الصفحة السابقة

الصفحة التالية

فصاحب المؤامرة اذن هو الدوادار، والذي قاومها وافشى سرها للمستعصم هو ابن العلقمي،كما انه لم يكن عند المتمرين تفكير باسناد الخلافة للعلويين كما يزعم الكاتب، بل الى آخرمن العباسيين، لان المت‏آمرين هم في الاصل اضداد العلويين.

اما عن اتهام ابن العلقمي بالتعامل مع المغول فنقول: ان الاصل في ارسال هذه التهمة هوعدو ابن العلقمي الدوادار، فقد قال المؤرخ رشيد الدين فضل اللّه الهمذاني ما نصه:

«ولما كان الدوادار خصما للوزير، فان اتباعه من سفلة المدينة واوباشها كانوا يذيعون بين‏الناس ان الوزير متفق مع هولاكو».

هذا هو الاصل في كل ما ذكر. اما ما ذكر بعد ذلك، فهو ما توسع به المتوسعون واضافه‏المفترون.

واذا كان سفلة المدينة واوباشها هم اصل التهمة، فان سفلة التاريخ واوباشه هم من تبناهاونشرها.

عدو عريق في عداوته يريد ان ينال من عدوه، فينشر في اوساط السفلة والاوباش اشاعة،فياتي بعد ذلك من توافق هذه الاشاعة هواهم فيفرغها كل واحد منهم في القالب الذي‏يختاره حتى يبلغ بهم التناقض مداه، ثم يولع بعضهم بالافتراء فيضيف اشياء لم يقل بها الذين‏سبقوه مما سنراه في ما كتبه الدكتور جعفر خصباك فناخذه بنصه لان اي اقتباس منه اواختصار يفسده.

قال الدكتور جعفر خصباك:

«وجه بعض المؤرخين المسلمين الى الوزير مؤيد الدين بن العلقمي تهمة في غاية الخطورة‏خلاصتها انه خان سيده الخليفة، المستعصم باللّه، ودينه الاسلام، وجلب على قومه القتل‏والذل والخراب بمكاتبة هولاكو طاغية التتار واطماعه بفتح العراق، بل دعوته لذلك وتهيئة‏الامور له باساليب متعددة، منها: اشارته على الخليفة بتسريح اكثر جنوده، وتشجيعه على‏عدم انفاق المال في سبيل الاستعداد العسكري، وتهوين امر المغول امامه، ودعوته للخروج‏لمواجهة هولاكو حينما احاط هذا ببغداد للتغرير به بحجة حضور عقد نكاح ابنة هولاكو لابن‏الخليفة. وسبب ذلك ان الوزير كان شيعيا رافضيا وانه كان يريد الانتقام من اهل السنة‏خصوصا طائفة من مستشاري الخليفة كابنه ابي بكر وقائد عسكره مجاهد الدين الدويدارالصغير، لانهم اوقعوا بمحلة الكرخ الشيعية، سنة 654ه، وقتلوا العديد من اهلها وسبوا نساءهاونهبوا دورها، وكان في المحلة اقارب للوزير.

ولعل من المفيد ان نستعرض اهم ما ورد من اقوال المؤرخين في هذه التهمة الخطيرة: قال ابوشامة شهاب الدين عبد الرحمن بن اسماعيل (المتوفى سنة 665ه 1262م) عن حوادث سنة‏656ه/1258م ان التتار استولوا على بغداد بمكيدة دبرت مع وزير الخليفة((144)) .واعاد قطب الدين اليونيني البعلبكي (المتوفى سنة 726ه/1325م) العبارة نفسها، ثم اضاف‏اليها قوله: ان هولاكو تهيا في سنة اربع وخمسين وستمائة لقصد العراق، وسبب ذلك ان‏«مؤيد الدين بن العلقمي، وزير الخليفة، كان رافضيا واهل الكرخ روافض وفيه جماعة من‏الاشراف، والفتن لا تزال بينهم وبين اهل باب البصرة، فاتفق انه وقع بين الفريقين محاربة،فشكا اهل باب البصرة وهم سنية الى ركن الدين الدوايدار والامير ابي بكر ابن الخليفة،فتقدما الى الجند بنهب الكرخ، فهجموا ونهبوا وقتلوا وارتكبوا العظائم، فشكا اهل الكرخ‏ذلك الى الوزير، فامرهم بالكف والتغاضي، واضمر هذا الامر في نفسه وحصل بسبب ذلك‏عنده الضغن على الخليفة‏».

وبعد ان اشار اليونيني الى الخليفة المستنصر باللّه وحال الجندفي عهده، عاد الى ابنه المستعصم وقال: «وكاتب الوزير ابن العلقمي التتر، واطمعهم في‏البلاد، وارسل اليهم غلامه واخاه، وسهل عليهم ملك العراق، وطلب منهم ان يكون نائبهم‏في البلاد فوعدوه بذلك واخذوا في التجهيز لقصد العراق، وكاتبوا بدر الدين لؤلؤ صاحب‏الموصل في ان يسير اليهم ما يطلبونه من آلات الحرب فسير اليهم ذلك. ولما تحقق‏قصدهم علم انهم ان ملكوا العراق لا يبقون عليه فكاتب الخليفة سرا في التحذير منهم وانه‏يعد لحربهم، فكان الوزير لا يوصل رسله الى الخليفة، ومن وصل الى الخليفة منهم بغير علم‏الوزير اطلع الخليفة وزيره على امره‏».

ثم يمضي اليونيني فيصف تقدم جيش هولاكو الى بغداد وهزيمته لعسكرها واحاطته بها، ثم‏يعود فيقول: «فحينئذ اشار ابن العلقمي، الوزير، على الخليفة بمصانعة ملك التتر ومصالحته،وساله ان يخرج اليه في تقرير زواج ابنته من ابنك الامير ابي بكر ويبقيك في منصب‏الخلافة كما ابقى سلطان الروم في سلطنة الروم لا يؤثر الا ان تكون الطاعة له كما كان‏اجدادك مع السلاطين السلجوقية، وينصرف بعساكره عنك فتجيبه الى هذا، فانه فيه حقن‏دماء المسلمين، ويمكن بعد ذلك ان يفعل ما تريد، فحسن له الخروج اليه فخرج في جمع‏من اكابر اصحابه فانزل في خيمة ثم دخل الوزير فاستدعى الفقهاء والاماثل ليحضروا عقدالنكاح فيما اظهره، فخرجوا فقتلوا وكذلك صار يخرج طائفة بعد طائفة‏»((145))وقال شمس الدين الذهبي (المتوفى سنة 748هر 1347م)، في كلامه عن وقائع سنة‏648 .

ه/1250م ما ياتي: «واما بغداد فضعف دست الخلافة وقطعوا اخبار الجند الذين‏استنجدهم المستنصر وانقطع ركب العراق.

كل ذلك من عمل الوزير ابن العلقمي الرافضي‏جهد في ان يزيل دولة بني العباس ويقيم علويا، واخذ يكاتب التتار ويراسلونه والخليفة‏غافل لا يطلع على الامور ولا له حرص على المصلحة‏»((146)) .

