الصفحة السابقة

الصفحة التالية

الادلة يمكن ان تكون متكافئة في حالة كون احدها حقا والاخر باطلا، وبخاصة ان ادلة‏الاديان في صورها المعاصرة متعارضة، ولا يمكن الجمع بينها، وحتى في حالة تكافؤ الادلة‏فان جمع النقيضين مستحيل. احدهما يقول: ان التثليث حق والاخر يقول: باطل، واذن لامكان لتكافؤ الادلة.

س: هناك اسئلة حول تعريف بعض الكتب التي تبحث في هذه القضية؟ ج: حسب معلوماتي لا يوجد كتاب معتبر باللغة الفارسية، يوجد كتاب «صراط هاي‏مستقيم((88)) للسيد سروش (عبد الكريم) ولكنه بحث الموضوع من طرف واحد،وكتابه كسائر كتبه الاخرى لا يمتاز بالعمق الفكري في هذا المضمار. هناك منهج انتقائي‏في نقولاته: مثلا ينقل عن جون هيك، وهو من الكلاميين المسيحيين، ومن دعاة التعددية‏الدينية، لكنه يهمل نصوص معارضيه. يوجد فلاسفة اكثر دقة من جون هيك، وهم ضدالمذهب التعددي. ولكن السيد سروش لم ينقل عنهم اية كلمة. وفي آخر الكتاب ترجم لهم‏بعض الكتابات فقط مثل «بلا تينجا» و «بترانيونجن‏» الخ.. وهؤلاء اساتذة كبار، ومن معارضي‏التعددية لم ينقل عنهم السيد سروش شيئا، وهذا في رايي يجعل كتابه غير موضوعي لانه‏انتقى ما يتلاءم معه.

طبعا كتبت نقدا في هذا الموضوع في مجلة «صبح‏»، وتعرضت بالتفصيل الى افكار «صراط‏هاي مستقيم‏»، اما المنشورات الغربية في مثل هذه المباحث فكثيرة سواء في المجلات ام‏في الكتب.

خرافات في التراث العربي
 يوسف فجر رسلان
 تمهيد كنت ساءكرس البحث لتبجيل تراثنا العربي الاسلامي لولا ما نعرف ويعرف القراء من اءن‏المدح عندنا كثير والنقد قليل، ومن ان هذا المسلك يرخي الاشياء على عواهنها، والاذهان‏على ركودها وشرودها. اقول: كنت ساجري المالوف، وعلى المالوف، لولا ما يحمله تراثنافي تضاعيفه من خرافات واسرائيليات.

لكني، ومن ههنا، اتجهت بعكس التيار، رغم ما قديقوم في الطريق من اخطار، ساعيا الى تنقية التراث ما ملكت الى ذلك مساحة وسبيلا،متيقنا من ان هذه المهمة هي الانفع والانجع، وانها واجب ورسالة.

ولا يفوتني التنويه، ابتداء، بان التراث الاسلامي النقي هو الايديولوجيا الارقى في الاسس‏الروحية، والقيم الانسانية والاخلاقية، والقواعد والمبادى السلوكية المتولدة. وما اقول هذاتعصبا، والتعصب خلق ابغضه وادينه، والدراسة المقارنة مغرية فعلا، لكن المهمة التي نوهت‏بها تظل الاولى والاجدى.

وما انا الا واحد من العرب يبتغي لامته الرفعة والمنعة، ويدرك ان هذا لا يكون الا بيقظة‏فكرية علمية، ووعي جمعي حر متحرر لا مكان فيه للعكر والكدر.

صحيح ان تمليك الوسيلة والطريقة انجع من تمليك الحقيقة الناجزة. لكن الخرافات‏راسخة تستوطن تراثنا على مدى اربعة عشر قرنا او تقل. ولذلك فان بحثا يكشفها ويعريهالا بد من ان يحقق الحسنيين، اعني امتلاك الطريقة والحقيقة معا.

ولعل في هذا التمهيد دلالة كافية على توجهات البحث ودفعا لظنون قد تقوم حول البحث‏والباحث.

اسرائيلية فاضحة تلقف اسلافنا الصالحون، من اباطيل الكهنة، اسرائيلية مبيتة فاضحة تناقض العقيدة‏الاسلامية، وتقوض احدى الحقائق الثابتة في دين اللّه الحنيف، وراحوا يتحدثون فيها بلسان‏اليهود.

ويرسخونها في تراث امتهم، من دون ان ينتبهوا الى ذلك التقويض والتناقض، حتى‏لكانهم لا يدرون ما يفعلون. تلك الاسرائيلية هي ما لفقه الكهنة في توراتهم من تفاخر وغيرة بين امراتي ابراهيم: هاجروسارة. فلقد تلققها اهل العلم اولئك من مبتدئها الى خبرها حتى ما تدري ان كان‏المتحدثون يهودا ام مسلمين. هذا، والقصة طويلة جدا في كتب التراث، واكتفي بنقل سطرواحد منها لزوم المقارنة الحرفية مع التوراة الكهنوتية الموضوعة: «ان اللّه تعالى امر ابراهيم ان‏يطيع سارة في كل ما تقول وتامر بشان هاجر وشان ابنها اسماعيل‏»((89)) .

تنطبق الفاظ هذا النص على الفاظ التوراة حرفا بحرف، فالنص التوراتي يقول: «ورات سارة‏ابن هاجر المصرية (اسماعيل) يمزح. فقالت لابراهيم: اطرد هذه الجارية وابنها. لان ابن هذه‏الجارية لا يرث مع ابني اسحق. فقبح الكلام جدا في عيني ابراهيم لسبب ابنه. فقال اللّهلابراهيم: لا يقبح في عينيك من اجل الغلام ومن اجل جاريتك، في كل ما تقول لك سارة‏اسمع لقولها. لانه باسحق يدعى لك نسل. فبكر ابراهيم واخذ خبزا وقربة ماء واعطاهالهاجر واضعا اياهما والولد على كتفها وصرفها. فمضت وتاهت في برية بئرسبع‏»((90)) .

ارايت من اين استقى اسلافنا، اهل العلم والفقه والتفسير، اخبارهم في خليل اللّه واهله؟ارايتهم اهل علم ام اهل غفلة وشرود؟ ارايتهم بعد ان وقع الحرف على الحرف مسلمين ام‏يهودا؟ انهم مسلمون سذج سطحيون مسطحون ضللهم اليهود.

والغريب في الامر ان الابطولة الاسرائيلية عارية في التوراة الكهنوتية. فكيف غابت منهم‏وغابوا عنها؟ وعند التشدد، اقول:

كيف عمهوا عنها وصاروا ذيولا لليهود؟ كيف ارسلوها في‏تراث المسلمين اربعة عشر قرنا تشوه التراث وتفسد عقول الاجيال، وتختل الناشئة عن‏عقيدتهم النقية؟ لاحظ الاصرار على وصف هاجر بالجارية (ثلاث مرات في سطرين) والمغزى من ذلك ان‏العرب نسل جوار. وانهم عبيد لليهود نسل اسحاق. فكيف وقف العلماء عند قشرية النص ولم‏يدخلوا فيه؟ هذا، وتتمثل في النص التوراتي جملة من الاباطيل ابرزها:

1 الحط من قدر ابراهيم (ع) بتصويره منصاعا لرب اليهود (يهوه)، الذي هو الكهنة انفسهم،يامره باذلال زوجته وابنه وتشريدهما في القفار تنفيثا لما في صدر زوجة اخرى من حقدعلى «ضرتها وابنها».

