مباحث الدليل الفضي -3-

بحوث النواهى

 دلالات صيغة النهى


-مدلول صيغة النهى -دلالة النهى على الاستغراق -كيفية امتثال النهى -النواهى المتعلقة بالجامع الانتزاعى

الفصل الاول: دلالات صيغة النهى

و البحث حولها من جهات: الجهة الاولى-فى مدلولها.و قد اشتهر بين قدماء الاصوليين ان مفاد صيغة النهى هو الطلب كمفاد الامر الا ان الاخير يدل على طلب الفعل و النهى يدل على طلب الترك.

و قد رفض هذا الكلام مشهور المحققين المتاخرين من علماء الاصول مدعين ان مدلول النهى مختلف عن الامر ذاتا فكل منهما يدل على معنى مغاير و مباين للاخر لا انهما يدلان معا على الطلب و يختلفان فى متعلقه فقط.

و بهذا الصدد نورد ثلاث كلمات:

الكلمة الاولى- ما نسبه السيد الاستاذ الى مشهور المعترضين على الراي السابق فى مفاد النهى، حيث ذكروا ان الامر يدل على البعث نحو الطبيعة و التحريك اليها بينما النهى يدل على الزجر و التبعيد عنها.

ثم اشكل عليه بانه لو اريد من التحريك و الزجر، التحريك و الزجر التكوينيان فواضح انهما ليسا مدلولى الامر و النهى و ان اريد منهما التحريك و الزجر التشريعيان فذلك يحصل بنفس الامر و النهى حيث انهما بوجوديهما الواقعيين لا بمدلوليهما مصداقان للتحريك و الزجر فلابد و ان يكون مدلولهما امرا آخر غير التحريك و الزجر.

اقول:ما نسبه الى المعترضين بهذا المقدار من البيان لا يكون برهانا على رد مقالة السابقين اللهم الا ان يراد منه دعوى الوجدان و التبادر العرفى و هذا صحيح بالاضافة الى منبهات لهذاالوجدان سوف نشير اليها فيما ياتى.

و اما الاعتراض الذي وجهه عليهم فكانه انسياق مع مبانيه فى باب الوضع و انه عبارة عن التعهد الذي يستوجب ان يكون الوضع هو منشا الدلالة التصديقية الموجودة فى الجملة التامة حيث يقال حينئذ انه لا يمكن افتراض وضع الامر و النهى للتحريك و الزجر بمعنى كشفهما عنهما اذ لو كشف عن التحريك و الزجر التكوينيين كان واضح البطلان و لو كشف عن تحريك وزجر تشريعيين فهما بنفسيهما مصداقان لذلك لا انهما يكشفان عنه.

و اما على المسلك المشهور و المختار من ان الوضع منشا الدلالة التصورية فقط فمدلول مادة الامر و النهى معنى اسمى و مدلول هيئتهما النسبة التكوينية الخارجية المنتزع عنها ذلك المعنى الاسمى-كما حقق فى معانى الهيئات-و هى النسبة الارسالية التحريكية فى الامر و النسبة الزجرية التبعيدية فى النهى و كلتا النسبتين يراد منهما الارسال و الزجر الخارجين التكوينيين لا التشريعيين و لكنه كمفهوم تصوري لا تصديقى كى يقال بانه واضح البطلان فان الدلالة التصديقية تكون بالظهور الحالى فانه يكشف كشفا تصديقيا عن ان المراد النفسى والداعى الحقيقى للمتكلم انما هو داعى التحريك التشريعى و الزجر التشريعى بالامر و النهى و بذلك يكون مدلول النهى غير الامر تصورا و تصديقا.

الكلمة الثانية-فيما اختاره السيد الاستاذ نفسه من ان الامر يدل على وضع الفعل و اعتباره فى ذمة العبد و النهى يدل على اعتبار حرمان المكلف عن الفعل و ابتعاده عنه لا اعتبار تركه على ذمته و الشاهد عليه بناءا على مسلك العدلية من تبعية الاحكام للمصالح و المفاسد فى متعلقاتها ان الامر يتبع مصلحة فى الفعل فيناسب اعتبار الفعل فى ذمة المكلف و النهى يتبع مفسدة فى الفعل فالفعل هو مركز البغض فيناسب اعتبار حرمان المكلف منه.

اقول:اما المصير الى فرض مدلول الامر و النهى هو الاعتبار فهذا ايضا يكون منه انسجاما مع مسلكه فى الوضع بنحو ينشا منه الدلالة التصديقية و قد تقدم فى محله توضيح ان المدلول الوضعى للامر ليس هو الاعتبار و ان كان قد يستظهر كون المدلول التصديقى هو الاعتبار بدلالة سياقية.

و هنالك بعض الشواهد على ذلك من قبيل ان فكرة الاعتبار و ما يرتبط بها و ما تستلزمه من افتراض وعاء ذمة و عهدة للمكلف امور دقيقة معقدة لا تنسجم مع الدلالة الوضعية التى هى ابسط و اقدم تصورا من مثل هذا التعقيد، و ان صيغة الامر كما تصدر من العالى الذي قد يكون لديه اعتبار كذلك قد تصدر من الدانى الى العالى كما فى قولنا((ربنا اغفر لنا)) بينما لا يخطر على بالنا افتراض جعل شىء فى ذمة اللّه تعالى و اعتباره على عهدته((1)).

و اما الاستدلال على كون مفاد النهى اعتبار حرمان المكلف لا اعتبار الترك فى ذمته بمذهب العدلية فيرد عليه.

اولا:اننا نتكلم فى الوضع اللغوي الثابت قبل تكون مثل هذه المسالك الفلسفية لدى علماء المسلمين فما معنى الاستدلال على مدلول لغوي وضعى بمذهب كلامى لدى فرقة من المسلمين.

و ثانيا:ان مذهب العدلية لا يقتضى ذلك اذ المولى كما يمكنه ان يتوصل الى تبعيد المكلف عن مفسدة الفعل عن طريق اعتبار حرمانه كذلك يمكنه ان يتوصل الى نفس النتيجة عن طريق اعتبار الترك فى ذمته و مجرد مناسبة اعتبار الحرمان مع مفسدة الفعل لا تكون دليلا على ان الواضع قد لاحظ هذه المناسبة بعين الاعتبار و لم يغفل او يتغافل عنها.

الكلمة الثالثة-ما هو المختار فنقول:ان ما قيل فى الكلمة الاولى من الفرق بين مفاد صيغة النهى و مفاد صيغة الامر صحيح.

