهم». (راجع: المدرسة القرآنية ص 125) ووصف من هذا القبيل يقابله الانغلاق على رؤى معينة ومحاولة تعميمها وفرضها على الاخرين، والانطلاق منها وبها الى تقييمات ومواقف تجاه الاخر.

ولذلك ينعى الشهيد الصدر على هؤلاء الذين يرون نهاية العالم حيث تنتهي ساحتهم، ويرون ان الانسانية كلها في اطارهم،لا فرق بين اليهود كما في الوصف القرآني: ]ليس علينا في الاميين سبيل( (آل عمران: 85)، فيحددون مراكز الناس وفقالقناعاتهم، وبين الانسان الاوربي الذي يرى نهاية العالم حيث تنتهي ساحته. (راجع: المدرسة القرآنية ص 162) وهي رؤية سيالة يتساوى فيها اصحابها على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم ومشاربهم، ولا يجمعهم الا احتكار الحقيقة وتصديق انفسهم.

لقد راى الشهيد الصدر في عملية توحيد الناس في رؤية ما وفرضها على الاخرين دونما حق، افتئاتا على الحقيقة وتدميرا للانسانية وتعويقا لمسيرتها، لان رؤية من هذا القبيل لا تندرج الا في تحويل النسبي الى مطلق، ومحاولة فرضه في وقت يكف فيه ان يكون مصدرا للاشعاع، وهو يساوق التطرف ويلتقي به.

وفي الختام اءذكر من جديد اءن ظاهرة التطرف في صيغتها الحالية وما تولد عنها من ارهاب سواء على المستوى الديني اوالاجتماعي او السياسي، لم تكن بهذا المستوى من الحضور بحيث تكون هاجسا لمفكر بمستوى محمد باقر الصدر، ولذلك لم ترد في ابحاثه وكتاباته معالجات صريحة ومباشرة في هذا الموضوع.

ولكن مع ذلك، هناك ما يمس هذه الظاهرة على مستوى المصادر والمنابع او على مستوى التجليات، وقد حاول البحث ان يستجمع هذه المعالجات في مركب نظري اءعطي عنوان (التطرف من وجهة نظر الشهيد محمد باقر الصدر) وان كان البحث في مجمله بحثا استنتاجيا.

 

 

مذاهب اهل السنة والجماعة، دور احمد بن حنبل في الاصلاح

 

والتغيير الشيخ رسول جعفريان

المدخل ((401)):

يبدو ان اختلاف الاراء في المجالات العقائدية والفقهية والتاريخية قد ظهر في القرن الهجري الاول، حيث نشات الفرق المذهبية بصورة تدريجية، وكنتيجة للن - زاعات السياسية، وما رافقها من خلافات عقائدية وفقهية وتاريخية، ادت بمرورالزمن الى الانقسام المذهبي للمسلمين طبقا لمدنهم في اول الامر، ثم سرى ذلك الى داخل المدن على نحو يتناسب والصراعات المحلية الطائفية.

لقد تبلورت هذه الخلافات في القرن الثاني الى حد بعيد، لكنها وقبل بلوغها درجة الفرق المذهبية، ظلت تدور في فلك عقائد افراد معينين امثال: ابو حنيفة، غيلان الدمشقي، جهم بن صفوان، وغيرهم، من الذين يمكن اعتبارهم اءصولا للن -زاع العقائدي.

بيد ان التمايز البين والواضح بين الفرق لم يظهر الا في زمن المامون، الذي عرف بحرصه وشدته في فرض معتقداته الخاصة على الناس، وبميله الى جانب المعتزلة، وعدم اهتمامه باهل الحديث مع ما كانت لهم من من -زلة بين عموم الناس.

وهكذا نشات المذاهب المتعددة على نحو تدريجي في ظل تاثير الظروف التاريخية والثقافية والاجتماعية المختلفة، ممااتاح للمذهب الواحد وفي غضون برهة من الزمن ان يصبح عرضة للتغيير والتبديل، متاثرا بموقعه التاريخي واعدائه وحتى رؤسائه، بحيث يمكن ان يتبدل ويظهر باطوار مختلفة فيما بينها، والى حد قد يؤدي احيانا الى انقسام المذهب الواحد الى عدد من الفرق المختلفة.