2 تبوؤ امراته مقاما ارفع من مقامه بتسفيه رايه «فقبح ذلك في عيني ابراهيم‏» ونبذ عاطفته‏الابوية والزوجية. وتغليب رايها وتنفيذ امرها: «اطرد هذه الجارية‏» لتنفيث حقدها النسائي،الامر الذي يستهجنه الناس تجاه العاديين من الناس.

فما بالك بالانبياء تجاه الانبياءونسائهم؟ 3 العنصرية المرة البغيضة. فالنسل الذي تعترف به التوراة لابراهيم هو نسل اسحاق فقط:«باسحق يدعى لك نسل‏».

ونتيجة لذلك فان جميع الامم، كما جاء في التلمود، «حيوانات‏انسانية يكثرها اللّه لضرورة العمل والزرع والتسخير، وياتي العرب، او نسل اسماعيل، في‏المقدمة‏». فكيف سها اهل العلم من اسلافنا عن هذه الاباطيل، وراحوا يكرسونها في التراث‏العربي؟ كيف غاب عنهم وخفي عليهم، ان هذه الاباطيل تقوض العقيدة الاسلامية من‏اساسها؟ هل كانوا يجهلون منزلة ابراهيم واسماعيل عند ربهما والقرآن بين ايديهم؟ 4 اما بشان سارة، فقد رووا قصتها كما روتها التوراة، ورسخوها في مجلداتهم التراثية كمارسخها الكهنة الوضاعون في توراتهم، حتى راينا الحرف يقع على الحرف لكان الكاتب‏يهودي لا مسلم. وهذا يفيد انهم صدقوا قصة التفاخر اولا، تفاخر هاجر بحملها، ثم الغيرة‏بحقد اسود على الغلام اسماعيل وعلى امه، وما تبع ذلك من ظلم وقسوة وتشريد لزوجة‏وابنها في صحراء النقب. ويفيد ايضا ان خليل الرحمن ارتكب جميع هذه المظالم بحق‏زوجته وابنه، افما كان بمقدورهم ان يستنتجوا التهم الباطلة والقرآن بين ايديهم؟ كلتاهماكانت مبشرة بغلام، وكلتاهما حملت حملا مقدسا لجهة عمر ابراهيم وسارة. وامراة حاقدة‏ظالمة لا تبشر بحمل مقدس. وامراة تبشر بحمل مقدس لا تحقد ولا تظلم.

ختان البنات، او الخفاض اعرف ان هذه المسالة، او الفضيحة، ستثير حفيظة قطاعات واسعة من المسلمين بعامة،وعلماء معاصرين، اي من احياء الشفق الاخير من القرن العشرين بخاصة، لجهة ان تلك‏القطاعات لا تزال ترتكب هذه الجهالة المؤسسة على اسرائيلية فاضحة. وهي فاشية على‏الخصوص في مجتمعات الحنفية والمالكية والشافعية. وان شئت التوسع، فراجع بشانهاالاختلافات الفقهية الواسعة بين هذه المذاهب، ذكروا ان اربعة عشر نبيا ولدوا مختونين،وولادات المختونين معروفة ولم تذكر لانثى. وهذه قرينة. توقف الفقهاء المعاصرون عن‏اثارة هذه المسالة الا عندما تحرضهم الاذاعات الغربية.

وجميع من تناولوها قالوا: انها واجب او سنة، او هما معا، وما فعلوا الا لانهم من اهل العلم.ولقد ارسلوها في التراث وصولا الى اقحاف المعاجم، حيث تقول: «ختن الصبي، وختن‏الصبية.

فهو مختون، وهو وهي ختين‏». وهي اليوم مسالة ساخنة يثيرها الاعلام الغربي، بين‏حين وآخر، جاعلا منها وسيلة لادانة الاسلام بسلوك مهين. وهي حقا سلوك مهين. وماانزلها اللّه في كتاب، او انزل فيها كتابا، ولا قالها النبي (ص) او شرعها ابدا.

ولذلك فان ماتسمعه من احاديث ينسبونها الى النبي (ص) ان هي الا موضوعة «لتعزيز مذهب‏» اومذاهب، وهذا نمط مشهور في علم الحديث عند ائمة الجرح، وامثلته بلا حصر.

ولا يجوز ان تستمر هذه الفضيحة في حياتنا وتراثنا سلوكا شاذا وفرية شائنة. قلت في‏بحث آخر: ان الخرافة تختزن في الخلفية النفسية العامة للجمهور خيطا دقيقا، او انطباعااول حتى اذا طال عليها الزمان تحولت الى «مرسة‏» ثم الى حبل، وتنطبق هذه القاعدة على‏مسالة ختان البنات، اذ بدات كذبة، او مشتقة من كذبة، ثم تحولت عند اولئك العلماءالاسلاف والمعاصرين الى «حقيقة‏»: اي من الخرافة الى «الحقيقة‏». ويلاحظ ان الشيخ‏طنطاوي فقط، ممن سالتهم الاذاعة، اعترض على ختان البنات، وهو شيخ‏الازهر.

ستستغرب اساسها ومبتناها وكيفية اشتقاقها من اءبطولة توراتية:

هي، قبل كل شي‏ء، ليست من التوراة، لكنها مشتقة من هناك، وعندئذ فان الابداع والاختراع‏هو من عبقرية علماء المسلمين، فهل تدري من اين وكيف اشتقوها وخرجوها للمسلمين؟استنسخوها بدعة وجهالة من الابطولة التوراتية اياها في حقد سارة وظلمها وغيرتها من‏هاجر، وبذلك تكون هاجرا اول امراة ختين في هذا البرج الادمي، وتكون سارة جراحة‏متعسفة على المهنة فوق كونها ظالمة حاقدة، اجل من هناك حاكوها للتراث، وها نحن‏نخرجها منه. ولعله عمل او تخريج غير مسبوق: (اعترض الشيخ الطنطاوي على ختان‏البنات لكنه لم يذكر من قريب او بعيد الاساس الذي اعتمده الاسلاف لهذه البدعة، وها نحن‏نخرجه من تراث اليهود).

النص التراثي «وحلفت سارة ان تقطع ثلاثة من اعضاء هاجر، فلما علمت هاجر تمنطقت وتهيات للفرار،فامر ابراهيم سارة بان تنفذ قسمها بثقب اذنيها وخفاضها (2 + 1مساوى‏3) ففعلت فصارسنة في النساء كذا في شفاء الغرام‏»((91)) .

وفي الانس الجليل: غارت سارة فحلفت ان تملا يدها من دم هاجر، فقال ابراهيم: خذيهاواختنيها، لكي يكون سنة بعدكما، ولكي تتخلصي من يمينك، ففعلت، فكانت هاجر اول‏من اختتنت من النساء.. وقال السهيلي: هاجر اول امراة ثقبت اذناها، واول من خفض (ختن)من النساء. واول من جر ذيلها (كناية عن التلفع بالاثواب الفضفاضة للهرب من الختن) ومع‏ذلك لم يسكن جاش سارة الا بعد طرد هاجر»((92)) .

