الصفحة السابقة

الصفحة التالية

«خالفوا المشركين، وفروا اللحى واحفوا الشوارب‏» رواه عن ابن عمر البخاري في صحيحه،4/25 كتاب اللباس.

«انهكوا الشوارب واعفوا اللحى‏» رواه عن ابن عمر البخاري في صحيحه، 4/25 كتاب‏اللباس.

«جزوا الشوارب وارخوا اللحى وخالفوا المجوس‏» رواه عن ابي هريرة مسلم في صحيحه،1/117.

«اعفوا اللحى وجزوا الشوارب وغيروا شيبكم ولا تشبهوا باليهود والنصارى‏»، رواه عن ابي‏هريرة احمد بن حنبل في المسند على ما في كنز العمال، 3/338.

«احفوا الشوارب واعفوا اللحى ولا تشبهوا باليهود»، رواه الطحاوي عن انس كما في كنزالعمال، 3/338.

«اوفوا اللحى وقصوا الشوارب‏» رواه في كنز العمال: 3/329 عن الطبراني عن ابن عباس.

«وفروا عثاثينكم وقصوا اسبالكم‏» رواه في كنز العمال، 3/329 عن البيهقي عن ابي‏امامة.

وما قلته في الاحاديث المروية من طرق اصحابنا من ان النهي فيها مسلط على التشبه، ولانظر فيها الى حكم حلق اللحية، لانها ليست في مقام التشريع، وانما صدرت عن النبي (ص)بوصفه حاكما، اقوله هنا.

واخيرا: استدل اصحابنا الامامية بسيرة المتشرعة المتصلة بعصر الائمة (ع) حيث ان «البناءالعملي من المتدينين قديما وحديثا (قائم) على عدم الحلق، وهو كاشف عن ارتكازالحرمة‏»((78)) في اذهانهم.

ولانه قد تحرر وتقرر في علم اءصول الفقه: «اءن السيرة عندما تكون حجة فاءقصى ما تقتضيه‏ان تدل على مشروعية الفعل وعدم حرمته في صورة السيرة على الفعل، او تدل على‏مشروعية الترك وعدم وجوب الفعل في صورة السيرة على الترك‏».

و «ان السيرة بما هي سيرة لا يستكشف منها وجوب الفعل ولا استحبابه في سيرة الفعل، ولايستكشف منها حرمة الفعل ولا كراهته في سيرة الترك‏» ((79)).

فلا دلالة فيها على الحرمة.

وفي ضوء ما تقدم نخلص الى النتيجة الاتية، وهي: ان القول بجوازحلق اللحية متوجه، لعدم‏نهوض دليل من الادلة التي ذكرت باثبات الحرمة اما لقصور في السند واما لقصور في‏الدلالة.

الدليل الاستقرائي عند المفكر محمد باقر اصدر
 الاستاذ يحيى محمد مشكلة الاستقراء  
يعرف الدليل الاستقرائي، عادة، بانه استدلال يعتمد على حالات خاصة قليلة لينتهي‏بالنتيجة الى حالة عامة، كما هو الحال في القانون الاستقرائي القائل: «كل حديد يتمددبالحرارة‏»، فلا شك في انه ناتج عن اختبار عدد محدود من قطع الحديد بالحرارة.

والحقيقة ان الاستقراء لم تقتصر وظيفته على اثبات الحالة العامة. اذ لا شك في ان له دوراآخر في اثبات الحالة الفردية من خلال ملاحظة القرائن وتجميع الاحتمالات حتى يصل بهاالى درجة الاثبات او اليقين. فمثلا كيف نعرف ان ذلك القدح مملوء بالماء لا الخمر، لولاعملية الاستقراء الكاشفة عن عدة قرائن احتمالية تتراكم لتصل الى مرحلة الجزم واليقين.ومن الواضح ان هناك مشكلة اساسية في الاستقراء، ففي مثالنا آنف الذكر: «كل حديد يتمددبالحرارة‏» علمنا انه جاء نتيجة عدة اختبارات لقطع محدودة من الحديد، وبالتالي كيف جازلنا ان نعمم النتيجة ونعد كل حديد يتمدد بالحرارة؟ وبعبارة اخرى:

كيف نحكم بما هو شاهدعلى ما هو غائب؟ وكيف نحول ما هو خاص جزئي الى ما هو عام كلي؟ ومن ثم كيف نسوغ‏عملية اليقين في التعميم، بل وكيف نسوغ كذلك حالة اليقين في اثبات القضايا الفردية؟وكيف يسوغ لنا ان نحول الاحتمال مهما بلغت قوته الى يقين جازم مطلق؟ وهكذا فان مشكلة الاستقراء، في جوهرها، هي مشكلة اليقين والتعميم. واذا ما علمنا ان‏اغلب المعارف البشرية هي معارف استقرائية، ادركنا قيمة الجهود التي تبذل لتفسير عملية‏الاستقراء. فتفسير هذه العملية هو في حد ذاته تفسير لاغلب المعارف التي يتزود بها الفكرالبشري. من هنا جاءت دراسة الشهيد الصدر، وهي تعبر عن هذا المعنى، وذلك في كتابه‏اللامع: الاسس المنطقية للاستقراء» فهي ليست مجرد تفسير للاستقراء بما هو استدلال‏فحسب، بل انها تمثل تفسيرا لاغلب معارف الفكر البشري، سواء كانت علمية ام حسية ام‏ميتافيزيقية ام غير ذلك من المعارف الاخرى.

موقفان متناقضان والمتتبع للمذاهب التي عالجت مشكلة الاستقراء يجد انها تفترق، من الناحية الرئيسية، الى‏موقفين متناقضين: احدهما قديم يمتد الى ارسطو واتباعه من العقليين ومن سار على‏شاكلتهم، والاخر حديث يبدا من فيلسوف الشك التنويري ديفيد هيوم. فبينما كان المنطق‏العقلي يرى ان الاستقراء محلول اءمره من اءوله الى آخره من دون اءن يعي اءي مشكلة يمكن‏ان يشار اليها بالبنان، جاء الفكر الحديث ليرى ان مشكلة التعميم واليقين مستعصية، مبدياعدم تفاؤله باي امل لانقاذ المعرفة البشرية من براثن الشكوك والظن.

ووسط هذا الضباب، بين عدم الوعي بالمشكلة والوعي بها، وبين حل القضية وتعذر حلها،جاء دور السيد الصدر الريادي ليدشن طريقا جديدة في المعرفة البشرية. لقد وقف السيدالصدر موقفا مزدوجا تجاه كل من المنطق الارسط‏ي والمنطق الحديث، فهو مع المنطق‏الارسط‏ي اخذ ينعى عليه حلوله الساذجة، ويكشف عما فيها من دور ومسارات ليس‏الاستقراء بحاجة اليها. اما موقفه مع المنطق الحديث، فهو، وان وافقه على وجود مشكلة‏منطقية في الاستقراء، انفرد في الاعتقاد بالقدرة على تذليل المشكلة والقضاء عليها. فهويتفق مع المنطق الحديث فيعي ان البرهنة على قضايا التعميم واليقين في قضايا الاستقراءانما هي ضرب من المستحيل، لكنه مع ذلك سلك سبيلا آخر لم يسبق له مثيل، حيث انه‏افترض اليقين في العملية الاستقرائية وقام بتسويغه منطقيا.

