الصفحة السابقة

الصفحة التالية

الوقت الذي تحتاجه الحركات الاسلامية، في مصر والجزائر، لتتحول الى حكومات‏اسلامية، الوقت الذي يحتاجه اقتصاد الجمهورية الاسلامية للازدهار والتحرك، الوقت اللازم لحدوث تغييرات في البنى السياسية لحكومات مجلس تعاون دول الخليج‏الفارسي العربية، الوقت اللازم لكي تصل التطورات في القارة الامريكية الى نتائج، الوقت الذي تحتاجه سياسة التغيير في الصين كي تصل الى حالة التعادل.

ومن المسلم به ان العوامل المذكورة ليست كافية، لكنها مصيرية بما فيه الكفاية. والسبب،في هذا التفصيل الذي عرضته، هو بيان كيفية محاسبة الوقت. والحقيقة اننا نحتاج في تخمين‏الوقت ومحاسبته الى عملين مهمين، هما:

الاول، تعداد العوامل المؤثرة في التغيير الذي نبحثه، الثاني، استخراج العوامل الاساسية من بينها ومحاسبة وقت (زمن) عملها، ومن ثم استخراج‏معدل وقت العمل.

المسالة الثانية: علينا ان نفهم ان جذور الوضع التالي «و 1 تكون في الوضع الحالي‏«و».

وبعبارة ادق، يكون التحول من «و» الى «و 1 تابعا لقسمين من العوامل:

القسم الاول: العوامل الخارجة عن ارادة الفرد، مثل: الزلزال والقحط والاقدار التي يعبر عنهابلغة العالم الليبرالي ب «حدث‏» و «حظ‏».

والقسم الثاني: العوامل التي لها صلة بعمل الانسان الارادي.

وهذا القسم من الاعمال هوالذي يمكن بحثه ودراسته علميا، وهو الارضية التي تغرس فيها البذور لكي تؤتي في‏النهاية ثمارها في الوضع التالي «و 1.

وقولنا في «النهاية‏» سببه ان آثار العمل تظهر احيانا في الاوضاع الوسيطة، وفي تلك الحالة‏تتهيا الارضية لاعمال اخرى تفضي بالنتيجة الى الوضع الثابت التالي «و 1. وعلى هذا، فان‏معرفة الوضع الحالي بدقة من مستلزمات الحصول على صورة تستند على اساس علمي،عن المستقبل.

المسالة الثالثة: اما وقد عددنا العوامل (اللاعبين) المؤثرة في الوضع الحالي، فلا بد من دراسة‏الصورة التي يقدمها كل واحد منها عن الوضع الحالي بشكل مستقل. والملفت للانتباه ان هذه‏العوامل تمتلك صورا مختلفة عن الوضع، حتى ان بعض القوى الداخلية الفاعلة تمتلك‏صورا مختلفة ايضا! واليكم بعض الامثلة:

ا تعتقد امريكا، وكما اشرنا من قبل، ان الفرصة مؤاتية حاليا لتثبيت زعامتها على العالم‏باجمعه. وتسعى الى هذه الزعامة على اساس مسوغ عقلاني مفاده ان نظام الديمقراطية‏الليبرالية افضل نظام اجتماعي واكمله، اما من الناحية العملية فان الكتلة الغربية تتبعهاباعتبارها افضل تجمع دولي لحل مسائل العالم ومشاكله، بينما اضحت المنظمة الدولية‏الاداة المشرعة لهذه الحكومة العالمية ووسيلتها في السيطرة.

ب وترى اوروبا الغربية نفسها، وبخاصة المانيا، في موقع ممتاز يخولها الدخول الى الساحة‏العالمية باعتبارها لاعبا قويا ومؤثرا، كان تحصل على عضوية دائمة في مجلس الامن،وتكون في مستوى الاخرين. ومع انها لا ترتضي زعامة امريكا للغرب، لكنها مستعدة‏للتفاوض حول ذلك في الظروف الراهنة، اي قبول زعامة امريكا بشكل آني مقابل الحصول‏على عضوية دائمة في مجلس الامن.

ج بينما ترفض الصين زعامة الغرب وامريكا معا! وترى ان احياء نفسها، بوصفها قوة آسيوية‏مهمة تلتف حولها سائر الدول، امر عملي. وترى، ايضا، ان الظروف الحالية هي ظروف‏التحديث التي تجاوزتها، وانها تمر بمرحلة مرونة مشروطة ونفعية مع الغرب.

د اما ايران فترى ان انهيار الامبراطورية السوفييتية فتح امامها مجالات جديدة للعمل،وتعتقد ان بامكانها اداء دور على الساحة العالمية الى جانب عدم قبولها التام بزعامة الغرب‏وامريكا.

وتحاول ايران تخط‏ي مراحلها الاولى في التنمية، بينما تنتظر ثمرات جديدة‏ومهمة للحركة الاسلامية.

المسالة الرابعة: يتخذ كل لاعب فاعل سياسة معينة على الساحة العالمية، على اساس‏الصورة التي يمتلكها عن الوضع الحالي (اضافة الى العوامل الاخرى الموجودة في انموذجه‏السلوكي). ومع ان هذه السياسة المتخذة من قبل العامل تهدف الى تحقيق الوضع المنشود،فانها، على مستوى الواقع، ومن زاوية خارجية، تؤدي بدورها الى ظهور اوضاع وسطية‏تختلف كليا عن تصورات اللاعب. وان دراسة هذه الخصوصيات بدقة تمكن المشاهدالخبير عمليا من الحصول على صورة حقيقية عن الوضع الذي سيستقر بالنهاية (اي: والمسالة الخامسة: لا بد من التمييز تمييزا تاما بين الحلول المقترحة وبين الفهم الواقعي 1). للوضع المستقبلي (و 1). فالحلول المقترحة بالنسبة للاعب قد يكون مصدرها داخليا،او قد تكون قائمة على اساس موقف «خيالي‏» بالكامل لا يستند الى نظرية عملية. وطبعاعلى اصحاب تلك الحلول ان يستندوا الى صور واقعية عن الوضع المستقبلي. وللاسف‏الشديد، نشاهد في العديد من الاحيان ان الخبراء الحكوميين (عندنا وفي سائر الدول)يفضلون اصلاح الحلول والمقترحات المقدمة الى اصحاب القرار وتعديلها، بدل السعي الى‏امتلاك مثل تلك الصورة عن الوضع المستقبلي، ولا انكر ان امتلاك صورة حقيقية عن‏الوضع عمل علمي، وربما لا يستطيع الخبير (لمجرد انه خبير) الحصول عليها، بل الخبيريكون حلقة وصل بين العالم المتخصص واصحاب القرار.