وقال عبداللّه بن فضل اللّه الشيرازي الذي الف كتابه حوالى سنة 729هر 1328م ما معناه ان‏الخليفة المستعصم باللّه كان منصرفا الى الراحة واللهو، وكان وزيره ابن العلقمي مستبدابالامور حتى انه لم يكن يحترم المقربين الى الخليفة ولا يظهر تادبا في مخاطبته اياهم، وقدتغيرت نيته ازاء الخليفة بسبب واقعة الكرخ، لان ابن الخليفة ارسل جنودا اغاروا عليهاواسروا البنين والبنات، وبينهم العلويات، فبعث ابن العلقمي لذلك رسالة الى تاج الدين‏محمد بن نصر الحسيني، احد سادات العصر، وعندما فرغ البادشاه هولاكو سنة 654ه 1256م‏من فتح قلاع الملاحدة وارسل بالرسل يبشرون بالنصر في المشارق والمغارب، ارسل ابن‏العلقمي في الخفاء رسولا الى هولاكو اظهر الاخلاص والطاعة وزين مملكة بغداد في‏خاطره، وذم الخليفة، وقال لهولاكو انه اذا توجه بسرعة فسوف تسلم له مملكة بغداد، ولكن‏هذا لم يعتمد على قوله لان حصانة بغداد وكثرة جنودها كانت امرا مشهورا في الاقاليم‏السبعة، وكان ملك العالم اوغوتاي في اول جلوسه على العرش قد ارسل القائد جرماغون‏بجيش فتاك فهزم من قبل الخليفة المستنصر باللّه، ولذلك فان البادشاه طلب من رسول ابن‏العلقمي ما يؤكد صحة اقواله ليطمن بذلك خاطره الشريف. وعندما زحفت جيوش هولاكوعلى بغداد واطمان ابن العلقمي لنجاح مكيدته، قال للخليفة: ان الجم الغفير من سلاطين‏وملوك الاطراف اظهروا، والحمد للّه، اخلاصهم وطاعتهم وسمعة الخليفة كبيرة وحكمه نافذوماله كثير، فمن الخير توفير اموال الخزينة وعدم صرفها على الجند، فكان الخليفة منصرفالسماع الاغاني والاجتماع بالجواري والمغنيات، وابن العلقمي يفرق الكلمة ويشرد جميع‏الافراد وينفر الجنود في الوقت الذي انتشرت فيه اخبار جيش المغول، وكان الشرابي‏والدوايدار يحذران الخليفة منه وابن العلقمي يسخف اقوالهما»((147)) .

وقال ابن شاكر الكتبي (المتوفى سنة 764ه 1362م) في كلامه عن الوزير ابن العلقمي:«ولم يزل ناصحا لاصحابه واستاذه حتى وقع بينه وبين الدوايدار لانه كان متغاليا في السنة‏وعنده ابن الخليفة، فحصل عنده من الضغن ما اوجب سعيه في دمار الاسلام وخراب بغدادعلى ما هو مشهور لانه ضعف جانبه وقويت شوكة التتار بحاشية الخليفة... واخذ يكاتب‏التتار الى ان جرا هولاكو وجره على اخذ بغداد»((148)) .

وقال عنه ايضا: «وحكي‏انه لما كان يكاتب التتار تخيل انه اخذ رجلا وحلق راسه حلقا بليغا، وكتب ما اراد عليه‏بالابر ونفض عليه الكحل وتركه عنده الى ان طلع عليه شعره، وغط‏ى ما كتبه فجهزه وقال:اذا وصلت اؤمرهم بحلق راسك ودعهم يقرؤون ما فيه. وكان في آخر الكلام «اقطعوا الورقة‏»فضربت عنقه. وهذا في غاية المكر والخزي‏»((149)) .

وقال تاج الدين السبكي (المتوفى سنة 771ه 1369م) انه لما توفي المستنصر باللّه كان اكبرالامراء واعظمهم الدوايدار والشرابي، وهما اللذان اقرا المستعصم لضعفه ولينه واقاماه‏واستوزرا ابن العلقمي، «وكان فاضلا اديبا، وكان شيعيا رافضيا في قلبه غل على الاسلام‏واهله، وحبب الى الخليفة جمع المال والتقليل من العساكر، فصار الجنود يطلبون من‏يستخدمهم في حمل القاذورات‏». ثم كرر الكاتب المذكور رواية مكاتبة بن العلقمي للتتار،وعزا ذلك الى رغبته في الانتقام من الامير ابي بكر ابن الخليفة والدوايدار قائد الخليفة،لانهما اوقعا بالكرخ، ووصف طريقة مكاتبة التتار بما ياتي: «انه حلق راس شخص وكتب‏عليه بالسواد وعمل على ذلك، واصار المكتوب كل حرف كالحفرة في الراس ثم تركه عنده‏حتى طلع شعره وارسله اليهم‏». واضاف السبكي الى ذلك قوله ان الوزير كتب الى نائب‏الخليفة في اربيل تاج الدين محمد بن الصلايا، وهو شيعي ايضا، رسالة يقول فيها: «نهب‏الكرخ المكرم والعترة النبوية، وحسن التمثيل بقول الشاعر:

فامور تضحك السفهاء منها ويبكي من عواقبها اللبيب فلهم اسوة بالحسين حين نهب حريمه واريق دمه.

فامرتهم امري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا الرشد الا ضحى الغد وقد عزموا، لا اتم اللّه عزمهم، ولا انفذ امرهم، على نهب الحلة والنيل، بل سولت لهم انفسهم‏امرا، فصبر جميل والخادم قد اسلف الانذار وعجل لهم الاعتذار.

فكان جوابي بعد خطابي لا بد من الشنيعة بعد قتل جميع الشيعة ومن احراق كتاب الوسيلة‏والذريعة، فكن لما نقول سميعا والا جرعناك الحمام ولاتيناهم بجنود لا قبل لهم بها،ولاخرجنهم منها اذلة وهم صاغرون.

فووديعة مني لال محمد اودعتها اذ كنت من امنائها ففاذا رايت الكوكبين تقاربا في الجدي عند صباحها ومسائها ففهناك يؤخذ ثار آل محمد لطلابها بالترك من اعدائها فكن لهذا الامر بالمرصاد وترقب اول النحل وآخر الصاد»((150)) .

وقال عبد الرحمن بن محمد بن خلدون (المتوفى سنة 808ه 1406م): ان هولاكو لما رجع‏الى بلاد الاسماعيلية، وقصد قلعة آلموت بلغته «في طريقه وصية من ابن العلقمي، وزيرالمستعصم ببغداد، في كتاب ابن الصلايا صاحب اربيل يستحثه للمسير الى بغداد ويسهل‏عليه امرها لما كان ابن العلقمي رافضيا هو واهل محلته بالكرخ، وتعصب عليه اهل السنة،وتمسكوا بان الخليفة والدوايدار يظاهرانهم، واوقعوا باهل الكرخ وغضب ابن العلقمي ودس‏الى ابن الصلايا باربيل، وكان صديقا له، بان يستحث التتر لملك بغداد واسقط عامة‏الجند»((151)) .

وعندما نصل الى اواخر القرن العاشر الهجري نجد ان قصة سقوط بغداد وخيانة الوزير ابن‏العلقمي تتسع الى حد غير معقول وتختلط باقاصيص غريبة على يد الشيخ حسن‏الدياربكري (المتوفى سنة 990ه 1582م)، حيث كتب يقول: ان الوزير «ابن العلقمي‏الرافضي كان قد كتب الى هولاكو، ملك التتار في الدست، انك تحضر الى بغداد وانا اسلمهالك.

