الصفحة السابقة

الصفحة التالية

يجمع مؤرخو الادب على ان ابن منير شاعر مجيد، ولغوي بارع، ويكثر القول في الهجاء،ويذكر بعضهم اتهامات استخدمت في النيل منه وادت الى ان يحيا حياة قلقة لم يكف فيهاعن الرحيل من مدينة الى اخرى. وفي ما ياتي نقدم شهادات بعض هؤلاءالمؤرخين((173)) :

قال ابن القلانسي: ابن منير «كان اديبا شاعرا، عارفا بفنون اللغة واوزان العروض، لكنه‏مرهوب اللسان، خبيث الهجاء، مجيد فيه، لا يكاد يسلم من مقاطيع هجائه منعم عليه ولامسي‏ء فيه، وكان طبعه في الذم اخف منه في المدح، وكان يصل بهجائه لا بمدحه‏».

وقال «ابن عساكر»، ومثله «ابن خلكان‏» و «ابن شاكر الكتبي‏» و «الحافظ الذهبي‏»: «الشاعرالرفاء»، كان ابوه منير منشدا ينشد اشعار العوني في اسواق طرابلس، ويغني، فنشا ابنه،وحفظ القرآن، وتعلم اللغة والادب، وقال الشعر، وقدم دمشق فسكنها، وكان رافضيا خبيثايعتقد مذهب الامامية، وكان هجاء خبيث اللسان يكثر الفحش في شعره، ويستعمل فيه‏الالفاظ العامية‏».

وكتب «اسامة بن منقذ» عنه: «.. شرف الادباء ابو الحسين احمد بن منير الطرابلسي، اوحدعصره ولسان دهره، تاخر زمانه وتقدم فضله وبيانه، فهو زهير الفصاحة وابن حجاج الملح‏والطرافة، في اشعاره لطافة تستخف القلب وتملك السمع، وكل فن من فنون الشعر يقصده‏يستولي على محاسنه وفنونه، ويحرز ابكار معانيه وعونه‏».

وقال الملك «المنصور الايوبي‏»: «كان شاعرا فحلا من فحول الشعراء المشهورين المكثرين‏المجيدين. وكان ظريفا مطبوعا، فريد زمانه، واوحد اوانه. وكان في وقته كابي عبداللّه بن‏الحجاج في عصره، وكان شعره: مدحه وهجاؤه، وجده وهزله، مليحا مطبوعا، لا يسقط له‏بيت، ولا قلل شعره بعسى وليت. ولم يزل في وقته مشهورا في فنه الذي سلكه في شعره.وكان بينه وبين القيسراني وابن قسيم الحموي معارضات ومجاوبات في شعرهم‏».

وقال «العماد الكاتب‏»: «شعره ككنيته حسن، ونظمه كلقبه مهذب، ارق من الماء الزلال، وادق‏من السحر الحلال، واطيب من نيل الامنية، واعذب من الامان من المنية‏».

وقال «مجد العرب العامري‏»: «ابن منير، ذو خاطر منير، وله شعر جيد لطيف، لولا انه يمزجه‏بالهجو السخيف‏».

وقارنه بعضهم بالمتنبي وفضله عليه، فمما يروى انه اجتمع يوما القاضي ابو محمد بن‏الخشاب الحلبي، والوجيه ابن ابي الحنيك في دار قاضي العسكر بحلب محمد بن يوسف بن‏الخضر، وهو يذاكره باقطاع من شعر ابن منير، فذكر ابن ابي الحنيك هذه الابيات التي مدح‏بها نور الدين محمود بن زنكي، وقد كسر عسكر الفرنج بالروج، وقتل ملكهم‏«البرنس‏»:

فصدم الصليب على صلابة عوده وتفرقت ايدي سبا خشباته فوسقى «البرنس‏» وقد تبرنس ذلة بالروج ممقر مما جنت غدراته فتمشي القناة براسه وهو الذي نظمت مدار النيرين قناته فقال ابن الحنيك للقاضي: ما يقدر ابن عبيدان السقا يقول مثل هذا، يعني ابا الطيب‏المتنبي.

ويخلص الدكتور «عمر تدمري‏» الى القول: «واذا اردنا ان نلقي الضوء على شخصية ابن منيربكلمات قصيرة، فنقول انه كان ذا شخصية قوية، معتدا بنفسه، حاد الذكاء، جريئا، مرهف‏الحس، واسع الخيال، فيه ميل للمداعبة والمزاح، متحمسا لقضية تحرير بلاد الشام من الغزاة‏الصليبيين، وهذا ما تعبر عنه قصائده الحماسية الكثيرة امام عماد الدين زنكي وابنه نورالدين محمود((174)) .

شعر الجهاد يقول الدكتور «عمر تدمري‏»: ويتضح من شعر «ابن منير» في «عماد الدين‏» و «نور الدين‏» انه‏يفيض حماسة وتشوفا الى تحرير بلاد المسلمين من الافرنج، ويتسامى في قصائده‏الحماسية عن الصغائر والسفاسف من العنعنات المذهبية وغيرها، فهو على تعصبه «العلوي‏»يمدح الملوك الزنكيين السنة الذين ينافحون عن الدين الاسلامي ويجاهدون في اللّه حق‏جهاده، ويحررون البلاد من قوات الاحتلال الصليبية.

ولقد صورت لنا قصائده الحماسية تلك، عصر الجهاد ضد الصليبيين بما فيه من الوقائع‏الحربية، وفتح المدن والحصون، وسقوط القتلى والجرحى والا سرى في تلك المعارك،فذكر اسماء الكثير من الاماكن التي شهدت جولات الصراع الحربي بين المسلمين‏والصليبيين، وارخ لها في شعره. وجاء ذلك من خلال (6) ست قصائد في «عماد الدين‏»،و(47) سبع واربعين قصيدة في «نور الدين‏»، ذكرها «ابو شامة‏» في «كتاب الروضتين‏». وفي‏هذه القصائد يظهر اسلوب شاعرنا واضحا في تصنعه البياني والبديعي، واشتقاق الافعال‏التي تتجانس مع اسماء ملوك الفرنجة وامرائهم. مثل قوله من قصيدة يمدح فيها «عمادالدين زنكي‏» :

فبعماد الدين اضحت عروة الد ين معصوبا بها الفتح المبين فهم «قسطنطين‏» ان يفرعها ومضى لم يحو منها قسط طين فبرنست راس «برنس‏» ذلة بعدما جاست حوايا «جوسلين‏» فو «سروج‏» مذ وعت اسراجه فرقت جماعها عنها عضين فسل بها «حران‏» كم حرى سقت بردا من يوم ردت «ماردين‏» فسمطت امس «سميساط‏» بها نظم جيش مبهج للناظرين وقوله من قصيدة في «نور الدين‏»:

فسل بصيرا: كم اعتقت يوم «بصرى‏» من اسار الموت الزوآم عتاقه فكم عرام على «العريمة‏» شبت ضاق منه على الصليب خناقه فولكم هبوة ب «هاب‏» واءختى ها لها صكت الاسارى رباقه فبسط الذل فوق بسطة «باسو طا» ولكن طواه عنه ارتفاقه غديريته تعد هذه القصيدة من اشهر قصائد «ابن منير»، وتحدث «ابن حجة الحموي‏» عن مناسبتها،فقال: واورد «ابن حجة الحموي‏» القصيدة، في «باب الهزل الذي يراد به الجد»، فقال:«فمهذب الدين احمد بن منير الطرابلسي، قائد هذا العنان، وفارس هذا الميدان، وما ذاك الالانه هاجر الى مدينة السلام بغداد، و «الشريف الموسوي‏» نقيب الاشراف بها، وبابه حرم‏الوافدين، وبه ينابيع الفضل التي هي مناهل الواردين. وكان يقال: ان «الشريف‏» المشار اليه‏من كبار الشيعة ببغداد، وعلى هذا اجمع غالب الناس. فجهز اليه «ابن منير» عند قدومه بغدادهدية مع مملوكه «تتر» بل معشوقه الذي اشتهر به في الخافقين غرامه، وابدع في اوصافه‏الجميلة نظامه، فقبل الشريف هديته واستحسن المملوك، فادخله في الهدية، وقصد ان‏يعوضه عن ذلك باضعافه‏»، فلما شعر ابن منير بذلك كتب الى الشريف على الفور قصيدة‏عرفت ب «التترية‏» نسبة الى الغلام «تتر»، و ب «الرائية‏»، وهي قصيدة طويلة تبلغ عدة ابياتها مئة‏وستة ابيات، اوردها كاملة «ابن حجة الحموي‏» في ثمرات الاوراق، واوردها محققة الدكتور«عمر تدمري‏» في ديوان «ابن منير» الطرابلسي((175)) ومنها:

فعذبت طرفي بالسهر واذبت قلبي بالفكر فومزجت صفو مودتي من بعد بعدك بالكدر فومنحت جثماني الضنى وكحلت جفني بالسهر فوجفوت صبا ما له عن حسن وجهك مصطبر فيا قلب ويحك كم تخا دع بالغرور وكم تغر فوالى م تكلف بالاغن من الظباء وبالاغر فلئن الشريف الموسوي ابن الشريف ابي مضر فابدى الجحود ولم يرد الي مملوكي تتر فواليت آل اءمية الطهر الميامين الغرر فوجحدت بيعة حيدر وعدلت عنه الى عمر فواءكذب الراوي واءط عن في ظهور المنتظر فواذا رووا خبر (الغدير) اقول: ما صح الخبر فولبست فيه من الملا بس ما اضمحل وما دثر فواذا جرى ذكر الصحا بة بين قوم واشتهر فقلت: المقدم شيخ تى م ثم صاحبه عمر فما سل قط ظبا على آل النبي ولا شهر فكلا ولا صد البتو ل عن التراث ولا زجر فواقول: ان يزيد ما شرب الخمور ولا فجر فولجيشه بالكف عن ابناء فاطمة امر فوالشمر ما قتل الحسين ولا ابن سعد ما غدر فوحلقت في عشر المحر م ما استطال من الشعر فونويت صوم نهاره وصيام ايام اءخر فولبست فيه اجل ثو ب للمواسم يدخر فوسهرت في طبخ الحبو ب من العشاء الى السحر فوغدوت مكتحلا اصا فح من لقيت من البشر فووقفت في وسط الطر يق اقص شارب من عبر فواكلت جرجير البقو ل بلحم جري الحفر فوجعلتها خير الم كل والفواكه والخضر فوغسلت رجلي حاضرا ومسحت خفي في السفر فمين اجهر في الصلا ة بها كمن قبلي جهر فواسن تسنيم القبور لكل قبر يحتفر فواقول في يوم تحا ر له البصيرة والبصر فوالصحف ينشر طيها والنار ترمي بالشرر فهذا الشريف اضلني بعد الهداية والنظر ففيقال: خذ بيد الشري ف فمستقركما سقر فلواحة تسطو فما تبقي عليه وما تذر فواللّه يغفر للمسي‏ء اذا تنصل واعتذر فالا لمن جحد الوصي ولاءه ولمن كفر قال «ابن حجة الحموي‏»: ان هذه القصيدة مبنية على القسم وجوابه، واما هزلها الذي يراد به‏الجد فانه غاية لا تدرك وطريق ما راينا لغيره فيها مسلك، فابن منير يخاطب الشريف‏الموسوي ويقسم... انه اذا لم يرد عليه مملوكه سيفعل كذا وكذا...، وهو يهزل في ذلك‏ظاهرا، لكنه يستخدم هذا الاسلوب الهزلي في ظاهره ليجد في بيان ما يعتقده، وقد كان لهذه‏القصيدة تاثيرها الكبير فحمسها شعراء منهم ابراهيم بن يحيى العاملي، فقال:

فافدي حبيبا كالقمر ناديته لما سفر:

فيا صاحب الوجه الاغر عذبت طرفي بالسهر واذبت قلبي بالفكرافابلى صدودك جدتي وتركتني في شدتي فواطلت فيها مدتي ومزجت صفو مودتي من بعد بعدك بالكدرواتبع طريقتها في بناء القصيدة على القسم وجوابه... واسلوبها في‏الهزل الذي يراد به الجد عدد كبير من الشعراء يذكر العلامة الاميني عددا منهم، فيقول: ولهذه‏القصيدة اشباه ونظائر في معناها سابقة ولاحقة، منها:

1 مدح الخالديان ابو عثمان سعيد بن هاشم واخوه ابو بكر محمد من شعراء اليتيمة الشريف‏الزبيدي ابا الحسن محمد بن عمر الحسيني، فابطا عليهما بالجائزة، واراد السفر فدخلا عليه‏وانشداه:

فقل للشريف المستجار به اذا عدم المطر فوابن الائمة من قريش والميامين الغرر اقسمت بالريحان والنغم المضاعف والوتر فلئن الشريف مضى ولم ينعم لعبديه النظر فلنشاركن بني اءمية في الضلال المشتهر فونقول: لم يغصب ابو بكر ولم يظلم عمر فونرى معاوية اما ما من يخالفه كفر فونقول: ان يزيد ما قتل الحسين ولا امر فونعد طلحة والزبي ر من الميامين الغرر فويكون في عنق الشري ف دخول عبديه سقر((176)) فضحك الشريف لهما، وانجز جائزتهما.