ومن الناحية التاريخية، ان اقدم المصادر التي تطلعنا على الاعتراف بوجود مشكلة في‏الاستقراء هي تلك التي تعود الى جابر بن حيان الكوفي خلال القرن الثاني للهجرة، حيث‏انه لا يرى ما يسوغ اليقين في التنبؤ بالحوادث والتعميمات الاستقرائية، ويرى ان الدلالة‏عليها لا تزيد على كونها محض احتمال((80)) .

لكن يظل ان الفضل، في الكشف عن طبيعة المشكل المنطقي الذي يتضمنه الدليل‏الاستقرائي، يعود الى الفيلسوف الانجليزي ديفيد هيوم ( 1711 1776) المعروف بنقده‏للمعرفة ورده على النزعة العقلية. فهو في مواقفه النقدية اثار مشكلات جديدة كان لها الاثرالبالغ على نضج التفكير الفلسفي لدى الذين خلفوه، سواء من التجريبيين كالوضعية المنطقية‏ام من العقليين كالفيلسوف عمانوئيل كانت الذي اعلن قوله صراحة:

«انني لاعترف صادقا ان‏ما استذكرته من تعليم ديفيد هيوم كان هو على وجه التحديد العامل الذي احدث منذ اعوام‏كثيرة اول هزة ايقظتني من سبات جمودي الاعتقادي، ووجه ابحاثي في مجال الفلسفة‏التاملية وجهة جديدة‏»((81)) . لذا كان كتابه:

«نقد العقل المجرد» يهدف الى انقاذالمعرفة البشرية من خطر الانتقادات التي احدثها هيوم.

وعلى العموم، فان ظهور هيوم والرد عليه من قبل «كانت‏»، ثم مجي‏ء الوضعية المنطقية التي‏نقدت ما قبلها، كل ذلك قد ادى الى بلورة المشكلات الاساسية المتعلقة بالدليل‏الاستقرائي.

فما من احد يشك في ان هيوم هو اول من وجد في الاستقراء مشكلة منطقية.. هذه المشكلة‏التي تتحدد بمسالة وجود المسوغ المنطقي للتعميم، اعتمادا على فهم السببية بشكل خاص.لذلك كانت هناك مواقف مختلفة اتجاه الدليل الاستقرائي، بعضها ينفي المشكلة من‏الاساس، وبعض آخر يرى انها ثابتة لا تزول، كما توجد هناك مواقف اءخرى لا تصل الى‏هذين الحدين المتطرفين، وتبتغي سبلا متباينة من الوسط.

وقد ارتبطت بهذه المشكلة مشكلة منطقية اءخرى تتعلق بمسوغ اليقين في القضاياالاستقرائية، حتى تلك التي لا تكون لها علاقة بالتعميم، كمعرفتنا بوجود واقع موضوعي‏حولنا، وبوجود زيد وموت سقراط ونشوء الارض.. الخ.

معالجة المفكر الصدر للاستقراء: تعرف اولي ولاجل التعرف الاولي على معالجة المفكر الصدر للاستقراء لا بد من لحاظ النقطتين‏الاتيتين:

1 ان نظرية المعرفة يتجاذبها اتجاهان متعاكسان لمذهبين ظلا على خلاف تاريخي قائم‏الى يومنا هذا، احدهما يدعى بالمذهب العقلي وخير من يمثله ارسطو واتباعه من المناطقة‏والفلاسفة، اما الاخر فهو المذهب التجريبي، وخير من يمثله التيارات الوضعية والتجريبية‏الحديثة.

والمعرفة، لدى المذهب العقلي، قائمة اساسا على مبادى‏ء اولية عقلية ليست مستمدة من‏التجربة والحس، وعليه كانت الطريقة المتبعة في انتاج المعرفة الجديدة دائما قياسية تتجه‏مما هو عام وكلي الى ما هو خاص وجزئي. فحتى الاستقراء نفسه يصبح منطويا على قياس‏خفي لكونه يرتكز على بعض المبادى‏ء العقلية التي تسوغ له مشروعية الاتجاه من العام الى‏الخاص.

اما لدى المذهب التجريبي، فعلى العكس، اذ ان المعرفة الاساسية لديه قائمة بطريقة‏استقرائية على التجربة، وبالتالي فان عملية انتاج المعرفة تتجه، في الاساس، من الخاص‏الى العام وليس العكس.

وكانت مهمة الصدر، قبال هاتين النزعتين المتعارضتين، هي الجمع بينهما حتى في العملية‏الواحدة، كما هو الحال في الاستقراء نفسه، اذ ان الاستقراء لديه ينطوي على عمليتين معا،حيث يبدا على شكل قياس باتجاه الفكر من العام الى الخاص، وذلك بتجميع قيم‏الاحتمالات الرياضية الى اقوى درجة ممكنة من الاحتمال لصالح القضية المستقراة،اعتمادا على مبادى الاحتمال ومصادراته التي تسوغ الشكل القياسي من العملية‏الاستقرائية.

وقد اطلق الشهيد على هذه العملية اسم المرحلة الاستنباطية.

لكنه لم يتوقف عندها، اذاضاف اليها عملية اخرى غاية في الاهمية، وهي التي سماها «المرحلة الذاتية‏». فبعد ان‏تنتهي المرحلة الاستنباطية باتجاه الفكر من العام الى الخاص، ياتي دور المرحلة الذاتية‏الاخيرة باتجاه الفكر من ذلك الخاص الى عام آخر يتمثل بتعميم القضية المستقراة.