وكان قد داخل قلب اللعين الكفر، فكتب هولاكو ان عساكر بغداد كثيرة فان كنت صادقافي ما قلته وداخلا في طاعتنا فرق عساكر بغداد ونحن نحضر. فلما وصل كتابه الى الوزيردخل الى المستعصم وقال: ان جندك كثيرة وعليك كلفة كبيرة والعدو قد رجع من بلادالعجم والصواب ان تعط‏ي دستورا لخمسة عشر الف من عسكرك وتوفر معلومهم، فاجاب‏المستعصم لذلك فخرج الوزير لوقته ومحا اسم من ذكر من الديوان، ثم نفاهم من بغدادومنعهم من الاقامة بها، ثم بعد شهر فعل مثل فعلته الاولى، ومحا اسم عشرين الفا من‏الديوان، ثم كتب الى هولاكو بما فعل. وكان قصد الوزير بمجي‏ء هولاكو اشياء منها انه كان‏رافضيا خبيثا واراد ان ينقل الخلافة من بني العباس الى العلويين، فلم يتم له ذلك من عظم‏شوكة بني العباس وعساكرهم، ففكر ان هولاكو قد يقتل المستعصم واتباعه ثم يعود لحال‏سبيله وقد زالت شوكة بني العباس، وقد بقي هو على ما كان عليه من العظمة والعساكروتدبير المملكة، فيقوم عند ذلك بدعوة العلويين الرافضة من غير ممانع لضعف العساكرولقوته، ثم يضع السيف في اهل السنة. فهذا كان قصده لعنه اللّه. ولما بلغ هولاكو ما فعل‏الوزير ببغداد ركب وقصدها الى ان نزل عليها، وصار المستعصم يستدعي العساكر ويتجهزلحرب هولاكو، وقد اجتمع اهل بغداد وتحالفوا على قتال هولاكو وخرجوا الى ظاهر بغدادومضى عليهم بعساكره فقاتلوا قتالا شديدا وصبر كل من الطائفتين صبرا عظيما وكثرت‏الجراحات والقتلى في الفريقين الى ان نصر اللّه تعالى عساكر بغداد، وانكسر هولاكو اقبح‏كسرة وساق المسلمون خلفهم واسروا منهم جماعة، وعادوا بالاسرى ورؤوس القتلى الى‏ظاهر بغداد ونزلوا بخيمهم مطمئنين بهروب العدو، فارسل الوزير ابن العلقمي، في تلك‏الليلة، جماعة من اصحابه فقطعوا شط دجلة، فخرج ماؤها على عساكر بغداد وهم نائمون‏فغرقت مواشيهم وخيامهم واموالهم، وصار السعيد منهم من لقي فرسا يركبها، وكان الوزير قدارسل الى هولاكو يعرفه بما فعل ويامره بالرجوع الى بغداد فرجعت عساكره على بغدادوبذلوا فيها السيف‏»((152)) . واضاف هذا الكاتب رواية جديدة عن مصير ابن‏العلقمي بقوله: «فلم يلبث ان امسكه هولاكو بعد قتل المستعصم بايام ووبخه بالفاظ شنيعة‏معناها انه لم يكن له خير في مخدومه ولا دينه فكيف يكون له خير في هولاكو ثم انه قتله‏شر قتلة‏»((153)) .

في نقد هذه التهم ورفضها هذه هي خلاصة النصوص التي وردت باتهام الوزير مؤيد الدين بن العلقمي، ومثل هذه التهم‏ليست غريبة في ايام المحن العامة والكوارث الخطيرة، وقد كان سقوط بغداد بايدي المغول‏الوثنيين وقتلهم خليفة المسلمين حدثا عظيما هز العالم الاسلامي وترك جرحا عميقا في‏قلوب المسلمين جعلهم يفتشون عمن كان السبب فيه، وكان الوزير شيعيا في وقت كان‏للدين فيه سيطرة عظيمة على النفوس والمنازعات الطائفية شديدة في بغداد، وكان يحتل‏اسميا المنصب الثاني في دولة الخليفة واعداؤه يتربصون به الدوائر، والاحوال العامة في‏تدهور، والمغول يطرقون ابواب البلاد من دون ان يكون امامهم استعداد عسكري واضح،وقد قتل الخليفة واستبيحت بغداد، ولم يقتل الوزير، بل انه كان احد جماعة عهد اليهم باعادة‏تنظيم ادارة العراق فلم لا توجه اليه التهمة وقد جمع اليه الخيانة من اطرافها كما يبدو ذلك‏لاول وهلة!؟ وقد سبق للخليفة الناصر لدين اللّه ان اتهمه خصومه بخيانة تشبه ما وجه لابن‏العلقمي، ولكنها اعظم خطرا، واورد ياقوت الحموي اشاعة كانت تتردد في عهده وهي ان‏علويا كان مقدما على احد ابواب نيسابور قاعدة خراسان، راسل المغول خلال غزوهم هذاالاقليم، يتعهد فيه بتسليم البلد اليهم مقابل جعله متقدما عليه فاجابوه الى ذلك وعندمافتحوا المدينة المذكورة كان هو اول من قتلوهم فيها((154)) وقد ادت بنا دراساتناللتهمة الموجهة للوزير ابن العلقمي، بعد قراءة المصادر التي اوردتها، وتفهم طبيعة الغزوالمغولي منذ بدايته واحوال العراق والعالم الاسلامي المعاصر، الى رفضها بناء على الاسباب‏الاتية:

اولا: ان التهمة تحدد البداية التاريخية لخيانة ابن العلقمي بمراسلته هولاكو بعد استباحة‏محلة الكرخ الشيعية سنة 654ه 1256م، خصوصا بعد فراغ الفاتح المذكور من فتح قلاع‏الاسماعيلية او خلال محاصرته لها في السنة المشار اليها، ولكن الحقيقة هي غير ذلك، لان‏هولاكو كان يسير الى غزو العراق قبل هذا التاريخ ببضع سنين، وانه كان يعمل طبقا لاوامرعليا صدرت اليه قبل وصوله بلاد الاسماعيلية اي قبل وقوع حادثة الكرخ.

ولعل الامر يتضح بمعرفة الحقائق الاتية:

ا كان غزو العراق امرا تتضمنه طبيعة الغزو المغولي الذي كان يستهدف السيطرة على العالم،وقد استولى المغول فعلا على اكثر الصين واواسط آسيا وايران واوروبا الشرقية، وبقيت بلادالاسماعيلية والعراق وسورية ومصر جيبا جغرافيا وعسكريا كان لا بد من الاستيلاء عليه،وهذا ما قام به هولاكو. واذا كان العراق قد سقط بايدي المغول نتيجة لخيانة وزيره ابن‏العلقمي فكيف نفسر سقوط جميع هذه البلاد الممتدة من المحيط الهادي الى اواسط اوروبا،ومن هم الخونة الذين سلموها الى الاعداء؟ ثم كيف نفسر احتلال هولاكو لسورية واستعداده‏للزحف على مصر؟ ب من الاحداث التي تلقي ضوءا على رغبة المغول في ضم العراق الى منطقة نفوذهم، قبل‏سنين عديدة من استيلائهم الفعلي عليه، المقابلة التي جرت بين الامبراطور كيوك خان‏بمناسبة تنصيبه على العرش المغولي سنة 644هر 1236م ورسول الخليفة، حيث هدد الخان‏ذلك الرسول موعدا ومنذرا.

