|
بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على قائد البشرية
الصالحة ابي القاسم محمد و على آله الهداة الميامين.
اما بعد...فلقد شاءت الاقدار ان تخرج هذه الاسفار الجليلة من
تقريرات سيدنا الشهيد آية اللّه العظمى السيد الصدر(قدس)
في مثل هذه الظروف العصيبة،التي المت بعالمنا الاسلامي ،
بعد قيام الثورة الاسلامية المباركة في ايران الاسلام بقيادة
امام الامة آية اللّه العظمى السيد الخميني(مد ظله).
هذه الظروف التي جاءت نتيجة تكالب قوى الكفر و الاستكبار
العالمي،و تحالفها في التصدي،و المواجهة للمدد الاسلامي
الظافر،الذي كان لسيدنا الشهيد(قده) الدور الاساس في
ترسيخ دعائمه،و ارساء قواعده على الصعيدين الفكري و العملي
في العالم الاسلامي اجمع،و في العراق على وجه
الخصوص.حتى توج حركة الاسلام ببذل دمه الزاكي،الذي كان
اغلى دماء هذا العصر.اريق في سبيل اعلاء كلمة الحق و مواجهة
الطغاة و الظالمين.فكان بحق سيد شهداء عصره،اسوة بجده
سيد الشهداء(عليه السلام)..
و الحقيقة ان استيعاب ابعاد عظمة هذا العالم الرباني العامل لا
يتيسر لاحد في مثل هذه الدراسة العاجلة و لكن ذلك لا يعفينا
من التعرض لابرز معالم مدرسته العلمية و
الفكرية،التي انشاها،و خرج على اساسها جيلا من العلماء
الرساليين و المثقفين الواعين و العاملين في سبيل اللّه
المخلصين..رغم قصر حياته الشريفة التي ابتلاه اللّه فيها بما
يبتلي به العظماء من الصديقين و الشهداء و الصالحين..
و فيما يلي اهم مميزات هذه المدرسة،التي ستبقى رائدة و
خالدة في تاريخ العلم و الايمان معا..
1-الشمول و الموسوعية
اشتملت مدرسة شهيدنا الراحل على معالجة كافة شعب
المعرفة الاسلامية و الانسانية.فهي متعددة الابعاد و الجوانب،و
لم تقتصر على الاختصاص بعلوم الشريعة الاسلامية من الفقه
والاصول فحسب،رغم ان هذا المجال كان هو المجال الرئيس و
الاوسع من انجازاته و ابتكاراته العلمية.فاشتملت مدرسته على
دراسات في الفقه، و اصول الفقه،و المنطق،و الفلسفة،والعقائد
و العلوم القرآنية،و الاقتصاد،و التاريخ، و القانون،و السياسة
المالية و المصرفية،و مناهج التعليم و التربية الحوزوية،و
مناهج العمل السياسي و انظمة الحكم الاسلامي،و غير ذلك
من حقول المعرفة الانسانية و الاسلامية المختلفة..
و قد جاءت هذه الشمولية نتيجة لما كان يتمتع به امامنا
الشهيد من ذهنية موسوعية و عملاقة،يمكن اعتبارها
فلتة،يحظ ى بها تاريخ العلم و العلماء بين الحين و الاخر،و التي
تشكل كل واحدة منها على راس كل عصر منعطفا تاريخيا
جديدا في توجيه حركة العلم و المعرفة و ترشيدها.فلقد كان
رحمه اللّه آية في النبوغ العلمي،و اتساع الافق،و العبقرية
الفذة.و قد سطعت منذطفولته،و بداية حياته،و تحصليه
العلمي،كما شهد بذلك اساتذته،و زملاؤه،و تلاميذه،و كل من
اتصل به بشكل مباشر،او التقى به من خلال دراسة مصنفاته و
بحوثه القيمة..
2-الاستيعاب و الاحاطة:
من النقاط ذات الاهمية الفائقة في اتصاف النظرية،اية
نظرية،بالمتانة و الصحة مدى ما تستوعبه من احتمالات
متعددة،و ما تعالجه من جهات شتى مرتبطة بموضوع
البحث.فان هذه الخصيصة هي الاساس الاول في انتظام الفكر و
المعرفة في اي باب من الابواب،بحيث يؤدي فقدانها الى ان
تصبح النظرية مبتورة،ذات ثغرات ينفذ من خلالها النقد و
التفنيد للنظرية.وهذه الميزة ايضا كان يتمتع بها فكر السيد
الشهيد(قده)بدرجة عالية،فانه لم يكن يتعرض لمسالة من
المسائل العلمية سيما في الاصول و الفقه،الا و يذكر فيها من
الصور و المحتملات ما يبهرالعقول.و هذا هو جانب الاستيعاب و
الاحاطة المعمقة في فكره..
و قد ظهرت هذه السمة العلمية،و هذه الخصيصة،حتى في
احاديثه الاعتيادية.
فكان عندما يتناول اي موضوع،و مهما كان بسيطا و
اعتياديا،يصوغه صياغة علمية،و يخلع عليه نسجا فنيا،و يطبعه
بطابع منطقي مستوعب لكل الاحتمالات و الشقوق،حتى
يخيل لمن يستمع اليه انه امام تحليل نظرية علمية تستمد
الاصالة و القوة و المتانة من مبرراتها و ادلتها المنطقية..
3-الابداع و التجديد:
ان حركة العلوم و المعارف البشرية و تطورها ترتكز على ظاهرة
التجديد،و الابداع، التي تمتاز بها افكار العلماء،و المحققين في
كل حقل من حقول المعرفة.و قد كان
سيدناالشهيد(قده)يتمتع في هذا المجال بقدرة فائقة على
التجديد و تطوير ما كان يتناوله من العلوم و النظريات،سواء
على صعيد المعطيات،او في الطريقة و الاستنتاج.و لقد كان
من ثمرات هذه الخصيصة انه استطاع ان يفتح آفاقا للمعرفة
الاسلامية لم تكن مطروقة قبله.فكان هو رائدها الاول،و فاتح
ابوابها،و مؤسس مناهجها،و واضع معالمها،وخطوطها
العريضة،و ستبقى المدرسة الاسلامية مدينة لهذه الشخصية
العملاقة في هذه الحقول.و خصوصا في بحوث الاقتصاد
الاسلامي،و منطق الاستقراء و التاريخ السياسي لائمة اهل
البيت (ع)..
4-المنهجية و التنسيق:
و من معالم فكر سيدنا الشهيد منهجيته الفنية الفريدة،و
المتماسكة لكل بحث كان يتناوله بالدرس و التنقيح. و من هنا
نجد ان طرحه للبحوث الاصولية و الفقهية يمتاز عن كافة ما
جاء في دراسات و بحوث المحققين السابقين عليه من حيث
المنهجية و الترتيب الفني للبحث.فتراه يفرز الجهات و
الجوانب المتداخلة و المتشابكة في كلمات الاخرين، خصوصا
في المسائل المعقدة،التي تعسر على الفهم و يكثر فيها
الالتباس و الخلط،و يوضح الفكرة،و ينظمها،و يحللها بشكل
موضوعي و علمي لا يجد الباحث المختص نظيره في بحوث
الاخرين.كما كان يميزبدقة طريقة الاستدلال في كل
موضوع،و هل انها لابد و ان تعتمد على البرهان او انها مسالة
استقرائية و وجدانية؟.و لم يكن يقتصر على دعوى وجدانية
المدعى المطلوب اثباته فحسب،بل كان يستعين في اثارة هذا
الوجدان و احيائه في نفس الباحثين من خلال منهج خاص
للبحث،و هو منهج اقامة المنبهات الوجدانية عليه..
و هذه نقطة سوف نواجهها بوضوح في دراساتنا الاصولية
القادمة..
5-النزعة المنطقية و الوجدانية:
و من معالم فكر سيدنا الشهيد نزعته المنطقية و البرهانية في
التفكير و الطرح في الوقت الذي كانت تلك المعطيات
البرهانية تنسجم و تتطابق مع الوجدان و تحتوي على درجة
كبيرة من قوة الاقناع و تحصيل الاطمينان النفسي بالفكرة،فلم
يكن يكتفي بسرد النظرية بلا دليل او كمصادرة،بل كان يقيم
البرهان مهما امكن على كل فرضية يحتاج اليها البحث حتى ما
يتعسرصياغة برهان موضوعي عليه كالبحوث اللغوية و
العقلائية و العرفية،و هذه السمة جعلت آراء و معطيات هذه
المدرسة الفكرية ذات صبغة علمية و منطقية فائقة،يتعذر
توجيه نقد اليهابسهولة. كما جعلتها ابلغ في الاقناع و القدرة
على افهام الاخرين و تفنيد النظريات و الاراء الاخرى. و جعلتها
ايضا قادرة على تربية فكر روادها و بنائه بناءا منطقيا و علميا،و
بعيدا عن مشاحة النزاعات اللفظية او التشويش و الخبط و
اختلاط الفهم، الخطر الذي تمنى به الدراسات و البحوث
العلمية و العقلية العالية في اكثر الاحيان..
و في الوقت نفسه لم يكن يتمادى هذا الفكر البرهاني المنطقي
في اعتماد الصياغات و الاصطلاحات الشكلية،التي قد تتعثر
على اساسها طريقة تفكير الباحث فيبتعد عن الواقع و
يتبنى نظريات يرفضها الوجدان السليم.خصوصا في البحوث
ذات الملاك الوجداني و الذاتي،التي تحتاج الى منهج خاص
للاستدلال و الاقناع.فكنت تجده دوما ينتهي من البراهين الى
النتائج الوجدانية، فلا يتعارض لديه البرهان مع مدركات
الوجدان الذاتي السليم في مثل هذه المسائل،بل كان على
العكس يصوغ البرهان لتعزيزمدركات الوجدان،و كان يدرك
المسالة اولا بحسه الوجداني و الذاتي ثم كان يصوغ في سبيل
دعمها علميا ما يمكن من البرهان و الاستدلال المنطقي.و من
هنا لا يشعر الباحث بثقل البراهين و تكلفها او عدم تطابقها مع
الذوق و الحس و الوجداني للمسالة،الامر الذي و قد استطاع
هذا الفكر العملاق على اساس التوفيق بين خصيصته المنطقية
و العلمية في الاستدلال وبين مراعاة المنهجية الصحيحة
المنسجمة مع كل علم ان يتناول في كل حقل من حقول
المعرفة المنهج العلمي المناسب مع طبيعة ذلك العلم من
دون تاثر بالمناهج الغريبة عن ذلك العلم و طبيعته.و هذه
خصيصة اساسية سوف نواجهها بجلاء ايضا في الدراسات
الاصولية القادمة..
6-الذوق الفني و الاحساس العقلائي:
الذوق حاسة ذاتية في الانسان يدرك على اساسها جمال الامور
و تناسقها.و الذهنية العقلائية هي الاخرى التي يدرك بها
الانسان الطباع و الاوضاع و المرتكزات التي ينشا عليها العرف
والعقلاء،و يبني على اساس منها الكثير من النظريات و الافكار
في مجال البحوث المختلفة كالدراسات التشريعية و القانونية و
الادبية.و هي في الاعم الاغلب البحوث المختلفة
كالدراسات التشريعية و القانونية و الادبية.و هي في الاعم
الاغلب مجالات للبحث لا يمكن اخضاعها للبراهين المنطقية
او الرياضية او التجريبية،و انما تحتاج الى حاسة الذوق الفني و
الذهنية العقلائية والحس العرفي الادبي.و نحن نجد في
مدرسة السيد الشهيد الصدر(قده)التمييز الكامل بين هذه
المجالات و غيرها في العلوم و المعارف و نجد انه(قده)كان
يتناول المسائل في المجال الاول بالاعتماد على الذوق
الموضوعي و الادراك العقلائي المستقيم حتى استطاع ان
يضع المنهج المناسب في هذه المجالات و ان يؤسس طرائق
الاستدلال الذوقي و العقلائي،و يؤصل قواعدها و
مرتكزاتها،خصوصا في البحوث الفقهية التي تعتمد
الاستظهارات العرفية او المرتكزات العقلائية،فابدع نهجا فقهيا
موضوعيا في مجال الاستظهار الفقهي خرجت على اساسه
الاستظهارات من مجرد مدعيات و مصادرات ذاتية الى
مدعيات و نظريات يمكن تحصيل الاقناع و الاقتناع فيها على
اسس موضوعية..
و تحسن الاشارة الى انه قلما تجتمع النزعة البرهانية المنطقية
في الاستدلال،مع الذوق الفني و الحس العقلائي و الذهنية
العرفية في شخصية علمية واحدة.فاننا نجد ان العلماء الذين
مارسوا المناهج العقلية و البرهانية من المعرفة و تفاعلوا مع
تلك المناهج و طرائق البحث قد لا يحسون بدقائق النكات
العرفية و الذوقية و العقلائية،و لا يبنون معارفهم و انظارهم الا
على اساس تلك المصطلحات البرهانية،التي اعتادوا عليها في
ذلك البحث العقلي.و كذلك العكس فالباحثون في علوم
الادب و القانون و ما شاكل نجدهم لا يجيدون صناعة البرهنة و
الاستدلال المنطقي،و لكن نجد ان مدرسة سيدنا الشهيد قد
امتازت بالجمع بين هاتين الخصيصتين اللتين قلما تجتمعان
معا و تمكنت من التوفيق الدقيق فيما بينهما،واستخدام كل
منهما في مجاله المناسب و السليم،دون تخبط او اقحام ما
ليس منسجما.
7-القيمة الحضارية المدرسة السيد الشهيد الصدر:
لقد كان سيدنا الشهيد الصدر تحديا حضاريا معاصرا،و كانت من
مميزات مدرسته انها استطاعت التصدي لنسف اسس الحضارة
المادية لانسان العصر الحديث،و ان يقدم الحضارة الاسلامية
شامخة على انقاض تلك الحضارة المنسوفة.و على اسس
علمية قويمة و ضمن بناء شامل و متماسك و متى استطاع
سيدنا الشهيد من خلاله ان ينزل الى معترك الصراع الفكري
الحضاري كاقوى و امكن من خاص غمار هذا المعترك و وفق
لتنفيد كل مزاعم و متبنيات الحضارة المادية المعاصرة،و ان
يخرج من ذلك ظاهرا مظفرا و بانيا لصرح المدرسة الاسلامية
العتيدة و المستمدة من منابع الاسلام الاصلية و المتصلة
بوحى السماء و لطف اللّه بالانسان.
هذه نبذة مختصرة عن معالم مدرسة هذا المرجع و الفيلسوف
و العارف الرباني و المجاهد الشهيد التي اسسها و اشادها لبنة
بفكره و نماها مرحلة مرحلة بجهوده العلمية المتواصلة و
هي تعبر بمجموعها عن البعد العلمي،الذي هو احد ابعاد هذه
الشخصية العظيمة الفريدة في تاريخنا المعاصر.
اجل سيدي الاستاذ فان لساني ليكل عن استيعاب كل ابعاد
شخصيتك و ان قلمي ليعجز عن رسم مناقبك و فضائلك
القدسية،التي تفوق آفاق ذهني الضيق و قدرتي
المحدودة.فعذراسيدي ان اقتصرت على جانب واحد من
جوانب عظمتك،ذلك الجانب الذي عشت معه ردحا طويلا من
الزمن و عرفته معرفة مباشرة و تغذيب من ينبوعه الثر ما
وسعني التزود العلمي والفكري و الروحي.و لعل اللّه يوفقني
لعرض ما يمكنني استعراضه من الجوانب الاخرى من حياتك
المباركة و جهادك المقدس و تقواك و خصالك الحميدة و
زهدك في دنياك واستعدادك للتضحية في كل وقت من اجل
رسالتك و امتك و دورك القيادي في حمل اعباء الاسلام الذي
ختمته ببذل دمك الزاكي في سبيل رسالتك،فكم كنت
عظيما سيدي!و كم كنت موفقا من قبل اللّه سبحانه و تعالى
لكل منقبة و لكل بطولة و عظمة!فسلام اللّه عليك ايها الامام
الشهيد يوم ولدت،و يوم نشرت الحق و اسست اصول العلم و
الايمان،و يوم جاهدت ودافعت عن كرامات هذه الامة،و يوم
استشهدت بيد ارذل خلق اللّه في هذا العصر و يوم تبعث حيا
مع جدك الحسين و سائر الشهداء و الصالحين و حسن اولئك
رفيقا..
و اما ما ياتي من البحوث فهي مجموعة الدراسات،التي القاها
سيدنا الشهيد الصدر في علم الاصول حسب منهج الدراسات
العليا لبحوث هذا العلم خلال ما يقارب اثني عشر عاما كنا
قدطبعنا منها في النجف الاشرف جزئين يرتبط احدهما
بمباحث(تعارض الادلة الشرعية)و الاخر(بمباحث الالفاظ)الى
مبحث الاوامر.و قد راينا ان نعيد طباعتها مع سائر اجزاء الدورة
الكاملة حسب ما تلقيناها من دروس و محاضرات استاذنا
الشهيد (قدس سره الشريف)،و بتوفيق من اللّه سبحانه و تعالى
و تسديده،لتكون رائدة لحركة هذا العلم ينتفع بها العلماء
والمحققون،الذين سيجدون من خلال هذه الدراسات الكثير
من التجديد و الابداع و التطوير في المعطيات و الطريقة معا..
و سوف تستوعب الاجزاء الثلاثة الاولى كل مباحث الالفاظ و
التي سميناها بمباحث الدليل اللفظ ي كما نامل ان نوفق
لاعداد و تنقيح بحوث الادلة و الاصول العملية خلال اجزاء
اربعة..
و ختاما اسال اللّه سبحانه و تعالى ان يوفقني لاكمال طباعة
هذه الدورة و ان يتغمد سيدنا و شهيدنا الراحل بعظيم اجره و
يجمعه في مستقر رحمته مع الانبياء و الائمة و الصالحين و
ان يوفقنا للسير على نهجه و اتباع خطه و يلحقنا به انه قريب
مجيب..
و آخر دعوانا ان الحمد للّه رب العالمين. محمود الهاشمي قم المقدسة 1405 هجرية المقدمة
الحمد للّه رب العالمين،و الصلاة و السلام على خير خلقه
محمد و آله الطيبين الطاهرين.
و بعد.
هذا الكتاب جزء آخر من((بحوث في علم الاصول))يتلو الجزء
السابق الذي صدر باسم((تعارض الادلة الشرعية))و يعتبر هذا
الكتاب الجزء الاول من تلك البحوث،بدانا به حسب
منهج الدراسات العليا لبحوث هذا العلم التي تلقيناها من
محاضرات المولى الشريف سيدنا الاستاذ المفدى سماحة آية
اللّه العظمى السيد محمد باقر الصدر-ادام اللّه ظله الشريف
على رؤوس المسلمين-.
و قد اولى سماحته في هذه الدراسة اهتماما بالغا بالمضمون و
المنهجة معا فلم يقتصر على مجرد اعطاء آرائه و انظاره في
البحوث الاصولية مع عرضها بالطريقة المتبعة في الكتب
والدراسات التقليدية التي تسرد من خلالها و كانها كومة ابحاث
لا ترابط واضح فيما بينهما،بل اهتم بالجانب المنهجي و تنسيق
البحوث على نحو يتشخص الموضع الفني و الطبيعي
لكل مسالة،ايمانا منه بان هذا التنسيق يساهم في اعطاء صورة
اوضح للمحتوى و في القدرة على تحقيقه.هذا مع الالتزام على
العموم بان لا تبتعد الطريقة المتبعة في عرض هذه البحوث
عن الطريقة المالوفة كثيرا و لو ادى ذلك الى التنازل عن بعض
مزايا المنهج الافضل،مساعدة للطالب على امكان تطبيق
مفردات هذه البحوث على ما هو معروض فعلا.
و على هذا الاساس،يتضمن هذا الجزء كل ابحاث المقدمة
المذكورة في((كفاية الاصول))المشتملة على ثلاثة عشر امرا.و
قد وزعناها على النحو التالي:
1-تمهيد،و يتضمن البحث عن تعريف علم الاصول و تحديد
موضوعه و تقسيم مباحثه.
2-المدخل لدراسة البحوث اللفظية الاصولية،و يشتمل على
بحوث الوضع و العلاقة القائمة بين اللفظ و المعنى و اقسامها و
احكام كل قسم و وسائل الاثبات و تشخيص نوع العلاقة
في مورد الشك و الالتباس.
3-بحوث لغوية ترجع بحسب المنهجة الصحيحة الى قسم
البحوث اللفظية الاصولية،و هي البحوث المرتبطة بتشخيص
مفاد الحروف و الهيئات و المستقات،ذلك ان هذه البحوث
تحتل اليوم مساحة واسعة من مباحث علم الاصول و لها اثرها
الكبير في عدة من المسائل الاصولية الاخرى.و لكن من سوء
المنهجة و لاجل عدم معهودية البحث عنها بهذه التوسعة و
التطوير في الدراسات الاصولية القديمة التي كانت تتعرض
لبحثها في سياق تقسيم مدلول الكلمة الى ما يدل على معنى
غير مستقل و معنى مستقل كمبحث تمهيدي لغوي،انساق
المتاخرون من علماء الاصول ايضا مع جعلها بحثا تمهيديا
بتعرض له في مقدمة العلم رغم انها بوضعها الفعلي تعتبر على
حد اهم البحوث الاصولية المرتبطة بالدليل اللفظ ي
من القواعد المشتركة التي تلعب دورا مهما في كيفية استنباط
الحكم الشرعي من ادلته اللفظية.
و على هذا الاساس راينا ان الصحيح درج البحث عن مفاد
الحروف و الهيئات و المشتقات في ضميم المسائل الاصولية و
ضمن مباحث الالفاظ.
و اخيرا،اذ ابتهل الى المولى القدير سبحانه و تعالى ان يوفقني
لاكمال حلقات هذه الدراسة تاليفا و نشرا اساله تعالى ان يمن
علينا و عموم المسلمين بطول عمر سيدنا الاستاذ المفدى
ويمتعنا بدوام ايام افاداته العامرة انه ولي التوفيق. النجف الاشرف 1369 هجرية محمود الهاشمي
موضوعه
تقسيمات مباحثه
تعريف علم الاصول
اختلفت كلمات الاعلام في اعطاء صياغة محددة و تعريف
جامع مانع الكافة المسائل المبحوث عنها في هذا العلم بالرغم
من اتفاقهم على ان هذه المسائل تعتبر بطبيعتها متقدمة على
بحوث علم الفقه و مسائل بنحو يجعل لعلم الاصول مرتبة اسبق
من مرتبة علم الفقه.
و الواقع،ان عملية استنباط الاحكام الشرعية التي يتكفلها علم
الفقه تعتمد على عناصر عديدة و مختلفة لا بد من توفرها
جميعا ليتمكن الفقيه على اساسها من استنباط الحكم
الشرعي.و هذه العناصر حين نفحصها نجد انها تختلف فيما
بينهما من حيث الماخذ،فبعضها يطلب من علم الحديث و
بعضها يطلب من علم الرجال،و بعضها يطلب من علم الفقه
نفسه،و اهم تلك العناصر واوسعها انتشارا ما يؤخذ عادة من
علم الاصول.و من هنا يطرح السؤال التالي نفسه((هل ان هذه
العناصر التي يبحث عنها في علم الاصول قد جمعت في اطار
هذا العلم على اساس وجودرابط فيما بينهما يميزها عما عداها
من العناصر المساهمة في عملية الاستنباط او انها جمعت
نتيجة عدم تكفل سائر العلوم بها؟))
و الاجابة الصحيحة على هذا السؤال لا بد و ان تقوم على اساس
ابراز مائز قبلي موضوعي لبحوث علم الاصول يميزها عن غيرها
من العناصر المساهمة في الاستنباط فلا يكفي لذلك مجرد
انتزاع جامع بقدر ما ينطبق خارجا على المسائل المبحوثة فعلا
في هذا العلم،كما حاوله بعض عن طريق اخذ قيد((الممهدة
لغرض الاستنباط خاصة)) في التعريف.فان مثل هذا الجامع انما
ينتزع في طول تاليف العلم فلا يمكن ان يكون على اساسه
تميز مسائله و بحوثه عن غيرها من البحوث المساهمة في
عملية الاستنباط.
والتعريف المدرسي المعروف لعلم الاصول:انه العلم بالقواعد
الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي.
و قد وجه الى هذا التعريف ثلاثة اعتراضات رئيسية:
1-انه لا يشمل المسائل الاصولية التي لا يستنبط منها حكم
شرعي بل نتيجة عملية هي المنجزية او المعذرية تجاه الحكم
الشرعي، كمسائل الاصول العملية طرا.
2-انه ينطبق على القواعد الفقهية كقاعدة ما يضمن و ما لا
يضمن و قاعدتي لا ضرر و لا حرج و بعض القواعد الفقهية
العملية كقاعدة الفراغ و التجاوز،فانها جميعا يستنبط منها
الحكم الشرعي ايضا كل بحسب مورده.
3-انه لا يميز بين المواضيع التي يدرسها علم الاصول و التي
يدرسها بعض العلوم الاخرى،كمسائل علم الرجال مثلا او بعض
المسائل اللغوية،فان وثاقة الراوي التي هي مسالة
رجالية،اوظهور كلمة(الصعيد)في معنى معين و هو مسالة
لغوية،يمكن اعتبارهما ايضا من القواعد الممهدة لاستنباط
الحكم الشرعي المرتبط بمدلول تلك الكلمة او المنقول في
رواية ذلك الراوي. مدى شمول التعريف للاصول العملية
اما الاعتراض الاول،فكان المحقق الخراساني(قده)اعترف
بوجاهته فحاول تصحيح التعريف عن طريق اضافة قيد((او
الانتهاء الى وظيفة عملية))على التعريف.
الا ان هذا ليس تصحيحا موفقا،اذ لم يشتمل على ابراز المائز
الحقيقي الجامع بين كافة مسائل العلم و انما هو مجرد عطف
للمسائل التي لم يشملها التعريف على ما شملها من
مسائل العلم،الامر الذي كان ممكنا منذ البداية بان يقال:ان علم
الاصول هو علم مباحث الالفاظ او الملازمات العقلية او الاصول
العملية و هكذا.
و هناك محاولتان للتغلب على هذا الاشكال بنحو آخر.
احداهما:ما افاده المحقق النائيني(قده):من انه اذا اريد بالحكم
الماخوذ في التعريف الاعم من الحكم الواقعي او الظاهري
دخلت مباحث الاصول العلمية ايضا((1)).
و هذا الجواب لا يمكن المساعدة عليه:
اذ يرد عليه: اولا:ان الحكم الظاهري المحفوظ في موارده
الاصول العملية يمثل نفس القاعدة الاصولية العملية و ليس
مستنبطا منها كما هو المطلوب في التعريف،على ما سوف ياتي
في شرح معنى الاستنباط.
و ثانيا:ان جملة من الاصول العملية التي يبحث عنها في علم
الاصول لا تتضمن الحكم الشرعي حتى الظاهري،و انما هي
مجرد وظيفة عملية يقررها العقل حين يعجز عن الانتهاء الى
حكم شرعي بشان الواقعة المشتبهة.
و الاخرى-ما افاده السيد الاستاذ(دام ظله)من ان المراد بكلمة
الاستنباط في التعريف هو التوصل الى الحجة على الحكم،اي
اثباته و لو تنجيزا او تعذيرا لا خصوص الاثبات
الحقيقي الواقعي.و لا اشكال في ان الاصول العملية بجميع
انواعها تثبت التنجيز او التعذير تجاه الحكم الواقعي
الشرعي((2)).
و هذه المحاولة صحيحة في التغلب على الاعتراض الاول. النقض على التعريف بالقواعد الفقهية
و اما الاعتراض الثاني،فقد ذكر في مقام دفعه وجهان.
الاول:ما افاده السيد الاستاذ-دام ظله-بقوله:((ان الاحكام
المستفادة من القواعد الفقهية سواء كانت مختصة بالشبهات
الموضوعية،كقاعدة الفراغ و اليد،ام كانت تعم الشبهات
الحكمية ايضا،كقاعدتي لا ضرر و لا حرج-بناء على جريانهما في
موارد الضرر او الحرج النوعيين-و قاعدتي ما يضمن و ما لا
يضمن و غيرها،انما هي من باب تطبيق مضامينها بانفسها على
مصاديقهاو ليست من باب الاستنباط و التوسيط، مع ان
نتيجتها في الشبهات الموضوعية نتيجة شخصية.)).
و هذه الاجابة غير تمامة، و ذلك:
اولا:لعدم اختصاص القواعد الفقهية بالقواعد التطبيقية بل
منها ما يستنبط به الحكم بنحو التوسيط-كما سياتي قريبا-
و ثانيا:ان التمييز بين المسالة الاصولية و القاعدة الفقهية
بالتطبيق نفيا و اثباتا يؤدي الى ان اصولية المسالة كثيرا ما
ترتبط بصياغتها و كيفية التعبير عنها،فمسالة اقتضاء النهي عن
العبادة لفسادهاتكون اصولية اذا طرحت بصيغة البحث عن
الاقتضاء الان البطلان حينئذ مستنبط عن الاقتضاء و ليس
تطبيقا،و لا تكون اصولية اذا طرحت بصيغية البحث عن ان
العبادة المنهي عنها باطلة اولا،لان بطلان كل عبادة محرمة
حينئذ يكون تطبيقا،مع ان روح المسالة واحدة في كلتا
الصياغتين و هذا يكشف عن ان المائز الحقيقي للقاعدة
الاصولية عن القاعدة الفقهية ليس مجرد عدم انطباق القاعدة
الاصولية على الحكم المستخرج انطباق الكلي على فرده و
انطباق القاعدة الفقهية كذلك بل امر آخر قد يكون من
مظاهره ان النسبة بين القاعدة الاصولية و النتيجة
الفقهية نسبة استنباطية لا تطبيقية و هذا ما سياتي توضيحه.
الثاني:ما ورد في كلمات السيد الاستاذ-دام ظله-و كانه وجه ثان لمحل الاشكال حيث
افاد:((و الصحيح انه لا شيء من
القواعد الفقهية تجري في الشبهات الحكمية، فان قاعدتي نفي
الضررو الحرج لا تجريان في موارد الضرر و الحرج النوعي،و
قاعدة ما يضمن اساسها ثبوت الضمان باليد مع عدم الغاء
المالك لاحترام ماله فالقواعد الفقهية نتائجها احكام شخصية
لامحالة.))((3))
و هذا الوجه بحاجة الى تمحيص و تحديد للمقصود بالشبهة
الحكمية التي افيد بان القواعد الفقهية لا تجري فيها،فان ظاهر
هذا الوجه ان قاعدة لا ضرر مثلا لو كان مناطها الضرر
النوعي فهي مما تجري في الشبهة الحكمية و اذا كان مناطقها
الضرر الشخصي فلا تكون جارية في الشبهة الحكمية.
فان اريد بالشبهة الحكمية الشك فيما يكون من وظيفة الشارع
بيانه في مقابل الشك في الامور الخارجية،فمن الواضح ان
وجوب الوضوء في حالة الضرر الشخصي حكم من وظيفة
الشارع بيانه و يكون الشك فيه حينئذ شبهة حكمية،و قاعدة لا
ضرر تجرى لتنقيح حال هذه الشبهة.و ان اريد بالشبهة
الحكمية الشك فيما يكون من وظيفة الشارع بيانه على شرط
ان يعم المكلفين جميعا،فيمكن ان يفهم على هذا الاساس
الفرق بين القول بان الميزان في قاعدة لا ضرر الضرر النوعي و
القول بان الميزان الضرر الشخصي،اذا على الاول تكون النتيجة
ثابتة لعموم المكلفين في حالة وجود الضرر النوعي و على
الثاني تختص النتيجة بمن كان الضرر فعليا في حقه،و لكن
اخذ العمومية بهذا المعنى شرطا في الشبهة الحكمية بلا
موجب.
مع ان النتيجة قد تعم جميع المكلفين حتى على القول بان
الميزان هو الضرر الشخصي،و ذلك في مقام نفي احكام هي
بطبيعتها ضررية و لم يدل دليل عليها. فلو شك في حكم
الشارع بالضمان في غير موارد قيام الدليل على الضمان امكن
نفي الضمان بلا ضرر،و النتيجة هنا عامة لا تختص بمكلف دون
مكلف لان الضرر مستنبط في الحكم بالضمان دائما فهو
منفي بالقاعدة عن كل احد.
هذا،مضافا:الى ان من القواعد الفقهية ما يكون الحكم
المستنبط منها كليا يعم جميع المكلفين،كما سياتي في
القواعد الفقهية الاستدلالية.
و التحقيق:ان ما يسمى بالقواعد الفقهية على اقسام.
الاول:ما ليس قاعدة بالمعنى الفني للقاعدة،و ذلك كقاعدة(لا
ضرر)فان المعنى الفني للقاعدة يتقوم بان تكون القاعدة امرا
كليا ذات نكتة ثبوتية واحدة بحيث ترجع الى حقيقة
واحدة،فان كانت القاعدة من المجعولات التشريعية كحجية
خبر الثقة او قاعدة الضمان باليد فوحدتها بوحدة الجعل
الموجد لها تشريعا،و ان كانت القاعدة من غير المجعولات
كقاعدة الملازمة بين وجوب الشيء و وجوب مقدمته فوحدتها
بوحدة تقررها الثبوتي بوصفها حقيقة واحدة ثابتة في نفس
الامر،و مفاد(لا ضرر)ليس الا مجموعة من التشريعات بالعدمية
جمعت في عبارة واحدة،فقصر وجوب الوضوء على غير حالة
الضرر و قصر وجوب الصوم على غير حالة الضرر مثلا ليسا
مجعولين بجعل واحد و ثابتين بتقرر واحد،بل الاول ثابت
بتقييد جعل وجوب الوضوء بغير حالة الضرر و الثاني ثابت
بتقييد جعل وجوب الصوم بغير حالة الضرر.غاية الامر،ان
الشارع جمع بين هذه التشريعات العدمية المتعددة بجعولها
في مبرز واحد،و في مثل ذلك لا تصدق القاعدة اذ لا يوجب امر
كلي وحداني يكون دخيلا في اثبات كل واحد من هذه
التشريفات بل هي جميعا تثبت في عرض واحد بدليل
واحد،فهذا من قبيل ان يقال: كل حكم يثبت للرجل في
المعاملات فهو ثابت للمراة.فان هذا ليس قاعدة بل هو تجتمع
لجعول و احكام متعددة تحت عنوان ثانوي مشترك و ابرازها
بهذا العنوان.
و ان شئت قلت:ان القاعدة عنوان ثانوي في(لا ضرر)ان اريد بها
نفس اللفظ الصادر من الشارع باعتباره دالا على تشريعات
عدمية كثيرة فيرد على ذلك ان القاعدة امر كلي و هذا
لفظ شخصي
و ان اريد بها مفاد هذا اللفظ فهو معنى كلي و لكن ليست له
وحدة ثبوتية و انما هو مجموعة من الاحكام و الجعول
المشتركة في عنوان ثانوي عبر عنها به
نعم لو فسرنا(لا ضرر)على اساس انها تشريع لحرمة
الضرر-خلافا للتفسير المشهوري لها-فحرمة الضرر و الاضرار
امر له وحدة ثبوتية فيصح ان تسمى قاعدة بالمعنى الفني
للقاعدة،الا انهاسوف تكون على غرار قاعدة(ما يضمن و ما
يضمن)من امثلة القسم الثاني من اقسام القواعد الفقهية التي
سياتي الحديث عنها.
و على ضوء ما ذكرناه من معنى القاعدة يتضح ايضا:ان القاعدة
الاصولية في بحث مقدمة الواجب ليست هي ان مقدمة الواجب
واجبة بل الملازمة.لان الملازمة لها وحدة ثبوتية في
تقررها،واما وجوب مقدمة الواجب فليست له هذه الوحدة،اذ لم
يتعلق جعل بوجوب كلي مقدمة الواجب و انما مقدمة كل
واجب واجبة بوجوب مجعول بتبع وجوب ذيها و كون مقدمة
الواجب واجبة مجرد تجميع لتلك الجعول.
الثاني:ما يكون بنفسه حكما واقعيا كليا مجعولا بجعل واحد
كقاعدة(ما يضمن) الراجعة الى الضمان باليد.و هذا يصدق عليه
القاعدة بالمعنى الفني لوحدته الثبوتية جعلا و كليته،غير انه
لايمكن ان تقع في طريق اثبات جعل شرعي لانها هي بنفسها
الجعل الصادر من الشارع وانما تقع في طريق تطبيقات و
تخصصات هذا الجعل،و هذا يخرج اذا اوضحنا ان المراد
بالحكم الذي مهدت القاعدة الاصولية لاثباته الجعل لا ما يعم
حصصه و تطبيقاته.فضمان المشتري للسلعة في البيع الفاسد و
ان كان يستخرج من القاعدة المذكورة و لكنه ليس مجعولا
براسه بل هوحصة من الحصص المجعولة بذلك الجعل الواحد.و
من هذا القسم ايضا قاعدة(لا ضرر)بناء على تفسيرها بحرمة
الضرر و الاضرار فانها على هذا تكون بنفسها جعلا شرعيا يقع
في طريق اثبات تطبيقاته و تحصصاته الخارجية،بخلاف ما اذا
فسرت بنفي الحكم الضروري بحيث يكون وزانها وزان نفي
العسر و الحرج فانها على هذا التفسير الذي هو المشهور و
المعروف بينهم تقع في طريق اثبات الجعل سعة وضيقا،الا انها
لا تكون قاعدة بالمعنى الفني لها كما تقدم.
فالقاعدة الاصولية لابد ان تقع في طريق اثبات جعل شرعي،و
هذا هو نكتة ما لوحظ سابقا من ان نتيجة القاعدة الاصولية
نسبتها اليها ليست نسبة التطبيق بل نسبة الاستنباط و
التوسيط،و هذاانما يصح فيما اذا كانت القاعدة الاصولية جعلا
شرعيا لان التطبيق معناه حينئذ كون النتيجة من صغريات
القاعدة الاصولية و مصاديقها و هذا خلف كونها جعلا مستقلا
براسه،فلا بد من اجل ذلك ان تكون النسبة بين القاعدة
الاصولية و النتيجة نسبة الاستنباط لا التطبيق.
الثالث:ما يكون حكما ظاهريا يحرز به صغرى الحكم
الشرعي،من قبيل قاعدة الفراغ و اصالة الصحة.و هذا يخرج
بنفس نكتة خروج القسم الثاني،لانه لا يقع في طريق اثبات
جعل شرعي بل في طريق اثبات مصداق المتعلق جعل او
موضوعه.
الرابع:ما يكون حكما ظاهريا يمكن ان يتوصل به الى الحجة
على الحكم الشرعي، اي على اصل الجعل،كقاعدة الطهارة
الجارية في الشبهات الحكمية ايضا.
الخامس:القواعد الفقهية الاستدلالية،و هي القواعد التي يقررها
الفقيه في الفقه و يستند اليها في استنباط الحكم
الشرعي،كقاعدة ظهور الامر بالغسل في الارشاد الى النجاسة
التي تشبه قاعدة ظهور الامر بشيء في وجوبه.
و هذان القسمان لا يمكن اخراجهما على الاسس التي خرجت
بموجبها الاقسام الثلاثة السابقة،بل يتوقف اخراجهما عن
التعريف المدرسي على ادخال تعديل عليه.
و التعديل المقترح لذلك هو اضافة قيد(الاشتراك)فيكون
الميزان في اصولية القاعدة عدم اختصاص مجال الاستفادة و
الاستنباط منها بباب فقهي معين،و بذلك يخرج القسمان
الاخيران ايضا لان قاعدة الطهارة او القواعد الفقهية
الاستدلالية و ان كانت عامة في نفسها و لكنها لا تبلغ درجة
من العمومية تجعلها مشتركة في استنباط الحكم في ابواب
فقهية متعددة.و هذا هو الذي يبرر ان يكون البحث عن كل
واحدة منها في المجال الفقهي المناسب لها،بخلاف القواعد
الاصولية المشتركة في ابواب فقهية مختلفة فانه لا مبرر
لجعلها جزءا من بحوث باب فقهي معين دون سائر الابواب. النقض على التعريف بمسائل اللغة الرجال
و اما الاعتراض الثالث.فقد اختلفت كلمات الاعلام في
محاولاتهم لعلاج التعريف من ناحيته.و فيما يلي نستعرض اهم
مواقفهم في هذا المجال: 1-موقف المحقق النائيني من النقض و حاصل ما افاده المحقق النائيني(قده)انه اخذ قيد(الكبروية)في التعريف، فذكر:ان علم الاصول هو العلم بالكبريات التي لو انضمت اليها صغرياتها استنتج منها حكم فرعي كلي.((4)) و هذه المحاولة و ان وفقت في اخراج جملة من المسائل غير الاصولية التي قد يحتاج اليها الفقيه،كوثاقة الراوي مثلا لكونها لا تقع كبرى قياس الاستنباط.الا انها تخل بالتعريف من حيث استلزامها خروج جملة من البحوث الاصولية ايضا،من قبيل المسائل الاصولية المرتبطة بتشخيص المداليل اللغوية او العرفية لبعض المواد فانها ايضا لا تقع الا صغرى لكبرى حجية الظهورفي قياس الاستنباط الفقهي،و كذلك جملة من المسائل الاصولية العقلية،كمسالة اجتماع الامر و النهي و مسالة اقتضاء الامر للنهي عن الضد،فان الثمرة الفقهية المطلوبة منهما-على ما سياتي في موضعه-تتوقف على تطبيق كبرى حجية الظهور او قواعد التعارض بين الادلة التي تنقح في هاتين المسالتين صغرياتها لا اكثر.
و حاصل ما حاوله السيد الاستاذ-دام ظله-انه اخذ قيد عدم
الاحتياج الى ضميمة اخرى في قياس الاستنباط،فذكر:ان علم
الاصول هو العلم بالقواعد التي تقع بنفسها في طريق
استنباط الاحكام الشرعية الكلية الالهية من دون الحاجة الى
ضميمة كبرى او صغرى اصولية اخرى اليها.((5))
ثم اورد عليه بنقوض مع الاجابة عليها،و هي ترجع الى نقضين
رئيسيين:
الاول:النقض ببحوث الدلالات باجمعها،فانها لا تنقح الا صغرى
الظهور، فتكون بحاجة الى ضم كبرى حجية الظهور.
و اجاب عنه:بان حجية الظهور قاعدة مسلمة مفروغ عن
صحتها عند جميع العقلاء فلا تكون مسالة اصولية.
الثاني:النقض بمسالة اقتضاء الامر بشيء للنهي عن ضده فانها
لا يترتب عليها
و حدها الا حرمة الضد غيريا و هي ليست نتيجة فقهية لعدم
منجزية الحكم الغيري، و انما النتيجة الفقهية هي فساد الضد
اذا كان عبادة،و اقتناصها موقوف على ضم كبرى اصولية هي
اقتضاءحرمة العبادة لفسادها.
و اجاب عنه،بكفاية ترتب النتيجة الفقهية على احد تقديري
البحث الاصولي، و في المقام تترتب صحة العبادة على القول
بعدم الاقتضاء و هذا كاف في صيرورة مسالة الضد
بحثااصوليا.((6))
و هذه المحاولة ايضا مما لا يمكن المساعدة عليها،لا لما قد
يقال:من استلزامها دورية التعريف،حيث اصبحت المسالة
الاصولية تعرف بعدم حاجتها الى مسالة اصولية اخرى فلابد
في المرتبة السابقة من تشخيص المسالة الاصولية،ليقال:بان
المقصود ان كل مسالة لم يكن يحتاج في مقام استنباط الحكم
منها الى غير صغراها المنقحة لموضوعها فهي مسالة
اصولية.بل لانه يرد عليها:
اولا:انه قد يراد عدم احتياجها الى كبرى اصولية فوقها بل تكون
هي كبرى القياس،و حينئذ يكون رجوعا الى المحاولة الاولى
التي افادها المحقق النائيني(قده) و قد يراد عدم احتياجها
الى مسالة اصولية اخرى و لو لم تكن كبرى قي قياس
الاستنباط، و حينئذ ان اريد عدم الحاجة اليها اصلا خرجت
الكثير من المسائل الاصولية،لكثرة موارد احتياج بعضها الى
بعض في مجال استنباط الحكم الشرعي،كما اذا اعتمد
الاستنباط على دليل غير قطعي السند او الدلالة.و ان اريد عدم
الحاجة في الجملة بان تكون المسالة الاصولية مستغنية عن
غرها ولو في موردواحد،فسوف يشمل التعريف جملة من
المسائل غير الاصولية التي قد يتفق بشانها الاستغناء في
الجملة،كما اذا وردت كلمة(الصعيد)في دليل قطعي
السند-كالنص القرآني-بحيث لم يكن الاستنباط الفقهي بحاجة الى شيء عدا تحديد مدلولها فيكون البحث عنها بحثا اصوليا
بمقتضى هذا التعريف.
و ثانيا:ان جملة من بحوث علم الاصول تحتاج دائما الى ضم
كبرى اصولية اليهالكي يتم الاستنباط،كالمسائل المرتبطة
بتشخيص اقوى الظهورين عن اضعفهما في باب العمومات
والمطلقات او في باب المنطوق و المفهوم،فانها تنقح صغرى
اقوى الدليلين التي تكون بحاجة الى ضم كبرى قواعد الجمع
العرفي و ملاكات الترجيح الدلالي في مقام المعارضة بين
الادلة.
و دعوى:ان قواعد الجمع العرفي كاصل حجية الظهور من
القضايا المسلمة المتفق عليها عند العقلاء فلا يكون البحث
عنها اصوليا.مدفوعة صغرى و كبرى.
اما صغرى:فلان كبريات الجمع العرفي بنفسها بحاجة الى بحث
و تحقيق خصوصا مع ابداء البعض لاحتمال شمول الاخبار
العلاجية لموارد الجمع العرفي،كما ذهب اليه صاحب
الحدائق(قده)في جملة من الموارد و طبقة جملة من الفقهاء
في بحوثهم الفقهية كالشيخ الطوسي(قده)في مسالة نجاسة
الخمر و غيرها.
و اما كبرى،فلان صيرورة المسالة واضحة او مسلمة لا تميزها
عن سائر مسائل العلم الواحد و انما تؤدي الى الاختلاف عنها
بحسب مقام الاثبات و الاستدلال.
فان هناك درجات من الاثبات قد تطرا على المسالة و ليست
اصولية المسالة مرهونة بالخلاف فيها،و الا لرجع الامر الى
تحديد المسالة الاصولية بمقياس يتعين في طول البحث
الاصولي،ومعه امكن الاستغناء عن التعريف بالقول بان قواعد
علم الاصول هي القواعد الدخيلة في الاستنباط غير المبحوث
عنها في علم آخر.و منه يعرف ما في جوابه-دام ظله-عن
النقض بمباحث الالفاظ.
و ثالثا:فيما يخص الجواب عن النقض بمسالة الضد توجد عدة
ملاحظات على ما يلي:
1-ان القول بعدم الاقتضاء لا يكفي للحكم بصحة العبادة الضد
ما لم تضم اليه ايضا قاعدة اصولية اخرى هي ثبوت الامر
الترتيبي،او امكان استكشاف الملاك بعد سقوط الخطاب
في موارد التزاحم.
2-جعل ثمرة بحث الاقتضاء صحة العبادة الضد او بطلانها غير
فني،لان النهي الغيري عن الضد ان كان صالحا للتنجيز كان
هو الثمرة،و الا فلا يمكن ان ينقح به اثباتا او نفيا صغرى
اقتضاءالنهي عن العبادة لفسادها و بالتالي الحكم ببطلان
العبادة الضد،و انما الصحيح جعل ثمرة هذا البحث-على ما
سياتي في محله-ثبوت الامر الترتبي بالضد العبادي على القول
بعدم الاقتضاءالمستلزم لصحته و الاجتزاء به و عدمه على القول
بالعدم المستلزم لعدم الاجتزاء به.
3-ان ترتب الصحة على القول بعدم الاقتضاء من دون حاجة الى
مسالة اصولية اخرى ليس من الاستنباط بناء على ما تقدم
منه-دام ظله-في دفع الاعتراض الثاني، لكونه بنحو التطبيق
لاالتوسيط. 3-موقف المحقق العراقي من النقض
و حاصل ما حاوله المحقق العراقي(قده)انه جعل اصولية
القاعدة مرهونة بكونها متكفلة للدلالة على الحكم و ناظرة الى
اثباته بنفسه او بكيفية تعلقه بموضوعه .((7))
و بهذا يمكن تفسير الفرق بين ظهور صيغة الامر في الوجوب و
ظهور كلمة الصعيد او وثاقة الراوي،فان الاول دال على الحكم
بنفسه و ناظر اليه دون الثاني.
و لا ينقبض عليه بمثل بحوث العام و الخاص او المطلق و
المقيد او بحوث الجملة الشرطية و الوصفية،بدعوى:انه
كالبحث عن مدلول كلمة الصعيد لا يكون ناظرا الى اثبات
الحكم.لان البحث فيها يرجع بحسب الحقيقة الى البحث عن
كيفية تعلق الحكم بموضوعه من حيث كونه عاما او خاصا او
كونه بنحو التعليق اولا،فتكون القاعدة الاصولية اللفظية في
هذه البحوث ايضاناظرة الى اثبات الحكم.
و هذه المحاولة ايضا مما لا يخلو من اشكال.لانها تؤدي الى خروج مثل مسالة اقتضاء
الامر بشيء للنهي عن ضده،بناء على
ان الحكم المطلوب اثباته بها فقهيا ليس هو حرمة الضد بل
الامرالترتيبي به او صحته و بطلانه،و واضح ان قاعدة الاقتضاء
لا تكون ناظرة الى اثبات ذلك بصيغتها المطروحة في علم
الاصول و قد يرجع واقع مراد المحقق العراقي(قده)الى معنى
آخرياتي توضيحه.
و هكذا يتضح:ان جميع المحاولات التي افيدت لعلاج الاعتراض الثالث و دفعه غير
تامة.كما انها لا تتم في علاج الاعتراض الثاني المتقدم على ما يظهر بشيء من التامل.
و الصحيح في تعريف علم الاصول بنحو تعالج به كل المشاكل
المثارة بوجهه ان يقال: علم الاصول هو العلم بالعناصر
المشتركة في الاستدلال الفقهي خاصة التي يستعملها الفقيه
كدليل على الجعل الشرعي الكلي.
و نلاحظ ان هذا التعريف يضع للمسالة الاصولية عدة خصائص.
الاولى:ان تكون عنصرا مشتركا لا يختص بباب دون باب من
ابواب الفقه.
و توضيح ذلك:ان الادلة التي يمارسها الفقيه في مجال
استنباط الحكم الشرعي تكون على قسمين:
1- ما يكون دليلا خاصا معتمدا في استنتاج حكم فقهي
معين،من قبيل البحث عن مدلول كلمة(الصعيد)لغة،فانه قد
يستند اليه الفقيه كدليل على اثبات حكم شرعي في الفقه الا
انه لا يكون عنصرا مشتركا يستدل به في ابواب فقهية متنوعة.
2- ما يكون دليلا مشتركا سيالا في مختلف الابواب
الفقهية،كالبحث عن تحديد مدلول صيغة الامر او النهي،فانه
يوفر للفقيه قاعدة عامة في تشخيص مداليل النصوص الشرعية
المتكفلة لامراو نهي،و الامر و النهي لا يختصان بباب فقهي
دون باب.
و قد لوحظ من خلال توسع الممارسات الفقهية الاستدلالية و
تطورها تدريجيا ان القسم الثاني من عناصر الاستنباط هذه
باعتبار اشتراكه في اكثر من باب فقهي و عموميته في
عمليات الاستنباط يكون اوسع من البحث الفقهي في هذا
الباب او ذاك،بحيث لم يكن من الصحيح اعتباره جزءا من
بحوث مسالة فقهية معينة،او تكرار البحث عنه في كل
مسالة.بل الصحيح افرادالحديث عنه في فصل مستقل تدرس
فيه تلك العناصر كبرويا ثم تطبق النتائج المنقحة هناك في
البحوث الفقهية كمصادرات مفروغ عنها سلفا و من هنا بدا
البحث عن هذا القسم من عناصرالاستنباط ينفصل شيئا فشيئا
عن البحوث الفقهية حتى اصبح على شكل علم مستقل له
خصائصه المتيزة و منهجه الخاص.
فهذه الخصوصية من اهم مميزات المسالة الاصولية،و بها
تخرج مسائل اللغة التي لم يبحثها الاصوليون عن التعريف،و
كذلك جملة من القواعد الفقهية،لانها لا تشكل عناصر
مشتركة.
الثانية-ان يكون هذا العنصر المشترك من عناصر الاستدلال
الفقهي و نعني بالاستدلال الفقهي الاستدلال الذي يقوم به
الفقيه لتحديد الوظيفة تجاه الجعل الشرعي الكلي،فما لا
يدخل في نطاق هذا الاستدلال لا يكون اصوليا،كقاعدة الفراغ او
اصالة الصحة،لانها و ان كانت عنصرا مشتركا و لكنها مختصة
بالشبهات الموضوعية و لا تقع عنصرا في الاستدلال المحدد
للوظيفة تجاه جعل شرعي كلي.
الثالثة-ان يكون هذا العنصر المشترك مرتبطا بطبيعة
الاستدلال الفقهي خاصة و ليس من العناصر المشتركة في
عمليات الاستدلال على العموم،و الا كان بحثه من وظيفة علم
المنطق لاالاصول،فان علم الاصول بمثابة المنطق للفقه
خاصة فهو يبحث العناصر المشتركة في الاستدلال الفقهي
بينما يبحث المنطق عن العناصر المشتركة في طبيعي
الاستدلال.
الرابعة-ان يكون هذا العنصر المشترك مما يستعمله الفقيه في
الاستدلال الفقهي دليلا على الجعل الشرعي الكلي،و من دون
فرق بين انحاء الدليلية من كونها لفظية او عقلية او شرعية
وتوضيح ذلك:ان الادلة التي يعتمد عليها الفقيه في استدلاله
الفقهي على اقسام: 1-الدليل اللفظ ي-و يراد به كل دليل تكون
دلالته على اساس الوضع اللغوي او العرفي العام فيشمل
دلالة الفعل و التقرير ايضا.
2-الدليل العقلي البرهاني-و هو الدليل الذي تكون دلالته على
اساس علاقات و ملازمات واقعية تثبت بحكم العقل البديهي او
بتوسط برهان.
3-الدليل العقلي الاستقرائي-و هو الدليل القائم دلالته على
اساس حساب الاحتمالات الذي هو الاساس العام في الادلة
الاستقرائية.
4-الدليل الشرعي-و هو ما جعله الشارع دليلا لتشخيص
الوظيفة العملية تجاه الحكم الشرعي المشتبه.
5-الدليل العقلي العملي-هو كل كبرى عقلية تشخص الوظيفة
تجاه الواقع المشكوك تعذيرا او تنجيزا،كقاعدتي البراءة و
الاحتياط العقليين. |
|---|