ان هذه التشكيلة من الجمع بين عمليتي تنقل الفكر البشري في القضية الواحدة، من العام‏الى الخاص، ومن الخاص الى العام، هي الطريقة الجديدة التي صاغها السيد الصدر ليفسرمن خلالها غالب المعرفة البشرية. فمن المعلوم ان العملية القياسية في انتاج المعرفة هي‏عملية منطقية بحتة، الامر الذي يعني ان الدليل الاستقرائي في مرحلته الاستنباطية الاولى،حينما يقوم اساسا على مبادى‏ء الاحتمال، انما ينطلق طبقا لعملية منطقية خالصة ليس‏للذهن البشري فيها اي دور من ادوار التدخل الذاتي. لكن المشكلة تتحدد في العملية‏المعاكسة، اذ ان الاستقراء في مرحلته الثانية او الاخيرة لا يعتمد على الطريقة القياسية، بل‏يتجه مما هو خاص الى ما هو عام، او مما هو محتمل الى ما هو يقين. فاذا كان من الواضح‏ان هذه العملية ليست قياسية كما هو الحال مع الاولى، فكيف يمكن تسويغ مثل هذا التحول‏وهذا الانتقال؟ وكيف يمكن تفسير مثل هذه العملية؟ وهل يا ترى ان لهذه العملية منطقاخاصا ام لا؟ حقيقة الامر ان دور الصدر يبدا من هذه النقطة بالذات، فهو يرى ان عملية الانتقال مما هوخاص الى ما هو عام، ومما هو احتمال الى ما هو يقين، يتم عبر طريقة خاصة في المعرفة‏هي تلك التي سماها التلازم الذاتي. فتوليد المعرفة لا يتم هنا عبر شكل منطقي كما هوالحال مع القياس، بل يتم ذاتيا من معرفة اءخرى تلازمها. فحين تتراكم القرائن الاحتمالية في‏الذهن البشري باتجاه محور قضية ما، تحصل للذهن حالة اذعان للتسليم «ذاتيا» بصحة هذه‏القضية، فيخلع عليها لباس اليقين او التعميم. وتعد هذه الخاصية من سمات الفطرة للذهن‏البشري. فما قام به الصدر في مرحلته الذاتية هو انه قد افنى القيمة المتضائلة عمليا كما هي‏منتفاة نفسيا لدى عموم الذهن البشري. لكنه مع افنائه اياها عمليا طبع عليها طابعا منطقيا،وذلك لضمان سلامة الاستقراء كي يظل حاملا لما هو «جامع مانع‏» من خلال وضع الشروط‏المنطقية اللازمة، والتي على راسها شرط التراكم الاحتمالي بشكل مطرد من دون‏شذوذ.

بهذا، فان الدور الرائد للسيد الصدر هو ليس البرهنة على اليقين والتعميم في القضية‏الاستقرائية، وانما هو تسويغ الصفة السايكولوجية لعملية التلازم المعرفي الذاتي بطريقة‏منطقية.

فهو بذلك اراد ان يجعل للطبيعة منطقا لا يتناقض مع كونها لا تقوم على اساس‏منطقي، لهذا اطلق الصدر على اطروحته اسم المذهب الذاتي‏».

2 ان المحاولة المبتكرة للمفكر الصدر ارادت ان تمد جسرا منطقيا بين عالم الشهادة وعالم‏الغيب، فعدت الاستقراء كفيلا بحل القضية الميتافيزيقية المعبر عنها بالمسالة الالهية.

وهذاامر لم يسبق للمذاهب الفلسفية ان طرقته، بل عد مستحيلا لدى الفكر الحديث ومنه التيارالعلمي. فقد توصل المفكر الصدر، من خلال محاولته الرامية الى تاسيس الدليل الاستقرائي،الى اثبات المسالة الالهية بالقدر نفسه الذي تثبت به اي قضية علمية اءخرى. فكما سبق، فقدعرفنا ان هناك اساسا مشتركا لاثبات كل من العلوم الطبيعية والمسالة الالهية، وانه ليس امام‏الانسان ان يختار الا طريقا بين طريقين لا ثالث لهما، فاما الايمان بالعلم والمسالة الالهية اوالكفر بهما معا، واي سبيل آخر هو بلا ريب متناقض، اذ ان الشروط التي تثبت القضية العلمية‏هي نفسها التي تثبت القضية الالهية بلا فرق، مشيرا الى الدور الذي مارسه القرآن الكريم في‏التنبيه الى فحوى الدليل الاستقرائي للكشف عن الاصل العقدي من خلال النظر الى الخلق‏والعالم لاستكشاف ما يبديه من قصد وحكمة.

الركائز الاساسية لاطروحة المفكر الصدر في حل مشكلة الاستقراء تلك كانت فكرة عامة استعرضناها للتعريف بمذهب الشهيد الصدر. اما من حيث النقدوالتحليل، فيلاحظ ان اطروحة الصدر تتقوم بعدد من الركائز الاساسية، سواء في مرحلتهاالاستنباطية ام في مرحلتها الذاتية. ففي المرحلة الاستنباطية لا يؤدي الدليل الاستقرائي‏دوره في اثبات اليقين والتعميم الا بعد احراز محورين اساسيين كالاتي:

الكشف عن السببية في القضية الاستقرائية وترجيح الضرورة فيها، ليتسنى بعد ذلك‏اثباتها.

اثبات الوحدة المفهومية لدى كل طرف من طرفي العلاقة السببية في القضية‏الاستقرائية.

فبحسب المفكر الصدر، تنطوي القضية الاستقرائية التي يراد لها التعميم على ثلاث مشاكل‏تستدعي الحل والعلاج:

فاولا: مشكلة اثبات مبدا السببية العامة، اذ به يمكن ان نثق بان تمدد الحديد مثلا كان‏بسبب ما. ومن دون هذا الشرط فانه من غير الممكن ان نصل الى تاسيس الدليل‏الاستقرائي، لانه قد لا يكون بين الظواهر اي رابط سببي مطلقا.

وثانيا: مشكلة تعيين السببية الخاصة، فاذا عرفنا ان كل حادثة لا بد من ان ترتبط بسبب ماعن طريق تذليل المشكلة الاولى، يبقى ان نتعرف الى ماهية السبب المرتبط بالحادثة،فتمدد الحديد مثلا له سبب يرتبط به، والمفروض ان نتعرف الى ماهية هذا السبب كي نثق‏بالرابطة الحقيقية التي تربطه مع الحادثة (تمدد الحديد). على هذا تتحدد المشكلة كالاتي:كيف يمكن ان نتعرف الى ماهية السبب، ونثق بان سبب تمدد الحديد هو الحرارة لا الضغط‏مثلا؟ ! وثالثا: مشكلة التعميم، فاذا تغلبنا على المشكلة الثانية (فضلا عن الاولى)، وعرفنا ان‏السبب الذي يرتبط بتمدد الحديد في التجارب التي اقمناها هو الحرارة.. ففي هذه الحالة،ماالذي يجعلنا نثق بان الحرارة هي دائما تعمل على تمدد كل حديد؟ هذه هي مشكلات الاستقراء الاساسية التي اولاها المذهب الذاتي جل اهتمامه ومعالجته.وهو في محاولته لبناء الدليل الاستقرائي طبقا لحل المشاكل آنفة الذكر، اشترط ان تحل‏المشكلتان الاوليان طبقا لاثبات محورين اساسيين: الاول اثبات الضرورة في العلاقة‏السببية، سواء تلك المنوطة بالمشكلة الاولى (السببية العامة)، ام تلك التي تتعلق بالمشكلة‏الثانية (السببية الخاصة).