ان الامر الاهم الذي يجب معرفته، هو الحصول على مسار تطور تيار مذهبي ما وقع اسيرا للافراط والتفريط عبر تاريخه الطويل، مما قد يجعله في بعض الاحيان مغايرا لصورته الاولى التي على هيئتها نشا.

فمثلا مذهب اهل السنة الذي كان اساسه الاحداث في عهد الشيخين، او ما حدث من التغييرات في زمن عثمان، وموقف الامام امير المومنين(ع) منها، واهم من ذلك كله هو الصيغة التي اكتسبها في عصر الامويين، قد اختلفت عما جاء فيما بعدتحت اسم اهل الحديث او مذهب العثمانية.

فقد تم اصلاح جزء مهم من هذا الاتجاه المذهبي - الذي لم يكن يسمح او يجيز لامير المؤمنين على بن ابي طالب(ع) ان يمنح سمة الخليفة الشرعي - بفض ما بذله احمد بن حنبل من جهود ساعدت على اتخاذ موقف انسب تجاه الامام على(ع).

وفي اواسط القرن الرابع ادخل ابو الحسن الاشعري على هذا المذهب كثيرا من التغييرات في المسائل العقائدية، ثم بعدذلك وعلى اثر نشوء التصوف ظهرت صورة جديدة للمذهب.

من البديهي ان يكون منشا كل ذلك هو التسامح في نظرية التمسك باحاديث الرسول(ص)، وسيرة السلف الصالح، وقدنرى -وبسبب العمل ببعض الاحاديث وترك البعض الاخر او التغيير في مرجعية السلف الصالح من واحد لاخر - ان صورة المسالة الواحدة قد تتغير الى حد بعيد، هذا على فرض عدم مجي افراد كابن تيمية او محمد بن عبدالوهاب بعدسبعة او اثني عشر قرنا، وطرحهم مسائل جديدة يدعون انها عقيدة السلف، وينسبونها الى السلف الصالح.

وعلى اية حال، فان العامة من الناس في القرنين الاول والثاني هم اتباع المذهب الحاكم، الذي لم يكن يمثل سوى ما روج له الامويون وبعض الصحابة والتابعين من عقائد، وربما وقع التعارض في مسائلهم في بعض الاحيان، لكن سطوة الامويين وسلطتهم على المجتمع، جعلت كثيرا من العلماء والمحدثين ينقادون لخدمتهم، ويروجون لافكارهم وعقائدهم.

ان سائر الناس في العصر الاموي هم «عثمانية»، هذا المذهب الذي كان مشربه عائشة وطلحة والزبير، وهو مذهب البصرة بشكل عام من جهة، والامويون من جهة اخرى. ويجمع كلا الفريقين عداؤهم للامام امير المومنين(ع)، فمن الطبيعي ان يكون هذا البحث متعلقا بالبحوث السياسية - العقائدية. واما البحوث العقائدية البحتة، فيمكن شمولها ايضا لاتجاهات -خاصة في المدينة والشام والبصرة والكوفة - تختلف مع بعضها البعض، وتدور في فلك عقائد اشخاص معينين كما اشرناسابقا، وقد تتدخل فيها الدولة احيانا، ولكن ثمة تدخل مهم للدولة لا يتم الا اذا اقتضت المصلحة السياسية بذلك، وكمثال على ذلك فقد اتهم بعض الخلفاء الامويين باتباع القدرية او المعتزلة، وربما ذهب بعضهم ابعد من ذلك، فقد قتل هشام((402))بعض رؤوس المذاهب من امثال غيلان الدمشقي او بيان بن سمعان.

وفي العصر العباسي نجد ان التدخل في المسائل العقائدية والفقهية قد اصبح على نطاق اوسع، وابرز تدخل في هذاالمضمار هو ما قام به المامون بصفته نصيرا للمذهب المعتزلي، ولجوئه الى القوة والاكراه، وسعيه لغرض عقائده على العلماءوالمحدثين.

ان عامة الناس في هذه الحقبة الزمنية كانت ما تزال متابعة لتيارات هي من الوجهة العقائدية امتداد للمذهب العثماني،وهم يتبعون افرادا معروفين في المدن فيما يخص المسائل الفقهية. وفي الواقع، وفيما عدا الشيعة والخوارج الذين وضعوالانفسهم حدودا فيما بينهم وبين الاخرين، فان عموم الناس ليس لديهم ن -زعات مذهبية واضحة.