وبذلك يكون اسلافنا قد صدقوا ابطولة التوراة الكهنوتية ونسبوا الى سارة ما لا ينسب حتى‏للنساء العاديات، بل تراهم وقد تزيدوا فاضافوا من عندهم الى الابطولة الكهنوتية اباطيل‏التنفيذ العملي لذلك الفعل المشين. والختان فعل الجاهلية: كان سباع بن عبد العزى من اشدفرسان المشركين على المسلمين في موقعة احد، فنزل اليه الحمزة(رض)، وقال له: «هلم الي‏يا ابن مقطعة البظور»، وكانت امه: ام انمار ختانة للنساء فقتله الحمزة بضربة‏واحدة‏»((93)) .

اجل، من ههنا جاء ختان البنات. وليس له مصدر آخر على الاطلاق، ودونك القرآن. وماينسب الى النبي (ص) من احاديث بهذا الشان انما هو موضوع تعزيزا كائنا من كان ناقله،وكائنة ما تكون عنعنته. وما ضاع المسلمون اصلا الا بمثل تلك العنعنات.

وما يضيع العلماءالمعاصرون ومنهم من يجيبون عن اسئلة الاذاعات الغربية الا بمثل هذه العنعنات. يرون في‏المجلدات التراثية اسماء فلان وفلان. وهم عندهم من النمط الذي «لا يحرق ولا يغرق ولاياتيه الباطل من ظهر او من خاصرة‏».

تنهي الاذاعات الغربية وهذا شغلها الى اسماع العالم صراخ البنات واستنجادهن وعويلهن،وهن يتعرضن لتلك الجريمة والحماقة، فبماذا تشعرون؟ تتالمون من دون شك، واحسب‏انكم تخجلون من فعل شنيع لا يزال محسوبا على الاسلام. من ههنا سميتها فضيحة. وبعد،فلقد نبشت اصل هذه الفضيحة المستمرة من ثلاثة مصادر تراثية كما رايت: شفاء الغرام،والانس الجليل، والسهيلي، فضلا عن جامعها الدياربكري. واحسبها كافية. وكل ما ورد فيهامناقض للاسلام.

ويقوض العقيدة بشان ابراهيم وهاجر وسارة. حتى لكان من كتبها وارسلهافي التراث وفي الحياة يهود لا مسلمون، بل ان اليهود اقتصروا على وضع الابطولة الاولى،ولم يقولوا بختن البنات كانهم تركوا هذا الامر لعلماء المسلمين.

فليقرا المسلمون وفي مقدمتهم الفقهاء ما جاء به القرآن عن منزلة ابراهيم عند ربه، ثم‏ليستنتجوا ما اذا كان خليل اللّه يامر احدى زوجتيه بختن اخرى! عجيبة هذه السقطة.وعجيب هذا الهبوط في الفهم، والاعجب منهما تلك الغفلة عن كتاب اللّه وهم الموصوفون‏بالفقهاء والحفاظ والمفسرين وما الى ذلك من الالقاب الجليلة. لقد بشرت هاجر باسماعيل.وهذا في التوراة والقرآن، وكان حملها مقدسا، لجهة ان عمر ابراهيم كان ستا وثمانين سنة،حتى وان تركت هذه يظل الحمل مقدسا لانه بشرى من اللّه. فهل تكون من يبشرها اللّهبحمل مقدس امراة عادية تتفاخر على ضرتها؟ وبشرت سارة باسحاق. وهذا في الكتب جميعا، وكان حملها مقدسا لجهة عمرها وعمرابراهيم، هي بنت تسعين وهو ابن مئة. فضلا عن انه بشرى من اللّه.

فهل تكون من يبشرها اللّه بحمل مقدس، ضرة، او امراة عادية، تغار من ضرتها، وتحقد عليهاوعلى ابنها، وتشحذ، او لا تشحذ، الشفار لختن ضرتها؟ لقد اخذ الاسلاف الابطولة الاولى من التوراة، ابطولة التفاخر والغيرة. اخذوها بحرفها كمارايت، وصدقوا من ذيولها سفاهة سارة والعياذ باللّه بحق شريكتها، ولعلهم تاثروا بذكر هاجرالمكرر على انها جارية لا زوجة، فظلت عندهم كذلك اقل مقاما واحتراما، وعندئذ يحق‏للزوجة الحرة ان تفعل بجاريتها ما تشاء. بل وبامر من زوجها (في التوراة سارة زوجة‏وهاجر جارية لانها ام اسماعيل وجدة العرب).

اجل، صدق الاسلاف هذه الاباطيل جميعها، ثم راحوا يركبون لها ذيولا اضافية. وعندئذصدق التابعون اسلافهم، وصدق المعاصرون اسلافهم واسلاف اسلافهم، فظل هذا الفعل‏الشنيع والسلوك الشاذ والفرية الشائنة جزءا من تراثنا العربي.

خرافة مسفة في قبض روح ابراهيم «قال كعب الاحبار: لما اراد اللّه قبض روح ابراهيم ارسل اليه ملك الموت في صورة شيخ‏هرم، فاطعمه ابراهيم، فجعل الشيخ ياخذ اللقمة ليضعها في فيه، فيدخلها في عينيه واذنه، ثم‏يدخلها في فمه، وكان يسيل لعابه المخلوط بالطعام على لحيته وصدره، فاذا دخل الطعام‏بطنه يخرج مباشرة من دبره (صورة مقززة مسفة)، وكان ابراهيم قد سال ربه الا يقبض روحه‏حتى يكون هو الذي يسال الموت. فقال للشيخ حين راى حاله: يا شيخ، ما لك تصنع هكذا؟قال: يا ابراهيم انه الكبر. فساله ابراهيم: كم عمرك؟ قال: فزاد على عمر ابراهيم سنتين.

قال‏ابراهيم: انا بيني وبينك سنتان، فاذا بلغت ذلك صرت مثلك؟ قال: نعم. فوقعت الكراهة في‏نفس ابراهيم فقال: اللهم اقبضني اليك قبل ذلك. فقام ذلك الشيخ، وكان ملك الموت.فقبض روح ابراهيم، هذا ما رواه كعب الاحبار»((94)) .

ما كان ابراهيم (ع) ليحتاج هذه التمثيلية الملائكية كي يعرف حال الكبر وما يرافقها من‏الوهن والتراجع في وظائف البدن! ما كان بحاجة الى تلك الصورة المقززة المنفرة التي‏رسمها كعب للملك من اظهار الريالة المخلوطة بالطعام على لحيته وصدره متبوعة بالاسهال‏المباشر امام ابراهيم ليقنعه بامر ربه.

الرواية تسي‏ء الى ابراهيم عند قارى او سامع لا يعرف قدر هذا النبي. فبها وبمثلها يمكن‏النظر الى الانبياء على انهم سطحيون بسطاء يجهلون حتى ابسط المعارف عن احوال البدن،لكان ابراهيم قبل التمثيلية الملائكية لم يشاهد شيخا هرما، فكانت المرة الاولى، ولكان‏ابراهيم لم يقف على شيخوخته وهرمه وتراجع قواه ووظائفه البدنية، علما ان الشيخ الهرم‏الذي قام بالتمثيلية لم يزد على عمر ابراهيم سوى سنتين، وقد قبض ابراهيم عن مئة وخمس‏وسبعين سنة. وابراهيم حطم الاصنام، ودحض الوثنية. وجادل اصحابها بالحجة العقلية:(فاسالوهم ان كانوا ينطقون) فهل يجهل مثله احوال الكبر؟ وبماذا يكون عالمااذا؟ وابراهيم من اصحاب الصحف (صحف ابراهيم وموسى)، وهو نبي ورسول، فهل يكون من‏اجتمعت فيه النبوة والرسالة جاهلا باحوال الشيخوخة والهرم؟ والرواية تسي الى ملك الموت (عزرائيل في ما اعرف) بتصويره مخاتلا يخدع ابراهيم لكي‏يحصل منه على موافقة لتنفيذ امر اللّه. وتكون طامة كبرى اذا كان اللّه استغفره تعالى هوالذي علم عزرائيل تلك الخدعة، وزوده بها، وامره بتنفيذها على تلك الحال وذلك‏التفصيل.