ولهذا، يرد الاشكال نفسه على‏علماء السياسة العالمية، اي انه عليهم تقديم صورة حقيقية عن القضايا، لا عن الصوروالتحليلات التي يرتضيها رجال السياسة ويطبل لها رجال الاعلام، ففي المعارف التي‏تسمى العلوم الانسانية، مثل الفلسفة، علم الاجتماع، السياسة، العلاقات الدولية والاقتصاد،نجد هذا الخطر اكثر مما هو في سائر العلوم، لان البحث غير العلمي في مجال العلوم الطبيعية‏يكتشف بسرعة، بينما لا يتضح ذلك في العلوم الانسانية بتلك الكيفية، والسبب تداخل‏عوامل مهمة في الامر. وان احد الاهداف التي يرمي اليها هذا البحث هو لفت انتباه رجال‏السياسة وخبراء السياسة الخارجية الى هذه القضية، وكذلك دفع الباحثين الشباب لاستخدام‏اساليب دقيقة في الابحاث السياسية (والحكومية) .

3- في هذه الفقرة، ساحاول توضيح الصورة التي حصلت عليها عن اوضاع العالم مستقبلامن خلال الاسلوب الذي بينته اعلاه.

وقد يحتاج تفصيل ذلك الى كتاب مستقل بذاته، الاانني تطرقت اليه في كتابات اخرى((364)) .

وفي هذه الصورة اتوقع ثلاث مراحل متوالية واساسية لمستقبل العالم:

المرحلة الاولى: مرحلة «البحث عن الهوية‏» بالنسبة للشعوب.

ومن العوامل المؤثرة، في‏ذلك، سرعة الاتصال ونشر مظاهر الثقافة الغربية من النوع الاوروبي الامريكي، وعلى‏نطاق واسع، ورغم ان هدف الغرب من ذلك ايجاد هوية موحدة، الا ان نتائجه عكسية‏تماما. فالشعوب المستهدفة من خلال ذلك النشر والضخ ستسعى بعد مدة قصيرة من‏الانفعال الى البحث عن هويتها. ومن اهم نتائج هذه الحالة الروحية الاجتماعية، تزلزل‏اسس مشروعية الانظمة وصلاحيات السياسيين وتصرفاتهم. ومن نتائج هذه المرحلة، كثرة‏حالات التمرد والحركات الانفصالية والحركات المطالبة بالحكم الذاتي.

المرحلة الثانية: ظهور عناصر حكومية جديدة على اساس الهويات القومية الضيقة والمجزاة.فالشعوب التي تبحث عن هوية وبمساعدة العناصر السياسية الانتهازية تستند الى عناصرسطحية لخلق هوية لها، مثل القومية، الدين (بغض النظر عن مسالة حقانيته) اللغة والجغرافيا،فتقيم تجمعات عاملة متعصبة ونشطة جدا. ولربما يكون هذا الثبات بعد مرحلة من‏الصراعات الدموية، لكن هذه الحالة تمتلك تعادلا نسبيا بين عوامل متطرفة جدا واخرى‏تعددية. وقد يكون التعادل، احيانا، بين تيارات من هذه المجموعة من الدول، حيث ان كل‏مجموعة تشكلت على اساس ظروف معينة. اهمها الظروف الجغرافية. ويمكن تسمية هذه‏الحالة بالوضع المستقبلي «و 1.

المرحلة الثالثة: التشكيك في اصالة الهويات، وينتج من صميم المرحلة الثانية، فعلى الرغم‏من ان الشعوب (ودولها) تشعر لمرحلة معينة بالهوية الجديدة، وتقيم بناء جديدا، لكن هذه‏الهوية ليست لها جذور! والتشكيك في اصالة الهوية السائدة (وهي في الغالب عاطفية‏ووراثية او عرقية وعصبية) بداية للمرحلة الثالثة التي يمكن تسميتها بمرحلة البحث عن‏الحق. وفيما لو وصلت هذه المرحلة الى نهايتها، يجب ان ينجذب الجميع الى الحق الاصيل‏وتكون هناك حكومة صالحة لادارة العالم. وطبعا عاش جميع عقلاء التاريخ بامل ذلك‏اليوم وما زالوا ينتظرونه! 4- الذي نلاحظه بوضوح، في المناهج الاربعة ل «الشمولية‏» العالمية الليبرالية! هو التسليم‏الكامل لسلطة «الالة‏» والوسائل ونسيان «المحتوى‏» . ومما ساعد في ذلك، هو «الحياد»الفلسفي الذي ترفعه الديمقراطية الليبرالية شعارا لها! فلماذا نتجاوز بسهولة حالة الاكتشاف‏الوصفي في الذهن الى حالة اقتراح الحلول؟ ولماذا يجرنا التوسيع الخط‏ي (الافقي) للاوضاع‏الى تقديم وصايا ساذجة؟ فمن البديهي ان يكون للصورة التي نمتلكها في اذهاننا عن‏القدرة وطبيعتها، دور مهم في ظهور هذه الزلات. ومن المهم جدا ان نؤمن بان قدرة هذاالمصدر تتلخص، في النهاية، في التاثير على ارادة الافراد فقط. فقوة الامبراطور وقدرته‏تتجليان بشكل سلطة عندما يطيعه اسراه ويستمعون الى اوامره خوفا على ارواحهم، وهذاتغيير في الارادة. فلو قرر الاسرى التمرد حتى لو كلفهم ذلك حياتهم، لن تكون هناك‏هيمنة، مهما كثرت المفاصل والسيوف! وهكذا القدرة الاقتصادية وسائر ادوات السلطة.

وبعد ان توصلنا الى المصدر، لا بد من الاعتراف بان تاثير الافراد في الارادة ليس امرا سهلا!فقد تكون لها صور جماعية مشابهة، لكن ذلك لا يعني بساطتها. وفي هذا المضماربالتحديد، تطرح مسالة «الحق‏» و «الحقانية‏»: فهل يمكن تعريف الحق بشكل مزيف على‏الدوام؟ لماذا لا نحتمل ان الحق اصيل ومتجذر، وفي مثل هذه الحالة، اين تكمن جذوره؟فهل هي في نفوس الاشخاص؟ واقصد بذلك الاشخاص جميعهم! فالحقيقة هي ان اكتشاف‏الحق ليس الا الرجوع الى الجذور، وما هو الا الكشف عن الاصل! وهذا ما ذكره بالتحديدحكيم اليونان، سقراط، عندما راى العودة (ذرخژح‏حددرح‏حث لذلك‏يمكن لجاذبية الحق الحقيقية ان تكون بنفسها حقيقة اساسية في بنية القدرة.

5- فلماذا لا نسعى الى بنية تسمح، في المرحلة الاولى، بظهور الحق؟ فحتى بالمقاييس‏الليبرالية لا يوجد مسوغ لمناهضة الحق، اليست الحرية من اجل امكان «الظهور» و «البروز»؟ولماذا نقترح بسرعة امرا يسد الطريق امام هذا الظهور؟ بعبارة اخرى: يظهر ان وحدة البشرية جعلتنا نرى التعددية خطرا! واريد القول: اننا لو قصدناالعقلانية في تصرفاتنا السياسية، فالخطوة الاولى هي: «قبول العالم بتعدديته الموجودة،بشكل مشروع‏».