ج ان زحف هولاكو على العراق واحتلاله اياه انما تم بناء على اوامر عليا اصدرها امبراطورالمغول مانغو خان سنة 651ه/1253م بفتح البلاد الغربية التي ضمنها العراق وسورية ومصر،يؤيد ذلك التقرير الذي رفعه «جانغ ته‏» الذي ارسله «مانغو خان‏» الى اخيه هولاكو ودونه احدالصينيين المسمى «ليو» المتصلين بالسفير المذكور، وما ورد في كتاب التاريخ الصيني‏للاسرة المغولية التي حكمت الصين والذي امر بوضعه احد اباطرة الصين، وتم اعداده سنة‏772ه 1270م وقد ورد في كلا المصدرين ان مانغو خان امر اخاه هولاكو، سنة 651هآ1253م، بالزحف لاحتلال البلاد الغربية واخضاع خليفة بغداد((155)) وقد سبق هذاالتاريخ حادثة الكرخ بثلاث سنوات على اقل تقدير، وقد ايد ذلك ابن‏العبري((156)) والكتاب الموسوم بالحوادث الجامعة((157)) ورشيد الدين‏فضل اللّه((158)) .

ثانيا: اما القول ان الوزير كان يسيطر على الخليفة تماما، والى درجة انه كان يمنع الرسل‏الذين يحذرونه من خطر المغول فمردود، لان الادلة تشير الى ان الوزير كان ضعيفا غيرمسموع القول، وليس له نفوذ على الخليفة الذي كان واقعا تحت نفوذ اعداء الوزير،وخصوصا مجاهد الدين الدويدار الصغير، الشركسي الذي كان قائدا للجيش والدليل على‏ذلك ما ياتي:

ا ان الخليفة لم يعهد بالوزارة الى ابن العلقمي سنة 642ه 1244م الا بعد ان عرضها على‏مربيه صدر الدين ابن المظفر علي بن محمد النسيار شيخ الشيوخ فامتنع‏عليه((159)) .

ب ان استباحة محلة الكرخ سنة 654ه 1256م انما تمت نتيجة لاوامر الخليفة القاضية‏بكف الشقي الكرخي الذي قتل احد سكان محلة «قطفتا» السنية، كما ان ايقاف الاستباحة‏بعد ان افلت زمام الامور من يد الحكومة بتسلط الغوغاء واهل الفوضى انما صدر من قبل‏الخليفة ايضا. وكان في محلة الكرخ اقارب للوزير فلو كان له اي نفوذ في الدولة وهو في‏منصب وزير، وهو منصب يقابل رئيس الوزراء في عصرنا، لمنع استباحة المحلة المذكورة، اولاوقفها عند حدها حفظا لاقاربه على الاقل((160)) .

ج في الخلاف الذي وقع بين الوزير والدويدار الصغير قائد الجيش، لم ياخذ الخليفة براي‏الوزير بل انه صفح عن الدويدار مع عظم التهمة التي نسبت اليه.

د ان هولاكو كان يراسل الخليفة ويطلب منه نجدة وينذره بالقدوم اليه منذ ان كان يحاصرقلاع الاسماعيلية، وكان الخليفة يستشير الوزير والدويدار وغيرهما من افراد حاشيته‏وخواصه، وكانت نصائح الوزير معقولة تدل على تفهم لطبيعة الخطر المغولي من جهة‏ولاحوال العراق من جهة اخرى، ولم تكن تتضمن تغريرا بالخليفة ولا ت‏آمرا عليه، ولكن‏الخليفة كان يهمل نصائح الوزير، وياخذ براي خصومه خصوصا الدويدار الصغير.

ه وفي ما يتعلق بمنع الوزير للرسل من الوصول الى الخليفة فان الادلة لا تؤيد ذلك، لان‏الخطر المغولي كان يهدد العراق منذ ايام الخليفة الناصر لدين اللّه، اي منذ ان كان المستعصم‏باللّه صبيا صغيرا. وقد استمر هذا الخطر ايام الظاهر لدين اللّه والمستنصر باللّه وامره ذائع‏معروف واخباره يعرفها الخاص والعام، والمعروف ان المستشارين ايام الخطر العسكري هم‏العسكريون لا المدنيون، ولم يكن الوزير عسكريا، فكيف يعتمد عليه الخليفة من دون قوادالجيش وامرائه، وقد قدمنا ان الوزير لم يكن صاحب نفوذ على الخليفة بل ان النفوذ الحقيقي‏كان بايدي الفئة العسكرية وعلى راسها الدويدار الصغير عدو الوزير. ثم كيف كان يستطيع‏الوزير ان يمنع الرسل من الوصول الى الخليفة؟ وهل كان يلقي بهم في السجن؟ وما هي‏الامثلة على ذلك؟ واذا كان يفعل هذا، فهل كان يستطيع منع افراد العائلة العباسية من تحذيرالخليفة او الوقوف بين رجال الدولة الاخرين كصاحب الديوان وعارض الجيش والنقباءوالمحتسب وغيرهم واخبار الخليفة بحقيقة الامر؟ ولو صحت هذه التهمة على الوزير لكان‏معناها انه كان يتراس مؤامرة كبرى يشترك فيها اكثر رجال الحكومة، لكن المصادرالتاريخية تبين ان المراسلات كانت قائمة بين هولاكو والخليفة فعلا، وانها لم تكن سرية لان‏الخليفة كان يستشير فيها حكومته وان الخليفة ارسل ابن الجوزي الى هولاكو، وان هذاالرسول كان مخلصا للخليفة بدليل ان هولاكو قتله بعد فتح بغداد((161)) .

ثالثا: اما عن ت‏آمر الوزير مع المغول لينصب علويا خليفة للمسلمين بدلا من المستعصم‏باللّه، فهو امر مردود ايضا، لان علاقة العلويين بالعباسيين كانت طيبة في هذه المرحلة.

وقدعرض المستنصر باللّه على رضي الدين ابي القاسم، علي بن موسى بن طاووس (المتوفى‏سنة 664ه/1265م) ان يذهب رسولا الى سلطان التتر فرفض ذلك، وعرض عليه ان يكون‏وزيرا ولكنه رفض ايضا((162)) . وقد قتل المغول الفاتحون العديد من العلويين،ومنهم السيد شرف الدين بن الصدر العلوي، وكان محترما في الدولة العباسية وروسل به‏الملوك. وقد قتلوا نقيب العلويين، علي ابن النقيب الحسن بن المختار وعمر بن عبداللّه بن‏المختار العلوي حاجب باب المراتب، كما قتلوا نقيب مشهد موسى الكاظم((163))واحرقوا المشهد نفسه.

يضاف الى ذلك: كيف يرضى العلويون بتنصيب احدهم خليفة للمسلمين من قبل المغول‏الوثنيين؟ وهل كان الوزير يستطيع تدبير مثل هذا الامر الخطير من دون استشارة كبارالعلويين فمن هم هؤلاء؟ اما اتهام الوزير بانه كان يعمل على اطماع المغول بالعراق ليكون‏نائبا لهم فهو مردود لانه اي الوزير كان يشغل منصب الوزارة في دولة الخليفة، وليس هناك‏ما يدل على انه كان سيمنح منصبا اعلى من ذلك.