وكعب الاحبار كان، في ما يروى، من كبار علماء المسلمين، استصفاه الخلفاء مستشارا دينيالا يرد له راي، ولا ترفض له رواية حتى وان تنبا كالانبياء، حتى وان اسهم في قتل خليفة،وحسبت معرفته بمقتله له منقبة في علم الغيب يتناقلها المسلمون منذ اربعة عشر قرنا.

فلم الافتئات على خليل الرحمن؟ لم هذا اللف والدوران في خدعة سخيفة؟ لم تقذيرالتفاسير وتثقيلها باساطير وخرافات لا تزيد قيمة عن تخريف اليهود في توراتهم؟ انما كان كعب يتعمد ذلك لتشويه الصورة النقية في الاسلام، وهو المسلك المشهور للاحبارفي التوراة. فيكون ان كعب الاحبار قد مارس سلوك اخوانه اليهود لا سلوك اخوانه‏المسلمين، اللهم الا ذلك الرهط الذي اعتلق كعبا، وبواه منزلة تصل الى شبه النبوة، والى‏العلم بالغيب، فهذا الرهط كان كعب فيه عالماعلامة واستاذا يتربع على سدة الفقه الاسلامي.والدليل على ذلك خرافاته واسرائيلياته التي تزخر بهامسطحات التراث، ومنها هذه الخرافة‏في قبض ابراهيم. وقد صرح كعب هذا، وهو على فراش الموت، انه وضع مئة الف‏حديث((95)) .

هذا، ورصيد وهب بن منبه في الخرافات والاسرائيليات المبثوثة في تراثنا لا يقل كثيرا عن‏رصيد كعب. ومع ذلك فهو لم يفتئت على ابراهيم في خبر وفاته، ولم يشوه صورته وآخرته‏كما فعل كعب.

فقد عرض وهب آخرة ابراهيم بمنطق مقبول اسلاميا، او يقبله المسلمون ويرتضونه: «جاءفي كتاب الحدائق (لابن الجوزي) عن وهب بن منبه ان ملك الموت قال لابراهيم: يا خليل‏اللّه، على اي وجه تريد ان اقبض روحك؟ فقال: اقبض روحي وانا ساجد، فقبض روحه وهوساجد»((96)) .

اذا لم يكن هناك ريالة واسهال، بل جاءه الملك نظيفا، ونفذ امر ربه.

ولا يعنينا من رواية وهب غير هذه النظافة، لانه لا يشغلنا في رواية كعب غير تلك القذارة،لقد اراد كعب ان يفسر «ارذل العمر» فما وفق بغير الحديث عن الريالة والاسهال ينسج لهماتمثيلية اشخاصها الملائكة والانبياء.

والواقع ان كعب الاحبار قدم لمريديه من اهل العلم خرافة لا علما، خرافة تليق بمجالس‏العجائز لا بمجالس العلماء.

ولا يفوتنا ان كلا من روايتي وهب وكعب تخالف الاسلام ولكن بفارق كبير بينهما، اذ ليس‏في الاسلام ان اللّه تعالى يخبر عبده بالكيفية التي يقبضه بها، هذا بخصوص رواية وهب.وليس فيها غير هذه المخالفة، والمسلمون يقبلون رواية كهذه ويتجاوزون تكريماللانبياء.

اما رواية كعب فتنقض فكرة الاجل المحتوم، قال تعالى: (وما كان لنفس ان تموت الا باذن‏اللّه كتابا مؤجلا) [آل عمرانر 145].

فلو لم يكن عزرائيل ممثلا بارعا لما اقنع ابراهيم باجله. وبشكل آخر: ان اجل ابراهيم كان‏مرهونا بقناعته بالموت لا باجل رباني محدد.

فماذا كان سيحصل لو ان عزرائيل اخفق في اقناع ابراهيم بكراهة الحياة؟ هي مشكلة حقا.واذا كان الحل عند كعب ومريديه ان الامر معلوم ابتداء من اللّه، او انه بعلم اللّه مسبقا، وانه كان‏قد حان تنفيذه. سالناهم: ولم هذا اللف والدوران وتضليل اذهان المسلمين؟ لم هذه التمثيلية‏المختلقة؟ لقد ربط كعب الاحبار تنفيذ الامر الالهي بمشاهدة الريالة والاسهال. وما هكذا يكون العالم‏المسلم، بل يكون الكاهن الملغوم بالخرافات والاسرائيليات المبيتة والمنتقاة بعناية لتشويه‏الخلفية النفسية العامة للمسلمين وتسميم تراثهم.

وبعد، فرواية كعب مسفة ومضحكة. فاذا وجدت في التحليل والتعقيب شيئا من ذلك فلانهماجاءا من جنس الرواية، ولا يمكن غير ذلك.

الاغراق في التخريف كان يحلو لرهط من علمائنا الاسلاف نسج المبالغات والاطناب في الخرافات وصولا الى‏الاكاذيب الكبار، او الى الاكاذيب الكبائر لكانهم كانوا ينشدون، من الاغراب والاغراق في‏التخريف، المنزلة الرفيعة عند الجمهور. وما خاب ظنهم بالاجيال المريدة الطائعة الساذجة‏التي كانت، على مدى قرون، تاخذ بخرافاتهم، وترفع من منزلتهم بدلا من ان ترفض‏وتشكك وتصوب وتعيد الفكر العربي الى مساره العلمي، او الى الواقعية المقبولة والمعقولة‏على الاقل، علما ان الزمان العربي لم يكن زمان غفلة وغباء الا لدى اصحاب تلك العقلية‏الساذجة الطائعة غير المتمردة، فقد كانت الخرافة جزءا من ايمان هؤلاء لانهم اهل علم‏وحفظ وتفسير. ونحن، اذ نقدم بعضا من خرافاتهم، فانما نقدم النزر اليسير الذي تسمح به‏المساحة:

عناق ابنة آدم اظافير من حديد «عناق، او عنق، هي احدى بنات آدم من صلبه. وهي اول من بغى (من البغاء)، وكان مجلسهاجريبا من الارض (كناية عن الضخامة والمساحة)، وكان طول كل اصبع من اصابعها ثلاثة‏اذرع (اكثر من مترين)، وكانت اظافرها من حديد! ارسل اللّه عليها السباع‏فاكلتها»((97)) .

هذا ليس من الدين، ولا يجوز ان يكون في التراث الاسلامي ولا ان يحسب عليه. فالاسلام‏دين العلم، هذا من نسج افهام قاصرة وعقول خائرة ومخيلات بائرة، القت بخرافاتها،و «قبعتها» بلباس الاسلام. وارسلتها الى الاجيال الساذجة في زمان لم يكن كله ساذجا. هذاتجديف على الخالق، وتشويه لفطرة آدم وحواء، وافتئات على الانسان، ومروق من قوله‏تعالى: (لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم) وبالتالي مروق من العقيدة الاسلامية ومن‏دستورها القرآن العظيم.