فكل من الصيغتين لها دلالة تصورية و تصديقية و هما تختلفان فى كلتا الدلالتين على ما تقدم و الحجة عليه هو الوجدان القاضى بان ما يفهم من صيغة افعل يختلف عما يفهم من صيغة لاتفعل اختلافا ذاتيا لا اختلافا بحسب المتعلق كما هو مدعى القدماء.و هناك منبهات لهذا الوجدان اهمها:

ان الصيغتين لو كان مفادهما متباينين-كما هو المدعى-فلا نحتاج الى افتراض شىء ورا المعنى الحرفى للهيئة و المعنى الاسمى للمادة فى اقتناص مفاد الامر و النهى كاملة.

فيكون مدلول(صل)مثلا هو الارسال و التحريك نحو الصلاة اي النسبة الارسالية نحو الصلاة و مدلول(لا تصل) مثلا هو الزجر و المنع عن الصلاة اي النسبة الزجرية عن الصلاة.

و اما اذا اخذنا بوجهة نظر القدماء فنحتاج الى توسيط عنصر ثالث و ادخال معنى آخر غير مفاد الهيئة و المادة فى مفاد النهى اذ الطلب او النسبة الطلبية او التحريكية هل يكون متعلقا بالمادة فهذا خلف المقصود من النهى او يكون متعلقا بتركها فهذا ادخال عنصر الترك الذي لا يكون مدلولا للمادة فى مدلولها لان مدلولها الطبيعة التى و ان كانت لم يؤخذ فيها لا الوجود و لا العدم الا انها انما تصلح مرآة لما يوجد من افرادها لا لتركها فهذه المشكلة التى يواجهها اصحاب هذا الاتجاه تجعلهم امام امرين فاما ان يلتزموا بدال ثالث ورا الهيئة و المادة يدل على هذا العنصرالغريب عنهما و هذا خلف المفروض او ان ياخذونه فى مدلول احد الدالين، فان اخذ فى طرف المادة بدعوى:ان الصلاة فى لا تصل مثلا مستعملة فى ترك الصلاة مجازا و عناية فهذا واضح البطلان بحسب وجدان كل عرفى القاضى بعدم عناية و لا تجوز فى طرف النواهى كالاوامر و ان اخذ فى طرف المادة بان اخذت فانية فى الترك الخارجى فهذا ايضا مستحيل لما قلناه من ان الطبيعة انما تفنى فى وجودها فى الخارج لا فى عدمها.

و ان اخذ فى طرف الهيئة فهذا ايضا غير عرفى بل خلاف الاوضاع اللغوية لان الهيئة معنى حرفى نسبى و الترك معنى اسمى لابد و ان يقع طرفا للنسبة و نحن لم نعهد ان يكون ما له معنى حرفى دالا على النسبة و طرفها معا.

ثم لو فرضت الدلالة على ذلك فنحتاج الى نسبة اخرى بين الترك-المعنى الاسمى المدلول عليها بالهيئة-و بين المادة و هى الطبيعة و هى نسبة الاضافة لان المطلوب انما هو ترك المادة لامطلق الترك و لا دال على هذه النسبة الثانية فايضا لابد من اقحامها فى مدلول الهيئة فهذه مشاكل و متاعب تثيرها هذه الفرضية لمفاد النهى.

 

الجهة الثانية

- فى ان المستفاد من صيغة النهى هل هو الانحلال بحيث يكون الحكم استغراقيا ام انه لا توجد الا حرمة واحدة كالوجوب المستفاد من الامر؟ المعروف ان المستفاد من النهى التحريم المطلق بنحو الاطلاق الاستغراقى فيكون هناك تحريمات عديدة بعدد الافراد لا حرمة واحدة و الاثر العملى بين القولين انه على القول بوحدة التحريم لو صدر منه الفعل مرة جاز له ان يرتكب فردا آخر منه و اما على القول بانحلالية التحريم فيكون الفرد الثانى محرما كالفرد الاول بحرمة اخرى مستقلة لا تسقط بعصيان الاولى.

و الصحيح ما عليه المشهور فمتعلق النهى اطلاقه شمولى استغراقى بخلاف متعلق الامر الذي يكون اطلاقه بدليا و يكون المطلوب صرف وجوده.

من هنا يرد السؤال:انه كيف اصبح الفرق بينهما مع ان الاطلاق فى المدلولين معا بمقدمات الحكمة و هى واحدة فى المقامين.

و قد عالج السيد الاستاذ-هذا الاشكال ببيان ان هناك مقدارا مشتركا من مقدمات الحكمة يجري فى مورد البدلى و الشمولى معا و هذا المقدار المشترك ليس هو المعين للشمولية او البدلية و انما يضم اليه ضميمة و مقدمة عقلية فى بعض الموارد فينتج البدلية و يضم اليه ضميمة و مقدمة اخرى فينتج الشمولية((2)).

و لاجل توضيح هذه الفكرة نورد ثلاثة امثلة.

الاول:فى متعلقات الاوامر كما اذا قال المولى(صل)فانه لا يخلو من ان يكون متعلق الامر احد شقوق فاما هو جميع الصلوات-و هو معنى الاطلاق الشمولى-و اما هو احدى الصلوات و هوالاطلاق البدلى-و اما هو مجموعة من الصلوات.

و الشق الثالث يبطل بمقدمات الحكمة بصيغتها المشتركة العامة، اذ اي خصوصية فى تلك المجموعة كى تحمل الطبيعة عليها فقط فلو كان المقصود واحدة من المجاميع المتصورة كان عليه ان ينصب التقييد عليها.

و الشق الاول يبطل بمقدمة عقلية و هى عدم المقدورية، اذ كيف يمكن الاتيان بجميع الصلوات مع ان افرادها العرضية متزاحمة و متضادة فيتعين الشق الثانى و هو الاطلاق البدلى.

الثانى:فى متعلقات النواهى كما اذا قال(لا تكذب)فانه ايضا فيه ثلاثة احتمالات، ان يكون الحرام جميع افراد الكذب اي كل كذب-و هو الاطلاق الشمولى-و ان يكون الحرام احد افرادالكذب-و هو الاطلاق البدلى-و ان يكون الحرام مجموعة من افراد الكذب-كالكذب على اللّه و رسوله مثلا و الكذب فى حالة الصوم مثلا-و الشق الثالث هنا ايضا يبطل بمقدمات الحكمة بصيغتها المشتركة فى جميع الموارد اذ لو كان المراد مجموعة او فئة معينة من الاكاذيب و هو فى مقام البيان لكان عليه ان ينصب قرينة عليه، و اما الشق الاول و الثانى فى المقام فنجد ان المقدمة العقلية تنفى الشق الثانى اي الاطلاق البدلى لان الاطلاق البدلى غير معقول اذ مقتضى طبع المطلب ان يترك الانسان كذبا واحدا على الاقل اي احد افراد الكذب فانتراك كذب واحد ضروري قهري فلا يعقل التكليف به فيتعين الشق الاول و هو الاطلاق الشمولى.