فالقضية الاستقرائية، في نظره، ليست قابلة للتيقن ما لم تترجح وتثبت السببية الضرورية‏لكلا العلاقتين العامة والخاصة، وذلك اعتمادا على اقامة التجارب والحساب الاحتمالي لها.والامر لا يتوقف عند هذا الحد، وانما يعتمد على اثبات محور آخر هو «محور الوحدة‏المفهومية‏» لكل من السبب والمسبب. وتعني هذه الوحدة ان التعامل مع السبب او مع‏المسبب لا يتم مع مشخصاتهما الفردية: فلا يكون التعامل مع هذه الالف مستقلا عن تلك‏الالف مثلا ، وانما يكون مع الصفة العامة للالفات، وكذا الحال مع الباءات. فعندئذ يمكن حل‏المشكلتين: الاولى والثانية بالتجربة والاستقراء، كما تتطلب المرحلة الاستنباطية من الدليل‏الاستقرائي، ويتهيا الامر الى الدخول في حل المشكلة الثالثة وتسويغ مسالة التعميم واثبات‏اليقين، وذلك استنادا الى ما تقوم به المرحلة الذاتية من الدليل الاستقرائي. وهي مرحلة لاتقوم لها قائمة من غير اتمام ما على المرحلة الاستنباطية من المهمتين سالفتي الذكر.

على ان الدور في المرحلة الذاتية يختلف عما هو عليه في سابقتها. فهي لا تقوم باي عمل‏استقرائي وتجريبي، ولا تبني اي حساب احتمالي، وانما تحول هذه الانجازات الى شكل‏آخر من المعرفة هو المعرفة الذاتية التي فيها يثبت اليقين والتعميم، فتحل بذلك المشكلة‏الاخيرة من مشاكل الاستقراء. والركيزة الاساسية في هذه المرحلة هي المصادرة الموضوعة،وغرضها تسويغ النقلة من الترجيح الاحتمالي في المرحلة الاستنباطية الى حالة اليقين(الموضوعي) ، فزيادة التجارب الناجحة في المرحلة الاستنباطية تعمل على تنمية قيمة‏احتمال السببية الى اقوى درجة ممكنة من الترجيح، وعندها يبدا دور المرحلة الذاتية،وذلك من خلال المصادرة التي تقر بانه «كلما تجمع عدد كبير من القيم الاحتمالية في محورواحد، فحصل هذا المحور نتيجة لذلك على قيمة احتمالية كبيرة، فان هذه القيمة الاحتمالية‏الكبيرة تتحول، ضمن شروط معينة، الى يقين‏»، وذلك في الوقت الذي تتحول فيه القيمة‏المضادة لها الى درجة الصفر((82)) وقد اءحيطت هذه المصادرة بشروط خاصة تحدددائرة الوظيفة التي تقوم بها.

محور المرحلة الاستنباطية تلك هي اجمالا الركائز الاساسية لاطروحة المفكر الصدر في حله لمشكلة الدليل‏الاستقرائي. وسيقتصر تحليلنا ونقدنا هنا على المحورين الاساسيين اللذين يقومان‏المرحلة الاستنباطية. لذا نتساءل: كيف امكن للمذهب الذاتي ان يحقق حله للمشاكل‏الثلاث المنوطة باثبات المحورين سالفي الذكر استقرائيا؟ فاولا كيف استطاع ان ينمي‏الضرورة في العلاقة السببية؟ ثم كيف تمكن من اثبات الوحدة المفهومية لاطراف العلاقة‏السببية؟ 1 الدليل الاستقرائي واثبات السببية الضرورية تمتاز السببية التي تفترض الضرورة، كما يعول عليها المذهب العقلي، بنوعين من العلاقات،احداهما وجودية، وهي تعني انه كلما وجد السبب (ا) حدثت (ب)، والاخرى عدمية، لانهاتعني ان كلما انعدم وجود(ا) فان (ب) تنعدم تبعا له، الامر الذي يقتضي ان يكون وجود (ب)من دون (ا) مستحيلا، وهو عبارة عن نفي المصادفة المطلقة التي تتضمن استحالة وجودالمسبب من دون سبب. وبحسب الشهيد الصدر، فلكي نثبت صحة الدليل الاستقرائي في‏سيره المعرفي من الخاص الى العام لا بد من اثبات هذين النمطين من السببية الضرورية،فهما يعبران عن السببيتين: الخاصة والعامة.

فبخصوص اثبات السببية الضرورية الخاصة، تارة يفترض ان هناك مسوغا للاعتقادباستحالة المصادفة المطلقة، واخرى يفترض عدم وجود مثل هذا المسوغ، اي انه من الجائزحدوث مثل هذه المصادفة، فسواء بهذا ام بذاك يكون من الممكن تنمية احتمال هذه‏السببية بين (ا) و(ب).

ففي الحالة الاولى: اذا كانت (ا) موجودة ووجدت معها (ب)، فاما ان يكون وجود (ا) هوالسبب في حدوث (ب)، او انه لاعلاقة له بذلك، لكن حيث انه بحسب الفرض يستحيل ان‏يكون وجود (ب) من غير سبب، لذا يحتمل بادى الامر ان يكون السبب في وجودها هوعنصر آخر غير (ا)، ولنفترض انه (ت). على انه من الواضح انه لو لم تكن (ت) موجودة‏لتحتمت سببية (ا) ل(ب)، لكن احتمال وجودها قد يعطيها بعض القيمة الاحتمالية لان تكون‏هي السبب ل(ب)، ولا شك في ان هذه القيمة تظل ضئيلة بالقياس الى قيمة احتمال سببية(ا)، وذلك لان اخراج قيمة احتمال سببيتها يفرض علينا ضرب احتمال كونها موجودة في‏احتمال كونها هي السبب على افتراض وجودها، وبعملية الضرب تتضاءل القيمة.

وهذه التقديرات تظل كما هي في حالة اجراء اي عدد ممكن من التجارب، الا انه مع زيادة‏التجارب يلاحظ ان قيمة احتمال سببية (ا) تزداد، في الوقت الذي يتضاءل فيه احتمال سببية(ت).

اما في الحالة الاخرى التي نفترض فيها ما يسوغ لنا الاعتقاد بجواز حدوث المصادفة‏المطلقة، فانه من الممكن، ايضا، تنمية احتمال سببية (ا) ل(ب) باطراد، وذلك عن طريق‏القضية الشرطية الاتية: اذا كان صحيحا ان (ا) هي السبب في وجود (ب) فلا بد من ان يقترنامع بعض في جميع التجارب المختبرة. وبالعكس فيما لو لم تكن (ا) هي السبب ل (ب).

وفي‏هذه الحالة اذا افترضنا ان (ا) ليست سببا لوجود (ب)، فسوف تكون لدينا بعض الاحتمالات‏التي تتعلق بظهور (ب) حين ايجاد (ا).

كان ذلك في ما يتعلق باثبات علاقة السببية الضرورية الخاصة.

اما بخصوص اثبات السببية‏الضرورية العامة، فيتعلق الامر هنا باثبات استحالة المصادفة المطلقة، فلو افترضنا ان (ا) هي‏الوحيدة المحتملة لسببية (ب) فان بالامكان تنمية احتمال السببية العدمية التي تتضمن نفي‏المصادفة المطلقة، وذلك من خلال ايجاد التجارب الناجحة التي تكشف عن اختفاء (ب)حين انعدم (ا).

ومن الواضح انه لو صحت هذه الطريقة لكان يعني انه من الممكن البرهنة استقرائيا على‏نقطة تعد في غاية الاهمية، وهي استحالة المصادفة المطلقة التي تمثل جوهر السببية العامة،وبالتالي فان ذلك يعني انه لا حاجة للدليل الاستقرائي الى اي مصادرة قبلية تتعلق‏بالسببية.

لكن على الرغم من عميق المحاولات العميقة المبتكرة التي اسسها اءستاذنا الشهيد في تنمية‏احتمال السببية طبقا لنظريته الخاصة بالعلم الاجمالي، فان النتيجة التي استخلصها منهاعليها بعض الملاحظات كالاتي:

1 ليس من شك في ان المحاولات السابقة للتنمية الاحتمالية تصلح لاثبات السببية‏عموما في قبال المصادفة، لكنها تخفق في البرهنة على اثبات الضرورة التي تتضمنهاعلاقة السببية.

فمن الواضح ان الاقتران بين ظاهرتين خاصتين اما ان يعبر عن ضرورة‏محضة او عن مصادفة محضة او عن علاقة مشدودة تقبل الانفكاك. ومع كثرة التجارب‏ومشاهدة التكرار في الاقتران يمكننا بطريقة الاحتمال ان نضعف من قيمة احتمال‏المصادفة ومن ثم نفيها عمليا، لكن يظل لدينا افتراضان احدهما لصالح الضرورة والاخرلصالح علاقة الشد.

ومن المعلوم ان كثرة التجارب لا اثر لها في تاييد اي فرض من الفرضين‏السابقين ما لم يتدخل عامل آخر جديد، كالعامل الفلسفي او الشرعي، مثلما تنبه اليه استاذناالشهيد في كتابه:

«بحث حول المهدي‏».

هكذا فان التجارب المتكررة بامكانها ان تساعد على تنمية احتمال نفي المصادفة المطلقة،لكنها لا تساعد على تنمية احتمال استحالتها، للفارق بين نفي الشي‏ء ونفي استحالته، او لان‏اثبات علاقات الشد لا يدل على استحالة فكها.

ولا يختلف هذا الموقف من اثبات السببية العامة بوساطة الاحتمال والاستقراء عن الموقف‏السابق مع السببية الخاصة. اذ ان نجاح التجارب يمكن ان يساعد على تنمية احتمال سببية‏ظاهرتين تقترن احداهما بالاخرى، من دون ان يعني ذلك انها تنمي قيمة احتمال الضرورة‏في العلاقة المفترضة بينهما، طالما يحتمل ان تكون هذه العلاقة هي مما اطلقنا عليها اسم‏علاقة الشد.

ويلاحظ ان للفكر الاسلامي ثلاثة مواقف ازاء طبيعة العلاقة السببية الخاصة، وان اتفق‏المفكرون على ما تتميز به السببية العامة من وجود العلاقة الضرورية. فهناك الموقف الذي‏يرى ان العلاقة السببية تتحكم بها الضرورة، وهو ما يمثل وجهة النظر الفلسفية. كما هناك‏الموقف الذي يرى ان العلاقة هي علاقة اطراد ناشئة بفعل «الخلق المستمر»، مثلما قال‏الاشاعرة.

كذلك فهناك الموقف الذي يرى العلاقة تتحكم بها الصور الطبعية كسنة شاء اللّهتعالى ان يطبع بها مخلوقاته، وهي بالتالي ثابتة لكنها ليست ضرورية الثبات، بدلالة ان‏خرقها جائز للانبياء كي يبرهنوا على صدق دعواهم، كما هو راي ابن حزم.

هكذا نحن امام‏ثلاث نظريات عن السببية الخاصة، وهي باختصار عبارة عن:

1 السببية الضرورية (الفلاسفة).

2 السببية الخلقية (الاشاعرة).

3 السببية الطبعية (ابن حزم).

وعليه، فاننا لاجل البرهنة استقرائيا على السببية الاولى لا بد من ان نضعف في المقابل‏السببيتين الاخريين. ولو اننا اعتبرنا السببية الثانية (الخلقية) تفترض سلفا الرجوع الى المبداالميتافيزيقي الخاص بالمسالة الالهية، وجوزنا تسامحا عدم الاذعان الى الاعتبارات‏الميتافيزيقية، فانه مع ذلك تظل امامنا السببية الطبعية، اذ كيف يمكن القضاء على فرض‏قائل:

ان علاقات الطبيعة يسود فيها نمط من الطبائع وان لم يتحتم تاثيرها؟ وهو الفرض‏الذي يتسق مع ما اطلقنا عليه اسم علاقة الشد، وذلك لننزع عنه الاعتبارات الميتافيزيقية،ولنفسر سائر الظواهر التي لا يسود فيها ما يمكن اسناده الى الصبغة الطبعية، كما هو الحال مع‏الظواهر الاحصائية. اما لو اخذنا باعتبار التاثير الخاص بالمسالة الميتافيزيقية فاننا نعجز عن‏ان نضعف الافتراض القائل بالسببية الخلقية، وهو الافتراض الذي يجعل من العلاقات بين‏السبب والمسبب لا يسود بينها اي نمط من انماط التاثير، انما جرت سنة اللّه ان يجعل بينهماهذا الارتباط من التعاقب والاضطراد. مع ذلك فليس هناك ما يضطرنا للاخذ بهذا الافتراض‏طالما انه من الممكن تفسير تلك العلاقات بشكل قريب ومتسق.

2 وعلى العموم، فان فرض الضرورة لا يصلح التمسك به في تقييم تعميماتنا لقضاياالاستقراء حتى مع افتراض صدقه في الواقع، وذلك باعتبار اننا لا نتعامل مع الظواهر بحدودالعامل الواحد كي نعرف ان هذا ضروري الوجود، وذلك ضروري العدم، بل يلاحظ ان كل‏ظاهرة تخضع للعديد من العوامل المختلفة التي تشكل في ما بينها ما يسمى بالعلة التامة.واذ لا يمكن الاحاطة بكافة تلك العوامل والشروط فاننا لا نامن نجاح الظاهرة على سبيل‏الاطلاق. فقد تنعدم هناك عوامل اساسية خافية عنا، كما قد تتدخل عوامل اءخرى جديدة‏تعمل على حرف الظاهرة.

وهذا لكون الظواهر في الواقع ذات بنية تركيبية خاضعة للتغيير باستمرار، فان الطبيعة تصبح‏مسرحا لنوعين من العلاقات المثبتة بالاستقراء، هما علاقات الشد الوظيفية والمصادفة‏العرضية (النسبية). اما علاقات الضرورة فهي على فرض وجودها ينبغي ان تكون ضيقة‏بالحدود التي تصير فيها العوامل ثابتة من دون ان يطرا عليها اي تاثير خارجي، لهذا كان‏بحثها يختص بالدراسات الفلسفية المجردة.

2 الدليل الاستقرائي واثبات الوحدة المفهومية ان فهم العلاقة السببية، طبقا للمفهوم الماهوي، يعود بنا الى المنطق الارسط‏ي. فالعلاقة‏الضرورية بين السبب والمسبب، لدى هذا المنطق، قائمة على اخذ اعتبار الماهية في طرفي‏هذه العلاقة، او ان الضرورة المعتبرة هي تلك التي تقوم بين ماهية السبب وماهية المسبب.اما العلاقة الخارجية للسببية فقد تتاثر بعض مشخصاتها احيانا بما يطرا عليها من بعض‏العوارض ويجعلها غير محتمة الحدوث، اي ان العلاقة بوصفها الشخصي لا يتحتم فيهاالارتباط الضروري على الدوام، طالما انها قد تتاثر بعوامل اءخرى طارئة على ذاتيتي السبب‏والمسبب، مما قد لا يتمكن العقل البشري الكشف عنه بدقة. وهذا الفصل بين الماهية اوالمفهوم الكلي من جانب، وبين الواقع الموضوعي للعلاقة السببية من جانب آخر، جعل‏المنطق الارسط‏ي لا يحتم مسالة التعميم ولا يعيرها اهمية بوصفها مشكلة في بناء الدليل‏الاستقرائي. فما يهم هذا المنطق هو الكشف عن المفهوم الكلي(الماهوي) من العلاقة‏السببية، ولا يضيره شي‏ء ان افضت القضية الاستقرائية الى عدم تحقيق الامر الدائم (التعميم)وانتابها بعض الشذوذ والمستثنيات نتيجة التعقد الحاصل بين الظواهر في الواقع الموضوعي.وبالتالي فان ما يكفيه هو ان يتحقق الاقتران الاكثري او الغالب ليعد الدليل الاستقرائي او مايسميه بالتجربة صحيحا في نهجه.

بهذا يتخذ المنطق الارسط‏ي مسلكا مزدوجا، فهو من جانب يعتقد بامكانية الكشف عن‏السببية الضرورية المؤطرة ضمن الاطار الكلي الماهوي، لكنه من جانب آخر لا يجعل ذلك‏مسوغا للتعميم، بل يكفي تحقق الاقتران الاكثري بين السبب والمسبب ليستكشف منه‏صبغتهما الطبعية في التحقق، حتى لو لم يؤد ذلك الى الاقتران الدائم، طالما ان هذه الظاهرة‏قد تتلبس بعوامل متعددة تمنعها من ان تتحقق وتعبر عن كامل شكلها الكلي من‏الماهية.

وهذا الامر يختلف تماما عما لجا اليه الاتجاه التجريبي الذي رفض المصادرات القبلية.ذلك ان هذا الاتجاه لا يتجاوز النظر الى العلاقة المحسوسة بين وقائع الظاهرتين‏المتعاقبتين، وهما من حيث ذلك لا يدلان على الضرورة بين السبب والمسبب، كما لايدلان على المفهوم الماهوي للعلاقة بينهما، وبالتالي فان التعامل معهما يظل ضمن الاطارالشخصي من العلاقة لا المفهومي او الكلي. وكلا الامرين يجعله لا يجد ما يسوغ حالة‏التعميم. وهو من حيث لا يعترف بالامر الكلي او الماهوي من العلاقة السببية فانه يعد شذوذالشاهد الواحد مما يبطل الدليل الاستقرائي، مثلما يؤكد على ذلك الفيلسوف المعاصر كارل‏بوبر، الامر الذي دعاه الى رفض الاعتماد على الاستقراء واللجوء الى المذهب الاستنباط‏ي‏القائم على اساس التكذيب، اي السعي وراء اكتشاف شاهد مضاد يكفي ان يكذب القضية‏الكلية المفترضة. وعليه فان جوهر المشكلة الاستقرائية لدى الفكر التجريبي هو التعميم‏والتنبؤ بالحوادث الجديدة، الامر الذي جعله ينظر عادة الى الدليل الاستقرائي بما يحمل من‏هذه الخاصية التنبؤية، رغم ان في بعض اشكال هذا الدليل ما ليس له علاقة بالتنبؤ والتعميم،كما هو الحال في ما يتعلق بدوره في تفسير الظواهر الطبيعية واثبات وجودها.

اما المفكر الصدر، فواقع الامر انه سلك سلوكا جامعا بين ما اراده المذهبان: العقلي‏الارسط‏ي والتجريبي الغربي. فهو من جانب يعول على الطابع الماهوي للعلاقة السببية، لكنه‏من جانب آخر سعى نحو افادة الدقة في الوصول الى التعميم، اي انه لم يعتمد على مجردالامر الكلي مثلما هو الحال لدى المنطق الارسط‏ي، وانما سلم باعتبار طابع الوقائع‏الخارجية، حيث اخذ يدقق في فئة محددة من الطابع الماهوي ليستعين بها في امر التعميم،فاكد على ضرورة ان ياخذ المستقرى في عين الاعتبار ما يمكن ملاحظته من تمييز بين‏فئات الالفات مثلا ، حتى لا يعمم الحكم عليها جميعها، بل يكتفي بخصوص الفئة التي‏جرب علاقتها بالسببية والتي اطلق عليها خاصية الوحدة المفهومية رغم انها تشترك مع‏غيرها بخاصة الوحدة النوعية او الماهية. فالغرض من هذا التعريج في لحاظ الواقع هو لاجل‏اسناد المرحلة الاستنباطية وتسويغ التعميم بلا شذوذ ولا استثناء. وعليه فانه بذلك يختلف‏عن المنطق العقلي الارسط‏ي في عدم اعتباره للاستقراء القائم على الحد الاكثري وتسويغ‏الشذوذ. كما انه يختلف عن المنطق التجريبي لكونه يرى ان باستطاعة العقل البشري ان‏يجد سبيله في تسويغ حالة التعميم حتى مع عدم الاخذ بالمصادرات القبلية.

هكذا يتبين لنا الشكل المميز الذي اتخذه اءستاذنا الشهيد لبناء مساءلة التعميم وتسويغها في‏الدليل الاستقرائي، وذلك استنادا الى الوحدة المفهومية ضمن الوحدة الكلية او الماهية. ولناعلى ذلك عدد من الملاحظات كالاتي:

اولا: ان ضرورة اخذ اعتبار الخاصية المشتركة والوحدة المفهومية للالفات والباءات المقترنة‏يفضي بالبحث الى ان يتاطر في دائرة الاستقراءات البسيطة ذات العلاقات المطردة، فيصاب‏بالعجز عن تفسير الفروض العلمية التي تتجاوز حالات الانواع والتي تنشا على اساس‏الاحتمالات المتباينة (غير السوية). ففي الفرض الذي يتناول الجاذبية، لا نرى ثمة تماثلافي الظواهر المتعلقة بتفسير هذه القوة، فكما نلاحظ ان هناك فروقا نوعية شاسعة بين ظاهرة‏المد والجزر وحركة الكواكب وانحراف كوكب يورانوس وسقوط الاشياء على الارض‏واكتشاف كوكب نبتون الخ..، فمع ان هذه الظواهر مختلفة نوعا لكنها جميعا تنساب نحوتاييد ذلك الافتراض.

ولعل اكتشاف «نبتون‏» يعبر عن حالة خاصة تختلف اختلافا جذرياعما سواه من الظواهر الاخرى، ذلك انه يتاطر في اطار القالب المعرفي. وبعبارة اخرى، انه‏اذا كانت سائر الظواهر الاخرى تعبر عن قرائن احتمالية مصداقية، فان اكتشاف ذلك‏الكوكب لا يعبر الا عن قرينة احتمالية معرفية تؤيد القوة المفترضة كتاييد البقية، وهو في‏الوقت نفسه مستلهم من الفرض آنف الذكر، وعند اكتشافه حقيقة اصبح قرينة زادت في القوة‏الاحتمالية للفرض السابق.

ومعلوم ان الحظ لا يحالفنا بالتوفيق لو اردنا تطبيق الخاصية المشتركة والوحدة المفهومية‏لاقترانات (ا) و(ب) على ذلك الفرض، فلو اعتبرنا (ا) بمثابة القوة الجاذبة فان (ب) ستكون‏ذات انواع متمايزة ومفككة، فبعض افرادها يعبر عن المد والجزر، وبعض آخر عن سقوط‏الاشياء على الارض، وبعض ثالث عن انحراف «يورانوس‏»، ورابع عن اكتشاف «نبتون‏»المستلهم من روح الجاذبية نفسها، وكل ذلك مما لا يتسق مع شرط الوحدة‏المفهومية.

وعليه، كان لا بد من ان نشخص بحث الاستقراء على منوالين، فتارة يبحث في قرائن‏متماثلة نوعا، واءخرى خلاف ذلك. ويعد النوع الاخير من البحث اءهم واءشد ارتباطابالفروض العلمية من الاول. كما انه يتاسس عليه، اذ ان اساس التماثلات انما يستدل عليه‏بالاختلاف والتباينات كما سيتضح لنا ذلك. وكثير من الاحيان نلاحظ امكانية بحث ظاهرة‏واحدة بالطريقتين معا، رغم ان القيم الاحتمالية المعطاة لكل منهما تكون مختلفة تبعالذلك. فباعتبار ان البحث الثاني يعط‏ي قرائن مختلفة كيفا، لذا فان القيم الاحتمالية المتجمعة‏منه يتوقع لها ان تكون مختلفة عن قيم احتمال البحث الاول، فيما لو حافظنا على ثبات‏العدد من التجارب بشكل كلي في كلا النوعين.

ثانيا: يلاحظ اننا حتى لو عولنا على الاخذ بمنطق الوحدة المفهومية، فرغم ذلك سوف لاننجح في تعميم الاحكام التنبؤية ما دمنا نتعامل مع فئات هي غاية في التركيب والاشراط‏والتعقيد، فاي ظاهرة نختارها لا يمكن تحصينها عما يمكن ان يطرا عليها من زيادة اونقصان من دون ان نشعر، وهي النقطة التي اولاها المنطق الارسط‏ي على لسان ارسطو وابن‏سينا اهمية خاصة في جواز خطا النتيجة وبطلان الحكم الكلي والتعميم، والتي عبر عنهابمشكلة اخذ ما في العرض مكان ما في الذات. فحيث اننا لا نملك قدرة لمعرفة عناصرالظاهرة المركبة الا اجمالا، فان اي حادثة جديدة نصادفها ونتصور انها تنتمي الى هذه‏الظاهرة تبعا لادراك التماثل بينهما قد تخيب ظننا، فنتصور انها ستفرز الاثر نفسه الذي‏يترتب على تلك الفئة، واذا بها تعصف ب‏آمالنا ادراج الرياح، الامر الذي يعني ان الجسرالذي يوصل الوحدة المفهومية من عالم الافتراض الذهني الى الواقع لا يملك القوة الكافية‏الى الدرجة التي يستعد فيها لان يتحمل الدفعات الجديدة كلها.

ثالثا: كما يلاحظ فان الاستدراك الذي عول عليه اءستاذنا الشهيد في اكتفائه بمنطق الوحدة‏المفهومية من دون الاخذ بمطلق الوحدة المشتركة للماهية، هو في حد ذاته يدل على وجودالمسوغ الكافي للاستغناء عن الضرورة في ما يخص الفئات المشتركة العامة. فلو اننا لم نروجود تمايز بين الالفات بحسب ما اتيح لنا ان نقيمه من تجارب، لكان هذا لا يمنع من‏وجود الفات اءخر لا تخضع الى الحكم نفسه، فيبطل بذلك مسوغ التعميم. في حين لا يردهذا الاشكال على مبدا علاقة الشد.

رابعا: اخيرا، ما هو الدليل على وجود الصفة العامة لماهية الافراد؟ فلو انا سالنا استاذناالشهيد عن ذلك لوجدنا الجواب جاهزا، وهو انه مستمد من الاستقراء ايضا! فقد اعتقد ان اثبات الماهية المشتركة هو، ايضا، مما يتم عبر استقراء آخر يكشف عن طبيعة‏التماثل بين افراد تلك العناصر، لكنه لم يفصل الحديث في هذا الامر على‏اهميته((83)) .

على ان تحليل هذه القضية من اعتبار الاستقراء يقوم على اساس الوحدة المفهومية، وان هذه‏الوحدة ترد الى استقراء آخر، سيفضي الى ان نجد انفسنا ندور في حلقة مفرغة من الدور.وهو تهديد صارخ للاساس الذي يقوم عليه الدليل الاستقرائي فيما لو اسند الى مثل هذه‏الدائرة. ومن حيث التفصيل نلاحظ في النص، آنف الذكر، ما يلي من القضايا:

1 قضية اثبات التشابه بين الشي‏ء الخارجي وصورته الذهنية.

2 قضية اثبات التماثل للصور حين تكون هناك اشياء خارجية متماثلة.

3 الاستدلال استقرائيا على تماثل الاشياء الخارجية من خلال وجود التماثل‏الصوري.

لنترك مؤقتا القضية الاولى وننتقل الى الثانية لنتساءل: ما الذي يدعونا الى الاعتقاد بوجودتماثل بين الصور؟ والجواب على ذلك كما ذهب اليه اءستاذنا الشهيد بحق هو اءن هذه القضية‏مدركة ادراكا مباشرا من دون اتكاء على اي استدلال.

تظل لدينا القضية الثالثة، وفيها اننا اذاتوصلنا كما في القضية الثانية الى ان هناك صورا متماثلة: كيف يجوز لنا ان نعكسها على‏التماثل بين الاشياء الخارجية المقابلة لها؟ والملاحظ ان علاج استاذنا الشهيد لهذه القضية بالخصوص كان مجملا، فهو لم يقل شيئاسوى ان رد التماثل الى الاستقراء، اي اننا نملك استقراءين، احدهما يرتكز على التماثل اوالوحدة المفهومية، والاخر يثبت هذه الوحدة، وسؤالنا: هو كيف يثبت الاستقراء ذلك‏التماثل؟ لنعلم اولا اننا حين ندرك التماثل بين عدد محدود من الصور يمكننا ان نعكس ذلك على‏التماثل بين العدد المقابل من الاشياء الخارجية نفسه، واذا جاز لنا تسويغ القفزة التصورية من‏الجزئي الذهني الى الكلي، باعتبارها قضية مدركة مباشرة تماما، فكيف يجوز لنا ان نعكس‏ذلك على الواقع الخارجي، فنعمم على كل ما لا يدخل ضمن تجربتنا الادراكية؟ ليس لدينا تردد في اننا سندخل مرة اءخرى في صلب ذات الاستقراء المعالج طبقا لقضاياالسببية، ذلك لاننا عرفنا في السابق ان استاذنا الشهيد لا يجيز اثبات اليقين والتعميم ما لم‏تثبت السببية سلفا. لكنه حين اقام السببية على اساس الوحدة المفهومية، عاد هنا من جديدمتكئا على مصادرة السببية نفسها، الامر الذي يعني ان كلا منهما يصبح مشروطا ومتوقفاعلى الاخر، فالسببية تثبت من خلال الوحدة، وهذه الوحدة تحتاج الى مصادرة السببية،وهكذا نقع في حلقة مفرغة من الدور.

وفي الحقيقة اننا، في هذه الحلقة المفرغة، نكون قد اصطدمنا بكل من السببية الخاصة‏والعامة، ذلك لاننا لكي نثبت بالاستقراء التماثل بين الاشياء نحتاج الى ان نعرف ان اي‏صورة ذهنية لا يمكن لها الوجود ما لم ترتبط بوجود مؤثر ما اوجدها، وهو اتكاء على‏مصادرة السببية العامة، وكذلك نحتاج الى تشخيص هذا المؤثر واثبات العلاقة الضرورية‏القائمة بين الصورة والشي‏ء المقابل لها في الخارج، مع اننا عرفنا كيف ان المفكر الصدر قدسبق له ان اكد شرطية اثبات الوحدة المفهومية كي تثبت علاقة السببية الضرورية، الامرالذي يعني اننا لاجل اثبات الوحدة المفهومية بين الصورة والشي‏ء الخارجي سنحتاج الى‏وحدة مفهومية اخرى فنقع في التسلسل، ونكون قد فسرنا الوحدة بالوحدة والسببية بالسببية‏والماء بالماء! بعد هذه الجولة من التحليل نعود الى القضية الاولى التي تركناها خلفنا والتي تتعلق باثبات‏التشابه بين الشي‏ء الخارجي وصورته الذهنية، فنعلق على ذلك بما ياتي:

1 لقد استدل اءستاذنا الشهيد استقرائيا على ذلك التشابه بالاستفادة من مبداء السببية. وهوان كان في القضية الثالثة لم يفصل في الامر، حيث الوقوع كما راينا في الدور والتسلسل،فانه في هذه القضية بالخصوص قد وقع في ذلك من غير شك، لاتكائه صراحة على‏السببية((84)) .

2 ان اثبات التشابه بين الصورة والشي‏ء الخارجي الذي يمثل اساس اثبات الوحدة‏المفهومية، يعتمد في دوره على افتراض كون الجهاز الحسي للادراك لم يطرا عليه اي تغيير.مع انا في هذه الحالة سنرتد مرة اخرى للوقوع في الدور والتسلسل من جديد((85)) .ذلك اننا حين نتكى على اثبات سلامة الجهاز الحسي للادراك كي نثبت من خلاله التماثل‏بين الصورة والشي‏ء الخارجي، انما سنستخدم صورة ذهنية اءخرى لواقع الجهاز الخارجي،وحيث ان هذه الصورة تخضع الى الخطورة نفسها من حيث كونها يحتمل ان لا تطابق حقيقة‏ذلك الجهاز، فلا بد من ان نرجع مرة اخرى الى تامين اثبات الجهاز، وهكذا يتسلسل الامرويدور بين اتكاء اثبات التطابق للصورة والواقع وبين اثبات سلامة الجهاز العصبي، اذ ان كلامنهما يعتمد على الاخر، وهو الحلقة المفرغة من الدور عينها.

ولهذه النتيجة المؤسفة دلالتان: احداهما ان هذه المشكلة تقف حاجزا امام اثبات الوحدة‏المفهومية ومن ثم التعميم نفسه.

اما الاخرى فهي ان المحاولة السابقة لاثبات التماثل بين‏الصورة والشي‏ء الخارجي تتصف بالاخفاق، بل يمكن القول: ان العقل البشري يعجز عن ان‏يقيم اي دليل على وجود مثل ذلك التطابق، شانه في ذلك شان اثبات الواقع الخارجي‏الاجمالي.

ذلك انه من الواضح ان جهازنا العصبي والحسي له تاثير كبير على تحديد شكل‏الصور الذهنية، اذ لو اختلف تركيب هذا الجهاز لبدت لنا الصور بشكل آخر مختلف. كالذي‏يولد وفي عينه نظارة زرقاء، على حد تصوير عمانوئيل كانت، حيث ليس بوسعه رؤية العالم‏الا بشكل ازرق، لا يمكنه ان يعرف حقيقة ما عليه العالم تماما، الامر الذي يعني ان ادراكاتناالحسية لكيفيات الاشياء الخارجية متاثرة تماما بما هو جهازنا الحسي، وبالتالي جاز ان‏تظهر باشكال شتى بحسب طبيعة الاجهزة الحسية.

يظل ان ما يبدو لنا من كيفيات الاشياءهي كالرموز بالنسبة لنا، لكن ذلك لا يضر بمسالة اثبات التماثل بين الاشياء، اذ ان اثباته‏ليس متوقفا على التطابق ما بين شكل الصورة وشكل الوجود الخارجي للشي‏ء.

كذلك، اننا حتى لو تجاوزنا «ورطة‏» القضية الثالثة التي مرت بنا، وصادرنا علاقة السببية‏العامة بوصفها مبداء قلبيا، باعتباره لم يثبت بالاستقراء، فانه مع ذلك سنعجز عن اءن نفعل شيئابخصوص السببية الخاصة ما لم ننتزع عنصر الضرورة عنها، فنكون قد دخلنا الى حضيرة‏علاقة الشد التي تتلاءم واءطروحة المفكر الصدر في كتابه «بحث حول المهدي‏».

ومن وجهة نظرنا انه يمكن علاج التماثل بين الشيئين الخارجيين بالشكل الاتي:

ان وجود صورتين ذهنيتين متماثلتين لا يعني بالضرورة وجود شيئين خارجيين متماثلين‏ايضا، فقد تكون الصورتان وهميتين من دون ان تعبرا عن حقيقة موضوعية، الامر الذي لا بدفيه من اثبات كل من الشيئين الخارجيين على حدة، وذلك من خلال العلاقة بين الصورة‏والشي‏ء الخارجي لها. وفي عملية اثبات وجود الشي‏ء من خلال الصورة الذهنية يلاحظ انه‏لا بد من ممارسة استقراء من النوع التبايني القائم على القرائن التي تختلف في ما بينها من‏الناحية النوعية، فلا يمكن للدليل الاستقرائي ان يتم بمجرد الاستقراء التماثلي المعتمد على‏تماثلات القرائن والافراد.