اول المنهاج

الحوار بين الحضارات

رئيس التحرير

ليس من الشك في أن «الحوار بين الحضارات» ضرورة في كل عصر، وبخاصة في هلاا العصر الذي يفضي فيه الصراع المسلح الي تدمير العالم بشرا وطبيعة. غير أنه، ولكي يكون الحوار مجديا، ينبغي ان يكون صادقا، وان يقوم بين انداد، وألا يكون من جنس الدعوات المغشوشة المخادعة التي تسعى، تحت ستار «الحوار» الى الغاء الآخر/الاسلام، كما يحدث في أفريفيا وبعض بلدان أوروبا، وفي فلسطين المحتلة، وكما يحدث في سعى أميركا الى الغاء الهوية الاسلامية واقتلاع «الحصانة الروحية من الحضارة العربية الاسلامية».

اننا نأمل أن يكون هذا الحوار، كما جاء في كلمة السيد محمد خاتمي، رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة «خطوة أولى لتحقيق العدالة والحرية والسلام».

نرى من هذا المنظور الى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي اتخذ، في جلستها المنعقدة، بتاريخ 3/11/1998م، بناء على اقتراح السيد الخاتمي، والقاضي بجعل سنة 2001م. سنة دولية ل«الحوار بين الحضارات». وتأسيسا علي رؤيتنا هذه، وانسجاما مع هذا القرار، واسهاما منا في تحقيق ذلك الأمل، قررنا أن نخصص محور هذا العدد الذي نفتتح به سنة «المنهاج» السادسة، ومحور العدد القادم لهذا الحوار، اضافة الي دراسات أخرى منها: «التعددية الدينية» و«الاسلام في أميركا» و«ايران الاسلام والغرب: حوار أم صراع..».

واننا، الا نسعى الي الاسهام في تحقيق هذا الحوار، المفترض ان يفضي الى «تحقيق العدالة والحرية»، ننطلق مما تمليه علينا الآية الكريمة القائلة: «يا أيها الناس، انا خلقناكم من ذكر وأنثى: وجعلناكم شعوبا وقبائل، لتعارفوا..» [الحجرات/13]. وثانيها معرفة الآخر الذي نختلف معه، وثالثها معرفة أسس الحوار السليم. وفي سبيل تحصيل هذه المعرفة نقدم، وبايجاز يقتضيه المقام، بعض الافكار الأولية.

ليس من شك في أن الحضارة الغربية حققت، في هذه المرحلة من مراحل التاريخ الانساني، انجازات علمية كبيرة، في الوقت الذي مارست فيه، ولا تزال تمارس، همجية مريعة علي مختلف الصعد.

ولا يخفى أن سادة هذه الحضارة يسعون، في هذه الآونة من التاريخ التي عرفت ظواهر تاريخية منها: سقوط الاتحاد السوفييتي والثورة في مجال المعلومات وظهور حركة الصحوة الاسلامية، الي «عَولَمة» سيطرة الكتلة الغربية بزعامة أميركا، وفرض نظام الديمقراطية الليبرالية بوصفه النظام الذي انتهى عنده التاريخ، كما يقول فرانسيس فوكوياما المروج فكريا للمشروع الأميركي: «ان نظام الديمقراطية الليبرالية هو اعلي مستوى بلغته منجزات العقل البشري في ادارة المجتمع، ولا يأتي ما هو أفضل منه...».

ويجب هؤلاء «السادة»، وهم يسعون الى فرض منظومتهم على العالم، في حركة الصحوة الاسلامية، عدوا لهم، ولهذا يرون أن أهم قضية في المستقبل هي صراع الحضارة الغربية، مع الحضارة الاسلامية، كما يصرح «هانتينغتون» في نظرية المعروفة: «صدام الحضارات».

غير أن الكتلة الغربية في سعيها الى فرض نظام الديمقراطية الليبرالية، تمارس ما يناقض هذا النظام في البلاد الواقعة خارج كتلها، فتدعم، على سبيل المثال، الأنظمة الاستبدادية الموالية لها، في هذه البلاد، وتحول دون تنميتها وتطورها، وتعمل علي تعطيل آلية النظام الذي تسعى الى تعميمه (الديمقراطية الليبرالية) ان أفضى الي وصول الحركات السياسية الوطنية، وبخاصة الاسلامية منها الي الحكم. وبهذا يتكشف هدفها الاساس، وهو «تبعية» هذه البلاد لها، بوصفها «المركز» المفروض أن تقدم له تلك البلاد المواد الأولية، بما في ذلك العقول البشرية، والسوق، فتغدو «العولمة»، على هذا الأساس، «عولمة تبعية» جزء من العالم لجزء آخر.

وان يكون الصراع، بأىواته المتوافرة، يؤدي الى دمار العالم طبيعية وبشرا، فان الحوار هو السبيل المفضي الى الاسلام الذي يحقق العدالة والحرية.

وفي سبيل هذا الحوار، نرى أن الوحدة بين البشر لا تعني الغاء الاختلاف من طريق التخلي عن الذات والتبعية للآخر، وانما تعني، من نحو أول، الافادة من انجازات الآخر العلمية لغايات عملية، ومن نحو ثان، اختيار أسس للتفاهم بين ذوات مختلفة.

وهذه الأسس متوافرة لدينا؛ اذ اننا نجد، في القرآن الكريم، آيات تقررها بوضوح، ونذكر منها، وبايجاز يقتضيه المقام، ما يأني:

ان الله، سبحانه وتعالى، خلق الناس من نفس واحدة، والقرآن الكريم يؤكد هذا في غير آية من آياته الكريمة، ومنها: «وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة» [الأنعام/98]، «هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها» [الأعراف/189]، وراجع أيضا: [الزمر/6]، «يا أيها الناس، اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها» [النساء/1].

وان الله، سبحانه وتعالى، كرم الناس الذين خلقهم من نفس واحدة فقال، في كتابه العزيز: «ولقد كرمنا بني آدم» [الاسراء/70] وقد اختلف هؤلاء الناس الذين كانوا أمة واحدة: «وما كان الناس الا أمة واحدة فاختلفوا» [يونس/19]، وأمر الله، عز وجل، هؤلاء المختلفين بأن يتقوه «يا أيها الناس اتقوا ربكم...»، ووعد المؤمنين المتقين منهم بأن يستخلفهم في الأرض «وعد الله الذين آمنوا منكم، وعملوا الصالحات، ليتخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم» [النور/55] وأنزل ما يبين هذا الاختلاف، فقال سبحانه وتعالى: «وما أنزلنا عليك الكتاب الا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه» [النحل/64].

وهكذا نرى أن المسلمين يمتلكون رؤية واضحة شاملة للحوار وأهدافه تكوّنها أسُسٌ، منها الأسس الآتية: وحدة خلق الناس، تكريم بني آدم، حق الاختلاف، تقوى الله في ادارة هذا الاختلاف والدفع بالتي هي أحسن، انزال ما يبين المختلف فيه، استخلاف المتقين في الأرض.

ولما كان الأمر هكذا، علي مستوي الناس جميعهم، فالأولى أن تكون هذه الأسس قائمة بين المسلمين أنفسهم.

وسعيا، في هذا السبيل، عملت «المنهاج»، منذ تأسيسها على قيام مثل هذا الحوار. وهي في هذا العدد، تواصل هذا السعي، فيقرأ د. محمد طي كتاب «الامام علي في رؤية النهج ورواية التاريخ»، ويناقش المؤرخ السيد حسن الأمين «دور ابن العلقمي في سقوط بغداد». ولا تزال هذه المسألة مثار خلاف في هذه الأيام، فقد جاء، في مجلة «العصور الجديدة (السنة الثانية، العدد السادس عشر، ديسمبر 2000م، ص25)»، في مقالة تحت عنوان: «الطائفيّة في الوطن العربي» لهادي العلوي وعلاء اللامي ما يأتي: «لقد مهد اضطهاد الشيعة الاثني عشرية لخيانة ابن العلقمي في النهاية...» وينبغي اعتباره مسؤولا عن سقوط بغداد في أيدي المغول... ونحن نرى، في هذا الوزير، بدايات ظهور العمالة للأجنبي في تاريخ الاسلام».