رابعا: اختلفت الروايات التي تعين رسل الوزير الى هولاكو، فمنهم من قال: انه ارسل اخاه،ومنهم من قال: انه ارسل غلامه، ومنهم من قال: انه راسل هولاكو بوساطة ابن الصلاياالعلوي، صدر اربيل، يضاف الى ذلك اننا نلاحظ ما ياتي:

ا ان كل ما قيل عن رسل الوزير انما كان مجرد ترديد لاشاعات لا تستند الى اي دليل،فليس هناك حتى من ادعى انه راى رسل ابن العلقمي الى هولاكو، وقبض عليهم، او تحدث‏معهم او شهدهم يدخلون على هولاكو.

ب ان هولاكو، في مراسلاته مع الخليفة، طلب مواجهة عدد من كبار رجال الدولة العباسية،ولكنه لم يقصر طلبه على الوزير وحده في اية مرة من المرات، وكان من المعقول ان يفعل‏ذلك لو كانت هناك اتصالات سرية بينهما.

ج ان ابن الصلايا العلوي الذي تزعم بعض المصادر انه كان صلة بين الوزير وهولاكو لايمكن ان يكون قد قام بالعمل الخياني هذا لانه احد الناس الذين امر هولاكوبقتلهم((164)) خامسا: ان الوضع والتكلف يتضحان من نصوص الروايات التي تتهم الوزير، فهو يحلق‏راس رسوله ويكتب عليه بالابر، او يجعل الكتابة على راسه كل حرف كالحفرة، وهو يخرج‏الى هولاكو ليتوثق لنفسه، ثم يعود الى الخليفة ليبلغه ان هولاكو يرغب في زواج ابنته من ابن‏الخليفة، وان الاصلح الخروج مع اعيان الدولة لحضور عقد النكاح في وقت كان فيه الجيش‏المغولي يحيط ببغداد ويضربها بالمنجنيق. والمعروف ان هولاكو لم يجلب معه احدى بناته‏عند زحفه على العراق. وهو يبعث الى ابن الصلايا العلوي رسالة متكلفة في اسلوبهاوافكارها مثل:

«فكان جوابي بعد خطابي، لا بد من الشنيعة بعد قتل الشيعة. ..

الخ‏» ومثل:«فكن لهذا الامر بالمرصاد وترقب اول النحل وآخر الصاد» وغير ذلك...

سادسا: ان الزعم بان الخلفاء السابقين للمستعصم باللّه، وخصوصا المستنصر باللّه، كانوايتخذون جيوشا كبيرة وان الوزير ابن العلقمي عمل على صرفها وتفريقها ليسهل امام‏هولاكو غزو العراق امر مردود للسببين الاتيين:

ا ليس هناك دليل يؤيد اتخاذ اولئك الخلفاء جيوشا كبيرة، بل يبدو ان العكس هو الصحيح،فجيش الناصر لدين اللّه، وهو اكثر الخلفاء العباسيين اهتماما بالامور العسكرية ورغبة في‏التوسع، لم يستطع الوقوف امام الخوارزميين، ومنهم السلطان جلال الدين منكوبرتي الذي لم‏يستطع بدوره الوقوف امام المغول، لانهم هزموه وشردوه، فكيف يستطيع الجيش العباسي‏وحده الوقوف امامهم؟ يضاف الى ذلك ان غزوات المغول للعراق تكررت ايام المستنصر باللّه، وكان الخوف منهم‏يسيطر على البلاد، ولو كان لدى الخليفة جيش كبير لهاجم المغول في قواعدهم، وهي‏ايران، مع انهم لم يكونوا في عهده على ما وصفهم استاذ داره غير «سرايا متفرقة وغارات‏متفقة‏»((165)) ولكن قوات الخليفة التي وقفت لمحاربتهم كانت ضعيفة وقليلة‏العدد.

ب كيف يستطيع الوزير اقناع الخليفة بصرف اكثر جنوده والاكتفاء بالقليل منهم في وقت‏كان الخطر المغولي يهدد الدولة العباسية والعراق، وكان للخليفة مستشارون عسكريون على‏راسهم الدويدار الصغير عدو الوزير؟؟ سابعا: هناك مصادر مهمة لم ترد فيها اية اشارة الى خيانة الوزير مثل كتاب «جهانكشاي‏»لعطا ملك الجويني، وهو احد المصادر الرئيسية في تاريخ المغول، وقد سرد الاحداث الى‏نهاية احتلال جيش هولاكو لقلاع الاسماعيلية وتدميره لدولتهم، والمفروض ان مراسلات‏الوزير مع هولاكو انما جرت ايام تلك الاحداث، ولم يشر عطا ملك الجويني الى اية‏مراسلات من هذا النوع مع انه كان شديد الصلة بهولاكو، وكان في رفقته عند زحفه على‏بغداد، في حين انه اي الجويني اورد التهمة المنسوبة الى الناصر لدين اللّه من انه راسل‏ملوك الخطا. ولم ترد التهمة كذلك في الرسالة المنسوبة الى نصير الدين الطوسي (ت‏672ه 1273م) وقد رافق هولاكو الى بغداد وكان كثير الاطلاع على خفايا الامور. ولايذكرها عبد الرحمن سنبط بن فنيتو الاربلي في كتابه «الذهب المسبوك‏» مع انه عراقي‏معاصر للحوادث، ولا يذكرها كذلك ابو الفرج بن العبري في كتابه «تاريخ مختصر الدول‏»مع انه معاصر اتصل بالمغول وعرف اخبارهم بينما يرفض التهمة ابن الطقطقي (وضع كتابه‏سنة 701ه 1230م)، وفوق هذا كله يفصل رشيد الدين فضل اللّه احداث الفتح، ويشير الى‏التهمة بان مصدرها الدويدار الصغير عدو الوزير. ورشيد الدين مؤرخ عرف بصلته الشديدة‏بسلاطين المغول واخبارهم وتاريخ شعوبهم، وقد اطلع على المصادر الاسلامية والمغولية،ولم تكن له اية مصلحة في الدفاع عن الوزير((166)) .

ولا حجة لمن يقول: ان هذه المصادر كتبت في ظل المغول وتحت ضغطهم، لان عبداللّه بن‏فضل اللّه الشيرازي الذي عرف بوصاف الحضرة لمدحه سلطان المغول الايلخاني محمدخدابنده، شدد التهمة على الوزير وقدم كتابه الى السلطان المذكور. كما لم يردنا من الاخبارما يفيد ان حكام المغول كانوا يامرون الكتاب والمؤلفين بالدفاع عن الوزير، بل هناك من‏المصادر الاسلامية من يزعم ان هولاكو قتل ابن العلقمي لانه خان مخدومه الخليفة ولم تردالتهمة في كتاب ابن الفوط‏ي البغدادي: «تلخيص مجمع الاداب‏»، وهو معاصر كبيرالاطلاع.