2 حبس الشريف الحسن بن زيد الشهيد وزيره لتقصيره، فكتب الى الشريف بقوله:

فاشكو الى اللّه ما لقيت احببت قوما بهم بليت فلاشتم الصالحين جهرا ولا تشيعت ما بقيت فامسح خفي ببطن كفي ولو على جيفة وطيت 3 كتب ابو الحسن الجزار المصري الاتي ترجمته الى الشريف شهاب الدين ناظرالاهراء((177)) 2) ليلة عاشوراء، عندما اخر عنه انجاز موعده، بقوله:

فقل لشهاب الدين ذي الفضل الندي والسيد ابن السيد ابن السيد:

فاقسم بالفرد العلي الصمد ان لم يبادر لنجاز موعدي فلاحضرن للهناء في غد مكحل العينين مخضوب اليد فوالاثم في عنق الشريف الامجد لانني جننت في التردد فحتى نصبت وكسرت عددي في شهر حزني وجزمت لددي 4 كتب القاضي جمال الدين علي بن محمد العنسي الى شريف عصره، قوله:

فبالبيت اءقسم اءو باءه ل البيت سادات البشر فوبصولة المولى الذي تاهت به عليا مضر فان طال غصب مطهر عمد الدراري واستمر فلاقلدن ابا حني فة صاحب الراي الاغر فولاسمعن له وان حل النبيذ المعتصر فحبا لقوم انزلوا بمطهر اقوى ضرر فاعني بهم ابناء خا قان الميامين الغرر فولاتركن الترك تر فل من مديحي في حبر فولانظمن شواردا فيهم تحار لها الفكر فواسوقها زمرا الى زمر وتتلوها زمر فولابكين على الوزي ر بكل معنى مبتكر فاعني به حسنا وان فعل القبيح فمغتفر فواقول: ان سنانهم سيف نضته يد القدر فما جار قط ولا ارا ق دما وبالتقوى امر فواذا جرى ذكر الخمو ر ومن حساها واعتصر فنزهتهم عنها سوا((178)) لام المفند او عذر فاستغفر اللّه العظ‏ى م سوى النبيذ اذا حضر ففالراي رايهم السدي د وقد رووا فيه خبر فولامقتن((179)) على بكي ر في العشايا والبكر فاقضي بتربته الفرو ض ومن زيارته الوطر فولاملان على العوا م مسائلا فيها غرر فنقضي بتطويل الشوا رب عند تقصير الشعر فولارخين من العما ئم ما تكور واعتصر فولارفعن الى الصلا ة يدي وارويها اثر((180)) فواقول في يوم تحا ر له البصائر والبصر فوالصحف تنشر طيها والنار ترمي بالشرر:

فهذا الشريف اضلني بعد الهداية والنظر((181)) 5 كتب في هذا المعنى ابو الفتح سبط ابن التعاويذي الى نقيب الكوفة الشريف محمد بن‏مختار العلوي، يعاتبه على عدم الوفاء بما كان وعده به، قصيدة تاتي في ترجمة ابي الفتح‏اولها:

فيا سمي النبي يا ابن علي قامع الشرك والبتول الطهور نماذج من شعره ومن شعره الجميل نورد بعض النماذج:

في الغزل:

فالف الصدود وحين اسرف اسعفا فازور عتبا ثم زار تعطفا فلبس الدجى في ليلة هو بدرها والبدر اشهر ما يكون اذا اختفى فطلع الهلال وقد بدا متلثما حتى اذا حسر اللثام تنصفا فيا طرفه، ما لي اراك خلقت لي داء، فهلا كنت لي منه شفا فواهي مناط الخصر، سنة عينه تقتص في قتل النفوس وتقتفى فيبدو فتقراء في صحيفة خده من مشق اقلام الملاحة احرفا فذو وجنة نقشت بنقطة خاله ونبات عارضه فخيلت مصحفا((182)) ف قف قليلا لاسالك من من الافق انزلك؟ فصرت في الارض ماشيا بعدما كنت في الفلك فايها البدر بالذي لمحاقي قد اكملك فاي شرع اباح طر فك اتلاف ما ملك؟((183)) ف ان كنت لست معي فالذكر منك معي يراك قلبي وان غيبت عن بصري فالعين تنظر من تهوى وتفقده وناظر القلب لا يخلو عن النظر((184)) تبادل ابن منير الهجاء مع «ابن القيسراني‏» و «ملك النحاة‏» و «ابن قسيم الحموي‏».

نقل «ياقوت الحموي‏» عن «البلط‏ي‏» انه قال:

«كان ملك النحاة قدم الى الشام فهجاه ثلاثة من الشعراء: ابن منير، والقيسراني، والشريف‏الواسط‏ي((185)) . واستخف به ابن الصوفي((186)) ولم يوفه قدر مدحه،فعاد الى الموصل ومدح جمال الدين((187)) وجماعة من رؤسائها. فلما نبت به‏الموصل قيل له: لو رجعت الى الشام، فقال: لا ارجع الى الشام الا ان يموت ابن الصوفي،وابن منير، والقيسراني، والشريف الواسط‏ي. فقتل الشريف الواسط‏ي، ومات ابن منير،والقيسراني في مدة سنة، ومات الصوفي بعدهم باشهر»((188)) .

وكتب «ابو نزار ملك النحاة‏» الى احد القضاة، وتصنع في الكلام، فقال: «العاصوي‏»،فاستهجنها «ابن منير» وهجاه بهذه الابيات:

فايا ملك النحو والحاء من تهجيه من تحت قد اعجموها فاتانا قياسك هذا الذي يعجم اشياء قد اعربوها فولما تصنعت في «العاصوي‏» غدا وجه جهلك فيه وجوها فوقالوا: قفا الشيخ «ان الملو ك اذا دخلوا قرية افسدوها» فاجابه «ابو نزار» بقوله:

فايا بن منير حسبت الهجا ء رتبة فخر فبالغت فيها فجمعت القوافي من ذا ومن ذا وافسدت اشياء قد اصلحوها ففقالوا: قفا الشيخ ان الملو ك اذا اخطات سوقة ادبوها ويعلق الدكتور «عمر تدمري‏» على الهجاءين فيقول: وبالمقارنة بين الهجاءين نجد ان ابن‏منير قد اجاد باستخدامه الاية الكريمة من القرآن: (ان الملوك اذا دخلوا قرية اءفسدوها)[النمل/34] بينما استخدم ابو نزار عبارة عادية لا ترقى الى ما اتى به ابن‏منير((189)) .

واشتهر عن ابن منير هجوه لمنافسه القيسراني الشاعر، فكان بينهما مكاتبات واجوبة‏ومهاجاة، وهما مقيمان في حلب، ومتنافسان في صناعتهما مثل جرير والفرزدق، وهماكفرسي رهان، وجوادي ميدان.

قال «ياقوت الحموي‏»: «كان ابن القيسراني وابن منير يشبهان بجرير والفرزدق للمناقضات‏والوقائع التي جرت بينهما»((190)) 2).

ومما يؤسف له ان شيئا من الشعر الهجائي المتبادل بين ابن منير والقيسراني لم يصلنا.

في الوصف والتامل، قال يصف النواعير، ويشبهها بالافلاك التي قسمت ارزاق الناس قسمة‏جاهل بهم:

لنواعيرها على الماء الحا ن تهيج الشجا لقلب المشوق فهي مثل الافلاك شكلا وفعلا قسمت قسم جاهل بالحقوق فبين عال، سام، ينكسه الح قراءة في كتاب: «الامام علي في رؤية النهج ورواية التاريخ‏»
 للدكتور ابراهيم بيضون د. محمد ط‏ي
  قدم الصديق الدكتور ابراهيم بيضون للمكتبة العربية، ولعلم التاريخ، اسهاما ملحوظا في كتابه‏الصادر سنة 1999م، والموسوم بعنوان: «الامام علي: في رؤية «النهج‏» و «رواية‏» التاريخ‏».وقد حظ‏ي الكتاب باهتمام كبير في الاوساط المهتمة بتاريخ الامام علي (ع) وبشخصيته،علاوة على تلك المهتمة بتاريخ صدر الاسلام بعامة.

ونحن، اذ نثمن عاليا ما اضافه الباحث من اسهام في المجال المذكور، نود ان نناقش امورا قدلا نذهب واياه فيها المذهب نفسه، كما سوف نبين ما نتوافق معه فيه مما كان ولا يزال‏موضوعا للتحليل والاخذ والرد.

امور لا نجاري المؤلف فيها تماما تتعلق هذه الامور بمسائل منها: وصية الرسول (ص) لعلي (ع) وببيعة علي للخليفة الاول‏ومواقفه من الخلفاء الذين سبقوه ومواقفهم منه، ثم بعض المشكلات التي ثارت في وجهه‏من قبل قريش، ومن قبل الخوارج، وصولا الى بعض سياساته في المجال الداخلي.

مسالة الوصية يرى الدكتور بيضون ان الرسول (ص) كما بدا، لم يحسم مسالة الخلافة، او لم يشا حسمهاعلى نحو مباشر قبيل موته (ص 27) ثم يشير الى النص واضعا اياه بين مزدوجين (ص 32)احيانا، ثم يذكر مسالة الوصية، فياتي الامر ملتبسا بين «وصية‏» لعلي او «وصية‏» بالانصار(ص 125)حيث يقول: «كانت البيعة لابي بكر، خرقا براي علي لقرار نبوي كان معروفا لدى‏الصحابة الكبار، مقدما نفسه، ليس على اساس القرابة... وانما لانه المؤهل لها ايمانا وتقوى‏وعلما واجتهادا... وهو ما جعله استنادا الى ذلك جديرا بهذه «الوصية‏»، تلك التي يفصح‏عنها، في معرض الرد على مبادرة الانصار في «السقيفة‏» : «لو كانت الامارة فيهم، لم تكن‏الوصية بهم‏»((191)) .

يثير هذا الموقف عددا من الملاحظات نوردها كما ياتي:

اولا: موضوع ان الرسول لم يشا الحسم:

ان الراجح، في هذا المجال، ان الرسول (ص) شاء الحسم بدليل ما تذكره كتب التاريخ من انه‏طلب دواة وكتفا ليكتب للمسلمين كتابا لن يضلوا ما تمسكوا به ابدا، ولكنهم اختلفوا بين‏موافق ورافض الى ان قال عمر: «قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب‏اللّه»((192)) 2).

ولكن المصادر المذكورة لا تشير صراحة الى وصيته حينذاك الى علي، او الى عزمه على‏ذلك، ولكنها تذكر ان ابن عباس كان يبكي عندما يذكر تلك الحادثة بسبب ما جرى من‏منع رسول اللّه (ص) من الايصاء عند ذلك، فيقول: «يوم الخميس وما يوم الخميس ثم(يبكي) حتى (يبل) دمعه الحصى‏»، ويقول: «اشتد برسول اللّه (ص) وجعه...»((193))ان نقطة الضعف في هذه الروايات هو ادعاؤها ان الرسول (ص) افصح عما كان يريد.

كتابته بقوله: «اخرجوا المشركين من جزيرة العرب، واجيزوا الوفد بنحو ما كنت اجيزهم‏»،وثالثة ينساها الراوي، او هو ينسى ان كان (ص) اوضحها ام لا. فاذا كان الرسول (ص) قداوضح ما كان يريد كتابته، ففي هذه الحالة لا ضرورة لبكاء ابن عباس، وان كان اوضح بعضاوترك بعضا فلا نجد من المنطق انه كان يريد ان يوثق امورا بنحو كتابي، ثم يترك بعضهاعندما يذكرها شفهيا الا اذا كان يخشى من ذكرها على وحدة المسلمين بعدما تبين له‏الخلاف.

وهنا نسال: ما الذي كان سيذكره الرسول (ص) مما يهدد وحدة المسلمين في نظره، بينما هوفي نظر ابن عباس مدعاة للبكاء لما فات المسلمين بسبب عدم ذكره؟ ورد عن لسان ابن عباس ان عمر شكا اليه عليا وقال: اظنه لا يزال كئيبا لفوت الخلافة،واضاف: «اراد رسول اللّه (ص) الامر له، فكان ماذا اذا لم يرد اللّه تعالى ذلك؟ ان رسول‏اللّه (ص) اراد ذلك واراد اللّه غيره، فنفذ امر اللّه تعالى ولم ينفذ امر رسوله. او كل ما اراد رسول‏اللّه (ص) كان‏». وقد روي معنى هذا الخبر بغير هذا اللفظ وهو قوله: «ان رسول اللّه (ص) ارادان يذكره للامر في مرضه فصددته عنه خوفا من الفتنة وانتشار امر الاسلام، فعلم رسول اللّهما في نفسي وامسك وابى اللّه الا امضاء ما حتم‏»((194)) .

من هنا ندرك ان رسول اللّه (ص) كان يريد ان يوصي لعلي (ع) ولكنه لم يستطع.

ثانيا: موضوع ان الرسول لم يحسم:

اننا نعتقد، على خلاف هذا الراي، ان الرسول (ص) حسم مسالة الوصية باقوال متكررة وفي‏مناسبات متعددة. فالى جانب احاديث اولية الامام علي (ع) وولايته وسبقه سائر المسلمين،هناك احاديث صريحة في كونه الوصي والوارث للرسول (ص) مما ورد في نهج البلاغة،ناهيك عن غيره، فقد ورد على لسان علي (ع) ان الوصية في بني هاشم، في آل‏الرسول (ص)وذلك اذ يقول: «ان الائمة من قريش، غرسوا في هذا البطن من هاشم، لاتصلح على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم‏»((195)) : ويقول ايضا: «لا يقاس‏ب‏آل محمد (ص) من هذه الامة احد ولهم حق الولاية وفيهم الوصية‏والوراثة...»((196)) . ثم يخصص الامام اكثر فيذكر من «حديث الدار» عن لسان‏رسول اللّه (ص):

ان هذا (علي) اخي ووصيي وخليفتي فيكم (يا بني عبد المطلب) فاسمعوا له‏واطيعوا»((197)) .

ويكرر الامر بقوله: «انا من رسول اللّه... كالذراع من العضد... وانه اوصى الي دون اصحابه‏واهل بيته‏»((198)) .

وقد اشتهر بانه هو الخليفة بعد رسول اللّه (ص) اذ يذكر الزبير بن بكار انه: «كان عامة‏المهاجرين وجل الانصار لا يشكون ان عليا هو صاحب الامر بعد رسول‏اللّه (ص)((199)). وهذا ما يعترف به حتى معاوية بن ابي سفيان، وذلك في كتابه الى‏محمد بن ابي بكر، اذ يقول له: «... وقد كنا وابوك معنا في حياة من نبينا (ص) نرى حق ابن‏ابي طالب لازما لنا وفضله مبرزا علينا. فلما اختار اللّه لنبيه (ص) ما عنده... كان ابوك‏وفاروقه اول من ابتزه وخالفه. على ذلك اتفقا واتسقا، ثم دعواه الى انفسهم.. (فما هو فيه)ابوك مهد مهاده وبنى ملكه وشاده... فان يكن ما نحن فيه صوابا فابوك اوله، وان يك جورافابوك اسسه، ونحن شركاؤه وبهديه اخذنا وبفضله احتذينا، ولولا ما سبقنا اليه ابوك ماخالفنا ابن ابي طالب واسلمنا له. ولكنا راينا اباك فعل ذلك فاحتذينا بمثاله واقتدينابفعاله...»((200)) .

ويؤكد الامام علي (ع) هذا الامر في غير موضع، فعندما يطلب اليه العباس البيعة، يقول:«وهل يطمع فيها طامع غيري‏» . ((201)) «فلما مضى (الرسول) (ص) تنازع المسلمون الامر من بعده، فواللّه ما كان يلقى في روعي‏ولا يخطر ببالي ان العرب تزعج هذا الامر من بعده (ص) عن اهل بيته، ولا انهم منحوه عني‏من بعده‏»((202)) .

ومن اجل قطع الطريق على محاولات الالتفاف على خلافة علي، فقد عمد الرسول (ص)الى تعبئة المهاجرين في جيش اسامة المتوجه الى الشام ابان مرض الرسول ((203))ولم يستثن من كبارهم الا عليا في حين انه ارسل ابا بكر وعمر((204)) بحيث‏انه (ص) اذا توفي لا يجد الناس الا عليا للبيعة.

هذا وقد وردت اقوال متكررة للامام يذكر فيها حقه وتراثه، وكلها تقصد ما ذكر من امرالوصية. واذا كان الخلفاء الاولون رفضوا امضاء هذه الوصية او حتى الاعتراف بها، فالعذر انهاليست مما امر الرسول (ص) بتدوينه بصيغة رسمية، فقد منع من ذلك، وهو على فراش‏الموت.

وهذا الراي يمكن فهمه من كلام بعض الخلفاء، فهذا عمر يحاور ابن عباس، فيقول: «ايزعم(علي) ان رسول اللّه (ص) نص عليه؟ فيقول: «نعم، وازيدك: سالت ابي عما يدعيه، فقال:صدق‏».

فيقول عمر: «لقد كان من رسول اللّه (ص) في امره ذرو من القول لا يثبت حجة ولايقطع عذرا، ولقد كان يربع في امره وقتا ما، ولقد اراد في مرضه ان يصرح باسمه فمنعت من‏ذلك اشفاقا وحيطة على الاسلام... فعلم رسول اللّه (ص) اني علمت ما في نفسه، فامسك‏وابى اللّه الا امضاء ما حتم‏»((205)) .

من هنا نستطيع التاكيد ان الرسول (ص) اوصى لعلي (ع) بعد ان مهد لذلك بذكر م‏آثره‏وفضائله، واستخدم جميع المصطلحات الدالة على حقيقة الايصاء، كالولاية على المسلمين‏والوراثة، ثم الوصاية، من دون التمكن من اصدار وثيقة رسمية ممهورة بخاتمه ويشهد عليهاالشهود عن طريق توقيعها، كما سيفعل ابو بكر عندما عهد لعمر بالخلافة، وكما سيفعل خلفاءبني امية والعباس عندما يعهدون الى اولياء عهودهم في ما بعد. وبهذا يكون النبي اراد حسم‏الامر، وحسمه من الناحية الفعلية.

علي والخلفاء تثير هذه المسالة، كما عولجت في كتاب الدكتور بيضون، عددا من الاشكالات، تتصل‏بموضوعات مثل تقويمه العام للتجربة الراشدية التي سبقته، ورايه في مواقف عمر ومدى‏توافقه مع سياساته، وكذلك قضية تنظيم الديوان، ثم موقعه في تجربة الخليفتين ابي بكروعمر وتماثله معهما في مواقفه.

موقف علي من التجربة التي سبقته:

لم يكن علي مقتنعا بالتجربة التي سبقته، وقد اشار الى ذلك في مناسبات عديدة، فهو يعداساسها خاطئا، ويرى فيها اغتصابا لحقه، واستمتاعا من قبل اشخاص لا يساوونه في‏استحقاقها، دفعوها في سبل كان يرى فيها الضرر على الامة، وهو لم يكن يتخذ هذا الموقف‏في وقت من دون وقت، بل عبر عنه عندما تمت بيعة ابي بكر، كما عاد وعبر عنه غير مرة‏ابان خلافته.

ففي مسالة اساس الخلافة، او «مصدر الشرعية‏» بلغة الحقوق اليوم، يرى الامام علي (ع) انهاالوصية من الرسول (ص) اساسا، وان تكن هذه الوصية لم تصدر بشكل رسمي موثق، فهويجمع بقية من شهد حجة الوداع وخطبة الرسول في غدير خم، ويستشهدهم، فيشهدون‏جميعا باستثناء انس بن مالك، فيدعو عليه الامام (ع) بقوله: «ان كنت كاذبا فضربك اللّه بهابيضاء لامعة لا تواريها العمامة‏»((206)) .

ومن هنا كان رفضه للقرابة والصحابة اساسا لشرعية الخلافة، اذ يقول: «واعجباه اتكون‏الخلافة بالصحابة والقرابة‏»((207)) .

اما تعليقه، بعدما بلغته حجج المهاجرين في مواجهة الانصار، فلا يمكن حمله على انه‏اساس للشرعية، فقد بلغه ان المهاجرين احتجوا بانهم شجرة الرسول (ص). فقال:

احتجوابالشجرة ونسوا الثمرة((208)) فهذا يمكن تصنيفه في باب مجادلة الحجة، لاالتسليم بصلاحيتها.

واذا كان علي (ع) قال يوما: «على المسلمين بعدما يموت امامهم او يقتل... ان لا يعملواعملا.. قبل ان يختاروا لانفسهم ((209)) فانه لا يمكن حمل هذا القول على‏انه يؤمن اماما» بالاختيار وسيلة وحيدة، اذ لا بد من ربط هذا القول باقوال الامام الاخرى التي‏يذهب فيها مذهبا مختلفا (وقد ذكرنا سابقا نماذج منها) ومن هنا، وفي سبيل اكتشاف الراي‏الحقيقي للامام (ع) نرى انه يعد الوصية اساس الشرعية، وانه اذا لم يؤخذ بالوصية اساسا،فان الامام (ع) الحريص على وحدة المسلمين وعلى انتشار الاسلام، لا يرى ترك الامرللاراء والاهواء، فيحدد الطريق الاحتياط‏ي. ثم هو يقرن الاختيار بشروط هي ان يكون‏المختار للامامة «عفيفا عالما ورعا عارفا بالقضاء والسنة‏» كما راينا، وهذا لا ينطبق على‏الكثير من الناس. وقد ياتي الامر محددا اكثر عندما يقول: «احق الناس بهذا الامر اقواهم‏عليه واعلمهم بامر اللّه فيه‏»((210)) .

ومن هنا، فاننا اذ نوافق الدكتور بيضون على ان الامام علي مارس «الاختلاف على قاعدة‏الوحدة‏»، مع ابي بكر، «ولم يكن امامه سوى الالتزام بهذه المعادلة مع عمر» (ص 36).

فهو بقي دائما يصر على ان الخلافة حقه وتراثه، وان الاخرين اغتصبوها، فهو يقول: «لناحق فان اعطيناه والا ركبنا اعجاز الابل وان طال السرى‏»((211)) تدليلا على‏استمرار حقه بالخلافة، ثم يقول: «ما زلت مظلوما منذ قبض اللّه نبيه حتى يوم الناس‏هذا»((212)) . واخيرا هو يرى ان ما فعله المسلمون به هو الغدر الذي انباه به‏الرسول (ص): اما ورب السماء والارض (ثلاثا) انه لعهد النبي الامي الي، لتغدرن بك الامة‏من بعدي‏»((213)) ولكن الامام (ع) مع ذلك لم يدر ظهره «للامة‏»، بل هو، وان كان لا ينسى التذكير بحقه، لم‏يكن يفرط بواجبه في الدفاع عن الاسلام، فيقول عند بيعة ابي بكر: «سلامة الدين احب‏الينا»((214)) ويقول عند بيعة عثمان: «قد علمتم اني احق بها من غيري، وواللّهلاسلمن ما سلمت امور المسلمين، ولم يكن فيها جور الا علي خاصة‏»((215))على ان عليا (ع) لم يعبر عن رايه في الخلفاء جملة وحسب، بل هو يحدد مواقفه من كل.

منهم على حدة، وفيما يرى الدكتور بيضون موقفا ايجابيا على نحو عام فاننا نرى ان‏الامر بحاجة الى تفصيل.

علي وابو بكر:

يرى علي (ع) انه كان احق بالخلافة من ابي بكر وان ابا بكر اغتصبها، وهذا ما يؤكده في‏خطبته «الشقشقية‏» ابان خلافته فيقول: «واللّه لقد تقمصها ابن ابي قحافة، وانه ليعلم ان محلي‏منها محل القطب من الرحى‏»((216)) . ثم يضيف معلقا على شورى عمر: «فيا للّهوللشورى متى اعترض الريب في مع الاول منهم‏». ويفسر ابن ابي الحديد «الاول‏» هنا بانه‏ابو بكر اول الخلفاء((217)) .

كما ياخذ علي (ع) على ابي بكر انتزاع فدك من ايدي آل بيت الرسول (ص) فيرى في‏ذلك شحا من قبل الخليفة وسخاء من قبل آل البيت (ع) يقول علي (ع): بلى كانت في‏ايدينا فدك من كل ما اظلته السماء، فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس قوم‏آخرين، ونعم الحكم اللّه»((218)) .

ومع ذلك، فان الدكتور ابراهيم بيضون يذهب الى ان عليا «انخرط بمل‏ء ارادته في خلافة‏ابي بكر، ومنحها كل تاييده لتتمكن من التغلب على تحديات المرحلة الصعبة، وبدورها لم‏تدخر فرصة للتعاون معه، خصوصا وانها عملت على تصليب جبهة المهاجرين‏» .

ولكن بيضون يعود فيرى ان ابا بكر لم يتعد في تعاونه مع علي مسالة استشارته، ثم يوردرواية لابن الاثير تقول ان الامام كان يكتب لابي بكر((219)) .

فان يكون الامام انخرط في خلافة ابي بكر، فنحن لا نرى آثار ذلك، في اكثر مما اورده‏الدكتور بيضون من طلب الاستشارة، وبخاصة في امور المعاملات والعقوبات، وهذا وحده‏ليس بالدور الذي اهل الرسول (ص) له عليا (ع) وهذا ما ينقض ان يكون ابو بكر لم يدخرفرصة للتعاون مع علي. وهذا مما يؤكد الموقف السلبي، سياسيا، من علي، وعدم التعاون في‏الامور المهمة مع من راى احقية علي يوما، فقد اءعفي خالد بن سعيد بن العاص من قيادة‏الجيوش المتوجهة الى الشام، على يد ابي بكر، بطلب من عمر، لانه مال بعد وفاة الرسول الى‏بني عبد مناف وبخاصة علي((220)) هذا في الوقت الذي ولى قادة من بني امية، ولم‏يول احدا من بني هاشم.

علي وعمر:

يجد الدكتور بيضون اصداء للعلاقة «الايجابية بين الاثنين في نهج البلاغة‏»، ويورد دليلا على‏ذلك قول علي: «قوم الاود وداوى العمد وخلف الفتنة واقام السنة. ذهب نقي الثوب، قليل‏العيب، اصاب خيرها وسبق شرها، ادى الى اللّه طاعته واتقاه بحقه. رحل وتركهم في طرق‏متشعبة، لا يهتدي فيها الضال ولا يستيقن المهتدي‏»، آخذا بالراي الذي يذهب اليه ابن ابي‏الحديد في ان هذا القول اطلقه الامام (ع) في حق عمر.

واذا ما استعرضنا اقوال علي (ع) في عمر بن الخطاب وجدنا هذا القول لا ينسجم معها، الا ان‏يكون جانبا من راي وليس تقويما شاملا للخليفة الثاني، ونحن هنا لا نقولها الا خدمة‏للحقيقة. فقد حاول عمر متسلحا بالسلطة بعد ولاية ابي بكر الخلافة ان يرغم عليا على‏البيعة، مهددا، فاجاب علي: «انا احق بهذا الامر منكم، لا ابايعكم وانتم اولى بالبيعة لي‏»...فقال عمر: «انك لست متروكا حتى تبايع‏». فقال له علي: «احلبه يا عمر حلبا لك شطره،اشدد له اليوم امره ليرده عليك غدا»((221)) وفي خطبته الشقشقية بعد ولايته‏الخلافة ذكر علي عمر فقال: «... حتى مضى الاول (ابو بكر) لسبيله، فادلى بها الى ابن‏الخطاب بعده... فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته، اذ عقدها لاخر بعد وفاته، لشد ماتشطرا ضرعيها، فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ويخشن مسها، ويكثر العثار فيها،والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة ان اءشنق لها خرم وان اءسلس لها تقحم، فمني الناس لعمر اللّه بخبط وشماس وتلون واعتراض، فصبرت على طول المدة وشدة‏المحنة‏»((222)) ثم ينتقد علي (ع) شورى عمر بقوله:

«فجعلها في جماعة زعم اني‏احدهم، فيا للّه وللشورى...»((223)) .

اما على صعيد اقامة السنة، فيكفي للتدليل على موقف علي (ع) من هذا، رفضه البيعة من‏قبل عبد الرحمن بن عوف على اساس اتباع سيرة ابي بكر وعمر بعد القرآن وسنة‏الرسول (ص) وذلك حين خاطبه عبد الرحمن بن عوف قائلا: «عليك عهد اللّه وميثاقه‏لتعملن بكتاب اللّه وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده‏»؟ قال: «ارجو ان افعل واعمل بمبلغ‏علمي وطاقتي‏»((224)) . ولعل اهم ما خالف علي به عمر مسالة العطاء، اذ جعل‏عمر اصحاب العطاء طبقات((225)) فيما سار علي بسنة الرسول وسيرة ابي بكربعده بالمساواة في العطاء بين الجميع((226)) .

ولعل من نافل القول: ان عمر لم يكن شديد التمسك بالسنة، لا في حياة الرسول (ص) ولابعد وفاته. ففي حياته (ص) عارض موقفه في شان صلح الحديبية، وبعد وفاته، منع من كتابة‏السنة((227)) وكثيرا ما كان يصرح بمخالفته الرسول (ص) بامور((228)) .اما في مسالة العطاء وبالتالي في تدوين الديوان، فان عليا (ع) الذي ساوى بين «الابيض‏والاحمر» في عهده، في العطاء، فلا يعقل ان يوافق على الطبقات في هذه المسالة، ثم هو ان‏وافق على التمييز، فلم يكن ليفضل احدا على آل الرسول (ص) الذين كان يفضلهم‏الرسول (ص) وذلك بدليل اقواله التي اوردناها سابقا، ومنها: «لا يقاس ب‏آل محمد (ص)من هذه الامة احد»... ويذهب الدكتور بيضون الى ان عمر ولى القضاء عليا، وقد وجدنا في‏تاريخ الطبري انه «قيل: كان على قضاء الكوفة في السنة التي توفي فيها عمر بن الخطاب (ر)شريح وعلى البصرة كعب بن سور. واما مصعب بن عبداللّه فانه ذكر مالك بن انس وروى عن‏ابن شهاب ان ابا بكر وعمر(ر) لم يكن لهما قاض‏»((229)). وقد حصل ان هم عمرغير مرة باصدار حكم لولا ان تدخل علي، وهذا يدل على ان عمر لم يول عليا (ع) القضاءوالا لما كان تدخل علي عرضيا، ومن القضايا التي تدخل فيها علي (ع) فغير عمرحكمه:

امر عمر برجم مجنونة فنبهه علي، وقال: «ان القلم مرفوع عن المجنون حتى يضيق‏»، فقال‏عمر: «لولا علي لهلك عمر»((230)) .

هذا ويذكر بيضون ان عمر ولى عليا (ع) اعمال الخلافة عندما غادر المدينة الى بيت‏المقدس ليتسلمها، ويرجع في ذلك الى ابن الاثير. وما يقوله ابن الاثير انه «سار من المدينة‏واستخلف عليها علي بن ابي طالب‏»((231)) اما الطبري فيقول:

«استخلف عليا»((232)) واذا كان المؤلف يستنتج ان في ذلك ما يدل على تكريم لعلي او تقديمه‏فاننا لا نرى الامر على هذا القدر من الاهمية، خصوصا وان عمر كان يصطحب من يراه‏مهما كعبد الرحمن بن عوف((233)) وان الرسول (ص) كان يولي ابن ام مكتوم على‏المدينة عند غيابه.

اما مسالة الشورى وما لابسها، فهي تدل على موقع علي الفعلي في نظر عمر، فاذا كان يرى‏ان عليا (ع) ... احرى ان يحملهم على طريق الحق‏»((234)) الا انه خطط للشورى‏بحيث تاتي في صالح عثمان لا في صالح علي (ع) ذلك انه كان معروفا ان عليا لا امل له‏الا بالزبير، وحتى لو استطاع ان يحصل على صوت واحد آخر، ويصبح المشيرون ثلاثة‏مقابل ثلاثة، فان الامر لن يكون له، لان عمر جعلها في واحد من الثلاثة الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف اذا لم يرضوا بحكم عبداللّه بن عمر((235)) . ولو ان الامر كان ثلاثة‏مقابل ثلاثة لما كان ينتظر ان يحكم عبداللّه بن عمر لصالح علي، وهو الذي سوف يمتنع عن‏بيعته يوم بايعه المهاجرون والانصار والثوار، وذلك خلافا لمذهبه الذي يرى «الصلاة وراءمن غلب‏»، اي انه عندما تقع الفتنة يتربص منتظرا النتيجة فيؤيد من يغلب وهذا كان موقفه‏في وقعة الحرة. وقد ايد الحجاج ودفع اليه زكاة امواله بعد انتصاره على عبداللّه بن‏الزبير((236)) .

ويؤكد المؤلف على «مدى العلاقة‏» بين علي وعمر، ويقول: «...

يتخذ علي حضوره الكبيرفي عهد عمر، ويستاثر من بين الصحابة بالصدارة فيه‏» (ص 37).

ولعل الاصح ان يذكر علي (ع) من بين من كان يستشيرهم عمر في المعضلات عندما كانت‏تستعصي الحلول. اما اكثر الناس قربا من عمر فلا بد من ان يكون عثمان الذي سهل له عمرسبيل الخلافة كما بينا، وعبد الرحمن بن عوف، بدليل ما يورده ابن سعد من ان اجرا الناس‏على عمر من بين الصحابة عبد الرحمن بن عوف، فقد ذكر في الطبقات الكبير انه «اجتمع‏علي وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد، وكان اجراهم على عمر عبدالرحمن بن عوف، فقالوا: لو كلمت امير المؤمنين للناس فانه ياتي الرجل طالب الحاجة‏فتمنعه هيبتك ان يكلمك في حاجته...»((237)) .

اما مسالة الشورى وقبول علي (ع) بها، فلنا عليها ماخذ اساس يتمثل باختصار موقف علي‏بما حدث به «ابن عباس الذي اشار عليه بعدم الدخول فيها بانه يكره الخلاف‏» .

وقد بحث هذا الامر كثيرا على ايدي الكتاب المسلمين الذين فسروا موقف علي (ع)تفسيرات مختلفة، الا اننا لو اردنا تقصي موقف علي (ع) لوجدناه الموقف نفسه الذي يقفه‏من عمر على طول الخط، والذي يوضحه في الشقشقية فيقول بعد ذكره تقاسم مزايا الخلافة‏بين ابي بكر وعمر، وان عمر صيرها الى مازق خطير، «حتى اذا مضى (عمر) لسبيله، جعلهافي جماعة زعم اني احدهم، فيا للّه وللشورى! متى اعترض الريب في مع الاول منهم (ابي‏بكر حسب تفسير ابن ابي الحديد)، حتى صرت اءقرن الى هذه النظائر، لكني اءسففت اذاسفوا، وطرت اذ طاروا، فصغى رجل منهم لضغنه (سعد وامه اموية) ومال الاخر (عبدالرحمن) لصهره، مع هن وهن‏»((238)) .

هذا، وقد كان علي (ع) قد ناقش الامر مع ابن عمه عبداللّه بن عباس الذي قال له: «ذهب‏الامر منا، الرجل يريد ان يكون الامر في عثمان‏» فقال علي (ع): وانا اعلم ذلك، ولكني‏ادخل معهم في الشورى، لان عمر قد اهلني الان للخلافة، وكان قبل يقول:

ان رسول‏اللّه (ص) قال: ان النبوة والامامة لا يجتمعان في بيت، فانا ادخل في ذلك لاظهر للناس‏مناقضة فعله لروايته‏»((239)) .

وهكذا فان عليا (ع) لم يكن يؤيد خلافة اي من الخلفاء الذين سبقوه، لانه كان يرى انه هوالاحق بالخلافة، وهذا الموقف لم يتغير. ولكن عليا ما كان ليدير ظهره للاسلام، ولهذا فقدشارك وسالم «ما سلمت امور المسلمين‏»، وهذا لم يكن يعني قبولا شرعيا بخلافة سابقيه،الذين لم يكن يرى انهم ياتون حتى في المرتبة الثانية بعده، ذلك ان الخلافة ان لم تؤل اليه‏فكان يجب ان تؤول الى الانصار الذين حموا الاسلام ونشروه في ايامه الاولى وطوال عهدالرسول (ص). وهذا ما يؤكده علي (ع) حين يقول: «ولما احتج المهاجرون على الانصاريوم السقيفة برسول اللّه (ص) فلجوا عليهم، فان يكن الفلج به، فالحق لنا دونكم، وان كان‏بغيره، فالانصار على دعواهم‏»((240)) فالانصار «هم واللّه ربوا الاسلام كما يربى الفلومع غنائهم بايديهم السباط والسنتهم السلاط‏»((241)) .

وبالمقابل، فان الخلفاء كانوا يستبعدون لا عليا (ع) وحسب بل كل بني هاشم عن المراكزالاساسية، وبشكل متعمد، وهذا ما عبر عنه عمر حين قال لابن عباس: «ان قومكم كرهوا ان‏تجتمع لكم النبوة والخلافة فتذهبون في السماء بذخا وشمخا»((242)) وقد لخص عثمان موقف من حكم قبله من بني هاشم عموما بقوله لابن عباس: «ولقد علمت‏ان الامر لكم. ولكن قومكم دفعوكم عنه واختزلوه دونكم، فواللّه ما ادري، ارفعوه عنكم ام‏رفعوكم عنه‏»((243)) .

خلافة علي (ع) يمكن ان ندرج هنا عددا من المسائل تتعلق برفض قريش خلافة علي، وبانسحاب طلحة‏والزبير الى مكة، ثم تعيين محمد بن ابي بكر واليا على مصر.

رفض قريش خلافة علي ففي موضوع رفض قريش قبول خلافة علي، يرى الدكتور بيضون ان قريشا كانت ترفض‏نهج علي الاصلاحي وشدته التي ستساويها بغيرها، فهو يقول: «.. اصطدم النهج الاصلاحي‏بنهج قبلي تقوده قريش نفسها على هذا الاساس ضد علي، لانها كانت تدرك انه شديدعليها. والشدة هنا تعني مساواتها بغيرها من القبائل التي تتخذ مكانها في مجتمعه، بقدر ماهي منخرطة فيه على قاعدة العقيدة‏» .

ونحن نرى ان الاجمال هنا كان لا بد من تفصيله، فمسالة المساواة، وان كنا نؤيد الدكتوربيضون في كونها سببا، الا اننا نرى انه الى جانب عزمه على مساواة قريش بغيرها من‏القبائل، فان عليا (ع) كان يزمع مساواة الناس في العطاء وضيعهم وشريفهم بحيث لا يكون‏ايما تفاوت، على عكس ما كان عليه نهج عمر. وهذه المساواة هي التي اغاظت جميع‏زعماء القبائل بمن فيهم زعماء قريش، وقد حاول بعض اصحابه اقناعه بايثار بعض الزعماءليكسبهم الى جانبه فكان يقول: «اتامرونني ان اطلب النصر بالجور؟ لا واللّه لا افعل ما طلعت‏شمس وما لاح في السماء نجم. واللّه لو كان المال مالي لواسيت بينهم، فكيف وانما هي‏اموالهم...»((244)) .

وقد كان عمر قد اقام تفاضلا بين المسلمين على اساس السابقة والفضل والقرابة من‏الرسول (ص) مميزا زوجات الرسول وبخاصة السيدة عائشة، فكان العطاء يتراوح بين اثني‏عشر الفا وبين مائتي درهم((245)) ولكنه اكتشف اخيرا خطا هذا التدبير فقرر العودة‏الى المساواة في العطاء حيث قال:

«لئن بقيت الى الحول لالحقن اسفل الناس باعلاهم‏»، او«لالحقن آخر الناس باولهم ولاجعلنهم رجلا واحدا»((246)) .

وقد التبس الامر في كتاب الدكتور بيضون، فورد ان عليا (ع) توخى «العدالة في العطاءبتنظيمه على قاعدة الاسبقية والبلاء».

ولعل الصحيح هو ما ذكرناه من ان عليا (ع) جعل‏الاجر عند اللّه لا في العطاء الذي يجب ان يكون متساويا عند جميع الناس.

هذا الى ان عليا (ع) والانصار، قد وتروا قريشا في معركتي بدر واحد بخاصة، حيث كان‏خلفاء المستقبل يتحاشون القتل في قريش كما تتحاشى قريش احيانا قتلهم، فقد قال‏عثمان لعلي:

«ما اصنع ان كانت قريش لا تحبكم وقد قتلتم منهم يوم بدر سبعين كان‏وجوههم شنوف الذهب تصرع انفهم قبل شفاههم‏»((247)) هذا في حين ان عمر مثلايقول لسعيد بن العاص في المسجد: اتظنني قاتل ابيك يوم بدر؟ واللّه لقد رايته كالثورعاقصا قرنه. فقال: الي يا ابن الخطاب، فزغت عنه وصمد له علي فقتله. فقال سعيد: لو قتلته‏لكنت على الحق وكان على الباطل((248)) . كما عف خالد بن الوليد عن قتل عمربن الخطاب يوم احد، وكان رآه متوجها الى الشعب فعرفه ولم يعلم احدابذلك((249)) علما بان ام عمر، وهي حنتمة بنت هاشم بن المغيرة، من بني مخزوم‏وهي ابنة عم خالد بن الوليد.

انسحاب طلحة والزبير الى مكة:

يذكر الكاتب ان طلحة والزبير انسحبا سرا الى مكة .

والسؤال الذي يطرح: لماذا انسحبا سرا وليس علنا، فهل كان علي (ع) يضيق عليهما؟ ان‏منهج علي (ع) لم يكن التضييق على احد، بدليل انه لم يضيق حتى على الخوارج الذين‏كانوا يكفرونه ويتجمعون، فكيف يضيق على طلحة والزبير، وهذا الراي تعضده الروايات‏التاريخية، فقد روى الطبري ذلك قائلا:

«استاذن طلحة والزبير عليا في العمرة فاذن لهمافلحقا بمكة‏»((250)) وذكر ابن الاثير ان طلحة والزبير طلبا من علي ان «ائذن لنانخرج من المدينة فاما ان تكاثر واما ان تدعنا»((251)) . وجاء في الامامة والسياسة:«اتى طلحة والزبير الى علي فقالا: يا امير المؤمنين، ائذن لنا في العمرة، فان تقم الى‏انقضائها رجعنا اليك، وان تسر نتبعك. فنظر اليهما علي وقال: نعم. واللّه ما العمرة تريدان،وانما تريدان ان تمضيا الى شانكما، فمضيا»((252)) وجاء في «مروج الذهب‏»:«ودخل طلحة والزبير مكة، وقد كانا استاذنا عليا في العمرة. فقال لهما:

لعلكما تريدان‏البصرة او الشام، فاقسما انهما لا يقصدان غير مكة‏»((253)) .

ونحن ما كنا لنقف عند هذه المسالة لولا انها ذات مساس بحرية الانسان عند علي (ع) الذي‏لم يكن يستحل احتجاز الناس دونما ذنب ارتكبوه، وهذا ما ميزه طوال مدة خلافته.

تولية محمد بن ابي بكر على مصر:

يناقش الدكتور بيضون مسالة عزل قيس بن سعد عن مصر (ص‏77) فيخلصها من التناقض‏بين شك علي (ع) في اخلاص سعد، الذي اثبتت الايام زيف ادعاء من ادعاه بدليل كون‏سعد الى جانب علي (ع) في معاركه في ما بعد.