واننا، اذ نعجب لمجلة تصدر في العصر الحديث، وتحمل اسم «العصور الجديدة»، أن تسمح بنشر مقالة تتضمن أحكاما/ افتراءات قاطعة في مسائل خلافية خطيرة بهذه الصيغة التقريرية الجازمة، التي تتجاهل الخلاف الداةر في هذا الشأن، ومن دون الاستناد الي مصادر تاريخية، نقول، في صدد الحكم الأول المتعلق بالاضطهاد المفضي الي الخيانة: نرى أن تاريخ الشيعة، وعلى الرغم من أنه كان مشبعا باضطهادهم، لم يعرف الا الولاء للأمة والدفاع عنها ومقاومة أعدائها، ونحيل كاتبَيْ المقالة الى ما ذكراه من أن الامام زين العابدين(ع) كان يدعو للمرابطين في الثغور (دعاء الثغور) على الرغم من أن قادة هؤلاء المرابطين كانوا من بني أمية قاتلي أبيه الامام الحسين(ع) وأهل بيته(ع) وصحبه (رض) في كربلاء... أما الحكم الثاني المتعلق بدور ابن العلقمي، ففي اطلالة المؤرخ الأمين على التاريخ، في هذا العدد، ما يبين خطاء.

ان الهدف من الحوار بين الحضارات، أو بين المختلفين في اطار الحضارة الواحدة، هو «التعارف»: (قبول الآخر ومعرفته معرفة صحيحة) المفضي، ان استجاب المحاور الى أمر الله له بالتقوى «يا أيها الناس اتقوا الله...»، الي تكريمه، كما جاء في قوله تعالى: «يا أيها الناس، انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، ان أكرمكم عند الله أتقاكم» [الحجرات/13].

في سبيل تحقيق هذا الهدف نسعى، والله سبحانه وتعالى، الموفق في كل حال.

دراسات

بحث في تحديد موضوع حد المحارب
(1)

آية اللّه السيد محمود الهاشمي

المقصود بالبحث تشخيص حدود ما هو موضوع الحد الثابت شرعا للمحارب بنص الكتاب‏الكريم في آية المحاربة، وفي قوله تعالى: (انما جزاء الذين يحاربون اللّه ورسوله ويسعون‏في الارض فسادا ان يقتلوا اءو يصلبوا اءو تقطع اءيديهم واءرجلهم من خلاف اءو ينفوا من‏الارض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الاخرة عذاب عظيم # الا الذين تابوا من قبل اءن‏تقدروا عليهم فاعلموا ان اللّه غفور رحيم) [المائدة/33 و34] وبالروايات‏المتواترة((1))حيث وقع الكلام كثيرا في تنقيح ما هو موضوع هذا الحد، وانه خصوص‏من شهر السلاح للاخافة، او مطلق المحارب للّه والرسول ولو بنحو البغي مثلا، او انه مطلق‏المفسد في الارض ولو لم يكن بنحو المحاربة اصلا.

والاصل، في هذا البحث، ما هو المستظهر من الاية المباركة والروايات الخاصة المتعرضة‏لهذا الحد، فان الوارد فيها عنوان المحاربة للّه والرسول والافساد في الارض.

فهل الموضوع عنوان المحارب، او عنوان المفسد في الارض، او مجموعهما، او كل منهمامستقلا بناء على انهما قد يفترقان؟ ولاجل تنقيح البحث نورد الكلام في ثلاث جهات:

الجهة الاولى: في ما يستفاد من الاية المباركة في نفسها والوارد فيها قيدان: «محاربة اللّه والرسول‏» و «الافساد في الارض‏»، فلا بد من الحديث عن كل‏منهما.

القيد الاول: محاربة اللّه والرسول اما قيد المحاربة فهو من الحرب، وهو نقيض‏السلم((2)) واصله السلب، ومنه حرب الرجل ماله اي سلبه، فهو محروب‏وحريب((3)) واطلاقه على المجرد للسلاح من اجل القتال او الاخافة باعتبار انه يريدان يسلب النفس او المال او السلطان والملك من الطرف الاخر.

وايا ما كان، فاضافته الى اللّه والرسول في الاية المباركة قرينة على عدم ارادة معناه الحقيقي‏في حقهما، لانه في حق اللّه سبحانه وتعالى ممتنع، وفي حق الرسول (ص) وان كان ممكنا،الا انه غير مراد قطعا، اذ ليس المقصود من الاية خصوص من يحارب شخص رسول‏اللّه (ص) والا لاختلطت بزمان حياته، مع ان من كان يقاتلهم الرسول (ص) في حروبه انماهم الكفار في زمانه، وهم خارجون من الاية جزما، على ما سياتي.

بل سياق اضافة المحاربة الى اللّه والرسول معا نفسه قرينة على ارادة معنى اوسع من المقاتلة‏بالمباشرة والشخصية.

وهذا المعنى مردد بين امرين:

1 ارادة مطلق العصيان ومخالفة حكم اللّه والرسول، كما ذكره في لسان العرب في ذيل‏الاية((4)) وهو ظاهر العلامة الطباطبائي (ره) في تفسيره((5)) فيكون كالمجازفي الكلمة، ومن استعمال المحاربة في مطلق العصيان والمخالفة.

2 ان يراد به محاربة المسلمين، فاضيف الامر، من حيث غايته، الى اللّه والرسول، تعظيماللفعل واشعارا باهمية الامة الاسلامية وان محاربتها بمثابة محاربة اللّه والرسول، لان الامة‏منتسبة اليهما وتحت ولايتهما، فيكون كالمجاز في الاسناد. وهذا هو ظاهر الفاضل المقدادفي تفسيره((6)) .

والظاهر ان المتعين من الاحتمالين هو الثاني منهما، لانه مقتضى اخذ عنوان الحرب في‏الكلام، فلا وجه لالغاء معناه كليا.

ولان عناية المجاز في الاسناد اخف وابلغ في المقام، لان‏كون الامة الاسلامية من صنع اللّه والرسول ومنتسبة اليهما بحيث تكون محاربتها محاربة‏لوليها نكتة عرفية بليغة وواضحة بخلاف استعمال مادة المحاربة في مجرد المعصية ومخالفة‏الامر والنهي.

وعندئذ لا بد من ملاحظة ان اية محاربة للمسلمين هي المنظورة في هذا المعنى العنائي؟ اذالمسلمون قد يحاربون من قبل الكفار، وقد يحارب بعضهم بعضا بغيا وخروجا على الحكم،وقد يحارب بعضهم بعضا لسلب الامن والاخافة واخذ المال او النفس، فهذا كله من‏المحاربة التي يمكن ان تضاف بالعناية الى اللّه والرسول فيكون مصداقا للاية الكريمة.

الا انه لا ينبغي الشك في خروج محاربة الكفار لكفرهم عنها، لاكثر من قرينة اوضحهاالاستثناء الوارد في الاية التالية: (الا الذين تابوا من قبل اءن تقدروا عليهم)[المائدة/34].

فان ظاهرها ان التوبة انما هي من المحاربة من دون الشرك، فيكون قرينة على انهم‏مسلمون تجري عليهم سائر احكام المسلمين بمجرد التوبة عن المحاربة قبل الظفر بهم كمافي الحدود الالهية الاخرى والا فلو كانوا كفارا والمحاربة لكفرهم لاحتاج شمول الغفران‏لهم ان يدخلوا في حصن الاسلام ولا يكفي مجرد رفع يدهم عن المقاتلة، بل التعبير بالتوبة‏نفسه شاهد على النظر الى المسلمين لا الكفار، فان التوبة تكون من المسلم، لا من الكافرفانه يؤمن ويدخل في الاسلام، ولا يعبر عنه بالتوبة. وعلى كل حال، فلا شك في عدم‏شمول الاية محاربة الكافر للمسلمين لكفره، نعم لو حاربهم لاجل الاخافة والسلب والنهب‏كان مشمولا بالاية باعتباره مصداقا للمحاربة بالنحو الثالث، وانما المقصود ان المحاربة‏الواقعة بين الكفار والمسلمين من اجل الاسلام والكفر، او من اجل اسقاط الحكم الاسلامي‏لا تكون مشمولة بالاية جزما، فيدور الامر بين النوعين: الثاني والثالث، اي المحاربة مع‏المسلمين بنحو البغي والتي هي محاربة مع امام المسلمين وحاكمهم، والمحاربة بنحو اخافة‏السبيل والعدوان على الاموال والنفوس ونحوهما.

وقد يقال: ان ظاهر الاية ان موضوع الاحكام المذكورة فيها خصوص المسلمين الذين‏يقومون بالسلاح في وجه الدولة، ولا يعم من شهر السلاح لاخافة الناس او اخذ اموالهم ولامن عصى اللّه تعالى بمعاص كبيرة، لان من قام بوجه الدولة التي اسسها الرسول (ص) يكون‏محاربا للرسول حقيقة باعتباره هو المؤسس والصانع لها. اما المحارب لطائفة من المسلمين‏لطلب مالهم فلا يكون محاربا للرسول حقيقة. نعم ان قام دليل خاص على ارادة ذلك فلاباس به، فانه من المصاديق الادعائية للموضوع المذكور في الاية، ومصحح الادعاء فيه‏موجود، فان من قام بالسلاح بصدد رفع الامن الذي تقيمه الدولة الاسلامية كانه حارب‏الدولة ايضا، الا ان شمول العموم للمصاديق الادعائية خلاف الظاهر لا يمكن القول به الابدليل وقرينة، ولا قرينة على ذلك في الاية، فلو بقينا والاية نفسها، فهي لا تشمل مواردشهر السلاح لاخافة السبيل((7)) .

ونلاحظ على هذا الكلام:

اولا: ما اشرنا اليه من ان الاضافة الحقيقية للمحاربة الى اللّه والرسول غير صادقة حتى في‏مورد البغي والخروج على الحكم الاسلامي، ومجرد ان مؤسس الدولة الاسلامية الاول، في‏عهدها الاول، كان رسول اللّه (ص) لا يكفي لصدق المحاربة والمقاتلة للرسول لمن يخرج‏عليها اليوم حقيقة، فلا بد من فرض العناية في الاسناد او الكلمة على كل تقدير، وتلك‏العناية كما تصح في حق الخروج والمحاربة للدولة الاسلامية، كذلك تصح في حق محاربة‏المسلمين لسلب امنهم واخافتهم، فان الامة الاسلامية ايضا من صنع الرسول وتحت ولايته،وهذا واضح.

وثانيا: قد ثبت، في شان نزول الاية المباركة، بروايات الفريقين وكتب التفسير والتاريخ، انهانزلت في قصة «العرنيين‏» ، او قوم من بني ضبة قدموا على رسول اللّه (ص) مرضى، فقال لهم‏رسول اللّه (ص): اقيموا عندي فاذا برئتم بعثتكم في سرية، فقالوا: اخرجنا من المدينة، فبعث‏بهم الى ابل الصدقة يشربون من ابوالها وياكلون من البانها، فلما برئوا واشتدوا قتلوا ثلاثة‏ممن كانوا في الابل، فبلغ رسول اللّه (ص) الخبر فبعث اليهم عليا (ع) وهم في واد قد تحيرواليس يقدرون ان يخرجوا منه قريبا من ارض اليمن فاسرهم، وجاء بهم الى رسول اللّه (ص)فنزلت هذه الاية عليه (انما جزاء الذين يحاربون اللّه ورسوله...) ... الخ‏»((8)) .

وما في روايات الفريقين وذكره ارباب التاريخ بشان هذه القصة، وان كان مختلفا فيه بلحاظ‏بعض التفاصيل والخصوصيات من قبيل كونهم من بني سليم، او عرينة: ناس من بجيلة، او ان‏النبي كان قد صلب وقطع وسمل الاعين منهم لانهم كانوا قد فعلوا ذلك بالراعي لابل‏الصدقة وقد ورد في بعض رواياتهم ورواياتنا تكذيبه وان النبي لم يسمل عينا قط ولم يزدعلى قطع اليد والرجل((9)) الا ان اصل القصة وورود الاية بشانها لعله من المسلمات،كما ان كون محاربتهم من نوع السلب ونهب المال وقتل راعي الصدقة لا من نوع البغي‏والخروج على الحكم الاسلامي من الواضحات، وعليه فلا ينبغي الاشكال في نظر الاية‏المباركة الى المحاربة بالنحو الثالث، لكونه المتيقن من موردها.

وثالثا: انه خلاف ظاهر ما سياتي من الروايات الخاصة، لانها تشرح وتفصل ما هو موضوع‏الاية المباركة، ولا تذكر في ما تفصله الا اقسام المحارب من النوع الثالث، اي الذي شهرالسلاح للاخافة مع السكوت عن البغاة، فكيف يمكن ان تحمل على بيان الفرد الادعائي مع‏عدم التعرض للفرد الحقيقي من موضوع الاية اصلا؟! وهل مثل هذا بيان عرفي؟ وهكذا يتضح ان نظر الاية المباركة الى المحاربة بنحو الاخافة وسلب الامن من الناس ممالا ينبغي التشكيك فيه، كما فهمه الفقهاء والمفسرون جميعهم.

دعوى شمول الاية للباغي نعم، قد يدعى اطلاق الاية وشمولها للباغي ايضا رغم ان المتيقن منها او موردها المحاربة‏بنحو الاخافة وسلب الامن، بتقريب: ان عنوان المحاربة المضافة الى اللّه والرسول، ولوبالعناية، تصدق في النوعين، فلا وجه لتخصيصها باحدهما وان كان موردا لها، فان المورد لايكون مخصصا، فيتمسك باطلاق الاية لمن يحارب الدولة الاسلامية ويخرج عليها المعبرعنه في الفقه بالبغي لاثبات الحد نفسه عليه ايضا.

وقد يستشهد له بما ورد في معتبرة طلحة بن زيد عن ابي عبداللّه (ع) قال: سمعته يقول:«كان ابي يقول: ان للحرب حكمين، اذا كانت قائمة لم تضع اوزارها ولم يثخن (تضجر)اهلها فكل اسير اءخذ في تلك الحال فان الامام فيه بالخيار ان شاء ضرب عنقه وان شاء قطع‏يده ورجله من خلاف بغير حسم وتركه يتشحط في دمه حتى يموت، فهو (وهو) قول اللّه عزوجل: (انما جزاء الذين يحاربون اللّه ورسوله ويسعون في الارض فسادا اءن يقتلوا اءو يصلبوااءو تقطع اءيديهم واءرجلهم من خلاف) اءلا ترى اءن المخير الذي خير اللّه الامام على شي‏ءواحد وهو الكفر (الكل)، وليس هو على اشياء مختلفة، فقلت لابي عبداللّه (ع): قول اللّه عزوجل: (اءو ينفوا من الارض) قال: ذلك الطلب (للطلب) اءن تطلبه الخيل حتى يهرب فان‏اخذته الخيل حكم عليه ببعض الاحكام التي وصفت لك.

والحكم الاخر: اذا وضعت الحرب‏اوزارها واثخن اهلها، فكل اسير اخذ على تلك الحال فكان في ايديهم، فالامام فيه بالخياران شاء من عليهم، وان شاء فاداهم انفسهم، وان شاء استعبدهم فصاروا عبيدا»((10))مناقشة هذه الدعوى وهذه الدعوى، ايضا، لا يمكن المساعدة عليها، بل الصحيح ما عليه مشهور الفقهاء.والمفسرين من اختصاص الاية المباركة بالنحو الثالث من المحاربة، اعني محاربة المسلمين‏بقصد الافساد والاخافة وعدم شمولها لمحاربة البغاة ولا الكفار.

التعرض لكلمات الفقهاء ولنستهد، اولا، بكلمات فقهائنا الابرار (قدس اللّه اسرارهم) في تفسير الاية الكريمة وفهمهم‏منها، ثم نعود الى توضيح وجه هذا الاستظهار، فنقول:

ذكر شيخنا الصدوق (ره) في الهداية باب الحدود:

«والمحارب يقتل، او يصلب، او تقطع يده ورجله من خلاف، او ينفى من الارض كما قال اللّهعز وجل. وذلك مفوض الى الامام ان شاء صلب وان شاء قطع يده ورجله من خلاف وان‏شاء نفاه من الارض‏»((11)) .

وقال شيخنا المفيد (ره) في المقنعة في كتاب الحدود والاداب:

«واهل الدغارة اذا جردوا السلاح في دار الاسلام، واخذوا الاموال، كان الامام مخيرا فيهم: ان‏شاء قتلهم بالسيف، وان شاء صلبهم حتى يموتوا، وان شاء قطع ايديهم وارجلهم من خلاف،وان شاء نفاهم عن المصر الى غيره...»((12)) .

وصريح كلام العالمين دخول المحارب بالمعنى المصطلح، اعني من شهر السلاح لاخافة‏الناس، والدغارة وهي السلب والنهب في الاية.

اما اختصاص الاية بذلك وعدم شمولها محاربة الكفار او البغاة فاستفادته من كلامهما مبني‏على استظهار ذلك من سكوتهما عن ايراد ذلك في من يجري عليه حكم هذا الحدواقتصارهما على المحارب بالمعنى المصطلح فقهيا، مع انهما كانا بصدد بيان الحدودالمقررة شرعا، فلو كان هذا الحد حكما وحدا شرعيا ثابتا في كل محارب بالمعنى الاعم،لكان ينبغي ذكر حرب الباغي او الكافر في موضوعه ايضا وعدم الاقتصار فيه على ذكرخصوص المحاربة بالمعنى الاخص.

وقال شيخ الطائفة (ره) في المبسوط كتاب قطاع الطريق: قال اللّه تعالى: (انما جزاء الذين‏يحاربون اللّه ورسوله...) واختلف الناس في المراد بهذه الاية فقال قوم: المراد بها اهل الذمة‏اذا نقضوا العهد ولحقوا بدار الحرب وحاربوا المسلمين، فهؤلاء المحاربون الذين ذكرهم اللّهفي هذه الاية، وحكمهم في ما ارتكبوه من المعصية هذه العقوبة التي ذكرها اللّه.

وقال قوم: المراد بها المرتدون عن الاسلام اذا ظفر بهم الامام عاقبهم بهذه العقوبة، لان الاية‏نزلت في العرنيين لانهم دخلوا المدينة فاستوخموها فانتفخت اجوافهم واصفرت الوانهم،فامرهم النبي (ص) ان يخرجوا الى لقاح ابل الصدقة فيشربوا من البانها وابوالها ففعلوا ذلك‏فصحوا، فقتلوا الراعي وارتدوا واستاقوا الابل، فبعث النبي (ص) في طلبهم فاخذهم وقطع‏ايديهم وارجلهم وسمل اعينهم وطرحهم في الحرة حتى ماتوا فالاية نزلت فيهم.

وقال جميع الفقهاء: ان المراد بها قطاع الطريق، وهم من شهر السلاح واخاف السبيل لقطع‏الطريق.

والذي رواه اصحابنا ان المراد بها كل من شهر السلاح واخاف الناس في بر كانوا او في بحر،وفي البنيان او في الصحراء. ورووا ان اللص ايضا محارب، وفي بعض رواياتنا ان المراد بهاقطاع الطريق كما قال الفقهاء»((13)) وكلامه صريح في اختصاص الاية بالمحارب بالمعنى الاخص، غاية الامر ذكر ان جميع‏الفقهاء ويقصد بهم العامة جعلوها خاصة بقطاع الطريق، وهم من شهر السلاح واخاف‏السبيل لقطع الطريق، واما الذي رواه اصحابنا فهو ان المراد بها كل من شهر السلاح واخاف‏الناس في بر كانوا ام في بحر، وفي المدينة كانوا ام في الصحراء، بل رووا ان اللص ايضامحارب، فلا يختص بمن يقطع الطريق والذي يكون خارج المصر.

ثم نقل ان في بعض رواياتنا ان المراد بها قطاع الطريق كما قال الفقهاء.

وذكر في كتاب الخلاف تحت عنوان: «كتاب قطاع الطريق‏»، مسالة 1: المحارب الذي ذكره‏اللّه تعالى في آية المحاربة هم قطاع الطريق الذين يشهرون السلاح ويخيفون السبيل، وبه‏قال ابن عباس وجماعة الفقهاء.

وقال قوم: هم اهل الذمة اذا نقضوا العهد ولحقوا بدار الحرب، وحاربوا المسلمين.

وقال ابن عمر: المراد بالاية المرتدون لانها نزلت في العرنيين.

دليلنا: اجماع الفرقة واخبارهم وايضا قوله تعالى في سياق الاية:

(الا الذين تابوا من قبل ان‏تقدروا عليهم. ..) فاخبر ان العقوبة تسقط بالتوبة قبل القدرة عليه، ولو كان المراد بها اهل‏الذمة واهل الردة كانت التوبة منهم قبل القدرة وبعد القدرة سواء، فلما خص بالذكر التوبة قبل‏القدرة وافردها بالحكم دلت الاية على ما قلناه‏»((14)) .

وظاهر كلامه، في صدر هذه المسالة، اختصاص الاية بقطاع الطريق والذي ذهب اليه فقهاءالعامة، ومن هنا تصور بعض ان هذا الكلام منه خلاف مختاره في المبسوط، حيث جعل‏المحارب فيه اعم من قاطع الطريق.

الا ان هذا الكلام غير صحيح، فان نظره الشريف في صدر هذه المسالة الى نفي الاقوال‏الاخرى في الاية بان يكون المراد بها اهل الذمة او المرتدون، وانما ذكر عنوان قطاع الطريق‏لانه المعروف المعهود في اصل هذا المعنى، ولكنه اراد المعنى الاعم منه، ولهذا فسره بالذين‏يشهرون السلاح ويخيفون السبيل، فلم يقيده بان يكون ذلك لقطع الطريق، ففي هذه‏المسالة ينظر الشيخ الطوسي (ره) الى اصل هذا القول في قبال القولين الاخرين اللذين‏يخرجان الاية عن هذا المعنى للمحاربة الى معنى آخر مباين. واما تحديد هذا المعنى‏بالدقة من حيث الاختصاص بمن يشهر السلاح ويخيف الناس لقطع الطريق او الاعم منه‏فهذه من التفاصيل التي تعرض لها (ره) ضمن المسائل التالية لهذه المسالة، حيث ذكر (ره)في المسالة الثامنة: «حكم قطاع الطريق في البلد والبادية سواء، مثل ان يحاصروا قرية‏ويفتحوها ويغلبوا اهلها ويفعلوا مثل هذا في بلد صغير او في طرف من اطراف البلد، او كان‏بهم كثرة فاحاطوا ببلد كبير واستولوا عليها، الحكم فيهم واحد. وهكذا القول في دعار البلداذا استولوا على اهله واخذوا اموالهم على صفة لا غوث لهم، الباب واحد. وبه قال الشافعي‏وابو يوسف.

وقال مالك: قطاع الطريق من كان من البلد على مسافة ثلاثة اميال. فان كان دون ذلك‏فليسوا قطاع الطريق.

وقال ابو حنيفة ومحمد: اذا كانوا في البلد او في القرب منه مثل ما بين الحيرة والكوفة، او بين‏قريتين لم يكونوا قطاع الطريق.

دليلنا: اجماع الفرقة واخبارهم وايضا قوله تعالى: (انما جزاء الذين يحاربون اللّه ورسوله) الى‏آخر الحكم، ولم يفصل بين ان يكونوا في البلد او غير البلد»((15)) .

وهكذا يتضح اتحاد مختاره في الخلاف والمبسوط من هذه الناحية، وقال (ره) في التبيان‏ذيل الاية المباركة: «المحارب عندنا هو الذي اشهر السلاح واخاف السبيل، سواء كان في المصر او خارج‏المصر، فان اللص المحارب في المصر وغير المصر سواء، وبه قال الاوزاعي... وقال قوم: هوقاطع الطريق في غير المصر. ذهب اليه ابو حنيفة واصحابه وهو المروي عن عطاءالخراساني. ومعنى (يحاربون اللّه) يحاربون اولياء اللّه ويحاربون رسوله (ويسعون في‏الارض فسادا) وهو ما ذكرناه من اشهار السيف واخافة السبيل، وجزاؤهم على قدرالاستحقاق‏»((16)) .

وكلماته (قدس اللّه نفسه الزكية) صريحة في اختصاص المحاربة في الاية المباركة بالمعنى‏الثالث للمحاربة، وهو من اشهر السلاح لاخافة الناس وسلب الامن، كما انها صريحة في‏الكتب الثلاثة في عدم اختصاص ذلك بمن يفعل ذلك خارج المدن لقطع الطريق، بل يعم‏مطلق من اشهر السلاح واخاف الناس.

وقال في النهاية: «المحارب هو الذي يجرد السلاح ويكون من اهل الريبة في مصر كان اوغير مصر، في بلاد الشرك كان او في بلاد الاسلام، ليلا كان او نهارا، فمتى فعل ذلك كان‏محاربا...»((17)) .

والتعبير بكونه من اهل الريبة يقصد به ان يكون المجرد للسلاح من اهل الفساد والسلب‏والنهب نظير ما ورد في عبارة المقنعة «اهل الدغارة‏» ، اي الفساد والسرقة والنهب وقد فسر«اهل الريبة‏» بالاشقياء ايضا. وعلى كل حال فقد عدل الشيخ (ره) في النهاية عن ذكر عنوان‏تجريد السلاح لاخافة السبيل او اخافة الناس او قطع الطريق الى عنوان تجريد السلاح‏ويكون من اهل الريبة، وبين العنوانين فرق، فان الاخافة اعم من كونه من اهل الريبة، ومن‏هنا عده المتاخرون تقييدا زائدا فنفاه بعضهم باطلاق الادلة على ما سياتي شرحه في‏محله.

وقال الراوندي، في فقه القرآن، ذيل الاية المباركة: «من جرد السلاح في مصر او غيره، وهو من اهل الريبة على كل حال، كان محاربا وله‏خمسة احوال، فان قتل ولم ياخذ المال وجب على الامام ان يقتله وليس لاولياء المقتول‏العفو عنه ولا للامام، وان قتل واخذ المال.... الى ان قال: وقد اخبر اللّه في هذه الاية بحكم‏من يجهر بذلك مغالبا بالسلاح، ثم اتبعه بحكم من ياتيه في خفاء في قوله: (والسارق‏والسارقة) الاية((18)) .

وقال الفاضل المقداد في تفسيره، في ذيل الاية المباركة:

«واصل الحرب السلب، ومنه حرب الرجل ماله اي سلبه فهو محروب وحريب، وعند الفقهاءكل من جرد السلاح لاخافة الناس في بر او بحر، ليلا او نهارا، ضعيفا كان او قويا، من اهل‏الريبة كان او لم يكن، ذكرا كان او اءنثى، فهو محارب ويدخل في ذلك قاطع الطريق‏والمكابر على المال او البضع‏»((19)) .

وقال ابن ادريس (ره) في كتاب الحدود من السرائر:

«قال اللّه تعالى: (انما جزاء الذين يحاربون اللّه ورسوله ويسعون في الارض فسادا اءن يقتلوااءو يصلبوا اءو تقطع اءيديهم واءرجلهم من خلاف اءو ينفوا من الارض) ولا خلاف بين الفقهاءفي ان المراد بهذه الاية قطاع الطريق، وعندنا كل من شهر السلاح لاخافة الناس في بر كان‏او في بحر في العمران والامصار او في البراري والصحاري، وعلى كل حال فاذا ثبت ذلك‏فالامام مخير فيه بين اربعة اشياء كما قال تعالى بين ان يقطع يده ورجله من خلاف او يقتل‏او يصلب او ينفى هذا بنفس شهره السلاح واخافة الناس‏»((20)) .

وظاهره مطابق مع ما تقدم عن الشيخ (ره) في المبسوط من ان الموضوع من اشهر السلاح‏لاخافة الناس، والذي هو اعم من شهره لقطع الطريق بالخصوص كما عليه فقهاءالعامة.

لكنه (ره) في كتاب الجهاد باب قتال اهل البغي والمحاربين قال: «والمحارب هو كل من‏قصد الى اخذ مال الانسان وشهر السلاح في بر او بحر او حضر او سفر فمتى كان شي‏ء من‏ذلك جاز للانسان دفعه عن نفسه وماله‏»((21)) .

فقيده بان يكون قاصدا اخذ مال الانسان ونهبه، الا ان الظاهر ان هذا منه (ره) ليس بقصدالتقييد، بل لتعميم الحكم للفرد الاخفى من موضوع جواز الدفع والمحاربة، ولو ادى الى قتله الذي هو المناسب مع حكم باب الجهاد ولهذا ذكر في ذيل كلامه: «جاز للانسان دفعه عن‏نفسه وماله‏»، فعطف المال على النفس.

وفي مجمع البيان في تفسير الاية المباركة:

«(النزول): اختلف في سبب نزول الاية، فقيل: نزلت في قوم كان بينهم وبين النبي (ص)موادعة فنقضوا العهد وافسدوا في الارض عن ابن عباس والضحاك. وقيل: نزلت في اهل‏الشرك عن الحسن وعكرمة. وقيل: نزلت في العرنيين لما نزلوا المدينة للاسلام‏واستوخموها واصفرت الوانهم فامرهم النبي (ص) ان يخرجوا الى ابل الصدقة... عن قتادة‏وسعيد بن جبير والسدي.

وقيل: نزلت في قطاع الطريق عن اكثر المفسرين وعليه جل‏الفقهاء.

(المعنى): لما قدم تعالى ذكر القتل وحكمه، عقبه بذكر قطاع الطريق والحكم فيهم فقال: (انماجزاء الذين يحاربون) اي اولياء اللّه... الخ‏»((22)) .

وذكر سيدنا العلامة الطباطبائي (ره) في تفسيره القيم الميزان:

«قوله تعالى: (انما جزاء الذين يحاربون اللّه ورسوله ويسعون في الارض فسادا) فسادا»مصدر وضع موضع الحال، ومحاربة اللّه وان كانت بعد استحالة معناها الحقيقي وتعين ارادة‏المعنى المجازي منها ذات معنى وسيع يصدق على مخالفة كل حكم من الاحكام الشرعية‏وكل ظلم واسراف، لكن ضم الرسول اليه يهدي الى ان المراد بها بعض ما للرسول فيه دخل،فيكون كالمتعين ان يراد بها ما يرجع الى ابطال اثر ما للرسول عليه ولاية من جانب اللّهسبحانه، كمحاربة الكفار مع النبي (ص) واخلال قطاع الطرق بالامن العام الذي بسطه بولايته‏على الارض، وتعقب الجملة بقوله: (ويسعون في الارض فسادا) يشخص المعنى المراد،وهو الافساد في الارض بالاخلال بالامن وقطع الطريق دون مطلق المحاربة مع‏المسلمين.

على ان الضرورة قاضية بان النبي (ص) لم يعامل المحاربين من الكفار بعد الظهور عليهم‏والظفر بهم هذه المعاملة من القتل والصلب والمثلة والنفي.

على ان الاستثناء في الاية التالية قرينة على كون المراد بالمحاربة هو الافساد المذكور، فانه‏ظاهر في ان التوبة انما هي من المحاربة دون الشرك ونحوه.

فالمراد بالمحاربة والافساد على ما هو الظاهر هو الاخلال بالامن العام، والامن العام انمايختل بايجاد الخوف العام وحلوله محله، ولا يكون بحسب الطبع والعادة الا باستعمال‏السلاح المهدد بالقتل طبعا، ولهذا ورد في ما ورد من السنة تفسير الفساد في الارض بشهرالسيف ونحوه‏»((23)) .

والفقهاء عموما فسروا المحارب بمن شهر السلاح لاخافة الناس مع اخذ قيد كونه من اهل‏الريبة تارة وعدمه اخرى وجعلوا هذا المعنى الخاص للمحاربة هو موضوع هذا الحد في‏كتاب الحدود، واما غيره من المحاربين كالكفار والبغاة فقد ذكروا لهم احكاما اخرى غير هذاالحد. وهذا وان لم يكن تصريحا منهم بانهم يفهمون اختصاص الاية المباركة بالمحارب‏بهذا المعنى الخاص الا من قبل من تعرض منهم لذكرها وتفسيرها كما تقدم عن جملة‏منهم الا انه يستفاد من كلماتهم بانهم يعتقدون بان المراد الجدي من الاية المباركة التي هي‏المصدر لتشريع هذا الحد الالهي انما هو المحارب بهذا المعنى الخاص لا مطلق من حارب‏الاسلام والمسلمين ولو لكفره او بغيه، فالاية المباركة عندهم لا تشمل غير المحارب‏الاصطلاحي، اما لاختصاصها في نفسها وبحسب ظاهرها الاولى بذلك كما ذكره المفسرون‏ونسبوه الى الفقهاء او بضميمة الروايات الواردة عن اهل البيت (ع) بشان هذا الحد والتي‏جعلوها تفسيرا للاية المباركة.

ويشهد لذلك ويؤكده ما نجده في كلماتهم وتحديداتهم لموضوع هذا الحد من البحث عن‏اعتبار بعض القيود من قبيل كونه اي المحارب قاصدا للاخافة او كونه من اهل الريبة او كونه‏خارج البلد او غير ذلك من القيود، فلو لم يكن اصل الاخافة للناس شرطا وكان الموضوع‏للحد مطلق من يحارب الدولة الاسلامية ولو بنحو البغي من دون افساد واخلال بامن الناس‏ولا تعد عليهم. او كان ذاك هو الموضوع الحقيقي للاية والمحارب الاصطلاحي فرد ادعائي‏والحاق تعبدي بموضوع الاية كما قيل لم يكن مجال عندئذ لجميع تلك الابحاث، اللهم الاان يكون بحثهم عن الفرد التعبدي مع السكوت بل نفي الحكم عن فرده وموضوعه الحقيقي‏من دون تعرض ولا ذكر وجه له ولا اشارة، وهو كما ترى! فتحديد الفقهاء وتعريفهم للمحارب بمن شهر السلاح لاخافة‏الناس يكون شاهدا ايضا على انهم يرون ان المراد من المحاربة‏فى الاية الكريمة خصوص هذا القسم، لا المعانى الاخرى ولاالمعنى الاعم منها، وان اختلفت تعريفاتهم فى اعتبار بعض‏القيود لهذا المعنى. وقد تقدم عن النهاية وغيره اخذ قيد كونه‏من اهل الريبة.

واليك بعض كلمات الاخرين:

قال ابو الصلاح الحلبي: وان كانوا محاربين وهم الذين يخرجون‏عن دار الامن لقطع الطريق واخافة السبيل والسعى فى الارض‏بالفساد، فعلى سلطان الاسلام او من تصح دعوته ان يدعوهم‏الى الرجوع الى دار الامن ومن يخوفهم من الاقامة على‏المحاربة من تنفيذ امر اللّه فيهم، فان انابوا ووضعوا السلاح‏ورجعوا الى دار الامن فلا سبيل عليهم... وفرضه فى الاسرى ان‏كانوا فى محاربتهم قتلوا ولم ياخذوا مالا ان يقتلهم، وان ضمواالى القتل اخذ المال صلبهم بعد القتل، وان تفردوا باخذ المال‏ان يقطعهم من خلاف، وان لم يقتلوا ولم ياخذوا مالا ان ينفيهم‏من الارض بالحبس او النفى من مصر الى مصر((24)). وقد ذكر هذا الكلام في كتاب الجهاد في احكام الحرب‏والمحاربين وسيرة الجهاد((25))، فذكر اولا حكم جهادالكفار من الكتابيين والمشركين ثم حكم جهاد المرتدين ثم‏المتاولين البغاة ثم المحاربين. وجعل الحد المذكور مخصوصابالاخير منهم، وهذا كالصريح في اختصاص هذا الحدبالمحارب بالمعنى الخاص وعدم جريانه في غيره من اقسام‏المحاربة مع الدولة الاسلامية.

وقال سلار: «المجرد للسلاح في ارض الاسلام والساعي فيهافسادا ان شاء الامام قتله وان شاء صلبه وان شاء قطع يده‏ورجله من خلاف وان شاء نفاه من الارض((26)).

وقال القاضي ابن البراج: من كان من اهل الريبة وجرد سلاحافي بر او بحر، او في بلده او في غير بلده في ديار الاسلام او في‏ديار الشرك ليلا او نهارا كان محاربا... فان اخذ المال ولم يقتل‏احدا ولا جرحه كان عليه القطع ثم النفي من البلد الذي هو فيه،وان جرح ولم ياخذ مالا ولا قتل احدا كان عليه القصاص‏والنفي بعد ذلك... الخ‏»((27)).

وقا السيد ابن زهرة: «واسرى من عدا من ذكرنا من المحاربين‏على اخذ المال ان كانوا قتلوا ولم ياخذوا مالا قتلوا، وان اخذوامع القتل مالا صلبوا بعد القتل، وان تفردوا باخذ المال قطعوامن خلاف، فان لم يقتلوا ولم اذخوا مالا نفوا من الارض‏بالحبس او النفي من مصر الى مصر كل ذلك بالاجماع من‏الطائفة عليه‏»((28)).

وهذا الفقيه ايضا ذكر المحاربين في كتاب الجهاد ((29)) في‏من يجب على الامام دفعهم ومقاتلتهم، ثم فسر عنوان‏المحارب: بمن قصد الى اخذ مال المسلم وما هو في حكه من‏مال الذمي واشهر السلاح في بر او بحر او سفر ا حضر، ثم خص‏اسراهم بالحكم عليهم بالحد المذكور في الاية من دون اسرى‏غيرهم من البغاة او الكفار. وهذا ايضا كالصريح في اختصاص‏حكم الاية المباركة بهذا القسم من المحاربة وعدم عمومه‏للاقسام الاخرى.

ونحوه ما عن علاء الدين الحلبي (ابوالحسن) في كتاب الجهادقال:

«فكل من اظهر الكفر او خالف الاسلام من سائر فرق الكفاريجب مع تكامل ما ذكرناه من الشروط جهادهم، وكذا حكم‏من مرق عن طاعة الامام العادل او حاربه او بغى عليه، او اشهرسلاحا في حضر او سفر او بر او بحر او تخط‏ى الى نهب مال‏مسلم او ذمي... (الى ان قال): والمفسدون في الارض كقطاع‏الطريق والواثبين على نهب الاموال يقتلون ان قتلوا، فان زادواعلى القتل باخذ الاموال صلبوا بعد قتلهم...الخ‏»((30)).

وقال ابن حمزة في كتاب الجهاد من الوسيلة:

«فصل في بيان احكام البغاة وكيفيه قتالهم: الباغي كل من خرج‏على امام عادل، وقتالهم على ثلاثة اضرب: واجب وجائزومحظور...». ثم ذكر حكمه وانهم يقاتلون حتى يفيئوا الى‏الطاعة او يقتلوا عن آخرهم، ثم قال: «فصل في بيان حكم‏المحارب: المحارب كل من اظهر السلاح من الرجال او النساءفي اي وقت واي موضع يكون ولم يخل حاله من ثلاثة اوجه‏اما يتوب قبل ان يظفر به او يظفر به قبل ان يتوب او لا يتوب ولايظفر به‏».

ثم بدا ببيان حكم كل قسم وانه في الاول يعفى عن حدالمحاربة عليه دون ما اذا كان قد جنى جناية في غير المحاربة‏فانها لوليه، وفي الثاني لا يعفى بل لا بد من القتل او الصلب اوالنفي على حسب الجناية، وفي الثالث يطلب حتى يظفر به‏ويقام عليه الحد((31)).

وهذا البيان صريح في ان المحارب لا يشمل الباغي بل يختص‏بمن شهر السلاح لاخذ مال او نفس، نعم لم يذكر في التعريف‏صريحا ان اشهاره للسلاح من اجل الاخافة او سلب المال اوالنفس، ولكنه اخذ ذلك حينما بدا بتشقيق شقوق هذا الحدحيث قال: «وان لم يجن واخاف نفي عن البلد، وعلى هذا حتى‏يتوب ، وان جنى وجرح اقتص منه ونفي عن البلد، وان اخذالمال قطع يده ورجله من خلاف ونفى وان قتل وغرضه في‏اظهار السلاح القتل... الخ‏»((32)).

فما قيل((33))من ان عبارة ابن حمزة تعم ما اذا كان اظهارالسلاح بغاية القيام بوجه الحكومة الاسلامية وهو الباغي ممالا ماخذ له، كيف وقد ذكر الباغي وتعريفه وحكمه في الفصل‏السابق لهذا الفصل كما اوردناه فكيف يحتمل ان يكون مراده‏من المحارب الاعم فضلا عن ان يقال بانه يستفيده من‏الاية؟! والامر نفسه نجده عند يحيى بن سعيد الحلي في جامعه، فانه‏ذكر اولا احكام قتال الكفار من المشرك والكتابي والمرتد، ثم‏ذكر احكام الباغي فقال:

«الباغي من لم يدخل في ما دخل فيه المسلمون من بيعة الامام‏او نكث بيعته، فعلى من استنفره الامام لقتالهم النفور معه...واذا قوتل الباغي لم يرجع عنه حتى يدخل في ما دخل‏المسلمون فيه او يقتل . فان كان له فئة يرجع اليها، قتل مقبلا اومدبرا واجهز على الجرحى، والا لم يتبع المدبر...».

ثم ذكر احكام المحارب فقال:

«والمسلم المحارب من شهر السلاح في بر او بحر، سفرا اوحضرا، ليلا او نهارا، رجلا او امراة، فان اخاف ولم يجن نفي من‏الارض بان يغرق على قول او يحبس على آخر او ينفى من‏بلاد الاسلام سنة حتى يتوب، وكوتبوا انه منفي محارب فلاتئووه ولا تعاملوه، فان اووه قوتلوا وان قتل...الخ‏»((34)).

وقال المحقق قدس سره في الشرائع : «المحارب كل من جردالسلاح لاخافة الناس في بر او بحر ليلا كان او نهارا في مصروغيره، وهل يشترط كونه من اهل الريبة؟ فيه تردد اصحه انه لايشترط مع العلم بقصد الخافة، ويستوي في هذا الحكم الذكروالانثى ان اتفق، وفي ثبوت هذا الحكم للمجرد مع ضعفه عن‏الاخافة تردد اشبهة الثبوت، ويجتزا بقصده‏»((35)).

وذكر ايضا في المختصر النافع «في المحارب: وهو كل مجردسلاحا في بر او بجر ليلا او نهارا لاخافة السابلة وان لم يكن من‏اهلها على الاشبه... وحده القتل او الصلب او القطع مخالفا اوالنفي...»((36)).

وقال العلامة قدس سره في التبصرة: «كل من جرد السلاح‏للاخافة في بر او بحر ليلا او نهارا تخير الامام بين قتله وصلبه‏وقطعه مخالفا ونفيه...»((37)).

وفي التحرير: «المحارب من جرد السلاح لاخافة الناس في بر اوبحر، ليلا كان او نهارا، في مصر وغيره، وسواء كان في العمران‏او في البراري والصحارى، وعلى كل حال، وهل يشترط كونه‏من اهل الريبة؟ الظاهر من كلامه في النهاية الاشتراط،والوجه المنع اذا عرف انه قصد الخافة ...»((38)).

وفي القواعد: كل من اظهر السلاح وجرده لاخافة الناس في براو بحر ليلا كان او نهارا في مصر او غيره... ولا يشترط كونه من‏اهل الريبة على اشكال‏»((39)).

وعلق عليه ولده فخر المحققين بقوله : «منشاه من اختلاف‏الاصحاب، فالمشهور من فتاويهم ما ذكره الشيخ في النهاية،فقال: المحارب هو الذي يجرد السلاح ويكون من اهل الريبة.وقال المفيد: اهل الدغارة اذا جردوا السلاح في دار الاسلام...وذكر احكام المحارب، وعموم الاية يدل على عدم الاشتراط،وهو الاقوى عندي‏»((40)).

وقال في الارشاد في كتاب الحدود المقصد السابع في‏المحارب : «وفيه بحثان: الاول: في ماهيته، وهو كل من جردالسلاح لاخافة الناس في بر او بحر، ليلا او نهارا، في مصروغيره، ذكر او انثى، ولو اخذ في بلده مالا بالمقاهرة فهومحارب‏»((41)).

وقال الشهيد الاول في الدروس كتاب المحارب : «وهو من‏جرد السلاح للاخافة في مصر او غيره ، ليلا او نهارا، وان كان‏امراة بشرط الريبة ولو ظنا»((42)).

وقال الشهيد الثاني (قدس سره) في الروضة: «وهي تجريدالسلاح برا او بحرا، ليلا او نهارا لاخافة الناس في مصر وغيره‏من ذكر او انثى قوي او ضعيف، من اهل الريبة ام لا، قصدالاخافة ام لا...»((43)).

وفي الجواهر وافق التعريف المتقدم عن الشرائع وجعله مما لاخلاف فيه((44)).

وفي تحرير الوسيلة لسيدنا واستاذنا الامام الراحل قدس سره :«مسالة 1 : المحارب هو كل من جرد سلاحه او جهزه لاخافة‏الناس وارادة الافساد في الارض في بر كان او في بحر، في مصراو غيره، ليلا او نهارا»((45)).

وفي تكملة المنهاج لسيدنا الاستاذ الخوئي قدس سره:الخامس عشر المحاربة : «مسالة 260: من شهر السلاح لاخافة‏الناس نفي من البلد... الخ‏»((46)).

هذه نبذة من كلمات فقهائنا الابرار (قدس اللّه اسرارهم) في‏تعريف المحاربة التي هي موضوع هذا الحد المشرع في هذه‏الاية المباركة.

وبعد هذا التطواف في كلمات الاصحاب (قدس اللّه اسرارهم)والاطلاع على انظارهم التي استعرضناها بهذا التفصيل‏للاستفادة منها في اكثر البحوث القادمة نرجع الى ما ذكرناه في‏تفسير المحاربة في الاية وان المراد بها خصوص المحاربة بنحوالافساد في الارض واخافة الناس كما عبر الفقهاء فلا يشمل‏محاربة البغاة لبغيهم ولا المشركين لكفرهم، والوجه في ذلك‏مجموع نكات وقرائن:

1 منها: ظهور الاية خصوصا مع ملاحظة الاستثناء الوراد في‏ذيلها في كون الجريمة الملحوظة في موضوع هذا الجزاء آوالتي يدور استحقاق الجزاء مدارها اثباتا ونفيا، ويكفي‏التوبة‏نها وتركها قبل الاخذ لسقوطه والمغفرة لفاعها انما هي‏المحاربة للّه والرسول نفسها لا امر آخر قد يستلزم المحاربة.ومن الواضح ان المحاربة بنحو الافساد في الارض نفسهاالجريمة. واما محاربة الكفار والبغاة فالجريمة فيهما هي الكفروالارتداد او البغي ونكث البيعة والخروج عن طاعة ولي الامر.كما ان العفو او المغفرة عنها انما يكون بالاسلام والدخول في‏طاعة الامام لا مجرد ترك الحرب. والمحاربة لو حصلت فهي‏من توابع الجريمة لا نفسها، لانها نتيجة طلب الحاكم لهم‏لاجبارهم على الدخول في الاسلام او الطاعة فيحاربون على‏ذلك.

والحاصل : ان لم يكن صدر الاية ظاهرا في المحاربة بالمعنى‏المصطلح فلا اقل من ان الاية التالية لها ظاهرة في النظر الى‏محاربة يكون تركها كافيا للغفران والتوبة بلا حاجة الى ضم‏ضميمة اخرى، وهذا لا يصدق لا في محاربة الكفار ولا البغاة،لان توبتهم لا تكون الا بالدخول في الاسلام عن طاعة الامام‏وقبول البيعة.

2 ومنها: عطف الافساد في الارض على المحاربة، واخذه في‏موضوع الحد سواء افترضناه تمام الموضوع او جزءا منه،وهذا سنبحث فيه في ما ياتي فانه قرينة على تعيين محاربة اللّهوالرسول في ما يكون بنحو الافساد في الارض وسلب الامن،لانه بذلك يختل وضع الناس والحياة، فيكون افسادا في‏الارض، بخلاف البغي ونكث بيعة الحاكم ولو ادي الى القتال‏والمحاربة فان مطلق الحرب والقتال ليس فسادا في الارض،وقد اعتمد على هذه القرينة بعض المفسرين منهم سيدناالعلامة الطباطبائي (قدس سره) في تفسيره القيم على ما تقدم‏حيث قال: «وتعقب الجملة بقوله (ويسعون في الارض فسادا)يشخص لمعنى المراد وهو الافساد في الارض بالاخلال بالامن‏وقطع الطريق دون مطلق المحاربة مع المسلمين‏»((47)).

3 ومنها: بعض القرائن الارتكازية واللبية ومناسبات الحكم‏والموضوع الواضحة من سياق الاية، فان شدة العقوبة والتاكيدعليها المفاد بصيغة التفعيل في الاية واضافة الصلب وقطع اليدوالرجل من خلاف او النفي من الارض، هذه العقوبات جميعهاتناسب سنخ جريمة يكون فيها افساد في الارض بقتل وسلب‏ونهب ويكون لها مراتب تناسب مراتب العقوبات الاربع‏المجعولة فيها، ولا تناسب مجرد البغي ونكث طاعة الحاكم‏الذي هو جريمة سياسية لا يطلب فيها الا رجوع الباغي الى‏الطاعة ودخوله في الجمعة. كما يظهر ذلك من خلال مراجعة‏لسان الاية المتعرضة للبغاين (وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوافاصلحوا بينهما فان بغث احداهما على الاخرى فقاتلوا التي‏تبغي حتى تفي‏ء الى امر اللّه فان فاءت فاصلحوا بينهما بالعدل‏واقسطوا ان اللّه يحب المقسطين).