ثامنا: ان سلامة شخص الوزير وداره ومشاركته في اللجنة التي اعادت تنظيم بغداد والعراق‏بعد الفتح لا تقوم حجة على خيانته، لان صاحب ديوان الخليفة المستعصم باللّه، اي وزيرماليته، وحاجب الباب في عهده، اي مدير شرطة العاصمة، قد عوملا المعاملة نفسها، كما سلم‏اقرب مستشاري الخليفة اليه صديقه عبد الغني بن الدرنوس، وسلم الابن الاصغر للخليفة مع‏اخواته فاطمة وخديجة ومريم((167)) . وقد كان هولاكو بحاجة الى من يدبر امرالعراق بعد فتحه، وكان الوزير وصاحب الديوان وحاجب الباب خبيرين باموره، فاشركهم في‏لجنة عهد اليها امر تنظيمه. ومن المحتمل ان هولاكو اعجب بالوزير عند مقابلته له نيابة عن‏الخليفة فاستبقاه.

والارجح ان شفاعة نصير الدين الطوسي له كانت اهم سبب في‏نجاته((168)) .

تاسعا: تجمع الروايات على ان هولاكو لم يفرق، في استباحته لبغداد، بين السنيين‏والشيعيين، بينما استثنى النصارى.

والمعقول ان ابن العلقمي لو كان قد اتفق مع المغول على‏تسليم بغداد لهم انتقاما من السنيين لحفظ له المغول جميل عمله فلم يقتلوا الشيعة على‏الاقل.

عاشرا: اما سقوط بغداد نفسها فلم يكن للوزير اي دخل فيه لانه تم بعد هزيمة جيش‏الخليفة بقيادة الدويدار واستيلاء المغول على اسوار المدينة، وسبب ذلك تفوق المغول‏الواضح في العدد والعدد والقيادة والمعنوية.

والخلاصة ليست هناك دلائل تدين ابن العلقمي، وقد كان سقوط بغداد امرا متوقعا منذتدمير المغول لدولة خوارزم وقتلهم آخر سلاطينها جلال الدين منكوبرتي سنة 628هآ1230م. ولو اراد المغول فتح العراق آنذاك لما وجدوا صعوبة في ذلك. وخيانة ابن العلقمي،لو صحت، ما كانت تعمل اكثر من تشجيع هولاكو على قصد العراق وما كان هذا، في حاجة‏الى تشجيع لانه كان يحمل اوامر عليا بالفتح اصدرها اليه الامبراطور مانغو خان ومعه جيش‏متفوق على عدوه تفوقا ساحقا في العدد والعدة لم يستطع الاسماعيلية ايقافه بالرغم من‏كثرة عدد حصونهم وامتناعهم في جبال عالية وقمم شاهقة، بينما تقع بغداد في سهل فسيح‏تسهل الاحاطة بها وقطع الميرة عنها.

ويبدو ان الصاق تهمة سقوط بغداد بالوزير انما غايتها تسويغ الاهمال والتسيب اللذين‏سيطرا على ادارة العراق منذ بداية الغزو المغولي لدولة خوارزم سنة 616ه 1219م. وقدكانت الخطة الصحيحة المناسبة آنذاك هي محاربة المغول منذ اول ظهورهم في بلاد ما وراءالنهر وخراسان، وليس التفرج على هجماتهم وفظائعهم وانتظارهم عند اسوار بغداد ثم اتهام‏الوزير بانه السبب في سقوط المدينة.

حقيقة التهم الموجهة الى نصير الدين الطوسي ويبدو ان ما حمل «الدياربكري‏» على اختلاق كذبته الفاضحة بالزعم ان هولاكو قتل ابن‏العلقمي جزاء له على خيانته للخليفة، هو ان من سبقوه اتخذوا من بقاء ابن العلقمي حيا بعدفتح بغداد، ثم مشاركته في اللجنة التي اعادت تنظيم بغداد والعراق، دليلا على اتهامه بمااتهموه به، ثم تبين لمن جاء بعدهم ان ليس في هذا ما يمكن ان يكون دليلا على اثبات‏التهمة، لانه ليس الوحيد الذي سلم من القتل ثم شارك في اللجنة الادارية، بل كان ذلك شان‏غيره من اركان الدولة العباسية، فارتاى «الديار بكري‏» ان يتجاوز ما ذكره من قبله وان‏يخترع خبر قتل هولاكو لابن العلقمي، هكذا بكل سهولة، بل بكل وقاحة.

جنگيز وهولاكو من طينة واحدة: طينة الطغيان والظلم وسفك الدماء وتخريب العمران. وكل‏منهما هاجم الوطن الاسلامي وانتصر عليه. وقد كان مصير البلدان الاسلامية التي افتتحهاهولاكو، في اول مرة، مصير المدن التي افتتحها جده جنگيز.

ففي عهد جنگيز انطلق جنده في بخارا يقتلون وينهبون ويهدمون ويهتكون الاعراض، ثم‏اشعلوا فيها النيران. وكذلك فعلوا في سمرقند وغير سمرقند في كل ما فتحوه من‏بلاد.

مضى جنگيز في ما مضى به من احالة الشر في نفسه لانه كان يمضي بلا كابح يلوي عنانه‏ويروض جماحه ويثني من انطلاقه..

وكذلك فعل هولاكو في جميع المدن التي اجتازها وصولا الى مدينة «تون‏» التي خربهاوقتل جميع اهلها عدا النساء الشابات، على ما يذكر الجويني، مضافا اليهن اصحاب المهن‏على ما يذكر الهمذاني. وبعد «تون‏» كان الوصول الى قلاع الاسماعيليين، فكانت مذبحة‏«خورشاه‏».

وفي قلاع الاسماعيليين اءسر نصير الدين الطوسي فاستبقاه هولاكو حيا مع طبيبين كانا بين‏الاسرى. واستبقاؤه لنصير الدين الطوسي لانه كان عازما على بناء مرصد كبير، وكان نصيرالدين من كبار علماء الفلك، فلا غنى لهولاكو عنه.

وكذلك كان شان الطبيبين فقد كان‏بحاجة الى الاطباء. فاقر الثلاثة ان يسيروا في ركابه فكان لا بد لهم من الطاعة لان التمردعاقبته القتل.

من دون الدخول في التفاصيل ننقل هنا عبارة المؤرخ محمد المدرسي التي قال فيها: «فضلاعن مقام الطوسي العلمي استطاع بتاثيره على مزاج هولاكو ان يستحوذ تدريجيا على عقله‏وان يروض شارب الدماء...».

هذا القول من خير ما قيل عن علاقة نصير الدين الطوسي بهولاكو. وبعد تخريب «تون‏» وقتل‏اهلها، وبعد مذبحة «خورشاه‏»، وبعد استحواذ الطوسي على هولاكو توقف التخريب وتوقفت‏المذابح. وذلك لانه صار لهولاكو كابح عن الايغال في التخريب والقتل، يتمثل بشخص‏نصير الدين الطوسي.

وكان من فضل العالم الكبير على العالم الاسلامي، باضطراره لمصاحبة هولاكو، ان لم يكن‏مصير قزوين وهمذان والدينور وكرمنشاه وحلوان واسد آباد والبصرة وتستر وكل مدن‏خوزستان ثم بغداد، وبعد ذلك ديار بكر ومدن الجزيرة وحماه وحمص والمعرة ثم دمشق‏مصير بخارا وسمرقند، وكل ما كان في طريق جنگيز الطويل من مدن: حرقا واستباحة.

ولا مصير المدن التي فتحها هولاكو حتى قلاع الاسماعيليين واسر نصير الدين فيها، مصيرهافي الفجائع والنكبات والاحراق والقتل والنهب.

لقد اجبر هولاكو بجبروته نصير الدين الطوسي على السير في ركابه قصدا لاستغلال علمه،ولكن الطوسي عرف بعلمه وعقله وتدبيره كيف يستغل هولاكو، فانهزم الطغيان امام الايمان‏والعلم والعقل الكبير المدبر.

يوجز الزركلي، في كتابه «الاعلام‏»، وصف الطوسي قائلا:

«فيلسوف كان راسا في العلوم‏العقلية، علامة بالارصاد والمجصط‏ي والرياضيات. علت منزلته عند هولاكو فكان يطيعه في‏ما يشير به عليه‏».

لم يكن مستطيعا ان يحول بين هولاكو وبين الفتح، ولكنه استطاع باخلاصه وايمانه وقوة‏شخصيته ان يحول بين هولاكو وبين السير على طريقة جنگيز في شرور هذا الفتح.

لم تتعرض اي مدينة اسلامية للاحراق والتخريب والهتك والقتل في الزحف المغولي‏الهولاكي منذ التقاء نصير الدين الطوسي بهولاكو، عدا مدينة الموصل التي لم يعرض لهاالمغول بشي‏ء اول الامر الى ان عادت فثارت عليهم فنالها ما نالها من الاذى، وعدا حلب في‏بلاد الشام، ما يحتاج الى توسع ليس هذا مكانه.

يقول الدكتور جعفر خصباك: «هولاكو لم يجر على سنة جده جنگيز خان بتخريب اكثر اوكل المدن التي تقع في طريق زحفه وقتل سكانها. ويبدو ان الصورة التي رسمها المؤرخون‏لفاتح بغداد المغولي انما هي انعكاس للاعمال التي قام بها جده في ما وراءخراسان...».

ونقول: ان سيرة هولاكو كما ذكرنا من قبل كانت سيرة جده حتى وصوله الى قلاع‏الاسماعيليين واصطحابه نصير الدين الطوسي. والدكتور خصباك كان يتحدث عن العراق‏فقط، وهو في كتابه لم يتجاوز العراق، لذلك لم يتحدث عن العسف في غير العراق، ومن هناكان حديثه سليما.

ثم يقول: «... ومن هذا كله يبدو ان عبارات التخريب التي اوردها المؤرخون عما جرى‏للمدينة (بغداد) مبالغ فيها، لان المعالم الرئيسية للمدينة كقصور الخليفة والمدارس والاسواق‏وغالب المحلات بقيت من دون ان يصيبها غير تخريب محدود امكن اصلاحه في وقت‏قصير...».

ونقول: كان من الطبيعي ان يحدث بعض التخريب في اليوم الاول من فتح بغداد، فان تلك‏الجموع الهائجة من المغول التي اقتحمت بغداد كان من العسير في الساعات الاولى، الحؤول‏بينها وبين انطلاقها الجامح فحدث ما حدث. ولكن امكن ايقافها بسرعة عن التمادي في‏الجموح، بفضل التدخل الحازم لنصير الدين الطوسي.

واكثر من ذلك، فقد حمل الطوسي هولاكو على اعادة تعمير ما تخرب «بنفقة الدولة‏» جاء في‏«الحوادث الجامعة‏» وفي «جامع التواريخ‏»، وهذان الكتابان معاصران مشاهدان: «ان هولاكوامر باصلاح ما خرب من المدينة (بغداد) وترميم اسواقها واعادة اعمال اهلها الى ما كانت‏عليه سابقا...»((169)) .

وصاحب «مراصد الاطلاع‏» الذي كتب كتابه بعد فتح بغداد يتحدث عن محلات بغدادالعامرة. هذا فضلا عن دار الخلافة ودار الدويدار الكبير وجامع الخليفة الذي احترق واعيداصلاحه، والمدرسة النظامية وسوقها والمدرسة المستنصرية ومدرسة الاصحاب ومدارس‏وربط اخرى.

ابن منير الطرابلسي
 اعداد: مركز الغدير للدراسات
 التعريف بالشاعر احمد بن منير بن احمد بن مفلح الطرابلسي، ابو الحسين، مهذب الدين، الملقب بعين الزمان،المشهور بالرفاء.

ولد ابن منير((170)) في طرابلس سنة 473ه/1081م، واليها ينسب. وقد ولد في‏زمن كانت فيه طرابلس عاصمة لامارة بني عمار، وكانت تشهد حركة ثقافية وعلمية‏مزدهرة، ولعله تعلم في «دار العلم‏» التي انشئت قبل مولده بسنة، بعدما تم تجديد مكتبة‏طرابلس، على يد القاضي «جلال الملك بن عمار».

كان والده «منير بن احمد» شاعرا يتمتع بصوت حسن، وينشد في اسواق طرابلس مدائح آل‏البيت (ع) وقصائد الشاعر العوني، وهو شاعر اشتهر بقصائده التي مدح فيها آل البيت (ع)وقد مرت ترجمته في الجزء الثاني من هذا الكتاب.

لقب منير ب «الرفاء» لانه كان يرفو الثياب على ما يذكر ابن عساكر، وقد تعلم ابنه احمد هذه‏المهنة فاشتهر بها، ايضا، وكان يكسب رزقه منها الى ان غادر طرابلس.

بدا ابن منير يقرض الشعر في آونة مبكرة من حياته، وعرف في طرابلس بوصفه شاعرامجيدا، وعندما حاصر الصليبيون طرابلس خرج منها حوالى سنة 502ه/1109م، كما خرج‏كثير من اهلها، وقصد دمشق، واقام فيها، متقربا من حاكمها «ظهير الدين طغتكين‏»، لكن هذاغضب عليه بعد مدة، لسببين كما يقول الرواة: اولهما تغزله بغلام له بقصيدة اولها:

فمن ركب البدر في صدر الرديني وموه السحر من حد اليماني وثانيهما ان اعداء ابن منير اوغروا صدر الحاكم التركي طغتكين، وكان لا يجيد فهم الشعرالعربي، وافهموه انه يهدده في قصيدته التي مدحه بها، ومطلعها: «مني ومنك استفاد الناس ماكسبوا».

استطاع ابن منير، بمساعدة حاجب الحاكم «يوسف بن فيروز»، الهرب الى بغداد، وهناك‏تعرف الى وزير الخليفة العباسي المسترشد باللّه، وجلال الدين بن صدقة، ومدحه بقصيدة‏مطلعها: «اهتوف ايك في سرار الوادي‏»، والى نقيب العلويين الشريف المرتضى الموسوي،وهو غير الشريف المرتضى اخي الشريف الرضي، الذي مرت ترجمته في الجزء الثاني من‏هذا الكتاب، لان هذا توفي قبل مولد ابن منير. ونشات صداقة بين الرجلين، واليه وجه‏الشاعر قصيدته «الرائية‏» او «التترية‏» التي سياتي ذكرها بعد قليل.