الثالث: ما سماه بموضوعات الاحكام الوضعية((كاحل اللّه البيع))فانه ايضا يرد فيه الاحتمالات الثلاثة، حلية كل بيع و حلية احد البيوع و حلية مجموعة معينة من البيوع كالعقدية مثل، والاحتمال الثالث ينفى بالقدر المشترك من مقدمات الحكمة و الاحتمال الثانى ينفى بمقدمة عقلية اذ من اللغو حلية بيع لا بعينه فيتعين الاحتمال الاول اي الاطلاق الشمولى.

و هذا الكلام فيه عدة مواضع للنظر نقتصر فيه على نكتتين:

النكتة الاولى:ان استفادة البدلية او الشمولية فى كل مورد ليس بميزان لغوية الاخر و عدم معقوليته مع ضم القدر المشترك بدليل انه فى كثير من الموارد يكون كل منهما معقولا و مع ذلك لا شك فى ان صناعة الفهم العرفى تقتضى تعيين احد الوجهين و ذلك كما فى موضوعات الاوامر لا فى متعلقاتها.من قبيل ما اذا قال(اكرم العالم)فانه بالنسبة الى الموضوع و هو العالم لااشكال فى ان مقتضى الاطلاق فيه الشمولية و ثبوت الحكم على كل فرد من افراد طبيعة العالم مع انه لا استحالة و لا لغوية فى ان يكون بدليا بان يجب اكرام عالم ما فقط، بل كل من الشمولية و البدلية معقول على حد واحد فهذا يبرهن على ان ورا مسالة استحالة البدلية فى هذا المورد او الشمولية فى ذلك المورد توجد نكتة اخرى هى التى تقتضى البدلية اوالشمولية.

النكتة الثانية:فى موارد متعلقات الاوامر-المثال الاول-ما افيد غير كاف للانتهاء الى البدلية و ذلك لاننا اذا بنينا على عدم شرطية القدرة فى الخطاب اصلا و افترضنا انه شرط فى مقام الامتثال فقط كما ادعاه الاستاذ فى بحث الترتب و ان لم اعهد منه التفريع عليه فى مورد اصل، فلا مانع من اطلاق الخطاب لكل افراد المتعلق غاية الامر ان الامتثال اللازم بحكم العقل يختص بالمقدور منها.

و اما اذا قلنا بان شرطية القدرة بحكم العقل فحيث ان هذا المقيد لبى كالمتصل فلا ينعقد اطلاق لغير المقدور من افراد المتعلق فتثبت الشمولية فى حدود هذا المقيد المتصل الذي يقيددائرة الاطلاق الشمولى كسائر المقيدات للاطلاقات الشمولية، و كذلك الحال لو قلنا بان الخطاب يقتضى تقييد المادة بالمقدور منها بل الحال على ذلك اوضح كما لا يخفى.

فلابد من التفتيش عن نكتة اخرى لاقتضاء البدلية فى متعلقات الاوامر و الشمولية فى متعلقات النواهى ورا هذه الكلمات.

و تلك النكتة قد شرحناها مفصلا فى بحث المرة و التكرار.و نوجزها هنا قائلين:

ان البدلية و الشمولية تارة تكون فى العمومات و اخرى فى المطلقات.اما فى العمومات فالدال عليها لفظ ى ف(كل)موضوعة للدلالة على الشمول او(اي)موضوعة للدلالة على العموم البدلى، و اما المطلقات فقد قيست على العمومات و تصور فيها ايضا ان البدلية و الشمولية من شؤون الاطلاق و مقدمات الحكمة.

و الصحيح ان الاطلاق و مقدمات الحكمة لا يثبت الا ان موضوع الحكم هو الطبيعة من دون قيد زائد و اما البدلية و الشمولية فهما من شؤون تطبيق الحكم و ليسا مدلولين لمقدمات الحكمة و لا للوضع، فان الحكم على الطبيعة لو كان غير قابل للانطباق على جميع الافراد فهو بدلى و الا فشمولى.

و توضيح ذلك:ان هناك متعلقا للحكم و موضوعا و الموضوع يفرض مفروغا عن وجوده بخلاف المتعلق اذ لو كان مفروغا عنه قبل الحكم كان الامر به تحصيلا للحاصل، و حينئذ يقال:ان الطبيعة المفروغ عنها فى المرتبة السابقة على الحكم يستتبع لا محالة انطباقها على جميع ما يصلح ان يكون مصداقا لها فيتعدد الحكم بتعدد فعليات تلك الطبيعة كما هو شان القضية الشرطية، فاكرم العالم يرجع الى قولنا ان كان هذا عالما وجب اكرامه، هذا فى طرف الموضوعات و اما فى طرف المتعلقات فالقاعدة تقتضى العكس لان المتعلق لم يفرض وجوده كى يتعددالحكم تطبيقا بتعدد فعلياته.بل انما يثبت بنفس الحكم فلا موجب لتعدده.

و بتعبير واضح ان القضية الحقيقية المناط فيها الحكم بالشرط انما يتعدد بلحاظ الشرط لا بلحاظ المتعلق و الجز، و من هنا قلنا فى بحث المرة و التكرار، ان الاصل فى الموضوعات هوالاطلاق الشمولى و الاصل فى المتعلقات هو الاطلاق البدلى، و لكنه يوجد استثناء ان لذلك احدهما-عن الاصل الاول حيث يستثنى من هذا الاصل فى الموضوعات ما اذا كان الموضوع منونا من قبيل اكرم عالما-حيث ان الاسم يحتاج الى ما يتكئ عليه من تنوين او الالف و اللام-فيصير الاطلاق بدليا من جهة ان تنوين التنكير يكون ظاهرا فى اخذ قيد الوحدة و صرف الوجود فيه و هذا لا يعقل مع الشمولية((3)).

و الاستثناء الثانى عن الاصل الثانى فى المتعلقات حيث يستثنى منه متعلقات النواهى فانه يستفاد منها ان كل فرد من المتعلق موضوع مستقل للحرمة و هو معنى الشمولية، و قرينة ذلك غلبة نشوء النهى عن المفسدة و غلبة كون المفسدة انحلالية بعدد الافراد على ما تقدم شرحه مفصلا فى ابحاث المرة و التكرار و قد تعرض السيد الاستاذ الى هذه القرينة فى المقام و لم يرتضها بل اعترض عليها بامرين:

الاول:انه انما يتم بناءا على تبعية الاحكام للمصالح و المفاسد و اما اذا انكرنا ذلك كما هو مسلك الاشاعرة فلا موضوع لهذه القرينة.

الثانى:ان هذا تخرص و رجم بالغيب اذ نحن لا نعرف ملاكات خطابات المولى بل انما نستكشف انحلالية الخطاب بها.و كلا الاعتراضين مما لا يمكن المساعدة عليهما.