وشيئا فشيئا ظهر بحث المرجئة، والذي لم يتجاوز البحث عن تعريف الايمان، وكذلك المعتزلة في اواخر العصر الاموي وشطرا من العصر العباسي، حيث وضعوا - الى حد ما - تعريفا لفكرهم المذهبي، اما عامة الناس او ما يسمى بالمسلمين على نحو عام فكانوا يسمون «عثمانية» تبعا لعقائدهم المذهبية والسياسية، ولا توجد لديهم حدود عقائدية وفقهية واضحة،واما لفظة «عثماني» فمن وجهة النظر التاريخية قد وضعت في مقابل لفظة «شيعي»، ويرجع تاريخها الى واقعة صفين.

وفي اوائل القرن الثالث، كان مذهب العامة من الناس هو ما كان يسمى بالعثمانية، واهم شاهد عليه هو كتاب العثمانية للجاحظ، والذي دافع فيه عن عقائد العامة ضد مخالفيهم وبخاصة الشيعة. وفي هذا الكتاب لم يرد ذكر وافر لعثمان، بل اكثرما فيه كان دفاعا عن الاراء التاريخية والسياسية للعثمانية، والتي بدورها شكلت جزءا مهما من اعتقادات السنة فيما بعد.والجاحظ بالطبع لم يكن يؤمن او يعتقد بكل ما يكتب او يحرر من كتب ورسائل، فقد كان شخصا مذبذبا من الناحية العقائدية، وما كان يبغيه من كتاباته غالبا هو اثباته حقيقة وجود هذه التيارات العقائدية فحسب، واما مذهبه فقد كان معروفا كمعتزلي عثماني المذهب.

وقد جاءت اكثر البحوث في مقالة «العثمانية» في الغالب في ذكر مناقب ابي بكر، واثبات افضليته على سائر الصحابة،ورده على بعض الانتقادات الموجهة اليه. فالجاحظ في هذا الكتاب قد توسع في الكلام حول مسالة تفضيل ابي بكر على الامام على(ع)، واعتبره اشجع وازهد من الامام على(ع)، وهناك فصول مهمة من الكتاب في الرد على انتقادات الشيعة لابي بكر، وفصول اخر في الرد على ادلة الشيعة في تفضيل الامام على(ع) او اثبات امامته.

ونجد في هذه الرسالة انه نادرا ما يرد اسم عثمان، وحتى خلافة عمر لم تذكر الا بنحو يسير، وانما جاءت الرسالة اساسالتحدد رؤية المذهب العثماني من ابي بكر وخلافته ووضعها في مقابل راي الشيعة.

بالطبع لم يكن راي الجاحظ في الامام على(ع) مطابقا لراي العثمانية، فهو قد كتب رسالته هذه في نفس الفترة التي قامت العثمانية - تحت لواء احمد بن حنبل - باصلاح عقائدها السالفة في الامام على(ع).

والجاحظ، في الواقع، قد وضع حدا بين العثمانية والسفيانية، فنجده قد رفض - في رسالة اخرى له بعنوان «رسالة الحكمين وتصويب على بن ابي طالب في فعله» - آراء السفيانية في معاوية، ويظهر من اواخر هذه الرسالة ان الجاحظ كان مستاء من معاوية، وفي رسالة «فضل هاشم على عبد شمس» نراه ايضا يرفض تفضيل الامويين على الهاشميين((403)).

وربما تكون الفرقة السفيانية هي بنفسها النابتة، والتي تضم لونا من العثمانيين المتعصبين، وتشير اليها الشيعة باسم الناصبة او المذهب الناصبي.

والجاحظ في رسالة «النابتة»، وبعد ذكره للاحداث الواقعة من حين وفاة النبى(ص) وحتى زمن يزيد، وتاكيده على استحقاق يزيد للعن، قام ببيان عقائد النابتة في زمانه، فهو يقول: ان هؤلاء يقولون: ان سب ولاة الامر فتنة، وان لعن الظالم بدعة حتى لو كانوا ارتكبوا ظلما، كما يعتبر الجاحظ كفر النابتة اشنع من كفر يزيد، ويصرح بان النابتة هم من المجسمة الذين يشبهون اللّه بالبشر، وهذه عقيدة اهل الحديث في القرن الثاني والثالث الهجري.