6- الاصل الذي ذكرناه، في الفقرة السابقة، يعني من الناحية العملية قبول الجميع في البداية‏«رسميا» وباية هوية يمتلكونها! )بوصفها اصولية، وجعل آخرين في مركزها.

ولا ادعي، هنا، عدم ترجيح هوية على اخرى، بل يجب تحمل جميع الهويات على اساس‏السيرة العقلانية. ومن البديهي فهذه بداية: وبعد ان يشعر الانسان بالامن من خلال هويته‏الموجودة، يبدا بالتشكيك فيها، بينما لو تعرض دائما للتهديد، سيقوم بالدفاع فقط. لان‏الشك في الهوية في حالة وجود تهديد يعني الخسارة والاندحار. ويجب ان لا يترك هذاالشك ناقصا، بل يجب تتبعه حتى النهاية. والبحث المذكور في جذور الهوية، في حقيقته‏سير نحو «الجذور»، وهو بذلك البحث عن الحقانية.

احياء السعي الى الجذور (الحق) وانتهاج سبل التفاهم بين الهويات والان، نصل الى الاصل الثاني في سيرتنا العقلانية، وهو: «احياء السعي للوصول الى الجذور(الحق) انطلاقا من امن الهوية الموجودة‏».

فما هي اهمية هذا الاصل؟ والجواب هو: ان الغرب، منذ عصر التنوير (ژذحذژخخ‏خدذب وحتى اليوم، روج للعقل التقني‏والوسائلي، اما السعي الى كشف الجذور ومعرفة الحق فقد رآه «بلا فائدة‏»، وذلك في اكثرانتقاداته ادبا! ولذلك فقد اتحدت الحداثة بالعقلانية التقنية((365)) ولكن ما هي‏الحداثة الموجودة في العصر الحديث؟ فاكتشاف الوسائل الحديثة حدث على مدى عمرالحداثة، اذن، فالحديث الذي ياخذنا الى ما هو ابعد من الحداثة هو العبور من دائرة العقل‏التقني، وبديهي ان تكون ابرز علاماته (والسبيل الوحيد فيه) بداية ظهور هاجس الحقانية.وفي المناهج الاربعة التي ذكرتها سابقا حول مستقبل الوضع السياسي العالمي، نشاهدبوضوح قلقا ووقوفا حقيقيا امام اية محاولة للعبور من حدود العقلانية التقنية. وهذه ابرزعلامة للتحجر وبعبارة ادق للاصولية في نهج الديمقراطية الليبرالية! اما الاصل الثاني، فيقول لنا: دعوا البشرية تخرج من قشرية العقل التقني، وتبحث عن‏الحقانية حتى النهاية. تعالوا لنسلم بنتيجة هذا البحث بدل ان نشير اليه بقلق ونعده مصدرالخطر.

فربما حدثت، في هذه المرحلة، تطورات اساسية وظهرت نتائج غير مرتقبة. علينا ان‏نذهب الى استقبال صورة «حقة‏» عن العالم، لا ان نهرب منها جهلا! اما الاصل الثالث، وهو من اجل ثمرات العقلانية الاصيلة وتسهيل نموها، فهو: «السعي‏للوصول الى سبيل صحيح في «التفاهم‏» بين الهويات الموضوعية الموجودة‏».

لقد تعودنا دوما ان نكون نحن المحور في ثقافة التفاهم الغربي.

وعلى اساس هذا المنطق،ننظر الى للاخرين باعتبارهم مجرد ظاهرة لا اكثر! لذلك لم نسع ابدا الى اسلوب من التفاهم‏العلمي! فبسهولة نقدم ملاحظاتنا وتوصياتنا ومواعظنا، بينما كان علينا ان نقيم «علاقة‏» مع‏الاخرين قبل ذلك. ولماذا نعرف الوحدة بانها ترك الذات والالتحاق بالاخر؟ بينما الوحدة‏تعني اختيار اساس واحد للتفاهم بين ذوات مختلفة.

فهل تصورنا يوما ان «التفاهم‏» بين‏هويات مختلفة، قضية بديهية؟ ام ان الاخرين اقل قيمة من ان نفهمهم؟ وفي اعتقادي ان افضل استشراف للمستقبل هو احياء هاجس الحقانية، حتى لو قام الغرب‏بحذف منافسيه في الظاهر باستخدام القوة (او التطميع او كلاهما) فان فوزه هذا سيكون‏عابرا تماما. ان هاجس الحقانية، ومن ثم ظهور محورية الحق، كفيلان بان يقلبا شكل‏التجمع البشري بالكامل. واتوقع ايضا حربا وعنفا وصداما بين الهويات المختلفة. فعلينا ان‏لا نتصور العالم المقبل بمثابة اتساع افقي بسيط للوضع الحالي! ما يعد به مشروع الحوار بين الثقافات والحضارات
 ا. محمد دكير
 اقامة نظام عالمي جديد، في الالفية القادمة، على اساس من الايمان والقيم المعنوية والاخلاقية المشتركة بين الحضارات المعاصرة..» السيد محمد خاتمي الحضارة الغربية وتهافت وهم العالمية «اتقدم، هنا، باسم الجمهورية الاسلامية الايرانية باقتراح كاول خطوة للامم المتحدة في‏القرن القادم بان يسمى عام 2001م عام الحوار بين الحضارات، على امل ان يكون هذاالحوار خطوة اولى لتحقيق العدالة والحرية في العالم...».

بهذه الكلمات، ومن على منبر الجمعية العامة للامم المتحدة، سنة 1998م، اعلن الرئيس‏السيد محمد خاتمي مبادرته لاطلاق الحوار العالمي بين الثقافات والحضارات، من اجل‏اعادة النظر في طبيعة العلاقات الدولية لتخفيف التوترات الناجمة عن اتساع الهوة بين العالم‏الغربي المتقدم صناعيا وبين دول العالم الثالث التي تفاقمت فيها المشكلات السياسية‏والاقتصادية، ولم يعد امامها من حل سوى اعادة النظر في علاقات الاستتباع للمركزية‏الغربية التي نهبت ثرواتها الاقتصادية، وهي الان في طريقها للقضاء على آخر حصون‏ممانعتها الاقتصادية والثقافية عبر عولمة غربية جشعة لا يهمها سوى تراكم راس المال بين‏يدي الشركات الغربية (الامريكية الاوروبية) العابرة للقارات والقوميات، ما يزيد الغرب قوة‏وتطورا، ويعمق الهوة بينه وبين دول الهامش الغارقة في بحور التخلف والازمات الاقتصادية‏والسياسية والفكرية والحضارية بشكل عام.

هذه المفارقات المجحفة بحق دول الجنوب، او العالم الثالث، تسببت في تازم الوضع الدولي‏على جميع المستويات، وقد انعكس هذا الوضع المازوم على العلاقات بين دول المحورالمتقدم والمهيمن ودول الاطراف المتخلفة، ما ساعد على ظهور ردود فعل متباينة، منها ماينحو باتجاه رفض الهيمنة والاستتباع الغربي ويدعو الى علاقات سياسية واقتصادية اكثرتوازنا وعدلا تضمن لشعوب العالم الثالث قدرا محترما من التنمية للاستفادة من ثرواتهاالطبيعية ولمعالجة مشكلاتها المزمنة، واخرى ترى ان الخروج من مازق التخلف الذي‏تتخبط فيه دول العالم الثالث لا مخرج منه الا باحداث قطيعة مع الانموذج الحضاري الغربي‏برمته والبحث عن بديل حضاري يكون اكثر انسجاما مع القيم المحلية ويحقق التنمية‏المنشودة، كما يحرر هذه الدول من علاقات الاستتباع التي ليست سوى مظهر جديد من‏مظاهر الامبريالية الغربية.

من هنا فالترحيب العالمي الذي لقيه مقترح الرئيس السيد خاتمي انما يدلل كما يقول: «على‏مواكبته لمقتضيات التطورات الحاصلة على الصعيد الدولي والمتعارضة، اساسا، مع النظام‏الدولي التقليدي المتصلب بانتهاء الحرب الباردة، والتطور الحاصل في مجالات الاتصال‏والدور الدولي للمؤسسات المستقلة غير الحكومية ومجي‏ء اجيال جديدة متطلعة لعالم اكثرانسانية بعد الحربين العالميتين والحرب الباردة...».

هذه المعطيات الجديدة على الصعيد الدولي سارت في اتجاهين متعاكسين، فالوضع المتازم‏للعالم الثالث دفع بدوله الى المطالبة بايجاد حلول جذرية ستكون بالضرورة على حساب‏تقليص حجم الهيمنة الغربية، وهذا ما جعل نواقيس الخطر تدق اجراسها في العواصم الغربية،خصوصا وان هذه المطالبة بايجاد الحلول واكبتها دعوات لرفض قيم الحضارة الغربية‏وضرورة بعث القيم الحضارية المحلية الاكثر التصاقا باللغة والدين.

وهذا تطور خطير في مسيرة العلاقة بين الغرب (المحور) وباقي دول العالم خلال هذا القرن،انطلقت من الكفاح من اجل الاستقلال والتحرر السياسي لتخوض كفاحا مريرا من اجل‏الاستقلال الاقتصادي، لكنها وفجاة مع ظاهرة العولمة الغربية وجدت نفسها تفقد جميع‏المكاسب التي كافحت من اجلها خلال نصف قرن او اكثر، عولمة تعمل على «تسليع ثروات‏الشعوب الثقافية والمادية‏» كما يقول غريغوار مرشد((366)) لقد تحول العالم الثالث،او عالم الجنوب، بعد قرون من النهب والسلب والاستعمار ومحاولات الاستتباع السياسي‏والاقتصادي «الى دول مرتهنة علميا وفكريا واقتصاديا وثقافيا وسياسيا للمركزية‏الراسمالية الغربية‏»((367)) .

وهاهي العولمة، او الامبريالية الجديدة، تخترق ما تبقى من حدود الخصوصيات الثقافية‏والمحلية لتبدا بالتهام ما تبقى من عناصر الممانعة لدى دول العالم الثالث. كما ضاعفت‏مشكلاته وعمقتها، ودفعت بها الى اقصى درجات التازم والانفجار، وهذا ما جعل الغرب في‏الوقت نفسه لا يهنا طويلا بابتهاجه بعالميته، حيث انتهى التاريخ كما يقول منظروه ورست‏سفينة الانسانية على شواط‏ى‏ء الليبرالية الديمقراطية، لان العالم الثالث بدا يكتشف على‏نطاق واسع ان المصالح الغربية (السياسية والاقتصادية) تحول دون تمثل قيم الحضارة‏الغربية التي يراد لها ان تكون عالمية. بالاضافة الى النتائج الكارثية للتغريب الذي خلق‏مجتمعات وكيانات اجتماعية وثقافية ممزقة ومشوهة الهوية، وهي ازمة خطيرة تضاف الى‏جملة الازمات، التي يتخبط فيها هذا العالم.

اذن هناك ثلاثة مظاهر عامة للازمة في العالم الثالث: مشكلات اقتصادية زادتها وصفات‏المؤسسات المالية الغربية وخططها وبرامجها عمقا واستفحالا، وهناك ازمة سياسية متشعبة‏الابعاد تختزن طاقة مدمرة ان هي انفجرت، بالاضافة الى مشكلات الهوية.

اما ردود الفعل فقد عززت الدعوة للرجوع الى الجذور والى الثقافات المحلية والوطنية، الى‏الدين والتراث. وتحاول الصحوة الدينية في العالم الاسلامي ترسيخ القناعة لدى المسلمين‏بان قيم الاسلام افضل من قيم الغرب التفسخية والانحلالية، والتي لا تقود في نهاية الامر الاالى الضياع والتمزق النفسي والعقدي. كما ربطت هذه العودة بالعمل على ايجاد وصفات‏وخطط اقتصادية تستطيع ان تحقق التنمية المطلوبة بعدما تبين ان الخطط المقدمة من طرف‏المؤسسات الاقتصادية الغربية لا تخدم الا المصالح الغربية وتعمق الازمات والاستتباع. وبداالحديث كذلك عن التمييز بين التحديث والتغريب.

هذه العودة الى الجذور والموجة الاحيائية لعناصر الممانعة العامة عدها الغرب شكلا من‏اشكال المعاداة او اعلان حرب، وخصوصا من طرف العالم الاسلامي، باعتباره صاحب‏حضارة عريقة لها منظومة قيمية شاملة ومتماسكة تمثل تحديا للغرب، بالاضافة الى تاريخ‏صراعي طويل، واصحابها الان يرفضون الغرب وحضارته لان هذه الحضارة، في نظرهم،كما يقول هنتنغتون، اما «مسيحية هدامة‏» او «علمانية منحطة‏»((368)) .

كما ان هذه‏العودة الى الجذور «تعزر، كما يرى «هنتنغتون‏» كذلك، مفارقة الديمقراطية، فعندما تتبنى‏المجتمعات غير الغربية الانتخابات بالطريقة الغربية فان الديمقراطية تشجع الحركات‏السياسية الاهلية المعادية للغرب، وكثيرا ما تاتي بها الى السلطة‏»((369)) . وهنايجد الغرب نفسه امام مفارقة صعبة، فالديمقراطية التي يدعو الغرب الى اعتبارها من القيم‏العالمية في المجال السياسي والتي يجب ان تسود العالم ستاتي بدعاة العودة الى الجذوروالاصوليين الى السلطة، وهم من اشد النخب عداء للغرب والتغريب، وان كانوا يؤمنون‏بالتحديث فلاكتساب القوة والثروة فقط، واذا نجحت جهود التحديث المطلوبة فانها، وحسب‏«هنتنغتون‏»، ستعزز الثروة الاقتصادية والقوة العسكرية للبلد باسره، وسيشجع هذا التحديث‏ثقة الناس بتراثهم ويؤكد انتماءهم الثقافي. ونتيجة لذلك شهدت مجتمعات غير غربية كثيرة‏عودة الى الحضارات الوطنية((370)) .