اما الاول:فلان الكلام فى الظهور العرفى اللغوي للكلمة و النزاع بين الاشعري و غيره نزاع ثبوتى فى الاحكام الشرعية خاصة و من الواضح ان الاشاعرة الذين ينكرون ذلك فى احكام اللّهلا ينكرونه فى حق نواهى الناس و هذا كاف فى تمامية القرينة المدعاة.و ان شئت قلت:ان الغالب كون المبغوضية و المفسدة التى هى ملاك النهى فى كل فرد من افراد الطبيعة سوا كانت تلك المفسدة راجعة الى العبد او الى المولى نفسه او كانت جزافية و تحكمية و هذا لا ربط له ببحث التبعية بين الاشعري و المعتزلى.

و بهذا يندفع الامر الثانى ايضا اذ المدعى غلبة انحلالية ملاكات النواهى العرفية لا الشرعية و هذه الغلبة تستوجب الظهور فى النهى فيكون حجة لو صدر ذلك النهى عن الشارع ايضا.

و بما ذكرناه ظهر وجه الفرق بين الاوامر و النواهى حيث يكون الامر ساقطا بالعصيان او الامتثال مرة بخلاف النهى فانه لا يسقط بالعصيان مرة و ليس ذلك الا من جهة تعدد الحرمة و النهى و وحدة الامر.

و قد اتضح بذلك ما فى كلام المحقق الخراسانى من تفسير ثبوت النهى و الحرمة للشرب الثانى بالتمسك باطلاق المتعلق للشرب الثانى بعد الشرب الاول فانه قد تبين ان الاطلاق لايقتضى اكثر من كون الطبيعة بما هى موضوع الحكم من دون فرق فى ذلك بين باب الاوامر و النواهى و اما الاستغراقية او البدلية فبحاجة الى نكتة اخرى على النحو الذي شرحناه.

 

الجهة الثالثة:

انه اذا فرضنا وحدة النهى و عدم انحلاليته فصار مفاد لا تشرب ثبوت حرمة واحدة على حد الامر بالطبيعة، مع ذلك سوف يبدو لنا فرق بين الامر و النهى غير ما كنا بصدده فى الجهة السابقة-و هو الانحلال الى عدة تكاليف-فانه و ان لم يكن فرق بينهما من حيث السقوط بالعصيان الا انه يبقى بينهما فرق فى كيفية الامتثال فان الامر يمتثل باتيان فرد من افراد الطبيعة و لا يكون عصيانه الا بان يترك تمام افرادها و اما النهى فالتحريم الواحد انما يمتثل باجتناب تمام افراد الطبيعة و لا يكفى اجتناب بعض افراده، و هذه ليست دلالة لفظية بل من جهة حكم العقل بان الطبيعة الواحدة مفهوما لا تنعدم الا بانعدام تمام افرادها و لكنها توجد بوجود فرد واحد، و المطلوب فى طرف الامر هو الايجاد فيكون بواحد بينهما المطلوب فى طرف النهى الاعدام فلا يكون الا بانعدام الجميع.

و بما ذكرناه من التمييز بين هذا الفارق و بين الفارق فى الجهة السابقة اتضحت جملة من المغالطات فى كلمات المحققين من اهمها ما وقع فى تقريرات المحقق العراقى(قده) من طرح المشكلة ابتداا بما ذكرناه فى الجهة السابقة من بقاء النهى بعد العصيان بينما لا يبقى الامر بعد العصيان و جعل جوابها الكلام المشهور اي ربطها بالفارق العقلى فى كيفية الامتثال الذي قلناه فى هذه الجهة، مع ان هذا المطلب لا دخل له فى دفع تلك المشكلة و جوابها هو ما قلناه فى تلك الجهة من انحلالية النهى و بدلية الامر.

و ايا ما كان فالبحث هنا عن الفارق المذكور بين كيفية امتثال الامر و كيفية امتثال النهى و انه هل صحيح ما ذكر من حكم العقل فى كيفية وجود الطبيعة و عدمها؟حيث ان المحققين المتاخرين انكروا ذلك و قد حققنا هذه المشكلة مفصلا فى بحث المرة و التكرار و اثبتنا صحة ما ذهب اليه المشهور فى حل المشكلة.

و ملخص ما قلناه هناك:ان الطبيعة اذا لاحظنا وجودها الخارجى فالاتجاه الصحيح و المشهور فيه هو ان نسبة الكلى الطبيعى الى افراده الخارجية انما هى نسبة الاباء الى الابناء فى قبال اتجاه الرجل الهمدانى القائل بان نسبة الطبيعى الى افراده نسبة الاب الواحد الى ابنائه فيقال على مستوى البحث الفلسفى بصحة الاتجاه الاول الذي سار عليه ابن سينا دون الاتجاه الثانى الذي سلكه الرجل الهمدانى.

و قد ربطت المسالة الاصولية هذه بتلك المسالة الفلسفية ايضا فقيل:بانه اذا كان الطبيعى يوجد بوجودات متعددة و ان وجود كل فرد ناقض لعدم الطبيعة فى ضمن ذلك الفرد لا مطلقا فلامعنى لما اشتهر من ان الكلى يوجد بفرد واحد و لا ينعدم الا بانعدام تمام افراده، لان وجود الطبيعى فى ضمن كل فرد لا يحفظ الا فى ضمن ذلك الفرد و لا يعدم الا بعدم ذلك الفرد فكماان هناك وجودات عديدة للطبيعة هناك اعدام عديدة لها ايضا فاذا كان الامر متعلقا بوجود واحد كذلك النهى يتعلق بعدم واحد من تلك الاعدام.

هذا ملخص ما انتهى اليه المحققون المتاخرون.

و قد ذكرنا فى بحث المرة و التكرار ان هذا الربط بين المسالتين فى غير محله فان بطلان مسلك الرجل الهمدانى انما هو بلحاظ المسالة الفلسفية و عالم الوجود الخارجى للطبيعة، و امابلحاظ المسالة الاصولية و بالقياس الى عالم الذهن الذي ينتزع جامعا يكون قدرا مشتركا بين الافراد فيصح كلام الرجل الهمدانى حقيقة بلا اشكال حتى من ابن سين، اذ لا اشكال فى وحدة الكلى عنوانا و مفهوما و متعلق الامر و النهى انما هو الوجود العنوانى للمتعلق اي المفهوم لا الوجود فما يكون متعلقا للامر حقيقة ينحفظ بفرد واحد و لا ينعدم الا بانعدام تمام افراده و هذاهو معنى تلك الكلمة المشهورة، و المطلوب فى الاوامر حفظ ذلك المفهوم الطبيعى بينما المطلوب فى النواهى اعدامه.

الجهة الرابعة:و تشتمل على تنبيهين مرتبطين بالجهتين السابقتين.