فاللّه تعالى لم يخلق الانسان وحشا، او وحشا خرافيا وبمخالب من حديد، لقد خلق الانسان‏انسانا، حتى المستحاثات لم تقدم لنا ديناصورا بذلك الوصف المرعب، فما بالك بخلفة آدم‏وبالوالدين آدم وحواء؟! وتذكر، قبل كل شي‏ء، ان الولد ابن ابيه. فهل كانت لادم، استغفر اللّه،اظافر من حديد؟ ارايتم كيف شوهوا فطرة خلق آدم وحواء، واساؤوا الى «احسن‏تقويم‏»!؟ حتى، وان تغاضينا عن اظافر الحديد، فان الصورة تظل خرافية من نمط الاكاذيب الكبائر.وماذا يهم بعد ان صوروا آدم وحواء ابتداء على تلك الصورة الخرافية حتى جعلوا رجلي آدم‏في الارض وراسه تحت العرش فصلع منها! ورغم ذلك، فان هذه الخرافة لا تزال راسخة في قناعات كثير من المسلمين، ولا اتهم العامة‏وحدها، فالعامة لا تاخذ الا من علمائها، الم تسمعوا هؤلاء وهؤلاء يتحدثون عن الحجم‏الخرافي لعناق وابنها عوج؟ فمن اين استمدوا هذه الاحاديث؟ اليس من تلك الخرافات‏المتفشية كالوباء في بعض كتب التراث؟ ولماذا هي مستمرة الى ايامنا؟ اليس لان من دبجوهاكانوا من العلماء؟ عوج بن عناق انقل من اخباره فقرات مختصرة، تكفي لكشف الخرافات وتحليلها والتعقيب عليها. جاء في‏بعض كتب التراث: «كان طول عوج بن عناق ثلاثة وثلاثين الفا وثلاثمئة ذراع‏». وقيل:«وثلث الذراع‏»، وفي رواية اخرى «ثلاثة وعشرين الفا وثلاثة وثلاثين ذراعا، وماء طوفان‏نوح لم يبلغ بعض جسده. وقيل حتى ركبتيه، والطوفان لم يغرقه، وطلب السفينة ليغرقها،وعاش ثلاثة آلاف سنة حتى اهلكه موسى‏»((98)) .

كم خرافة في هذه الفقرة وحدها؟ كم خرافة هي من نمط الاكاذيب الكبائر؟ فاذا اجريت‏الحسبة بالكيلومتر وجدت طوله في المرة الاولى 23 كلم، وفي الثانية 16 كلم. ولم يذكرواعرضه. وباحتساب التناسب يكون، او قد يكون، نصف كل من الرقمين.

مثل هذه الخلفة يجب ان تكون نطفتها قدرا على الاقل، ويجب ان تكون رحمها شكوة اوقربة، ناهيك عن الملحقات.

ارايت كم في هذه الخرافة من تجديف بحق الرجل وبحق جده آدم وجدته حواء؟ ارايت فيهاالخروج على القانون الالهي في خلق العباد؟ ارايت فيها التجديف على الخالق؟ وتقول‏الرواية:

ان عوجا عاش ثلاثة آلاف سنة. ولعله، لو لم يهلكه موسى لعاش الى ايامنا هذه!وهل تصدق ان موسى، وكان بحجم البشر، يستطيع قتل رجل يساوي حجمه عشر بوارج‏واكثر؟ هذا خرق للعقيدة. ولا يجوز ان يكون محسوبا على التراث الاسلامي.

حتى اذا هرعوا الى التفسير بالميتافيزيقا اوقعونا في دوامة من التخريف غير قابلة للتحقيق.وهنا يكمن سر الخرافة والتخريف.

عدتهم في ذلك: اللّه اعلم. فهي، مع صدقها، تغط‏ي‏الجهل والتخريف، هي المقدمة الصادقة تغط‏ي كل مقدمة كاذبة او فاسدة.

لقد كان اهل العلم اولئك صدى للكهنة المتسللين الى الاسلام، فقد جاء في التوراة ذكر«العناقيين‏»، فراح «اهل العلم‏»، من اسلافنا يفرعون من لفظ العناقيين تحديدا لفظ «العمالقة‏»والخرافات الاخرى في احجام الاجسام والاعمار، فالعناقيون اسم ماخوذ من عوج وامه‏«عناق‏»، ومن كان طوله وعرضه وبعده الثالث، او من كانت ابعاده بالكيلومتر، يصح ان يسندله العمر ب‏آلاف السنين.

وما احسب اهل العلم من اسلافنا تمددوا وتسطحوا الى وصف آدم وحواء بتلك الاحجام‏الخرافية الا لتنسجم الحال مع اوصاف العناقيين العمالقة، باعتبار آدم وحواء الجد والجدة،وعوج وامه لم ينتجا من فراغ، بل من آباء واجداد، وقد رايت في النص التراثي ان عناق‏كانت ابنة آدم من صلبه. فكيف يكون ابوها بشرا سويا وتكون كل اصبع من اصابعها ثلاثة‏اذرع؟ اجل كان لا بد من «تكبير» حجم آدم وحواء كيف «يستوعبا» حجم عناق.

في التوراة: عناقيون، عماليق، بنو عناق، عوج. وفيها اشارة الى حجم عوج، اذ تقول: «كان له‏سرير من حديد طوله تسعة اذرع وعرضه اربعة‏».

هذه سقطة في الفهم والاستيعاب. ومروق من القانون الالهي في خلق عباده. وجميع هذه‏الخرافات، من الحجم الى اظافر الحديد، الى الاعمار، تناقض العقيدة الاسلامية ولا يهم بعدذلك ان يكون الرواة والمؤرخون والمحدثون اهل فقه وحفظ وتفسير. فنحن لا تغرينا الصفة‏التاريخية ولا الالقاب الباذخة، لاننا نعبداللّه ولا نعبد الاسلاف.

رمانة اريحا «جاء في عمدة المعاني ان العنقود من عنب اريحا ما كان يستطيع حمله الا خمسة رجال في‏خشبة بينهم. وكان يدخل في شطر الرمانة اذا نزع حبها خمسة انفس‏»((99)) .

وشطر الرمانة هو نصفها، او بعضها، وهذا يعني ان الرمانة كانت كالمغارة الكبيرة. وانها كانت‏تتسع لعشرة اشخاص او اكثر.

وعليه، فلو ظل رمان اريحا على كبره وبركته، وصدره الينا رجال الحكم الاداري الذاتي،لاستغنينا به عن معامل الاسمنت والقرميد ومصانع الحديد المبروم والمحزز والمفتول، وعن‏البلديات و «التراخيص‏» والاستثناءات وجمع الهويات الشخصية ودفاتر العائلة. لو حصل‏هذا لاستغنينا عن وزارة الاسكان ومؤسسات السكن العسكري والجمعيات السكنية كلها.لان الرمانة الواحدة ستكون شقة واسعة تؤوي عائلة كبيرة او عائلتيين. اذ يسكن المتزوجون‏في شطر وبقية الاسرة في الشطر الاخر.

وهذه الخرافة الفاقعة ليست من نسج عالم صغير او هامشي. بل من نسج عالم بارز هوصاحب «عمدة المعاني‏». ولم ينتبه هذا العالم الى انه يخرق القانون الالهي في خلق الرمان‏رمانا كما نعرفه والعنب عنبا كما نعرفه، وانه بهذا الخرق الشاذ الفاقع انما يفتئت على الخالق.وان الخرق والافتئات مروق من العقيدة الاسلامية.