ونراه ايضا - باعتباره معتزلي الن -زعة - يشن هجوما قاسيا على عقيدة النابتة في الجبر والتشبيه، ومسالة قدم القرآن،ويصرح بانهم من اتباع احمد بن حنبل، ويرى ان هذا لم ياخذ عقيدة قدم القرآن من السلف، وانما هي من بنات افكاره الخاصة((404)) .

ان هذه الرسالة تبرز مدى ما يمتلكه اهل الحديث من اعتقادات خلال هذه الفترة من الوجهة التاريخية والعقائدية.

تدوين الردود وتاليف العقائديات في مطلع القرن الثالث، سعى زعماء المذاهب في بغداد - والذين كانوا في الغالب من اهل الحديث - الى وضع وتدوين الرسائل في حقل العقائد لتحديد الفروق فيما بينها، ولتمييز الصحيحة منها من الفاسدة.

وقد ادى تدوين هذا اللون من الرسائل الى نوع من التجلي الذاتي للفرق، واذا اخذنا بنظر الاعتبار مسائل التكفيروالتفسيق -والتي كانت على نطاق واسع - حينئذ يمكن لاتباع اى فرقة ان يشكلوا مجتمعا مستقلا له عقائده وآدابه وتعاليمه الخاصة، وهذه المسالة قد ادت في كثير من المدن الى تقسيم محلات المدينة الواحدة على الفرق المختلفة، وقدكان لهذا الامر نظير في الماضي ايضا.

ومن الضروري ان نعطي هنا توضيحا اكثر عن اهل الحديث، وهو التيار المذهبي السائد في بغداد.

لقد كانت المرجعية لمحلية في القرن الثاني تشكل في الاساس اتجاهين مختلفين: الاول، اصحاب الحديث واكثرهم من اهل المدينة، الثاني، اصحاب الراي، وهم العراقيون في الاصل ثم صار لهم اتباع في بعض مدن ايران ايضا.

والظاهر ان الاصطلاح الشائع فيما يقابل «اهل الحديث»، هو عبارة: «اهل الكلام» ((405)) او «اهل الراي»، ويمكن القول بان جميع المذاهب المخالفة لاهل الحديث تقريبا قد نشات في العراق وايران، ومع ذلك فان نفوذ اهل الحديث قد اتسع يومابعد آخر في العراق وايران ايضا، واستطاع شيئا فشيئا ان يصبح الممثل الرسمي لاهل السنة او التسنن في موازاة الفرق الاخر، هذا مع اننا قد نجد اعدادا هائلة من الناس الذين لم ينتسبوا الى المعتزلة او المرجئة او اصحاب الراي، الا انهم لم يتقبلوا عقائد اهل الحديث، وهؤلاء لم تكن لهم فرقة خاصة ايضا، بل كانوا جماعة متميزة من السنة.

والجدير قوله ان كلمة «سني» قد بدا استعمالها في هذه الفترة، يعني منتصف القرن الثاني، ثم شاع استعمالها فيما بعد في القرنين الثالث والرابع، وقبل ذلك كان اطلاق لفظة «عثماني» على الاشخاص الذين يعتقدون بخلافة الخلفاء الثلاثة هوالشائع آنذاك.

يمكن القول ان اهل الحديث قد ظهروا في البداية كفرقة واحدة لها اعتقاداتها الخاصة، ثم اصبحوا في القرن الثاني مجموعة من الفرق التي تختلف فيما بينها اختلافا يسيرا، حيث اطلق عليهم فيما بعد مذهب السنة.

ان الافراد الذين احدثوا هذا التيار هم مجموعة من المحدثين، الذين عاشوا على الاغلب في بغداد في منتصف القرنين الهجريين الثاني والثالث، واهم هذه الشخصيات عبارة عن: عبداللّه بن مبارك (ت / 181هـ)، نعيم بن حماد المروزي (ت /228هـ)، اسحاق بن راهويه (ت / 238هـ)، عثمان بن سعيد الدارمي (ت / 280هـ)، واهمهم كان احمد بن حنبل (164- 241هـ).