التنبيه الاول:ان هاتين الخصيصتين اللتين تميزان النهى عن الامر فى الجهتين السابقتين ثابتتان للنهى سوا كان النهى مدلوله الزجر عن الفعل او طلب الترك و لذلك لو صرح بطلب الترك ايضا كانت الخصيصتان مستفادتين منه كما اذا قال (اترك الصلاة)فانه يستفاد منه نفس ما يستفاد من النهى عن الصلاة فى مثل (لا تصل).

و الوجه فى ذلك ان كلتا النكتتين موجودتان فى طلب الترك اعنى نكتة نشوء طلب الترك غالبا من مفسدة الفعل التى هى انحلالية فيكون الحكم انحلاليا و نكتة ان الطبيعة لا تترك الا بترك تمام افرادها فيكون امتثاله بترك تمامها.

التنبيه الثانى:

ان قاعدة ان الطبيعة توجد بفرد واحد و لا تنعدم الا بانعدام تمام افرادها بالتفسير المتقدم تنطبق على كل الطبايع و الكليات الا الجامع الانتزاعى مثل احدهما فانه لو قال(اوجداحدهما)استفيد منه لزوم ايجاد احدهما بينما اذا قال اعدم احدهما او اترك احدهما لا يستفاد منه لزوم تركهما و اعدامهما معا مع ان القاعدة العقلية لا تقبل التخصيص و بعبارة اخرى مثل عنوان احدهما يختلف عن اي عنوان جامع آخر فى انه يمكن ان يصدق فى حقه فى آن واحد الوجود و العدم معا فنقول احدهما موجود و احدهما معدوم و هذا بخلاف سائر الجوامع والمفاهيم الكلية فانه لا يضاف اليها العدم الا بانعدام تمام مصاديقها و افراده، و هذا لغز مستعصى لا يمكن حله الا بمراجعة حقيقة هذه الجوامع لكى يتبين انها ليست كليات و انما هى اشباه كليات.

و توضيح ذلك-ان عنوان احدهما و ما يماثله ليس جامعا من قبيل عنوان الصلاة و انما هو مجرد رمز ذهنى يراد به التعبير عما فى الخارج و الاشارة اليه فبدل ان يقول مثلا جاء زيد يقول جاء احدهم فان هذا ليس جامعا ينطبق على زيد و غيره كما فى سائر الجوامع و انما هو من قبيل الرمز ب(س او ص)الذي يعبر بهما عن الاعداد فهو فى قوة ان يقال هذا او ذاك فليس طلب تركه طلبا لترك الجامع و انما هو طلب لترك احدى الخصوصيتين.

و البرهان على ذلك:ان الجامع لا يمكن ان ينطبق على الفرد بخصوصياته لانه عبارة عن تجريد الفرد عن خصوصياته و انطباقه على الفرد بذاته لا بخصوصيته، و هذا بخلاف عنوان احدهمااو احدهم فانه ينطبق على الخصوصية بما هى خصوصية.

بحوث النواهى اجتماع الامر و النهى

-فذلكة القول بالامتناع -امتناع الامر بالجامع و النهى عن فرده -امتناع الامر بعنوان جامع و النهى عن الجامع عنوان آخر ينطبق على فرد من ذلك -ملاكات ثلاثة لجواز الاجتماع -البحث عن صغرى ان تعدد العنوان يوجب تعدد المعنون -تنبيهات مسالة الاجتماع الفصل الثانى:

اجتماع الامر و النهى

الامر و النهى تارة يلحظان بالنسبة الى متعلقهما بالذات و اخرى بالنسبة الى متعلقهما بالعرض، و المقصود من المتعلق بالذات العنوان القائم فى الذهن الذي هو المعروض الحقيقى للامر و النهى و المقصود من المتعلق بالعرض مطبق تلك العناوين باعتبار ان تلك العناوين ملحوظة بما هى فانية فى معنوناتها فتكون هى المعروضة بالعرض.

و على هذا الاساس يقال:ان المعروض بالذات للامر و النهى ان كان واحدا من قبيل(صل)و(لا تصل)فيجب ان يفترض استحالة اجتماع الامر و النهى فيه اصلا موضوعيا مفروغا عنه قبل البحث عن اجتماع الامر و النهى.كما انه ان فرض ان ما هو المعروض بالعرض لهما متغاير بقطع النظر عن التغاير بين المعروضين بالذات كشرب الخمر و الصلاة فهذا ايضا يجب ان يفترض امكان تعلق الامر باحدهما و النهى بالاخر مفروغا عنه.

و هناك حالة وسط ى هى موضوع هذا البحث و هى التغاير بين المعروضين بالذات فيقع البحث حينئذ عن ان هذا التغاير هل يدفع محذور التضاد ام لا؟اما باعتبار كشفه عن التغاير بين المعروضين بالعرض، و اما باعتبار انه و ان لم يكشف عن ذلك الا انه بنفسه كاف فى دفع محذور التضاد.

و هذا التغاير يتصور باحد نحوين رئيسين:

احدهما:ان يكون العنوان واحدا فكلاهما متعلق بالصلاة مثلا الا انهما متغايران بالاطلاق و التقييد كصل و لا تصل فى الحمام.

الثانى:ان يكون العنوان متغايرا راسا من قبيل صل و لا تغصب.فلابد من بحث كل واحد منهما.

و هذان النحوان يختلفان فى امر هو انه لا يمكن البحث فى النحو الاول عن امكان استلزام التغاير فى العنوان-المعروض بالذات-بهذا النحو للتغاير فى المعنون-المعروض بالعرض-لوضوح وحدة الصلاة الخارجية فى الحمام و عدم تعددها فينحصر البحث عن هذا النحو من التغاير فى ان هذا المقدار من التغاير بالعنوان هل يكفى لدفع التضاد بنفسه ام لا؟ بينما النحو الثانى للتغاير يعقل البحث فيه عن اندفاع محذور التضاد بلحاظ كل من الناحيتين.و بهذا يظهر ان منهج البحث عن اجتماع الامر و النهى ليس كما صوره السيد الاستاذ.

و قبل الدخول فى البحث عن هذين القسمين الرئيسيين لابد من التعرض لما افترضناه اصلا موضوعيا للبحث و هو استحالة اجتماع الامر و النهى على متعلق واحد بالذات.

و يمكن بهذا الصدد ذكرثلاثة بيانات قد يمكن ارجاع بعضها الى البعض الاخر:

البيان الاول:ان التكليف مشروط بالقدرة و لا قدرة للمكلف على ان يصلى و لا يصلى، بل ليس له الا قدرة واحدة فيستحيل ان يجتمع التكليفان و هذا هو نفس البيان المذكور فى باب التزاحم غير انه هناك كان يجاب عن محذور الاستحالة بوجود قدرتين مشروطتين كل منهما بعدم الاخر لكن هذا غير معقول فى المقام.

و هذا البيان يمكن لمن يرى ان القدرة ليست شرطا فى التكليف بل فى الامتثال فقط-كما عليه الاستاذ-ان يدفعه بدعوى:انه لا مانع من التكليف بغير المقدور غاية الامر ان العقل يحكم بعدم منجزية شىء منهم، لانه على تقدير عدم احد النقيضين يكون الاخر ضروريا لا محالة فلا معنى لاشتراط الامر باحدهما بفرض ترك الاخر فان وصل احدهما دون الاخر تنجز حكم العقل به و الا فلا يحكم العقل بتعيين احدهما.

البيان الثانى:ان التضاد بين صل و لا تصل ثابت فى عالم الجعل و الحكم لان الحكم انما هو البعث و الزجر، و يستحيل اجتماع البعث و الزجر على عنوان واحد-مع قطع النظر عن القدرة فى مرحلة الامتثال-و هذا البيان بحسب الحقيقة هو روح البيان الاول لانه قد ارسل فى ذلك البيان شرطية القدرة ارسال المسلمات مع ان نكتتها ما يذكر فى هذا البيان.

هذا ايضا يمكن انكاره لمن يرى ان الحكم ليس الا مجرد اعتبار للفعل او الترك على ذمة المكلف و ليس متقوما بداعى الباعثية و المحركية.

البيان الثالث:ان التضاد بينهما ثابت فى مرحلة المبادئ لان الامر يكشف عن مصلحة تامة و محبوبية فعلية فى الفعل، و النهى يكشف عن قيام مفسدة تامة و مبغوضية فعلية فى الفعل فاذا تعلقا بشىء واحد لزم اجتماع الضدين.

و هذا البيان ايضا يمكن دفعه على المسلك القائل بان مبادئ الحكم قد تكون فى نفس الجعل بان تكون المصلحة فى الجعل لا متعلقه فلا يتحد مركز المصلحة الفعلية مع مركز المفسدة الفعلية.

و كذلك المسلك القائل بان المبادئ ليست الا ذات المصلحة و المفسدة لا المصلحة و المفسدة التامتين الموجبتين للحب و البغض لامكان حصول ذات المصلحة و المفسدة فى فعل واحد.

و موضع تحقيق هذه المبانى موكول الى محلها و نحن هنا نفرغ عن عدم صحة هذه المبانى و تمامية البيانات الثلاثة معا.

و على هذا الضوء ندخل فى شرح كل من القسمين للتغاير بين المتعلقين بالذات لنرى ما يتم من هذه البيانات فيه.

اما القسم الاول فالبيان الاول لا يتم فيه لوضوح امكان امتثال الامر باتيان الجامع بغير الحصة المحرمة.

و اما البيان الثانى فايضا لا ياتى لوضوح امكان فعلية انقداح كلا الداعيين داعى البعث نحو المطلق و داعى الزجر عن المقيد.

و اما البيان الثالث اي التنافى بلحاظ عالم المبادئ، فهذا البيان تارة:تلحظه بالنسبة الى عالم الذهن و المفاهيم اي المعروض بالذات، و اخرى:بالنسبة الى عالم الخارج و الوجود اي المعروض بالعرض.

اما بالنسبة الى العالم الاول فالصلاة قد وقعت معروضا للمحبوبية على وجه الاستقلال و وقعت معروضا للمبغوضية على وجه الضمنية اي ضمن المقيد.

و حينئذ قد يقال:انه كما يستحيل اجتماع المحبوبية و المبغوضية الاستقلاليتين كذلك يستحيل اجتماع المحبوبية الاستقلالية و المبغوضية الضمنية، بدليل انه لا يمكن اجتماع المبغوضية الاستقلالية مع المحبوبية الضمنية فانه لا يعقل الامر بالصلاة مثلا مع النهى عن التكبيرة نهيا استقلاليا.

الا ان الصحيح عدم تمامية هذا الكلام و ان هناك فرقا بين المحبوبية الضمنية و المبغوضية الضمنية، فالاول لا يمكن ان تجتمع مع البغض الاستقلالى الا ان الثانى يمكن ان يجتمع مع الحب الاستقلالى فانه يمكن ان يبغض مجموع امرين و جزئين مع تعلق الحب الاستقلالى باحدهم، فلا بد من التفرقة بين اجتماع المحبوبية الضمنية مع المبغوضية الاستقلالية فانه مستحيل و بين اجتماع المبغوضية الضمنية مع المحبوبية الاستقلالية فانه جائز.

و هذا رغم كونه وجدانيا يمكن البرهنة عليه باحد بيانين:

الاول:انا لا نتعقل المبغوضية الضمنية فى نفسها بخلاف المحبوبية الضمنية فان الحب اذا تعلق بمجموع جزئين فسوف تتعلق محبوبيتان ضمنيتان بالجزئين و يكون لكل منهما اقتضاء لا يجاد ذلك الجزء لا كاقتضاءين مستقلين بل كجزء من اقتضاء الحب الاستقلالى للمجموع كما ان الحب الضمنى كان جزءا تحليليا لذلك الحب الواحد.

هذا فى طرف الحب و اما فى طرف البغض اذا تعلق بمجموع جزءين فهذا البغض انما يقتضى اعدام المجموع اي احد الجزئين و نفيه لا اعدام كليهم، و هذا الاقتضاء لا يمكن ان يتبعض كى ينحل الى بغضين ضمنيين على كل من الجزئين و يكون لهمااقتضاءان تحليليان، و هذا كاشف عن عدم انحلال المبغوضية الى مبغوضيتين ضمنيتين، اذ لو كان هناك بغض ضمنى فان كان لا يقتضى شيئا فهو خلف كونه مبغوضا و ان كان يقتضى اعدام ذلك الجزء كان معناه زيادة اقتضاء البغض الضمنى على البغض الاستقلالى و انه لا بد من اعدام الجميع و هو غير معقول ايضا و لو كان يقتضى اعدام المجموع فهو خلف كونه ضمنيا و هذا كله انما كان على اساس ان المجموع وجوده بوجود كل اجزائه بينما يكفى فى عدمه عدم احد اجزائه.

الثانى:ان البغض و الحب انما يتنافيان فيما اذا فرض تنافيهما فى مقام الاقتضاء و التاثير فاذا كان بين مقتضاهما تناف ذاتى لا عرضى- كالتنافى العرضى فى باب التزاحم-استحال اجتماعهم، و لهذا لو افترضنا عالما يمكن فيه تحقيق كلا النقيضين امكن تعلق الحب و البغض بشىء واحد فان البغض ليس نقيضا للحب بذاته و لا تضاد ذاتى فيما بينهما ايضا و انما التنافى بلحاظ متعلقهما.

و عليه نقول:انه لا تنافى ذاتى بين مقتضى الحب الاستقلالى لشىء و مقتضى البغض الضمنى لذلك الشىء لان البغض الضمنى لا يقتضى اكثر من اعدام المجموع لا الجميع و هو لا يتنافى مع مقتضى الحب الاستقلالى لذلك الجزء لعدم توقف اعدام الجميع على اعدام ذلك الجزء.

و هكذا يتضح:انه لا تنافى بين ان تقع الصلاة مثلا مركزا للمحبوبية الاستقلالية و مركزا للمبغوضية الضمنية فلا تنافى بلحاظ عالم المعروض بالذات.

و اما بلحاظ عالم المعروض بالعرض فقد يدعى ان تعلق الاحكام بالعناوين انما هو بلحاظ حكايتها عن الخارج و من الواضح انه بلحاظ الخارج لا يوجد الا شىء واحد فيستحيل ان يكون هذا الوجود الواحد متعلقا للمحبوبية و المبغوضية الاستقلاليتين معا.

و هذه الشبهة ايضا غير تامة لان الاحكام المتعلقة بالعناوين و ان كانت متعلقة بها بما هى مرآة عن الخارج الا ان ذلك انما يكون بمقدار مرآتية ذلك العنوان المتعلق لا اكثر من ذلك، و من الواضح ان متعلق الامر انما هو الطبيعة التى يكون مرآة عن صرف وجود الطبيعة فى الخارج و اما متعلق النهى فهو الحصة الخاصة التى تكون مرآة عن الفرد، فالمعروض بالعرض للنهى هو الفرد و هو ليس معروضا بالعرض للامر بل مصداق للمعروض بالعرض فى الامر، فانه قد تقدم ان متعلق الامر صرف الوجود و صرف الوجود لا يلحظ من خلاله الافراد كى يكون المعروض بالعرض واحدا و انما يلحظ نفس الطبيعة.

و عليه فلا اجتماع للمحبوبية و المبغوضية على مركز واحد فى عالم المعروض بالعرض كما لا اجتماع فى مركز واحد بلحاظ المعروض بالذات و فى مقابل هذا الكلام يوجد بيانان لو تم احدهما سوف يكون ملاكا للامتناع.

البيان الاول:ما ذكرته مدرسة المحقق النائينى(قده) فى تنبيهات المسالة اجتماع الامر و النهى مع انه بيان على اصل الكبرى.و حاصله:انه لا يوجد تضاد بين الامر و النهى المتعلقين بالمطلق و المقيد مع وضوح ان التركيب اتحادي و ليس انضماميا لان مركز الامر هو صرف الوجود و مركز النهى هو الفرد و لا تنافى ذاتى بينهما الا انه يوجد تناف بالعرض يقتضى:عدم امكان اجتماع الامر بالصلاة و النهى عن الصلاة فى الحمام و ذلك لان الامر بصرف وجود الطبيعة لازمه امكان تطبيقها على اي فرد من افراد الطبيعة خارجا حتى الفرد المحرم فيقع تناف لا محالة بين هذا المدلول الالتزامى المستفاد من بدلية متعلق الامر و بين النهى عن الفرد((4)).

و الفارق العملى بين هذه الصياغة للامتناع و بين الصياغة السابقة التى كانت تفترض التنافى اولا و بالذات بين مدلولى الامر و النهى انه على الصياغة السابقة لا يفرق فى الامتناع بين ان يكون النهى تحريميا او كراهي، لان المحبوبية لا تجتمع مع المبغوضية و لو كانت بمرتبة الكراهة، بينما على اساس هذه الصياغة لا يوجد تناف فيما اذا كان النهى كراهيتا لان الترخيص فى التطبيق على الفرد الذي هو المدلول الالتزامى للامر بصرف الوجود لا يتنافى مع كراهة ذلك الفرد.و بهذا اجابت مدرسة الميرزا(قده) على الاشكال العويص الذي يواجه مسالة الكراهة فى العبادات و لهذا ايضا ذكرت هذا البيان فى تلك المسالة.و هذا البيان غير تام لان الاطلاق البدلى فى متعلق الامر ليس معناه و لا لازمه الترخيص فى التطبيق على الافراد كحكم شرعى شمولى مولوي.

و توضيح ذلك:انا قد ذكرنا فيما سبق ان مقتضى الاطلاق ليس الا كون معروض الحكم ذات الطبيعة التى هى تمام المبين بحسب مقام الاثبات، و لازم ذلك انه من قبل هذا الوجوب لا مانع من تطبيقه على اي فرد لا انه لا مانع بالفعل و من جميع الجهات.

و ان شئتم قلتم:انه قد وقع الخلط فى المقام بين الترخيص الوضعى و الترخيص التكليفى، فان الامر يقتضى الترخيص الوضعى فى تطبيق الحكم على كل فرد اي الاجتزا باي فرد محقق للطبيعة و هذا لا ينافى ان يكون هناك مانع من ناحية اخرى، فلا تنافى بين مدلول الامر و النهى لا بالذات و لا بالعرض.

و عندما اشكلنا على اصحاب هذا المسلك بهذا الاشكال اجابوا بان هذا مدلول عرفى يوجب الامتناع و التنافى العرفى بينهما و هذا مطلب آخر سوف نتعرض له مشروحا فيما ياتى.

البيان الثانى:ان الحب المتعلق بالجامع بنحو صرف الوجود يلازم تعلق الحب بكل فرد فرد على تقدير عدم الافراد الاخرى، و هذا معناه ان التخيير العقلى دائما يلزم منه التخيير الشرعى بلحاظ عالم الحب و ان لم يكن كذلك بحسب عالم الجعل و الحكم و هذا يستوجب التضاد بين النهى عن الحصة و الامر بالطبيعة لان الاول يقتضى تعلق البغض بالحصة و الثانى يقتضى تعلق الحب بها منوطا بترك سائر الحصص، فبلحاظ عالم الحب يكون الحب ساريا من الطبيعة الى الافراد بنحو مشروط و ان لم يكن كذلك بلحاظ الحكم فيلزم اجتماع الضدين اذ كما لا يجتمع الضدان مطلقا كذلك مشروطا.

و هذا البيان موقوف على تمامية ارجاع الحب المتعلق بالطبيعة الى الحب بكل حصة منها مشروطا بعدم الاخرى و لو اختيارا من جهة ان المكلف لم يقدم غيرها الى المولى.و هذا التلازم وجدانى فى النفس البشرية فانه من غير الصحيح ان يقال لمن يحب شرب الماء من هذا الاناء او ذاك انه يحب صرف الوجود لا هذا الذي شربه او ذاك اذا شربه بل يحب الجامع الذي هو غير هذا و غير ذلك.((5))و هذا معناه انه بلحاظ روح الحكم و هو الحب و البغض يلزم دائما التخيير الشرعى من التخيير العقلى فهذا البيان الثانى تام فى اثبات الامتناع.

هذا كله فى التغاير بين متعلق الامر و النهى بنحو الاطلاق و التقييد.

و اما التغاير بينهما بنحو تعدد العنوان من قبيل(صل)و(لا تغصب)فهنا يوجد دعويان متقابلان متطرفان، دعوى تقول بانه يكفى فى رفع غائلة التضاد بينهما مجرد تعدد الوجود الذهنى الذي هو المعروض بالذات للحكم و لو اتحد المعروض بالعرض لهم، و لازم هذه الدعوى انه لو اوجدنا ماهية واحدة فى الذهن بوجودين مرتين-كما اذا تصورنا الصلاة مرتين-امكن ان يتعلق باحدهما الحب و بالاخر البغض لان كل منهما وجود غير وجود الاخر و ان اتحدا ماهية فعروض الضدين عليهما نظير عروض احد الضدين على زيد و الاخر على عمر اللذان هما وجودان خارجيان لماهية واحدة.

و دعوى اخرى:بان الغائلة لا ترتفع الا بتعدد الوجود الخارجى للمتعلقين لان الاحكام و ان كانت متعلقة بالوجود الذهنى الا انها متعلقة بها بما هى قنطرة الى الخارج فلا بد من تعدد الوجود الخارجى كى يرتفع محذور التضاد.

و الدعوى الاولى كما اشرنا تتوقف تماميتها على اثبات ان الاحكام لا تعرض على الوجود الخارجى و انما تعرض على الوجود الذهنى.

و هذه النقطة يمكن البرهنة عليها بعدة تقريبات:

التقريب الاول:انه لو كانت الاحكام متعلقة و عارضة على الوجود الخارجى فماذا يقال عن الحكم الذي لم يمتثل و لم يتحقق بعد شىء من مصاديقه فى الخارج، كما لو عصى المكلفون و لم ياتوا بشىء من الصلوات خارج، مع وضوح انحفاظ الامر و الحكم الشرعى فى حالتى العصيان و الامتثال معا.

التقريب الثانى:انه لو كان الحكم متعلقا بالوجود الخارجى لكان متاخرا مرتبة عن الوجود الخارجى مع انه من مبادئ الوجود الخارجى و الدواعى لا يجاده فيستحيل ان يكون عرضا من اعراضه، و هذا هو معنى ما يقال من ان العلية تنافى العروض، و لا يمكن الجواب عليه:بما ذكره المحقق الاصفهانى من التفرقة بين الوجود العلمى و الوجود الخارجى بان يكون العارض على الوجود الخارجى هو الامر الواقعى و ما يكون علة للوجود الخارجى هو الامر بوجوده العلمى اي علم المكلف بالامر فاختلف ما هو العلة و المتقدم عما هو العارض و المتاخر.

لانه اذا كان الامر بوجوده الواقعى عارضا على الوجود الخارجى و متاخرا عنه فيستحيل ان يكون العلم بمثل هذا الامر محركا نحو ذلك الوجود الخارجى لان العلم به سوف يكون كاشفا عن وجود معروضه فى الخارج، لان ما يكون محركا انما هو العلم بالامر الفعلى لا الشانى التقديري، و الامر لا يكون فعليا الا بعد ان يتحقق الموجود خارجا او على الاقل بعد ان يرى العالم معروضه موجودا فى الخارج، فاذا لم ير العالم المعروض فعليا فى الخارج فلا يكون الامر فعليا بحسب نظره فلا يكون محركا.

و بعبارة اخرى:اذا فرض ان العلم بالامر المحرك للمكلف متعلق بالامر الفعلى المتحقق فى الخارج بتحقق موضوعه لزم التهافت فى نظر العالم لانه يرى الفعل معلولا له و لعلمه فكيف يكون موجودا بقطع النظر عنه فهذا تحصيل الحاصل، و ان كان المحرك له العلم بانه سوف يتحقق الموضوع و يتحقق حكمه فى الخارج اي الحكم التقديري فهذا لا يمكن ان يكون محركا.

التقريب الثالث:ما اشرنا اليه مرارا من ان الاحكام الشرعية من الصفات ذات الاضافة و التى تكون الاضافة مقومة لها بحيث لا يعقل افتراضها فى اي مرتبة الا و لها تلك الاضافة حتى مرتبة ذاتها اذ يلزم من الانفكاك فى مرتبة من المراتب تعقل حب او علم مثلا بلا محبوب او معلوم و هو غير معقول، و لازم هذا ان يكون المضاف اليه فى هذه الصفات ثابتا فى مرتبة ذاته، و بهذا البرهان يثبت ان المحبوب بالذات و المبغوض بالذات انما هو نفس الحب و البغض.

و يمكن ان يصاغ هذا التقريب بصياغة اخرى حاصلها:ان الارادة نسبة الى ماهية المراد و هى اما نسبة العرض الى موضوعه كنسبة البياض الى الجسم او نسبة الشىء الى متعلقه، و الاول واضح البطلان لان موضوع الارادة هو النفس لا المراد الخارجى بل قد تتعلق الارادة بالعدم كما لو اراد ان لا يكون زيد عالم، و اما الثانى فان كانت هذه النسبة التى هى نسبة الاضافة نسبة تعرض على الارادة كعروض الاضافة الخارجية على الشىء فيقال عنه انه لفلان مثلا فهذا يستلزم امكان انفكاك هذه الاضافة عن المضاف مع انه غير ممكن فى الارادة اذ لا يتعقل ارادة بلا مراد، و ان كانت هذه الاضافة امرا ذاتيا للارادة بان كانت حقيقتها ذلك فمن الواضح ان الارادة ليست عبارة عن نسبة الاضافة التى لا استقلال لها فى نفسها و انما الارادة شىء لها الاضافة الى المراد، فاذا بطلت هذه الشقوق كلها يتعين ان تكون نسبة الارادة الى المراد نسبة الوجود الى الماهية و لكن بالوجود الذهنى]، و الوجود مع الماهية متحدان لا محالة و فى عالم واحد كما هو واضح.

و على اساس هذه التقريبات يقال بانه يرتفع غائلة الاجتماع بمجرد تعدد الوجود الذهنى المتعلق به الامر و النهى.

و هذه الدعوى لو تمت لاقتضت جواز الاجتماع حتى لو كان العنوان واحدا - كما اشرنا اليه-فيما اذا وجد ذلك العنوان فى الذهن مرتين.

الا ان هذه الدعوى غير صحيحة لان كون الاحكام عارضة على الوجودات الذهنية و ان كان صحيحا الا ان الصور الذهنية لها اعتباران، اعتبار بالحمل الاولى و اعتبار بالحمل الشايع و قد تقدم مرارا توضيح هذين الاعتبارين فى الصور و الوجودات الذهنية.