توفي طغتكين سنة 522ه، فعاد ابن منير الى دمشق، وتقرب من ابنه «تاج الملوك بوري‏»،ومدحه بالقصيدة «النونية‏» التي يصف فيها متنزهات دمشق، ومطلعها:

فحي الديار على علياء جيرون مهوى الهوى ومغاني الجرد العين لكن اعداءه سرعان ما البوا الحاكم الجديد عليه، فسجنه، وعزم على قطع لسانه، فشفع له‏الحاجب «يوسف بن فيروز»، فاءطلق سراحه، ونفي من المدينة، فخرج الى حلب، فاءقام فيهامدة التقى خلالها الحسن، ابا نزار النحوي، المعروف ب «ملك النحاة‏» (489 568ه) ، والشاعرمحمد بن نصر الخالدي، المعروف بابن القيسراني (478 548ه)، نسبة الى مدينة قيسارية،حيث نشا. ودارت بين ابن منير وهذين الرجلين معركة هجاء دامت طويلا، وتذكر بالهجاءالذي دار بين الفرزدق وجرير.

ولما توفي «تاج الملوك بوري‏»، سنة 526ه، عاد ابن منير الى دمشق، وتقرب من ابنه‏اسماعيل، ثم ساءت علاقته به، واراد الحاكم ان يصلبه، فهرب، واختبا في مسجد الوزيربظاهر دمشق، ثم خرج من المدينة ليتنقل بين حلب وحماة وشيزر، ثم عاد الى دمشق بعدمقتل اسماعيل، وتولي ابنه «مجير الدين آبق‏» الحكم، لكنه لم يلبث ان هرب خائفا من‏وزيره «ابن الصوفي‏»، حوالى سنة 531ه، ليقيم في شيزر عند اميرها «ابي العساكر سلطان بن‏منقذ».

لم يعد ابن منير الى دمشق على الرغم من ان زين الدين بن حليم‏» حضر الى شيزر ورغبه‏في العودة اليها وخدمة مقدم جيشها «معين الدين اءنر».

ويستفاد من الاخبار المتفرقة انه ذهب الى الموصل سنة 534ه، ومدح امير الاكراد «اباالفوارس الشنوي‏».

ثم انتقل الى حلب، ومدح الاتابك «عماد الدين زنكي‏» بعدة قصائد، ثم مدح ابنه «نور الدين‏محمود»، وصار مقربا منه، فاوفده الى «معين الدين اءنر»، في سنة 541ه في مهمة‏خاصة.

وقد اثمرت علاقة الشاعر والامير قصائد تسجل انتصارات هذا العسكرية على الصليبيين،ما جعل شاعرنا يستحق لقب «شاعر الجهاد».

ثم انتقل الشاعر الى حماة، وهناك اصيب بمرض اقعده، لكنه بقي يقول قصائد المديح في‏نور الدين ويرسلها اليه، وعندما ابل من مرضه قصد نور الدين الى حمص سنة 546ه، وعادمعه الى حلب، حيث عاوده المرض وتوفي يوم الاربعاء العشرين من جمادى الاولى سنة‏548 ودفن في سفح جبل جوشن خارج مدينة حلب، وقبره معروف هناك.

وقال ابن خلكان: زرت قبره ورايت عليه مكتوبا:

فمن زار قبري فليكن موقنا ان الذي القاه يلقاه ففيرحم اللّه امراء زارني وقال لي: يرحمك اللّه وهكذا، كما يبدو، كانت حياة ابن منير غير مستقرة، فما ان يقيم في بلد وينشى علاقات‏حتى يضطر الى مغادرتها، وهو يقول في ذلك:

فواذا الكريم راى الخمول نزيله في بلدة فالحزم ان يترحلا فكالبدر لما ان تضاءل جد في طلب الكمال فحازه متنقلا فسفها لحلمك، ان رضيت بمشرب رنق، ورزق اللّه قد ملا الفلا ففارق ترق كالسيف سل فبان في متنيه ما اخفى القراب واخملا فلا تحسبن ذهاب نفسك ميتة ما الموت الا ان تعيش مذللا فللقفر لا للفقر هبها انما مغناك ما اغناك ان تتوسلا فلا ترض عن دنياك ما ادناك من دنس، وكن طيفا جلائم انجلى فوصل الهجير بهجر قوم كلما امطرتهم عسلا جنوا لك حنظلا فمن غادر خبثت مغارس وده فاذا محضت له الوفاء تاولا فاو حلف دهر كيف مال بوجهه امسى كذلك مدبرا او مقبلا ف‏للّه علمي بالزمان واهله ذنب الفضيلة عندهم ان تكملا فطبعوا على لؤم الطباع فخيرهم ان قلت قال وان سكت تقولا فانا من اذا ما الدهر هم بخفضه سامته همته السماك الاعزلا فواع خطاب الخطب وهو مجمجم راع اكل العيس من عدم الكلا فزعم كمنبلج الصباح وراءه عزم كحد السيف صادف مقتلا ويعود ذلك الى امور منها، اولا، تشيعه الى آل البيت (ع) وعيشه بعد ان غادر طرابلس التي‏كانت شيعية في عصره، في جو سني، وثانيا انه كان معتدا بنفسه، جريئا... لا يرتضي النيل‏منه، فكان يواجه خصومه ويرد عليهم، ويقول فيهم الشعر، فوصف ب «الهجاء»، وثالثا، ان‏الزمن الذي كان يعيش فيه كان زمنا رديئا، يكثر فيه الحساد، وتسوده المكائد، وهو يقول‏في وصف هذا الزمن واناسه:

فعدمت دهرا ولدت فيه كم اشرب المر من بنيه فما تعتريني الهموم الا من صاحب كنت اصطفيه ففهل صديق يباع حتى بمهجتي كنت اشتريه؟ فيكون في قلبه مثال يشبه ما صاغ لي بفيه فوكم صديق رغبت عنه قد عشت حتى رغبت فيه((171)) شاعر موسوعي المعرفة كان ابن منير شاعرا موسوعي المعرفة، ويقول الدكتور «عمر عبد السلام تدمري‏» في هذاالصدد: «ويظهر من شعر «ابن منير» انه كان متمكنا من ناحية اللغة العربية ومفرداتها، متقنالفنون البلاغة والادب والكتابة النثرية، مجيدا للنحو والصرف والعروض، فضلا عن المامه‏بالتاريخ، والفقه، والعقائد، وخصوصا بمذهب الشيعة اتباع الائمة الاثني عشر. وقد بلغ من‏العلم درجة جعلته مقبلا على عقد مجالس لتدريس الادب واللغة في مدينة حلب، فكان‏يغشى مجلسه جماعة من المتادبين من اهلها للقراءة عليه، وكان يعنف بعضهم اذا اخطاوافي القراءة، وفي ذلك قال «ابو البقاء علي بن هداب العلثي‏» ما نصه: «كنت اغشى مجلس‏ابي الحسن «كذا» ابن منير للقراءة عليه مع الجماعة بحلب، فقرا عليه انسان: (كليني لهم يااءميمة ناصب) فصحفه وقال: (كليبتي لهم يا اءميمة باضت)، فقال له ابن منير: ويحك، اءماعلمت ان كل سكاء تبيض، وكل ذات اءذنين تحيض؟ فقال بعض من حضر: واللّه لقد انتفعنابتصحيفه اكثر مما انتفعنا بصحيحه‏»((172)) .

شاعر مجيد هجاء