ولا يفوتني التنويه بان ذلك العالم القطب كان واحدا من «ائمة الجرح‏»، فكيف اجتمع لديه‏ان يقوم الاحاديث المرفوعة الى النبي (ص) وان يروي هذه الخرافة في رمان اريحاوعنبها؟! عجيب هذا التناقض. وعجيب هذا الاسفاف؟ فيكون ان ذلك الامام قد نقل الخرافة‏عن غيره. فلم يحاكم، ولم يحكم.

عوج يحزم النقباء ويضعهم في كمه لا نزال في خبر عوج والعمالقة او العناقيين، وهم اهل اريحا في ذلك الزمان (وحدة الناس‏والمكان). «قال عبداللّه بن عباس:

اريحا قرية كان فيها قوم من بقية عاد يقال لهم العمالقة.وراسهم عوج بن عنق. وقيل اسمها بلقاء، ارسل موسى اثني عشر نقيبا يتجسسون. فلقيهم‏عوج، فاخذ النقباء، وجعلهم في حزمة، وانطلق بهم الى زوجته، وقال: انظري الى هؤلاءيريدون قتالنا، وطرحهم بين يديها، فقال: لاطحننهم.

فقالت امراته: بل خل عنهم حتى‏يخبروا قومهم، وقيل انه وضعهم في كمه، وجاء بهم الى الملك ونثرهم‏امامه‏»((100)) .

بعد ان صنعوا من عوج رجلا بحجم عشر بوارج كان لا بد من ان يسخروه في عمل او في‏اعمال خرافية ايضا: فمن كان طوله بالمتوسط الحسابي عشرين كيلو مترا وعرضه عشرة‏كيلو مترات يستطيع ان يحزم اثني عشر رجلا في حزمة واحدة يحملها باصبع واحدة،ويلقيها امام زوجته كمن يلقي حزمة من الحطب، ويستطيع ايضا ان يضعهم في كمه.

هذا، والخبر مستمد من التوراة، ففيها ان موسى ارسل اثني عشر رجلا او نقيبا، بعدد اسباط‏بني اسرائيل، يتجسسون على اريحا تمهيدا لاحتلالها في جملة ما احتله اليهود واغتصبوه‏من الديار العربية في حروب همجية وحشية اسندوها الى موسى ويوشع بخاصة. فالعمالقة‏قوم من العرب الكنعانيين، وما اساء اليهود اليهم والى ذكرهم واوصافهم الا لانهم عرب، والالان اليهود بعد ان استقروا وقويت شوكتهم كانوا يتنمرون لاغتصاب ارض كنعان. وقد صدق‏اهل العلم اولئك اباطيل الكهنة. واخذوا بها، ورسخوها في مسطحاتهم لتكون زادا ثقافياتراثيا للاجيال العربية والاسلامية المتعاقبة. حتى ان ابن عباس كما رايت تكلف الحاقهم‏بالعرب البائدة المنقرضة منذ زمان غابر بينه وبين موسى قرون وقرون (آخر انقراض‏جماعي كان في زمان ابراهيم ولوط القرنان 20 و19 ق.م) كم معضلة كان على الاسلاف ان‏يتكلفوا لتكريس هذه الخرافة؟ فموسى عاش في القرن الثالث عشر او الرابع عشر قبل‏الميلاد (تقول بعض الدراسات ان خروجه من مصر كان سنة 1237ق.م). وعوج هو ابن‏عناق، وعناق هي بنت آدم من صلبه كما جاء في نصوصهم وهذا يعني ان عوجا وجد مع‏بداية برجنا الادمي، فكيف يجمعون عوجا وموسى في خبر واحد واحداث واحدة وعصرواحد؟ لم يكن امام اهل العلم من اسلافنا الا ان يمددوا عمر عوج الى ما يتفق مع زمان‏موسى، ومن هنا «قرروا» ان عوجا عاش ثلاثة آلاف سنة. استسهلوا واختصروا الجهدالعقلي فقرروا الالاف الثلاثة من دون ان يعرجوا الى اية حجة عقلية او ظلال منطقية. ولوالقوا عليها نظرة سريعة وحسب لاكتشفوا تناقضهم وهزال قرارهم، هذه مسالة برهانهاالمنطق الزمني.

وثمة مسالة اخرى: فالكتب (السماوية) جميعا تقول بفناء الانسان جميعافي طوفان نوح الا من كانوا في السفينة وهم ثمانون، ولم يرد ان عوجا كان منهم. بل ورد ان‏الطوفان لم يبلغ ركبتيه، وانه لحق بها ليهلكها، وهذا تخريف اضافي مفاده عصيان عوج القرارالالهي بهلاك كل من كان خارج السفينة الا ذلك العملاق. هذا العملاق الخرافي عصى اللّهوالكبر والشيخوخة وظل حتى اهلكه موسى، الذي عاش عمر البشر:

مئة وعشرين سنة‏وحسب.

عوج يقور صخرة بحجم جيش النص التراثي الذي بين يدي واحد، لكن منهجية الدراسة تقتضي قسمته الى فقرتين، ففي‏الاولى تخريف خالص، وفي الثانية عنصرية اسرائيلية يناصرها الاسلاف بغفلة وشرود،ولعل هذه التغطية (تغطية الفقرة الثانية بالاولى) تدل على مصدرها الاساس. لعلها تدل على‏انها من تلقين الكهنة المندسين في الاسلام. ولا بد من التنويه بان النصوص التراثية عن‏علاقة اليهود بالعرب محملة دائما بالالغام الاسرائيلية، وان دراستها لا تكون مجدية الابالانتباه اليها والدخول فيها والتعامل معها بمثل هذه المنهجية.

الفقرة الاولى «استعد عوج لمحاربة موسى وبني اسرائيل (اذن، الحرب كانت بين اليهود والعمالقة العرب)فقور عوج صخرة ليغط‏ي بها جيش موسى. فجاء الهدهد فقور الصخرة بمنقاره، فوقعت في‏عنق عوج، فقتله موسى‏»((101)) لا نبتغي هنا التحرش بالميتافيزيقا، فنعترض على ان يكون الهدهد، ذلك الطائر الهزيل،قادرا بمنقاره الاهزل على تقوير صخرة حجمها ومساحتها بحجم جيش ومساحته، نعترض‏فقط على عثور ذلك العملاق على مثل تلك الصخرة، فمن اين اقتلعها وجلبها له الاسلاف؟ليس على ظهر الارض مثلها، تقول الجيولوجيا بوجود طبقة صخرية في باطن الارض،فكيف اقتلعوها واحضروها لعوج بن عناق؟ مثل هذه الصخرة لا تخرجها من باطن الارض‏هزة شدتها مئة درجة بمقياس ريختر (المقياس سبع او عشر)، مثل هذه الصخرة يخرجهاويظهرها يوم القيامة فقط. والقيامة لم تكن قد قامت، ولم تقم الى اليوم.

لقد ضخموا الصخرة، وضخموا عوجا، ومن خلاله العمالقة العرب، باوصاف شاذة لا تليق‏بالانسان. كل ذلك ليضخموا انتصار اليهود على العرب، هي تخريف وشعوذة واكذوبة كبيرة،او من الاكاذيب الكبائر، وظفوها بغفلة وسذاجة واسفاف في خدمة الصهيونية العتيقة‏المعتقة، مرروها باسم الميتافيزيقا الالهية الى الاجيال المسلمة قرنا بعد قرن.