ان اكثر آثار هؤلاء كانت في الرد على مخالفيهم، وفي الواقع كان الصراع مع المخالفين قد عزز من شعورهم باستقلال فرقهم. واهم الاثار التي خلفها هؤلاء كانت في الرد على القدرية، الجهمية، المرجئة، والزنادقة. وكمثال على ذلك فقد كتب احمد ابن حنبل، والدارمي، وعبداللّه بن محمد الجعفي (ت /229هـ) رسائل في الرد على الجهمية، ومقصودهم من الجهمية هم المعتزلة والقدرية، او بتعبير آخر الاشخاص الذين ينكرون روايات التشبيه، فهم يسعون الى اثبات التن -زيه في حقه تعالى، وربما ابتلوا ايضا بالتعصب شيئا ما.

لقد بدا تدوين الرسائل العقائدية في وقت كان فيه العمل على كتابة الردود متواصلا. فهم ومن اجل تبيين حدود العقائدالصحيحة قاموا بتاليف رسائلهم العقائدية، وغالبا ما تكون عناوين هذه الرسائل مشتملة على لفظة «السنة» والتي اشتق منها«اهل السنة» بنحو تدريجي.

ان مصطلح «السنة» هو ما يوازي تماما «البدعة»، وفي رايهم جميع الفرق الاخر هم اهل بدعة. ونشير هنا الى عدد من الذين دونوا هذه الاثار، وهم: عبداللّه بن حنبل (ت / 290هـ)، ابو بكر احمد بن عمرو الشيباني (ت / 277هـ)، ابو علي حنبل بن اسحاق (ت / 273هـ)، ابو بكر احمد بن محمد الاشرم (ت / 273هـ)، ابو بكر بن ابي شيبة (ت / 225هـ)، ابن ابي عاصم (ت / 287هـ)، وابو منصور الاصفهاني ((406))، كذلك نسب ابن النديم كتبا لمحمد بن عمير الواقدي ايضا، منها:السنة والجماعة وذم الهوى وترك الخروج((407)) .

واليك مواصفات بعض هذه الاثار:

1 - عبداللّه بن احمد بن حنبل (ت / 290هـ)، وكتابه: السنة، مجلدان، تحقيق: محمد بن سعيد بن سالم القحطاني،الدمام، 1994.

2 - البربهاري، ابو محمد حسن بن علي بن خلف (ت / 329هـ)، وكتابه: شرح السنة، تحقيق: ابو ياسر خالد بن قاسم،المدينة المنورة، مكتبة الغرباء الاثرية، 1993.

3 - الخلال، ابو بكر احمد بن محمد بن هارون (ت / 311هـ)، وكتابه: السنة، خمسة مجلدات، تحقيق: عطية الزهراني،الرياض، دار الراية، 1994.

4 - ابن ابي عاصم، ابو بكر عمرو بن ابي عاصم الضحاك الشيباني (ت / 287هـ)، وكتابه: السنة، مجلدان، تحقيق: محمدناصر الدين الالباني، بيروت، المكتب الاسلامي، 1993.

5 - اللالكائي، ابو القاسم هبة اللّه بن الحسن بن منصور الطبري (ت / 418هـ)، وكتابه: شرح اصول اعتقاد اهل السنة والجماعة، تسعة مجلدات، تحقيق: احمد بن سعد بن حمدان الغامدي، الرياض، دار طيبة، 1994.

6 - ابن بطة، ابو عبداللّه عبيداللّه بن محمد بن بطة العكبري (ت / 387هـ)، وكتابه: الابانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، مجلدان، تحقيق رضا نعسان معطي، الرياض، دار الراية، 1994.

7 - الطبري، محمد بن جرير (ت / 310هـ)، وكتابه: صريح السنة، تحقيق بدر ابن يوسف المعتوق، الكويت، دار الخلفاءللكتاب الاسلامي. وقد ذكر الذهبي نماذج عديدة من الاقوال والاراء المذهبية في الحقول المختلف عليها في كتابه «سيراعلام النبلاء» اثناء شرحه لاحوال علماء الحنابلة واهل الحديث في بغداد والمدن الاخر.

وقد جمع جمال الدين بن احمد بن بشربادي اخيرا جل هذه الاقوال والتعابير في كتاب: الاثار الواردة عن ائمة السنة في ابواب الاعتقاد (مجلدان، الرياض، دار الوطن، 1416هـ).

نواحي اختلاف الاراء اشرنا بان الاختلاف في الاراء كان بارزا في ثلاث نواح:

 

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية