الصفحة السابقة

الصفحة التالية

فترض مثلا ان احساسنا قد نقل لنا صولنرة ذهنية عن كرة تبدو امامنا لكننا نشك في‏وجودها، ففي هذه الحالة علينا ان نتوسط بعدد من القرائن المختلفة لنثبت ما اذا كانت هذه‏الكرة حقيقية او وهمية، وكذا ما اذا كانت بالفعل عبارة عن كرة او انها شي‏ء آخر. ومع اننابسبب تضخم الخبرات التي نمارسها في التعامل مع الاشياء الخارجية سوف لا نحتاج عادة‏الى الاختبار او المزيد منه، لكنا نفترض كما لو كنا نمارس عملا استدلاليا اوليا، مثلما هوالجاري في الممارسات الاستدلالية للعلوم الطبيعية. لهذا فحيث ان من المحتمل ان يكون مانراه عبارة عن وهم من الاوهام، كان لا بد من مزاولة قرينة اءخرى، كاءن نتحرك من زاوية‏اخرى وننظر من خلالها ان كنا سنرى شيئا ما كالسابق، وكذلك نذهب لنتلمس الشي‏ء الذي‏نراه، اذ لو كان وهما بصريا لكان من المستبعد ان نتحسس بلمسه، لذا فهذا الاحساس يزيدالظن بان هناك شيئا خارجيا يحمل صفات تبدو انها دالة على الكرة، ولاجل التاكد اكثريمكننا ان نقوم بضرب ما لمسناه ودحرجته. كما يمكننا ان ناتي ب‏آخرين ليخبرونا عمايرونه ويلمسونه من شي‏ء، وكذا يمكننا ان ناخذ له صورا فوتوغرافية تبين حقيقة وجوده‏ومعالمه.. الخ.

وهكذا، فان اغلب ما فعلناه من استدلال استقرائي على وجود الكرة انما كان بفعل القرائن‏المختلفة من الناحية النوعية، ولولا هذه القرائن ما قام للدليل الاستقرائي قائمة. وحينما نفعل‏الامر نفسه من الاستدلال الناجح على وجود كرة اخرى فانما يعني ذلك اننا نحتفظ‏بصورتين ذهنيتين متماثلتين لهما وجود حقيقي، لذلك فانهما متماثلان. فالتماثل الصوري‏يدرك مباشرة، في حين ان التماثل الوجودي وان قام على التماثل الصوري الا انه لا يكفي‏من غير الاستدلال على وجود كل فرد عبر الاستقراء التبايني كما راينا. وان هذا الاستقراءهو اساس قيام الاستقراء التماثلي. فالتماثل مستدل عليه بالتباين، وان التباين من حيث‏الاساس يدرك مباشرة بالاحساس، كادراكنا البصري للصورة الذهنية للكرة مقارنة بادراكنااللمسي لها، حيث كلاهما مدرك مباشرة مع انهما يعدان قرينتين مختلفتين تعملان على‏تقوية الاحتمال وتنميته. لهذا كان التباين لا التماثل هو الاساس في الاستدلال الاستقرائي‏من دون ان يحتاج من حيث الاصل الى ما يدل عليه باعتباره يدرك مباشرة.

قد يقال: انه يمكن احيانا بناء الدليل الاستقرائي عن طريق الاستقراء التماثلي المحض.فمثلا: لنفترض اننا اردنا ان نتحقق من وجود التماثل بين وجهي قطعة نقد، حيث يمكننا ان‏نعرف ذلك عن طريق اجراء مجموعة من الرميات الكثيرة، وهي عبارة عن رميات متماثلة‏لا تباين فيها، فلو ان عدد ظهور احد الوجهين كان يقارب الاخر لكنا قد اعتبرنا ذلك ناتجاعن التماثل بينهما. وبالتالي فان ذلك يعني انه من الممكن ان نقيم الدليل الاستقرائي طبقاللاستقراء التماثلي المحض.

لكن واقع الامر اننا حتى في مثل هذه العملية التماثلية ليس بوسعنا التخلي عن استخدام‏الاستقراء التبايني. ذلك لانه قد يكون التقارب الحاصل في عدد ظهور كل من الوجهين‏ليس لوجود التماثل بينهما، وانما لتدخل عاملين يمتلكان قوتين متضادتين ومتساويتين،احدهما يعمل لحساب احد الوجهين بسبب عدم التماثل، الامر الذي يجعل امكانية ظهورالوجه الذي يعمل لصالحه اقوى من امكانية ظهور الوجه الاخر. اما العامل الاخر، فهو على‏العكس، يعمل لصالح الوجه المقابل، وذلك اذا ما افترضنا وجود ظروف خارجية منحازة لهاقوة تقارب قوة امكانية ما يعمل به العامل الاول، الامر الذي يمكن من خلاله ان يفسرتقارب العدد بمثل ما يمكن ان يفسره الافتراض القائم على التماثل. لكن لكي نعرف ان‏العدد المتقارب بين الظهورين كان نتيجة التماثل بين الوجهين وليس بسبب العاملين‏المذكورين، لا بد من معرفة مسبقة لطبيعة الظروف الخارجية المؤثرة واثبات كونها غيرمنحازة، بل في كلا الحالين سواء ثبت انها منحازة، وبالتالي يستنتج منه عدم التماثل، ام انهاغير منحازة، الامر الذي يستنتج منه التماثل، فان ذلك لا يتم الا من خلال الاستقراءالتبايني، فلولاه لما كان باستطاعتنا استنتاج التماثل او عدمه.

كما قد يقال فان معرفة الظروف نفسها، ان كانت منحازة ام غير منحازة، يمكن ان تتم عبرالاستقراء التماثلي، وذلك من خلال الرميات الكبيرة لبعض قطع العاب المصادفة، كقطعة‏النقد، حيث لو ظهر هناك ميل للاقتراب من الاحتمال القبلي لوجوه القطعة لكنا نميل الى‏اعتبار الظروف غير منحازة، والعكس بالعكس، وبالتالي يكون بوسع الاستقراء التماثلي ان‏يبني الدليل الاستقرائي بشكل منفصل ومستقل عن الاستقراء التبايني.

لكن واقع الحال ان الاستقراء التماثلي لا يمكنه ان يشكل اساسا لمعرفة طبيعة الظروف مالم يتم التاكد اولا من التماثل في وجوه القطعة المعدة للاختبار كقطعة النقد في مثالنا وان هذاالتماثل لا يثبت الا من خلال الاستقراء التبايني كما اوضحنا. ولو قيل ان اثبات التماثل انمايتم عبر الرمي نفسه لافضى الامر الى الدور، حيث يتوقف اثبات التماثل على معرفة‏الظروف، كما تتوقف معرفة هذه الظروف على التماثل.

هكذا نخلص الى انه لولا «الاحتمالات غير السوية‏» لما امكن للاستقراء التماثلي ان يكون‏منتجا لاثبات قضايا الواقع.

وعلى العموم هناك ملاحظة جديرة بالذكر تخص علاقة الدليل الاستقرائي بحسابات‏الاحتمال، وهو ان هذا الدليل انما يعتمد على اكتشاف التماثل ليطبق عليه «الاحتمالات‏السوية‏» على الاقل بالنسبة لافراد السبب والمسبب، كما يفترض ان يكون التماثل قائما بين‏التجارب ليطبق عليها الحساب الاحتمالي (الكمي) . لكن يلاحظ ان التماثل لا يمكن ان‏يكتشف او يثبت الا من خلال «الاحتمالات غير السوية‏» للقرائن المتباينة، كما ان التجارب‏التي ينمو فيها الدليل الاستقرائي هي تجارب مختلفة ليس بوسعها ان تحقق العد الاحتمالي‏القائم على «الاحتمالات السوية‏»، وذلك لكونها ليست متماثلة كي يمكن ان توزع الحصص‏الاحتمالية بشكل متساو. وعليه، يصبح الدليل الاستقرائي قائما على «الاحتمالات غيرالسوية‏»، الامر الذي يمنع العد الحسابي الكمي الا بنوع من المسامحة والتجوز في تسوية‏الحصص. لكن مع هذا، فانه من الممكن تنمية الدليل من الناحية الكيفية، من دون ان يمنع‏ذلك من تهيئته للمرحلة الذاتية بافتراض اليقين. وهذا الامر لا يسعنا بحثه هنا.

على انا نذكر بان كل ما ابديناه من نقد للدليل الاستقرائي انما يتسق مع وجهة نظر الشهيدالصدر اللاحقة التي اثارها في كتاب «بحث حول المهدي‏» خلافا لما جاء في كتابه السابق‏«الاسس المنطقية للاستقراء».

وآخر دعوانا ان الحمد للّه رب العالمين..

التعددية الدينية(محاضرة وحوار)  
ا. صادق لاريجاني  
ترجمة: ا. كمال السيد في مفهوم التعددية الدينية بحث في كثرة الاديان.و «البلورالية‏» تعني التعددية، ويمكن تصورها في مجالات متعددة، بل انه قد جرى‏استخدامها عمليا في دوائر مختلفة، وعلى سبيل المثال، في الشان السياسي، فهي تعني، في‏هذا الشان، ذاك الاعتراف الرسمي بالاحزاب والجماعات المختلفة، فالذين يعيشون عالم‏«السياسة البلورالية‏» مقتنعون بان المسار السياسي تديره التعددية، ما يعني انه لا بد من توافرالاحزاب المتعددة والاراء المتنوعة التي تتنافس في ما بينها وتدير من ثم دفة الحكم.

وفي مجال آخر، يمكن طرح «البلورالية‏» في نطاق المعرفة الوجودية وما وراء الطبيعة او في‏الانطولوجيا، فالمعني اعتبارنا ان هذا العالم قائم على اساس الكثرة، في مقابل النظرة‏الاحادية.

ولكن هذه «التعدديات‏» ليست محورا للدراسة والبحث في هذا المقام، فبحثنا يتناول‏التعددية الدينية (البلورالية الدينية).

ينضوي تحت هذا العنوان بحثان رئيسيان هما:

1 التعددية في فهم الدين.

2 التعددية في ذات الدين.

والمقصود من التعددية، في فهم الدين، هو الاعتقاد بالاستنتاجات والانطباعات المختلفة‏عن الدين، وبالتعبير المتداول اليوم: القراءات المتعددة للدين.

والمقصود من التعددية، في ذات الدين، هو ان الاديان نفسها تمثل طرقا مختلفة تفضي الى‏الحقيقة الواحدة. اي انها في مقام السعادة والصدق والحقانية تقوم بقيادة اتباعها وهدايتهم‏الى امر واحد.

والتعددية، في فهم الدين، ليس لها علاقة بذات الدين، وعلى هذا الاساس فان مسالة فهم‏الدين وتعددية هذا الفهم بحث يعود الى من يخاطبهم الدين والذين من شانهم فهمه.

الا ان مرجع التعددية في الدين انما هو تلك الرؤية التي تحاول ان تبين التعدد الموجود في‏الديانات، فهذه الاديان التي ظهرت في الماضي والحاضر ما هي نسبتها الى بعضها بعضا؟وما هي نسبتها الى الواقع والحقيقة؟ وما هي علاقتها باتباعها؟ فالبحث اذن يقع في قسمين:الاول هو التعددية في فهم الدين، وهو ما سوف نعالجه بداية، ومن ثم ياتي القسم الثاني،وهو الكثرة في الدين نفسه.

بالطبع تنضوي تحت هاتين المقولتين بحوث رئيسية، وسنشير هنا الى بعض ادعاءات الذين‏يطرحون مثل هذه البحوث فقط، ونورد ايضا قسما من استدلالاتهم ونبحث في مدى القبول‏بها سواء من الناحية العقلية ام النقلية (الايات والروايات).

حساسية البحث في هذا الموضوع ان البحث في التعددية في فهم الدين، وهو البحث الذي يطرح اليوم في مجتمعنا على نطاق‏واسع، يعني تعدد القراءات في الدين ومسالة «القبض والبسط‏» في الدين وامثال ذلك، وهوبحث مهم في حد ذاته، ولكنه بالشكل الذي يطرح فيه اليوم في مجتمعنا، سواء في ذلك‏التعددية في فهم الدين ام في ذات الدين، هو في رايي انا بحث مسيس، اذ يكمن خلف هذاالطرح عمل سياسي. اما هذا البحث، في حد ذاته، فهو بحث مهم وهو قابل للترشيد.

وحقيقة الامر هي ان علماءنا وبخاصة الاصوليين تحدثوا، وعلى نطاق واسع، في مسالة فهم‏الدين، وشغلت هذه المسالة لديهم مساحة مهمة وحتى الغربيين وعلى عكس متنوريناالجدد لا يبتون في المسالة من طرف واحد. لقد اوردت في بحث «المعرفة الدينية‏» عدة‏موارد تبين ان فلاسفة الغرب وعلماءه في التفسير (الهرمنيوطيقيا) لا يطرحون هذه البحوث‏في هذا الاطار من التفريط والافراط الذي يطرحه متنورو مجتمعنا المعاصر.

ولذا، ومن باب التذكير فقط، اقول: عندما تلج بعض من تلك المباحث اوساط مجتمعنا فبدل‏ان تاخذ نسقها الطبيعي في الحركة فانها تستحيل الى موضوع سياسي، اذ تكمن وراء ذلك‏اغراض اخرى..، وذلك في الوقت الذي لا يعرف فيه: هل يضمر صاحب هذا الراي هذاالغرض او لا؟ لكن البحث في هذا الموضوع يتعرض للاستغلال.

ان موضوع النسبية في فهم الدين هو من امضى الاسلحة التي استخدمها الغرب في نزع‏سلاح الحكومة الدينية، ولا توجد «حربة‏» اكثر قدرة من هذه النسبية يمكن ان تفرغ الحكم‏الديني من محتواه وتسلبه صلابته.

وبالطبع، من الضروري ان يبدي المخاطبون قدرا من الحساسية ازاء هذه البحوث، لانهاعندما تطرح في شكلها الحالي، لا تطرح في اطار البحث الديني الصرف، بل تستحيل الى‏«حراب‏» تنفذ، وبهدوء، في بنية الحكومة الدينية بغية اضعافها.

ذلك ان من لوازم النسبية هي «العلمانية‏» (سكولاريزم)، او فصل الدين عن السياسة، اضافة‏الى الاثار الاخرى المترتبة عن ذلك.

ومن هنا فان البحث في هذا الموضوع ينطوي على قدر كبير من الحساسية.

التعددية في فهم الدينر تعدد القراءات يتمسك الذين يطرحون مسالة التعددية في قراءة الدين، او تعدد القراءات، باختلاف‏المجتهدين في آرائهم، ويقولون:

لقد كان في الاسلام مجتهدون مختلفون طرحوا آراء مختلفة، وهذا يعني ان هناك افهامامختلفة وقراءات مختلفة في الدين.

لكن الحقيقة شي‏ء آخر، وهذا الكلام يعد استغلالا سيئا لامر بديهي وواضح، من اجل‏استنتاج نتيجة غير صحيحة البتة.

فليس النزاع، في موضوع القراءات المختلفة للدين، هو الاختلاف في مسائل فقهية معينة،مثل تحديد موقف فلان او فلان... من مسائل فرعية ابدى فيها علماء آراء مختلفة، بل ان‏موضوع القراءات المتعددة هو في النسبية الكلية، يعني هل ان مجموع ادراكاتنا وافهام علماءالدين والحكماء والفلاسفة او ما يفهمه المفسرون، من نصوص الكتاب والسنة لا يمكن من‏بلوغ فهم يقيني للكتاب والسنة!؟ وان يكن الامر هكذا فهل يعقل ان امثال النائيني‏والاصفهاني والسيد الامام قد غفلوا بالرغم من جميع تدقيقاتهم في الفقه والاصول عن‏وجود الاختلاف بين المجتهدين.

ان البحث ينص على ما ياتي: هل توجد لدينا، اساسا، ضروريات دينية او فقهية او لا؟ وهل‏يتسنى لي، في العصر الحاضر، مثلا، وفي ضوء الاختلاف في الفهم بين العلماء، منذ صدرالاسلام وحتى الان، ان ابدي رايي في تفسير آية ما حسب وجهة نظري؟ بالطبع هذا بحث في ضروريات الدين.

من الممكن ان يدعي شخص ان لديه كلاما جديدا حول آية لها مداليل وتطبيقات، وليس‏من اشكال في ذلك.. ولكن عندما يكون الحديث في ضروريات الدين، مثلا في باب‏«المعاد»، حيث فسره بعضهم ب «ظهور قوى البروليتاريا»، فهل يمكن ان يكون هذا فهم‏للاسلام؟ ربما يقال: انه يوجد اختلاف في الراي في مسالة التوحيد ايضا؟ نعم، يوجد اختلاف، ولكن‏عندما يكون الحديث حول نفي التوحيد في الاسلام فهل لدينا ازاء هذا الراي موقف محدد،وهل تمتد بنا الافهام المختلفة الى تنحية الضرورات الدينية والفقهية؟ وهذه الدائرة هي منطقة النزاع، اذ يعلن كثير من الكتاب، مرارا، انه لا يوجد فهم للاسلام‏يحظ‏ى بالقداسة، وذلك في الوقت الذي توجد فيه ضرورات دينية مسلم بها (التوحيد، النبوة‏والمعاد)، وهي من الكتاب والسنة وتحظ‏ى بالقداسة.

النقطة الاخرى موضوع البحث هي: هل يوجد، في غير فهم الضرورات الفقهية، منهج خاص‏في قراءة الكتاب والسنة؟ يعني:

اليس هناك، في دائرة الافهام الظنية المستنبطة، ما هو حجة‏وغير حجة؟ الواضح، هنا، ان اشياء اخرى تكمن وراء هذه البحوث.

مثلا، عندما يبدي كاتب ما رفضه لاراء الفقهاء، علينا ان نعرف، اولا، ما اذا كان هذا الكلام‏يتناول حتى الافهام الظنية او لا؟، وذلك في الوقت الذي تتضمن فيه كثير من احكام‏الرسائل العملية الظنيات، لكنها حجة.

اي ان مجتهدا بذل جهده وسعيه باستخدام ادوات استنباط الحكم من الكتاب والسنة والعقل،وتوصل الى فهم ظني، حيث الظن حجة، ونقول: ان مجرد ظنية بعض آراء المجتهدين لايسوغ لنا ادعاء تساوي ظنيات فلان الكاتب، وهو لا يمتلك نصيبا من هذه المعارف، مع‏هذا الظن الحجة للمجتهد حتى يقول: ان فهمنا للقرآن هو هكذا.. لان هذا مغالطة، اذ ان فهمه‏ليس موثقا.

من الممكن، طبعا، ان يكون فهم الفقية ظنيا، لكنه فهم موثق.

وتوثيق مجموع جهودالمجتهدين والفقهاء في الاستنباط والاجتهاد والتحقيق وقواعد الاستنباط يتمثل في وجودمنهج يمكن الاستناد اليه في توثيق الظن الذي يرضي اللّه تعالى ورسوله (ص).

انني ارى ما وراء هذه البحوث، واتابع هذه القضايا، وقد قرات جميع افكار الباحثين في‏«التعددية الدينية‏».

بعضهم وصل به الامر الى حالة من الفوضى الفكرية، فيقول: ان دينا تكون فيه افهامنا ظنية‏انما هو بحيث يكون فهم «العلامة‏» مجرد فهم من الافهام بشكل ما، والفخر الرازي يفهم‏بشكل آخر، وكل من الاشعري والمعتزلي والامامي يفهم فهما مختلفا، ان مثل هذا الدين‏الذي ينطوي على كثرة في الافهام لا يمكن الوثوق به، ولا يمكن تحميله (الدين) اكثر ممايحتمل.

واصحاب هذه النظرية يحاولون الترويج، بشكل من الاشكال، للاباحية المعاصرة، واننا لنرى‏كثيرا من مريدي هذه الافكار يعيشون هذا النوع من الاباحية.

انهم يدعون ان واجبية الحدود وواجبية الصوم وهذه الدقة في ابواب الاحكام ما هي الا فهم‏الفقهاء، اما ما يقوله الدين نفسه فهو مجهول! ونقطة النزاع هنا تتمثل في ان طائفة من هذه الادراكات هي من ضرورات الدين، وطائفة‏اخرى من ضرورات الفقه والباقي ظنيات حجة.

وعليه فانكم، اذا بذلتم جهدا على مدى سنين طويلة، وصححتم قواعد الاستنباط، وتوصلتم‏الى فهم غير هذه الافهام، فان فهمكم يصبح فهما حجة اخرى.

لا ان تقولوا وبسهولة: ان ما قاله العلماء هو فهمهم. احيانا يكون البحث حول القراءات‏المختلفة للدين، فيتمسكون بجملة مسائل بديهية، مثل اختلاف الفقهاء في اجتهادهم، ثم‏يستنتجون من ذلك افتراق في القراءات، ولكن الواجب معرفة اين هي منطقة‏الاختلاف؟ هل يوجد اختلاف كلي او لا؟ واجمالا فان مسائل الاستنباط الفقهي جزء من البديهيات.

هناك استدلالات متعددة حول النسبية المطلقة، وسوف اشير الى قسم منها.

ان في طليعة مسوغات التعديية في فهم الدين نظرية «الشريعة الصامتة‏». فهم يطرحون هذه‏الفكرة، وهي: ان الشريعة ونص الكتاب والسنة صامتان، ونحن الذين نستنطقهما ونفهم‏منهما مطلبا معينا..

ويرون ان تلك الاسئلة التي تطرح على الكتاب والسنة هي التي تستنطقهما، والا فهماصامتان، ثم يتساءلون عن مصادر هذه الاسئلة؟ من المسلم به ان مصدر هذه الاسئلة ليس الكتاب والسنة بل العلوم والمعارف المعاصرة‏والفلسفة والرياضيات والكيمياء..

وعلى هذا الاساس، فكلما ازداد تراكم هذه العلوم في‏ذهن العالم ازداد فهمه للدين اصالة ودقة، وكان اكثر قربا من الحقيقة، وما لم تتم معرفة العلوم‏الاساسية فان فهم علمائنا لن يكون حجة.

وفكرة «الشريعة الصامتة‏» تنطوي على فرضيات قبلية لغوية واصولية يتوجب بحثها.

غير انه يجب التامل في مسوغات اساس هذا الادعاء، والسؤال:

هل يتصف بالصحة او لا؟وهل الشريعة صامتة حقا؟ لنفترض، على سبيل المثال، انفسنا جالسين في مسجد، ثم يدخل النبي (ص) ويبين حكما،فما هي ادلة صمت الحكم هنا؟ ولماذا يقولون: ان فهمنا للكتاب يدور في مدار اسئلتنا؟ ثم يصل بهم التطرف الى القول: ان فهمنا ياتي بالضبط وفاقا لاسئلتنا، ما يعني انه ما لم‏نسال فان القرآن والسنة لا ينطويان على شي‏ء من اجلنا.

هل صحيح انه لا يمكن ان يخاطبنا القرآن قبل ان نساله؟ واساسا فان انطواء القرآن على‏محتوى ومعان ومفاهيم يلقيها الينا هو الخطاب عينه. وانني احدس بان القائلين بهذه النظرية‏يخلطون.

لبعض فلاسفة «الهرمنيوطيقيا» مقولة في باب السؤال، وهم لا يفسرون معناه بانه اكتساب‏شي‏ء من الخارج، بل يرون انه حالة من التهيؤ ازاء النص، فالانسان وفقا لارائهم يتهيا. طبعاهذا شرط صحيح. فعندما اجلس امامكم، مثلا، واريد الاصغاء الى كلامكم، فانه يتعين علي‏الاستعداد لاستقبال كلامكم، يعني ان اعد نفسي واتهيا من اجل الاصغاء اليكم وفهم‏كلامكم، وهذه الحالة لا علاقة لها بالبحث.

وهناك فرق بين انه يجب ان يكون الانسان في حالة توجه عندما يتواجه مع متن ما وبين‏كون المتن صامتا بسبب استجلاب الانسان اسئلته من الخارج ومن المعارف‏العصرية.

واضافة الى هذا، هناك مسالة مهمة يغفلون عنها، وهي: لماذا الشريعة صامتة؟ انهم يرجعون‏السؤال الى بحث لغوي ويقولون:

ان اللغة لا تقدم لنا المعاني بل نحن الذين نهب اللفظ‏معناه.

بينما علماؤنا يقولون: ان للالفاظ معاني وضعت لها بمعزل عن ميولنا، وبالرغم من اصلهاالاعتباري. ولكنها، بعد الاعتبار والمواضعة، تصبح ذات دلالة حقيقية على المعاني، من دون‏ان يكون لذلك علاقة برغباتنا وميولنا... هذا هو تفكير علمائنا.

اما هؤلاء فيقولون: نحن الذين نمنح النص معناه.. ونقول في معرض الجواب ان هذه المقولة،من حيث الاساس، تفتقر الى الصحة، ذلك انه، واضافة الى وجود نتيجة فاسدة لها، فانهاتفتقر الى مبنى معقول.

ان النتائج التي تفضي اليها هذه المقولة هي حرية الانسان في منح اللفظ المعنى الذي‏يشاء.

فعلى سبيل المثال نقول: اذا قلتم لا اله الا اللّه ينزل المطر، وهنا يقولون: اننا لا نريد القول ان‏النص يقبل كل معنى.

والحال ليس هكذا.

فعندما ندقق في جذور ذلك، فاننا نعود الى ان العلاقة بين الالفاظ والمعاني، بعد المواضعة،قد انتفت فيها المواضعة، ولم يعد ظهورها اعتباريا كما هو الحال في الظواهر حيث انهامواضعية، صحيح ان الوضع هو عبارة عن تعاهد وتعاقد الا ان ظهور الالفاظ في المعاني، بعدالوضع، هو امر غير تعاقدي ولا مواضعي وانما هو امر تكليمي.

وان ما يخطر في اذهاننا من معان، من خلال الفاظ القرآن، سواء على نحو الدلالة التصورية‏ام الدلالة التصديقية، ليس معاني اعتبارية بل معان حقيقية.

ولذا، وفي ضوء التعريف الفلسفي والكلامي، نقول عن اي من معاني القرآن والسنة انه‏عيني.

ولذا يمكن القول: انني ادركت معنى القرآن او لم ادركه.

القراءات المتعددة للدين، وانطلاقا من اقرارهم، تشتمل على الصحيح والسقيم. يعني ان‏قراءاتنا للدين هي مجموعة تضم الخطا والصحيح، وهذا الخطا لا يمكن ان يكون «بطنا»للقرآن في الوقت الذي تكون فيه نصوص القرآن جميعا هي الحق عينه.

اذن فان القراءات المختلفة، وهي على حد زعمهم مشتملة على الصواب والخطا، لا يمكن‏ان تكون تلك «البطون‏» القرآنية التي اشير اليها في الروايات! التعددية في ذات الدين الى هنا نكون قد اجملنا الكلام في بحث القراءات المختلفة والمتعددة للدين.. والان نبحث‏التعددية في ذات الدين، وهي نظرة من خارج الدين، حيث يقول بعضهم: في عالمنا اديان‏مختلفة، وهناك تشابه كبير بينها واختلافات كثيرة ايضا.

وهذه الكثرة يجب بيانها.. فلماذاهو التكثر؟ ولماذا بهذه الكيفية؟ وهنا نرى ان مسالة التسامح ترتبط بهذا البحث، وذلك ان‏اساس النتيجة المتحصلة لدى هؤلاء، من التعددية الدينية، هو التسامح والتساهل ليس في‏الصوابية فحسب، وانما في الحقانية ايضا.

هناك ثلاث نظريات في الاديان:

1 التعددية: (ploralism ) 2 الشمولية (Inclusivism ) 3 الانحصارية (Exclusivism) وتعني الانحصارية ان هناك دينا واحدا على الحق والاديان الاخرى على باطل.

اما الشمولية فتعني وجود دين واحد على الحق تنطوي الاديان الاخرى تحت ظلاله.

فعلى سبيل المثال، المسيحي يدعي ان المسيحية هي الدين الحق، والمسلمون هم في‏الواقع مسيحيون، يعني ان جميع الاديان واقعة داخل المسيحية من دون ان يلتفت اتباعهاالى ذلك.

الاديان الاخرى ليست على غير حق، ولكن حقانيتها تندرج تحت دين خاص، وهذه هي‏الشمولية.

التعددية، او «البلورالية‏»، تدعي ان كل دين هو نفسه، ولكن جميع هذه الاديان هي مظاهررصور لواقعية واحدة، وهذه الصور حقيقية. وعلى هذا توجد طرق مختلفة الى هذه الحقيقة، مايعني ان لا تكون اتباع الاديان الاخرى اهلا للعقاب.

ويقول اتباع هذه النظرية: كيف يمكنناان نقبل بان الشيعة الاثني عشرية هم وحدهم اتباع الحق، وهم الناجون، وجميع الناس‏سيكون مصيرهم الى الجحيم؟ وينتهي اتباع هذه النظرية الى القول: ان الاديان الاخرى هي، ايضا، على الحق، اذ ان كلامنها يمثل صورة من الحق.

وقبل ان نلج هذا البحث اشير الى عدة نقاط في ماهية الادلة على هذه المقولة؟ فمن نقاط البحث التي يجب الالتفات اليها ما ياتي:

اولا: ان هذه المسالك والنظريات الثلاث لا تدل على الانحصار في اطارها، فيما اكثرالمعارف القرآنية التي تذكر شيئا لا هو تعددي ولا هو شمولي ولا هو انحصاري بل هو قسم‏معقول آخر.. انني ادافع عن هذا.

نستعرض بعضا من آيات القرآن لا تبدو من هذه النظريات الثلاث بل شي‏ء آخر.

والنقطة الاكثر اهمية، وهي ضرورية وجديرة بالبحث لحمايتها من الاستغلال كهذه النقطة،وهي ان «الشيعة الاثني عشرية هم اهل الجنة والاخرون في النار».

وحتى لا نقع في مغالطة، يجب تحديد منطقة البحث فنسال:

هل ان بحث القراءات المختلفة‏للدين يهتم بالاديان كما نزلت او بالاديان كما هي الان؟ وهل تتمثل مهمة البحث، في الاسلام والمسيحية واليهودية، في تناول هذه الاديان كما جاءبها الانبياء او كما هي اليوم؟ وهذا بحث مهم، حيث يجب ان نصغي الى استدلالات الطرفين‏ومنطلقاتهم ومبانيهم.

النقطة الثانية، في هذا البحث، والتي يتوجب الالتفات اليها، هي ان الاديان الالهية تدرجية‏في الزمان.. ففي كل حقبة زمنية يرسل نبي لتبليغ دين اللّه. اذن فان مسالة الزمان مهمة‏لاحتمال نسخ الشريعة حتى لو جاء بها نبي، او نسخ جزء من احكامها، فحتى شريعة المسيح‏الحقة نسختها اديان اخرى، ومن خلال مجي‏ء انبياء آخرين، اذن مسالة الزمان يجب ان‏تحظ‏ى بالاهتمام.

والحقيقة ان الانبياء متحدون تماما في امهات التعاليم. آيات القرآن تعلن ذلك صراحة،وهناك اشارات واضحة في القرآن الكريم كقوله على لسان النبي: (قل: يا اهل الكتاب،تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم الا نعبد الا اللّه...) [آل عمران/64]. اي انه يدعوهم الى‏كلمة متفق عليها بين الطرفين، وهي عدم جعل اله آخر مع اللّه.

او قوله تعالى: (ان الدين عند اللّه الاسلام) [آل عمران/19] كما هو الحال في راي العلامة‏الطباطبائي، حيث ذهب الى ان الاسلام هنا لا يعني دينا خاصا، وانما يعني التسليم لارادة‏اللّه.

فحقيقة الدين، لدى اللّه سبحانه، هي الاسلام، ويعني اصل الخضوع والتسليم للّه في المعرفة‏والعمل. وبالرغم من الاختلاف بين الاديان، كما وكيفا، فانها جميعا مصداق التسليم للّه، سواءفي المعارف ام في السلوك.

ومن الممكن ان يخالف بعضهم راي العلامة الطباطبائي في هذا المضمار، ذلك ان الاسلام،في لغة القرآن، قد يعني معناه الاصطلاحي، ولهذا فهو بحث تحقيقي.

الروايات، طبعا، تؤكد معناه الاصطلاحي، واوردت اركانه ايضا.

وفي القرآن من المحتمل انه‏يعني معناه اللغوي، وهو مفهوم التسليم، والاية الشريفة، وانطلاقا من المعنى اللغوي، تعني‏التسليم للحقانية.

اذن، لو بحثنا في الاديان الحقيقية فسوف نرى انه لا يوجد من ينكر اتحادها في الاصول‏الكبرى. لانها جميعا تدعو الى الايمان بالتوحيد والمعاد.

وما يلفت الانتباه، هنا، ان بعض الايات تصرح بان السابق من الانبياء يبشر بلاحقهم. فالدين‏المسيحي لم يكتف بالسيد المسيح وحسب، بل انه بشر بنبي ياتي من بعده، فالبشارة هذه‏جزء من الدين المسيحي.

وهكذا نرى وحدة بين الاديان. اما الاختلاف القائم بين الاديان فهو تارة اختلاف بالشدة‏والضعف، واخرى بسبب الكمال والمعارف التي يتم التقاؤها، حيث من الممكن ان تكون‏اكثر اهمية او كمالا من هذا الدين او ذاك. وثالثة بسبب مسالة النسخ، حيث يجري الغاءاحكام نتيجة عنصر التدرج الزمني.

وكما اشار العلامة الطباطبائي، فان التسليم، وهو الدين الحقيقي، يتجلى في مصداق واحدفي كل مرحلة زمنية.

ففي زمان النبي (ص) تمثل التسليم للحق في الايمان برسالة النبي (ص) والاذعان‏لها.

فعدم الايمان به يعني عدم التسليم للحق، وبالتالي عدم القبول بجوهر الاديان‏جميعها.

والمسالة التي يتوجب التامل فيها، في هذا البحث، كما قلنا، هي: هل اننا نبحث الاديان‏الحقيقية؟ وقد اتضح لنا ذلك.. او الاديان كما هي الان؟ احيانا نشهد دعاوى متعارضة بين الاديان المعاصرة: المسيحية المعاصرة، مثلا، تنفي نبوة‏سيدنا محمد (ص) وغالبا ما تقول بالتثليث او بالاقانيم الثلاثة، وان المسيح هو الرب او ابن‏الرب.

وقد صرح القرآن الكريم بكفر هذه العقيدة. وفي ما يخص قضية صلب السيد المسيح (ع)فالقرآن ينفيها صراحة، ويعدها خطا، ويقول: انما شبه لهم (وقولهم: انا قتلنا المسيح، عيسى‏بن مريم، رسول اللّه، وما قتلوه وما صلبوه، ولكن شبه لهم...) [النساءر 57].

وهذا يعني وجود طائفة من العقائد في الاديان، كما هي اليوم، محرفة وسيكون الجمع بينهاغير معقول.

حتى لو لم نستند الى القرآن، فان مقولة التعددية البلورالية في حقانية الاسلام والمسيحية‏واليهودية هي في حد ذاتها ليست معقولة، وذلك لان اليهودية والمسيحية اليوم تنطويان‏على دعاوى متعارضة، فهل من الممكن ان تكون جميع الدعاوى المتعارضة هذه على‏حق؟ اننا نقول ببطلان التثليث، في الوقت الذي يؤمنون فيه بحقانية ذلك، ولا يمكن الجمع‏القولين.. والتعددية البلورالية، بهذا المعنى، باطلة هنا في حد ذاتها، اضافة الى ان هذه المقولة‏منافية للمعارف القرآنية والروائية، وسيكون المتدين المسلم في وضع يرفض فيه هذه‏التعددية البلورالية.

الايات القرآنية تنفي صراحة بعض التعاليم الموجودة في الاديان كما هي اليوم.. اذن‏فالتعددية، بمعنى الجمع بين الاديان في الحقانية وبلوغ السعادة، ليست معقولة.

المسالة الاخرى التي تستدعي الانتباه والتي يستند اليها بعض دعاة التعددية هي وجوب‏التفكيك بين المقولات الثلاث:

1 مقولة السعادة.

2 مقولة صوابية العقاب.

3 مقولة الحقانية.

اننا اذا اعتقدنا بحقانية الاسلام لا غير، فمن غير المعلوم ان نقول: ان جميع اتباع الاديان‏الاخرى هم في الجحيم، او انهم محرومون من اي نصيب من السعادة. يقول المرحوم‏الطباطبائي، في احد مؤلفاته: اننا لا نستطيع الادعاء بان غير المسلمين محرومون من‏السعادة، لان السعادة تدور مدار الطاعة، فما اكثر المسيحيين الذين بحثوا وتلمسوا، ولكن‏الظروف الاجتماعية الخاصة حالت دون بلوغهم الهداية، ولكنهم عملوا بما حصلوا عليه من‏العلم.

ومثل هذا الانسان الباحث المتلمس اطاع الحق ولا يدخل الجحيم، اضافة الى قبح العقاب‏قبل البيان، وهذه مسالة معروفة لدى علمائنا. وهذا الدليل ينسحب على المعارف والاحكام،فمن تفحص ولم يجد بيانا للحقيقة، فان عقابه سيكون قبيحا، واللّه لا يفعل ذلك.

فمجرد الانتساب الى الاديان الاخرى لا يوجب القول: ان اتباعها معذبون ومعاقبون،فالمسالة هنا اذن هي مسالة الحقانية. فلعل من هم غير اهل الحق لا يكونون من اهل‏الجحيم ايضا، لان ذلك يتوقف على عملهم.

يمكننا ان ندعي، مع الاخذ بنظر الاعتبار الاديان كما هي عليه اليوم، بان التعددية تفقدمعناها، سواء من وجهة نظر عقلية ام نقلية، اما الاديان، كما جاء بها الانبياء، فهي في جوهرهاالاصيل متوحدة نسخ بعض تعاليمها، ولذا لا بد من الاخذ بالدين الكامل، وهو الاسلام في‏زماننا هذا.

اننا، لو التفتنا الى ما تقدم، فسيكون ما ذكرناه نوعا من الانحصارية بمعنى من المعاني، لاننانقول: ان الدين الاسلامي هو الحق، لكننا لو دققنا نقول: من ناحية جوهرية، الانبياء جميعايدعون الى حقيقة واحدة، وهي التسليم للحق حيث مصداقه مختلف بلحاظ الزمان،والانبياء كانوا يبشرون بمن ياتي بعدهم، والاية الكريمة تصرح بهذه الحقيقة: (الذين يتبعون‏الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل)[الاعراف/157].

فالقرآن يصرح بوجود اسم النبي (ص) في التوراة والانجيل في انهم لا يؤمنون بهذا الدين‏الحالي.

الاستدلال الاخر يقولون فيه: لدينا اديان مختلفة، وهذا تكثر موجود يتوجب تبيينه. والتبيين‏هو ان الانبياء جميعا كانوا يتلقون امرا واحدا، ولكن هذا الامر النازل هو امر خاص، يقوم‏ذهن النبي نفسه بتفسيره، والانبياء مفسرون لذلك العنوان المبهم النازل عليهم.

وعلى هذا، فان نبي الاسلام الذي جاء بدين الاسلام انما جاء بتفسير وتجربة ذاتيين، وكذابالنسبة للمسيحية واليهودية.

انهم يريدون القول: ان الامر المنزل من اللّه على الانبياء واحد، ولكن هذا الامر الواحد، لم‏يفسر، اذ ان تفسيره يتم من خلال تجربة النبي، ويستشهدون بهذا المثال العجيب: ان النعيم‏في الجنة تفسيره احيانا بالحور العين يعني العيون السود، ثم يقولون: ولكن هل الجمال‏ينحصر بالحور؟ ولكن لان البيئة آنذاك تنظر اليه بوصفه مثالا للجمال، لهذا ذكر القرآن‏الحور العين، ولو كان في بيئة اخرى لقال: العيون الزرق. يعني ان ذهن النبي فسر ذاك الذي‏استلهمه.

مؤلف «الصرط المستقيمة‏»((86)) [د. عبد الكريم سروش‏ج يطرح هذه الفكرة، ويقول‏في موضع آخر: ان حجم القرآن الفعلي انما يرتبط بمدة نزوله، وهي 23 سنة، ولو عاش‏النبي (ص) اكثر لتضاعف حجم القرآن عدة مرات، وهذا يعني انه تفسير النبي لذلك الامرالواحد النازل عليه، ومن المحتمل ان يتعرض للزيادة او النقصان بمرور الزمن.

والحقيقة ان هذا المدعى يفتقر الى اساس ديني، والقرآن يصرح قائلا: (وما ينطق عن‏الهوى # ان هو الا وحي يوحى) [النجم/3 و4].

واذا كانت المعارف القرآنية والانجيلية والتوراتية هي تجليات ذهنية للانبياء، فما هو معنى‏«وما ينطق عن الهوى‏» وما هو مصير: (بالحق انزلناه وبالحق نزل) [الاسراء/105].

والقرآن يزخر بهذا التعبير عن الحق الذي هو هذا القرآن:

(وانك لتلقى القرآن من لدن حكيم‏عليم) [النمل/6].

واذا كان القرآن هو التفسير والتجربة الذهنية للنبي (ص) تكون عبارة (لتلقى القرآن)خاطئة، لانه (القرآن) وليد ذهنية النبي (ص) وليس (من لدن حكيم عليم). وان لهذا الطرح‏نتائج يستفيد منها هؤلاء في عرض القرآن على العلم المعاصر، فاذا ظهر هناك تعارض‏بينهما، تكون الاصالة للعلم وليس للقرآن لان الاخير تفسير النبي وتجربته الذهنية! لكنهم لا يجراون على التصريح بذلك، بل يقولون: اننا نطرح الافكار ونتكلم ونترك‏الاستنتاج للناس. انهم بطريقة، او اخرى، يريدون زعزعة حقانية القرآن وقداسته، وهما من‏ضرورات الدين. وعندما يتم لهم القضاء على القرآن، سندنا الوحيد، فلن يتبقى لنا حينئذشي‏ء.. انهم يريدون اطفاء هذا النور الذي يربطنا بالسماء، وعن طريق التلاعب بالالفاظ‏وتزويق الكلمات يحاولون انتزاعه منا.

هناك صيغة اخرى للتعددية تتمثل في قولهم: ان ما ينزل على الانبياء ليس واحدا بل هومختلف، وصور مختلفة لحقيقة واحدة في عالم الوجود.

والانبياء، وفاقا لدرجاتهم، يحصلون على هذه الحقيقة، واختلاف التفاسير انما يتم بسبب‏تعدد تجارب الانبياء فحسب، لان قابلياتهم في التلقي متفاوتة! وهذه مقولة صحيحة اجمالاوالقرآن ذكر هذا الاختلاف في درجات الانبياء.

ولكن السؤال الذي يطرح هنا هو: ما علاقة هذا الموضوع بالتعددية الدينية في الاديان؟ ان هذا الموضوع يفيد ان ما جاء به الانبياء هو تجل لحقيقة واحدة، فما جاء به المسيح (ع) لايتعارض مع ما جاء به نبينا الاكرم (ص) وهذا صحيح، لكن ما علاقة ذلك بالتعددية‏الدينية؟ يجب الا نخلط بين الاديان الحقيقية كما نزلت بالاديان كما هي اليوم، اذ انها تعرضت‏للتحريف.

هذا خلط في البحث لان الموضوع يرتبط اساسا بالانبياء انفسهم لا بالاديان في شكلهاالحالي.

وخلاصة القول هي: هناك ثلاث نظريات مطروحة في مسالة التعددية الدينية فيما المعارف‏القرآنية الموجودة تؤكد ان حقيقة الاديان واحدة الا في ما يتعلق بالنسخ وكمال النفس.

اما هذه الاديان في صورتها الحالية فدعاوى متضادة تفتقد التعددية فيها جميع‏المعاني.

حوار س: هل يمكن الاستناد الى الاختلاف في فتاوى الفقهاء ونظريات كبار الفلاسفة في اثبات‏التعددية الدينية، وبخاصة ان دعاة هذه التعددية يعتمدون الاختلاف في فتاوى الفقهاء دليلاعلى دعواهم؟ ج: لقد بحثنا هذه المسالة وقلنا: ان هناك تعددية في فهم الدين ترجع اليها اختلافات الفقهاءبصورة طبيعية. وقد بينت ان احدا لا ينكر وجود هذا الاختلاف، الا ان الحساسية في‏القراءات المختلفة للدين والبحث عن نسبية مطلقة وكلية، وبسبب الخلط في هذه المباحث،تفضي الى هذه النتيجة.

والحال ان البحث هنا يدور حول وجود فهم مشترك لدينا او لا؟وهذا لا مجال للاختلاف فيه، اننا نريد القول: ان تاريخ الفقه والمعارف وتاريخ الضرورات‏الكلامية جميعها تنتهي الى وجود ما هو مشترك، والتمسك باختلاف آراء الفقهاء يفضي‏احيانا الى زعزعة ذلك المشترك.

على سبيل المثال، قد يشك احدهم في ما اذا كانت الصلاة قد شرعت في الاسلام اولا؟وهذا غير صحيح، ولا احد ينكر هذه المسالة التي هي من اسس الاسلام كالصوم‏والحج.

البحث، اذن، ينصب على الضرورات الدينية والاستنتاجات الحجة. واننا نفرق بين فهم‏المجتهد وفهم كاتب من الكتاب، ذلك ان فهم المجتهد حجة. . اما المباني التي يستند اليهاكاتب في الاستنباط فهي ليست بحجة لان الاخير لم يقم بتفحص الكتاب والسنة.

وهنا تكمن منطقة النزاع لا في اختلاف الاراء الذي هو من البديهيات.

س: يقول بعضهم: ان المشترك بين الفقهاء والمتكلمين وليد فرضياتهم القبلية المشتركة (كماهو الحال في الفتوى)، فاذا حصل اختلاف في تلك الفرضيات فهل تتبدل الفتوى؟ ج: نعم هذا صحيح، وفي كثير من المناسبات يحاول بعضهم الوصول الى هذه النقطة، حيث‏يقولون: اننا نعد الثبات في الفهم معلولا للمقدمات، ولكن هنا نقطة، وهي: هل يمكن اعتبارالمقدمات قابلة للمناقشة والتعديل؟ هذا امر لا يمكن القبول به ابدا على اساس ان من‏الفرضيات المطروحة ما يسمى بالفرضيات (المصادرات) اللسانية او اللغوية في فهم‏المحاورات، مثل لزوم العمل بظواهر الالفاظ يعد مقدمة وفرضية قبلية لسانية، ونحن نقبل‏ذلك جميعا، وهذا يصبح دليلا في الوصول الى فهم للكتاب والسنة، فاذا قال احدهم:

انني‏ارفض هذه الفرضية! فانه يغلق باب الحوار والمخاطبة ليس في فهم الكتاب والسنة بل‏وحتى في المحاورات العادية.

اذن ثمة مبان عقلية في باب الفهم لو تخلينا عنها لاختل نظام الحياة الاجتماعي.

اننا ناخذ بالظواهر اللغوية، حيث المخاطب والمخاطب كلاهما ملتزم بمفاد ظاهر الكلام، والاعجزنا عن التفاهم في ما بيننا، لانه اذا اردنا التفاهم، فعلينا ان نقبل هذه القاعدة العقلائية،وهي ان اللفظ يكشف عن معنى محدد، وعندما نرفض هذه القاعدة يصبح التفاهم‏والتخاطب مستحيلين.

صحيح ان الافهام تابعة للفرضيات القبلية، وثبات بعضها تابع لثبات تلك الفرضيات، لكننانقول: هناك فرضيات قبلية (مصادرات) لا يمكن التخلي عنها، ووفقا لذلك لدينا قدرة‏التفاهم في ما بيننا.

مثلا لنفترض ان القرآن حق، هذه فرضية قبلية، وعندما ترفضها انت تكون، في الحقيقة، قدهدمت ركنا في الاسلام، ولا يمكنك الادعاء بانك مسلم في الوقت الذي ترفض فيه ان‏القرآن حق! ويمكن الترقي اكثر، فمثلا، قد يقول احدهم: انني مسلم، ولكني ارفض التوحيد. ان التوحيدمن مقدمات الاسلام، وهو فرضية قبلية، واذا اردت الطعن فيها فلا يجوز لك الادعاء بانك‏مسلم.

ثمة فرضيات ثابتة تفضي الى افهام مشتركة.

س: يبدو، من كلامكم، انكم لم تفرقوا بين التعددية والقراءات المختلفة للدين، والسؤال هناهو: هل يوجد فرق بين المسالتين او لا؟ ج: لقد بحثنا ذلك وقلنا: ان هناك تعددية في ذات الدين وتعددية في فهم الدين، وهي‏نظرية التعدد في القراءات.

س: اذا لم تكن الشريعة صامتة، فلماذا يقال عن القرآن: كتاب اللّه الصامت؟ وللمعصوم:كتاب اللّه الناطق؟ ج: ورد في «نهج البلاغة‏»، عن امير المؤمنين علي (ع) كلام مشابه يقول فيه: هذا القرآن‏فاستنطقوه ولن ينطق لكم، ثم يقول الامام: انا الناطق به. فما معنى هذا؟ انه بحث تفسيري له‏مكانه الخاص، وقد تتعدد التفاسير فيه. لكن الحقيقة هي في الخارج، والائمة يستندون اليها،وهذه حقيقة مسلم بها، الحقيقة هي ان ظاهر الكتاب حجة لدى المسلمين، ويمكنهم‏الاستناد الى القرآن.

ولدينا شواهد متعددة في هذا المجال تؤكد علينا عرض الروايات على كتاب اللّه، فعندمانجد روايات متعارضة في مفادها فاننا نعرضها على القرآن، فما وافق كتاب اللّه ناخذ به‏ونطرح الباقي.

فالمعيار في اعتبار الرواية هو كتاب اللّه، وهذا لا يتم الا في حالة فهم كتاب اللّه، وهذا الفهم‏لدينا حجة، لان الائمة (ع) امرونا بالرجوع الى الكتاب، فروايات اهل البيت (ع) ليست حجة‏الا بعد عرضها على كتاب اللّه ناخذ بما يوافق الكتاب ونضرب الباقي بعرض الجدار.

اذن فالرجوع الى كتاب اللّه والاخذ بظاهره حجة في الجملة، ولا يمكننا ان نقول: انه صامت‏بشكل عام، اي انه لا يلقي الينا باي مضمون.

ولو كان صامتا، بشكل كلي، لتوجب علينا الرجوع الى الائمة دائما، فيما الائمة يامروننابالرجوع الى القرآن في تقييم الروايات.

يتضح، اذن، ان هناك افهاما لكتاب اللّه هي في ذاتها حجة، وهذا معيار في تشخيص الحق‏وتمييزه من الباطل في الروايات، وهي ليست قليلة، وهو ما عمل به الاصوليون‏والعلماء.

وعلى هذا يجب النظر الى المعنى الممكن. ربما المعنى هو ان القرآن لديهم صامت بالنسبة‏للحقائق، وهذا حق ايضا، وتشهد له الروايات في ان الائمة يعدون انفسهم اصحاب‏التاويل.

ان هذا القرآن، بكل بطونه، ليس حاضرا بالنسبة لنا. اننا نواجه سطحا من القرآن ومن خلال‏سبر بطون القرآن الذي يلزمه سبرها تهذيب للنفوس واستعدادات لا نعرف ما اذا كانت لسانية‏حيث الائمة يحيطون بالقرآن كله.

ثمة رواية في «بصائر الدرجات‏» و «اصول الكافي‏» تقول: ان القرآن الذي لو (سيرت به‏الجبال او قطعت به الارض او كلم به الموتى) [الرعد/31] لعند اهل البيت، والامام يتمسك‏بهذه الاية، حيث تكليم الموتى وتسيير الجبال ليس بشي‏ء لديه (الامام)، لانه يمكنه ذلك‏من خلال حقيقة القرآن.

ولكن ياتي بعض «المتنورين‏»، ممن وقعوا في اطر الفضاء المادي، ويستبعدون ذلك،ويقولون: هذا غلو في باب الائمة وخطا، واننا لا نفهم هذا القرآن الا اذا اخذ بايدينا الائمة،ونكون مثل «سلمان‏»((87)) ملحقين باهل البيت، والخلاصة ان درجة من القرآن هي‏لدى الجميع حجة، طبعا بعد التدقيق والفحص والتحقيق الذي هو حجة، وبعد الغاء «الصمت‏».اذا قلنا: ان هذا القرآن نور وتبيان لكل شي‏ء، ثم نقول بعد ذلك: انه صامت، فهل الشي‏ءالصامت يكون بيانا لكل شي‏ء؟ الائمة الذين هم اسرار مرافقة القرآن، فلو كان صامتا فماالذي يمكن ان يقدمه لي؟ ان القرآن نفسه يقول: (هذا بيان للناس) [آل عمران/138] وهل‏الشي‏ء الصامت يكون مبينا؟ ان المراد من «صمت‏» القرآن هو جميع درجاته.

س: هل يمكن استنباط التعددية الدينية من المصادر الدينية او انها قابلة للبحث فقط من‏منهج يقع خارج الدين؟ ج: الذين ينظرون للنسبية يرون الى الدين رؤية خارجية تماما، ويدعون ان مسالة القبض‏والبسط والنسبية الدينية هي خارج الدين ودرجة ثانية، مثل التفسير والفقه و.. ننظر اليها من‏الخارج، حيث نرى كيفية مسارها، وما هي الاشياء المؤثرة في الافهام. والحقيقة ان التعددية،بمعنى النسبية، فيها بحثان:

احدهما من خارج الدين والاخر من داخله.

لقد طرحت مسالة، وهي: ما هو الاشكال في عرض مسالة التعددية كسائر المسائل الاخرى على الكتاب والسنة؟ انهما يرفضان التعددية والنسبية الكلية.

وفي رايي انه ثمة آيات متعددة عندما تتجمع فانها تدل على بطلان النظرية النسبية المطلقة‏في فهم الدين. ودليلنا على ذلك، انموذجا، قوله تعالى: (هذا بيان للناس) القرآن بيان، فلوكنا عاجزين عن بلوغ القرآن، فان كل فهم له سيكون فهما بشريا خليطا من الصواب‏والخطا، واذن فان آية (بيان للناس) ستكون خاطئة.

هناك روايات وآيات كثيرة تدعو الى اتباع النبي (ص) فماذا سيكون معناها؟ فاذا لم نمنح‏الوصول الى سنة النبي (ص) وعندما يكون كل ما نفهمه قابلا للخطا، يعني ان يكون هناك‏تشكيك كلي في مسالة فهم القرآن والسنة فما هو مصير مسالة التبعية للنبي (ص) ان ذلك سيفضي الى حالة من اتباع الهوى والراي الذاتي، وستكون التبعية حينئذ للفهم الذي‏يكون فيه الخطا والصواب صحيحين! والمقصود بهذه الايات هو اننا قادرون على ان نصل الى مرتبة من مراتب الكلام الالهي‏والنبوي! وعلى هذا، فان التبعية لكلام اللّه تعالى وسنة النبي (ص) لها معنى، وفي رايي ان هذه‏المسالة معقولة جدا، وهي ان يكون هذا السؤال من داخل الدين: هل ان النسبية صحيحة اولا؟ س: تكافؤ الادلة هو احد المسوغات التي تطرحها التعددية الدينية، ما هو الجواب عن‏ذلك؟ ج: هناك مسوغات عديدة تطرحها التعددية، ومنها تكافؤ الادلة.

انهم يدعون ان الاديان‏المختلفة لها ادلتها في اثبات صدقها، ولا يمكن لاي منها ان يلغي الاخر، ولذا فاننا امام‏تكافؤ للادلة.

وفي حالة كهذه نضطر الى القول بالتعددية الدينية... وهنا يمكن اثارة‏مسالتين:

الاولى: ان هذه الفرضية المصادرة قابلة للنقاش والبحث، بل هي مجرد ادعاء، لان مجردالنقل ليس صحيحا، ذلك اننا ندعي استطاعتنا اثبات ديننا بشكل قاطع، ولازم ذلك نفي‏الاديان الاخرى. اننا نوافق على المقطع الاول من المقولة، وهو ان الاديان الاخرى لديها ادلة‏متقنة.

الثانية: ان تعدديتكم هذه تفضي في النهاية الى القول: ان جميع الاديان تؤدي الى الحقيقة،ولكن هل ان تكافؤ الادلة يثبت ذلك؟ تكافؤ الادلة يعني اننا لا نمتلك دليلا متقنا واكيدا،وهذا لا يثبت حقانية الاديان جميعها.

لنفترض ان شخصين تنازعا، ثم مثلا امام القاضي، ولاحظ القاضي ان ادلتهما متكافئة،كلاهما احضر شهودا، فهل التكافؤ هنا يغير من الحقيقة.. هل اذا كانت الادلة متساوية بالنسبة‏ستكون الحقيقة متبدلة؟ ولذا يتوجب ان نلاحظ ماذا تريد التعددية قوله؟ فاذا كان قصدهاالتسامح مع الاديان الاخرى والتعايش وعدم التحاجج والجدل معها فهذا موضوع آخر.

واذا كان البحث حول حقانية الاديان جميعها، وانها جميعا صور متعددة لحقيقة واحدة، فاية‏علاقة بهذا مع تكافؤ الادلة؟