قاسوها بقصة سليمان وبلقيس والهدهد، وقاسوها بالاية القرآنية: (ترميهم بحجارة من‏سجيل) ثم راحوا يقورون الصخرة خدمة لليهود، فيا لهم من اهل علم وفقه!! قد يكون البادى‏بها شخصا واحدا، لكنه من الافذاذ الاقطاب. قد يكون من الرموز المقدسة التي لا ياتيهاالباطل من ظهر ولا من بطن او خاصرة، ثم راح التابعون ثم الاتباع والمريدون ياخذون بهابالتسليم معطلين فيهم وفي الاجيال المسلمة المتعاقبة ملكات النقد والنظر والحكم‏والمحاكمة، وما غزت الخرافات والاسرائيليات تراثنا الاسلامي النقي الا عن هذه الطريق.ومن ثم تحولت الى خرافات مستوطنة، او الى مستوطنات خرافية قد يكون البادى بهاواحدا من الاقطاب الذين استصفاهم الملوك والحكام قرناء يزينون لهم اعمالهم، وهم بعدذلك يقولون ما يشاؤون قوله، وعلى المريدين والجمهور ان يصدقوا كل ما يقولون، ارجح‏ان تكون خرافات عوج وامه والصخرة من وضع كعب الاحبار.

الفقرة الثانية «وقعت الصخرة في عنق عوج، فقتله موسى، وردمه بنو اسرائيل، فكان ردمه كالجبل، وقبل‏ان يردموه اجتمع خلق كثير من بني اسرائيل حتى قطعوا راسه بصعوبة، واقتلعوا ضلعا من‏اضلاعه فكانت لهم جسرا على نيل مصر»((102)) .

اذن النص كله، بل والرواية كلها من مبتدئها الى خبرها، من تضخيم عناق وابنها عوج على‏ذلك النحو الخرافي المسف. ومن تضخيم آدم وحواء للنسب والتناسب، ثم الى اختلاق‏تلك الصخرة وما رافق خبرها من خرافات، ذلك كله كان موضوعا من اجل هذه الخاتمة،من اجل هذه العنصرية الصهيونية العتيقة المعتقة المبطنة:

فلو تدبرتها لوجدتها تخفي، في مضامينها الكثيرة، مناصرة الرب لبني اسرائيل باعتبارهم‏اهل كتاب على عرب ذلك الزمان وشعوب ارض كنعان كلها باعتبارهم وثنيين، ومن كانواوثنيين وجبت ابادتهم لصالح «المؤمنين‏» واغتصاب ديارهم لصالح «النسل المؤمن‏» نسل‏اسحاق، فروح النص تفوح بالعنصرية صدورا من هذا السبب، لكان الرب قد قطع بان تكون‏جميع الشعوب يهودية والا وجبت ابادتها وهدم حضاراتها وتطهير مدنها بالحرق، روح‏النص يهودية توراتية فاضحة.

ولو تتبعت في التوراة اغتصاب الممالك الكنعانية جميعها لوجدته مؤسسا على الوثنية.لكان الشعوب الوثنية لا حق لها بالحياة الا ان يكونوا عبيدا للعمل والسخرة.

لقد سطر الاسلاف بايديهم ادانة العرب وجميع سكان «ارض كنعان‏» كانوا عربا جاؤوا الدياروعمروها واستقروا فيها، وانشاوا ازهى الحضارات قياسا الى ذلك الزمان، ولا تزال ثمارمدنيتهم وثقافتهم دينا في رقاب البشرية الى اليوم. واذ سطر اسلافنا ادانة العرب منهم قدسطروا بالتالي وبالروح التوراتية نفسها مشروعية ابادتهم واغتصاب ديارهم بوصفها حقامقدسا وعد به اليهود من زمان ابراهيم، وكان على موسى ويوشع بخاصة تنفيذه. هذا مانصت عليه اباطيل توراة الكهنة، وما خرج اسلافنا عنه او اعترضوا عليه (اعني اولئك‏الاسلاف)، بل زادوا ونمقوا وزخرفوا. لقد سطروا بايديهم كل ذلك بغفلة وسذاجة، وهم‏يحسبون انهم يرسخون تراثا اسلاميا لا يهوديا، وانسربت تلك الاباطيل المبطنة والالغام‏العنصرية القاتلة الى الخلفية النفسية العامة للاجيال المسلمة المتعاقبة، وما تزال مستمرة الى‏ايامنا تحت غطاء التراث الحصيف.

لا نزال نردد: اليهود اهل كتاب، وانهم افضل من خلق كثير.

والواقع ان الوثنية حتى الوثنية افضل من اليهودية ولا اعني الموسوية. هذا حكم لا يتعارض مع الاسلام والقرآن، بل يصدرمنهما: فاليهود كانوا اهل كتاب، ومن هنا سماهم القرآن بالذميين، حتى اذا لعبوا بكتابهم كل‏ملعب، فحرفوا وزوروا واخفوا ووضعوا (وهذا كله من القرآن) لم يبقوا اهل كتاب، بل صاروامرتدين عن دين موسى، والوثني افضل من المرتد. واللّه لا يشرع ابادة البشر وتقويض‏الحضارات، اما اليهود فقد ابادوا وقوضوا وهدموا واحرقوا. اللّه يامر بتواصل النشاط البشري‏والانساني، اعني تواصل الحضارات والثقافات. اما اليهود، (وما هم الا فضالات الشعوب)،فقد ابادوا وهدموا واحرقوا وملاوا الدنيا خرافات واباطيل، فمرقوا من دين موسى‏وربه.

ابليس يدخل السفينة بذنب الحمار «اختلفوا في عدد اصحاب نوح في السفينة. بعضهم قال: كانوا ثمانية. وقال الاعمش: كانواسبعة. وقال ابن اسحاق: كانوا عشرة، وقال مقاتل: كانوا اثنين وسبعين نفرا من الرجال‏والنساء، وقال ابن عباس كانوا ثمانين. وان نوحا حمل معه جسد آدم، وجعله معترضا بين‏الرجال والنساء (كيف وسعته السفينة وطوله بين السماء والارض) وامر نوح ان لا يعلو ذكرعلى انثى ما داموا في السفينة، فاصاب حام امراته، فدعا نوح عليه، فغير اللّه نطفته فجاءت‏منه السودان. ووثب الكلب على الكلبة، فدعا نوح عليهم (جميع الكلاب) فقال: اللهم‏اجعلهم عسرا. وتعلق ابليس بذنب الحمار فدخل السفينة‏»((103)) .

ان هو الا التخبط والتناقض. ولا يتناقض اهل العلم ويتخبطون الا عندما يتوجهون الى‏التخريف، فالعلم الحقيقي لا يتخبط فيه العلماء.

ففي رواية اخرى ان سبب اسوداد السودان هو قتل قابيل اخاه هابيل، وان اللّه سود جلده‏فجاءت السودان من نسله، اما هنا فلان حاما وط‏ى امراته في سفينة نوح. هنا تخريف‏وهناك تخريف، وفي الحالين افتئات على العلم، وعلى القانون الالهي في الخلق، وعلى‏قوانين الطبيعة، صحيح ان علوم البيولوجيا والفيزيولوجيا والوراثة والجينات وما الى ذلك لم‏تكن معروفة في زمانهم وديارهم، لكن الجهل بها لا يوجب التعريض بالتخريف والاسفاف.لكانه كان على الجماعة ان يفسروا كل شي‏ء حتى وان قالوا اي شي‏ء، حتى وان تهاوت‏افهامهم ومخيلاتهم الى الخرافات المسفة المضحكة. حتى وان علقوا ابليس بذنب الحمار،وادخلوه سفينة نوح خلسة وخداعا.