بل ظاهر آية المحاربة ان الجريمة المذكورة فيها من سنخ‏الجرائم التي تقوم بالافراد بحيث قد يقوم بها شخص واحد،ومن هنا ذكر الفقهاء انه لا يشترط فيها وجود فئة ولا اخافة‏جماعة، بل يكفي محاربة واحد لواحد، وهذا بخلاف محاربة‏البغاة، فان المناسب لها ان يكون الخطاب فيها متوجها الى‏الجماعة والطائفة والفئة، لانها تكون قائمة بين فئتين بحسب‏الحقيقة.

هذا مضافا الى ما ذكره العلا مة الطباطبائي في الميزان ((48))من ان الضرورة قاضية بان النبي لم يعامل المحاربين من الكفار آبعد الظهور عليهم والظفر بهم هذه المعاملة من القتل والصلب‏والمثلة والنفي، ومحاربة الباغي ليست باشد من محاربة الكافرقطعا من الناحية الفقهية، كما هو مقرر في محله.

4 ومنها : الروايات الخاصة الواردة عن الائمة المعصومين (ع)لتشريح هذه العقوبة ذات الرواتب المختلفة، وسوف ياتي‏التعرض لها في جهة قادمة من البحث، فان تصديها لشرح‏مراتب هذه العقوبة نفسه، بل والتصريح في بعضها ببنها على‏حسب الجناية، وكذلك التصريح في بعضها بذكر الاية قرينة‏على نظرها جميعا الى تفسير ما هو المراد من الاية، وتوزيع‏الموضوع فيها وهو المحاربة بنحو الافساد في الارض حسب‏المراتب على العقوبات الاربع المبينة فيها. فاذا سكت فيها عن‏غير ذلك فهم منه ان الموضوع في الاية ذلك ايضا لاغير.

ودعوى: ان قصارى مفاد الروايات شمول الاية للمحاربة بنحوالافساد في الارض وشهر السلاح لاخافة الناس، واما ان‏المحاربة منحصرة في شهر السلاح لاخافة الناس ومراتبها ايضامنحصرة في الاقصاد المذكورة فمما لا دلالة للروايات الخاصة‏عليه.

مدفوعة: بان ظاهر الروايات تفسير تمام مراتب المحاربة‏المندرجة في الاية واقسامها، فلو كان منها الحرب مع الكفار اوالبغاة والذي لا يكون التعبد فيها لا اخذ المال ولا القتل اوالاخافة بل تمام الغرض فيه غرض سياسي ، وهو طلب الحكم‏والسلطان، كان ينبغي ذكره ضمن الاقسام جزما، فسكوت‏الروايات المفصلة للاية عن ذكر هذا النوع من المحاربة فيه‏دلالة واضحة على خروجه عن موضوع الحكم والجزاء المشرع‏في هذه الاية المباركة.

ولو فرض عدم دلالتها وحدها على ذلك فلا اشكال في دلالتهاعلى ذلك بعد ضمها الى ما ورد في حكم جهاد البغاة‏والمشركين من الادلة والروايات على ان حكم اسيرهم ليس ماذكر في هذه الاية، فراجع وتامل.

واما معتبرة طلحة بن زيد ((49)) المتقدمة ((50)) التي‏استشهد بها على عموم الاية وتطبيق الامام (ع) لها على باب‏الحرب والجهاد، فيلاحظ عليه:

اولا : انها واردة في تطبيق الاية على جهاد الكفار والمشركين لاالبغاة بقرينة ما ورد فيها من الحكم بان الاسير اذا اذ، وقدوضعت الحرب اوزارها، كان الامام فيه مخيرا بين المن والفداءوالاستعباد، فيصير عبدا. ولهذا نجد الشيخ (قدس سره) قداورد الرواية تحت عنوان باب: كيفية قتال المشتركين ومن‏خالف الاسلام، وقد تقدم ان الاية المباركة في نفسها لا شك‏في عدم عمومها لمحاربة الكفار والمشركين بما هم كفار، فلوفرض صحة الاستدلال بالحديث المذكور كان الحاقا تعبديا لابد من الاقتصار فيه على مورده، وهو محاربة الكفار والمشركين‏قبل ان تضع الحرب اوزارها، فلا يمكن التعدي منهم الى‏محاربة الباغي الذي يكون مسلما وحكمه اخف من حكم‏المشرك.

وثانيا : ان ظاهر الرواية مما لا يمكن الالتزام به فقيها ولم يعمل‏به احد من الفقهاء، لانها تفسير الاية‏ارجاع العقوبات الاربع فيهاالى عقوبة واحدة هي الكفر وهو بمعنى الاهلاك او الكل آوهو بمعنى السيف وهذا يعني ان الجزاء واحد، وهو القتل‏وانما التخيير للامام في كيفيته ليس الا ، وهذا مضافا الى انه‏خلاف ظاهر الاية مما لم يفت به احد من الفقهاء في حدالمحارب الذي هو القدر المتيقن من الاية، فلا بد من طرحها اوتاويلها وحملها على بعض المحامل، وبذلك يسقط الاستدلال‏بها في المقام.

وهكذا يتضخ ان عنوان المحارب، في الاية المباركة، مختص‏بمن يشهر السلاح للافساد في الارض ، وهو الاخلال بامن‏الناس واخافتهم والتعدي على اموالهم او اعراضهم او انفسهم،ولا شمول له للباغي او الكافر اذا حارب الدولة الاسلامية وقام‏بوجهها، ما لم تصدر منها لمحاربة بالمعنى المذكور، فيكون‏مصداقا للاية من تلك النحاية، وهو مما لا كلام فيه.

ويكفي لصحة هذا الاستظهار والركون اليه ما نجده من تطابق‏فهم الفقهاء من العامة والخاصة وكذلك المفسرين من الاية‏وتفسيرهم للمحاربة بذلك وان اختلفوا في خصوصيات موردالنزول كما تقدم الامر الذي يكشف عن عدم وجود ظهور في‏الاية على ارادة المحارب والا كيف يخفى على هؤلاءجميعهم، وهو جميعا من اهل اللغة والادب والمحاورة.والظهورات ليست مسائل عقلية دقيقة لكي يمكن خفاؤهاعلى السابقين جميعا، كما ان الانواع الاخرى للمحاربة وشمول‏المعنى اللغوى لمادة الحرب والمحاربة لها كانت على مرآى‏اولئك الاعلام ومسمعهم، وقد تعرضوا لاحكامها ايضا فلم‏تكن مصاديق جديدة غير معروفة وقتئذ ليكون عدم‏است‏2هارهم التعميم من جهة احتمال عدم معروفية تلك‏الاقسام عندهم او عدم تحقق مصاديق لها في زمانهم.

بل المتتبع للروايات واسئلة الرواة واصحاب الائمة (ع) عن‏حكم المحارب يجد انه لم يقع حتى استشكال وسؤال‏م من‏قبل الرواة عن احتمال شمول المحارب للكفار او الباغين والالكان ينعكس عادة في ما وصلنا من الروايات، فكان اختصاص‏الاية كان امرا واضحا وبديهيا عندهم وان الامام (ع) عندما كان‏يذكر الاية او تذكر له فيفصل العقوبات الاربع فيها على مراتب‏المحاربة بالمعنى المصطلح فقط لم يكن يخطر غير ذلك‏المعنى من الاية على بال الاصحاب ، والا لا ستفسروا وسالواعنه، فمجموع هذه الامور يوجب الاطمئنان الى صحة هذاالاستظهار.

هذا تمام الكلام في عنوان المحاربة الوارد في الاية المباركة،وهو القيد الاول فيها.

القيد الثاني الافساد في الارض:

اما القيد الثاني، وهو الافساد في الارض المستفاد من قوله‏تعالى : (ويسعون في الارض فسادا) فالبحث عنه يقع في ثلاث‏نقاط:

النقطة الاولى: في المراد بالافساد في الارض