وعندما يدعم الغرب الانظمة السياسية المستبدة في العالم غير الغربي، فان الادعاء بعالمية‏قيم حضارته لن تكون له اية مصداقية، وهذا ما خبرته شعوب العالم الثالث، وفي مقدمتهاشعوب العالم الاسلامي.

وامام الجهود التي بذلت في آسيا للتحديث لتحقيق التقدم العلمي والصناعي وسعي عدد من‏الدول العربية والاسلامية لامتلاك القدرة على التصنيع كذلك، وامام تزايد وتيرة معدلات‏النمو السكاني في هذه المناطق، فان الغرب بدا يستشعر ان حجمه بدا يتقلص، فموجات‏الاحياء والرجوع الى الجذور اثبتت تهافت الادعاء بعالمية قيم الحضارة الغربية، كما اثبتت‏اخفاق هذه الحضارة وهي في عز قوتها الاقتصادية والسياسية في ان تكون عالمية. اما على‏المستوى العلمي والتكنولوجي فقد اثبتت الدول الاسيوية انها قادرة على منافسة الغرب في‏مجال التصنيع والبحث العلمي، ما جعلها تحظ‏ى بنسبة مهمة في التجارة العالمية. وهي‏آخذة في التوسع والنمو.

كما استطاعت بعض الدول الاسلامية ان تمتلك تقنية عالية في‏مجال التصنيع العسكري (صواريخ بعيدة المدى قادرة على حمل رؤوس كيماوية ونووية‏لدى كل من ايران وباكستان).

وهذا ما جعل الحديث عن توازن القوى في العلاقات الدولية(بعد الحرب الباردة)، بين الاقطاب الجديدة ياخذ طابعا جديا.

لقد بدا الغرب يتراجع، لغاته في تراجع عما كانت عليه، وحجم سكانه في تراجع ايضا، وفي‏العقدين القادمين سيتجاوز عدد المسلمين عدد المسيحيين في العالم، والنتيجة التي يخلص‏اليها «هنتنغتون‏»، وهو يرصد هذه التطورات العالمية وموقع الغرب فيها، ان الافكار الغربية من‏اشتراكية وقومية قد اخفقت، وان «اعادة الاسلمة‏» في الشرق الاوسط في تصاعد مستمر،ومن ثم فلم «يعد لدى الغرب، باعتباره حضارة ناضجة، القوة الاقتصادية والسكانية الدافعة‏والمطلوبة لفرض ارادته على مجتمعات اخرى، واي جهد سيبذل في هذا الصدد سوف‏يكون مضادا للقيم الغربية الداعية الى تقرير المصير والديمقراطية‏»((371)) . ان‏الغرب، وهو في اوج قوته، كما يقول «هنتنغتون‏»، يواجه كيانات ليست غربية ترغب في‏تشكيل العالم بطرائق غير غربية، ولديها الارادة والامكانات للقيام بذلك‏»((372)). وعليه، فاذا كانت المصادر الاساسية للنزاعات، قبل نهاية الحرب الباردة، سياسية واقتصادية‏وايديولوجية، فان «الانقسام الرئيسي سيكون ثقافيا في المستقبل، وسيحدد التفاعل بين‏سبع او ثماني حضارات رئيسة هي: الغربية، الكونفوشيوسية، اليابانية، الاسلامية، الهندوسية،السلافية الارثوذكسية، الامريكية اللاتينية، وربما الافريقية، الى حد كبير مجرى تطورالاحداث في العالم. والعنصر الاهم الذي يفرق بين حضارة واخرى هوالدين‏»((373)) . هذا ما يؤكده «هنتنغتون‏»، الخبير السياسي الامريكي، الذي يطالب‏الغرب، وبناء على تحليله لهذه المعطيات، بان «يتخلى عن وهم العالمية، وان يعزز قوة‏حضارته وتماسكها وحيويتها في عالم من الحضارات‏»((374)) .

لقد اكتشف «هنتنغتون‏» ان حضارة الغرب فريدة وليست عالمية، وعلى الغرب ان يدرك هذه‏الحقيقة وان يعمل على تجديدها والحفاظ عليها عبر تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية‏والثقافية والعسكرية والمؤسساتية بين شطريه الاوروبي والامريكي، وان يفسح في المجال‏امام الدول القريبة من الحضارة الغربية والتي لها مشتركات قيمية ومصلحية متداخلة معهاللدخول في شراكات وتحالفات وتكتلات اقتصادية وسياسية ودفاعية مشتركة تشكل في‏مجملها كتلة حضارية واحدة تستطيع ان تدافع عن مصالحها وحضارتها، كما اشار على‏الغرب بان «يدعم المجموعات الحضارية الاخرى المتعاطفة مع القيم والمصالح الغربية‏وتقوية المؤسسات الدولية التي تعكس المصالح، والقيم المشروعة للغرب، ويدعم مشاركة‏الدول غير الغربية في تلك المؤسسات‏»((375)) .

وفي اطار نظرية التصادم الحضاري الحتمي فان «هنتنغتون‏» يرى «ان اخطر الصدام سيكون‏بين الحضارة الاسلامية والصينية وبين الحضارة الغربية، فالنمو السكاني في الافاق الجغرافية‏للاسلام، والتطور الاقتصادي الاسيوي مؤشر قوة تجابه الغرب في نهاية القرن العشرين‏والعقود القادمة في القرن القادم‏»((376)) . لذلك ينصح «هنتنغتون‏» الغرب بان يعوق‏جهود الدول الاسلامية والكونفوشيوسية عن امتلاك قدرة عسكرية وان «يستغل الخلافات‏والنزاعات بينها((377)) .

والا يتدخل في العالم الا بمقدار ما يضمن مصالحه. انهادعوة صريحة للعدوان على دول العالم الثالث؟! في المقابل نجد ان الاشكال الصراعية، كمايقول د. وجيه كوثراني، التي يصفها «هنتنغتون‏» بالصدامات بين الحضارات لا تعدو كونهااشكالا من الممانعات الثقافية وحركات الاحتجاج والرفض والحروب الاهلية الناتجة عن‏عجز الحضارة الغربية عن ان تصبح عالمية مستوعبة لتنوع العالم، وذلك بسبب تطابقها مع‏مشروعها الراسمالي وتحولها واستخدامها لمنطقه في الربح والسيطرة والاستهلاك، وبسبب‏اعاقة هذا المشروع لخطط التنمية التي اخفقت في بلدان الاطراف اخفاقاذريعا»((378)) .

الحوار بديلا للصراع الحضاري «الحتمي‏» اذن نحن امام معطيات جديدة، فالتحديث مكن دولا وحضارات قديمة من القوة الاقتصادية‏والعسكرية، وهذه المقاومة للهيمنة الغربية ولاستغلالها ثروات الشعوب وتهميشها، اتخذت‏شكل انبعاث حضاري شامل يرفض العناصر الجوهرية للحضارة الغربية، مع الحرص على‏الابقاء على جوانب التفاعل والاقتباس المقبولة، يقول الياباني «يوسي ووكين‏» واضعا حدودالتفاعل الحضاري المطلوب: «الروح اليابانية والاساليب التقنية الغربية‏»((379))ويقول الصيني «تي يونغ‏»:

«التعلم الصيني من اجل المبادى الجوهرية والتعلم الغربي لغاية‏عملية‏»((380)) . الموقف نفسه نجده لدى المسلمين، فلا احد يرفض امتلاك‏التكنولوجيا الغربية، بل هناك دعوة ملحة لذلك والى رفع المخصصات المالية لتشجيع‏البحث العلمي ودعم الصناعات الوطنية وتطويرها لتصل الى درجة المنافسة في الاسواق‏المحلية والعالمية.

هذا الاتجاه «العالمثالثي الجديد» بدد الاوهام الغربية القديمة بادعاء عالمية الحضارة الغربية،في الوقت الذي بدا يقلص من هيمنة الغرب على السوق التجارية العالمية بنسب مطردة النمولصالح العالم الثالث.

اذن فقد تبددت آمال الغرب في صياغة نظام عالمي جديد وتشكيله، بعد انتهاء الحرب‏الباردة، تتزعمه الولايات المتحدة الامريكية، فقد ظهرت اقطاب جديدة في طريقها الى‏التشكل، واخذ موقعها في خريطة العالم. وهذه الاقطاب ليست اقتصادية او سياسية اوايديولوجية فقط، وانما حضارية، لذلك فخطوط التماس القادمة ستكون حضارية، والصدام‏المحتمل سيكون حضاريا، بسبب تعاط‏ي الغرب مع هذا الانبعاث الحضاري والتعدد القطبي،باعتباره يمثل تهديدا لمصالحه، كما اكد الامين العام للامم المتحدة كوفي آنان، واذا ماحاول الغرب فرض هيمنته بالقوة العسكرية والدفاع عن مصالحه وعالميته الوهمية من دون‏اعتبار لمطالب دول العالم الثالث، فسيتجه العالم حتما نحو الصدام الحضاري الشامل. وهذاما اكده «هنتنغتون‏» كذلك عندما راى «جهود الغرب لدعم قيمه المتعلقة بالديمقراطية‏والليبرالية، بوصفها قيما عالمية، والحفاظ على هيمنته العسكرية ودعم مصالحه الاقتصادية،تولد ردود فعل مضادة من قبل الحضارات الاخرى‏»((381)) . واهم هذه الردود تلك‏التي كشفت عنها الحضارة الاسلامية، وقد بدا الاعلام الغربي يهيى‏ء المجتمعات الغربية‏للصدام المقبل مع العالم الاسلامي، والمؤشرات والمعطيات الواقعية جميعها تصب في تاكيدهذه الفرضية، وهي ان عالم الاسلام هو العدو الاول والرئيسي للغرب وحضارته، وان‏المواجهة قريبة وحتمية؟! و «حتمية الصراع‏» هذه اكدها كذلك عدد من المفكرين المسلمين والغربيين الذين راقبواالتطورات الحاصلة في العالم الاسلامي، وتتبعوا يوميات الصحوة الدينية ومطالبها، واكدوابدورهم ان المستقبل سيشهد صداما ما، او مواجهة مباشرة بين الغرب وعالم الاسلام، اذااستمرت علاقات التوتر بين الطرفين على حالها، على ان هناك طائفة اخرى من المفكرين‏رفضت هذا التحليل للتحولات العالمية، ورات ان عناصر الصدام التي يعددها «هنتنغتون‏»ليبني عليها فرضية حتمية الصراع الحضاري «لا تندرج في نسق الحضارات ومفهومها، وانماهي تعبر عن ازمة نظام عالمي يمر في النقطة الحرجة التي تجعل منه، على حد ما يقول‏الباحث الفرنسي في الاستراتيجية بيار لولوش، فوضى الامم‏»((382)) .

اما انبعاث الثقافات الفرعية لحضارة قديمة، كالحضارة الاسلامية، على سبيل المثال، فهو،حسب د. كوثراني، «ليس الا صيغة يقظة المغلوب الذي يلجا الى الذاكرة الجماعية الثقافية‏للاحتماء والاحتجاج والرفض..»((383)) . لكن ومهما كان الاختلاف حول طبيعة‏الصراع، فهذا لا يلغي ضرورة الحاجة الملحة الى صياغة نظام جديد للعلاقات بين العالم‏الغربي والعالم الثالث. من هنا فالدعوة، لفتح المجال امام حوار حضاري شامل، جاءت ردفعل لتجاوز حتمية هذا الصراع المرتقب، خصوصا بين الحضارتين: الغربية والاسلامية،وعندما تنطلق الدعوة والمبادرة من العالم الاسلامي ومن ايران بالذات، فان تداعياتها على‏مستوى العلاقات الدولية سيكون لها آثارها الايجابية، لانها كما يقول د. عبد العزيزالتويجري «تعبر عن رؤية اسلامية انسانية كونية الى حاضر الانسانية والى‏مستقبلها»((384)) رؤية تؤمن بتجاوز انفجار الصراع وتعمل من اجل ما تؤمن به بغية‏التوصل الى توافق عالمي في الاراء لاقامة نظام جديد في الالفية القادمة على اساس‏الايمان والقيم المعنوية والاخلاقية المشتركة بين الحضارات المعاصرة.. واذا كان هذا القرن‏قد دارت رحاه على مدار السيف، كما يقول السيد خاتمي، وكان بعض الشعوب فيه مغصوباوبعضها الاخر غالبا، «فان مدار القرن القادم لا بد من ان يقوم على الحوار، والا فان ذلك‏السيف سيكون سلاحا ذا حدين لن يرحم احدا..»((385)) وذلك لان الصراع‏واستخدام وسائل الدمار الشامل، من جرثومية ونووية، ستكون له عواقب وخيمة على‏البشرية جمعاء((386)) ان اي صراع ما ينفجر سيكون مدمرا للطبيعة وللوجود البشري على ظهر هذا الكوكب،وعليه فلا بد من فتح قنوات الحوار والتواصل بين الامم والحضارات والدول من اجل معالجة‏مواضيع وقضايا التوتر واسباب الصراع في العالم. واذا جاءت المبادرة من العالم الاسلامي‏بفتح باب الحوار فان الغرب وحده سيتحمل تاريخيا عواقب اي انفجار او صراع مرتقب.

لان‏الغرب يحاول ان يقف في وجه حركة التاريخ ولا يستجيب ايجابيا للمتغيرات والتطورات‏العالمية ولا يتعاط‏ى معها، فلم يعد هناك مجال او مسوغ يحول دون تمكين شعوب العالم‏الثالث ودوله من حقوقها، وضرورة اشراكها، كما يقول السيد خاتمي، «في تحديد ملامح‏حركة سير العالم في بداية الالفية الثالثة للميلاد. لا يجوز تهميش اي شعب او امة ايا كانت‏المسوغات الفلسفية والسياسية والاقتصادية‏»((387)) وعلى الغرب ان يتحرر من‏اوهامه في العالمية والهيمنة المطلقة. وان يرضخ ويدخل في حوار عالمي تشارك فيه جميع‏الاقطاب الحضارية للعمل على تحقيق تفاعل حضاري ايجابي متوازن وشراكات سياسية‏واقتصادية وعلمية وثقافية، يضمن الغرب فيها مصالحه من دون الحاق الضرر بالعالم الثالث‏على المستويات الاقتصادية والثقافية والحضارية جميعها.

سنتان من التاصيل الاسلامي للحوار انطلقت، مباشرة، بعد اطلاق المبادرة والدعوة لحوار الثقافات والحضارات واقرار المقترح‏الايراني من قبل الجمعية العامة للامم المتحدة، باعتبار سنة 2001م عاما للحوار،الاستعدادات الاسلامية والعربية والعالمية للتحضير لهذه السنة، وتمثلت في اقامة العشرات‏من الندوات والمؤتمرات واللقاءات العلمية والثقافية والسياسية، المناقشة موضوع الحوارومعالجته:

مفهومه وشروطه وفرص نجاحه ومعوقاته، كما وضع مشروع الحوار على جدول‏اعمال منظمتي المؤتمر الاسلامي والامم المتحدة. وقامت منظمة المؤتمر الاسلامي بصياغة‏وثيقتين تمثلان التصور الاسلامي لحوار الحضارات.

وقد اسفرت هذه اللقاءات والفعاليات والانشطة العلمية، وخصوصا في العالم الاسلامي، عن‏تاصيل عام لمفهوم الحوار ومصاديقه انطلاقا من النظرة الاسلامية. وانجز عدد من المفكرين‏العرب والمسلمين دراسات علمية مهمة حول الحوار ابرزوا فيها قيم الاسلام الداعية اليه‏والى التعايش السلمي والتعارف بين البشر، واكدوا فيها قدرة الثقافة الاسلامية على معالجة‏قضايا العصر المزمنة والاسهام في ايجاد الحلول لمشاكل العالم المستعصية. كما كشفوا فيهاعن اهداف الحوار وما يمكن ان يتحقق من نتائج اذا انخرط العالم في حوار جدي ثقافي‏وحضاري عام.

المنطلقات العقدية للحوار 1- وحدة الجنس البشري: بعيدا عن الايديولوجيات الغربية التي روجت طويلا لنظرية‏التفوق العرقي الغربي واتخذتها مطية ومسوغا لاستعباد الشعوب غير الغربية والسيطرة‏عليها، فان الاسلام يؤكد على وحدة الخلق والجنس البشري، فالبشر من آدم، وآدم من‏تراب كما جاء في الحديث عن رسول الاسلام (ص) وهناك العشرات من الايات التي تؤكدهذه الوحدة يقول تعالى: (يا ايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة)[النساء/1]. ويقول ايضا: (وهو الذي انشاكم من نفس واحدة) [الانعام/98] ويقول عزمن قائل: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها) [الاعراف/189]. اذن‏هناك قاعدة اساسية تمثل منطلقا يجمع شعوب العالم جميعها، وتتمثل هذه القاعدة في‏وحدة الخلق، اما الاختلافات العرقية والدينية والمذهبية والحضارية، فانها جاءت بعد ذلك.لكن هذا الاختلاف الذي طرا على الحياة البشرية لا يمكن ان يلغي الحقوق المترتبة عن‏وحدة الاصل والخلق، يقول الامام علي (ع) الناس صنفان: «اما اخ لك في الدين او نظيرلك في الخلق‏»((388)) واذا كان هناك من تميز وتفاضل بين بني البشر فليس‏بسبب اللون او العرق او المنشا الجغرافي او اي شي‏ء آخر، وانما «بالتقوى‏» التي لا تعني‏سوى امتلاك الحقيقة المطلقة ودرجة الامتثال لها، وهذا الميزان هو ميزان الهي، وقد بعث اللّهالانبياء والرسل ليعرفوا الناس هذه الحقائق المطلقة، وليحثوهم على الالتزام بها، لانها جزء لايتجزا من مفهوم الاستخلاف الالهي للانسان، وهذا يجرنا الى تاكيد الكرامة الانسانية التي‏عبر عنها هذا المفهوم، فالانسان خلق ليكون خليفة للّه في الارض، يقول تعالى: (هو الذي‏جعلكم خلائف في الارض) [فاطر/29] وهذا الاستخلاف اقتضى تكريمه على بقية‏الخلق، يقول عز من قائل: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من‏الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) [الاسراء/70].

هذه المفاهيم: وحدة الخلق والاستخلاف والتكريم هي قيم انسانية اصيلة وشاملة للنوع‏الانساني، اما التفاضل فياتي بعد ذلك لا ليمزق وحدة البشرية الاصلية، وانما ليؤكد ان على‏البشرية ان تتجه صوب طريق التقوى، اي الايمان بالحقيقة المطلقة والالتزام بها، ومن هناينشا الاختلاف الذي عبرت عنه الاية الكريمة: (وما كان الناس الا امة واحدة فاختلفوا)[يونس/19].

وقد بعث الانبياء لازالة هذا الاختلاف الرئيسي حول هدفية الوجود وغائيته والطريق‏الحقيقي الموصل الى هذه الاهداف والغايات. اما اسلوب الانبياء والرسل في ايصال هذه‏الحقائق فكان عبر الحوار والمجادلة بالتي هي احسن، واقناع الناس بالادلة والبراهين‏والمعجزات، وليس بالاكراه. اما مظاهر الاكراه التي وجدت وشرعتها الرسالات السماوية،فاقتصرت على ازالة الحواجز والموانع امام البشرية لايصال الحقائق لها والتبشير والتبليغ‏بها، وهذا وجه من اوجه مفهوم الجهاد المسلح في الاسلام، اي العمل على كسر القيودوتحطيم الحواجز التي تحول دون غالبية الناس والحقيقة. اما الاقناع بالحقيقة فلا يكون الابتقديم البرهان والدليل وترك الحرية للانسان ليختار بين الحق الذي ظهر واضحا جليا وبين‏الباطل الذي تعرت حججه وتبينت مضاره ومخاطره على حياة الانسان ومصيره‏النهائي.

وخلاصة القول: لم يجد المفكرون المسلمون صعوبة تذكر في التاصيل لمفهوم الحوارانطلاقا من قيم الاسلام العامة، لان الاسلام، اذا كان يؤكد على وحدة الخلق وحقيقة‏الاستخلاف والتكريم، فهو الى جانب ذلك يؤكد ان الاختلاف والتنوع حقيقة واقعية، فهناك‏اختلاف وتنوع واقعيان وحقيقيان لهما علاقة بطبيعة الخلق، وهناك اختلاف طارى‏ء له‏خلفياته واسبابه، كما يعترف بان القضاء على جميع اوجه الاختلاف بين البشر غير ممكن‏في الدنيا يقول تعالى: (ولا يزالون مختلفين الا من رحم ربك ولذلك خلقهم) [هود/118]ويقول عز من قائل:

(ثم الى ربكم مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون)[الانعام/164].

لكنه يقدم الوسيلة المثلى لتقليص حجم هذا الاختلاف او القضاء عليه، على‏مستويين:

الاول مستوى الدعوة الى الحق والاجتماع عليه، واسلوبها تقديم البرهان والجدال بالتي هي‏احسن واعطاء الفرصة للانسان للاختيار الحر.

والثاني مستوى التعارف العام، فاي تنوع او اختلاف لا يمكن ان يكون بالضرورة سببا في‏الصراع والصدام او محاولة الغاء طرف او مجموعة للاخرين، وانما يمكن استثماره لتحقيق‏التكامل الذي هو ضرورة وظاهرة طبيعية مشهودة، لذلك لا بد من تشجيع التعارف وتعبيدطرق التواصل لتحجيم هوة الاختلاف يقول تعالى: (يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى‏وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند اللّه اتقاكم) [الحجرات/13].

وهذاالتعارف لا يتحقق الا بالحوار، ومعلوم ان عددا من اسباب الصراع هي بسبب الجهل المتبادل‏بين اطراف الصراع، او جهل احد الاطراف بالاخر، بالاضافة طبعا الى الحرص على تحقيق‏المصالح والمنافع على حساب الاخرين، من هنا سينطلق الحوار من ثلاث قواعد اساسية‏هي:

1- الحوار من اجل الوصول الى الحقيقة المطلقة او الدعوة اليها.

2- الحوار من اجل فهم مظاهر الاختلاف والتنوع واسبابهما (فهم الاخر والتعرف اليه).

3- الانطلاق من تحديد نقاط الاختلاف والمشتركات لتحقيق توازن على المستويات‏جميعها يضمن مصالح كل طرف في الوجود والتميز والحفاظ عليهما.

هذه القواعد، او المنطلقات، كانت لها مصاديق كثيرة في تاريخ الاسلام، فقد دعا الاسلام‏مخالفيه للحوار، وطالبهم بالدليل والبرهان، بعدما عرض آراءهم وفندها بالدليل والبرهان‏كذلك، واحترم عقائدهم مع انها مخالفة للحق الذي جاء به، لذلك لم يطالب اتباعه باكراه‏مخالفيهم على اعتناق الدين الجديد، بل ضمن لهم حق البقاء على قناعاتهم السابقة اذا لم‏تنشرح قلوبهم للحقيقة الاسلامية، وشرع لهم حقوقا كثيرة داخل المجتمع الاسلامي والدولة‏الاسلامية.

وباختصار، فالحوار في القرآن يقوم على اساس دعوة الاخرين للهداية وتقديم الحقيقة لهم،بنهج عقلي برهاني لا علاقة له بالاكراه، وهذا يقتضي ان يتم في اطار من التعايش‏الاجتماعي، فهو كما يقول ابو يعرب المرزوقي: «مفهوم شامل بدايته التعايش وغايته‏التعارف‏»((389)) ومن خلال هذا التعارف يحقق الحوار اهدافه، اي القيم الاسلامية‏العامة، مثل: كرامة الانسان، المساواة، التسامح، السلام، العدالة بين البشر، الدعوة الى الحق...،هذا التصور الاسلامي للحوار، كما يعرضه المفكرون المسلمون، يجعل من الدين الاسلامي‏دين حوار بامتياز، فكيف يتهم بالعنف وتشجيع التطرف والارهاب، فهذه المظاهر السلبية في‏العلاقات الاجتماعية والسياسية المحلية والدولية تتناقض وقيم الاسلام، ولها خلفيات‏ودوافع موضوعية معروفة.

هذا التاصيل الاسلامي للحوار شكل الملامح الاساسية لمشروع الحوار بين الثقافات‏والحضارات، بالاضافة الى العناصر الاخرى التي كشف عنها الباحثون، بوصفها مصاديق‏للحوار واهدافه التفصيلية وشروطه وفرص نجاحه وما يعد به على المستوى العالمي‏والاسلامي والايراني.

المبادى‏ء العامة للحوار ومجالاته تحدث اعلان طهران حول الحوار بين الحضارات((390)) عن مجموعة من المبادى‏مستوحاة من قيم الاسلام الاساسية اهمها:

احترام الكرامة الانسانية والمساواة بين البشر جميعهم، وعدم التمييز بينهم ايا كان نوع هذاالتمييز، وكذلك بين الدول سواء كانت صغيرة ام كبيرة.

القبول الفعلي بالتنوع الثقافي، بوصفه احد الملامح الثابتة للمجتمع الانساني ومصدرا لتقدم‏البشرية وازدهارها.

رفض محاولات الهيمنة والسيطرة الثقافية والحضارية والتصدي للمذاهب والممارسات‏الرامية لخلق الصراع والصدام بين الحضارات.

الالتزام بمشاركة الشعوب والامم جميعها من دون اي تمييز في عمليات صنع القرار وتوزيع‏المنافع على المستوى المحلي والعالمي.

بالاضافة الى الدعوة الى احترام ثقافات الشعوب وقيمها وتراثها الحضاري والتوقف عن‏انتهاك مقدساتها، والعمل المشترك من اجل مواجهة التحديات العالمية.

اما مجالاته فهي متعددة، واهمها:

1- التجاوب مع تطلعات البشرية للتمسك بالايمان والاخلاق.

2- تعزيز التفاهم المتبادل والمعرفة بين مختلف الحضارات.

3- التعاون وزيادة المعرفة حول مختلف مجالات الانشطة والانجازات البشرية في‏الميادين العلمية والتكنولوجية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والامنية.

4- التعاون من اجل وضع حد للمخاطر التي تهدد السلم والامن الدوليين والازدهار، مثل:تلوث البيئة وظاهرة الانحباس الحراري، وانتشار اسلحة الدمار الشامل والمخدرات‏والجريمة المنظمة...

5- تعزيز حقوق الانسان العامة والخاصة في العالم وحمايتها من دون تمييز او فصل اياكان نوعه او مسوغاته.

شروط الحوار السوي بين الثقافات والحضارات