والغريب، في هذه الخرافة، ان ابليس دخل السفينة بامر من ربه (قبل اختصار النص)، عندئذعمد ابليس الى تلك الحيلة.

فدخل السفينة في غفلة من نوح، وقد وقع الاختيار على‏الحمار لانه حمار. فهل ثمة افقه وافقع من هكذا علم وعلماء؟! وتفسيرها واضح، هو ان اللّه تعالى قضى بوجود ابليس مع الانسان كتفا بكتف. فلو ظل‏خارج السفينة لهلك مع من هلك، وانتهى الشر من العالم، لكن اولئك الاسلاف لم يوفقوافي تفسير المسالة الجدلية، فغرقوا بالتخريف المسف المضحك.

وكيف يفسرونها جدلياوالجدل صنعة الفلاسفة الكفار؟! اجل، وما انتهى اولئك الاسلاف الى التخريف الا لانهم حاربوا الفلسفة، وقضوا عليها في‏شرخ شبابها بعد ان كانت بتلاقحها مع الفلسفة اليونانية زاهية على ثقافات الامم قاطبة.

وما دفع الفقهاء المسلمين الى محاربتها غير الكهنة المتسللين الى الاسلام، حيث كان هؤلاءوهؤلاء اصفياء الحكام ومستشاريهم. وما فعل الكهنة ذلك الا لتخلو لهم الساحة، فيغرقواالتراث الاسلامي بسيل طافح من الخرافات والاسرائيليات:

الدفعة الاشهر من الكهنة المتسللين مزجت سمومها بالتراث، والتلاميذ غرفوا منهم ومن‏«زواملهم‏»، وارسلوا الخرافات والاسرائيليات الى المريدين والتابعين على انها من صميم‏التراث، فصارت الرواية التراثية حكاية من حكايات العجائز، او اسرائيلية تسحب المسلمين‏الى اطباق اليهود المتفسخة، اذ لم يبق ثمة كندي وابن رشد وابن سينا وفارابي، يدحضون‏الخرافة ب «الحجة والنظر العقلي‏».

منمنمات خرافية «في تفسير القشيري ان الحية والعقرب طلبتا من نوح حملهما في السفينة، فقالتا: احملناونحن نضمن لك الا نضر احدا ذكرك، لذلك فمن قرا حين يخاف مضرتهما: سلام على نوح‏في العالمين. انا كذلك نجزي المحسنين.. ما ضرتاه‏»((104)) .

انا لم اجرب هذه الرقية، ولن اجربها، ولا انصح بتجريبها، حتى وان كانت الافاعي والعقارب‏قد قطعت مع نوح ذلك العهد، انصح ان وقع المحذور بالاسراع الى الطبيب، او بتسريع‏الطبيب مع الاسعافات المعروفة، ومن قبيل «درهم الوقاية‏» انصح بالبعد عن الافاعي‏والعقارب. فهذا اسلم، ثم من يضمن الا يكون العهد قد فقد مفعوله بالتقادم في انسال‏الافاعي والعقارب المعاصرة؟ واحسب ان الاسلاف اصحاب الرقية لم يجربوها، قالوا رقيتهم، وتركوا التجريب لعامة‏المسلمين.

واذ انصح بعدم التجريب، او بعدم الركون الى الرقية، فانما اصدر من القانون العلمي او من‏القانون الالهي في الخلق. فلدغ الافاعي والعقارب طبع وفطرة وخلقة تكوينية. فقد فطرهااللّه لكي تلدغ وتلسع، وخلق الى جانب سمومها الترياق، وهيا الوسائل الاخرى، اريد ان‏اقول: ان لدغ الافاعي والعقارب ظاهرة طبيعية لا تردها او تلغيها ظاهرة غيبية، بل تردهاوتمنع ضررها ظاهرة طبيعية مكافئة، وان هذا وذاك من تقدير العزيز العليم.

ولا يفوتني، بعد ذلك كله، ان انصح بذكر اللّه، والسلام على نوح، وعلى الانبياء والرسل في‏كل آن، فذاك مسلك ايماني طيب.

والحديث الشريف: «اعقل وتوكل‏» مشهور. وعلى تخومه، او على غراره، ان اعرابيا سال‏امير المؤمنين عليا (ع) ان يدعو له بشفاء جمله. فاجابه: اضف الى دعائي قليلا من القطران.ذلكم هو التعليم الحق والتاديب الحق، والتربية الاسلامية الناجعة.

الخنزير مخلوق من ذنب الفيل لا نزال في اخبار سفينة نوح، ننقلها بحرفها من تراثنا الرصين:

«بعد ان كثرت ارواث الدواب‏في السفينة غمز نوح ذنب الفيل (اي جسه) فوقع منه خنزير وخنزيرة اكلا كل‏الروث‏»((105)) .

يبدو ان اولئك الاسلاف كانوا يهوون الحديث عن اذناب الحيوانات، ففي مقام واحد هوسفينة نوح اتحفونا بالحديث عن ذنبين: ذنب الحمار الذي تعلق به ابليس فدخل السفينة‏مخادعا مخاتلا، (ولكن بامر الهي!)، وذنب الفيل الذي (خلق) او افرز الخنزير والخنزيرة.لكان ذنب الفيل مستودع للخنازير، ومن الواضح ان الذنب الاول ادى وظيفة سلبية، او وظيفة‏تضر بالانسان هي الاحتفاظ بابليس مرافقا للانسان في حله وترحاله. وهذا صحيح‏بالجملة: فابليس مسكون بالانسان، او الانسان مسكون بابليس. وليس صحيحا بالوسيلة‏التراثية، فابليس لم يدخل الانسان عن طريق ذنب الحمار. اما الوظيفة التي اداها ذنب الفيل‏فايجابية، وهي تخليص السفينة من ارواث الدواب.

السنور والسنورة من منخر الاسد ننتقل، في هذه المنمنمات الخرافية، الى اخبار حيوانات اخرى كانت في السفينة: «جعل الفاريفسد في السفينة (بعر الفار) ويقرض الحبال، فامر الرب نوحا ان يضرب بين عيني الاسد(في رواية اخرى يمسح) فخرج من منخره سنور وسنورة، فاقبلا على الفار». وفي رواية:«شكوا الفار فقالوا: الفويسقة تفسد علينا.

فاوحى اللّه الى الاسد، فعطس، فخرجت منه الهرة،فتخبا الفار منه‏»((106)) .

هاتان روايتان في التخريف المسف المضحك. دمجتهما لسببين: اولهما الاختصار، وثانيهماوحدة المصدر، او وحدة المقام. ويظل الاختلاف بينهما ماثلا في الطريقة، وفي (المحصول):فالمقام الواحد، او المصدر الواحد هو منخر الاسد، اما الطريقة ففي الرواية الاولى هي‏الضرب او المسح والتمسيد بين عيني الاسد، وفي الثانية الايحاء الالهي، اي من دون تدخل‏نوح، وبعد ذلك كان الناتج او المحصول والموسم هو السنور والسنورة في الرواية الاولى،والهرة في الرواية الثانية.